Indexed OCR Text

Pages 261-280

ذكرته(١)، إذ لا يخفى أن كلامهما ليس على إطلاقه، وأن مقصودهما
بالثقة هنا: الثقة المطلق، وهم الذين في الذروة العليا من الثقة
والضبط(٢)، ولا شك أن عددهم قليل بالنسبة لغيرهم ممن يشمله اسم
الثقة .
ومن هذا الباب قول عبدالرحمن بن مهدي وقد سئل عن أبي خلدة
أكان ثقة؟: ((كان صدوقاً، كان مأموناً، كان خياراً، الثقة شعبة،
وسفيان))(٣)
وذكر عند أحمد بعض أصحاب الزهري، فقال: ((ما فيهم إلا ثقة،
- وجعل يقول -: أتدري من الثقة؟ إنما الثقة يحيى القطان ... ))(٤).
وسأله المروذي عن عبدالوهاب بن عطاء الخفاف هل هو ثقة؟
فقال: ((تدري من الثقة؟ الثقة يحيى القطان))(٥).
وقال أحمد وقد سئل عن زائدة بن قدامة، وزهير بن معاوية:
((هؤلاء: سفيان، وشعبة، وزائدة، وزهير - هؤلاء الثقات))(٦).
الأمر الرابع: عرف بالاستقراء أن بعض من وصفوا بانتقاء
شيوخهم ربما رووا عن الضعفاء والمتروكين إما بغرض الرواية
(١) (شرح علل الترمذي)) ٣٧٦:١، و((فتح المغيث)) ٤٢:٢، وهو عند الأخير في حق
شعبة فقط .
(٢) انظر: ((المدخل إلى الصحيح)) ص١١٣ .
((الجرح والتعديل)) ١: ١٦٠، ٣٧:٢، ٣٢٨:٣، و((المجروحين)) ٤٩:١، و((الكامل))
(٣)
١ :١٦٦.
«علل المروذي» ص٥٧ .
(٤)
((علل المروذي)) ص٥٩ .
(٥)
((علل المروذي)) ص١٧١ .
(٦)
٢٦١

والتحديث عنهم، وإما لأغراض أخرى متنوعة، كأن يكون في
المذاكرة، أو بقصد القدح فيه، والتعجب من روايته، وقد يكون لم
يخبره جيداً.
فروى عبدالله بن عون عن أبي هارون عمارة بن جوين العبدي،
وقد ضعفه النقاد، وكذبه بعضهم(١).
وروى شعبة عن داود بن يزيد الأودي، وقد ضعفه الجمهور،
وعجب من صنيعه سفيان الثوري، قال يحيى القطان: ((قال سفيان
الثوري: أبو بسطام - يعني شعبة - يحدث عن داود الأودي - تعجباً
منه -، وكان شعبة حمل عن داود قديماً))(٢).
وقال شعبة: ((حدثنا داود بن فراهيج بعدما كبر وافتقر وافتتن))(٣)،
وقال مرة: ((حدثنا داود بن فراهيج - وكان ضعيفاً _))(٤).
وروى شعبة عن مجاعة بن الزبير، وميمون أبي عبدالله مولى
عبدالرحمن بن سمرة، وسيف بن وهب، وكان يتكلم فيهم(٥).
وكان شعبة يحمل على أبان بن أبي عياش حملاً شديداً - كما تقدم
ذكره في أول مبحث (الأحكام النظرية على الرواة) في هذا الفصل،
وقد روى عنه حديثاً، فلما قيل له في ذلك قال: ((من يصبر على هذا
(١) ((تهذيب التهذيب)) ٤١٢:٧.
((العلل ومعرفة الرجال)) ٥١٥:١، و((الضعفاء الكبير)) ٤١:٢، ٤٢.
(٢)
(٣)
((الضعفاء الكبير)) ٤٠:٢ .
((المعرفة والتاريخ)) ٣٣:٣.
(٤)
(العلل ومعرفة الرجال)) ٢٤١:٣، و((التاريخ الكبير" ١٧٠:٤، ٣٣٩، و((الجرح
(٥)
والتعديل)) ٢٧٥:٤، ٢٣٤:٨، ٤٢٠.
٢٦٢

الحديث))(١)، وفي رواية: ((لم أصب هذا الحديث إلا عنده))(٢).
وقال وكيع لشعبة: لم تركت فلاناً وفلاناً ورويت عن جابر
الجعفي؟ فقال: ((روى أشياء لم نصبر عنها))(٣).
وقال ابن معين ذاكراً بعض الضعفاء الذين روى شعبة عنهم: ((روی
شعبة عن جابر الجعفي، وعن الحسن بن عمارة، إلا أنه لا يسميه،
يقول: عن رجل، عن الحكم، عن مجاهد، وروى عن قيس بن
الربيع»(٤).
وقال الآجري: ((سمعت أبا داود يقول: حدث شعبة عن جماعة من
الضعفاء، عن مسلم الأعور، والعرزمي، وعمرو بن عبيد، وموسى بن
عبيدة، وجابر الجعفي، والحسن بن عمارة، وكان شعبة يقول: لا يحل
لي أن أحدث عن الحسن بن عمارة، فقلت له: قد حدث عن ليث ،
فقال: ليث ليس هو مثل هؤلاء))(٥).
وذكر أبو حاتم أن رواية شعبة عن العرزمي - وهو مجمع على تركه
- كان على التعجب(٦).
وروى شعبة أيضاً عن الكلبي - وهو متهم بالكذب - حديثاً
(١) ((الضعفاء الكبير)) ٣٨:١.
(٢) ((الكامل)) ٣٧٣:١، بإسناد (منقطع)، وانظر: ((شرح علل الترمذي)) ٣٩٢:١.
(٣) ((المجروحين)) ٢٠٩:١، و(تهذيب الكمال)) ٤٦٨:٤، وفسره ابن حبان على أنه
يروى عنه على وجه التعجب، فحمل ذلك عن شعبة، وانظر: ((المعرفة والتاريخ))
٢ : ١٦٤.
(٤) ((سؤالات ابن الجنيد)) ص٤٥٦.
(٥) ((سؤالات الآجري لأبي داود)) ١٣:٢.
(٦) ((الجرح والتعديل)) ٢:٨.
٢٦٣

واحداً(١).
وروى مالك عن عبدالكريم بن أبي المخارق البصري شيئاً يسيراً
في ترغيب، وهو متروك الحديث، لم يعرفه مالك، ويقال إنه غرَّه منه
سمته(٢).
وروى ابن المبارك عن إسماعيل بن مسلم المكي مع أنه قد ترکه،
قال البخاري: «تر که ابن المبارك، وربما روی عنه، وتركه یحیی، وابن
مهدي))(٣)، وفي لفظ له: ((تركه يحيى، وابن مهدي، وتركه ابن
المبارك، وربما ذكره))(٤).
وكان يحيى القطان قد ترك حديث شريك بن عبدالله، وربما ذكر
عنه شيئاً يسيراً على غير جهة الرواية، فحمل عنه، قال أحمد: ((كان لا
يرضاه، وما ذكر عنه إلا شيئاً على المذاكرة حديثين))(٥).
وقال ابن المديني: ((كان يحيى بن سعيد حمل عن شريك قديماً،
وكان لا يحدث عنه، وكان ربما ذكرها على التعجب، فكان بعضهم
يحملها عنه»(٦).
وقال ابن معين في يحيى بن سعيد أيضاً: ((كان يحيى بن سعيد
(١) ((سؤالات الآجري لأبي داود)) ٢٨٧:١.
(٢)
(تهذيب التهذيب)) ٣٧٦:٦، وانظر: ((سير أعلام النبلاء)) ٧٢:٨.
(التاريخ الكبير)) ٣٧٢:١، و((الضعفاء الصغير)) ص١٧، و((الضعفاء الكبير)) ٩١:١،
(٣)
و((الكامل)) ٢٨٠:١.
(٤) (التاريخ الصغير)) ٨٤:٢.
(٥) ((علل المروذي)) ص١٢٤، وانظر: ((سؤالات أبي داود)» ص٣١٢، و((العلل ومعرفة
الرجال)) ٢٩٩:٣.
(٦) ((تاريخ بغداد)) ٢٨٤:٩.
٢٦٤

القطان لا يروي عن إسرائيل، ولا شريك، وكان يستضعف عاصماً
الأحول، وکان یروي عمن دون - مجالد -)»(١) .
وقال أبو داود: ((قد حدث يحيى (يعني القطان) عن مشايخ ضعاف
- على نقده للرجال -: أجلح، ومجالد، وجعفر بن ميمون صاحب
الأنماط، وكان يحدث عن عمرو بن عبيد ثم تركه بأخرة، وحدث عن
موسی الأسواري ثم تركه))(٢).
وكان يحيى القطان يتكلم في مطر الوراق، وقد روى عنه اليسير
بعد إلحاح، قال عمرو بن علي: ((سألت يحيى عن حديث مطر، عن
الحسن، أن رسول الله وسلم قال: ((لا أعافي أحداً قتل بعد أخذ الدية)) -
فقال: حدثنا موسى بن سيار، حدثنا الحسن ... ، فقلت: أريد حديث
مطر، فحدثني به بعد سنة ... ))، وذكر قصة أخرى مثلها في حديث
آخر(٣) .
وقال البرذعي: ((قال ابن أبي شيبة: إذا رأيتني قد كتبت عن الرجل
ولا أحدث عنه - فلا تسأل عنه، وكان كتب عن الحكم (يعني ابن
ظهير) ولم يحدث عنه، ثم قال: حدث عن عاصم، عن زر، عن
عبدالله، فجعل يعدد تلك المناكير: ((إذا رأيتم معاوية))، وغيره، فأراد
رجل أن يكتب حديثاً مما ذكر، فقال له: الحكم، عن السدي - عمن؟
قال: لا تكتب عني عن الحكم بن ظهير شيئاً))(٤).
(١) ((تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٦٤٦:٢.
(٢) ((سؤالات الآجري لأبي داود)) ٢: ١٥.
(٣) (الكامل)) ٢٣٩٢:٦.
(٤) ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص ٤٢٧.
٢٦٥

فابن أبي شيبة إنما أراد نقد هذا الرجل وأحاديثه، ومع هذا أراد
أحد تلاميذه أن يكتب عنه على سبيل الرواية.
وحدث أحمد عن عامر بن صالح الزبيري، وعاتبه في ذلك يحيى
ابن معين(١).
وحدث أيضاً عن أبي قتادة عبدالله بن واقد الحراني، وقد ضعفه
الجمهور، وتركه بعضهم، وعاتبه أيضاً أبو جعفر النفيلي، واعتذر له أبو
زرعة، قال البرذعي: ((قال لي أبو زرعة: ذكرت لأبي جعفر النفيلي أن
أحمد حدثنا عن أبي قتادة، فاغتم، وقال: قد كتبت إليه أن لا يحدث
عنه، قال أبو زرعة: وإنما كان أحمد حدثنا عنه في المذاكرة ... ))(٢).
وروى أحمد أيضاً عن علي بن مجاهد الرازي، وهو متروك
الحديث(٣).
وروى أيضاً عن عبدالعزيز بن أبان أبي خالد الكوفي، وهو متروك
الحديث، رماه بعض الأئمة بوضع الحديث، لكن أحمد قد تركه، وإنما
أخرج عنه على غير وجه الحديث، قال أحمد: ((لم أخرج عنه في
((المسند)) شيئاً، وقد أخرجت عنه على غير وجه الحديث، منذ حدث
بحديث (المواقيت) حديث سفيان، عن علقمة بن مرثد - تركته))(٤).
وسئل أبو زرعة عن عثمان بن فرقد، فقال: ((ضعيف الحديث،
(١) انظر: ما تقدم في مبحث (معوقات الحكم على الراوي) (نقد النقد) في الفصل
الأول.
(٢) ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)» ص٣٤٨.
(٣)
(تهذيب التهذيب)) ٣٧٧:٧، و((التقريب)» ص٤٠٥.
(٤) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٢: ٥٠، ٢٩٨:٣ و((الضعفاء الكبير)) ١٦:٣.
٢٦٦

حدثنا عنه علي بن المديني وهو ضعيف ... ))(١).
وروى البخاري عن أسيد بن زيد الجمال حديثاً واحداً قرنه فيه
بغيره، وهو متروك الحديث، كذبه ابن معين، وقد قيل إن البخاري لم
يعرفه كما ينبغي(٢).
وقال ابن أبي حاتم: ((سمعت أبا زرعة يقول: ما أعلم أني حدثت
عن سلم بن سالم إلا - أظنه - مرة، قلت: كيف كان في الحديث؟
قال: لا یکتب حديثه، کان مرجئاً، وکان لا - وأومی بيده إلى فيه يعني
لا يصدق - )) (٣).
وقد روى أبو زرعة، وكذا أبو حاتم عن جماعة من الرواة
الضعفاء(٤).
وفوق ذلك كله أنه قد نقل عن جماعة ممن وصفوا بانتقاء شيوخهم
التسامح في الرواية عمن لم يشتد ضعفه من الرواة، وأنه لا بأس
بالرواية عمن هو كثير الخطأ، إذا لم يكن هو الغالب عليه، وخاصة في
أحاديث الرقاق(٥).
وكأنه لهذه الأسباب مجتمعة قال الترمذي وهو يذكر رواية بعض
(١) (أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٣٢٣.
(٢) ((صحيح البخاري)) حديث ٦٥٤١، و((تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٣٩:٢،
و((سؤالات ابن الجنيد لابن معين)) ص٢٩٢، و(تهذيب التهذيب)) ٣٤٤:١، و((فتح
الباري)، ١١ :٤٠٦.
(٣)
((الجرح والتعديل)) ٢٦٧:٤.
((أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة)) ص١٥٨- ١٦١.
(٤)
(٥) ينظر ما كتبه ابن رجب حول مذاهب العلماء في هذا الموضوع في ((شرح علل
الترمذي، ٣٧١:١_٤٠٢.
٢٦٧

الأئمة عن الضعفاء: ((فلا يغتر برواية الثقات عن الناس))(١).
فإذا جئنا إلى ترك الرواية عن الراوي وجدنا بعضهم قد ترك حديث
من هو ثقة، تضعيفاً له، فقد كان يحيى بن سعيد القطان لا يروي عن
همام بن يحيى البصري، وهو ثقة (٢).
وقال ابن معين في محمد بن كثير البصري - وهو ثقة، وكان ابن
معين يضعفه: ((لم يكن يستأهل أن يكتب عنه)) (٣).
وربما وقع ذلك ممن لا ينتقي شيوخه، كما قال ابن معين في
عبيدالله بن عمر القواريري: ((القواريري يحدث عن عشرين شيخاً من
الكذابين، ثم يقول: لا أحدث عن روح بن عبادة))(٤).
وفي أحيان كثيرة يذكر في ترجمة الراوي أن فلاناً لا يروي عنه،
ولیس ذلك من أجل ضعف حديثه عنده، فقد یکون لم يتفق له أن يأخذ عنه.
كما روى علي بن المديني، قال: ((سمعت يحيى - يعني القطان -
يقول: كان زبرقان - يعني السراج - ثقة، قلت ليحيى: كان ثبتاً؟ قال:
كان صاحب حديث ، قلت: إن سفيان كان لا يحدث عن الزبرقان،
قال: لم يره، ثم قال يحيى: ليت كل من يحدث عنه سفيان كان ثقة -
يعني ثقة مثل الزبرقان ))(٥).
(١) ((سنن الترمذي)) ٧٤٢:٥، و((شرح علل الترمذي)) ٣٧٤:١، لكن وقع في الأول:
((فلا يعتبر))، وفي الثاني: ((فلا تغتروا))، وما أثبته من مخطوط ((سنن الترمذي)).
(٢) ((تهذيب التهذيب)) ٦٨:١١، وانظر: ما تقدم في مبحث (معوقات الحكم على
((سؤالات ابن الجنيد)) ص ٣٥٧، ٤٦٣.
(٣)
الراوي) (نقد النقد) في الفصل الأول.
(تاريخ بغداد)) ٤٠٣:٨، وانظر: ((سؤالات الآجري لأبي داود)) ١٨:٢.
(٤)
(الجرح والتعديل)) ٦١٠:٣.
(٥)
٢٦٨

وكم من راو أمكنه السماع من آخر فلم يفعل، لأسباب مختلفة،
غير ترك الأخذ عنه، فالأمر كما قال أبو داود بعد أن ذكر شيئاً من هذا
عن نفسه: ((والحدیث رزق))(١).
وقد يكون ترك الرواية عنه لسبب خاص بينه وبينه، كما في قصة
مالك مع سعد بن إبراهيم الزهري المدني.
قال أحمد: ((أي شيء يبالي سعد بن إبراهيم أن لا يحدث عنه
مالك، ما أدري ما كان بلية مالك معه، حيث لم يرو عنه؟ زعموا أن
سعداً كان وعظ مالكاً - أي في تنسبه - فتركه))(٢).
ووثقه أحمد، فقيل له إن مالكاً لا يحدث عنه، فقال: ((من يلتفت
إلى هذا؟ سعد ثقة رجل صالح))(٣).
وكذا قال آخرون في سبب عدم رواية مالك عنه(٤)، وأشار ابن
المديني إلى سبب آخر، وهو أن سعداً لم يكن يحدث بالمدينة(٥)، -
يعني ومالك لم يرحل عنها - فلم يسمع منه أصلاً، فيعود ذلك إلى
السبب الأول، وهو کونه لم یرزق الرواية عنه، ویؤیده أن مالكاً روی
بواسطة اثنين عنه(٦).
(١) «سؤالات الآجري لأبي داود)) ٢٩٥:٢.
وسيأتي شرح هذه المسألة بأمثلتها في الباب الثاني الخاص بالاتصال والانقطاع،
فمكانها هناك.
(٢)
((سؤالات أبي داود)) ص ٢٠٣.
(تهذيب التهذيب)) ٤٦٥:٣، وانظر: ((علل المروذي)) ص٦٥.
(٣)
(٤) ((إكمال تهذيب الكمال)) ٢٢٤:٥-٢٢٧، و(تهذيب التهذيب)) ٤٦٥:٣.
(٥) ((الجرح والتعديل)) ٧٩:٤.
(٦) ((علل المروذي)) ص٦٦ .
٢٦٩

وربما ترك الأخذ عنه خوفاً من أهل بلده، لسوء رأيهم فيه، كما
قال أبو زرعة: ((ما تركت الكتابة عن عبدالمؤمن بن علي إلا خوفاً من
أهل البلد أن يشنعو علي بإتياني إياه))(١).
وفي أحيان كثيرة يدع الراوي الأخذ عن شيخه في كبره، خوفاً من
نسيانه، واكتفاء بما أخذه عنه في حال قوته، أو لكونه استنزف شيخه
لكثرة ما سمع منه، فلم يعد يسمع منه جديداً، وربما عبر عن هذا
بالترك، وقد وقع هذا لعروة بن الزبير مع عائشة رضي الله عنها، قال
أحمد: ((حدثنا سفيان، قال: قال هشام بن عروة: قال أبي: لقد تركتها
قبل أن تموت بكذا وكذا - قال سفيان: لقد تركتها قبل أن تموت
بسنتين - ما أسألها عن شيء - يعني عائشة -))(٢).
ومثله قول ابن المديني: ((كان عطاء (يعني ابن أبي رباح) اختلط
بأخرة، فتركه ابن جريج، وقيس بن سعد))(٣)، قال الذهبي: ((لم يعن
الترك الاصطلاحي، بل عنى أنهما بطَّلا الكتابة عنه، وإلا فعطاء ثبت
رضي)) (٤).
ويدل على ما قاله الذهبي، ما رواه سليمان بن حرب، عن بعض
مشيخته قال: ((رأيت قيس بن سعد قد ترك مجالسة عطاء، قال: فسألته
عن ذلك، فقال: إنه نسي - أو تغير - فكدت أن أفسد سماعي منه))(٥).
(١) ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٣٤٨، وانظر: ((الجرح والتعديل)) ٦٦:٦.
(٢)
((العلل ومعرفة الرجال)» ١٩٧:١.
(٣)
((المعرفة والتاريخ)) ١٥٣:٢.
(٤)
(ميزان الاعتدال)) ٣: ٧٠.
(٥) (تهذيب التهذيب)) ٢٠٢:٧.
٢٧٠

ويقع مثل هذا كثيراً للرواة مع شيوخهم المختلطين(٦).
وقد يكون ترك الأخذ عن الراوي أو التحديث عنه من باب الزجر
والتأديب، ثم قد يكون هذا الأمر يتعلق بالرواية، كالإصرار على
الخطأ، فالراوي إذا أخطأ ثم نبه وأصر على خطئه فإنه يترك، نقل هذا
عن جماعة من الأئمة، منهم شعبة، وابن المبارك، والحميدي،
وأحمد، والدار قطني(٢).
وعزا ابن رجب ترك شعبة حديث عبدالملك بن أبي سليمان - وقد
وثقه جماعة - لهذا السبب، وذلك في قصة حديث (الشفعة) المشهور،
قال ابن رجب: ((وإنما ترك شعبة حديثه لرواية حديث الشفعة؛ لأن
شعبة من مذهبه أن من روى حديثاً غلطاً مجتمعاً عليه، ولم يتهم نفسه
فيتركه - ترك حديثه))(٣).
وقد يكون الزجر والتأديب الأمر لا يتعلق بالرواية، كالدخول في
عمل للسلطان، أو الإكثار من الفتوى بالرأي، قال أبو داود: ((كان
وكيع لا يحدث عن هشيم، لأنه كان يخالط السلطان، ولا يحدث عن
إبراهيم بن سعد، ولا ابن علية ... )) (٤).
وكان والد وكيع على بيت المال، فكان وكيع إذا حدث عن والده
(١) انظر: ما تقدم في الفصل الأول (الحكم على الراوي) مبحث (اختلاف حال
الراوي) الصورة السادسة.
(٢) ((الجرح والتعديل)) ٣٢:٢، و((معرفة علوم الحديث)) ص٦٢، و((الكفاية))
ص١٤٣-١٤٧، و((شرح علل الترمذي)) ٣٩٩:١-٤٠١.
(٣) ((شرح علل الترمذي)) ٥٦٩:٢، وانظر: ((سنن أبي داود)) حديث ٣٥١٨، و((سنن
الترمذي)) حديث ١٣٦٩، و((سنن ابن ماجه)) حديث ٢٤٩٤، و((الجرح والتعديل))
٣٦٨:٥، و((الضعفاء الكبير)) ٣١:٣، و((الكامل)) ١٩٤٠:٥.
(٤) ((سؤالات الآجري لأبي داود)) ٢٨٤:١ وانظر: ٢٨٦:١، و((سؤالات أبي داود))
ص٢٢٢.
٢٧١

قرنه بغيره، إلا في النادر، قال أبو داود: ((كان أبوه على بيت المال،
فكان إذا روى عنه قال: حدثنا أبي وسفيان، أبي وإسرائيل، وما أقل ما
أفرده))(١).
وذكر ابن حجر كلمة أبي خيثمة زهير بن حرب في نهيه ابنه أن
يكتب عن أبي مصعب المدني، ثم قال: ((يحتمل أن يكون مراد أبي
خيثمة دخوله في القضاء، أو إكثاره من الفتوى بالرأي))(٢).
وروى المروذي، قال: ((قيل له (يعني لأحمد): كتبت عن أحمد
بن إسحاق الحضرمي؟ قال: لا، تركته على عمد، قيل له: أيش
أنكرت عليه؟ قال: كان عندي - إن شاء الله - صدوقاً، ولكن تركته من
أجل ابن أكثم، دخل له في شيء))(٣).
وقال أحمد في عبدالله بن داود الخريبي: ((رأيت ابن داود، ولم
أكتب عنه، كان يحب الرأي)) (٤)، وفي رواية أنه سمع منه حديثين ولم
یکتبهما، ثم کتبهما من حفظه(٥).
وأكثر ما يكون ذلك - أعني تركه للزجر والتأديب - بسبب تلبسه
ببدعة، وخاصة الإجابة في محنة القول بخلق القرآن، أو التلفظ بلفظ
موهم في وقتها، فقد كان لها أثر كبير في ترك بعض النقاد الثقات
حفاظ، وأمر ذلك مشهور(٦).
(١) (سؤالات الآجري لأبي داود)) ١: ٢٨٥.
(٢)
((تهذيب التهذيب)) ٢٠:١.
((علل المروذي)) ص١٢٧، وانظر: ص١٢٩، و((العلل ومعرفة الرجال)) ٢٨٢:٣.
(٣)
(٤)
«سؤالات أبي داود)» ص٣٤٩ .
(٥)
((العلل ومعرفة الرجال)) ٣: ٤٣٤.
(٦) انظر: العلل ومعرفة الرجال)) ٢٦:٢، ٥٧، ٨١، و((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) =
۔۔
٢٧٢

وما تقدم كله أدى إلى خلط الأوراق، ومنع من القول بأن رواية بعض
الرواة عن الراوي تقوية له، وتركهم الرواية عن الراوي تضعيف لحديثه.
والجواب عما تقدم التسليم بما ذكر، فهي حقائق لا مراء فيها ولا
جدال، لكنه لا يلغي أن الأصل أن رواية هؤلاء عن رجل تقوية له،
وترك الرواية عنه تضعيف له، وإنما يقيدها، وبيان ذلك أن الواحد منهم
إذا روى عن ضعيف أو متروك الحديث فهو على صفتين:
الأولى: أن يكون مع روايته عنه يذهب إلى تقويته، وينقل عنه
ذلك قولاً، فهذا كثير جداً، وهو خارج عما نحن فيه، إذ هو لا يراه
بحال من يتجنب حديثه ويترك، وإن كان يخالف غيره من النقاد في هذا
الحكم.
والناقد مجتهد، لا يقلد غيره وهو باستطاعته الاجتهاد، وقد يقوي
بعض من يضعفه أو يتركه غيره من النقاد، وربما دافع عنه، فلا يتبين له
فيه ما تبين لغيره، كما قال أحمد حين سئل عن رواية شعبة عن موسى
بن عبيدة الربذي، قال الجوزجاني: «قال أحمد: لا يحل الکتاب عنه،
قلت: قد روى عنه سفيان، وشعبة يقول: حدثنا أبو عبدالعزيز الربذي؟
فقال: لو بان لشعبة ما بان لغيره ما روى عنه))(١).
وقد قيلت هذه الكلمة في حق أحمد أيضاً فقد كان هو وابن معين
يقويان محمد بن حميد الرازي، ويرويان عنه، ووافقهما على ذلك
ص٥٤٦، ٥٤٧، ٥٥١_٥٥٥، ٦٧٩، ٧٤٠، و((المعرفة والتاريخ)» ٤٣٦:٢،
=
و((يحيى بن معين وكتابه التاريخ)) ٣٩:١_٤٥، و((أبو زرعة الرازي وجهوده في
السنة)» ص٩٧٥-١٠٠٣.
(١) ((أحوال الرجال)) ص٢١٤.
٢٧٣

آخرون، والجمهور على تضعيف حديثه واتهامه بسرقة الحديث، وذكر
لأبي زرعة شيء من ثناء أحمد عليه، فقال: ((نحن أعلم من أبي عبدالله
رحمه الله - يعني في إمساكه عن الرواية عنه -))(١).
وقال أبو علي النيسابوري: ((قلت لابن خزيمة: لو حدث الأستاذ
عن محمد بن حميد، فإن أحمد قد أحسن الثناء عليه، فقال: إنه لم
يعرفه، ولو عرفه كما عرفناه ما أثنى عليه أصلاً))(٢).
ومن هذا الباب رواية شعبة عن قيس بن الربيع، فإنه كان يثني
عليه، ويوثقه، ويدافع عنه(٣).
ورواية يحيى بن سعيد القطان، عن عبدالرحمن بن عثمان
البكراوي، قال علي بن المديني: ((كان يحيى بن سعيد حسن الرأي
فيه، وحدث عنه، وأنا لا أحدث عنه، وكان يحيى ربما كلمني فيه،
يقول: إنكم لتحدثون عمن هو دونه))(٤).
ورواية الشافعي عن إبراهيم بن أبي يحيى المدني، وتوثيقه له،
والجمهور على أنه متروك الحديث، ورماه بعضهم بوضع الحديث(٥).
ومثله رواية أحمد عن أبي قتادة الحراني، وعن علي بن مجاهد
الرازي، المتقدمة آنفاً، فإنه كان يثني على أبي قتادة، ويدافع عنه(٦)،
(١) ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٥٨٣، والضمير في قوله: ((يعني الإمساكه .. )) يعود
إلى أبي زرعة.
(٢) ((تهذيب التهذيب)) ١٣١:٩.
(٣) ((تهذيب التهذيب)) ٣٩٢:٧.
((الكامل)) ١٦٠٦:٤، و((تهذيب الكمال)) ١٧ : ٢٧٣.
(٤)
(٥)
((تهذيب التهذيب)) ١٥٨:١.
(٦) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٢٠٦:١، ٥٤:٢ .
٢٧٤

وكذلك قوى علي بن مجاهد(١).
وروى عن بشار بن موسى الخفاف، والجمهور على تضعيفه،
وكان أحمد يخالفهم، قال أبو داود فيه: ((ضعيف، كان أحمد يكتب
عنه، وكان فيه حسن الرأي، وأنا لا أحدث عن بشار الخفاف))(٢).
وقلَّ إمام من النقاد إلا وله شيء من هذا(٣)، وهو - كما تقدم -
خارج عما نحن فيه، وهو يشبه ما إذا تكلم الناقد في الثقة، أو ترك
حديثه، لا يخرج عن كونه اختلافاً بين النقاد، يعامل على هذا
الأساس.
الثانية: أن لا ينقل عن الناقد شيء في حق من روى عنه، أو
ينقل عنه تضعيفه، فهذا إن كان الراوي متروك الحديث فالذي يظهر أن
رواية من عرف بالانتقاء محمولة على غير وجه القبول له والرضا به،
فتحمل على أحد المحامل السابقة، غير قصد الرواية عنه، أو يكون
ذلك في أول الأمر، فإن بعض الأئمة قد رووا عن أناس، ثم تركوهم
آخراً، هذا هو الأصل، نبقی معه حتی یتبین خلاف ذلك.
ويمكن أن يحمل على أنه لم يخبره جيداً، كما تقدم في رواية
مالك، عن عبدالكريم بن أبي المخارق، ورواية البخاري، عن أسيد بن
زيد، وحينئذٍ يلتحق بالحالة الأولى، ويكون صنيعه في مقابل قول من
تكلم فيه، قال ابن حجر في كلامه على رواية البخاري، عن أسيد بن
«سؤالات أبي داود)) ص ٣٦٠.
(١)
(٢)
«سؤالات الآجري لأبي داود)) ٢٨٦:٢.
انظر: ما تقدم في مبحث (معوقات الحكم على الراوي) (نقد النقد) في الفصل
(٣)
الأول.
٢٧٥

زيد: ((لعله كان عنده ثقة، قاله أبو مسعود، ويحتمل ألا يكون خبر أمره
كما ينبغي، وإنما سمع منه هذا الحديث الواحد))(١).
وأما إن كان ضعفه قريباً محتملاً ولم يترك حديثه فهذا الأصل فيه
أن روايته عنه قبول له وتقوية له، وهذا لا يعارض ما تقدم عن بعض
الأئمة من توثيق من يروي عنه شعبة، أو القطان، أو سليمان بن حرب،
أو غيرهم، وإنما يقيده، ويكون المقصود بالتوثيق هنا مطلقه، أي له
حظ من الثقة بحيث لم يترك حديثه ويطرح، قال المعلمي بعد أن بين
ما يقع من التسامح في التوثيق المشترك: ((ونحو هذا قول المحدث:
شيوخي كلهم ثقات، أو شيوخ فلان كلهم ثقات، فلا يلزم من هذا أن
كل واحد منهم بحيث يستحق أن يقال له بمفرده على الإطلاق: هو
ثقة، وإنما إذا ذكروا الرجل في جملة من أطلقوا عليهم ثقات فاللازم
أنه ثقة في الجملة، أي له حظ من الثقة ... ))(٢).
ومثل هذا يقال في تركهم الرواية عن الراوي، إن كان ثقة فينظر
هل لمن ترك الرواية عنه قول في تضعيفه يوافق موقفه منه؟ فإن كان
كذلك عمل به، وعد هذا قولاً للناقد يخالف فيه غيره، فيوازن بين
أقوالهم، إذ ليس المراد بالقول بأن ترك الرواية عن الراوي تضعيف له
أن هذا هو الحكم النهائي، فهذا لا يقوله أحد، وإنما المراد به أنه حكم
من ذلك الناقد ينظر فيه مع حكم غيره إن وجد، كما في قصة عفان مع
روح بن عبادة، قال يعقوب بن شيبة: ((كان عفان لا يرضى روح بن
عبادة، فحدثني محمد بن عمر قال: سمعت عفان يقول: هو عندي
(١) «فتح الباري)) ١١ :٤٠٦ .
(٢) ((التنكيل)) ٣٦٢:١.
٢٧٦

أحسن حديثاً من خالد بن الحارث، وأحسن حديثاً من يزيد بن زريع -
فلم تركناه؟ - يعني كأنه يطعن عليه - فقال له أبو خيثمة: هذا ليس
بحجة، كل من تركته أنت ينبغي أن يترك؟ ... ))(١).
وإن لم يكن له قول في تضعيفه، أو كان يوثقه حمل ترك الرواية
عنه على معنى من المعاني المتقدمة غير التضعيف، ما لم يظهر ظهوراً
بيناً خلاف ذلك.
والقارىء في كتب الجرح والتعديل يرى حرصهم على التفريق بين
من يكتب حديثه من الضعفاء، وبين من لا يكتب حديثه، وربما عبروا
عن ذلك بقوله: ((فلان يعتبر به))، و((فلان لا يعتبر به))، فالأول ضعيف
يكتب حديثه وينظر فيه هل وافقه غيره؟ وأما الثاني فيطرح ابتداء، وهو
الذي يقولون فيه كثيراً: ((متروك الحديث)).
وهذا الغرض من أهم أغراض الكتابة عمن فيه ضعف محتمل، قال
إسحاق بن هانىء: ((قيل له (يعني لأحمد): فهذه الفوائد التي فيها
المناكير - ترى أن يكتب الحديث المنكر؟ قال: المنكر أبداً منكر، قيل
له: فالضعفاء؟ قال: قد يحتاج إليهم في وقت - كأنه لم ير بالكتابة
عنهم بأساً -))(٢).
فتلخص مما تقدم أن من عرف عنه انتقاء شيوخه فمن يرتضيه
ويروي عنه فأقل أحواله أن يكون مرتفعاً عمن یترك حديثه، فهو داخل
عنده في حيز القبول، وتتفاوت مراتبهم بحسب حال كل شخص منهم،
فقد يكون في أعلى درجات الثقة، وقد لا يتجاوز درجة من هو ضعيف
(١) (تاريخ بغداد)) ٤٠٣:٨.
(٢) ((مسائل إسحاق)) ١٦٧:٢ .
٢٧٧

يكتب حديثه، وإذا ترك الواحد منهم الرواية عن شخص دلَّ ذلك على
ضعفه الشديد عنده، وتتفاوت مراتبهم أيضاً، ويضم ذلك كله إلى ما
قيل في الراوي من جرح أو تعديل، سواء من ذلك الناقد أو من غيره.
فإن لم يكن في الراوي جرح ولا تعديل صريح، فترك ذلك الناقد
الرواية عنه جرح له، ينزله عن درجة من يكتب حديثه، وروايته عنه
تعدیل له، والاحتياط أن یکون في أدنى درجاته، وهو أن الراوي لیس
بساقط الرواية، فهو صالح للاعتبار، ويبقى النظر في حديثه، وما
یحتف به من قرائن أخرى.
روى عباس الدوري، عن يحيى بن معين قوله في عمير بن
إسحاق: ((لا يساوي شيئاً، ولكن يكتب حديثه))، ثم قال عباس: ((يعني
يحيى بقوله: إنه ليس بشيء يقول: إنه لا يعرف، ولكن ابن عون روى
عنه، فقلت ليحيى: ولا يكتب حديثه؟ قال: بلى))(١).
هذه هي القاعدة العامة في الحالتين، وأما القول بجعل رواية من
عرف عنه انتقاء شيوخه توثيقاً للراوي بمنزلة وصفه بأنه ثقة، ففيه بعد لا
يخفى، ومما يدل على ذلك ويؤكده أن عبدالرحمن بن مهدي حين قال
لتلميذه محمد بن المثنى إن أهل الكوفة يحدثون عن كل أحد، ثم قال
له محمد: ((هم يقولون إنك تحدث عن كل أحد))، فطلب مثالاً على
ذلك، فسمى له محمد بن راشد المكحولي، فقال عبدالرحمن: ((احفظ
عني، الناس ثلاثة: رجل حافظ متقن، فهذا لا يختلف فيه، وآخر يهم
والغالب على حديثه الصحة، فهو لا يترك، ولو ترك حديث مثل هذا
(١) ((تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٤٥٦:٢.
٢٧٨

لذهب حديث الناس، وآخر الغالب على حديثه الوهم، فهذا يترك
حدیثه»(١).
وأراني هنا ملزماً باستثناء الإمام يحيى بن سعيد القطان من هذه
القاعدة، فهذا الإمام الجبل له مذهب خاص فيمن يرتضيه ويروي عنه،
وفيمن يتركه، مال فيه إلى الشدة، فمن روى عنه فهو أرفع حالاً من
کونه یکتب حديثه، ومن تركه فلا يدل على ضعفه الشديد عنده، إذ قد
ترك الرواية عن أناس مع ثنائه عليهم وتعديله لهم، فلا يبعد القول
بتوثيق من یروي عنه یحیی، وإن لم يوجد فيه غیر روایته عنه، قال ابن
المديني: ((سمعت يحيى بن سعيد - وذكر عمر بن الوليد الشني - فقال
بيده يحركها - كأنه لا يقويه -، فاسترجعت أنا، فقال: مالك؟ قلت: إذا
حركت يدك فقد أهلكته عندي، قال: ليس هو عندي ممن أعتمد عليه،
ولكنه لا بأس به»(٢)، ولم یحدث عنه یحیی(٣).
وذكر الترمذي جماعة ممن ترك القطان الرواية عنهم، وفيهم كلام
من قبل حفظهم، ثم قال: ((وإن كان يحيى بن سعيد القطان قد ترك
الرواية عن هؤلاء، فلم يترك الرواية عنهم أنه اتهمهم بالكذب، ولكنه
تركهم لحال حفظهم، ذكر عن يحيى بن سعيد أنه كان إذا رأى الرجل
يحدث من حفظه مرة هكذا، ومرة هكذا، لا يثبت على رواية واحدة -
تركه، وقد حدث عن هؤلاء الذين تركهم يحيى بن سعيد القطان:
عبدالله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، وعبدالرحمن بن مهدي،
(١) ((التمييز)) ص١٧٨ .
(٢)
((الجرح والتعديل)) ١٣٩:٦، و((الضعفاء الكبير)) ٣: ١٩٤.
(٣) ((الضعفاء الكبير)) ٣: ١٩٤، و((الكامل)) ١٦٩٩:٥، و((لسان الميزان)) ٣٣٧:٤.
٢٧٩

وغيرهم من الأئمة))(١).
وقال علي بن المديني: ((إذا اجتمع يحيى بن سعيد، وعبدالرحمن
بن مهدي، على ترك رجل لم أحدث عنه، فإذا اختلفا أخذت بقول
عبدالرحمن، لأنه أقصدهما، وكان في يحيى تشدد))(٢).
ويلتحق بيحيى القطان من نص الأئمة على مذهبهم في عدم
التسامح، مثل جعفر بن محمد الطيالسي صاحب يحيى بن معين، قال
فيه الخطيب: ((كان ثقة ثبتاً، صعب الأخذ، حسن الحفظ))، ثم أسند
عن ابن الأعرابي قوله: ((سمعت جعفر بن أبي عثمان الطيالسي قال:
سمعت يحيى بن معين يقول: لو أدركت أنت زيد بن الحباب، وأبا
أحمد الزبيري لم تكتب عنهم - يعني في شدة أخذه عن الشيوخ -، قلنا
لجعفر: لم؟ قال: إنما كانوا شيوخاً))(٣).
الحالة الثانية: رواية حديث الراوي بواسطة، وهذه أيضاً يكون
فيها انتقاء للرواة، فكما أن بعض الرواة يحدثون عن بعض الشيوخ
الذين أدركوهم، ويدعون بعضهم، فكذلك الحال مع من لم يدركوهم،
ینتقون من یروون له الحدیث.
ويعد هذا الصنيع منهم حكماً على الراوي بالقبول أو الترك، نرى
هذا بوضوح في تراجم الرواة، والعبارات المستخدمة في ذلك ربما
تأتي صريحة في الرواية بواسطة، ولكنها في الأغلب الأعم تشتبه مع
عباراتهم في الحالة الأولى، فيقولون مثلاً: ((حدث عنه فلان))، أو ((كان
(١) ((سنن الترمذي)) ٧٤٤:٥.
((تاريخ بغداد)) ١ :٢٤٣، وانظر: ((شرح علل الترمذي)) ٣٩٨:١.
(٢)
((تاريخ بغداد)) ١٨٨:٧.
(٣)
٢٨٠