Indexed OCR Text
Pages 241-260
وسأله علي أيضاً عن سيف بن وهب التيمي، فحمض وجهه وقال: ((كان هالكاً من الهالكين))(١). وقال عمرو بن علي الفلاس: ((كان يحيى بن سعيد إذا ذكر عنده أبو بكر بن عياش كلَّح وجهه وأعرض))(٢). وقال عبدالله بن أحمد: ((سألته (يعني أباه) عن مجالد، فقال: كذا وكذا - وحرك يده -، ولكنه يزيد في الإسناد))(٣). وقال أيضاً: ((سألته عن فرقد السبخي، فحرك يده، كأنه لم يرضه))(٤). وقال أيضاً: ((سألت أبي عن أبي قيس عبدالرحمن بن ثروان، فقال: هو كذا وكذا - وحرك يده -، وهو يخالف في أحاديث))(٥). وقال المروذي: ((وقال (يعني أحمد) في مسلم بن خالد الزنجي فحرك یده، ولینه))(٦). وقال أيضاً: ((قيل له: محمد بن إسحاق، وابن أخي الزهري، في حديث الزهري؟ فقال: ما أدري، وحرك يده، كأنه ضعفهما))(٧). وقال عبدالله بن علي بن المديني في إسحاق بن نجيح الملطي: ((سألت أبي عنه، فقال بيده هكذا - أي ليس بشيء، وضعفه -))(٨). (١) ((الجرح والتعديل)) ٤: ٢٧٥، و((الكامل)) ١٢٧٣:٣. (٢) ((الضعفاء الكبير)) ١٨٨:٢، و((الكامل)) (التراجم الساقطة من الكامل) ص١٢٤ . (٣) ((العلل ومعرفة الرجال)» ١ :٤١٤. (٤) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٢٩٧:٢. ((الضعفاء الكبير)) ٣٢٧:٢، و((ميزان الاعتدال ٥٥٣:٢ . (٥) (٦) ((علل المروذي)) ص٤٦ . (٧) ((علل المروذي)) ص١٧١ . ((تاريخ بغداد)) ٣٢٣:٦. (٨) ٢٤١ وقال البرذعي: ((وسئل (يعني أبا زرعة) عن حديث الصدائي في الأذان، فقال: الإفريقي - وحرَّك رأسه -))(١). وقال أيضاً: ((ذكرت أصحاب مالك، فذكرت عبدالله بن نافع الصائغ، فكلح وجهه))(٢). وقال ابن أبي حاتم: ((سألت أبا زرعة عن سعيد بن سنان أبي مهدي، فأومأ بيده أنه ضعيف))(٣). وقال أيضاً في الحسين بن زيد بن علي: ((قلت لأبي: ما تقول فيه؟ فحرك يده وقلبها - يعني تعرف وتنكر ـ))(٤). ولا شك أن هذه الأساليب المتنوعة من الأئمة النقاد في وصف الرواة قد أسهمت في إخراج علم الجرح والتعديل عما يكتنفه من جمود، وما قد يصيب الباحث فيه والمطالع لكتبه من ملل، فأضفت هذه الأساليب على هذا العلم روح التشويق والدعابة. كما أنها برهنت على قدرة هؤلاء الأئمة النقاد على استخدام الأساليب البلاغية في التعبير عن آرائهم. (١) ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٥١٦، والإفريقي هو عبدالرحمن بن زياد، راوي حديث الصدائي في الأذان. (٢) ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٧٣٢. (٣) ((الجرح والتعديل)) ٢٨:٤. (٤) ((الجرح والتعديل)) ٣ :٥٣. وانظر نصوصاً أخرى بهذا المعنى في: ((علل المروذي)) ص٨٥، ١٤٤، ١٦٨، و(أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٣٦٠، ٣٦٢، ٣٦٨، ٤٢٥، ٤٥٠، ٤٧٣، ٤٨٤، ٥١٥، ٥٦٧، ٥٦٨، ٥٧٦، ٧٣٠، ٧٣٣، ٧٥٨، ٧٥٩، و((الجرح والتعديل)) ١: ١٥٠، ٢٦:٤، ٢٦٧، ٢٢٦:٥، ١٣٩:٦، ١١٥:٧، و((الضعفاء الكبير)) ٩١:١، و((الكامل)) ١٦٩٩:٥، و((تاريخ بغداد)) ٢٢٩:٩. ٢٤٢ غير أن هذا كله لا يمنع من التنبيه على ضرورة أخذ الحيطة والحذر في التعامل مع هذه الأساليب النادرة، ذلك أنها وإن كان كثير من عباراتها وألفاظها المراد منه ظاهر، وضبطه ليس بالعسير، إلا أن بعضها لا يخلو من إشكالات تحتاج إلى أعمال ذهن، ودربة ومران في التعامل معها، ولعل هذا أحد الأغراض التي من أجلها استخدم الأئمة هذه الأساليب أو بعضها، فقد يكون من أغراضهم شحذ الهمم، وامتحان الأذهان، في الوصول إلى المقصود، وسيأتي التنبيه على شيء من هذا في الفصل الثالث (ضوابط النظر في أحكام النقاد) _ إن شاء الله تعالی _. ٢٤٣ المبحث الثاني الأحكام العملية على الرواة يقصد بالأحكام العملية على الرواة: تعاملهم مع ذلك الراوي وأحاديثه، فقد يروون عنه، بواسطة أو بغير واسطة، أو يخرجون له في كتبهم، أو يصححون له حديثاً، وقد يتركون الرواية عنه، أو التخريج له، ويتجنبون حديثه . ولا شك أن هذه المواقف من الرواة لا ينبغي إغفالها، فقد تضم إلى أحكام منقولة عن النقاد، فتزيد من إيضاح حال الراوي، لا سيما إذا كان المنقول عنهم قليلاً لا يشفي، وأهم من ذلك حين لا يوجد نقل عن النقاد البتة، فتشتد الحاجة إلى النظر في موقفهم العملي من ذلك الراوي وأحاديثه. ولا مناص من الاعتراف بأن هذا الموضوع برمته يكتنفه الكثير من الغموض بالنسبة لي، وما تهيأ لي الوقوف عليه من النصوص أراه بحاجة إلى المزيد منها، كما هو بحاجة إلى مزيد تأمل ونظر، ولعل ما أكتبه فيه يكون نواة دراسة شاملة، يتصدى لها من ييسر الله له ذلك، بحيث يتعامل معه بأسلوب النفس الطويل، والقراءة المتأنية من أجله فقط . ١ وقد بدا لي أن مواقفهم هذه من الرواة تنقسم قسمين متميزين: القسم الأول: الانتقاء العام للرواية، وهو على حالتين: الحالة الأولى: الرواية عن الراوي مباشرة، أي الأخذ والتحديث عنه، أو ترك الأخذ عنه، أو التحديث عنه. ٢٤٤ وبيان ذلك أن الراوي حين الطلب والأخذ عن الشيوخ قد يكون يأخذ عن الشيوخ بانتقاء، فلا يأخذ عن بعضهم، وقد يكون من مذهبه أنه يأخذ عن الكل، وكذلك الحال حين التحديث والتصدي للرواية، قد يكون الراوي من مذهبه أن يحدث عن كل من لقيه وأخذ عنه، وقد يكون من مذهبه الانتقاء والاختيار، إما زيادة وإمعاناً في الاختيار، فكما انتقى واختار حين السماع والطلب يقوم بعملية فرز وتصفية أخرى حين التحديث، وإما لأنه اهتم حين الطلب بالجمع، وأخّر الانتقاء والاختيار، فكان كما قال ابن معين: «كتبنا عن الكذابين، وسجرنا بها التنور، وأخرجنا خبزاً نضيجاً)(١). وقال ابن حبان يصف حاله في تأليف كتابه في الصحيح: ((ولعلنا قد كتبنا عن أكثر من ألفي شيخ، من إسبيجاب إلى الأسكندرية، ولم نرو في كتابنا هذا إلا عن نحو مئة وخمسين شيخاً - أقل أو أكثر -، ولعل معول كتابنا هذا يكون على نحو من عشرين شيخاً، ممن أدرنا السنن عليهم، واقتنعنا بروايتهم عن رواية غيرهم، على الشرائط التي وصفناها))(٢). وهؤلاء الذين ينتقون من يكتبون عنه، أو يحدثون عنه إنما يفعلون ذلك ديانة، ولهذا يقولون في بعض الرواة: ((لا تحل الرواية عنه))، أو ((الرواية عنه حرام))، أو ((لا تجوز الرواية عنه))، ونحو هذه العبارات. قال أبو إسحاق الطالقاني: ((سألت ابن المبارك عن حديث لإبراهيم (١) ((المجروحين)) ٤٢١:١، و((المدخل في أصول الحديث)) ص٨٦، و((تاريخ بغداد)) ١٤ : ١٨٤. (٢) ((صحيح ابن حبان)) ١٥٢:١ . ٢٤٥ الخوزي، فأبى أن يحدثني عنه، فقال له عبدالعزيز بن أبي رزمة: حدثه يا أبا عبدالرحمن، فقال: تأمرني أن أعود في ذنب تبت منه))(١). وقال عمرو بن علي الفلاس: ((سألت عبدالرحمن بن مهدي عن حديث لعبدالكريم المعلم، فقال: هو عن عبدالكريم، فلما قام سألته فيما بيني وبينه، قال: فأين التقوى؟))(٢)، قال ابن أبي حاتم بعد أن رواه: ((يعني أن التقوى تحجزه عن الرواية عمن ليس بثقة عنده في السر والعلانية، وكان عبدالكريم المعلم عنده غير قوي، فكره أن يحدث عنه)) . ونلمس في قلوب النقاد حرقة من تسامح من يروي عن كل أحد، قال ابن الجنيد: ((سمعت يحيى بن معين يقول: ما أهلك الحديث أحد ما أهلكه أصحاب الإسناد - يعني الذي يجمعون المسند، أي يغمضون في الأخذ من الرجال -))(٣). وقال يعقوب الفسوي في غالب بن عبيد الله الجزري: ((هو ضعيف متروك الحديث، لا يكتب حديثه، ولا يروي عنه أهل العلم، إنما يروي عنه أهل الغفلة، فأما عقلاء أهل العلم فلا يعبأون بحديثه)) (٤). والعبرة دائماً في حال من كتب عن راو هي في التحديث عنه، فأما (١) ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٥٤٤، و((الجرح والتعديل)) ١٤٦:٢، و((المجروحين)) ١٠١:١. وانظر قصة أخرى لابن المبارك في ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص ٥٣٠-٥٣١. (٢) ((الجرح والتعديل)) ٢٥٢:١، ٢: ٢٢، و((تهذيب الكمال)) ٢٦٢:١٨. «سؤالات ابن الجنید» ص٢٨٨ . (٣) (٤) ((المعرفة والتاريخ)) ٤٣٧:٢. وانظر أيضاً: ((أحوال الرجال)) ص٣٥٧، و((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٧٠٦. ٢٤٦ الكتابة عنه لوحدها فلا أثر لها هنا، وإن كان بعض من تكلم على هذه المسألة خلط بينهما(١). فأما النوع الأول من الرواة - وهم الذين لا ينتقون - فجماعة كثيرون، اشتهر منهم: بقية بن الوليد، وإسماعيل بن عياش، وعيسى بن موسى المعروف بغنجار، وسليمان بن عبدالرحمن الدمشقي وعثمان بن عبدالرحمن الطرائفي، وعبدالرحمن بن محمد المحاربي (٢)، وغيرهم. وتوجد نصوص متفرقة عن النقاد في رواة آخرين، مثل قول يحيى القطان لعمرو بن علي الفلاس: ((لا تكتب عن معتمر (يعني ابن سليمان) إلا عمن تعرف، فإنه يحدث عن كل))(٣). وقال عمرو بن علي الفلاس في إسماعيل بن مسلم المكي: ((يحدث عنه أهل الكوفة: الأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، وحفص بن غياث، وأبو معاوية، وشريك، يحدث عنه من لا ينظر في الرجال»(٤). وفي رواية عنه: ((كان يرى القدر، وهو ضعيف، يحدث عن الحسن، وقتادة، بأحاديث بواطيل، لم يحدث عنه يحيى، ولا عبدالرحمن، وقد حدث عنه قوم من أهل الكوفة: الأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، وحفص، وأبو معاوية، وعبدالرحيم، والمحاربي، انظر: ((شرح علل الترمذي)) ٣٨٢:١_٣٨٥. (١) (تهذيب التهذيب)) ١: ٣٢٤، ٤٧٤-٤٧٨، ٤: ٢٠٧، ٢٦٥:٦، ٧: ١٣٤، ٢٣٣:٨. (٢) (٣) «الكفاية)) ص٩١ . ((الكامل)) ١ :٢٨٠. (٤) ٢٤٧ وجماعة، وهو متروك الحديث، قد أجمع أهل العلم على ترك حديثه، وإنما يحدث عنه من لا يبصر الرجال))(١). وقال أحمد في عبدالمجيد بن أبي رواد: ((كان عالماً بابن جريج، ولم يكن يبالي عمن حدث ... ))(٢). وسئل أحمد عن عبيد الله بن موسى العبسي: هل أخرج عنه شيئاً؟ فقال: ((ربما أخرجت عنه، وربما ضربت عليه، حدث عن قوم غير ثقات، فإن كان من حديث الأعمش فعلى ذاك))(٣). وقال ابن معين في كل من علي بن ثابت الجزري، وحسان بن إبراهيم الكرماني، وعبدالرحمن بن نافع المخرمي: «ليس به بأس إذا حدث عن ثقة))(٤)، وقال أيضاً في الأخير منهم: ((ثقة، لا بأس به، ولكن لا يبالي عمن حدث))(٥). وقال أيضاً في يزيد بن هارون: ((ليس من أصحاب الحديث، لأنه کان لا یمیز ولا یبالي عمن روی))(٦). وقال أيضاً: «شعیب بن صفوان ليس بشيء، الترجماني یروي عنه، ولیس یبالي عمن روی))(٧). (١) ((الجرح والتعديل)) ١٩٨:٢ حاشية ٤. (٢) (سؤالات أبي داود)) ص٢٣٦ . (٣) ((علل المروذي)) ص١٧٤، وانظر أيضاً: ص١٢٧، و((مسائل إسحاق)) ٢٣٦:٢، و((تهذيب التهذيب)) ٥٣:٧ . (٤) (معرفة الرجال)) ١: ٨٠. ((معرفة الرجال)) ١٧٥:٢ . (٥) ((تاريخ بغداد)» ٣٣٨:١٤. (٦) ((من كلام ابن معين - رواية ابن الهيثم)) ص٨٩. (٧) ٢٤٨ والترجماني هو إسماعيل بن إبراهيم البغدادي. وقال في أبي سعيد الأشج: ((ليس به بأس، ولكن يروي عن قوم ضعفاء))(١). ويمكن الوقوف على بعض هؤلاء بواسطة كلام بعض الأئمة في راو، وأنه لا يحدث عنه إلا من لا يميز، كما تقدم آنفاً في كلام الفلاس في إسماعيل بن مسلم. ومثله قوله في يحيى بن أبي أنيسة: ((رجل صدوق، وكان يهم في الحديث، وقد اجتمع أصحاب الحديث على ترك حديثه، إلا من لا یعلم»(٢). وقال أبو زرعة في عمر بن حفص العبدي: ((واهي الحديث، لا أعلم حدث عنه كبير أحد إلا من لا يدري الحديث))(٣). وقال الخليلي في سلم بن سالم البلخي: ((سكت عنه الشيوخ كلهم، إلا من كان من ضعفاء بلخ، ولم يكن من صنعته هذا الشأن))(٤) ويتأكد ذلك إذا كان الراوي عنه كوفياً، فقد قال عبدالرحمن بن مهدي: ((أهل الكوفة يحدثون عن كل أحد))(٥). (١) ((الجرح والتعديل)) ٧٣:٥. (٢) ((الكامل)) ٧: ٢٦٤٥. ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٤٢٨، وانظر: ((المجروحين)) ٢: ٨٤، و((الكامل)) (٣) ١٧٠٥:٥، و((تاريخ بغداد)) ١١ :١٩٢. (٤) ((الإرشاد)) ٩٣٢:٣. (٥) ((التمییز)» ص١٧٨ . ٢٤٩ فهؤلاء وأمثالهم روايتهم لا تفيد من يروون عنه شيئاً، بل إن الواحد منهم إذا اشتهر بالرواية عن الكذابين ولم يكتف بالرواية عن الضعفاء والمجاهيل - كان من ينفرد بالرواية عنه في الدرجة الدنيا من الضعف، وهم الذين لا يصلحون للاعتبار والاعتضاد، فهم في درجة متروك الحديث، ويمكن أن يمثل لذلك بإمام متأخر قليلاً عن عصر الأئمة النقاد، وهو الإمام الطبراني، فقد قال فيه الذهبي: ((كتب عمن أقبل وأدبر))(١). وهو كما قال الذهبي، فقد روى عن جماعة من المتروكين المعروفين بوضع الحديث(٢)، وكثير من شيوخه غير معروفين(٣). وعلى الضد من ذلك إذا ترك الواحد منهم راوياً، فلم ير الرواية عنه لضعفه - استفيد من ذلك ضعفه الشديد عنده، كما في قول الآجري: ((قيل لأبي داود : أبو سعد البقال؟ قال: ليس بثقة ... ، قلت: لم ترك حديثه؟ قال: إنسان يرغب عنه سفيان الثوري أيش يكون حاله؟ شعبة روى عنه حديثاً)) (٤). وقال الدوري: ((سمعت يحيى يقول: قيل ليحيى بن سعيد: ما تقول في بكير بن عامر؟ فقال: كان حفص بن غياث تركه، وحسبه إذا تر کہ حفص، قال یحیی۔۔ یعني ابن معین ـ : کان حفص یروي عن كل (١) ((سير أعلام النبلاء)) ١١٩:١٦. (٢) انظر مثلاً: ((المعجم الصغير)) الأحاديث ٣٤، ٣٩، ٦٤، ٣٨٠، ٨٥٧، ٨٦٠. (٣) انظر مثلاً: ((المعجم الصغير)) الأحاديث ٥، ٧، ٩، ١٠، ١٣، ١٥، ١٧، ١٨، ١٩، ٢٠، ٢٢، ٢٣، ٢٦_٠٠٠٢٩ (٤) ((سؤالات الآجري لأبي داود)) ١: ٢٩١. ٢٥٠ أحد))(١). وأما النوع الثاني - وهم الذين ينتقون الرواة - فإن رواية أحدهم عن الراوي بمعنى التقوية له وقبوله، هكذا قرر ذلك جماعة من الأئمة. قال ابن أبي حاتم: ((سألت أبي عن رواية الثقات عن رجل غير ثقة مما يقويه، قال: إذا كان معروفاً بالضعف لم تقوه روايته عنه، وإذا كان مجهولاً نفعه رواية الثقة عنه، وسألت أبا زرعة عن رواية الثقات عن رجل مما يقوي حديثه؟ قال: أي لعمري، قلت: الكلبي روى عنه الثوري، قال: إنما ذلك إذا لم يتكلم فيه العلماء، وكان الكلبي يتكلم فیە))(٢) . وجواب أبي زرعة وأبي حاتم قد طبقه نقاد آخرون، ويفهم من طريقتهم تقييد الثقة الذي تفيد روايته الراوي بالثقة الذي ينتقي رجاله، كما سيأتي قريباً في النقل عنهم. كما قرر هذه القاعدة جماعة من الأئمة المتأخرين الذين ينظرون في الرواة، كالذهبي، وابن عبدالهادي، وابن رجب، وابن حجر، وغيرهم(٣). وسأذكر الآن طائفة ممن نص الأئمة على انتقائهم للشيوخ، وفيها تطبيق النقاد لهذه القاعدة. فمن التابعين: عامر الشعبي، ومحمد بن سيرين، والحسن (١) ((تاريخ الدوري عن ابن معين)) ٢: ٦٣، و((تهذيب الكمال)) ٤: ٢٤٠. (٢) (الجرح والتعديل)) ٣٦:٢. ((الصارم المنكي)) ص١٠٩، و((شرح علل الترمذي)) ٣٧٨:١، و((لسان الميزان)) (٣) ١ : ١٥. ٢٥١ البصري، قال ابن معين في كل منهم: ((إذا روى عن رجل فسماه فهو ثقة یحتج بحديثه))(١). وقال يعقوب بن شيبة: ((قلت ليحيى بن معين: متى يكون الرجل معروفاً، إذا روى عنه كم؟ قال: إذا روى عن الرجل مثل ابن سيرين، والشعبي، وهؤلاء أهل العلم، فهو غير مجهول، قلت: فإذا روى عن الرجل مثل سماك بن حرب، وأبي إسحاق؟ قال: هؤلاء يروون عن مجهولین)»(٢). وممن بعد التابعين: أيوب السختياني، قال أبو داود: ((قلت لأحمد: أبو زيد المدني؟ قال: أي شيء يسأل عن رجل روى عنه أيوب))(٣). وعبدالله بن عون، فقد انفرد بالرواية عن عمير بن إسحاق المديني، وسئل عنه مالك فقال: ((لا أعرفه، وقد حدث عنه رجلٌ وحسبكم به - يعني ابن عون _))(٤). وشعبة بن الحجاج، واشتهر عنه ذلك جداً، بسبب تشدده في الرواة، وتردده على من يسمع منه الحديث، مما يدل على خبرته به. قال علي بن المديني: ((ذكرنا ليحيى بن سعيد القطان: القاسم بن عون الشيباني، فقال يحيى: قال شعبة: دخلت عليه، وحرك يحيى (١) ((الجرح والتعديل)) ٣٢٣:٦، و((جامع التحصيل)) ص ٩٠، و(تهذيب التهذيب)) ١ :٣٤٧. (٢) ((شرح علل الترمذي)) ٣٧٧:١. (٣) ((سؤالات أبي داود)) ص ٢١٠. (٤) ((العلل ومعرفة الرجال)) ١١٠:٣. ٢٥٢ رأسه، قلت ليحيى: ما شأنه؟ فجعل يحيد، قلت ليحيى: ضعفه في الحدیث، قال: لو لم يضعفه لروى عنه))(١). وقال عبدالله بن أحمد عن أبيه: ((كان شعبة أمة وحده في هذا الشأن - يعني في الرجال، وبصره بالحديث، وتثبته، وتنقيته للرجال _» (٢). وقال ابن أبي حاتم: «سئل أبي عن شهاب الذي روی عن عمرو بن مرة، فقال: شيخ يرضاه شعبة بروايته عنه يحتاج أن يسأل عنه؟))(٣). وحريز بن عثمان الشامي، قال أبو داود: ((شيوخ حريز كلهم ثقات»(٤) ووهيب بن خالد البصري، قال أبو حاتم: ((ما أنقى حديث وهيب، لا تكاد تجده يحدث عن الضعفاء، وهو الرابع من حفاظ البصرة، وهو ثقة، ويقال: إنه لم يكن بعد شعبة أعلم بالرجال منه))(٥). ومالك بن أنس، وقد اشتهر عنه أيضاً انتقاؤه للرجال، وتشدده في ذلك، قال ابن عيينة: ((ما كان أشد انتقاد مالك للرجال، وأعلمه بشأنهم))(٦)، وقال أيضاً: ((إنما كنا نتتبع آثار مالك، وننظر إلى الشيخ (١) ((الجرح والتعديل)) ١: ١٥٠، ١١٥:٧. (٢) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٥٣٩:٢، وانظر: ((تاريخ بغداد)) ٢٦٣:٩، ٣٦٤. (٣) ((الجرح والتعديل)) ٤ :٣٦١. وانظر مزيد أخبار عن شعبة: ((الجرح والتعديل)) ٢٨٤:٥، و((ميزان الاعتدال)) ١: ٣٦١، ٣٩٩، ٤: ٥١٤، ٥٤٠، و((الصارم المنكي)) ص٩٩. (٤) «سؤالات الآجري لأبي داود)) ٢٤٨:٢ . ((الجرح والتعديل)) ٣٥:٩. (٥) ((الجرح والتعديل)) ٢٣:١، وانظر: ((حلية الأولياء)) ٣٢٢:٦، و((سير أعلام النبلاء)) (٦) ٧٣:٨. ٢٥٣ إن کتب عنه وإلا تركناه))(١). وقال أحمد: ((كان مالك بن أنس من أثبت الناس في الحديث، ولا تبالي أن لا تسأل عن رجل روى عنه مالك بن أنس، ولا سيما مدیني))(٢). وقال أيضاً: ((مالك بن أنس إذا روى عن رجل لا يعرف فهو حجة))(٣). ویحیی بن سعيد القطان، وعبدالرحمن بن مهدي، وهو عن یحیی أشهر منه عن عبدالرحمن، وكان يحيى يشبه شعبة في هذا الأمر، قال أبو داود: قلت لأحمد: «إذا روی يحيى، أو عبدالرحمن بن مهدي عن رجل مجهول يحتج بحديثه؟ قال: يحتج بحديثه))(٤). وقال أحمد أيضاً في كل منهما، وكذا العجلي في يحيى خاصة: ((لم يكن يحدث إلا عن ثقة))(٥). وقال أحمد أيضاً: ((إذا روى عبدالرحمن عن رجل فراويته حجة، كان عبدالرحمن أولاً يتساهل في الرواية عن غير واحد، ثم تشدد بعد، وكان يروي عن جابر - يعني الجعفي - ثم تركه)) (٦). (١) ((تهذيب التهذيب)) ٩:١٠. (٢) ((الجرح والتعديل)) ١٧:١ . (٣) ((شرح علل الترمذي)) ٣٧٧:١. وانظر نصوصاً أخرى في مالك في: ((مسائل إسحاق)) ٢: ٢٤٤، و((الجرح والتعديل)) ١٧:١، و((ثقات ابن حبان)) ٤٥٩:٧، و((الكامل)) ٢١٣٧:٦، ٢٧٥٣:٧، و((سؤالات الحاكم للدار قطني)) ص٢٨٨، و((تهذيب التهذيب)) ٩:١٠. (٤) «سؤالات أبي داود)» ص١٩٨ . (٥) (سؤالات أبي داود)) ص٣٣١، ٣٣٨، و((ثقات العجلي)) ٣٥٣:٢. ((الكفاية)) ص٩٢، وانظر: ((المعرفة والتاريخ)) ١٦٤:٢، و((تاريخ بغداد)) ١٠ :٢٤٣. (٦) ٢٥٤ ٠ وأبو كامل مظفر بن مدرك، وأبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعي، والهيثم بن جميل، قال أحمد: «لم يكن ببغداد من أصحاب الحديث - ولا يحملون عن كل إنسان، ولهم بصر بالحديث والرجال، ولم يكونوا يكتبون إلا عن الثقات، ولا يكتبون عمن لا يرضونه - إلا أبو سلمة الخزاعي، والهيثم بن جميل، وأبو كامل ... ))(١). وسليمان بن حرب البصري، قال أبو حاتم: ((كان سليمان بن حرب قل من يرضى من المشايخ، فإذا رأيته قد روى عن شيخ فاعلم أنه ثقة))(٢). ثم بعد ذلك الأئمة: أحمد، وابن معين، وابن المديني، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعمرو بن علي الفلاس، والبخاري، ومسلم، وأبو زرعة، وأبو داود، وأبو حاتم، وبقي بن مخلد، والنسائي، وغيرهم(٣). وهؤلاء الرواة الذين ينتقون شيوخهم كما أن رواية أحدهم عن الراوي تفيده قوة، فكذلك إذا امتنع أحدهم عن السماع من راو، أو عن التحديث عنه وجب النظر فيه، فيحتمل أن ذلك لضعفه عنده، وهذا معنى ما يتردد كثيراً في تراجم الرواة، مثل قولهم: ((لم يرو عنه فلان))، ((المعرفة والتاريخ)) ٢: ١٨٠، و((تاريخ بغداد)) ١٣ : ٧٠ . (١) ((تهذيب الكمال)) ٣٨٧:١١، وانظر: أسئلة البرذعي لأبي زرعة)» ص٣٢٢، (٢) و ((الجرح والتعديل)) ٣: ١٢٥ . ((أسئلة البرذعي لأبي زرعة)) ص٤٢٧، و((ميزان الاعتدال)) ١١٥:١، و((تهذيب (٣) التهذيب)) ٤١٠:١، ١١٤:٩، و((هدي الساري)) ص٣٩٧، و((لسان الميزان)) ٤١٦:٢، و((أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة النبوية)) ص١٥٨، و((الفلاس منهجه وأقواله في الرواة)) ص٣٤، ٢٦١، و((علي بن المديني ومنهجه في نقد الرجال)) ص٤٩٩، ومقدمة تحقیق «سؤالات الآجري لأبي داود)) ص١٨ -٢٤ . ٢٥٥ أو ((ترك حديثه فلان))، أو ((امتنع من الرواية عنه)»، أو «أبى أن يقرأ علينا من حديثه))، أو ((ما سمعت فلاناً يحدث عنه))، ونحو هذه العبارات. ومن ذلك قول عمرو بن علي الفلاس: ((كان يحيى ، وعبدالرحمن، لا يحدثان عن إسماعيل المكي))(١). وقال ابن أبي حاتم في جبارة بن المغلس الحماني: ((كان أبو زرعة حدث عنه في أول مرة (في نسخة: في أول أمره)، وکناه قال: حدثنا أبو محمد الحماني، ثم ترك حديثه بعد ذلك، فلم يقرأ علينا حديثه))، وقال أيضاً: ((سمعت أبا زرعة ذكر جبارة بن المغلس فقال: قال ابن نمير: ما هو عندي ممن يكذب، قلت: كتبت عنه؟ قال: نعم، قلت: تحدث عنه؟ قال: لا ، قلت: ما حاله؟ قال: كان يوضع له الحديث فیحدث به، وما كان عندي ممن يتعمد الكذب))(٢). وقال في سفيان بن محمد الفزاري: ((سمع منه أبي وأبو زرعة، وتركا حديثه))(٣). وقال في محمد بن عقبة السدوسي: ((سمع منه أبي وأبو زرعة، وترك أبو زرعة حديثه، ولم يقرأ علينا، وقال: لا أحدث عنه)) (٤). وقال أبو داود في جبارة بن المغلس: ((لم أكتب عنه، في أحاديثه مناكير، لم أكتب عنه، ما زلت أراه وأجالسه، كان رجلاً ((الضعفاء الكبير)) ٩١:١، و(الجرح والتعديل)) ١٩٨:٢، و((الكامل)) ٢٧٩:١. (١) (٢) ((الجرح والتعديل)) ٥٥٠:٢ . (٣) ((الجرح والتعديل)) ٢٣١:٤. ((الجرح والتعديل)) ٣٦:٨. (٤) ٢٥٦ صالحاً))(١). . وقال أيضاً في حسين بن عمرو العنقزي: ((كتبت عنه، ولا أحدث عنه))(٢) وقال أيضاً: ((كتبت عن بكار السيرفي، وطرحته))(٣). وقال في عباس بن الوليد الخلال الدمشقي: ((كتبت عنه، كان عالماً بالرجال، عالماً بالأخبار، لا أحدث عنه)) (٤). وعلى ما تقدم فإن مما يطالب به الباحث - إضافة إلى استفادته من النظر في تلاميذ الراوي لمعرفة حاله - أن يحرص وهو يذكر أحداً من تلاميذه على اختيار من عرف عنه انتقاء شيوخه، إن وجد أحداً منهم یروي عنه. وكما أسلفت في أول هذا المبحث فإن قضية الاستفادة من الأحكام التطبيقية ليس بالأمر السهل، إذ ليس هو قولاً منقولاً عن الناقد، وإنما هو في كثير من الأحيان نقل لتصرفهم في الرواية عن ذلك الراوي، وهذا قد تعترضه أمور توجب التأني كثيراً في الاستفادة من رواية الواحد منهم عن الراوي، أو عدم روايته عنه، وأهم هذه الأمور أربعة: الأمر الأول: أن كثيراً من الرواة لا يعرف منهجهم في التعامل مع من يسمعون منه، أو يحدثون عنه، فمن نص على منهجهم قليل جداً بالنسبة لمن لم ينص عليه، فالفائدة محدودة إذن. (١) «سؤالات الآجري لأبي داود)) ١: ١٥٢. (٢) «سؤالات الآجري لأبى داود)) ٢٨٨:١. (٣) ((سؤالات الآجري لأبي داود)) ١: ٣٦٠. (٤) ((سؤالات الآجري لأبي داود)) ١: ١٩٨. ٢٥٧ ويجاب عن هذا الاعتراض بأننا إنما نحتاج إلى النص على من ينتقي شيوخه، وهؤلاء عددهم قليل ولا شك، إذ يلزم له أن يكون الراوي ناقداً، وأن لا يكون مع ذلك متسامحاً في التحديث عن الضعفاء والمتروكين والمجاهيل، كما في قول عمرو بن علي الفلاس المتقدم أول هذا المبحث بعد سرده لمن رووا عن إسماعيل بن مسلم المكي: ((إنما يحدث عنه من لا ينظر في الرجال)). أما النوع الآخر - وهم الذين لا ينتقون - فالنص عليهم نستفيد منه التأكيد، وإلا فكل من لم ينص عليه فإنه يعامل معاملتهم حتى يثبت عکس ذلك. وما يسلكه بعض الباحثين من النظر في شيوخ الراوي بواسطة كتاب: ((تهذيب الكمال)) ثم تصنيف الراوي على ضوء هذا النظر - أرى أنه يمكن الاعتماد عليه في تأييد الأصل السابق، وهو أن الراوي لا ينتقي شيوخه، وأما عكسه فهو حكم يستند على دليل ناقص، فالمزي لم يستوعب، ثم كثير من شيوخ الراوي أو تلاميذه لا يذكرهم في ترجمته، اكتفاء بذكره هو في تراجمهم، كما سيأتي شرح ذلك في الفصل الرابع (تمييز رواة الإسناد). الأمر الثاني: قد يوجد اختلاف عن النقاد في وصف راو هل هو ممن ينتقى شيوخه، أو هو ممن يحدث عن كل أحد؟ فقد عدّ عمرو ابن علي الفلاس إسماعيل بن أبي خالد فيمن لا ينظر في الرجال كما تقدم في أول المبحث، أما العجلي فقال فيه: ((كان لا يروي إلا عن ثقة))(١) (١) (تهذيب التهذيب)) ٢٩٢:١. ٢٥٨ وقال أحمد في محمد بن عبدالرحمن المخزومي المعروف بابن أبي ذئب: ((كان ابن أبي ذئب ثقة صدوقاً، أفضل من مالك بن أنس، إلا أن مالكاً أشد تنقية للرجال منه، ابن أبي ذئب لا يبالي عمن حدث))(١). وكذا قال الخليلي: «شيوخه شيوخ مالك، لكنه قد يروي عن الضعفاء))(٢). وفي مقابله قول ابن معين: ((كل من روى عنه ابن أبي ذئب ثقة، إلا أبا جابر البياضي))، ونحوه لأحمد بن صالح(٣) .. والخطب في مثل هذا يسير، فالاختلاف وارد؛ إذ الحكم مبني على الاستقراء، والاجتهاد في شيوخ الراوي ودرجة كل منهم، وهو يختلف من ناقد لآخر، فمتى وقع هذا فإن أمكن الجمع كأن يقال في الاختلاف في ابن أبي ذئب إن مراد أحمد، والخليلي، مقارنته بمالك، فمالك أشد تنقية للرجال منه، مع كونه هو أيضاً ينتقي رجاله، وإن لم يمكن الجمع فالترجيح بوجه من الوجوه، مثل كون أحد المختلفين أجَلَّ وأمكن في هذا العلم. وإن لم يمكن الترجيح، فهنا أصلان يعتمد عليهما، وكلاهما يقود إلى إعمال قول من يقول إن الراوي لا ينتقي شيوخه، أحدهما أن معه زيادة علم، فهو لا ينفي قول صاحبه، وإنما يزيد عليه، والثاني: ترك القولين جميعاً، وافتراض أن الراوي لم يقل فيه أحد شيئاً، وقد تقدم آنفاً أن من هذا حاله فالأصل فيه أنه لا ينتقي، حتى يثبت ضده، والله ((سؤالات أبي داود)» ص٢١٨ . (١) (٢) ((الإرشاد)) ٢٨٥:١. (٣) ((تهذيب التهذيب)) ٩: ٣٠٤. ٢٥٩ أعلم. الأمر الثالث: جاء عن شعبة أنه كان يقول: ((لو حدثتكم عن ثقة - ما حدثتكم عن ثلاثة))(١). وروى جرير بن عبدالحميد قال: ((لما ورد شعبة البصرة قالوا له: حدثنا عن ثقات أصحابك، قال: إن حدثتكم عن ثقات أصحابي فإنما أحدثكم عن نفر يسير من هذه الشيعة: الحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل، وحبيب بن أبي ثابت، ومنصور))(٢). وقال أبو أسامة حماد بن أسامة الكوفي: ((وافقنا من شعبة طيب نفس، فقلنا له: حدثنا، ولا تحدثنا إلا عن ثقة، فقال: قوموا))(٣). وقد جاء معنى هذا عن يحيى بن سعيد القطان، قال ابن معين: ((قال يحيى بن سعيد: لو لم أرو إلا عمن أرضى - أو كلمة نحوها - ما رويت إلا عن خمسة))(٤). وقال أيضاً: ((لو اتقى الله رجل لم يحدث إلا عن سفيان، وشعبة)»(٥). فهذه النصوص تدل على أنهما - وهما أشهر من عرف عنهما انتقاء الشيوخ - يرويان عن الضعفاء، وأن شيوخهما من الثقات قليل عددهم. والجواب عن هذا سهل، ولولا أن بعض الأئمة أورد هذا لما (١) ((الكامل)) ١ :٨٣. (الجرح والتعديل)) ١٣٨:١، ١٣٩، و((الكامل)) ٨٤:١. (٢) (٣) «الجعدیات)) ٨:١. ((تاريخ الدوري عن ابن معين)» ٦٤٦:٢، و((سير أعلام النبلاء» ١٧٨:٩. (٤) ((تاريخ بغداد)) ١٦٢:٩. (٥) ٢٦٠