Indexed OCR Text

Pages 21-40

وتفسير الأستاذ لمراد يحيى القطان بعيد جداً، وإنما المقصود
بالبصر بالرجال: أي يكون خبيراً بالرواة، ناقداً، يميز بين من يصلح
للأخذ عنه، وبین من یترك حدیثه.
ونقل أحد الباحثين عن ابن عدي قوله في ثابت البناني: ((له حدیث
كثير، وهو من ثقات المسلمين، وما وقع من حديثه من النكرة فليس
ذاك منه، إنما هو من الراوي عنه، لأنه قد روى عنه جماعة ضعفاء
ومجهولون، وإنما هو في نفسه إذا روی عمن هو فوقه من مشايخه فهو
مستقيم الحديث ثقة))(١).
علق عليه الباحث بقوله: (( ... وهل هذا اللفظ إذا قيل في أحد
الرواة يدل على أن الراوي يدلس؟ ليس ذلك ببعيد، لقوله: إذا روى
عمن هو فوقه من مشايخه ... ، فإن هذا يدل على أنه يسقط شيخه
القريب، ويعنعن عن شيخ بعيد ... )).
وما قاله الباحث فغير سديد، وليس في هذا النص رمي بالتدليس
البتة .
وساق أحد الباحثين عدة نصوص عن الأئمة يريد بها إثبات أن
الأئمة يكتفون بالمعاصرة وإمكان اللقي لإثبات السماع بين راويين،
وكان مما ذكره قول ابن الجنيد: ((قلت ليحيى بن معين: حماد بن سلمة
دخل الكوفة؟ قال: لا أعلمه دخل الكوفة، قلت: فمن أين لقي هؤلاء؟
قال: قدم عليهم عاصم، وحماد بن أبي سليمان، والحجاج بن أرطاة،
قلت: فأين لقي سماك بن حرب؟ قال: عسى لقيه في بعض المواضع،
(١) ((الكامل)) ٥٢٧:٢.
٢١

ولو كان دخل الكوفة لأجاد عنهم)) (١).
كذا استدل الباحث بهذا النص، ونقض هذا الاستدلال لا يحتاج
إلى عناء، فالنص بنفسه يدل على أن اللقاء ثابت معروف عند السائل
والمجيب، ثم تصريحه بالتحديث عن هؤلاء قد ملأ كتب السنة.
ولست هنا بحاجة إلى التنبيه على أن الخطأ وارد من أي باحث،
ولا سيما في النصوص المحتملة، وإنما الذي لا يغتفر أن يكثر من
الباحث، أو يكون في نص ظاهر لا يحتاج فهمه إلى عناء.
ومن أجل التدرب على فهم نصوص الأئمة ومصطلحاتهم أكثرت
في هذه السلسلة من نقل نصوصهم في كل قضية أتحدث عنها،
فالغرض إذن إلى جانب تأكيد المراد، أن يتعود القارىء على قراءة هذه
النصوص وفهمها، وتنزيلها موضعها اللائق بها، وربما أحلت القارىء
إلى نصوص أخرى متى شعرت بأن في سردها إطالة.
وسيرى القارئ أيضاً نماذج من أخطاء الباحثين في فهم كلام
الأئمة، سواء في الكلام على حديث معين، أو في تفسير مصطلح، أو
في سياق تقرير قاعدة، والغرض منها تنبيه الباحث إلى ضرورة أخذ
أهبة الاستعداد حين يقحم نفسه في هذا الأمر، ويراجع النص مرات
عديدة قبل أن يجزم بمراد الإمام.
الثاني: تفهم كلام الأئمة.
وتفهم كلامهم غير فهمه، فربما يفهم الباحث كلام الناقد، لكن
ذهنه لا يستوعبه، فهو یبدي استغرابه منه، وربما اعتراضه.
(١) ((سؤالات ابن الجنيد)) ص ٤٦١.
٢٢

وهذا - بكل أسف - كثر جداً عند الباحثين الذين يتكلمون في
التصحيح والتضعيف، وسببه ظاهر، وهو عدم تشبع الباحث بالمنهج
الذي ينطلق منه الناقد الأول، وبعد الباحث عن ممارسة النقد وفق ذلك
المنهج، فهو ينقل عن النقاد الأوائل - إذا نقل - بغرض رفضه
ومناقشته .
وليس المقصود بهذا أن النقاد الأوائل معصومون من الخطأ، فلا
يناقشون، وإنما المقصود أن الباحث المتأخر لا يستوعب كلامهم، ثم
يناقشه وفق منهجهم، وإنما يقف منه موقف المستغرب، لعدم التوافق
بينهما في قواعد المنهج.
فهذه السلسلة وأمثالها من أغراضها تكوين باحث ذي عقلية نقدية
وفق منهج النقاد الأوائل، يستطيع السير معهم، ويهضم كلماتهم،
ويستسيغها، وهذا ما يعبر عنه بعض الأئمة بـ(ذوق أهل الفن)، ويعبر
عنه بعضهم بـ(القدرة على مشاركة أهل الفن)، كما قال السخاوي في
الفرق بين الصنفين، المقتدر، وغير المقتدر: ((وهو (أي التعليل) أمر
يهجم على قلوبهم لا يمكنهم رده، وهيئة نفسانية لا معدل لهم عنها،
ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث - كابن خزيمة، والإسماعيلي،
والبيهقي، وابن عبدالبر - لا ينكر عليهم، بل يشاركهم ويحذو
حذوهم، وربما يطالبهم الفقيه أو الأصولي العاري عن الحديث
بالأدلة ... ))(١).
ومن المهم جداً هنا أن يدرك الباحث معنى (مشاركة أهل الفن)،
(١) ((فتح المغيث)) ١ : ٢٧٤.
٢٣

فهي عبارة تطلق في كافة العلوم، فيكثر في تراجم العلماء قولهم فيه:
مشارك في الفقه، أو أصول الفقه، أو التفسير، أو اللغة، أو الحديث،
ويقولون على سبيل الإجمال: مشارك في كثير من العلوم، أو في علوم
أخرى.
ومعنى هذا الوصف أنه ليس من أهل الفن المختصين به، لكنه
يستطيع السير معهم، ويعرف مصطلحاتهم، ويفهم لغتهم، ويربط بين
أحكامهم وبين قواعدهم التي يسيرون عليها في ذلك العلم، ولكثرة
ممارسته لهذه القواعد يستطيع أن يوازن بين أقوالهم عند الاختلاف،
ويشرح دليل هذا، ودليل هذا، وفق قواعدهم، وربما شاركهم في
الأحكام، فرجح عند الاختلاف، واستدل للراجح، وناقش المرجوح.
والذي أقوله هنا - وأرجو أن يتأمله الباحث جيداً - أننا في هذا
العصر في فن (نقد السنة) لا نستطيع تجاوز درجة المشاركة، ومن
وصلها بعد جهد طويل وصبر وخبرة واسعة فقد بلغ الغاية.
ووصف المشارك ينبني عليه أشياء في نقد السنة، من أهمها أن
أحكام الباحث على الأحاديث إنما تدور حول أحكام أهل النقد الأولين
في عصر الرواية، فمهمة الباحث إذن التنقيب الشديد عنها، تصريحاً أو
تلميحاً، فمتى رآهم متفقين على حكم، لم يجز له أن يخالفهم، وإن
انقدح في ذهنه غير ذلك، وكذلك إذا وقف على حكم لإمامين أو ثلاثة
مثلاً لا يصح له أن يخالفهم، بل أقول إنه إذا وقف على حكم واحد
منهم ولم يجد له مخالفاً لزمه الوقوف عنده.
وإذا وجد الباحث أن الأئمة قد اختلفوا فله عمل في الاستدلال
للقولين، إن لم يكونوا فعلوا ذلك، أو بعضهم، والموازنة بين قوليهم،
٢٤

وقد يرجح بين القولين إن رأى في نفسه القدرة، وتحمّل تبعة ذلك
شرعاً، فحكمه فتوى، يشترط له ما يشترط للفتوى.
وللباحث المشارك نظر في أحاديث لم يقف على حكم للأئمة
فيها، بعد أن بذل غاية وسعه في البحث عنه، فيجتهد في الحكم،
مطبقاً قواعد الأئمة، مستخدماً جميع ما يلوح له من قرائن تربطه
بأحکامهم.
وهو في كل ذلك معترف بتقصيره، مدرك لمنزلته بالنسبة لأولئك
النقاد، مستخدماً معهم عبارات الإجلال والإكبار، إن ناقش أحداً منهم
ناقشه بأدب واحترام، يطرح رأيه بطريقة تليق بحاله، خائف وجل،
مبتعد عن العبارات التي توحي بالثناء على النفس.
وغير خاف أن ما تقدم يحتاج إلى مجاهدة للنفس، وترویض لها،
فهي ضعيفة، تواقة لكل ما تظنه يرفع من شأنها، وإن كان بغير حق،
فالمتأمل في كتابات بعض الباحثين الذين يتعاطون نقد السنة يرى
عجباً: تسامقاً وتعالماً، وعبارات خشنة في حق الأئمة، لا تليق بآحاد
الناس.
ويجد القارىء الكريم في هذه السلسلة ما يعينه على الالتزام بما
أرشدته إليه، حيث حرصت في كل موضوع منها على بيان العمل الذي
يستطيع الباحث أن يقوم به، وكذلك إبراز منزلة أولئك النقاد، وما
اختصوا به، فعلت ذلك في الجرح والتعديل، والاتصال والانقطاع،
ومقارنة المرويات، وخصوصاً في هذا الأخير، فقد عقدت فصلاً في
بيان الوسائل التي كانت في حوزتهم، وفقدت فیمن بعدهم.
كما خصصت قسماً كاملاً من هذه السلسلة للحديث عن أئمة
٢٥

النقد، وعن كتبهم.
الثالث: إتقان عرض التخريج والدراسة.
يغفل كثير من الباحثين الاهتمام بحسن عرض تخريجهم ودراستهم
للقارىء، فيجيء العمل مهلهلاً، مطولاً، متداخلاً، كثير التكرار، وهذا
يؤدي إلى نقيض مراد الباحث، فلا يفهم القارىء مراده، ولا يتمكن من
متابعة أسانيد الحدیث ومخارجه.
ولا شك أن حسن العرض وتسلسل المعلومات وترابطها يغني في
كثير من الأحيان عن حكم الباحث، فهو يقود القارىء إلى النتيجة دون
حاجة إلى تدخل الباحث.
وهناك فرق بين أن يقود حسن العرض وتماسكه وترابطه إلى
النتيجة بشكل تلقائي، وهو الذي أعنيه وأقصده، وبين أن يقوم الباحث
بعرض التخريج والدراسة ليقود إلى النتيجة التي وضعها في ذهنه
للحديث، فتجده يتخبط في المنهج، فكل حديث يعرضه بصورة غير
الحديث الآخر.
وحسن عرض التخريج والدراسة يتضمن اختيار المنهج المناسب
للتخريج والدراسة من جهة الاختصار والبسط، فبعض البحوث يكون
فيها التخريج على الصحابي، ثم ذكر الحكم مختصراً، وبعضها يكون
فيه التخريج على مدار الحديث، ثم الكلام عن درجة الحديث،
وبعضها يكون فيه التخريج مطولاً، على الطرق والمتابعات، وهذا
الأخير أيضاً ليس على درجة واحدة في الاختصار والبسط، وللباحثين
عدة مسالك في عرضه، يختار منها الباحث ما يناسب بحثه، وما
يستطيع أن يقوم به.
٠ ٢٦

وإذا كان التخريج مطولاً فستكون الدراسة كذلك، فيفردها الباحث
عن التخريج، ولا يخلطها به، ويتقن تلخيص حال الحديث، ثم يعرض
موقف الأئمة منه، تصحيحاً وتضعيفاً، ويدلل ويوازن، وربما أقدم على
الترجيح .
وإذا كان الباحث قد اختار الترجمة لرواة الإسناد كلهم فيراعي
اختيار المنهج المناسب لكل منهم، ويحسن عرض الترجمة، وفق
ضوابط علمية معينة .
وهو في كل ذلك يسير وفق ترتيب صحيح للدراسة، يراعي فيه
حال الحديث، وما فيه من علل، كما يراعي فيه حين عرض أقوال
الأئمة تسلسلهم التاريخي.
وشرح ما تقدم تحته تفاصيل كثيرة، ويحتاج إلى أمثلة تطبيقية،
وقد خصصت قسماً من هذه السلسلة لشرح عرض التخريج والدراسة،
وذلك لما رأيته من أهمية بالغة لذلك، فكم يحز في النفس أن ترى
شيخاً فاضلاً يشارك في هذا العلم، فإذا كتب كتب بعفوية متناهية،
فأفسد بحوثه.
وقد ألف أحد المشايخ الفضلاء كتاباً جاء في عدة مجلدات، أودع
في حواشيه مادة ضخمة جداً، لكنها بعيدة كل البعد عن المنهج
الصحيح، فالطرق متداخلة، والدراسة لا تدري أين موضعها، مما أدى
إلى تضخم الكتاب بالتراجم، وبالطرق التي لا حاجة إليها، مع سوء في
الترتيب والتنسيق.
وأُرسل لي قبل أيام يسيرة جزء لأحد الأساتذة الفضلاء يقع في
خمسين صفحة أو تزيد، خصصه لدراسة حديث واحد، وطُلب مني
٢٧

إبداء الرأي فيه، فلما قرأته رأيت عجباً، معلومات مشتتة، وتطويل لا
حاجة له، لا يدري القارىء أول الكلام من آخره، وكان بالإمكان -
وفق المنهج الصحيح - أن يقع تخريج هذا الحديث ودراسته في بضع
صفحات لا تزید.
وكنت أكرر دائماً للباحثين الذين أشرف على رسائلهم أو أقرأ لهم
بحوثهم أن جهدي الأكبر سينصب على تنشئة الباحث وتدريبه على
حسن العرض وإتقانه، واختيار المعلومة، ووضعها في مكانها اللائق
بها، وتسخيرها لتنسجم مع ما قبلها وما بعدها، والبعد عن الحشو
والتطويل، واختيار العبارات المناسبة في المناقشة والاعتراض، فهذا
هو الدور الأكبر للمشرف والناقد.
وما عدا ذلك فنحن فيه سواء، بل قد يتفوق الشباب في الوصول
إلى المعلومات، والتنقيب عن الطرق، والاجتهاد والبحث.
وتبقى قضية اتباع قواعد المنهج الصحيح في الموازنة والترجيح
والحكم، وقد تبين لي أنها فرع عن إتقان عرض التخريج والدراسة،
فالباحث متى أتقن ذلك، وكان لديه قراءة يسيرة في قواعد المنهج
الصحيح تجده لا يستطيع أن ينفك عن اتباع هذا المنهج، لأنه منهج
معلل، منضبط، فالمعلومات التي يعرضها الباحث ويتقن عرضها
ستقوده إذن إلى الاختيار الصحيح، وقد جربت هذا مع عدد من
الطلاب.
وهذا أوان الشروع في هذه السلسلة، والابتداء - كما تقدم -
سيكون بالجرح والتعديل، وهو يشتمل على تمهيد، وأربعة فصول:
الفصل الأول: الحكم على الراوي.
٢٨

الفصل الثاني: أحكام النقاد على الرواة ومراتبها.
الفصل الثالث: ضوابط النظر في أحكام النقاد على الرواة.
الفصل الرابع: تمييز رواة الإسناد.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
کتبه
إبراهيم بن عبدالله اللاحم
المملكة العربية السعودية
القصيم - بريدة
بريد ( شبكة المعلومات )
IBRAHIMALLAHIM3@HOTMAIL.COM
٢٩

تمهيد
اشترط المحدثون في الراوي لقبول روايته شرطين، أحدهما : أن
يكون عدلاً، والثاني أن يكون ضابطاً.
والبحث في عدالة الراوي وضبطه هو ما عرف اصطلاحاً بـ(الجرح
والتعديل)، فالجرح معناه الطعن فيهما أو في أحدهما، والتعديل بضد
ذلك، أي الحكم بتوافرهما، فهو وإن كان في الأصل ينصرف إلى
العدالة فقط إلا أن الاصطلاح جرى على شموله للضبط أيضاً.
و(علم الجرح والتعديل) أحد علوم نقد السنة النبوية، له قواعده
وضوابطه وفقهه، وسينتظم هذا القسم بفصوله ومباحثه ما يتعلق بذلك
كله، فمن المهم جداً أن يدرك الباحث أن الوصول إلى حكم دقيق على
كل راو من رواة أسانيده ليس بالأمر اليسير، لا سيما في هذا الوقت
المتأخر؛ إذ قد خلَّف لنا المتكلمون في الجرح والتعديل والمؤلفون فيه
كمّاً هائلاً من المعلومات، سواء منها المتعلق بالقواعد والضوابط، أو
المتعلق بکل راو بعينه.
وقبل الشروع في هذا القسم هناك عدد من القضايا التمهيدية التي
يحسن بالباحث أن يقف عليها أولاً، لتكون عوناً له على السير فيه،
وهي ثلاث قضايا :
الأولى: يمكن أن يستدل لهذين الشرطين بنصوص من الكتاب
والسنة، مثل قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَّبٍَ فَتَبَيَّنُواْ أَنْ
تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَلَةٍ فَنُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ ﴾ [الحجرات]، وقوله وَيه
: ((نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى
من هو أفقه منه ... )) (١)، وكذلك عمومات الشريعة التي توجب صيانة
(١) أخرجه أبو داود حديث ٣٦٦٠، والترمذي حديث ٢٦٥٦، وأحمد ١٨٣:٥، عن =
٣٠

نقلها عن الكذب والغلط، وأن لا تؤخذ إلا ممن أمن جانبه أن يكذب
أو يغلط، كما قال محمد بن سيرين: ((إن هذا العلم دين، فانظروا عمن
تأخذون دینکم»(١).
وقال بهز بن أسد: ((لو أن لرجل على رجل عشرة دراهم لم يستطع
أخذها منه إلا بشاهدين عدلين، فدين الله أحق أن يؤخذ من
العدول))(٢).
وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: ((إنماهي شهادات، وهذا الذي
نحن فيه - يعني الحديث - من أعظم الشهادات)) (٣).
وقال الخطيب البغدادي: ((وقد أخبر النبي وَ لّ بأن في أمته ممن
يجيء بعده كذابين، فحذر منهم، ونهى عن قبول رواياتهم، وأعلمنا أن
الكذب عليه ليس كالكذب على غيره، فوجب بذلك النظر في أحوال
المحدثين، والتفتيش عن أمور الناقلين، احتياطاً للدين، وحفظاً
للشريعة من تلبيس الملحدين)) (٤).
وهذان الشرطان هما أساس نقد السنة، بل هما أساس نقد الأخبار
عموماً، فمتى كان الناقل لخبر ما مأموناً جانبه من أن يكذب، ضابطاً
لما يتحمله من أخبار - وجب قبول خبره.
وعند التأمل فإن الثلاثة الشروط الباقية من شروط الحديث الصحيح
زيد بن ثابت، وهو حديث مشهور، ورد عن جماعة من الصحابة، انظر: ((دراسة
=
حديث: نضر الله امرءاً سمع مقالتي)) لعبدالمحسن العباد.
(١)
((صحيح مسلم))١: ١٤، و((الجامع لأخلاق الراوي)) ١٢٩:١.
((الكفاية)) ص٧٧، و((الجامع لأخلاق الراوي)) ١: ١٢٧، وفي النسخة سقط.
(٢)
(٣) ((الكفاية)) ص٧٧ .
(٤) ((الكفاية)» ص٣٥.
٣١

- وهي اتصال الإسناد، وخلوه من العلة والشذوذ - ترجع في النهاية إلى
هذين الشرطين، فاتصال الإسناد إنما اشترط من أجل معرفة عدالة الناقل
وضبطه، إذ قد يكون الساقط غير عدل، أو غير ضابط، واشتراط عدم
الشذوذ، وعدم العلة - لأن وجودهما معناه انتفاء الضبط والحفظ،
وترجيح وجود خطأ وغلط.
الثانية: تضافرت أقوال الأئمة على اشتراط عدالة الراوي
وضبطه، بعبارات مختلفة، مطولة ومختصرة، لكن ليس بالضرورة أن
يتم التعبير بهاتين الكلمتين، فكل ما يصدر عن الأئمة من وصف
للراوي الذي يقبل حديثه أو الذي لا يقبل مرجعه إلى هاتين الكلمتين،
وإنما جرى الالتزام بهما بعد استقرار المصطلحات، وشيوع تدوين
(قواعد علوم الحديث).
فمن كلمات الأئمة في ذلك قول عروة بن الزبير: ((إني لأسمع
الحديث أستحسنه فما يمنعني من ذكره إلا كراهية أن يسمعه سامع
فيقتدي به، أسمعه من الرجل لا أثق به، قد حدث به عمن أثق به،
وأسمعه من الرجل أثق به، قد حدث به عمن لا أثق به))(١).
وقال الشافعي: ((كان ابن سيرين، وإبراهيم النخعي، وغير واحد
من التابعين يذهبون إلى أن لا يقبلوا الحديث إلا عمن عرف وحفظ،
وما رأيت أحداً من أهل العلم بالحديث يخالف هذا المذهب، وكان
طاوس إذا حدثه رجل حديثاً قال: إن كان حدثك حافظ ملي، وإلا فلا
تحدث عنه»(٢).
(١) ((الكفاية)) ص ٣٢، ١٣٢.
(٢) ((الكفاية)) ص١٣٢، وانظر: ((صحيح مسلم)) ١: ١٥.
٣٢

وقال سعد بن إبراهيم: ((لا يحدث عن رسول الله وَلغيره إلا
الثقات))(١)، وفي رواية عنه: ((كان يقال: خذوا الحديث من
الثقات))(٢).
وقال أبو الزناد: ((أدركت بالمدينة مائةً كلهم مأمون، ما يؤخذ
عنهم الحديث، يقال: ليس من أهله))(٣).
وقال مالك: ((لا يؤخذ العلم من أربعة، ويؤخذ ممن سوى ذلك،
لا تأخذ من سفيه معلن بالسفه وإن كان أروى الناس، ولا تأخذ من
كذاب يكذب في أحاديث الناس، إذا جُرِّب ذلك عليه، وإن كان لا
يتهم أن يكذب على رسول الله ◌َلل، ولا من صاحب هوى يدعو الناس
إلى هواه، ولا من شيخ له فضل وعبادة إذا كان لا يعرف ما
يحدث)) (٤).
وقال أيضاً: ((لقد أدركت بهذا البلد - يعني المدينة - مشيخة لهم
فضل وصلاح وعبادة، يحدثون، ما سمعت من واحد منهم حديثاً قط،
قيل: ولم يا أبا عبدالله؟ قال: لم يكونوا يعرفون ما يحدثون))(٥).
ومن أجمع ما قيل في صفة الراوي الذي تقبل روايته قول
الشافعي: ((ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أموراً، منها: أن
(صحيح مسلم)) ١: ١٥، و((الكفاية)) ص٣٢.
(١)
(٢)
((الجامع لأخلاق الراوي)) ١ : ١٣٠ .
(٣)
((صحيح مسلم)) ١ : ١٥ .
((المعرفة والتاريخ)) ٦٨٤:١، و((الكفاية)) ص١١٦، و((الجامع لأخلاق الراوي))
(٤)
١٣٩:١.
(٥) ((المعرفة والتاريخ)) ٦٨٤:١، و((الكفاية)) ص١١٦، و((الجامع لأخلاق الراوي))
١ :١٣٩.
٣٣

يكون من حدَّث به ثقة في دينه، معروفاً بالصدق في حديثه، عاقلا لما
يحدث به، عالماً بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، أو أن يكون ممن
يؤدي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدث به على المعنى ؛ لأنه إذا
حدث به علی المعنی وهو غير عالم بما یحیل معناه لم يدر لعله يحيل
الحلال إلى الحرام، وإذا أداه بحروفه فلم يبق وجه يخاف فيه إحالته
الحديث، حافظاً إن حدَّث به من حفظه، حافظاً لكتابه إن حدَّث من
كتابه، إذا شرك أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم ..
(١)
الثالثة: بعض أحوال الرواة لا يعرفها إلا من خالطهم وجالسهم،
ومن عرف شيئاً من ذلك سيضطر إلى نقله لغيره، وما يمكن معرفته من
حال الراوي دون الحاجة إلى مجالسته كسبر حديثه مثلاً إنما يقوم به من
يستطيع ذلك، وهم فرسان الحديث ونقاده، وهؤلاء يذكرون آراءهم
حين يسألون، أو يذكرونها ابتداء عند الحاجة لذلك، وكل هذا لابد فيه
من الكلام في الرواة في غيبتهم أحياءً وأمواتاً.
وحين بدأ المعدلون والمجرحون يبينون أحوال الرواة في غيبتهم
اشتبه التجريح على بعض الناس بالغيبة المحرمة والبهتان الواردين في
قوله وسلم: ((أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك
أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال : إن كان
فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته))(٢)، ووصل الأمر إلى
حد الإنكار على من يتكلم في الرواة.
واضطر الأئمة بسبب ذلك إلى بيان عدم دخول تجريح الرواة في
(١) ((الرسالة)) ص ٣٧٠.
(٢) أخرجه مسلم حديث ٢٥٨٩ عن أبي هريرة.
٣٤

الغيبة المحرمة، وعقدوا أبواباً أو فصولاً في كتبهم لشرح ذلك،
وأوضحوا أن الكلام في الرواة أمر واجب يؤجر عليه المتكلم فيه إذا
أحسنه، وليس كل كلام في الشخص في غيبته بما يكرهه محرماً، بل
يستثنى من ذلك أشياء منها جرح الرواة، وجرح الشهود، والتحذير من
الفاسق، وعند الاستفتاء، وغير ذلك(١) .
قال يحيى القطان: ((سألت سفيان الثوري، وشعبة، ومالكاً، وابن
عيينة، عن الرجل لا يكون ثبتاً في الحديث، فيأتيني الرجل فيسألني
عنه، قالوا: أخْبِر عنه أنه ليس بثبت))(٢).
وقال عبد الله بن المبارك: ((قلت لسفيان الثوري: إن عباد بن كثير
من تعرف حاله، وإذا حَدَّث جاء بأمر عظيم، فترى أن أقول للناس: لا
تأخذوا عنه؟ قال سفيان: بلى، فكنت إذا كنت في مجلس ذكر فيه عباد
أثنيت عليه في دينه، وأقول: لا تأخذوا عنه))(٣).
وقال عبد الرحمن بن مهدي: ((مررت مع شعبة برجل - يعني
يحدث - فقال: كذب والله، لولا أنه لا يحل لي أن أسكت عنه لسكت
- أو كلمة معناها_))(٤).
وقال أبو زيد النحوي: ((أتينا شعبة يوم مطر، فقال: ليس هذا يوم
حديث، اليوم يوم غيبة، تعالوا نغتاب
(١) انظر: ((صحيح مسلم)) ١: ١٤-٢٨، و((الكفاية)) ص٣٤-٤٦، و((شرح صحيح مسلم))
للنووي ١٦ :١٤٢-١٤٣.
(٢) (صحيح مسلم)) ١٧:١، و((سؤالات أبي داود)) ص١٩٧، و((التاريخ الصغير))
٢٨٣:٢، و((الكفاية)) ص٤٣ .
(٣) ((صحيح مسلم)) ١ : ١٧ .
(٤) ((الكفاية)) ص٤٣ .
٣٥

الكذابين))(١).
وكان شعبة يطلق على جرح الرواة: الغيبة في الله(٢).
وقال الحسن بن الربيع: ((قال ابن المبارك: المعلى بن هلال
هو ... ، إلا أنه إذا جاء الحديث يكذب، فقال له بعض الصوفية: يا أبا
عبدالرحمن تغتاب؟ فقال: اسكت، إذا لم نبين كيف يعرف الحق من
الباطل - أو نحو هذا من الكلام -)) (٣).
وقال عفان: ((كنا عند إسماعيل بن علية جلوساً، قال: فحدث
رجل عن رجل، فقلت: إن هذا ليس بثبت، فقال الرجل: اغتبته، فقال
إسماعيل: ما اغتابه، ولكنه حكم أنه ليس بثبت))(٤).
وقال أبو زرعة الدمشقي: ((سمعت أبا مسهر يسأل عن الرجل يغلط
ويهم ويصحف، فقال: بين أمره، فقلت لأبي مسهر: أترى ذلك من
الغيبة؟ قال: لا))(٥).
وقال محمد بن بندار الجرجاني: ((قلت لأحمد بن حنبل: إنه ليشتد
عليّ أن أقول: فلان ضعيف، فلان كذاب، فقال أحمد: إذا سكت
أنت، وسكت أنا، فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم؟)) (٦).
ومن أعظم ما قيل في ذلك كلمة ليحيى بن سعيد القطان، فقد قال
له تلميذه أبو بكر بن خلاد: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت
(١) ((الكفاية)» ص٤٥ .
(٢) ((الكفاية)» ص٤٥ .
(٣) ((الكفاية)) ص٤٥، وانظر: ((المعرفة والتاريخ)) ١٣٧:٣.
«الکفایة» ص٤٣ .
(٤)
«الکفایة» ص٤٥ .
(٥)
(٦) ((الكفاية)) ص٤٦.
٣٦

حديثهم خصماءك عند الله تعالى؟ فقال يحيى: ((لأن يكون هؤلاء
خصمائي أحب إلي من أن يكون خصمي رسول الله وَلقول، يقول: لم
حدثت عني حديثاً ترى أنه كذب؟))(١).
فقد تبين السبب الذي لأجله استجاز الأئمة القدح في الرواة، وأنه
من باب درء إحدى المفسدتين بارتكاب أخفهما، فالقدح في الرواة
أهون بكثير من اختلاط صحيح السنة بسقيمها، وأن ينسب إلى
رسول الله ( أو إلى غيره من صحابته رضوان الله عليهم، ومن جاء
بعدهم مالم يصدر عنه.
ويتفرع عن هذا أنه لا ينبغي إهدار حقوق هؤلاء الرواة في خضم
تحقيق هذه المصلحة، فإن فيهم الفقهاء، والقضاة، والقراء، والعباد،
ومن أهم حقوقهم أن يحسن المتكلم فيهم أو الناقل لكلام غيره النية،
وأن لا يفعل ذلك تشفياً لمخالفة في مذهب أو مسألة، وأن يقتصر من
الكلام فيهم على ما يحصل به الغرض، وأن يدفع عنهم ما لم يثبت
عنهم، أو ما لم يثبت عن المتكلم فيهم، ولا يذكر ما قيل فيهم من
جرح، ویسکت عما قیل فيهم من تعدیل.
وكل هذه القضايا وما يشبهها سيأتي التعرض لها في مباحث هذا
القسم من قريب أو بعيد، وليس هي بالشيء الهين، فالحال كما قال
الإمام ابن دقيق العيد: ((أعراض المسلمين: حفرة من حفر النار، وقف
على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون والحكام))(٢)، وقال ابن
الصلاح: ((الكلام في الرجال جرحاً وتعديلاً جُوِّز صوناً للشريعة، ونفياً
(١) ((الكفاية)) ص٤٤.
(٢) ((الاقتراح)) ١: ١٤٤.
٣٧

للخطأ والكذب عنها، وكما جاز الجرح في الشهود جاز في الرواة.
ثم إن على الآخذ في ذلك أن يتقي الله تبارك وتعالى، ويتثبت،
ويتوقى التساهل، كيلا يجرح سليماً، ويسم بريئاً بسمة سوء يبقى عليه
الدهر عارها، ويلحق المتساهل من تساهله العقاب والمؤاخذة.
وأحسب أبا محمد عبدالرحمن بن أبي حاتم الرازي من مثل ما
ذكرناه خاف، فيما رُوِّيناه أو بُلِّغناه أن يوسف بن الحسين الرازي - وهو
الصوفي - دخل عليه وهو يقرأ كتابه في الجرح والتعديل، فقال له: كم
من هؤلاء القوم قد حطوا رحالهم في الجنة منذ مئة سنة ومئتي سنة،
وأنت تذکرهم وتغتابهم؟ فبکی عبدالرحمن.
وبُلِّغنا أيضاً أنه حُدث وهو يقرأ كتابه ذلك على الناس عن يحيى بن
معين أنه قال : إنا لنطعن على أقوام لعلهم حطوا رحالهم في الجنة منذ
أكثر من مئتي سنة، فبكى عبدالرحمن، وارتعدت يداه حتى سقط
الكتاب من يده))(١) .
ومما يتصل بهذا الجانب ويغفل عنه بعض الباحثين أن لا يكون
هناك حاجة لذكر جرح الشخص من جهة الرواية، فلم يرد عند الباحث
في إسناد حديث، وإنما ورد اسمه في أمر يتعلق بعلم آخر من العلوم،
كالفقه، أو القراءات، أو اللغة، فيترجم له الباحث معرفاً به، ويقحم
في ترجمته ما قيل في درجته من جهة الرواية، وقد يكون فيها ضعيفاً أو
دون ذلك، فيجني على الشخص، وعلى الموضوع الذي هو بصدد
الحديث عنه.
(١) ((مقدمة ابن الصلاح)) ص ٥٩٠، وانظر: ((الكفاية)) ص٣٨.
٣٨

مثال ذلك أن یکون ورد عند الباحث اسم الفقیه المشهور محمد بن
أبي ليلى الكوفي، في مسألة فقهية، فإذا أراد التعريف به فمن غير
اللائق أن يذكر درجته في الرواية؛ إذ هو سيء الحفظ، كثير الاضطراب
فيما يرويه(١)، ولذا قال أحمد فيه : ((فقه ابن أبي ليلى أحب إلينا من
حديثه، حديثه فيه اضطراب))(٢)، أو يكون ورد عنده اسم الحجاج بن
أرطاة الفقيه الكوفي، فإنه كثير الخطأ والتدليس، يدلس عن
المتروكين(٣).
فهذا في الفقه، ومثله يقال لو جاء عند الباحث اسم حفص بن
سليمان صاحب القراءة المعروفة بقراءة حفص، عن عاصم، فإن حفصاً
هذا متروك الحديث(٤).
(١) ((تهذيب التهذيب)) ٣٠١:٩.
((العلل ومعرفة الرجال)) ١ :٤١١ .
(٢)
(٣)
((تهذيب التهذيب)) ١٩٦:٢.
(٤) (تهذيب التهذيب)) ٤٠٠:٢.
٣٩

الفصل الأول:
الحكم على الراوي
وفيه مدخل، وأربعة مباحث:
المبحث الأول: وسائل الحكم على الراوي.
المبحث الثاني: اختلاف حال الراوي.
المبحث الثالث: مقارنة الراوي بغيره.
المبحث الرابع: معوقات الحكم على الراوي.
٤٠