Indexed OCR Text

Pages 61-80

به . والصحيح الذي عليه العمل جوازه ، وبه قطع الحفاظ : الدارقطني ، وابن
عُقْدَة ، وأبو نعيم ، وأبو الفتح نصر المقدس . وكان أبو الفتح يروي بالإِجازة
عن الإِجازة ، وربما والى بين ثلاث .
وينبغي للراوي بها تأملها ؛ لئلا يروي مالم يدخل تحتها ، فإن كانت
إجازة شيخ شيخه : أجزت له ما صح عنده من سماعي . فرأى سماع شيخ
شيخه فليس له روايته عن شيخه عنه حتی یعرف أنه صح عند شيخه کونه من
مسموعات شيخه .
فرع :
قال أبو الحسين بن فارس : الإِجازة مأخوذة من جواز الماء الذي تسقاه
الماشية والحرث ، يقال : استجزته فأجازني إذا أسقاك ماء لماشيتك وأرضك ،
كذا طالب العلم يستجيز العالم علمه فيجيزه .
فعلى هذا يجوز أن يقال : أجزت فلاناً مسموعاتي . ومن جعل الإِجازة
إذناً وهو المعروف ، يقول : أجزت له رواية مسموعاتي . ومتى قال : أجزت له
مسموعاتي ، فعلى الحذف كما في نظائره .
قالوا : إنما تستحسن الإِجازة إذا علم المجيز وكان المجاز من أهل العلم .
واشترطه بعضهم ، وحكي عن مالك ، وقال ابن عبد البَرِّ : الصحيح أنها لا
تجوز إلا لماهر بالصناعه في معين لا يشكل إسناده ، وينبغي للمجيز كتابة أن
يتلفظ بها ، فإن اقتصر على الكتابة مع قصد الإِجازة صحّت .
القسم الرابع : المناولة (١):
هي ضربان : مقرونة بالإِجازة ، ومجردة .
فالمقرونة أعلى أنواع الإِجازة مطلقاً، ومن صورها أن يدفع الشيخ إلى
الطالب أصل سماعه أو مقابلاً به ، ويقول : هذا سماعي أو روايتي عن فلان
(١) الأصل في المناولة ما علقه البخاري في العلم ((أن رسول الله ولو كتب لأمير السرية كتاباً وقال:
لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا . فلما بلغ ذلك المكان ، قرأه على الناس ، وأخبرهم بأمر =
٦١

فاروه أو أجزت لك روايته عني . ثم يبقيه معه تمليكاً أو لينسخه أو نحوه .
ومنها أن يدفع إليه الطالب سماعه ، فيتأمله الشيخ وهو عارف متيقظ ،
ثم يعيده إليه ويقول : هو حديثي أو روايتي فأروه عني أو أجزت لك روايته .
وهذا سماه غير واحد من أئمة الحديث عرضاً . وقد سبق أن القراءة عليه
تسمى عرضاً ، فليسم هذا عرض المناولة وذاك عرض القراءة .
وهذه المناولة كالسماع في القوة عند الزهري ، وربيعة ، ويحيى بن سعيد
الأنصاري ، ومجاهد ، والشعبي ، وعلقمة ، وإبراهيم ، وأبي العالية ، وأبي
الزبير ، وأبي المتوكل ، ومالك ، وابن وهب ، وابن القاسم ، وجماعات
آخرین .
والصحيح أنها منحطة عن السماع والقراءة ، وهو قول الثوري ،
والأوزاعي ، وابن المبارك ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، والبُوَيْطِيّ ، والمُزَنِيِّ ،
وأحمد ، وإسحاق ، ويحيى بن يحيى . قال الحاكم : وعليه عهدنا أئمتنا وإليه
نذهب .
ومن صورها أن يناول الشيخ الطالب سماعه ويجيزه له ، ثم يمسكه
الشيخ . وهذا دون ما سبق ، وتجوز روايته إذا وجد الكتاب أو مقابلاً به موثوقاً
بموافقته ما تناولته الإِجازة ، كما يعتبر في الإِجازة المجردة ، ولا يظهر في هذه
المناولة كبير مزية على الإِجازة المجردة في معين .
وقال جماعة من أصحاب الفقه والأصول : لا فائدة فيها . وشيوخ
الحديث قديماً وحديثاً يرون لها مزية معتبرة .
ومنها أن يأتيه الطالب بكتاب ويقول : هذا روايتك فناولنيه وأجز لي
روايته . فيجيبه إليه من غير نظر فيه وتحقق لروايته ، فهذا باطل . فإن وثق
النبي (ص)). وصله البيهقي والطبراني بسند حسن. وقال السهيلي: احتج به البخاري على
=
صحة المناولة ، فكذلك العالم ، إذا ناول التلميذ كتاباً ، جاز له أن يروي عنه ما فيه . وقال :
وهو فقه صحيح .
٦٢

بخبر الطالب ومعرفته اعتمده وصحت الإِجازة كما يعتمده في القراءة . فلو
قال : حدّث عني بما فيه إن كان من حديثي مع براءتي من الغلط ، كان جائزاً
حسناً .
الضرب الثاني : المجردة : بأن يناوله مقتصراً على : هذا سماعي ، فلا
تجوز الرواية بها على الصحيح الذي قاله الفقهاء وأصحاب الأصول ، وعابوا
المحدّثين المجوّزين .
فرع :
جوّز الزهري ، ومالك ، وغيرهما ، إطلاق حدّثنا وأخبرنا في الرواية
بالمناولة ، وهو مقتضى قول من جعلها سماعاً ، وحكي عن أبي نعيم الأصبهاني
وغيره جوازه في الإِجازة المجردة .
والصحيح الذي عليه الجمهور وأهل التحري المنع وتخصيصها
بعبارة مشعرة بها : كحدثنا وأخبرنا إجازة ، أو مناولة وإجازة ، أو إذناً ، أو في
إذنه ، أو فيما أذن لي فيه ، أو فيما أطلق لي روايته ، أو أجازني ، أوْلى ، أو
ناولني ، أو شبه ذلك .
وعن الأوزاعي تخصيصها بخبَّرنا ، والقراءة بأخبرنا . واصطلح قوم من
المتأخرين على إطلاق أنبأنا في الإِجازة ، واختاره صاحب كتاب الوجازة(١).
وكان البيهقي يقول : أنبأني إجازة .
وقال الحاكم : الذي أختاره وعهدت عليه أكثر مشايخي وأئمة عصري أن
(١) هو الوليد بن بكر بن مخلد بن زياد ، أبو العباس الغمري : عالم بالحديث أندلس ، من أهل
سرقسطة . رحل في طلب العلم إلى إفريقية وطرابلس الغرب والشام والعراق وخراسان وما
وراء النهر . ولقي في رحلته أكثر من ألف شيخ . وتوفي بالدينور (٣٩٢ هـ = ١٠٠٢ م).
وكتابه المذكور أعلاه اسمه بالكامل: ((الوجازة في صحة القول بالإجازة )) ذكر فيها من لقيهم
في رحلته . جذوة المقتبس ٣٣٩، والتاج ٣ : ٤٥٦، وبقية الملتمس ٤٦٦، وفهرسة الإشبيلي
٢٦٠، ونفح الطيب ١ : ٥١٤ - ٥١٥، والصلة لابن بشكوال ٥٨٢ وتاريخ بغداد ١٣ :
٤٥.
٦٣

يقول فيما عرض على المحدّث فأجازه شفاهاً : أنبأني ، وفيما كتب إليه : كتب
إليّ .
وقد قال أبو جعفر بن حمدان : کل قول البخاري ( قال لي فلان ) عرض
ومناولة .
وعبّر قوم عن الإِجازة بأخبرنا فلان أن فلاناً حدّثه أو أخبره ، واختاره
الخطابي وحكاه ، وهو ضعيف .
واستعمل المتأخرون في الإِجازة الواقعة في رواية مَنْ فوق الشیخ حرف
((عَنْ))، فيقول من سمع شيخاً بإجازته عن شيخ: قرأت على فلان عن
فلان .
ثم إن المنع من إطلاق حدثنا وأخبرنا لا يزول بإباحة المجيز ذلك .
القسم الخامس : الكتابة :
وهي أن يكتب الشيخ مسموعه لحاضر أو غائب بخطه أو بأمره .
وهي ضربان : مجردة عن الإِجازة ، ومقرونة بأجزتك ما كتبت لك أو
إليك ونحوه من عبارة الإِجازة . وهذا في الصحة والقوة كالمناولة المقرونة .
وأما المجردة ، فمنع الرواية بها قوم ، منهم القاضي الماوردي الشافعي .
وأجازها كثيرون من المتقدمين والمتأخرين ، منهم : أيوب السَّختياني ،
ومنصور ، والليث ، وغير واحد من الشافعيين وأصحاب الأصول .
وهو الصحيح المشهور بين أهل الحديث ، ويوجد في مصنفاتهم : كتب
إلى فلان قال حدثنا فلان . والمراد به هذا ، وهو معمول به عندهم معدود في
الموصول الإِشعاره بمعنى الإِجازة . وزاد السمعاني فقال : هي أقوى من
الإجازة .
ء
ثم يكفي معرفته خط الكاتب . ومنهم من شرط البينة ، وهو ضعيف .
ثم الصحيح أنه يقول في الرواية بها : كتب إليّ فلان قال حدّثنا فلان ، أو
٦٤

أخبرني فلان مكاتبة أو كتابة ونحوه . ولا يجوز إطلاق حدثنا وأخبرنا ، وجوّزه
الليث ومنصور وغير واحد من علماء المحدثين وكبارهم .
القسم السادس : [ الإعلام ]
إعلام الشيخ الطالب أن هذا الحديث أو الكتاب سماعه مقتصراً عليه .
فجوّز الرواية به كثير من أصحاب الحديث والفقه والأصول والظاهر ،
منهم : ابن جريج ، وابن الصَّبَّاغ الشافعي ، وأبو العباس الغمريّ
( بالمعجمة ) المالكي .
قال بعض الظاهرية : لو قال هذه روايتي لا تروها ، كان له روايتها
عنه .
والصحيح ما قاله غير واحد من المحدّثين وغيرهم : أنه لا تجوز الرواية
به(١) ، لکن یجب العمل به إن صحّ سنده .
القسم السابع : الوصية :
هي أن يوصي عند موته أو سفره بكتاب يرويه .
فجّز بعض السلف للموصي له روايته عنه ، وهو غلط ، والصواب أنه
لا يجوز .
القسم الثامن : الوِجَادَةُ :
وهي مصدر لوجد مولّد غير مسموع من العرب . وهي أن يقف على
أحاديث بخط راويها ، لا يرويها الواجد ، فله أن يقول : وجدت ، أو قرأت
(١) وقطع بذلك حجة الإسلام الغزالي في ((المستصفى))، قال: لأنه قد لا يجوز روايته ، مع كونه
سماعه ، لخلل يعرفه فيه . وقاس ابن الصلاح وغيره ذلك على مسألة استرعاء الشاهد إن
تحمل ؛ فإنه لا يكفي إعلامه ، بل لا بد أن يأذن له أن يشهد على شهادته . قال القاضي
عياض : وهذا القياس غير صحيح ؛ لأن الشهادة على الشهادة لا تصح إلا مع الإذن في كل
حال ، والحديث عن السماع والقراءة لا يحتاج فيه إلى إذن باتفاق . وأيضا فالشهادة تفترق من
الرواية في أكثر الوجوه .
٦٥

بخط فلان ، أو في كتابه بخطه حدثنا فلان ويسوق الإِسناد والمتن ، أو قرأت
بخط فلان عن فلان .
هذا الذي استمر عليه العمل قديماً وحديثاً ، وهو من باب المنقطع ، وفيه
شوب اتصال ، وجازف بعضهم فأطلق فيها حدثنا وأخبرنا ، وأنكر عليه .
وإذا وجد حديثاً في تأليف شخص ، قال : ذكر فلان ، أو قال فلان
أخبرنا فلان . وهذا منقطع لا شوب فيه .
وهذا كله إذا وثق بأنه خطه أو كتابه ، وإلا فليقل : بلغني عن فلان ، أو
وجدت عنه ونحوه ، أو قرأت في كتاب : أخبرني فلان أنه بخط فلان ، أو
ظننت أنه خط فلان ، أو ذكر كاتبه أنه فلان ، أو تصنيف فلان ، أو قيل بخط
أو تصنيف فلان .
وإذا نقل من تصنيف فلا يقل : قال فلان ، إلا إذا وثق بصحة النسخة
بمقابلته ، أو ثقة بها ، فإن لم يوجد هذا ولا نحوه فليقل : بلغني عن فلان ، أو
وجدت في نسخة من كتابه ونحوه . وتسامح أكثر الناس في هذه العصور بالحزم
في ذلك من غير تحرّ .
والصواب ما ذكرناه ، فإن كان المطالع متقناً لا يخفى عليه غالباً الساقط أو
المغيّر رجونا الجزم له ، وإلى هذا استروح كثير من المصنفين في نقلهم .
أما العمل بالوجادة ، فنقل عن معظم المحدّثين المالكيين وغيرهم أنه لا
يجوز . وعن الشافعي ونظار أصحابه جوازه . وقطع بعض المحققين الشافعيين
بوجوب العمل بها عند حصول الثقة ، وهذا هو الصحيح الذي لا يتجه هذه
الأزمان غيره ، والله أعلم .
٦٦

٢٥ - النوع الخامس والعشرون
كتابة الحديث وضبطه
وفيه مسائل :
إحداها : اختلف السلف في كتابة الحديث ، فكرهها طائفة ، وأباحها
طائفة ، ثم أجمعوا على جوازها . وجاء في الإِباحة والنهي حديثان(١) ، فالإِذن
لمن خيف نسيانه، والنهي لمن أمن وخيف اتكاله ، أو نهي (٢) حين خيف
اختلاطه بالقرآن وأذن حين أمن .
ثم على كاتبه صرف الهمة إلى ضبطه وتحقيقه شكلًا ونقطاً يؤمن اللبس .
ثم قيل : إنما يشكل المشكل ، ونقل عن أهل العلم كراهة الإِعجام
والإِعراب(٣) إلا في الملتبس . وقيل: يشكل الجميع.
الثانية : ينبغي أن يكون اعتناؤه بضبط الملتبس من الأسماء أكثر ،
ويستحب ضبط المشكل في نفس الكتاب ، وكتبه مضبوطاً واضحاً في الحاشية
قبالته .
ويستحب تحقيق الخط دون مشقه وتعليقه ، ويكره تدقيقه (٤) إلا من عذر
كضيق الورق وتخفيفه للحمل في السفر ونحوه .
وينبغي ضبط الحروف المهملة ، قيل : تجعل تحت الدّال والرّاء والسّين
(١) حديث الإباحة: حديث أبي شاه اليمنى في التماسه من رسول الله# أن يكتب له شيئاً سمعه
من خطبته عام فتح مكة، وقوله #: ((اكتبوا لأبي شاه)). متفق عليه. وروى أبو داود
والحاكم وغيرهما عن ابن عمرو قال: قلت يا رسول الله، إني أسمع منك الشيء فأكتبه .
قال: نعم . قال: في الغضب والرضا؟ قال: ((نعم، فإني لا أقول فيهما إلا حقاً)).
أما حديث النهي: فقد ورد عن أبي سعيد الخدري أن النبي ◌َ# قال: (( لا تكتبوا عني شيئاً إلا
القرآن ومن كتب عني شيئاً غير القرآن فليمحه )) أخرجه مسلم في صحيحه .
(٢) في (٣) : أو نهى عن .
(٣) الإعجام : أي النقط . والإعراب : أي الشكل .
(٤) المشق : سرعة الكتابة . والتعليق: خلط الحروف التي ينبغي تفريقها . والتدقيق : الكتابة بالخط
الدقيق .
٦٧

والصّاد والطّاء والعين النقط التي فوق نظائرها . وقيل : فوقها كقلامة الظفر
مضجعة على قفاها . وقيل : تحتها حرف صغير مثلها . وفي بعض الكتب
القديمة فوقها خط صغير . وفي بعضها تحتها همزة .
ولا ينبغي أن يصطلح مع نفسه برمز لا يعرفه الناس ، وإن فعل فليبين في
أول الكتاب أو آخره مراده . وأن يعتني بضبط مختلف الروايات وتمييزها ،
فيجعل كتابه على رواية ، ثم ما كان في غيرها من زيادات ألحقها في الحاشية ،
أو نقص أعلم عليه ، أو خلاف كتبه . معيناً في كل ذلك مَنْ رواه بتمام
اسمه ، لا رامزاً إلا أن يبين أول الكتاب أو آخره . واكتفى كثيرون بالتمييز
بحمرة ، فالزيادة تلحق بحمرة ، والنقص يحوق عليه بحمرة ، مبيناً اسم
صاحبها أول الكتاب أو آخره .
الثالثة : ينبغي أن يجعل بين كل حديثين دائرة ، نقل ذلك عن جماعات
من المتقدمين ، واستحب الخطيب أن تكون غفلاً ، فإذا قابل نقط وسطها .
ويكره في مثل عبد الله وعبد الرحمن بن فلان كتابة عبد آخر السطر واسم
الله مع ابن فلان أول الآخر. وكذا يكره رسول آخره والله و لتر أوله ، وكذا ما
أشبهه .
وينبغي أن يحافظ على كتابة الصلاة والتسليم على رسول الله وَلايقر ، ولا
يسأم من تكراره ، ومن أغفله حُرِمَ حظاً عظيماً ، ولا يتقيد فيه بما في الأصل إن
كان ناقصاً . وكذا الثناء على الله سبحانه وتعالى كعز وجل وشبهه. وكذا
الترضي والترحم على الصحابة والعلماء وسائر الأخيار .
وإذا جاءت الرواية بشيء منه كانت العناية به أشد . ويكره الاقتصار على
الصلاة أو التسليم والرمز إليهما في الكتابة ، بل يكتبهما بكمالهما .
الرابعة : عليه مقابلة كتابه بأصل شيخه وإن إجازة (١) ، وأفضلها أن
(١) قال الأخفش: إذا نسخ الكتاب ولم يعارض، ثم نسخ ولم يعارض ، خرج أعجمياً . وروى ابن
عبد البر وغيره ، عن يحيى بن أبي كثير والأوزاعي ، قالا : من كتب ولم يعارض كمن دخل =
٦٨

يمسك هو وشيخه كتابيهما حال التسميع . ويستحب أن ينظر معه من لا نسخة
معه لا سيما إن أراد النقل من نسخته . وقال يحيى بن معين : لا يجوز أن يروي
من غير أصل الشيخ إلا أن ينظر فيه حال السماع .
والصواب الذي قاله الجماهير : أنه لا يشترط نظره ولا مقابلته بنفسه ،
بل يكفي مقابلة ثقة أي وقت كان ، ويكفي مقابلته بفرع قوبل بأصل الشيخ
ومقابلته بأصل أصل الشيخ المقابل به أصل الشيخ ، فإن لم يقابل أصلاً فقد
أجاز له الرواية منه الأستاذ أبو إسحاق وآباء بكر الإسماعيلي والبرقاني والخطيب
إن كان الناقل صحيح النقل ، قليل السقط ، ونقل من الأصل ، وبين حال
الرواية أنه لم يقابل .
ويراعي في كتاب شيخه مع من فوقه ما ذكرنا في كتابه ، ولا يكن كطائفة
إذا رأوا سماعه لكتاب سمعوا من أي نسخة اتفقت ، وسيأتي فيه خلاف وكلام
آخر في أول النوع الآتي .
الخامسة: المختار في تخريج الساقط وهو اللحق (( بفتح اللام والحاء)) أن
يخط من موضع سقوطه في السطر خطاً صاعداً معطوفاً بين السطرين عطفة
يسيرة إلى جهة اللحق . وقيل : يمد العطفة إلى أول اللحق ويكتب اللحق قبالة
العطفة في الحاشية اليمنى إن إتسعت ، إلا أن يسقط في آخر السطر فيخرجه إلى
الشمال وليكتبه صاعداً إلى أعلى الورقة ، فإن زاد اللحق على سطر ابتدأ سطوره
من أعلى إلى أسفل ، فإن كان في يمين الورقة انتهت إلى باطنها ، وإن كان في
الشمال فإلى طرفها، ثم يكتب في انتهاء اللحق ((صح)). وقيل: يكتب مع
((صح)) رجع. وقيل: يكتب الكلمة المتصلة به داخل الكتاب . وليس
بمرضٍ لأنه تطويل موهم .
وأما الحواشي من غير الأصل كشرح ، وبيان غلط ، أو اختلاف رواية ،
الخلاء ولم يستنج . وأسند البيهقي في المدخل ، أن عروة بن الزبير قال لابنه هشام: كتبت ؟
=
قال : نعم . قال : عرضت كتابك ؟ قال : لا . قال : لم تكتب .
٦٩

أو نسخة ونحوه ، فقال القاضي عياض : لا يخرج له خط . والمختار استحباب
التخريج من وسط الكلمة المخرج لأجلها .
السادسة : شأن المتقنين التصحيح والتضبيب والتمريض . فالتصحيح
كتابة ((صح)) على كلام صح رواية ومعنى ، وهو عرضة للشك أو الخلاف .
والتضبيب ويسمى التمريض أن يمد خط أوله كالصاد ولا يلزق بالممدود عليه ،
يمد على ثابت نقلًا فاسد لفظاً أو معنى أو ضعيف أو ناقص . ومن الناقص
موضع الإِرسال أو الإنقطاع، وربما اختصر بعضهم علامة التصحيح فأشبهت
الضبة . ويوجد في بعض الأصول القديمة في الإسناد الجامع جماعة معطوفاً
بعضهم على بعض علامة تشبه الضبة بين أسمائهم وليست ضبة وكأنها علامة
اتصال .
السابعة : إذا وقع في الكتاب ما ليس منه نفي بالضرب ، أو الحك ، أو
المحو، أو غيره . وأولاها الضرب ، ثم قال الأكثرون : يخط فوق المضروب
عليه خطاً بيناً دالاً على إبطاله مختلطاً به ، ولا يطمسه بل يكون ممكن القراءة ،
ويسمى هذا الشق .
وقيل : لا يخلط بالمضروب عليه ، بل يكون فوقه معطوفاً على أوله
وآخره . وقيل : يحوّق على أوله نصف دائرة وكذا آخره . وإذا كثر المضروب
عليه فقد يكتفي بالتحويق أوله وآخره وقد يحوّق أول كل سطر وآخره . ومنهم
من اكتفى بدائرة صغيرة أول الزيادة وآخرها، وقيل: يكتب ((لا)) في أوله
و(( إلى)) في آخره .
وأما الضرب على المكرر، فقيل : يضرب على الثاني . وقيل يبقى
أحسنهما صورة وأبينهما . وقال القاضي عياض : إن كانا أول سطر ضرب على
الثاني ، أو آخِره فعلى الأول ، أو أول سطر وَآخِرَ آخَرَ فعلى آخر السطر ، فإن
تكرر المضاف والمضاف إليه أو الموصوف والصفة ونحوه روعي اتصالهما .
وأما الحك والكشط فكرهها أهل العلم .
الثامنة : غلب عليهم الاقتصار على الرمز في حدثنا وأخبرنا ، وشاع
٧٠
١

بحيث لا يخفى . فيكتبون من حدثنا : الثاء والنون والألف ، وقد تحذف الثاء .
ومن أخبرنا : أنا . ولا يحسن زيادة الباء قبل النون وإن فعله البيهقي . وقد
يزاد راء بعد الألف . ودال أول رمز حدثنا ، ووجدت الدال في خط الحاكم
وأبي عبد الرحمن السُّلَمِيّ والبيهقي .
وإذا كان للحديث إسنادان أو أكثر كتبوا عند الانتقال من إسناد (ح ) ولم
يعرف بيانها عمّن تقدم . وكتب جماعة من الحفاظ موضعها صح ، فيشعر ذلك
بأنها رمز صح ، وقيل من التحويل من إسناد إلى إسناد ، وقيل : لأنها تحول بين
الإِسنادين فلا تكون من الحديث ولا يلفظ عندها بشيء . وقيل : هي رمز إلى
قولنا ((الحديث)) وإن أهل المغرب كلهم يقولون إذا وصلوا إليها : الحديث .
والمختار أن يقول : حَاوَيْرٌ .
التاسعة : ينبغي أن يكتب بعد البسملة اسم الشيخ ، ونسبه ، وكنيته ،
ثم يسوق المسموع . ويكتب فوق البسملة أسماء السامعيين ، وتاريخ السماع ،
أو يكتبه في حاشية أول ورقة ، أو آخر الكتاب ، أو حيث لا يخفى منه .
وينبغي أن يكون بخط ثقة معروف الخط ، ولا بأس عند هذا بأن لا
يصحح الشيخ عليه ، ولا بأس أن يكتب سماعه بخط نفسه إذا كان ثقة كما
فعله الثقات .
وعلى كاتب التسميع التحرّي وبيان السامع والمسمع والمسموع بلفظ وجيز
غير محتمل ومجانبة التساهل فيمن يثبته والحذر من إسقاط بعضهم لغرض
فاسد . فإن لم يحضر فله أن يعتمد في حضورهم خبر ثقة حضر .
ومن ثبت في كتابه سماع غيره ، فقبيح به كتمانه ومنعه نقل سماعه منه ،
أو نسخ الكتاب . وإذا أعاره ، فلا يبطىء عليه ، فإن منعه ، فإن كان سماعه
مثبتاً برضا صاحب الكتاب لزمه إعارته وإلا فلا ، كذا قاله أئمة مذاهبهم في
أزمانهم ، منهم : القاضي حفص بن غياث الحنفي ، وإسماعيل القاضي
المالكي ، وأبو عبد الله الزبيري الشافعي ، وحكم به القاضيان. والصواب
الأول .
٧١

فإذا نسخه فلا ينقل سماعه إلى نسخته إلا بعد المقابلة المرضية ، ولا ينقل
سماع إلى نسخة إلا بعد مقابلة مرضية إلا أن يبين كونها غير مقابلة ، والله
أعلم .
٢٦ - النوع السادس والعشرون
صفة رواية الحديث
تقدم جمل منه في النوعين قبله وغيرهما . وقد شدد قوم في الرواية
فأفرطوا ، وتساهل آخرون ففرّطوا .
فمن المشددين من قال : لا حجة إلا فيما رواه من حفظه وتذكره . روي
عن مالك وأبي حنيفة ، وأبي بكر الصيدلاني الشافعي . ومنهم من جوّزها من
كتابه إلا إذا خرج من يده .
وأما المتساهلون فتقدم بيان جمل عنهم في النوع الرابع والعشرين . ومنهم
قوم رووا من نسخ غير مقابلة بأصول ، فجعلهم الحاكم مجروحين ، وقال :
وهذا كثير تعاطاه قوم من أكابر العلماء والصلحاء .
وقد تقدم في آخر الرابعة من النوع الماضي أن النسخة التي لم تقابل تجوز
الرواية منها بشروط ، فيحتمل أن الحاكم يخالف فيه ، ويحتمل أنه أراد إذا لم
توجد الشروط .
والصواب ما عليه الجمهور وهو التوسط ، فإذا قام في التحمل والمقابلة بما
تقدم جازت الرواية منه وإن غاب إذا كان الغالب سلامته من التغيير لا سيما إن
كان ممن لا يخفى عليه التغيير غالباً .
٧٢

فروع :
الأول : الضرير إذا لم يحفظ ما سمعه ، فاستعان بثقة في ضبطه ، وحفظ
كتابه ، واحتاط عند القراءة عليه ، بحيث يغلب على ظنه سلامته من التغيير -
صحت روايته ، وهو أولى بالمنع من مثله في البصير. قال الخطيب : والبصير
الأمن كالضرير .
الثاني : إذا أراد الرواية من نسخة ليس فيها سماعه ولا هي مقابلة به ،
ولكن سمعت على شيخه ، أو فيها سماع شيخه ، أو كتبت عن شيخه وسكنت
نفسه إليهما لم يجز الرواية منها عند عامة المحدثين . ورخص فيه أيوب السختياني
ومحمد بن بكر البُرْسَانيّ .
قال الخطيب : والذين يوجبه النظر أنه متى عرف أن هذه الأحاديث هي
التي سمعها من الشيخ جاز له أن يرويها إذا سكنت نفسه إلى صحتها
وسلامتها .
هذا إذا لم يكن له إجازة عامة من شيخه لمروياته ، أو لهذا الكتاب . فإن
كانت جاز له الرواية منها ، وله أن يقول حدثنا وأخبرنا . وإن كان في النسخة
سماع شيخ شيخه فيحتاج أن يكون له إجازة عامة من شيخه ومثلها من
شيخه .
الثالث : إذا وجد في كتابه خلاف حفظه ، فإن كان حَفِظَ منه رجع ،
وإن كان حَفِظَ من فم الشيخ اعتمد حفظه إن لم يشك ، وحسن أن يجمع
فيقول : حفظي كذا وفي كتابي كذا . وإن خالفه غيره قال : حفظي كذا وقال
فيه غیری أو فلان كذا .
وإذا وجد سماعه في كتابه ولا يذكره ، فعن أبي حنيفة وبعض الشافعية :
لا يجوز روايته . ومذهب الشافعي وأكثر أصحابه ، وأبي يوسف ، ومحمد :
جوازها . وهو الصحيح ، وشرطه أن يكون السماع بخطه أو خط من يثق به ،
والكتاب مصون يغلب على الظن سلامته من التغيير، وتسكن إليه نفسه ، فإن
شك لم يجز .
٧٣

الرابع : إن لم يكن عالماً بالألفاظ ومقاصدها ، خبيراً بما يحيل معانيها ،
لم تجز له الرواية بالمعنى بلا خلاف ، بل يتعين اللفظ الذي سمعه ، فإن كان
عالماً بذلك فقالت طائفة من أصحاب الحديث والفقه والأصول : لا تجوز إلا
بلفظه. وجّز بعضهم في غير حديث النبي ◌َّة ، ولم يجوِّز فيه .
وقال جمهور السلف والخلف من الطوائف : يجوز بالمعنى في جميعه إذا قطع
بأداء المعنى (١). وهذا في غير المصنفات، ولا يجوز تغيير مصنف وإن كان
بمعناه.
وينبغي للراوي بالمعنى أن يقول عقيبه : أو كما قال ، أو نحوه ، أو
شبهه ، أو ما أشبه هذا من الألفاظ .
وإذا اشتبهت على القارىء لفظة فحسن أن يقول بعد قراءتها : على
الشك ، أو كما قال . لتضمنه إجازة وإذناً في صوابها إذا بان .
الخامس : اختلف في رواية بعض الحديث الواحد دون بعض ، فمنعه
بعضهم مطلقاً بناء على منع الرواية بالمعنى ، ومنعه بعضهم مع تجويزها بالمعنى
إذا لم يكن رواه هو أو غيره بتمامه قبل هذا . وجوّزه بعضهم مطلقاً .
والصحيح التفصيل وجوازه من العارف إذا كان ما تركه غير متعلق بما
رواه بحيث لا يختل البيان ولا تختلف الدلالة بتركه ، وسواء جوّزناها بالمعنى أم
لا ، رواه قبل تاماً أم لا .
هذا إن ارتفعت منزلته عن التهمة . فأما مَنْ رواه تاماً فخاف إن رواه
ثانياً ناقصاً أن يتهم بزيادة أولا أو نسيان لغفلة وقلة ضبط ثانياً فلا يجوز له
النقصان ثانياً ولا ابتداء إن تعين عليه .
(١) وهذا ما يدل عليه أحوال الصحابة والسلف ، كما يدل عليه روايتهم القصة الواحدة بألفاظ
مختلفة . وقد استدل لذلك الشافعي. بحديث: (( أنزل القرآن ، على سبعة أحرف ، فاقرؤا
ما تيسر منه)). قال : وإذا كان الله برأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف ، علمنا منه بأن
الکتاب قد نزل لتحل لهم قراءته وإن اختلف لفظھم فیه ما لم یکن اختلافهم إحالة معنی ۔ کان
ما سوى كتاب الله سبحانه أولى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ ، ما لم يخل معناه .
٧٤

وأما تقطيع المصنّف الحديث في الأبواب فهو إلى الجواز أقرب .
قال الشيخ : ولا يخلو من كراهة .
وما أظنه يُوَافَقُ عليه(١) ..
السادس: ينبغي أن لا يروى بقراءة لخَّان أو مصحِّف . وعلى طالب
الحديث أن يتعلم من النحو واللغة ما يسلم به من اللحن والتصحيف . وطريقه
في السلامة من التصحيف الأخذ من أفواه أهل المعرفة والتحقيق .
وإذا وقع في روايته لحن أو تحريف ، فقد قال ابن سيرين وابن سخبرة :
یرویه كما سمعه .
والصواب وقول الأكثرين يرويه على الصواب .
وأما إصلاحه في الكتاب فجوّزه بعضهم . والصواب تقريره في الأصل
على حاله مع التضبيب عليه وبيان الصواب في الحاشية . ثم الأولى عند السماع
أن يقرأه على الصواب ، ثم يقول : في روايتنا أو عند شيخنا أو من طريق فلان
كذا . وله أن يقرأ ما في الأصل ثم يذكر الصواب، وأحسن الإصلاح بما جاء في
رواية أو حديث آخر .
وإن كان الإصلاح بزيادة ساقط فإن لم يغاير معنى الأصل فهو على ما
سبق . وإن غاير تأكد الحكم بذكر الأصل مقروناً بالبيان ، فإن علم أن بعض
الرواة أسقطه وحده فله أيضاً أن يلحقه في نفس الكتاب مع كلمة يعني .
هذا إذا علم أن شيخه رواه على الخطأ ، فأما إن رواه في كتاب نفسه
وغلب على ظنه أنه من كتابه لا من شيخه فيتجه إصلاحه في كتابه وروايته .
كما إذا درس من كتابه بعض الإِسناد أو المتن ، فإنه يجوز استدراكه من
كتاب غيره ، إذا عرف صحته ، وسكنت نفسه إلى أن ذلك هو الساقط ، كذا
قاله أهل التحقيق ، ومنعه بعضهم ، وبيانه حال الرواية أولى . وهكذا الحكم
في استثبات الحافظ ما شك فيه من كتاب غيره أو حفظه ، فإن وجد في كتابه
(١) لأن كثيراً من الأئمة فعله ، منهم : البخاري ، ومالك ، وأبو داود ، والنسائي .
٧٥

كلمة غير مضبوطة أشكلت عليه جاز أن يسأل عنها العلماء بها ويرويها على ما
يخبرونه .
السابع : إذا كان الحديث عنده عن اثنين أو أكثر واتفقا في المعنى دون
اللفظ ، فله جمعهما في الإِسناد ، ثم يسوق الحديث على لفظ أحدهما ، فيقول :
أخبرنا فلان ، وفلان ، واللفظ لفلان ، أو هذا لفظ فلان قال ، أو قالا أخبرنا
فلان ، ونحوه من العبارات . ولمسلم في صحيحه عبارة حسنة ، كقوله : حدّثنا
أبو بكر وأبو سعيد كلاهما عن أبي خالد قال أبو بكر حدثنا أبو خالد عن
الأعمش ، فظاهره أن اللفظ لأبي بكر . فإن لم يخص فقال : أخبرنا فلان وفلان
وتقاربا في اللفظ قالا : حدّثنا فلان ، جاز على جواز الرواية بالمعنى . فإن لم يقل
تقاربا فلا بأس به على جواز الرواية بالمعنى . وإن كان قد عيب به البخاري أو
غيره . وإذا سمع من جماعة مصنفاً فقابل نسخته بأصل بعضهم ثم رواه عنهم
وقال : اللفظ لفلان . فيحتمل جوازه ومنعه(١) .
الثامن : ليس له أن يزيد في نسب غير شيخه أو صفته إلا أن يميزه
فيقول : هو ابن فلان الفلاني ، أو يعني ابن فلان ونحوه . فإن ذكر شيخُهُ نسب
شيخه في أول حديث ثم اقتصر في باقي أحاديث الكتاب على اسمه أو بعض
نسبه فقد حكي الخطيب عن أكثر العلماء جواز روايته تلك الأحاديث مفصولة
عن الأول مستوفياً نسب شيخ شيخه .
وعن بعضهم : الأولى أن يقول : يعني ابن فلان .
وعن علي بن المدينيّ وغيره يقول : حدّثني شيخي أن فلان ابن فلان
حدّثه .
وعن بعضهم : أخبرنا فلان هو ابن فلان . واستحبه الخطيب . وكله
(١) لأنه لا علم عنده بكيفية رواية الآخرين حتى يخبر عنها ، بخلاف ما سبق فإنه اطلع فيه على
موافقة المعنى ، قاله ابن الصلاح ، وحكاه أيضاً العراقي ولم يرجح شيئاً من الاحتمالين . وقال
البدر بن جماعة في المنهل الروي : يحتمل تفصيلاً آخر، وهو النظر إلى الطرق ، فإن كانت
متباينة بأحاديث مستقلة لم يجز ، وإن كان تفاوتها في ألفاظ أو لغات أو اختلاف ضبط جاز .
٧٦

جائز، وأولاه : هو ابن فلان ، أو يعني ابن فلان ، ثم قوله أن فلان ابن
فلان ، ثم أن يذكره بكماله من غير فصل .
التاسع : جرت العادة بحذف قال ونحوه بين رجال الإِسناد خطّاً .
وينبغي للقارىء اللفظ بها . وأذا كان فيه : قُرِىء على فلان أخبرك فلان أو
قرىء على فلان حدّثنا فلان ، فليقل القارىء في الأول : قيل له أخبرك فلان .
وفي الثاني : قال حدثنا فلان .
وإذا تكرر لفظ قال كقوله حدثنا صالح قال قال الشعبي فإنهم يحذفون
أحدهما خطاً ، فليلفظ بهما القارىء . ولو ترك القارىء قال في هذا كله فقد
أخطأ والظاهر صحة السماع .
العاشر : النسخ والأجزاء المشتملة على أحاديث بإسناد واحد كنسخة همّام
عن أبي هريرة . منهم من يجدد الإِسناد أول كل حديث وهو أحوط .
ومنهم من يكتفي به في أول حديث ، أو أول كل مجلس ، ويدرج الباقي
عليه قائلاً في كل حديث : وبالاسناد ، أو وبه . وهو الأغلب . فمن سمع
هكذا فأراد رواية غير الأول بإسناده جاز عند الأكثرين ومنعه أبو إسحاق
الإِسفرايني وغيره .
فعلى هذا طريقه أن يبين كقول مسلم : حدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد
الرزاق أنا معمر عن همّام قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة . وذكر أحاديث منها
وقال رسول الله وَ ل : ((إن أدنى مقعد أحدكم)) وذكر الحديث، وكذا فعله كثير
من المؤلفين(١) .
(١) لكن الإِمام البخاري ، لم يسير وفق قاعدة مطردة ، حيث إنه تارة يذكر أول حديث في النسخة ،
ويعطف عليه الحديث الذي يساق الإِسناد لأجله ، كقوله في الطهارة : حدثنا أبو اليمان أنا
شعيب حدثنا أبو الزناد عن الأعرج أنه سمع أبا هريرة أنه يسمع رسول الله و # يقول: ((نحن
الآخرون السابقون))، وقال: ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم)) .. الحديث . فأشكل على
قوم ذكره (« نحن الآخرون السابقون)) في هذا الباب ، وليس مراده إلا ما ذكرناه . وتارة يقتصر
على الحديث الذي يريده ، وكأنه أراد بيان أن كلا الأمرين جائز .
٧٧

الحادي عشر: إذا قدم المتن كقال النبي ور كذا، أو المتن وأخّر الإِسناد
کروى نافع عن النبي ◌ّ و كذا ، ثم يقول أخبرنا به فلان عن فلان حتى
يتصل ، [فهذا ] صحّ وكان متصلاً، فلو أراد من سمعه هكذا تقديم جميع
الإِسناد فجوّزه بعضهم ، وينبغي فيه خلاف كتقديم بعض المتن على بعض بناء
على منع الرواية بالمعنى .
ولو روى حديثاً بإسناد ثم أتبعه إسناداً قال في آخره مثله فأراد السامع
رواية المتن بالإِسناد الثاني فالأظهر منعه . وهو قول شعبة ، وأجازه الثوري ،
وابن معين إذا كان متحفظاً مميزاً بين الألفاظ . وكان جماعة من العلماء إذا روى
أحدهم مثل هذا ذكر الإِسناد ثم قال مثل حديث قبله متنه كذا . واختار
الخطيب هذا .
وأما إذا قال : نحوه . فأجاز الثوريّ ، ومنعه شعبة وابن معين . قال
الخطيب : فرق ابن معين بين مثله ونحوه يصحّ على منع الرواية بالمعنى ، فأما
على جوازها فلا فرق . قال الحاكم : يلزم الحَدِيثيّ من الإِتقان أن يفرق بين
مثله ونحوه فلا يحل أن يقول مثله إلا إذا اتفقا في اللفظ ويحل نحوه إذا كان
بمعناه.
الثاني عشر : إذا ذكر الإِسناد وبعض المتن ثم قال : وذكر الحديث .
فأراد السامع روايته بكماله فهو أولى بالمنع من مثله ونحوه . فمنعه الأستاذ أبو
إسحاق ، وأجازه الإِسماعيلي إذا عرف المحدّث والسامع ذلك الحديث .
والاحتياط أن يقتصر على المذكور ثم يقول : قال ، وذكر الحديث . وهو
هكذا ويسوقه بكماله . وإذا جوّز إطلاقه فالتحقيق أنه بطريق الإِجازة القوية فيما
لم يذكره الشيخ ولا يفتقر إلى إفراده بالإِجازة .
الثالث عشر؛ قال الشيخ: الظاهر أنه لا يجوز تغيير قال النبي وَيؤد إلى
قال رسول الله و له ولا عكسه وإن جازت الرواية بالمعنى لاختلافه.
والصواب والله أعلم جوازه ؛ لأنه لا يختلف به هنا معنى ، وهو مذهب
أحمد بن حنبل وحماد بن سلمة والخطيب .
٧٨

الرابع عشر : إذا كان في سماعه بعض الوهن ، فعليه بيانه حال
الرواية(١) . ومنه إذا حدّثه من حفظه في المذاكرة فليقل حدّثنا مذاكرة ، كما فعله
الأئمة . ومنع جماعة منهم الحمل عنهم حال المذاكرة .
وإذا كان الحديث عن ثقة ومجروح أو ثقتين فالأولى أن يذكرهما ، فإن
اقتصر على ثقة فيهما لم يحرم .
وإذا سمع بعض حديث من شيخ وبعضه من آخر فروي جملته عنهما مبيناً
أن بعضه عن أحدهما وبعضه عن الآخر جاز . ثم يصير كل جزء منه كأنه رواه
عن أحدهما مبهما فلا يحتج بشيء منه إن كان فيهما مجروح ، ويجب ذكرهما جميعاً
مبيناً أنّ عَنْ أحدهما بعضه وعن الآخر بعضه ، والله أعلم .
٢٧ - النوع السابع والعشرون
معرفة آداب المحدّث
علم الحديث شريف يناسب مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم ، وهو من
علوم الآخرة ، ومن حُرِمَهُ حُرِمَ خيراً عظيماً ، ومن رُزِقَهُ نال فضلاً جزيلاً . فعلى
صاحبه تصحيح النية وتطهير قلبه من أغراض الدنيا .
واختلف في السن الذي يتصدى فيه الإِسماعه . والصحيح أنه متى احتيج
إلى ما عنده جلس له في أي سن كان . وينبغي أن يمسك عن التحديث إذا
خشي التخليط بهرم أو خرف أو عمى ، ويختلف ذلك باختلاف الناس .
فصل : الأولى أن لا يحدث بحضرة من هو أولى منه لسنّه أو علمه أو
غيره . وقيل : يكره أن يحدّث في بلد فيه أولى منه ، وينبغي له إذا طُلِبَ منه ما
(١) لأن في إغفاله نوعاً من التدليس .. وذلك كأن يسمع من غير أصل ، أو يحدث هو أو الشيخ
وقت القراءة ، أو حصل نوم أو نسخ ، أو سمع بقراءة مصحف أو لحان ، أو كان التسميع
بخط من فيه نظر .
٧٩

يعلمه عند أرجح منه أن يرشد إليه ؛ فالدين النصيحة .
ولا يمتنع من تحديث أحد لكونه غير صحيح النية ، فإنه يرجى صحتها .
وليحرص على نشره مبتغياً جزيل أجره .
فصل : ويستحب له إذا أراد حضور مجلس التحديث أن يتطهر
ويتطيب، ويسرح لحيته، ويجلس متمكناً بوقار، فإن رفع أحد صوته زهُ(١)،
ويقبل على الحاضرين كلهم ، ويفتتح مجلسه ويختتمه بتحميد الله تعالى والصلاة
على النبي ◌َّه ودعاء يليق بالحال ، بعد قراءة قارىء حسن الصوت شيئاً من
القرآن العظيم . ولا يسرد الحديث سرداً يمنع فهم بعضه .
فصل : يستحب للمحدّث العارف عقد مجلس لإِملاء الحديث ؛ فإنه
أعلى مراتب الرواية ، ويتخذ مستملياً محصلاً متيقظاً يبلغ عنه إذا كثر الجمع على
عادة الحفاظ . ويستملي مرتفعاً وإلا قائماً وعليه تبليغ لفظه على وجهه .
وفائدة المستملي تفهيم السامع على بعد ، وأما مَنْ لم يسمع إلا المبلِّغ فلا
يجوز له روايته عن المملي إلا أن يبين الحال ، وقد تقدم هذا في الرابع
والعشرين .
ويستنصت المستملي الناس بعد قراءة قارىء حسن الصوت شيئاً من
القرآن، ثم يبسمل ويحمد الله تعالى ويصلي على رسول الله وَله، ويتحرّى
الأبلغ فيه ، ثم يقول للمحدّث مَنْ أو ما ذكرت رحمك الله أو رضي عنك وما
أشبهه. وكلما ذكر النبي وَلّر. قال الخطيب: ويرفع بها صوته ، وإذا ذكر
صحابياً رضي عليه ، فإن كان ابن صحابي قال رضي الله عنهما .
ويحسن بالمحدِّث الثناء على شيخه حال الرواية بما هو أهله ، كما فعله
جماعات من السلف(٢) ، وليعتن بالدعاء له فهو أهم . ولا بأس بذكر من يروي
(١) زبره : أي انتهره وزجره .
(٢) مثل قول أبي مسلم الخولاني : حدثني الحبيب الأمين عوف بن مسلم . ومثل قول مسروق :
حدثتني الصديقة ابنة الصديق حبيبة حبيب الله المبرأة . ومثل قول عطاء : حدثني سيد الفقهاء
أيوب . ومثل قول وكيع : حدثنا سفيان أمير المؤمنين في الحديث .
٨٠