Indexed OCR Text

Pages 161-180

المبحث الرابع:
وصل المنقطع

١٦٥
التصحيف وأثره في تعليل الأحاديث
وصل المنقطع
تعريف المنقطع:
قال النووي رحمه الله: ((المنقطع - الصحيح الذي ذهب إليه الفقهاء
والخطيب وابن عبد البر وغيرهم من المحدثين أن المنقطع - ما لم يتصل
إسناده على أي وجه كان انقطاعه، وأكثر ما يستعمل في رواية من دون
التابعي عن الصحابي كمالك عن ابن عمر)) (١).
وحكم الحديث المنقطع أنه حديث ضعيف للجهل بحال الراوي
المحذوف أو الساقط .
وفي هذا المبحث سنرى كيف يمكن أن يؤدي التصحيف في اسم الراوي
إلى اعتبار حديثه متصلاً، وهو في حقيقة الأمر منقطع. وأسوق مثالاً على
ذلك :
روى ابن حبان من طريق عبد الملك بن أبي جميلة عن عبد الله بن وهب
أن عثمان بن عفان قال لابن عمر: [اذهب فكن قاضياً. قال: أوتعفيني یا
أمير المؤمنين](٢) قال: اذهب فاقض بين الناس. قال: تعفيني يا أمير
المؤمنين. قال: عزمت عليك إلا ذهبت فقضيت. قال: لا تعجل سَمعْتَ
رسول الله عَّه يقول: (من عاذ بالله فقد عاذ معاذً»؟ قال: نعم. قال: فإني أَعوذ
بالله أن أكون قاضياً. قال: وما يمنعك وقد كان أبوك يقضي؟ قال: لأني
(١) تدريب الراوي ١/ ٢٠٨ .
(٢) هذه الزيادة غير ثابتة في الإحسان الذي رتبه ابن بلبان، وهي موجودة في موارد الظمآن
الذي جمع فيه الهيثمي زوائد ابن حبان على الصحيحين، وهي بالسند نفسه الموجود هناك
راجع ((الموارد)) ص ٢٩٠ ح ١١١٥ كما أن الهيثمي أسقط في الموارد كلام ابن حبان في
عبد الله بن وهب.

١٦٦
التصحيف وأثره في الحديث
سمعت رسول الله عَّ يقول: ((من كان قاضياً فقضى بالجهل كان من أهل النار،
ومن كان قاضياً فقضى بالجور كان من أهل النار، ومن كان قاضياً عالماً يقضي بحق
أو بعدل سأل التفلت(١) كفافاً، فما أرجو منه بعد ذلك؟».
قال ابن حبان: ((ابن وهب هذا هو عبد الله بن وهب بن الأسود
القرشي، من المدينة، روى عنه الزهري))(٢) .
وأخرج الحديث الطبراني في معجمه الكبير وقال في آخره: ((عبد الله بن
وهب هذا هو عندي عبد الله بن وهب بن زمعة والله أعلم))(٣).
وأورده الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد لكنه قال: ((عن عبد الله بن
مَوْهب)) وقال: ((رواه الطبراني في الكبير والأوسط والبزار وأحمد كلاهما
باختصار ورجاله ثقات)» (٤) .
وأخرج الحديث الترمذي في سننه من طريق عبد الملك بن أبي جميلة عن
((عبد الله بن مَوْهب)) بشيء من الاختصار(٥) ثم قال: ((حديث ابن عمر
حديث غريب، وليس إسناده عندي بمتصل، وعبد الملك الذي روى عنه
المعتمر هذا، هو عبد الملك بن أبي جميلة)).
وقال ابن أبي حاتم في العلل: ((سألت أبي عن حديث رواه معتمر بن
سليمان عن عبد الملك بن أبي جميلة عن عبد الله بن وهب أن عثمان بن
(١) في موارد الظمآن (التقلب) بالقاف والباء الموحدة.
(٢) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ١١/ ٤٤٠ ح ٥٠٥٦ كتاب القضاء باب ذكر
الزجر عن دخول المرء في قضاء المسلمين .
(٣) المعجم الكبير للطبراني ١٢/ ٣٥١ - ٣٥٢ ح ١٣٣١٩.
(٤) مجمع الزوائد ٤/ ١٩٣ .
(٥) أخرجه الترمذي ٣/ ٦١٢ ح ١٣٢٢ كتاب الأحكام باب ما جاء عن رسول الله عَّه في
القاضي .

١٦٧
التصحيف وأثره في تعليل الأحاديث
عفان ... )) فذكره ثم قال: ((قال أبي: عبد الملك بن أبي جميلة مجهول،
وعبد الله هو ابن موهب الرملي على ما أرى وهو عن عثمان مرسل))(١).
وأورد الحديث الزيلعي في نصب الراية واقتصر فيه على المرفوع وقال:
((رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده عن معتمر بن سليمان عن عبد الملك بن
أبي جميلة عن عبد الله بن وهب عن ابن عمر فذكر لفظه ثم قال: وعبد الله بن
وهب أرى أنه ابن موهب الرملي)»(٢) .
وقال ابن حجر: ((حديث أن ابن عمر امتنع من القضاء لما استقضاه
عثمان: الترمذي وأبو يعلى وابن حبان من حديث عبد الملك بن أبي جميلة
عن عبد الله بن موهب ... الحديث، وقع في رواية ابن حبان ((عبد الله بن
وهب)) وزعم أنه عبد الله بن وهب بن زمعة بن الأسود القرشي ووهم في
ذلك، وإنما هو عبد الله بن موهب، وقد شهد الترمذي وأبو حاتم تبعاً
للبخاري أنه غير متصل، ورواه أحمد من وجه آخر عن ابن عمر وعثمان
بغير تمامه))(٣).
قلت: هو في المسند من طريق أبي سنان عن يزيد بن موهب أن عثمان
رضي الله عنه قال لابن عمر رضي الله عنه: اقض بين الناس، فقال: لا أقضي
بين اثنين ولا أؤم رجلين. أما سمعت النبي عَّه يقول: ((من عاذ بالله فقد عاذ
بمعاذ»؟ قال عثمان رضي الله عنه: بلى. قال: فإني أعوذ بالله أن تستعملني.
فأعفاه وقال: لا تخبر بهذا أحدا (٤) .
وأورده الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد عن يزيد بن موهب وقال:
(١) علل الحديث لابن أبي حاتم ١ / ٤٦٨ ح ١٤٠٦.
(٢) نصب الراية ٤ / ٦٦.
(٣) التلخيص الحبير ٤ / ١٨٥ .
(٤) مسند أحمد ١/ ٦٦.

١٦٨
التصحيف وأثره في الحديث
((رواه أحمد، ويزيد لم أعرفه))(١).
قلت: يزيد هو ابن عبد الله بن موهب، ذكر معنى ذلك الإمام البخاري
في تاريخه حيث قال في ترجمة عبد الله بن موهب: ((عبد الله بن موهب
الفلسطيني حدث عن عمر بن عبد العزيز ... هو والد يزيد ... ))(٢).
وقال الحافظ ابن حجر في ((المطالب العالية)): ((عن عبد الله بن موهب أن
عثمان ... )) (٣) الحديث. وعزاه ابن حجر لعبد بن حميد.
وقال محقق المطالب العالية الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي في تعليقه
على هذا الحديث: ((كذا في ((الإتحاف)) وهو الصواب عندي، وقد سقط من
المسندة ((عن أبيه)) بعد ((عن يزيد بن عبد الله بن موهب))(٤) .
قلت: فهذا يدل على أن الأصل في هذا الحديث عند عبد بن حميد ((عن
يزيد بن عبد الله بن موهب عن أبيه)) فاقتصر المختصر الذي جرد الكتاب من
الأسانيد على قوله ((عن عبد الله بن موهب)) ما دام هو الراوي عن ابن عمر ،
ويدل على هذا الأمر أن الحافظ ابن حجر أورد الحديث بعد هذا الطريق من
طريق ((عبد الملك بن أبي جميلة يحدث عن عبد الله بن موهب أن عثمان.
فساقه ... ثم قال: ((لأبي يعلى بانقطاع فيه))(٥) .
كذا وقع في المطبوع من المطالب العالية - وهو محذوف الأسانيد - وإلا
فما الغاية من تكرار الحافظ لهذا الحديث إلا بيان اختلاف طرقه.
(١) مجمع الزوائد ٢٠٠/٥.
التاريخ الكبير للبخاري ١٩٨/٥ -١٩٩.
(٢)
المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية ٢/ ٢٤٥ ح ١١٢١.
(٣)
(٤) هامش المطالب العالية ٢/ ٢٤٥.
(٥) المطالب العالية ٢ / ٢٤٦ - ٢٤٧.

١٦٩
التصحيف وأثره في تعليل الأحاديث
والمقصود هنا أن الحديث في مسند الإمام أحمد وقع فيه سقط.
وصوابه: ((عن یزید بن موهب عن أبيه)).
وبهذه المناسبة أشير هنا إلى أن كثيراً من كتب السنة المطبوعة من غير
تحقيق علمي - تحتاج إلى إعادة الطبع من جديد وفق المناهج الأصيلة عند
علمائنا المحدثين الذين كانوا يعتمدون دائماً مقابلة النسخ ونقد الأسانيد
والمتون.
وخلاصة القول هنا أن قول ابن حبان والطبراني ((عبد الله بن وهب))
يعتبر تصحيفاً، والسبب في وقوع ذلك فيما أعتقد هو الحمل على المألوف
((فعبد الله بن وهب)) أشهر من ((عبد الله بن موهب)) فانصراف الذهن إليه
أکثر .
وقد كان من نتائج هذا التصحيف اعتبار الحديث متصلاً، ولذلك
أورده ابن حبان في صحيحه، وقد سبق النقل عن الترمذي وأبي حاتم
والبخاري أن الحديث غير متصل، وأن حكمه الانقطاع؛ لذلك فالحديث
يعتبر ضعيفاً للجهل بحال من حدث به عبد الله بن موهب.

المبحث الخامس:
قطع المتصل

١٧٣
التصحيف وأثره في تعليل الأحاديث
قطع المتصل
من العلل التي قد تطعن في الحديث أن يقع تصحيف في اسم راو من
رواة السند فيترتب على ذلك التصحيف اعتبار الحديث المتصل حديثاً
منقطعاً .
ومن المعلوم عند المحدثين أن الحديث المنقطع من قبيل المردود لا يستدل
به في استنباط الأحكام الشرعية .
فما أعظمه من أثر يترتب على التصحيف في اسم راو، فينص ناقد على
انقطاع الحديث تبعاً لذلك التصحيف، في حين أن الحديث صحيح إذا ما
تبينا الصواب في اسم ذلك الراوي.
ومن الأمثلة على ذلك:
النموذج الأول:
روى الإمام أحمد والنسائي والحاكم من طريق ابن جريج أخبرني عكرمة
ابن خالد عن أُسَيْد بن حُضَيْر الأنصاري ثم أحد بني حارثة أنه أخبره أنه کان
عاملاً على اليمامة وأن مروان كتب إليه أن معاوية كتب إليه ((أيما رجل سرق
منه سرقة فهو أحق بها بالثمن حيث وجدها)) قال: فكتب إلي مروان ((أن
النبي ◌َّ قضى أنه إذا كان الذي ابتاعها من الذي سرقها غير متهم خير
سیدها، فإن شاء أخذ الذي سرق منه بالثمن، وإن شاء اتبع سارقه)).
قال: وقضى بذلك أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم(١) .
(١) الإمام أحمد في المسند ٤/ ٢٢٦ والنسائي في السنن ٧/ ٣١٣ : باب الرجل يبيع السلعة
فيستحقها مستحق. والحاكم في المستدرك ٢/ ٣٦. والطبراني في الكبير ١/ ٢٠٥
ح٥٥٥.

١٧٤
التصحيف وأثره في الحديث
وقال الحاكم: ((صحيح على شرط الشيخين)).
وتعقبه الذهبي بقوله «قلت: أسيد هذا مات زمن عمر، ولم يلقه عكرمة
ولا بقي إلى أيام معاوية ... )).
قلت: يشير الذهبي هنا إلى أن هناك علتين في هذا الحديث :
الأولى : الانقطاع بين عكرمة وأسيد بن حضير.
والثانية: الانقطاع بين أسيد بن حضير ومعاوية.
وهذا الذي قاله الذهبي صحيح؛ فقد قال البخاري: ((مات أسيد بن
حضير في عهد عمر، قاله عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله
عنهم))(١) .
وقال المزي: ((قال عروة: مات أسيد بن حضير وعليه دين أربعة آلاف
درهم، فبيعت أرضه. فقال عمر: لا أترك بني أخي عالة. فرد الأرض وباع
ثمرها من الغرماء أربع سنين بأربعة آلاف، كل سنة ألف درهم)): ثم قال
المزي: ((هذا هو الصحيح في تاريخ وفاته، وأما الحديث الذي رواه هارون
ابن عبد الله عن حماد بن مسعدة عن ابن جريج عن عكرمة بن خالد عن أسيد
ابن حضير الأنصاري أن معاوية كتب إلى مروان أن الرجل إذا وجد سرقة في
يد رجل فهو أحق بها بالثمن ... الحديث، فإنه وهم. قال هارون قال أحمد
هو في كتاب ابن جريج ((أسيد بن ظُهَيْر))، ولكن كذا حدثهم بالبصرة،
ورواه عبد الرزاق وغيره عن ابن جريج عن عكرمة عن أسيد بن ظهير وهو
الصواب))(٢).
وقال في (تحفة الأشراف)): ((حديث أن معاوية كتب إلى مروان أن
(١) تهذيب التهذيب ١/ ٣٤٨.
(٢) تهذيب التهذيب ١/ ٣٤٨.

١٧٥
التصحيف وأثره في تعليل الأحاديث
الرجل إذا وجد سرقته في يد رجل ... الحديث د(١) في المراسيل (٢٥ - ٥)
عن هارون بن عبد الله، عن حماد بن مَسْعَدَة، عن ابن جريج، عن عكرمة
ابن خالد، قال: حدثني أُسَيْد بن حُضَيْر بن سماك ... فذكره.
قال هارون: وقال أحمد - يعني ابن حنبل - : هو في كتابه - يعني ابن
جريج - ((أسيد بن ظُهَيْر)) ولكن كذا حدثهم بالبصرة، س(٢) في البيوع (٩٤)
عن هارون بهذا الإسناد، ولم يذكر القصة.
وقول أحمد بن حنبل هو الصواب، لأن أسيد بن حضير مات في زمن
عمر وصلى عليه، ومن مات زمن عمر لا يدرك أيام معاوية؛ ولأسيد بن
ظهير أيضاً صحبة، وقد رواه هَوْذَة عن ابن جريج هكذا، ورواه أبو مسعود
الرازي عن حماد بن مسعدة، ولم ينسب ((أسيد)) ورواه روح بن عبادة
وعبد الرزاق (٣) [س (في البيوع ٩٤)] عن ابن جريج، فقالا ((أسيد بن ظهير))
وسيأتي (ح ١٥٦)»(٤).
وقال أيضاً في مسند ((أسيد بن ظهير)): ((حديث أنه كان عاملاً على
اليمامة، وأن مروان كتب إلى معاوية أنه أيما رجل سرق منه ... الحديث.
س في البيوع (٩٤) عن عمرو بن منصور النسائي عن سعيد بن ذؤيب
المروزي، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عكرمة بن خالد أن أسيد بن
ظهير الأنصاري ثم أحد بني حارثة أخبره ... فذكره، وكذا رواه إسحاق بن
(١) د يعني أبا داود.
(٢) س يعني النسائي.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ١٠/ ٢٠١ ح ١٨٨٢٩: كتاب اللقطة: باب في الرجل
ينقب البيت ويؤخذ منه المتاع. والنسائي ٧/ ٣١٣ من طريقه لكن وقع في المطبوع من
سنن النسائي ((أسيد بن حضير)) ولعله تصحيف من الناسخ أو الطابع ومن هنا تتبين
القيمة العلمية لكتاب تحفة الأشراف للحافظ المزي، فإنه كتاب ينبغي أن يرجع إليه عند
وقوع أي إشكال في سند من أسانيد الكتب الستة .
(٤) تحفة الأشراف للمزي ١/ ٧٢. وحرف (ح ١٥٦) إشارة إلى رقم الحديث في تحفة
الأشراف .

١٧٦
التصحيف وأثره في الحديث
راهويه عن عبد الرزاق، وقيل ((عن أسيد بن حضير)) وهو وهم، وقد
مضى))(١) .
قلت: ومما يدل على أن الصواب فيه ((أسيد بن ظهير)) بالإضافة إلى ما
سبق ما يلي :
أولاً: ما ورد في سند الحديث في نسب ((أسيد)) أنه ((أحد بني حارثة))،
فإن هذا لم يذكره المترجمون فيما علمت في ترجمة ((أسيد بن حضير)) وإنما
قالوا ((الأنصاري الأشهلي)) في حين أنهم ذكروا في ترجمة (أسيد بن ظهير)) أنه
أنصاري حارثي .
ثانياً: ذكر ابن عبد البر أن ((أسيد بن ظهير)) مات في خلافة عبد الملك بن
مروان(٢)، فهو أولى وأحق بأن تقع له تلك القصة مع مروان بخلاف ((أسيد
ابن حضير)) فقد مات في خلافة عمر رضي الله عنهما .
ولعل السبب في وقوع هذا التصحيف في هذا الاسم هو الحمل على
المألوف والمعروف والمشهور، فأسيد بن حضير أشهر وأكثر رواية من أسيد
ابن ظهير، وقد يقع هذا في الأسماء المتشابهة في الرسم إذا وقعت مهملة وقد
أشار إلى مثل هذا المزي حيث قال (( ... ورواه أبو مسعود الرازي، عن
حماد بن مسعدة، ولم ينسب ((أسيداً)))).
وبناء على ما سبق فإن التصحيف في هذا الاسم ((أسيد بن ظهير)) ترتب
عليه اعتبار هذا الحديث المتصل منقطعاً، لذلك فقد نقده الحافظ الذهبي
وأشار إلى وجود علتين فيه :
الأولى: الانقطاع بين عكرمة وأسيد بن حضير .
(١) تحفة الأشراف ١/ ٧٥ .
(٢) الاستيعاب (هامش الإصابة ١ / ٥٦).

١٧٧
التصحيف وأثره في تعليل الأحاديث
الثانية: الانقطاع بين أسيد بن حضير ومعاوية .
فإذا أوردناه على الصواب ((أسيد بن ظهير)) سلم من الانقطاع واعتبر
الحديث متصلاً صحيحاً (١) .
النموذج الثاني:
قال الإمام أحمد رحمه الله: ((ثنا عتاب ثنا عبد الله ثنا فليح بن محمد عن
المنذر بن الزبير رضي الله عنه عن أبيه أن النبي عَّه أعطى الزبير سهماً وأمه
سهماً وفرسه سهمین))(٢) .
قال الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي: ((ذكره أحمد في ((مسند
الزبير)) وليس من عادة أحمد في ((المسند)) إخراج المراسيل. وعتاب هو ابن
زياد المروزي، وثقه أبو حاتم وغيره ولم يغمزه أحد، وعبد الله هو ابن
المبارك، وقد تصحفت على بعضهم كلمة ((بن)) بين محمد والمنذر، فجرى
البخاري في تاريخه ومن تبعه على ذلك ... ))(٣). وقال الحافظ ابن حجر:
(«فليح بن محمد بن المنذر بن الزبير بن العوام الأسدي. عن أبيه. وعنه ابن
المبارك لا يكاد يعرف .
قلت: لم يترجم لمحمد بن المنذر وذكر في ترجمة المنذر بن الزبير أنه
روى عنه ابنه وفلیح بن محمد. والذي في تاريخ البخاري نسبه کالذي هنا .
ثم قال: مدني. روی عن أبيه روى عنه ابن المبارك مرسل .
والذي في مسند الزبير في أصل ((المسند)) ((حدثنا عتاب ثنا عبد الله هو
ابن المبارك ثنا فليح بن محمد عن المنذر بن الزبير عن أبيه عن النبي عَّ أنه
(١) راجع سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ محمد ناصر الدين الألباني ٢ / ١٦٤ - ١٦٦.
(٢) مسند أحمد ١/ ١٦٦.
(٣) ((التنكيل)) ٢/ ٧٥.

١٧٨
التصحيف وأثره في الحديث
أعطى الزبير سهماً وأمه سهماً وفرسه سهمين)) فلم يصرح بأن المنذر جد
فليح، لكن ابن حبان ذكر فليحاً في الطبقة الرابعة من (الثقات) فساق نسبه
كما في هذه الترجمة لكن قال روى عن أبيه، فلو كان عنده أنه روى عن جده
لذكره في الطبقة الثالثة))(١).
أما كلام البخاري في تاريخه فهذا نصه («فليح بن محمد بن المنذر بن
الزبير بن العوام القرشي المدني، عن أبيه مرسل، روى عنه ابن المبارك))(٢).
والمقصود هنا أن التصحيف الذي وقع في سند هذا الحديث ترتب عليه
اعتبار الحديث مرسلاً، لأنه يكون حينئذ من رواية فليح بن محمد بن المنذر
ابن الزبير عن أبيه. كما ذهب إلى ذلك الإمام البخاري.
والصواب أن الحديث متصل من رواية ((فليح بن محمد عن المنذر بن
الزبير عن أبيه)) كما وقع في المسند .
(١) ((تعجيل المنفعة)) ٣٣٥.
(٢) ((التاريخ الكبير)) للبخاري ٧ / ١٣٣ .

المبحث السادس:
التوقف في الحكم على الحديث

١٨١
التصحيف وأثره في تعليل الأحاديث
التوقف في الحكم على الحديث
قد يقع التصحيف في اسم أحد رواة الحديث، فيتوقف الناقد عن
الحكم على ذلك الحديث نظراً لعدم معرفته بحال ذلك الراوي، خصوصاً إذا
كان الاسم الذي صار إليه اللفظ المصحف من الأسماء المفردة التي ليس لها
نظير في أسماء الرواة .
ويعتبر توقف الناقد في الحكم على حديث ما مانعاً من العمل بالحكم
الذي أفاده ذلك الحديث.
ولهذا فإن معرفة الحق والصواب في اسم الراوي إما أن يترتب عليه
العمل بالحديث إذا كان الراوي ثقة وسلم الحديث من بقية أسباب
التضعيف. وإما أن يترتب عليه رد الحديث إذا كان الراوي ضعيفاً.
ونسوق هاهنا نموذجين يدلان على ذلك :
النموذج الأول:
قال ابن حبان: أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن علي بن زهير الجرجاني
قال: حدثنا أبي قال : حدثنا هوذة بن خليفة قال : حدثنا عمر بن محمد هو
ابن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن ثابت عن أنس قال: قال
رسول الله عَّ: ((لا تعجزوا في الدعاء فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد)(١).
ورواه العقيلي من طريق معلى بن أسد العمي. قال: حدثنا عمر بن
محمد عن ثابت عن أنس بن مالك عن النبي عَّه قال: ((لا تعجزوا في الدعاء
فإنه لا يهلك على الله إلا هالك)). أورده العقيلي في ترجمة عمر بن محمد وقال:
(١) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٢/ ١١٦ ح ٨٦٨٢ كتاب الرقائق: باب الأدعية .