Indexed OCR Text

Pages 121-140

القسم السادس - الإعلام :
إعلامُ الشيخ أن هذا الكتابَ سماعهُ من فلان ، من غير أن يأذن له
في روايته عنه، فقد سَوْغ الروايةَ بمجرد ذلك طوائفٌ من المحدثين
والفقهاء ، منهم ابن جُرَيج وقَطع به ابن الصباغ ، واختاره غير واحد
من المتأخرين ، حتى قال بعض الظاهرية : لو أعلمَه بذلك ونهاه عن روايته
عنه فله روايتُه ، كما لو نهاه عن رواية ما سمعه منه (١).
القسم السابع - الوصية :
بأن يوصيَ بكتاب له كان يرويه اشخص ، فقد ترخّص بعضُ السلف
( في رواية الموصي (٢) ) له بذلك الكتاب عن الموصي ، وشبّهوا ذلك
( ١) ذهب كثير من المحدثين والفقهاء والأصوليين الى جواز الرولاية بالاعلام من غير
اجازة، بل أجازوا الرواية به، وان منع الشيخ الرواية بذلك؛ فلو قال الشيخ للراوي : ((هذه
روايتي ولكن لا تروها عني)) أو ((لا أجيزها لك)) جاز له مع ذلك روايتها عنه. قال القاضي
عياض: ((وهذا صحيح ، لا يقتضي النظر سواه ، لأن منعه أن لا يحدث بما حدثه لا لعلة ولا
لريبة - : لا يؤثر، لأنه قد حدثه، فهو شيء لا يرجع فيه)).
استدل المانعون من الرواية بذلك بقياسه على ((الشهادة على الشهادة))، فانها لا تصح
الا اذا اذن الشاهد الأول للثاني بأن يشهد على شهادته .
وأجاب القاضي بأن: ((هذا غير صحيح، لأن الشهادة لا تصح الا مع الاذن في كل حال،
والحديث عن السماع والقراءة لا يحتاج فيه الى اذن باتفاق . وأيضا : فالشهادة تفترق عن
الرواية في أكثر الوجوه)).
والذي اختاره القاضي عياض هو الراجح الموافق للنظر الصحيح . بل أن الرواية على
هذه الصفة أقوى وأرجح عندي من الرواية بالاجازة المجردة عن المناولة، لأن في هذه شبه
مناولة ، وفيها تعيين للمروي بالاشارة اليه، ولفظ الاجازة أن يكون - وحده - أقوى منها
ولا مثلها ، كما هو واضح .
(٢) مطموس من الأصل نحو كلمتين ، كتبناهما بين قوسين بمعاونة السياق وفحوى الكلام وما
تفيده عبارة ابن الصلاح والتدريب .
١٢١

بالمناولة وبالإعلام بالرواية . قال ابن الصلاح : وهذا بعيد، وهو إما زَّلة
عالم أو متأول، إلا أن يكون أراد بذلك روايته بالوجادة ، والله أعلم (١).
القسم الثامن - الوجادة :
وصورتُها : أن يجد حديثاً أو كتاباً بخطّ شخصٍ بإسناده.
فله أن يرويَه عنه على سبيل الحكاية ، فيقول : وجدت بخط فلان
حدتنا فلان، ويُسْنِدِهُ . ويقع هذا أكثر في مسند الإمام أحمد ، يقول
ابنه عبدالله: ((وجدت بخط أبي: حدثنا فلان))، ويسوق الحديث .
وله أن يقول: ((قال فلان))، إذا لم يكن فيه تدليسٌ يودم الثقي.
قال ابن الصلاح: وجازف بعضهُم فأطلق فيه ((حدثنا)) أو ((أخبرنا))
وانتُقِدَ ذلك على فاعله .
وله أن يقول فيما وجد من تصنيفه بغير خطه: ((ذكر فلان)) و
((قال فلان) أيضاً، ويقول: ((بلغني عن فلان))، فيما لم يتحقق أنه من
تصنيفه أو مقابلة كتابه . والله أعلم .
(١) قال ابن الصلاح: ((وقد احتج بعضهم لذلك، فشبهه بقسم الأعلام وقسم المناولة
ولا يصح ذلك ، فإن لقول من جوز الرواية بمجرد الاعلام والمناولة مستندا ذكرناه ، لا يتقرر
مثله ولا قريب منه هنا)) .
وهو يشير بذلك الى احتجاج القاضي عياض لصحتها : بأن في اعطاء الوصية للموصى
له نوعا من الأذن وشبها من العرض والمناولة، وأنه قريب من الاعلام .
وهذا النوع من اللرواية نادر الوقوع ، ولكنا نرى انه ان وقع صحت الرواية به، لأنه
نوع من الاجازة، ان لم يكن أقوى من الإجازة المجردة ، لأنه اجازة من الموصى للموصى له
برواية شيء معين مع اعطائه اياه، ولا نرى وجها للتفرقة بينه وبين الإجازة ، وهو في معناها،
أو داخل حت تعريفها ، كما يظهر ذلك بأدنى تأمل .
١٢٢

( قلت ): والوجادة ليست من باب الرواية، وإنما هي حكاية عما
وجده في الكتاب .
وأما العمل بها : فمنَع م:٩ طائفة كثيرة من الفقهاء والمحدثين، أو
أكثرهم ، فيما حكاه بعضهم .
ونُقل عن الشافعي وطائفة من أصحابه جواز العمل بها .
قال ابن الصلاح : وقطع بعض المحققين من أصحابه في الأصول
بوجوب العمل بها عند حصوله الثقة به .
قال ابن الصلاح : وهذا هو الذي لا يتجه غير، في الأعصار المتأخرة
لتعذر شروط الرواية في هذا الزمان، يعني: فلم يبقَ إلا مجرَّد وجادات (١).
( قلت ) : وقد ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: ((أي الخلق أعجب إليكم إيماناً؟ قالوا: الملائكة، قال : وكيف
لا يؤمنون وهم عند ربهم ؟ وذكروا الأنبياء ، فقال : وكيف لا يؤمنون
والوحي ينزل عليهم ؟ قالوا: فنحن، قال : وكيف لا تؤمنون وأنا بين
أظهركم ؟ قالوا : فمن يا رسول الله ؟ قال : قوم يأتون من بعدكم ،
يجدون صحفاً يؤمنون بما فيها ))، وقد ذكرنا الحديث بإسناده ولفظه في
(١) في كل انواع الرواية في الحديث - من السماع - الى الاجازة - : يجب على الراوي
العمل بما صح اسناده عنده من روايته من غير خلاف ، وان خالف في ذلك المقلدون المتأخرون،
وخلافهم لا عبرة به ، لأنهم يقرون على انفسهم بالتقليد ، وبأنهم تركوا النظر والاستدلال ،
وتبعوا غيرهم .
وقد اختلف العلماء في الانواع الأخيرة من الرواية - وهي : الأعلام، ولالوصية ،
والوجادة -: هل يجب العمل بما صح اسناده من الحديث المروي بها؟ والصحيح أنه واجب،
كوجوبه في سائر /الأنواع .
أما الاعلام والوصية فقد قدمنا انهما لا يقلان في القوة والثبوت عن الاجازة .
وأما الوجادة فسيأتي القول فيها .
١٢٣

شرح البخاري ، ولله الحمد . فيؤخذ منه مدحُ مَن عمِلَ بالكتب
المتقدمة بمجرد الوجادة لها ، والله أعلم (١).
٠٠
(١) الوجادة - بكسر الواو - مصدر ((وجد يجد))، وهو مصدر مولد غير مسموع من
العرب. قال ابن الصلاح ( ص ١٦٧): (روينا عن المعافي بن زكريا النهرواني : أن المولدين
فرعوا قولهم (وجادة) فيما أخذ من العلم من صحيفة من غير سماع ولا اجازة ولا مناولة - :
من تفريق العرب بين مصادر : وجد؛ للتمييز بين المعاني المختلفة . يعني قولهم ، ( وجد ضالته
وجدانا ) ومطلوبه (وجودا، وفي الغضب (موجدة) وفي الغنى: وجد وفي الحب: وجدا)).
والوجادة هي : ان يجد الشخص احاديث بخط راويها - سواء لقيه أو سمع منه ، أم
لم يلقه ولم يسمع منه - او ان يجد أحاديث في كتب لمؤلفين معروفنين - : ففي هذه الأنواع
كلها لا يجوز له أن يروبها عن اصحابها، بل يقول: ((وجدت بخط فلان)) إذا عرف الخط
ووثق منه، او يقول: (( قال فلان)) أو نحو ذلك .
وفي مسند أحمد أحاديث كثيرة نقلها عنه ابنه عبد الله، يقول فيها: ((وجدت بخط
أبي في كتابة)) ثم يسوق الحديث، ولم يستجز أن يرويها عن أبيه، وهو رواية كتبه وابنه
وتلميذه ، وخط ابيه معروف له ، وكتبه محفوظة عنده في خزائنه .
وقد تساهل بعض الرواة ، فروى ما وجده بخط من يعاصره ، او بخط شيخه ، بقوله :
عن ((فلان)). قال ابن الصلاح (ص ١٦٨): (( وذلك تدليس قبيح، اذا كان بحيث يوهم
سماعه منه )» .
وقد جازف بعضهم فنقل بمثل هذه الوجادة بقوله ((حدثنا فلان)) أو ((أخبرنا فلان»!
وأنكر ذلك العلماء، ولم يجزه احد يعتمد عليه، بل هو من الكذب الصريح ، والرشاوى به
يسقط عندنا عن درجة المقبولين ، وترد روايته .
وقد اجترأ كثير من الكتاب في عصرنا ، في مؤلفاتهم وفي الصحف والمجلات - : فذهبوا
ينقلون من كتب السابقين من المؤرخين وغيرهم بلفظ التحديث، فيقول أحدهم : ((حدثنا ابن
خلدون))، ((حدثنا ابن قتيبة))، ((حدثنا الطبري))! وهو أقبح ما رأينا من انواع النقل
فان التحديث والاخبار ونحوهما من اصطلاحات المحدثين الرواة بالسماع ، وهي المطابقة للمعنى
التغوي في السماع ، فنقلها الى معنى آخر - هو النقل من الكتب - افساد لمصطلحات العلوم
٣
١٢٤

وايهام لمن لا يعلم، بألفاظ ضخمة ، ليس هؤلاء الكتاب من اهلها . ويخشى على من تجرأ على
مثل هذه العبارات أن ينتقل منها الى الكذب البحث ؟ والزور المجرد . عافانا الله .
وبعد أ فان الوجادة ليست نوعا من أنواع الرواية كما ترى ، وانما ذكرها العلماء فى
هذا الباب - الحاقا به - لبيان حكمها، وما يتخذه الناقل في سبيلها .
وأما العمل بها : فقد اختلف فيه قديما : فنقل عن أعظم المحدثين والفقهاء المالكبين
وغيرهم - : أنه لا يجوز . وحكى عن الشافعي وطائفة من نظار اصحابه جوازه .
وقطع بعض المحققين من الشافعية وغيرهم بوجوب العمل بها عند حصول الثقة بما يجده
القارىء أي يثق بأن هذا الخبر أو الحديث بخط الشيخ الذي يعرفه، او نثق بأن الكتاب الذي
تنقل منه ثابت النسبة الى مؤلفه. ومن البديهي بعد ذلك اشتراط أن يكون المؤلف ثقة
مأمونا ، وأن يكون اسناد الخبر صحيحا - حتى يجب العمل به .
وجزم ابن الصلاح ( ص ١٦٩) بأن القول بوجوب العمل بالوجادة ((هو الذي لا يتجه
غيره في الأعصار المتأخرة ، فانه لو توقف العمل فيها على الرواية لا نسد باب العمل المنقول ،
لتبادر شرط الرواية فيها )).
قال البوطي فى التدريب: من ١٤٩ - ١٥٠): قال البلقيني: واحتج بعضهم للعمل
بالوجادة بحديث ( أي الخلق أعجب إيمانا ؟ قالوا : الملائكة ، قال: وكيف لا يؤمنون وهم
عند ربهم ؟ قالوا : الأنبياء، قال: وكيف لا يؤمنون وهم يأتيهم الوحي ؟ قالوا : نحن ،
فقال : وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ قالوا : فمن يا رسول الله ؟ قال : قوم يأتون من
بعدكم بجدون صحفا ؤمنون بما فيها ) . قال البلقيني: وهذا استنباط حسن. قالت : المحتج
بذلك هو الحافظ عماد الدين بن كثير، ذكر ذلك في اوائل تفسيره ، والحديث رواه الحسن بن
عرفة في جزئه من طريق عمرو بن شعيب عنأبيه عن جده ، وله طرق كثيرة أوردتها في الامالي .
وفى بعض الفاظه :: بل قوم من بعدكم ، يأتيهم كتاب بين لوحين ، يؤمنون به . ويعملون بما
فيه: أولئك أعظم منكم اجرا). أخرجه أحمد والدارمي والحاكم من حديث أبي جمعة الانصارى
وفي لفظ للحاكم من حديث عمر : ١ يجدون الووق المعلق فيعملون بما فيه. فهؤلاء ١ فضل
اعل الاعان ايمانا ؟ .
١٢٥

وهذا الاستدلال الذي ذهب اليه ابن كثير هنا وفي تفسيره ( ج ١ ص ٧٤ - ٧٥ طبعة
المنار ) وارتضاء البلقيني والسيوطي -: فيه نظر. ووجوب العمل بالوجادة لا يتوقف عليه،
لأن مناط وجوبه انما هو البلاغ ، وفقة المتلف بأن ما وصل إلى علمه صحت نسبته الى رسول
الله صلى الله عليه وسلم.
والوجادة الجيدة التي يطمئن البها قلب الناظر ، لا تقل في النقة عن الإجازة بأنواعها
لأن الاجازة - على حقيقتها - انما هي وجادة معها اذن من الشيخ بالرواية. ولن تجد في هذه
الأزمان من يروي شيئا من الكتب بالسماع ، انما هي اجازات كلها ، إلا فيما ندر .
والكتب الأصول الامهات في السنة وغيرها بـ : تواترت روايتها الى مؤلفيها بالوجادة
ومختلف الأصول العتيقة الخطية الموثوق بها . ولا يتشكك في هذا الا غافل عن دقة المعنى في
الرواية والوجادة ، او متعنت لا تقنعه حجة .
ثم ان السيوطي في الفية المصطلح اشار الى اعتراض بعض العلماء على مسلم بن الحجاج،
صاحب الصحيح ، فقد انتقدوا عليه بعض أحاديث مروية بالوجادة ، والوجادة - كما تقدم
حكمها - منقطعة، لأنها ليست من الرواية . والذي ذكره هو في التدريب، ورأيناه في
صحيح مسلم ، ثلاثة أحاديث ، هي: حديث عائشة : (تزوجني رسول الله صلى الله عليه
وسلم لست سنين))، ( صحيح مسلم ج ١ صـ ٤٠١ طبعة بولاق)، وحديثها أيضا: ((قالت :
قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: اني لاعلم اذا كنت عني راضية )، ( ج ٢ ص ٢٤٤)
وحديثها أيضا : (( أن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتفقد بقول : ابن نا اليوم ؟ أين
انا غدا؟))، (ج ٢ ص ٢٤٥)، وكلها بهذا الاسم: ((حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال .
وجدت في كتابي: عن هشام عن أبيه عن عائشة)) .
وقد أجاب في الألفية عن هذا النقد - تبعا للرشيد العطار - بأن مسلما روى الأحاديث
الثلاثة من طرق أخرى موصولة الى هشام والى ابن أسامة .
وهذا الجواب صحيح في ذاته ، لأن مسلما رواه كذلك .
وإجاب في التدريب (١٤٩) بجواب آخر، وهو: ((أن الوجادة المنقطعة: ان يجد ني
كتاب شيخه ، لا في كتابه عن شيخه، فتأمل» .
وهذا الجواب هو الصحيح المتعين هنا ، لأن الراوي انلا وجد في كتاب نفسه حديثا عن
شيخه كان على ثقة من أنه أخذه عنه ، وقد تخونه ذاكرته ، فينسى انه سمعه منه ، فيحناط
- تورعا ـ ويذكر الانه وجده في كتابه ، كما فعل أبو بكر بن أبي شيبة رحمه الله .
١٢٦

النوع الخامس والعشرون
كتابة الحديث وضبطه وتقييده :
قد ورد في صحيح مسلم عن أبي سعيد مرفوعاً: ((مَن كتب عنيٍّ شيئاً
سوى القرآنِ فلْيَسْحُه)).
قال ابن الصلاح : وممن روينا عنه كراهةَ ذلك : عمر ، وابن مسعود
وزيد بن ثابت ، وأبو موسى ، وأبو سعيد، في جماعة آخرين من الصحابة
والتابعين .
قال : وممن روينا عنه إباحةَ ذلك أو فعله : عليّ، وابنُه الحسن ،
وأنس ، وعبدالله بن عمرو بن العاص ، في جمع من الصحابة والتابعين.
( قلت ) : وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: ((اكتبوا لأبي شَاهِ)). وقد تحرر هذا الفصل في اوائل كتابنا
المقدمات ، ولله الحمد .
قال البيهقي وابن الصلاح وغير واحد : لعل النهي عن ذلك كان
حين يُخاف التباسه بالقرآن ، والإذن فيه حين أمِنَ ذلك . والله أعلم.
وقد حُكي إجماعُ العلماء في الأعصار المتأخرة على تسويغ كتابة
الحديث. وهذا أمر مستفيضٌ، شائع ذائع، من غير نكير(١).
(١) اختلف الصحابة قديما في جواز كتابة الأحاديث : فكرهها بعضهم ، لحديث أبي سعيد
الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تكتبوا عني شيئا إلا القرآن، ومن
كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه) رواه مسلم في صحيحه.
واكثر الصحابة على جواز الكتابة ، وهو القول الصحيح .
وقد أجاب العلماء عن حديث أبي سعيد بأجوبة :
فبعضهم أعله بأنه موقوف عليه ، وهذا غير جيد ، فإن الحديث صحيح .
وأجاب غيره بان المنع انما هو من كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة، خوذ،
اختلاطهما على غير العارف في أول الاسلام .
١٢٧

وأجاب آخرون بأن النهي عن ذلك خاص بمن وثق بحفظه ، خوف اتكاله على الكتاب ، وان
من لم يثق بحفظه فله أن يكتب .
وكل هذه اجابات ليست قوية .
والجواب الصحيح : أن النهي منسوخ بأحاديث أخرى دلت على الاباحة .
فقد روى البخاري ومسلم : أن أبا شاد اليمنى التمس من رسول الله صلى الله عليه
وسلم أن يكتب له شيئا سمعه من خطبته، عام فتح مكة ، فقال: ((اكتبوا لأبي شاه».
وروى أبو داود والحاكم وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ((قلت : يا رسول
الله، اني أسمع منك الشيء فأكتبه؟ قال: نعم، قال : في الغضب والرضا؟ قال : نعم ،
فاني لا القول فيهما الا حقا)).
وروى البخاري عن أبي هريرة قال: (( ليس احد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم أكثر حديثا مني، الا ما كان من عبد الله بن عمرو، فانه كان يكتب ولا أكتب)).
وروى الترمذي عن أبي هريرة قال: ((كان رجل من اللانصار يجلس الى رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فيسمع منه الحديث فيعجبه، ولا يحفظه ، فشكا ذلك الى رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فقال استعن بيمينك، وأومأ بيده إلى الخط)).
وهذه الأحاديث ، مع استقرار العمل بين أكثر الصحابة والتابعين ، ثم اتفاق الأمة بعد
ذلك على جوازها - : كل هذا يدل على أن حديث أبي سعيد منسوخ، وأنه كان في أول الأمر حين
خيف اشتغالهم عن القرآن، وحين خيف اختلاط غير القرآن بالقرآن . وحديث أبي شاه في
أواخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك أخبار أبي هريرة ، وهو متأخر الاسلام ان
عبدالله بن عمرو كان يكتب ، وأنه هو لم يكن يكتب ، يدل على أن عبد الله كان يكتب بعد اسلام
أبي هريرة ، ولو كان حديث أبي سعيد في النهي متأخرا عن هذه الأحاديث في الاذن والجواز ،
لعرف ذلك عند الصحابة بقينا صريحا ، ثم جاء اجماع الأمة القطعي بعد قرينة قاطعة على أن
الاذن هو الامر الأخير، وهو اجماع ثابت بالتواتر العملي، عن كل طوائف الأمة بعد : الصدر
الأول . رضي الله عنهم أجمعين.
وقد قال ابن الصلاح ( ص ١٧١ ) : ثم انه زال ذلك الخلاف ، واجمع المسلمون على
تسويغ ذلك واباحته، ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الآخرة .. ولقد صدق رحمه الله.
١٢٨

فإذا تقرر هذا ، فينبغي لكاتب الحديث - أو غيره من العلوم - أن
يضبط ما يُشْكل منه، أو قد يُشْكل على بعض الطلبة ، في أصل الكتاب
نقطاً وشكلاً وإعراباً، على ما هو المصطلح عليه بين الناس ، ولو قيّد
في الحاشية لكان حسناً (١).
١) فان ابن الصلاح ص ١٧١) : على كتبة الحديث وطلبته صرف الهمة الى ضبط ما
يكتبونه أو يحصلونه بخط الغير من مروياتهم ، على الوجه الذي رووه ، شكلا ونقطا يؤمن
معيما الالتباس . وكبيرا ما ينهاون بذلك الواثق بذهنه وتيقظه ، وذلك وخيم العاقبة ، فان
الانسان معرض للنسيان ، وأول ناس أول الناس . وأعجام المكتوب يمنع من لاستعجامه، وشكله
يمنع من اشكاله . ب لا ينبغي أن يعتني بتقيد الواضح الذي لا يكاد يلتبس، وقد أحسن من
قال : ((انما يشكل ما يشكل".
وقد كان الأولون يكتبون بغير نقط ولا شكل ، ثم لما تبين الخطأ في قراءة المكتوب الضعف
القوة في معرفة العربية - : كان النفط ، ثم كان الشكل .
وينبغي ضبط الأعلام التي تكون محل لبس ، لأنها لا ندرك بالمعنى ، ولا يمكن الاستدلال
على سحتها بما قبلها ولا بما بعدها . قال أبو استحق النجيرمي - بالنون المفتوحة ثم الجيم
مفتوحة او مكسورة - (( أولى الأشياء بالضبط أسماء الناس ، لأنه لا يدخله القياس ، ولا قبله
ولا بعده شيء يدن عنيه » .
وبحسن في الكلمات المشكلة التي يخشى تصحيفها أو الخطأ فيها أن يضبطها الكاتب في
الأصل ثم يكتبها في الحاشية مرة أخرى بحروف واضحة ، يفرق حروفها حرفا حرما ، ويضبط
كلا منها، لأن بعض الحروف الموصولة يشتبه بغيره. قال ابن دقيق العيد: ((من عادة المتقنين
أن يبالغوا في ايضاح المشكل، فيفرقوا حروف الكلمة في الحاشية، ويضبطوها حرفا حرفا)).
وقد رأينا ذلك في كثير من المخطوطات العنيقة.
وينبغي ضبط الحروف المهملة لبيان أعمالها ، كما تعرف المعجمة بالنقط . لأن بعض القراء
قد يتصحف عليه الحرف المهمل فيظته معجها وان الكاتب نسي نقطة .
وطرق البيان كثيرة : فمنهم من يضع تحت الحرف المهملة مثل النقط الذي فوق المعجم
المشابه له، كالسين، يضع تحتها ثلاث نقط، أما صفا واحدا هكذا ( ٠٠٠ ) وأما مثل نقط
النين المعجمة ، ومنهم من يكتب الحرف نفسه بخط صغير تحت الحرف المهمل مثل (حـ) تحت
الحاء ، وإن) تحت السين، وهكذا. ومنهم من يكتب همزة صغيرة تحت الحرف أو فوقه.
K
١٢٩
الباعث الحثيث - ٩

وينبغي توضيحُه . ويكره التدقيق(١) والتعليق في الكتاب لغير عذر .
قال الإمام أحمد لابن عمه حنبل - وقد رآه يكتب دقيقاً - : لا تفعلْ
فإنه يخونك أحوج ما تكونُ إليه .
قال ابن الصلاح : وينبغي أن يجعل بين كل حديثين دائرةً. وممن
بلغنا عنه ذلك : أبو الزِّنَاء، وأحمد بن حنبل، وإبراهيم الحَرْبي، وابن
جرير الطبري .
( قلت ) : قد رأيتُه في خط الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
قال الخطيب البغدادي : وينبغي أن يَترُك الدائرة غُفْلاً، فإذا قابَاَها
نَقَطَ فيها نقطةً .
قال ابن الصلاح: ويكره أن يكتب: ((عبد الله بن فلان)) فيجعلَ"
((عبد)) آخر سطر والجلاله في أول سطرٍ ، بل يكتبهما في سطر واحد .
قال : وليحافظْ على الثناء على الله، والصلاة والسلام على رسوله ،
وإن تكرر فلا يَسْأم، فإن فيه خيراً كثيراً. قال: وما وُجد من خط
الإمام أحمد من غير صلاة فمحمول على أنه أراد الرواية ، قال الخطيب :
وبلغني أنه كان يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم نُطقاً لا خَطا (٢) .
ومنهم من يضع خطا أفقيا فوق الحرف هكذا (-) ، ومنهم من يضع فوقه رسما افقيا كعلامة
الظفر هكذا ـ). وتجد هذه العلامات كثيراً في الخطوط القديمة الاثرية.
وأرى أنه ينبغى أيضا كتابة الهمرات في الحروف الهموزة ، وأن تكون التي في أول الكلمة
فوق الالف ان كانت مفتوحة ، وتحتها ان كانت مكسورة . واكثر الكاتبين يختارون وضع الهمزة
فوق الألف مطلقا ، مفتوحة أو مكسورة ، ولكن الذي اخترناه أولى واوضح .
(١) التدقيق : الكتابة بالخط الدقيق . والتعليق : خلط الحروف التي ينبغي تفريقها.
(٢) ذهب أحمد بن حنبل الى أن الناسخ يتبع الأصل الذي ينسخ منه ، فان كان فيه
ذلك كتبه ، وإلا لم كتبه ، وفي كل الأحوال بتلفظ الكاتب بذلك حين الكتابة : فيصلى نطقا
وخطا ، اذا كانت في الأصل سلاة. ونطقا فقط اذا لم تكن. وهذا هو المختار عندي، محافظة
على الأصول الصحيحة لكتب السنة وغيرها ، وكذلك اختاره في طبع آثار المتقدمين ، وبه
أعمل ان شاء الله .
١٣٠

قال ابن الصلاح: وليَكْتُب الصلاةَ والتسليم مُجَلّسةً (١) لا رمزاً،
قال ولا يقتصرْ على قوله ((عليه السلام))، يعني: وليكتبْ ((صلى الله عليه
وسلم)) واضحةً كاملةً .
قال: وليقابلْ أصله بأصلٍ معتمدٍ، ومع نفسه أو غيره موْتوق
a
به ضابط . قال : ومن الناس من شَدَّد وقال: لا يقابِلُ إلا مع نفسه .
=
قال : وهذا مرفوض مردود(٢).
: ١) خطب في الأصل مشددة اللام مفتوحة، ومعناعما تامة من غير نقص أو رمز .
٢٠) بعد اتمام نسخ الكتاب تجب مقابلته على الأصل المنقول منه ، او على أصل آخر
مقابل ، او على نسخة منقولة من الأصل مقابلة .
وهذا لتصحيح المنسوخ : خشبة سقوط شيء منه أو وقوع خطأ في النقل .
قال عروة بن الزبير لابنه هشام: (« كتبت ؟ قال: نعم ، قال : عرضت كتابك ؟ قال :
لا. قال: لم تكتب)). وقال الاخفش: ((اذا نسخ الكتاب ولم يعارض ، ثم نسخ ولم يعارض :
خرج أعجميا )).
ويقابل الكاتب نسخنه على الأصل مع شيخه الذي يروي عنه الكتاب ، أن أمكن ، وهو
احسن ، أو مع شخص آخر، أو يقابل بنفسه وحده كلمة كلمة ، ورجحه ابو الفضل الجارودي
فقال: ((اصدق المعارضة مع نفسك)»: بل ذهب بعضهم الى وجوبه، فقال: ((لا تصح مع
احد غير نفسه ، ولا يقلد غيره )».
وارى ان هذا يختلف باختلاف الظروف والاشخاص ، وكثير من الناس يتقنون المقابلة
وحدهم ، ويطمئنون اليها أكثر من المقابلة مع غيرهم .
واذا لم يتمكن الكاتب من مقابلته نسخته بالأصل فيكتفي بأن يقابلها غيره ممن يثق به.
ويستحب لمن يسمع من الشيخ أن يكون بيده نسخة يقابل عليها ، فإن لم يكن فينظر مع
أحد الحاضرين في نسخته . وذهب ابن معين الى اشتراط ذلك، فقد سئل عمن لم ينظر في
١٣١

وقد تكلم الشيخ أبو عمرو على ما يتعلق بالتخريج والتضبيب والتصحيح
وغير ذلك من الإصطلاحات المطردة والخاصة : ما أطال الكلام فيه
جداً (١).
الكتاب والمحدث يقرأ: هل يجوز أن يحدث بذلك؟ فقال: ((أما عندي فلا يجوز، ولكن عامة
الشيوخ هكذا سماعهم)). قال النووي: ((والصواب، الذي قاله الجمهور، انه لا يشترط)).
اما اذا لم يعارض الراوي كتابه بالأصل : فذهب القاضي عياض الى انه لا يجوز له
الرواية منه عند عدم المقابلة ، والصواب الجواز، اذا كان ناقل الكتاب ضابطا صحيح النقل قليل
السقط ، وينبغي ان بيين حين الرواية انه لم يقابل على الأصل المنقول منه، كما كان يفعل ابو
بكر البرقاني ، فانه روى الحاديث كثيرة قال فيها: ((اخبرنا فلان ولم أعارض بالاصل)).
ثم ان الشروط التي سبقت في تصحيح نسخة الراوي و مقابلتها باصلها الخ ـ : تعتبر
ايضا في الاصل المنقول عنه ، لئلا يقابل نسخته على أصل غير موثوق به ، ولا يقابل على ما
نقل منه .
(١) اذا سقط من الناسخ بعض الكلمات : وأراد أن يكتبها في نسخته ، فالاصوب ان
يضع في موضع السقط - بين الكلمتين - خطا رأسيا ، ثم يعطفه بين السطرين ، بخط انقى
صغير ، الى الجهة التي سيكتب فيها ما سقط منه ، فيكون بشكل زاوية قائمة هكذا | الى
اليمين ، أو هكذا [ الى اليسار ، واختار بعضهم أن يطيل الخط الافقي حتى يصل الى ما
يكتبه ، وهو رأي غير جيد، لان فيه تشويها لشكل الكتاب ، ويزداد هذا التشويه اذا كثرت
التصحيحات . ثم يكتب ما سقط منه، ويكتب بجواره كلمة (صح) أو كلمة (رجع). والاكتفاء
بالأولى أحسن واولى .
وذهب بعضهم الى أنه يكتب عقب السقط الكلمة التي تتلوه في صلب الكتاب ، ولكن هذا
غير مقبول ، لئلا يظن القارئ أن الكلمة المكتوبة في الحاشية وفى الصلب مكررة في الأصل ،
وهو ايهام قبيح .
واما اذا أراد أن يكتب شيئا بحاشية الكتاب ، على سبيل الشرح أو نحوه ، ولا يكون
١٣٢

اتماما لسقط من الأصل، فيحين أن يرسم العلامة السابقة في وسط الكلمة التي يكتب عنها:
فتكون العلامة فوقها ، ليفرق بين التصحيح وبين االحاشية .
وأخنار القاضي عياض أن يضبب فوق الكلمة . وفي عصورنا هذه نضع الارقام للحواشي،
كما ترى في هذا الكتاب .
ومن شأن المتقنين في النسخ والكتابة ان يضعوا علامات توضح ما يخشى ابهامه .
فاذا وجد كلاما صحيحا معنى ورواية ، وهو عرضة للشك في صحته او الخلاف فيه كتب
خوقه ((صح )) .
واذا وجد ما سح نقله وكان معناه خطأ، وضمع فوقه علامة التضبيب ، وتسمى أيضا
(( التمريض))وهي صاد ممدودة هكذا ((حـ)). ولكن لا يلصقها بالكلام، لئلا يظن انه الغاء له
وضرب عليه .
وكذلك توضع هذه العلامة على موضع الارسال أو القطع في الأسناد ، وكذلك فوق اسماء
الرواة المعطوفة، نحو ((فلان وفلان))، لئلا يتوهم الناظر أن العطف خطأ، وأن الأصل
((فلان عن فلان)).
والأحسن في الارسال والقطع والعطف ونحوها -: وضع علامة التصحيح، كما هو ظاهر.
وفيما كان خطأ في المعنى: أن يكتب فوقه ان بجواره كلمة ((كذا)). وهو المستعمل كثيرا
فى هذه العصور .
واذا غلط الكاتب فزاد في كتابته شيئا : فاما ان بمحوه ، ان كان قابلا للمحو ، او يكشطه
بالسكين ونحوها : وهذا عمل غير جيد .
والأصوب ان يضرب عليه بخط يخطه عليه ، مختلطا بأوائل كلماته ، ولا يطمسها .
وبعضهم يخط فوقه خطا منعطفا عليه من جانبيه ، هكذا |] او يضع الزيادة بين صفرين
مجوفين ٥ ٥ أو بين نصفي دائرة ، وكل هذا موهم .
واذا كان الزائد كثيرا فالاحسن أن يكتب فوقه في أول كلمة ((لا)) أو ((من)) أو ((زائد))
وفى آخره فوقه ايضا كلمة ((الى))، ليعرف القارئ الزيادة بالضبط من غير أن يشتبه فيها.
١٣٣

وتكلم على كتابة ((ح)) بين الإسنادين، وأنها ((ح) مهملة، من
التحويل أو الحائل بين الإسنادين، أو عبارة عن قوله ((الحديث)).
( قلت): ومن الناس من يتوهم أنها ((خاء)) معجحة، أي إسناد آخر.
والمشهور الأول، وحكى بعضهم الإجماع عليه .
النوع السادس والعشرون
صفة رواية الحديث :
قال ابن الصلاح : شدَّد قوم في الرواية .
فاشرط بعضهم أن تكون الرواية من حفظ الراوي أو تذكره. وحكاه
عن مالك ، وأبي حنيفة ، وأبي بكر الصيدلاني المروزي ( الشافعي ) .
واكتفى آخرون ، وهم الجمهور ، بثبوت سماع الراوي لذلك الذي
يسمع عليه ، وإن كان بخطّ غيره، وإن غابت عنه النسخة ، إذا كان الغالبُ
على الظن سلامتها من التبديل والتغيير .
وتساهل آخرون في الرواية من نُسخٍ لم تُقابَلْ، بمجرد قول
الطالب: ((هذا من روايتك)»، من غير تثبيتٍ ولا نظر في النسخة ، ولا
تفقيد طبقةٍ سماعهِ .
قال : وقد عدَّهم الحاكم في طبقات المجروحين .
وتجد هذا كثيرا في الكتب المخطوطة القديمة ، التي عني أصحابها بصحتها ومقابلتها .
واذا كانت الزيادة بتكرار كلمة واحدة مرتين ، فقيل : يضرب على الثانية مطلقا ، وقيل
بالتفصيل ، فيضرب عليها أن كانتا في أول السطر او وسطه، ويضرب على الأولى أن كانتا في
آخر السطر ، أو كانت الأولى في آخره والثانية في أول السطر التالي ، مع ملاحظة أن لا
يفصل بين الوصف والموصوف، ولا بين المضاف والمضاف اليه ، وان كانتا في وسط السطر
انقى أحسنهما صورة وأوضحهما .
١٣٤

( فرع ) : قال الخطيبُ البغدادي : والسماع على الضرير أو البصير
الأمي ، إذا كان مثبتاً بخط غيره أو قوله - : فيه خلافٌ بين الناس : فمن
العلماء من منع الرواية عنهم . ومنهم من أجازها.
( فرع آخر ): إذا روى كتاباً ، كالبخاري مثلاً، عن شيخ ،
ثم وجدَ نسخةً به ليستْ مقابلةً على أصل شيخه ، أو لم يجد أصلَ سماعه
فيها عليه ، لكنه تَسْكُن نفسهُ إلى صحتها - فحكى الخطيب عن عامة
أهل الحديث أنهم منعوا من الرواية بذلك، ومنهم الشيخ أبو نصر بن الصبّاغ
الفقيه ، وحَكّى عن أيوب ومحمد بن بكر البَرْساني أنهما رخّصا في ذلك .
( قلت ): وإنى هذا أجْنِعُ. والله أعلم (١).
وقد توسط الشيخ تقي الدين بن الصلاح فقال : إن كانت له من
شيخه إجازة جازتْ روايتهُ والحالة هذه(٢).
( فرع آخر ): إذا اختلف الحافظُ وكتابهُ ، فإن كان اعتمادهُ في
حفظه على كتابه فليرجع إليه ، وإن كان من غيره فليرجع إلى حفظه .
وحسن أن ينبه على ما في الكتاب مع ذلك كما روى عن شعبة وكذلك إذا
خالفه غيره من الحفاظ ، فلينبه على ذلك عند روايته ، كما فعل سفيان
الثوري . والله أعلم .
( فرع آخر): لو رَجد طَبَقة سماعه في كتاب، إما بخطه أو خط
من يثق به ، ولم يتذكر سماعه لذلك - : فقد حُكي عن أبي حنيفة
وبعض الشافعية . أنه لا يجوز له الإقدام على الرواية . والجادّة من مذهب
الشافعي - وبه يقول محمد بن الحسن وأبو يوسف - الجوازُ، اعتماداً
(١) وهو الصواب، لأن العبرة في الرواية بالثقة واطمئنان النفس الى صحة ما يروى.
٢١) لانه اذا كانت في النسخة الأخرى زيادات فقد رواها عن شيخه بالاجازة .
١٣٥

على ما غَلبَ على ظنه، وكما أنه لا يشترط أن يتذكر سماعه لكل حديث
أو ضبطه ، كذلك لا يُشترط تذكُّره لأصل سماعه .
( فرع آخر ) : وأما روايته الحديثَ بالمعنى :
فإن كان الراوي غير عالم ولا عارفٍ بما يُحيل المغنى : فلا خلاف
أنه لا تجوز له روايته الحديث بهذه الصفة .
وأما إن كان عالماً بذلك، بصيراً بالألفاظ ومدلولاتها. وبالمترادف
من الألفاظ ونحو ذلك - : فقد جوّز ذلك جمهور الناس سَافاً وخلفاً .
وعليه العمل ، كما هو المشاهدَ في الأحاديث الصحاح وغيرها ، فـإن
الواقعة تكون واحدةً، وتجيءُ بألفاظ متعددة ، من وجوه مختلفة متباينة .
ولما كان هذا قد يوقع في تغيير بعض الأحاديث، مَنَع من الرواية
بالمعنى طائفة آخرون من المحدِّثين والفقهاء والأصوليين، وشدَّدوا في
ذلك آكتد التشديد . وكان ينبغي أن يكون هذا هو الواقع ، ولكن لم
يتّفق ذلك . والله أعلم .
وقد كان ابن مسعود وأبو الدرداء وأنس رضي الله عنهم يقولون
- إذا رووا الحديث -: ((أو نحوّ هذا))، ((أو شِبْهَه))، ((أو قريباً
منه (١) )).
(١) انفق العلماء على أن الراوي اذا لم يكن عالما بالألفاظ ومدلولاتها ومقاصدها ، ولا خبيرا
بما يحيل معانيها، ولا بصيرا بمقادير التفاوت بينها - لم نجز له رواية ما سمعه بالمعنى ، بل
يجب أن يحكى اللفظ الذي سمعه من غير تصرف فيه. هكذا نقل ابن الصلاح والنووي وغيرهما
الاتفاق عليه .
ثم اختلفوا في جواز الرواية بالمعنى للعارف العالم :
فمنعها اايضا كثير من العلماء بالحديث والفقه والأصول.
وبعضهم قيد المنع بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم المرفوعة، وأجازها فيما سواه .
وهو قول مالك ، رواه عنه البيهقي في المدخل ، وروى عنه ايضا انه كان يتحفظ من الباء والباء
<- KiKKK
١٣٦

والتاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبه قال الخليل بن أحمد. واستدل له
بحديث: ((رب مبلغ أوعى من سامع)). فاذا رواه بالمعنى فقد أزاله عن موضعه ومعرفة ما فيه.
وذهب بعضهم الى جواز تغيير كلمة بمرادفها فقط .
وذهب آخرون الى جوازها أن أوجب الخبر اعتقادا والى منعها أن أوجب عملا .
وقال بعضهم بجوازها اذا نسى اللفظ وتذكر المعنى ، لأنه وجب عليه التبليغ ، وفحمل
اللفظ والمعنى، وعجز عن أداء احدهما ، فيلزمه اداء للآخر .
وعكس بعضهم: فأجازها لمن حفظ اللفظ، ليتمكن من التصرف فيه ، دون من نسبه ،
والأقوال الثلاثة الأخيرة خيالية في نظري .
وجزم القاضي أبو بكر العربي بأنه انما يجوز ذلك للصحابة دون غيرهم . قال في احكام
القرآن ( ج ١ ص١٠): ((ان هذا الخلاف انما يكون في عصر الصحابة ومنهم. وأما من سواهم
فلا يجوز لهم تبديل اللفظ بالمعنى، وأن استوفى ذلك المعنى فانا لو جوزناه لكل احد لما كنا
على ثقة من الأخذ بالحديث ، اذ كل أحد الى زماننا هذا قد بدل ما نقل ، وجعل الحرف بدل
الحرف فيما رآه ، فيكون خروجا من الأخبار بالجملة . والصحابة بخلاف ذلك ، فانهم اجتمع
فيهم امران عظيمان : أحدهما الفصاحة والبلاغة ، اذ جبلتهم عربية، ولفتهم سليقة . الثاني:
أنهم شاهدوا قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله، فأمادتهم المشاعدة عقل المعنى جملة ،
واستيفاء المقصد كله. وليس من اخبر كمن عاين. الا تراهم يقولون في كل حديث: ((أمر
رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا)) و((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كذا))،
ولا يذكرون لفظه ؟ وكان ذلك خبراً صحيحا ، ونقلا لازما . وهذا لا ينبغي أن يستريب فيه
منصف لبيانه )) .
وقال ابن الصلاح ( ص ١٨٩): ((ومنعه بعضهم في حديث رسول الله صلى الله عليه
وسلم . وأجازه في غيره. والأصح جواز ذلك في الجمع ، اذا كان عالما بما وصفناه قاطعا بأنه
أدى معنى اللفظ الذي بلغه . لأن ذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسلف الأولين.
وكثيرا ما كانوا ينقلون معنى واحدا بألفاظ مختلفة . وما ذلك الا لأن معولهم كان على المعنى
دون اللفظ . ثم أن هذا الخلاف لا نراه جاريا ولا اجرااه الناس - فيما نعلم - فيما تضمنته
بطون الكتب . فليس لأحد أن يغير لفظ شيء من كتاب مصنف ويثبت بدله فيه لفظا آخر بمعناه
١٣٧

فان الرواية بالمعنى رخص فيها من رخص، لما كان عليهم في ضبط الألفاظ والجمود عليهم من
الحرج والنصب، وذلك غير موجود فيما اشتملت عليه بطون الأوراق والكتب . ولأنه أن ملك
تغيير اللفظ، فليس يملك تغيير تصنيف غيره)).
واقرأ في هذا الموضوع بحثا نفيسا للامام الحافظ ابن حزم، في كتابه: ((الاحكام في
أصول الأحكام)) . ( جـ ٢ ص ٨٦ - ٩٠ ) .
وقد استوفى الأقوال والدلتها شيخنا العلامة الشيخ طاهر الجزائري ، رحمه الله في كتابه
(توجيه النظر)) . ( ص ٢٩٨ ص ٣١٤) .
وبعد: فإن هذا الخلاف لا طائل تحته الآن ، فقد استقر القول في العصور الأخيرة على
منع الرواية بالمعنى عملا، وأن أخذ بعض العلماء بالجواز نظرا. قال القاضي عياض: ((ينبغي
سد باب الرواية بالمعنى ، لئلا يتسلط من لا يحسن ، ممن يظن أنه يحسن ، كما وقع للرواة
قديما وحديثا )) .
والمتبع للأحاديث يجد ان الصحابة - او اكثرهم - كانوا يروون بالمعنى، ويعبرون عنه
في كثير من الأحاديث بعباراتهم، وأن كثيرا منهم حرص على اللفظ النبوي ، خصوصا فيما
يتعبد بلفظه ، كالتشهد ، والصلاة ، وجوامع الكلم الرائعة ، وتصرفوا في وصف الافعال
والأحوال وما الى ذلك .
وكذلك نجد التابعين حرصوا على اللفظ، وان اختلفت الفاظهم ، فانما مرجع ذلك الى
قوة الحفظ وضعفه . ولكنهم أهل فصاحة وبلاغة ، وقد سمعوا ممن شهد أحوال النبي صلى
الله عليه وسلم وسمع الفاظه .
وأما من بعدهم ، فإن التساهل عندهم في الحرص على الألفاظ قليل ، بل أكثرهم يحدث
بمثل ما سمع ، ولذلك ذهب ابن مالك - النحوي الكبير - الى الاحتجاج بما ورد في الأحاديث
على قواعد النحو واتخذها شوااعد كشواهد الشعر ، وأن أبى ذلك أبو حيان رحمه الله .
والحق ما اختاره ابن مالك .
وأما الآن ، فلن ترى عالما يجيز لأحد أن يروي الحديث بالمعنى. الا على وجه التحدث
في المجالس . وأما الاحتجاج وايراد الأحاديث رواية فلا .
ثم ان الراوي ينبغي له أن يقول عقب رواية الحديث: ((أو كما قال)) او كلمة تؤدي هذا
المعنى ، احتياطا في الرواية. خشية أن يكون الحديث «رويا بالمعنى. وكذلك ينبغي له عذذا
إذا وقع في نفسه شك في لفظ ما يرويه . ليبرا من عهدته .
١٣٨

( فرع آخر ) : وهل يجوز اختصار الحديث ، فيحذف بعضه ،
إذا لم يكن المحذوف متعلقاً بالمذكور ؟ على قولين .
فالذي عليه صنيع أبي عبد الله البخاري: اختصارُ الأحاديث في كثير
من الأماكن .
وأما مسلم فإنه يسوق الحديث بتمامه، ولا يُقَطَّعه، ولهذا رجّحه
كثير من حفاظ المغاربة، واستروح إلى شرحه آخرون ، لسهولة ذلك
بالنسبة إلى صحيح البخاري وتفريقه الحديثَ في أماكن متعددة بحسب
حاجته إليه . وعلى هذا المذهب جمهور الناس قديماً وحديثاً(١).
قال ابن الحاجب في مختصره :
( مسئلة ): حذف بعض الخبر جائز عند الأكثر ، إلا في الغاية
والاستثناء ونحوه . أما إذا حذف الزيادة لكونه شك فيها ، فهذا سائغ ،
كان مالك يفعل ذلك كثيراً، بل كان يقطع إسناد الحديث إذا شك في
وصله . وقال مجاهد : نقص الحديث ولا تزد فيه .
( فرع آخر ) : ينبغي لطالب الحديث أن يكون عارفاً بالعربية .
قال الأصمعي: ((أخشى عليه إذا لم يعرف العربية أن يدخل في قوله :
( من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار )، فإن النبي صلى الله عليه
(١) أي على جواز اختصار الحديث، وعليه عمل الأئمة. والمفهوم أن هذا اذا كان الخبر
واردا بروايات أخرى تاما، واما اذا لم يرد تاما من طريق أخرى ، فلا يجوز ، لأنه كتمان لما
وجب ابلاغه .
اذا كان الراوي موضحا للتهمة في روايته فينبغي له أن يحذر اختصار االحديث بعد أن
يرويه تاما، لئلا يتهم بأنه زاد في الأول ما لم يسمع. او اخطأ بنسيان ما سمع. وكذلك انلا
رواه مختصرا وخشي التهمة - : فينبغي له أن لا رويه تاما بعد ذلك .
١٣٩

وسلم لم يكن ياحن ( فمهما رَوَيْتَ عنه ولحنتَ فيه كذبتَ عليه(١)))).
وأما التصحيف ، فدواؤه أن يتلقّاه من أفواه المشايخ الضابطين.
والله الموفق .
وأما إذا لحن الشيخُ ، فالصواب أن يرويه السامعُ على الصواب، وهو
محكي عن الأوزاعي ، وابن المبارك ، والجمهور . وحُكي عن محمد بن
سيرين وأبي مَعْمَرٍ عبد اللّه بن سَيَخْبَرة(٢) أنهما قالا: يرويه كما سمعه
من الشيخ ملحوناً : قال ابن الصلاح : وهذا غلوٌّ في مذهب اتباع اللفظ .
وعن القاضي عياض : أن الذي استمر عليه عمل أكثر الأشياخ : أن ينقاوا
الرواية كما وصلتْ إليهم ، ولا يغيِّروها في كتبهم ، حتى في أحرفٍ من
القرآن، استمرَّت الرواية فيها على خلاف التلاوة ، ومن غير أن يجيء
ذلك في الشواذِّ ، كما وقع في الصحيحين والموطأ . لكن أهل المعرفة منهم
ينبهون على ذلك عند السماع وفي الحواشي، ومنهم من جَسَرَ على تغيير
الكتب وإصلاحها(٣)، ومنهم أبو الوليد هشام بن أحمد الكناني الوَقْشِي
لكثرة مطالعته وافتنانه . قال: وقد غلط في أشياء من ذلك ، وكذلك غيره
ممن سلك مسلكه .
قال : والأوْلى سَدّ باب التغيير والإصلاح ، لئلا يجسر على ذلك من
لا يُحْسن ، وينبه على ذلك عند السماع .
وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل: أن أباه كان يصلح اللحن الفاحش ،
ويسكتُ عن الخفي السهل .
( قلت ) : ومن الناس ( من ) إذا سمع الحديث ملحوناً عن الشيخ
ترك روايته ، لأنه إن تبعه في ذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يلحن
في كلامه ، وإن رواه عنه على الصواب ، فلم يسمعه منه كذلك .
(١) هذه تتمة كلام الأصمعي، ولم تكن في الأصل .
(٢) بفتح السين المهملة واسكان الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة .
(٢) في الأصل ((واصطلاحها)) وهو خطأ.
١٤٠