Indexed OCR Text

Pages 81-100

وأكثر هؤلاء القصاص جهال ، تشبهوا بأهل العلم ، واندسوا بينهم ، فأفسدوا كثيرا
من عقول العامة .
ويشبههم بعض علماء السوء ، الذين اشتروا الدنيا بالآخرة ، وتقربوا إلى الملوك والأمراء
والخلفاء ، بالفتاوى الكاذبة ، والاقوال المخترعة ، التي نسبوها الى الشريعة البريئة واجترؤا
على الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ارضاء للأهواء الشخصية، ونصرا للاغراض
السياسية ، فاستحبوا العمى على الهدى .
كما فعل غياث بن ابراهيم النخعي الكوفي الكذاب الخبيث ، كما وصفه أمام أهل الجرح
والتعديل ، يحيى بن معين :
فانه دخل على أمير المؤمنين المهدي ، وكان المهدي يحب الحمام ويلعب به ، فاذا قدامه
حمام ، فقيل له : حدث أمير المؤمنين ، قال : حدثنا فلان عن فلان أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: لا سبق الا في نصل أو خف أو حافر أو جناح، فامر له المهدي ببدرة، فلما قام قال:
أشهد على قفاك أنه قفا كذاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم! ثم قال المهدي : أنا
حملته على ذلك ، ثم أمر بذبح الحمام ، ورفض ما كان فيه .
وفعل نحو !! من ذلك مع أمير المؤمنين الرشيد ، فوضع له حديثا : أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم كان يطير الحمام . فلما عرضه على الرشيد قال : أخرج عني، فطرده عن بابه.
وكما فعل مقاتل بن سليمان البلخي، من كبار العلماء بالتفسير ، فانه كان بتقرب الى
الخلفاء بنحو هذا .
حكى أبو عبيد الله وزير المهدي قال: ((قال لي المهدي: ألا ترى الى ما يقول لي هذا
- يعني مقاتلا -؟ قال: إذا شئت وضعت لك أحاديث في العباس؟! قلت، لا حاجة لي فيها)".
وشر أصناف الوضاعين وأعظمهم ضررا قوم ينسبون أنفسهم الى الزهد والتصوف ، أم
بتحرجوا من وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب ، احتسابا للاجر عند الله ، ورغبة في
حض الناس على عمل الخير واجتناب المعاصي، فيما زعموا ، وهم بهذا العمل بفسدون ولا
يصلحون .
وقد اغتربهم كثير من العامة وأشباههم ، فصدقوهم ، ووثقوا بهم ، لما نسبوا اليه من
الزهد والصلاح ، وليسوا موضعا الصدق ، ولا أهلا للثقة .
٨١
الباعث الحثيث - ٦

النوع الثاني والعشرون
المقلوب :
وقد يكون في الإسناد كله أو بعضه .
فالأول : كما رَكبَ مَهَرَةُ محدثي بغدادَ للبخاري ، حين قدم عليهم
إسناد هذا الحديث على متن أخر ، وركّبوا متنَ هذا الحديث على إسناد
آخر، وقَلَبوا عليه ما هو من حديث سالم : عن نافع، وما هو من حديث
نافع : عن سالم ، وهو من القَبيل الثاني ، وصنعوا ذلك في نحو مائة
حديث أو أزيد ، فلما قرأها رَدَّ كلَّ حديث إلى إسناده ، وكل إسناد
وبعضهم دخلت عليه الأكاذيب جهلا بالسنة ، لحسن ظنهم ، وسلامة صدورهم فيحملون
ما سمعوه على الصدق، ولا يهتدون لتميز الخطأ من الصواب، وهؤلاء أخف حالا ، وأقل
اثما من أولئك .
ولكن الوضاعون منهم أشد خطرا ، لخفاء حالهم على كثير من الناس ، ولولا رجال
صدقوا في الاخلاص لله . ونصبوا أنفسهم للدفاع عن دينهم ، وتفرغوا للذب عن سنة
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأفنوا! أعمارهم في التمييز بين الحديث الثابت وبين
الحديث المكذوب ، وهم أئمة السنة وأعلام الهدى - :
لولا هؤلاء لاختلط الأمر على العلماء والدهماء ، ولسقطت الثقة بالأحاديث :
رسموا قواعد النقد ، ووضعوا علم الجرح والتعديل، فكان من عملهم علم مصطلح
الحديث ، وهو أدق الطرق التي ظهرت في العلم للتحقيق التاريخي، ومعرفة النقل
الصحيح من الباطل .
فجزاهم الله عن الأمة والدين أحسن الجزاء، ورفع درجاتهم في الدنيا والآخرة ،
وجعل لهم لسان صدق في الآخرين .
وقد قيل لعبد الله بن المبارك الامام الكبير: هذه الأحاديث الموضوعة؟ فقال :
تعيش لها الجهابذة ( إنا نحن نزلنا الذكر ، وأنا له لحافظون ) .
٨٢

إلى متنه، ولم يَرُج عليه موضعٌ واحد مما قَلَبوه وركّبوه، فعَظُم
عندهم جداً، وعرفوا منزلته من هذا الشأن ، فرحمه الله وأدخله
الجِنان (١).
ومن الأحاديث الموضوعة المعروفة : الحديث المروى عن أبي بن كعب مرفوعا في فضائل
القرآن سورة سورة . وقد ذكره بعض المفسرين في تفاسيرهم ، كالثطى والواحدي
والزمخشرى والبيضاوي . وقد أخطئوا في ذلك خطأ شديدا .
قال الحافظ العراقي: ((لكن من أبرز اسناده منهم كالأولين -يعني الثعلى والواحدي
- فهو أبسط لعذره، اذ أحال ناظرة على االكشف عن سنده، وان كان لا يجوز له السكوت
عليه. وأما من لم يبرز سنده وأورده بصيغة الجزم - فخطؤه أفحش)).
وأكثر الأحاديث الموضوعة كلام اختلقه الواضع من عند نفسه . وبعضهم جاء الكلام
بعض الحكماء ، او لبعض الأمثال العربية ، فركب لها اسنادا مكلوبا ، ونسبها الى
رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها من قوله .
وقد يأتي الوضع من الراوي غير مقصود له ، وليس هذا من باب الموضوع ، بل
هو من باب المدرج، كما حدث لثابت بن موسى الزاهد في حديث: ((من كثرت صلاته
بالليل حسن وجهه بالنهار)» . وقد سبق تفصيلا في باب المدرج .
(١) الحديث المقلوب: أما أن يكون القلب فيه في المتن، وأما أن يكون في الاسناد.
فمثلال المقلوب فى المتن : ما رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان فى صحيحهما من
حديث انيسة مرفوعا: ((اذا أذن ابن مكتوم فكلوا واشربوا ، واذا أذن بلال فلا تأكلوا
ولا تشربوا». والمشهور من حديث ابن عمر وعائشة: (( ان بلالا يؤذن بلبل فكلوا واشربوا
حتى يؤذن ابن أم مكتوم ؟
وما رواه مسلم في السبعة الذين يظلهم يوم القيامة: ((ورجل تصدق بصدقه
أخفاها، حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله)) فهذا مما انقلب على أحد الرواة ، وانما
هو كما في الصحيحين حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) .
وما رواه الطبراني من حديث أبي هريرة مرفوعا: ((إذا أمرتكم بشيء فائتوه . واذا
نهيتكم عن شىء فاجتنبوه ما استطعتم)). فان المعروف ما في الصحيحين: ((ما نهيتكم عنه
فاجتنبوه ، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم)) .
وأما القلب في الاسناد ، فقد يكون خطأ من بعض الرواة في اسم رااو أو نسبه ، كأن
يقول: ((كعب بن مرة)) بدل ((مرة بن كعب)). وقد ألف الخطيب في هذا الصنف كتابا
سماه: ((رفع الارتياب، في المقلوب من الأسماء والانساب)) .
٨٣

وقد يكون الحديث مشهورا براو من الرواة أو اسناد ، فيأتي بعض الضعفاء أو الوضاعين،
ويبدل الراوي بغيره ، ليرغب فيه المحدثون . كأن يكون الحديث معروفا عن سالم بن عبدالله،
فيجعله عن نافع . أو يبدل الاسناد باستاد آخر كذلك ، مثل ما روى حماد بن عمرو النصيبي
- الكذاب - عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا: ((إذا لقيتم المشركين في
طريق فلا تبدؤهم السلام))، الحديث ، فانه مقلوب ، قلبه حماد ، فجعله عن الأعمش ، وانما
هو معروف عن سهيل بن صالح عن أبيه عن أبي هريرة ، هكذا أخرجه مسلم من رواية شعبة
والنوري وجرير بن عبد الحميد وعبد العزيز الدراوردي ، كلهم عن سهيل .
وهذا الصنيع يطلق على فاعله انه يسرق الحديث ، اذا قصد اليه .
وقد يقع هذا غلطا من الراوي الثقة ، لا قصدا كما يكون من الوضاعين .
مثاله: ما روى اسحق بن عيسى الطباع قال : حدثنا جرير بن حازم عن ثابت عن الس
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اذا اقيمت الصلاة غلا تقوموا حتى تروفي "،
قال اسحق بن عيسى: فأتيت حماد بن زيد فسألته عن الحديث ؟ فقال وهم أبو النصر - يعني
جرير بن حازم - انما كنا جميعا في مجلس ثابت، وحجاج بن أبي عثمان معنا، فحدثنا حجاج
الصواف عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: ((اذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني)). فظن أبو النصر أنه فيما
حدثنا ثابت عن انس . فقد انقلب الاسناد على جرير ، والحديث معروف من رواية يحيى بن
كثر، رواه مسلم والنسائي من طريق حجاج بن أبى عثمان الصواف عن يحيى .
وقد يقلب بعض المحدثين اسناد حديث قصدا لامتحان بعض العلماء ، لمعرفة درجة حفظهم،
كما فعل علماء بغداد حين قدم عليهم الإمام محمد بن إسماعيل البخاري ، فيما رواه الخطيب :
نانهم اجتمعوا و عمدوا إلى مائة حديث ، فقبلوا متونها وأسانيدها ، وجعلوا متن هذا الاسناد
آخر، واسناد هذا لمتن آخر، ودفعوها الى عشرة أنفس، الى كل رجل عشرة . وأمروهم
اذا حضروا المجلس يلقون ذلك على البخاري ، وأخذوا (الوعد للمجلس . فحضر المجلس جماعة
أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرهم من البغداديين . فلما اطمأن المجلس
بأهله . انتدب اليه رجل من العشرة . فسأله عن حديث من تلك الأحاديث ؟ فقال البخاري :
لا أعرفه. فسأله عن آخر. فقال لا أعرفه. فما زال يلقي عليه واحدا بعد واحد . .متى
فرغ من عشرته . والبخاري يقول : لا أعرفه فكان الفهماء ممن حضر المجلس بلتفت بعضهم الى
..
٨٤

وقد نبّه الشيخ أبو عمرو ههنا على أنه لا يلزم من الحكم بضعف سند
الحديث المعيّر الحكم بضعفه في نفسه ، إذ قد يكون له إسناد آخر ، إلا
أن ينص إمام على أنه لا يُرْوى إلا من هذا الوجه (١).
( قلت ) : يكفى في المناظرة تضعيفُ الطريق التي أبداها المُنَاظِرُ
وينقطع ، إذِ الأصلُ عَدَمُ ما سواها ، حتى يثبتَ بطريق أخرى ، واللّه
أعلم .
قال : ويجوز روايةُ ما عدا الموضوع في باب الترغيب والترهيب ،
والقَصَّصِ والمواعظ، ونحو ذلك. إلا في صفات الله عز وجل ، وفي
باب الحلال والحرام .
بعض ويقولون : فهم الرجل ، ومن كان منهم غير ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتفصير
وقلة الفهم . ثم انتدب اليه رجل آخر من العشرة ، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث
المقلوبة ؟ فقال البخارى: لا أعرفه، فلم يزل يلقي اليه واحدا بعد واحد ، حتى فرغ من
عشرته، والبخاري تقول: لا أعرفه. ثم انتدب اليه الثالث والرابع، الى تمام العشرة ،
حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة، والبخارى لا يزبدعم على : لا أعرفه . فلما علم البخاري
أنهم قد فرغوا، التفت الى الأول منهم ، فقال: أما حديثك الأول فهو كذا ، وحديثك الثاني
فهو كذا، والثالث والرابع، على الولاء ، حتى أتى على تمام العشرة ، فرد كل متن الى
اسناده، وكل اسناد الى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، ورد متون الأحاديث كلها ألى
أسانيدها، وأسانيدها الى متونها، فأقر له الناس بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل ، أهـ .
وهذا العمل محرم أن يقصده العالم به ، الا ان كان يريد به الاختبار . وشرط الجواز
- كما قاله الحافظ ابن حجر -: ((أن لا يستمر عليه، بل ينتهي بانتهاء الحاجة)).
١٠) من وجد حديثا باسناد ضعيف، فالأحوط أن يقول: ((أنه ضعيف بهذا الاسناد)»
ولا يحكم بضعف المتن - مطلقا من غير تقييد - بمجرد ضعف ذلك الاسناد ، فقد يكون الحديث
واردا ىاسناد آخر سحيح ، الا أن يجد الحكم بضعف المتن منقولا عن أمام من الحفاظ المطلعين
على الطرق . وان نشط الباحث عن طريق الحديث ، وترجح عنده أن هذا المتن لم يرد من
طريق أخرى صحيحة ، وغلب على ظنه ذلك - : فاني لا أرى بأسا بأن يحكم بضعف الحديث
مطلقا . وانما ذهب ابن الصلاح الى المنع ، تقليدا لهم فى منع الاجتهاد . كما قلنا نحو هذا
الكلام على الصحيح فيما مضى في ( ص ٢٩ ) .
٨٥

قال : وممن يرخص في رواية الضعيف - فيما ذكرناه ـــ ابنُ مَهْدِي
وأحمد بن حنبل ، رحمهما الله .
قال : وإذا عَزَوْته إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم من غير إسناد فلا
تقُلْ ((قال صلى الله عليه وسلم كذا وكذا))، وما أشبه ذلك من الألفاظ
الجازمة ، بل بصيغة التمريض ، وكذا فيما يُشَّكُّ في صحته أيضاً (١).
(١) من نقل حديثا صحيحا بغير اسناده . وجب أن يذكره بصيغة الجزم ، فيقول مثلا:
((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم)). ويقبح جدا أن يذكره بصيغة التمريض التي تشعر
بضعف الحديث ، لئلا يقع في نفس القارئ والسامع أنه حديث غير صحيح .
وأما اذا نقل حديثا ضعيفا، أو حديثا لا يعلم حاله، أصحيح أم ضعيف ، فانه يجب
أن يذكره بصيغة التمريض كأن يقول: ((روى عنه كذا)) أو: ((بلغنا كذا)). واذا نبقن
ضعفه وجب عليه أن يبين أن الحديث ضعيف، لئلا يغتر به القارئ أو السامع . ولا يجوز
للناقل أن يذكره بصيغة الجزم، لأنه يوهم غيره أن الحديث صحيح ، خصوصا اذا كان
الناقل من علماء الحديث ، الذين يثق الناس بنقلهم ، ويظنون أنهم لا ينسبون الى رسول
الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يجزموا بصحة نسبته اليه . وقد وقع في هذا الخطأ كلير
من المؤلفين ، رحمهم الله وتجاوز عنهم .
وقد أجاز بعضهم رواية الضعيف من غير بيان ضعفه بشروط :
أولا : أن يكون الحديث في القصص ، أو المواعظ ، أو فضائل الأعمال ، أو نحو ذلك ،
مما لا يتعلق بصفات الله تعالى وما يجوز له ويستحيل عليه سبحانه، ولا بتفسير القرآن ،
ولا بالأحكام . كالحلال والحرام وغيرهما .
ثانيا : أن يكون الضعف فيه غير شديد ، فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب،
والذين نش غلطهم في الرواية .
ثالثا : أن يندرج تحت أصل معمول به .
رابعا : أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته ، بل يعتقد الاحتياط .
والذي أراه . أن بيان الضعف في الحديث الضعيف واجب في كل حال ، لأن ترك البيان
بوهم المطلع عليه أنه حديث صحيح ، خصوصا اذا كان الناقل له من علماء الحديث الذين
يرجع إلى قولهم في ذلك ، وأنه لا فرق بين الأحكام وبين فضائل الأعمال ونحوها في عدم
٨٦

النوع الثالث والعشرون
معرفة من تقبل روايته ومن لا تقبل ، وبيان الجرح والتعديل :
المقبول: الثقة الضابط لما يرويه . وهو: المسلم العاقل البالغ، سالماً من
أسباب الفسق وخوارم المروءة، وأن يكون مع ذلك متيقظاً غير مغفل،
حافظاً إن حدّث (من حفظه)(١)، فاهماً إنْ حدَّث على المعنى . فإن
اختل شرط مما ذكرنا ردَّتْ روايتُه. (٢)
الأخذ بالرواية الضعيفة ، بل لا حجة لأحد الا بما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
من حديث صحيح أو حسن .
وأما ما قاله أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن المبارك: ((اذا روينا
في الحلال والحرام شددنا، واذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا)»، فانما يريدون به
- فيما أرجح ، والله أعلم - أن التساعل انما هو في الأخذ بالحديث الحسن الذي لم حل
الى درجة الصحة ، فان الاصطلاح في التفرقة بين الصحيح والحسن لم يكن في عصرهم
مستقرا واضحا ، بل كان أكثر المتقدمين لا يصف الحديث الا بالصعتة أو الضعف فقط .
(١) سقطت من الأصل، وزدناها من ابن الصلاح.
(٢) أساس قبول خبر الراوي : أن يوثق به في روايته ، ذكرا كان أو أنثى ، حرا أو
عبدا ، فيكون موضعا للثقة به في دينه ، بأن يكون عدلا ، وفي روايته بأن يكون ضابطا .
والعدل : هو الماء البالغ العاقل، الذي سلم من أسباب الفسق وخوارم المروءة .
على ما حقق في باب الشهادات من كتب الفقه . الا ان الرواية تخالف الشهادة في شرط
الحرية والذكورة وتعدد الراوي .
وقد كتب العلامة القرافي في ( الفروق ) فصلا بديعا للفروق بين الشهادة والرواية
(ج ١ ص - ٢٢ طبعة تونس )
وأما الضبط: فهو انتمان ما يرويه الراوي . بأن يكون متيقظاً لما يروي ، غير مغفل ،
٨٧

وتَثْبتُ عدالةُ الراوي باشتهاره بالخير والثناء الجميل عليه ، أو
بتعديل الأئمة ، أو اثنين منهم له ، أو واحدٍ على الصحيح ، ولو بروايته
عنه في قول (١).
قال ابن الصلاح : وتوَسع ابنُ عبد البر ، فقال : كل حامل علمٍ
معروف العناية به ، فهو عدل ، محمولٌ أمره على العدالة ، حتى يتبينَ
جرْحهُ، لقوله عليه الصلاة والسلام: (( يَحْملُ هذا العلمَ من كل خَفٍ
عُدولهُ)). قال: وفيما قاله اتساعٌ غيرُ مَرْضي. والله أعلم.
حافظا لروايته أن روى من حفظه ، ضابطا لكتابه ، ان روى من الكتاب ، عالما بمعنى ما يرويه،
وبما يحيل المعنى عن المراد ، إن روى بالمعنى، حتى يثق المطلع على روايته . المتتبع لأحواله .
بأنه أدى الأمانة كما تحملها ، لم يغير منها شيئا . وهذا مناط التفاضل بين الرواة الثقات.
فاذا كان للراوي عدلا ضابطا - بالمعنى الذي شرحنا - سمى ((تقة)).
ويعرف ضبطه بموافقة الثقات المتقنين الضابطين ، اذا اعتبر حديثه بحديثهم . ولا تضر
مخالفت النادرة لهم، فإن كثرت مخالفته لهم وندرت الموافقة ، اختل ضبطه ، ولم يحتج
بحديثه .
(١) هذا في غير من استفاضت عدالتهم. واشتهروا بالتوثيق والاحتجاج بهم بين أهل
العلم وشاع النناء عليهم، مثل مالك، والشافعي، وشعبة، والثوري ، وابن عيينة ، وابن
المبارك، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين ، وابن المديني، ومن جرى مجراهم
فى نباهة الذكر واستقامة الأمر ، فلا يسئل عن عدالة هؤلاء ، وانما يسئل عن عدالة من حفي
أمره، وقد سئل أحمد بن حنبل عن اسحق بن راهويه؟ فقال: مثل ((اسحق سأل عنه ؟!))
وسئل ابن معين عن أبي عبيد؟ فقال: ((منلي يسأل عن أبي عبيد؟ أبو عبيد يسأل عن الناس)).
وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: ((الشاهد والمخبر انما يحتاجان إلى التزكية اذا لم
يكونا مشهورين بالعدالة والرضا، وكان أمرهما مشكلا ملتبسا، ومجوزا فيهما العدالة وغيرها)).
والدليل على ذلك: ((أن العلم بظهور سرهما واشتهار عدالتهما أقوى في النفوس من
تعديل واحد واتنين يجوز عليهما الكذب والمحاباة)) .
٨٨

( قلت ) : لو صح ما ذكره من الحديث لكان ما ذهب إليه قوياً،
ولكن في صحته نظر قوي، والأغلبُ عدمُ صحته (١) والله أعلم.
ويُعرف ضبطُ الراوي بموافقة الثقاتِ لفظاً أو معنىّ، وعكسه
عكسهُ .
والتعديل مقبول ، ذكر السبب ( أو لم يذكر ) لأن تعداده يطول ،
فقُبِل إطلاقهُ بخلاف الجرْح ، فإنه لا يُقبل إلا مفسراً، لاختلاف الناس
في الأسباب المفسِّقة ، فقد يعتقد الجارحُ شيئاً منمسَّقاً، فيضعِّفه، ولا
يكون كذلك في نفس الأمر ، أو عند غيره(٢)، فلهذا اشترط بيان السبب
في الجرح .
قال الشيخ أبو عمرو : وأكثر ما يوجد في كتب الجرح والتعديل :
((غلان ضعيف))، أو: ((متروك))، ونحو ذلك ، فإن لم نكتف به انسدّ
بابٌ كبير في ذلك .
وأجاب : بأنّا إذا لم نكتف به توقفنا في أمره ، لحصول الريبة عندنا
بذلك .
(١) أشهر طرقه: رواية معان بن رفاعة السلامي عن ابراهيم بن عبد الرحمن عن النبي
صلى الله عليه وسلم، هكذا رواه ابن أبي حاتم في مقدمة كتابه الجرح والتعديل ، وابن
عدي في مقدمة كتابه الكامل ، والعقيلي في الضعفاء في ترجمة معان بن رفاعة ، وقال : أنه
لا يعرف الا به أ هـ . وهذا اما مرسل أو معضل ، وإبراهيم الذي أرسله أو أعضله لا بعرف
فى شىء من اللعلم غير هذا . قاله أبو الحسن بن القطان في كتابه١٠ بيان الوهم والايهام
الواقعين في كتاب الأحكام لعبد الحق الاشبيلي ) .
وقد روى هذا الحديث متصلا من رواية جماعة من الصحابة : علي بن أبي طالب، وابن
عمر، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وجابر بن سمرة، وأبي أمامة . وكلها ضعيفة.
لا يثبت منها شيء، وليس فيها شيء يقوي المرسل المذكور، والله أعلم. أفاده العراقي
فى شرح كتاب ابن الصلاح .
(٢) من ذلك ما نقل عن بعضهم: أنه قيل له : لم تركت حديث فلان : فقال : رأيته
بركض على برذون فتركت حديثه . ومنها: أنه سئل بعضهم عن حديث لصالح المري ، فقال:
ما يصنع بصالح ؟ ذكروه يوما عند حماد بن سلمة ، فامتخط حماد ! ! .
٨٩

( قلت ) أما كلام هؤلاء الأئمة المنتصبين لهذا الشأن ، فينبغي أن
يؤخذ مسلّماً من غير ذكر أسباب ، وذلك للعلم بمعرفتهم ، واطلاعهم
واضطلاعهم في هذا الشأن ، واتِّصافهم بالإنصاف والديانة والخبرة والنصح
لا سيّما إذا أطبقوا على تضعيف الرجل ، أو كونه متروكاً، أو كذَّاباً ،
أو نحو ذلك . فالمحدِّث الماهر لا يتخالجه في مثل هذا وَقْفَةٌ في موافقتهم
لصدقهم وأمانتهم ونصحهم . ولهذا يقول الشافعي ، في كثير من كلامه
على الأحاديث: ((لا يُثْنيه أهلُ العلم بالحديث))، ويردُّه، ولا يحتجُّ
به ، بمجرد ذلك. والله أعلم (١).
(١) اختلفوا في الجرح والتعديل: هل يقبلان مبهمين من غير ذكر أسبابهما؟. قشرط
بعضهم لقبولهما ذكر السبب في كل منهما ، وشرط بعضهم ذكر السبب في التعديل دون
الجرح . وقبل بعضهم التعديل من غير ذكر أسبابه. وشرط في الجرح بيان السبب مفصلا.
وهو الذي اختاره ابن الصلاح والنووي وغيرهما، وهو المشتهر عند كثير من أهل العلم.
واعترض ابن الصلاح على هذا بكتب الجرح والتعديل ، فانها - في الأغلب - لا يذكر
فيها سبب الجرح ، فالأخذ بهذا الشرط يسد باب الجرح ، وأجاب عن ذلك بأن فائدتها التوقف
فيمن جرحوه ، فان بحثنا عن حاله وانزاحت عنه الريبة وحصلت الثقة به قبلنا حديثه
وذهب بعضهم إلى أنه لا يجب ذكر السبب في الجرح او التعديل ، اذا كان الجارح أو
المعدل عالما بأسباب (الجرح والتعديل والخلاف في ذلك، بصيرا مرضيا في اعتقاده وأفعاله .
قال السيوطي في التدريب ( ص ١٢٢): ((وهو اختيار الراضي أبي بكر، ونقله عن الجمهور،
واختاره امام الحرمين والغزالي والرازي والخطيب، وصححه الحافظ أبو الفضل العراقي
والبلقيني في محاسن الاصلاح. واختار شيخ الاسلام - يعني ابن حجر - تفصيلا حسنا :
فان كان من جرح مجملاقد وثقه أحد من أئمة هذا الشأن لم يقبل الجرح فيه من أحد كائتها
من كان ، الا مفسرا ، لأنه قد ثبتت له رتبة الثقة ، فلا يزحزح عنها الا بأمر جلي ، فان أئمة
هذا الشأن لا يوثقون الا من اعتبروا حاله في دينه ثم في حديثه ، ونقدوه كما ينبغي ، وهم
أيقظ الناس ، فلا ينقض حكم أحدهم الا بأمر صريح ، واان خلا عن التعديل قبل الجرح فيه
غير مفسر ، اذا صدر من عارف، لأنه إذا لم يعدل فهو في حيز المجهول ، واعمال قول المجرح
٩٠

أما إذا تعارض جرحٌ وتعديل، فينبغي أن يكون الجرحُ حينئذ مفسراً:
وهل هو المقدم ؟ أو الترجيح بالكثرة أو الأحفظ ؟ فيه نزاع مشهور في
أصول الفقه وفروعه وعلم الحديث والله أعلم (١).
ويكفي قول الواحد في التعديل والتجريح على الصحيح(٢). وأما
رواية الثقة عن شيخ : فهل يتضمن تعديله ذلك الشيخ أم لا ؟ فيه ثلاثة
أقوال ... ( ثالثُها ) . إن كان لا يروى إلا عن ثقة فتوثيق، وإلا فلا ،
والصحيح ( أنه ) لا يكون توثيقاً له ، حتى ولو كان من يُنص على عدالة
شيوخه. ولو قال: ((حدثني الثقة))(٣)، لا يكون ذلك توثيقاً له على الصحيح
لأنه قد يكون ثقةً عنده ، لا عند غيره ، وهذا واضح . ولله الحمد .
قال : وكذلك فُتيا العالم أو عملُه على وفق حديث ، لا يستلزم
تصحيحه له .
فيه أولى من اهماله. وقال الذهبي، وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال : لم
يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف ، ولا على تضعيف ثقة ٠ ٩ هـ .
ولهذا كان مذهب النسائي أن لا يترك حديث الرجل حتى يجتمعوا على تركه)).
والتفصيل الذي اختاره ابن حجر هو الذي يطمئن إليه الباحث في التعلبل والجرح
والتعديل ، بعد استقرار علوم الحديث وتدوينها .
(١) اذا اجتمع في الراوي جرح مبين السبب وتعديل، فالجرح مقدم، وإن كثر عدد
المعدلين ، لأن مع الجارح زيادة علم لم يطلع عليها المعدل ، ولأنه مصدق للمعدل فيما أخبر
به عن ظاهر حاله، الا انه يخبر عن أمر باطن خفي عنه . وقيد الفقهاء ذلك بما اذا لم يقل
المعدل : عرفت السبب الذي ذكره الجارح ، ولكنه تاب وحسنت حاله ، أو اذا ذكر الجارح
سينا معينا للجرح، فنفاه المعدل بما يدل يقينا على بطلان السبب. قاله السيوطي في التدريب.
(٢) وحكى الخطيب في الكفاية: أن القاضي أبابكر الباقلاني حكى عن أكثر الفقهاء من
أهل المدينة وغيرهم : أنه لا يقبل في التزكية الا اثنان ، سواء كانت للشهادة أو للرواية
أهـ عراقي .
(٣) يريد بهذا أن الراوي لا بد أن يسمى شيخه ويصفه بأنه ثقة، حتى يكون معينا ،
أما اذا قال: ((حدثني الثقة)» فقط، فانه من باب الراوي المبهم .
٩١

( قلتِ ) وفي هذا نظر ، إذا لم يكن في الباب غيرُ ذلك الحديث ،
أو تعرَّض للاحتجاج به في فتياه أو حكمه ، أو استشهدَ به عند العمل
بمقتضاه(١).
قال ابن الحاجب : وحكم الحاكم المشترِطِ العدالةَ تعديلٌ باتفاق.
وأما إعراض العالم عن الحديث المعين بعد العلم به ، فليس قادحاً في
الحديث باتفاق ، لأنه قد يعدل عنه لمعارضٍ أرجحَ عنده ، مع اعتقاد
صحته .
( مسئلة ) : مجهول العدالة ظاهراً وباطناً لا تُقبل روايته عند الجماهير
ومن جُهُلتْ عدالتُه باطناً، ولكنه عدل في الظاهر ، وهو المستور ، فقد
قال بقبوله بعضُ الشافعيين ، ورجّح ذلك سليم بن أيوب الفقيه ، ووافقه
إبن الصلاح . وقد حررتُ البحثَ في ذلك في المقدمات . والله أعلم .
فأما المبهَم الذي لم يسمِّ، أو من سُمِيَ وِلا تُعرف عينُه، فهذا
ممن لا يَقْبل روايتَه أحد علمناه . ولكنه إذا كان في عصر التابعين والقرون
المشهود لهم بالخير ، فإنه يُستأنسُ بروايته ، ويُستضاء بها في مواطن .
وقد وقع في مسند الإمام أحمد وغيره من هذا القبيل كثير . والله أعلم .
قال الخطيب البغدادي وغيره : وترتفع الجهالة عن الراوي بمعرفة
العلماء له ، أو برواية عدلين عنه .
(١) تعقبه العراقي في شرح ابن الصلاح فقال: ((لا يلزم من كون ذلك الباب ليس فيه
غير هذا الحديث أن لا يكون ثم دليل آخر من قياس الو اجماع ، ولا يلزم المفتى او الحاكم
أن يذكر جميع أدلته . بل ولا بعضها ، ولعل له دليلا آخر ، واستأنس بالحديث الوارد في
الباب. وربما كان المفتي او الحاكم يرى العمل بالضعيف اذا لم يرد في الباب غيره ، وتقديمه
على القياس . كما تقدم حكاية ذلك عن أبي داود : أنه كان يرى الحديث الضعيف ، اذا لم
يرد في الباب غيره، أولى من رأي الرجال . وكماحكى عن الامام احمد انه يقدم الحديث الضعيف
على القياس . وحمل بعضهم هذا على أنه أريد بالضعيف هنا الحديث الحسن والله أعلم .
٠٠
٩٢

قال الخطيب : لا يثبتُ له حكم العدالة بروايتهما عنه ، وعلى هذا
النمط (١) مشتى ابنُّ حبان وغيرهُ، بأنْ حَكَم له بالعدالة بمجرَّد هذه
الحالة . والله أعلم.
قالوا: فأما من لم يَروِ عنه سوى واحد، مثل عمرو ذي مُوَّ (٢)،
وجبّار الطائي (٣)، وسعيد بن ذي حُدَّان(٤)، تفرَّد بالرواية عنهم أبو
إسحاق السّبيعي، وجُرَيُّ بن كُلَيْب (٥) ، تفرَّد عنه قتادةُ ، قال الخطيب
والهَزْهاز ابن مَيْزَنَ (٦)، تفرَّد عنه الشّعبي، قال ابن الصلاح: وروى
عنه الثّوري .
وقال ابن الصلاح : وقد روى البخاري لمِرْداسٍ الأسلمي ، ولم
يرو عنه سوى قيس بن أبي حازم ، ومسلم لربيعة بن كعب ، ولم يرو
عنه سوى أبي سلمة ابن عبد الرحمن (٧). قال: وذلك مصيرٌ منهما إلى
ارتفاع الجهالة برواية واحد . وذلك متجه ، كالخلاف في الاكتفاء بواحد
في التعديل .
(١) قوله: ((وعلى هذا النمط)) أي التعديل برواية عدلين عنه.
(٢) هو عمرو ذو مر الهمداني التابعي، روى عن علي بن أبي طالب. وحديثه عنه في
مسند أحمد ، بتحقيقنا برقم ٩٥١ ٠
(٣) هو تابعي روى عن ابن عباس. وله ترجمة في التاريخ الكبير للبخاري ج ١ ق ٢،
ص ٢٥٠ ، ولسان الميزان ٢ : ٠٤ ٠
٤١) سعيد بن ذي حدان، بضم الحاء وتشديد الدلال المهملتين : تابعي ثقة ، روى عن
سهل بن حنيف ، وفيل عن علي أيضا ، ولكن الصحيح أن بينه وبين على راويا مبهما .
انظر المسند رقم ٦٩٦، ٦٩٧ ، ٠١٠٣٤
(٥) جرى، بضم الجيم . وهو تابعي ثقة. روى عن علي بن أبي طالب، وحديثه فى
مسند الامام أحمد برقم ٦٣٣، ٧٩١، ١٠٤٨.
(٦) اختلف في روايته عن علي، وبعضهم يقول: عن رجل عن علي. انظر ترجمته في
التاريخ الكبير للبخاري ج ٤ ق ٢ ص ٢٥٠ - ٢٥١ وقد ذكر أنه روى عن الثوري أيضاً .
(٧) تبع المصنف هنا ابن الصلاح، وكذلك تبعه النووي، وابن الصلاح تبع الحاكم
٩٣

( قلت ) : توجيه جيد . لكن البخاري ومسلم إنما اكتفيا في ذلك
برواية الواحد فقط ، لأن هذين صحابيّان ، وجهالةُ الصحابي لا تضرّ ،
بخلاف غيره ، والله أعلم .
( مسئلة ) : المبتدع إنْ كَفَر ببدعته ، فلا إشكال في رد روايته.
وإذا لم يكفر ، فإن استحلَّ الكذب رُدت أيضاً، وإن لم يستحل الكذبَ
فهل يقبل أو لا؟ أو يُفرَّق بين كونه داعيةً أو غير داعيةٍ ؟ في ذلك نزاع
قديم وحديث ، والذي عليه الأكثرون التفصيل بين الداعية وغيره ، وقد
حُكي عن نص الشافعي ، وقد حكى ابن حبّانَ عليه الإتفاق ، فقال :
لا يجوز الإحتجاج به عند ائمتنا قاطبةً (١). لا أعلم بينهم فيه خلافاً.
قال ابن الصلاح : وهذا أعدل الأقوال وأولاها . والقول بالمنع مطلقاً
بعيد ، مباعد الشائع عن ائمة الحديث ، فإن كتبهم طافحة ( بالرواية ) عن
المبتدعة غير الدعاة ، ففي الصحيحين من حديثهم في الشواهد والأصول
كثير . والله أعلم .
( قلت ) : وقد قال الشافعي : أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابيّة
من الرافضة، لأنهم يَرَونَ الشهادةَ بالزُّور لموافقيهم (٢). فلم يفرق
والحاكم تبع مسلما في كتاب الوحدان . قال العراقي . وليس ذلك بجيد ، فقد روى عن
ربيعة أيضا نعيم بن عبد الله المجمر ، وحنظلة بن علي وأبو عمران الجوني .
قال: وأما مرداس ، فقد ذكر الحافظ أبو الحجاج المزي في التهذيب أنه روى عنه
أيضا زباد بن علاقة، وتبعه عليه الذهبي في مختصره . وهو وهم منهما ، فان الذي روى عنه
زياد بن علاقة انما هو مرداس بن عروة ، صحابي آخر ، والذي روى عنه قيس : مرداس ابن
مالك الاسلمي . وهذا ما لا أعلم فيه خلاقا. قال: وانما نبهت على ذلك لئلا يغتر من يقف
على كلام المزي بذلك لجلالته . والله أعلم أ هـ كلام العراقي ملخصا .
(١) يعني المبتدع الذي يدعو إلى بدعته .
٤٠
(٢) في الأصل ((لا يرون)) بالنفي، وهو خطأ، ففي، ابن الصلاح والتدريب: ((يرون))
بالاثبات ، وهو الصحيح ، فلذا صححنا ما هنا على الاثبات .
٩٤

الشافعي في هذا النص بين الداعية وغيره ، ثم ما الفرق في المعنى بينهما ؟
وهذا البخاري قد خرج لعمرانَ بنِ حطّانَ الخارجي مادحٍ عبد الرحمن
ابن مُلْجمٍ قاتلِ عليٍ ، وهذا من أكبر الدعاة إلى البدعة! والله أعلم(١).
(١) أهل البدع والأهواء، اذا كانت بدعتهم مما يحكم بكفر القاتل بها ، لا تقبل روابتهم
بالاتفاق ، فيما حكاه النووي ورد عليه السيوطي في التدريب دعوى الاتفاق ونقل قولا آخر
بأنها تقبل روايتهم مطلقا ، وقولا آخر بأنها تقبل أن اعتقد حرمة الكذب ثم نقل عن الحافظ
ابن حجر أنه قال: ((التحقيق أنه لا يرد كل مكفر ببدعته ، لأن كل طائفة تدعى أن مخالفتها
مبتدعة ، وقد تبالغ فتكفر ، فلو أخذ ذلك على الاطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف . والمعتمد :
(( ان الذي ترد روايته من أنكر امرا متواترا من الشرع معلوما من الدين بالضرورة، أو اعتقد
عكسه. وأما من لم يكن كذلك وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه، مع ورعه وتقواه ، فلا مانع
من قبوله ، وهذا الذي قاله الحافظ هو الحق الجدير بالاعتبار ، ويؤيده النظر الصحيح .
وأما من كانت بدعته لا توجب الكفر ، فان بعضهم لم يقبل روايته مطلقا ، وهو غلو من
غير دليل ، وبعضهم قبل روايته أن لم يكن ممن يستحل الكلب في نصرة مذهبه ، وروى هذا
القول عن الشافعي، فانه قال: ((أقبل شهادة أهل الأهواء الا الخطابية ، لأنهم يروون
الشهادة بالزور لموافقيهم)). وقال أيضا ما رأيت في أهل الأهواء قوما اشهد بالزور من الرافضة)).
وهذا القيد - أعني عدم استحلال الكذب - لا أرى داعيا له لأنه قيد معروف بالضرورة في كل
راو ، فأنا لا نقبل رواية الراوي الذي يعرف عنه الكذب مرة واحدة ، فأولى أن نرد رواية
من يستحل الكذب أو شهادة الزور .
وقال بعضهم : تقبل رواية المبتدع اذا لم يكن داعية الى بدعته ، ولا تقبل أن نان
داعية، ورجح النووي هذا القول، وقال: ((هو الأظهر الأعدل)) وقول: ((الكثير أو الأكثر)).
وقيد الحافظ أبو اسحق الجوزجاني - شيخ أبي داود والنسائي - هذا القول بقبول روابته
اذا لم يرو ما يقوى بدعته .
وهذه الأقوال كلها نظرية . والعبرة في الرواية بصدق الراوي وأمانته والثقة بدينه
وخلقه . والمتتبع لأحوال الرواة برى كثيرا من أهل البدع موضعا للثقة والاطمئنان ، وأن
رووا ما يوافق رأيهم، ويرى كثيرا منهم لا يوثق بأي شيء يرويه ولذلك قال الحافظ الذهبي
٩٥

( مسئلة ) : التائب من الكذب في حديث الناس تُقبل روايته ، خلافاً
لأبي بكر الصَّيْرفي(١). فأما إنْ كان قد كذبَ في الحديث متعمداً، فنقل
ابن الصلاح عن أحمد بن حنبل وأبي بكر الحُميدي شيخ البخاري : أنه
لا تقبل روايته أبداً، وقال أبو المظفّر السمعاني: من كذب في خبرٍ
في الميزان ( ج ١ ص ٤) في ترجمة أبان بن تغلب الكوفي : ((شيعي جلد ، لكنه صديق ،
فلنا صدقه، وعليه بدعته))، ونقل توفيقه عن أحمد وغيره ، ثم قال : (فلقائل أن يقول :
كيف ساغ توثيق مبتدع ، وحد الثفة العدالة والاتقان، فكيف يكون عدلا وهو صاحب بنية؟))
وجوابه أن البدعة على ضربين : فبدعة صغرى ، كفلو التشيع ، أو التشيع بلا غلو ولا
تحرق ، فهذا كثر في التابعين وتابعيهم مع الدين ولالورع والصدق، فلو رد حديد هؤلاء
لذهبت جملة الآثار النبوية ، وهذه مغدة بينة ، ثم بدعة كبرى ، كالرفض الكامل والغلو
فيه ، والحط على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، والدعاء الى ذلك فهذا النوع لا يحتج بهم
ولا كرامة . وأيضا فما أستحضر الآن في هذا الضرب رجلا صادقا ولا مأمونا ، بل الكلب
شعارهم، والتقيه والنفاق دثارهم، فكيف يقبل نقل من هذا حاله ؟! حاشا وكلا. فالشيعي
الغالى في زمان السلف وعرفهم : هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممن
حارب عليا رضي الله عنهم، وتعرض لسبهم، والغالي في زماننا وعرفنا: هو الذي بكفر
هؤلاء السادة، ويتبرأ من الشيخين أيضا، فهذا ضال مفتر)).
والذي قاله الذهبي مع ضميمة ما قاله ابن حجر فيما مضى - هو التحقيق ، المنطبق
على أصول الرواية . والله أعلم .
(١) قال ابن الصلاح في كتاب علوم الحديث (ص ١٢٨): ((وأطلق الامام أبو بكر الصيرفي
الشافعي ، فيما وجدت له في شرحه لرسالة الشافعي ، فقال : كل من أسقطنا خبره من أهل
النقل بكذب وجدناه عليه ، لم نعد لقبوله بتوبة تظهر . ومن ضعفنا نقله أم نجعله قويا بعد
ذلك ، وذكر أنه مما افترقت فيه الرواية والشهادة)) .
قال العراقي في شرحه: ((والظاهر أن الصيرفي أطلق الكذب ، وانما أراد الكلب في
الحديث، بدليل قوله: ((من أهل النقل))، وقد قيده بالمحدث ، فيما رأيته في كتابه المسمى
بالدلائل والأعلام ، فقال وليس يطعن على المحدث الا أن يقول : تعمدت الكلب فهو كاذب في
الأول ، ولا يقبل خبره بعد ذلك .
٩٦

واحد وجبَ إسقاطُ ما تقدم من حديثه (١).
( قلت ) : ومن العلماء من كفّر متعمد الكذب في الحديث النبوي
ومنهم من يحتم قتله . وقد حررتُ ذلك في المقدمات .
وأما مَنْ غَلِطَ في حديثٍ فيُبيِّنَ له الصوابُ فلم يرجع إليه : فقال
ابن المبارك وأحمد بن حنبل والحُميدي : لا تقبل روايته أيضاً ، وتوسّط
بعضهُم (٢)، فقال: إن كان عدمُ رجوعه إلى الصواب عناداً ، فهذا
(١) الراوي المجروح بالفسق ، اذا تاب عن فسقه وعرفت عدالته بعد التوبة، تقبل روايته
بعدها ، وهذا على اطلاقه في كل المعاصي ، وما عدا الكذب في رواية الحديث ، فان أحمد
ابن حنبل وأبا بكر الحميدي وأبا بكر الصيرفي قالوا ! : لا تقبل رواية من كذب في أحاديث
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وان تاب عن الكذب بعد ذلك .
قال الصيرفي: ((كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه لم نعد لقبوله
بتوبة تظهر)). وقال أبو المظفر المعاني: ((من كذب في خبر واحد وجب استقاط ما تقدم من
حديثه)) .
ورد النووي هذا، فقال في شرح مسلم: ((المختار القطع بصحة توبته وقبول روايته ،
كشهادته، كالكافر إذا أسلم )» .
والراجح ما قاله أحمد بن حنبل ومن معه ، تغليظا وزجراً بليغا عن الكذب على رسول
الله صلى الله عليه وسلم، لعظم مفسدته، فانه يصير شرعا مستمرا الى يوم القيامة، بخلاف
الكذب على غيره والشهادة ، فان مفسدتهما قاصرة ليست عامة ، فلا يقاس الكذب في الرواية
على الكذب في الشهادة أو في غيرها ولا على أنواع المعاصي الأخرى .
قال في التدريب: ((وقد وجدت في الفقه فرعين يشهدان لما قاله الصيرفي والسمعاني :
فذكروا في باب اللعان ! أن الزاني اذا تاب وحسنت توبته لا يعود محصنا ولا يحد قاذفه بعد
ذلك ، لبقاء ثلمة عرضه. فهذا نظير أن الكاذب لا يقبل خبره أبدا. وذكروا أنه لو قذف أو
زنى بعد القذف قبل أن يحد القاذف لم يحد ، لأن الله تعالى أجرى العادة أنه لا يفضح أحدا
من أول مرة ، فالظاهر تقدم زناه قبل ذلك ، فلم يحد له القاذف . وكذلك نقول فيمن تبين
كذبه ! الظاهر تكرر ذلك منه حتى ظهر لنا ، ولم يتعين لنا ذلك فيما روى من حديثه ، فوجب
اسقاط الكل. وهذا واضح بلا شك، ولم أر أحدا تنبه لما حررته ولله الحمد)) .
(٢) هو ابن حبان، كما نقله العراقي. وهو اختيار ابن الصلاح.
الباعث الحثيث - ٧
٩٧

يلتحق بمن كذب عمداً، وإلاَّ فلا، والله أعلم(١).
ومن ههنا ينبغي التحرزُ من الكذب كلّما أمكن ، فلا يحدِّث إلا
من أصلٍ معتمَد ، ويجتنبُ الشواذَّ والمنكراتِ ، فقد قال القاضي أبو
يوسف: من تتّبع غرائب الحديث كذَبَ، وفي الأثر: ((كفى بالمرء
إثماً أن يحدّث بكل ما سمع)).
( مسئلة ): إذا حدَّث ثقةٌ عن ثقة بحديث، فأنكر الشيخُ سماعه
لذلك بالكلية، فاختار ابنُ الصلاح أنهُ لا تُقبل روايته عنه، جزمه بإنكاره
ولا يقدّح ذلك في عدالة الراوي عنه فيما عداه ، بخلاف ما إذا قال : لا
أعرف هذا الحديث من سماعي ، فإنه تُقبل روايتهُ عنه . وأما إذا نسيه .
فإن الجمهور يقبلونه ، وردّه بعض الحنفية : كحديث سليمان بن موسى
عن الزهري عن عروة عن عائشة: " ((أيُّما امرأة نكحَتْ (٢) بغير إذن
وليها فنكاحها باطل )). قال ابن جُرَيج: فلقيتُ الزُّهريّ فسألتهُ عنه ؟
فلم يعرفْه . وكحديث رَبيعة عن (٣) سُهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي
هريرة: ((قَضى بالشاهد واليمين)). ثم نسي سُهيل، لآ فة حصلتْ له.
فكان يقول : حدثني ربيعةُ عيِّ .
(١) قال العراقي: ((قيد ذلك بعض المتأخرين بأن يكون الذي بين له غلطه عالما عند المبين
له. أما اذا لم يكن بهذه المثابة عنده فلا حرج لاذن)» ( ص: ١٣٢). وهذا القيد صحيح ، لأن
الراوي لا يلزم بالرجوع عن روايته ان لم يثق بأن من زعم أنه أخطأ فيها أعرف منه بهذه الرواية
التي يخطئه فيها . وهذا واضح .
(٢) في الأصل: ((نكحت نفسها)) وهو خطأ ومخالف للرواية .
(٣) كان في الأصل: ((ربيعة بن سهيل عن أبي صالح عن أبيه)) الخ، وهو غلط بين.
كما يعلم من كتب الرجال والحديث، فالذلك صححناه ((ربيعة)) يعني البن أبي عبد الرحمن
الملقب بالرأي، ((عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه)).
٩٨

( قلت ) : هذا أولى بالقبول من الأول . وقد جمع الخطيب البغدادي
كتاباً فيمن حدّث بحديثٍ ثم نَسِي (١) .
(١) اذا روى ثقة عن ثقة آخر، فنفاه المروى عنه، وجزم بأنه لم يحدث بهذا الحديث ،
بأن قال: ((ما رويته)). أو ((كذب على))، أو نحو ذلك، وجب رده في الأصح ولكن لا
يقدح ذلك في باقي روايات الراوي عنه ، ولا يثبت جرحه قال في التدريب ( ص ١٣٣ ) :
(« لأنه ايضا مكذب لشيخه في نفيه لذلك، وليس قبول جرح كل منهما أولى من قبول الآخر ،
فتساقطا . فان عاد الأصل وحدث به أو حدث به فرع آخر ثقة عنه ولم يكذبه ، فهو مقبول .
صرح به القاضي أبو بكر والخطيب وغيرهما)) .
وهذا الذي رجحه لا أراه راجحا ، بل الراجح قبول الحديث مطلقا ، اذ أن الراوي عن
الشيخ ثقة ضابط لرولايته ، فهو مثبت ، والشيخ وان كان ثقة الا انه ينفي هذه الرواية ،
والمثبت مقدم على النافي ، وكل انسان عرضه للنسيان والسهو ، وقد يثق الإنسان بذاكرته
ويطمئن إلى أنه فعل الشيء جازما بذلك، أو إلى أنه لم يفعله مؤكدا لجزمه - : وهو في
الحالين ساه ناس .
والى هذا القول ذهب كثير من العلماء، واختاره السمعاني، وعزاه الشاشي الشافعي،
وحكى الهندي الاجماع عليه. كما نقل ذلك السيوطي في التدريب، ثم قال: ((ومن شواهد
القبول ما رواه الشافعي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي معبد عن ابن عباس
قال: ((كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتكبير . قال عمرو بن
دينار ثم ذكرته لأبي معبد بعد، فقال : لم أحدثك ، قال عمرو : قد حدثتنيه ؟ قال الشافعي :
كأنه نسيه بعد ما حدثه الياء. والحديث أخرجه البخاري من حديث ابن عيينة)).
وأما اذا لم ينف الشيخ الحديث الذي حدث عنه الثقة به ، بل نسيه فقط، بأن قال :
((لا أعرفه)) أو ((لا أذكره)) أو نحو ذلك -: فانه أولى بالقبول، ولا يرد بذلك، وجاز العمل
به على الصحيح ، وهو قول الجمهور من أهل الحديث والفقه والكلام ، خلافا لبعض الحنفية .
ومثال ذلك ما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من رواية ربيعة بن أبي عبد الرحمن
عن سهيل بن صالح عن أبيه عن أبي هريرة: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين
مع الشاهد)»، زاد أبو داود في رواية: أن عبد العزيز الدرواردي قال: فذكرت ذلك لسهيل،
فقال: حدثني ربيعة - وهو عندي ثقة ــ أني حدثته اياه ولا أحفظه ، قال عبدالعزيز: وقد
٩٩

( مسئلة ) ومن أخذ على التحديث أجرةً : هل تقبل روايته أم لا ؟
رُوي عن أحمد وإسحاق وأبي حاتم: أنه لا يكتب عنه، لما فيه من خَرْمٍ
المروءة . وترخص أبو نُعيم الفَضلُ بن دُكَيْن وعلي بن عبد العزيز.
وآخرين، كما تُؤخذ الأجرةُ على تعليم القرآن، وقد ثبت في صحيح
البخاري: ((إن أُحقَّ ما أخذم عليه أجراً كتاب الله)). وقد أفتى الشيخ
أبو إسحاق الشيرازي فقيهُ العراق ببغداد لأبي الحسين بن النّقُور بأخذ
الأجرة ، لشغل المحدثين له عن التكشب لعياله .
(مسثلة) : قال الخطيب البغدادي : أعلى العبارات في التعديل والتجريح
أن يقال ((حجة)) أو ((ثقة))، وأدناها أن يقال: ((كذاب)).
( قلت ) : وبين ذلك أمرر كثيرة يعسر ضبطُها ، وقد تكلم الشيخ
أبر عمرو على : راتب منها(١). وثمّ اصطلاحات الأشخاص، ينبغي
التوقيف عليها .
كان سهيل أصابته علة أذهبت بعض عقله ، ونسي بعض حديثه ، فكان سهيل بعد يحدثه عن
ربيعة عنه عن أبيه . ورواه أبو داود أيضا من رواية سليمان بن بلال عن ربيعة، قال سليمان :
فلقيت سهيلا غسألته عن هذا الحديث ؟ فقال : ما أعرفه ، فقلت له : أن ربيعة أخبرنى به
عنك ، قال: فان كان ربيعة أخبرك عني فحدث به عن ربيعة عني . نقله في التدريب.
قال ابن الصلاح في علوم الحديث ( ص ١٤٠): " وقد روى كثير من الأكابر أحاديث
نسوعا بعد ما حدثرا بها عمن سمعها منهم ، فكان أحدهم يقول : حدثني فلان عني عن فلان بكذا
وكذا. وجمع الحافظ الخطيب ذلك فى كتاب: أخبار من حدث ونسي)) .
(١) ذكر الحافظ في خطبة تقريب التهذيب مراتب الجرح ، التعديل ، فجعلها اثني عشر
مرتبة : (أ) الصحابة. (ب) من أكد مدحه بأفعل، كأونق الناس . أو بتكرار الصفة لفظًا ،
كثقة ثقة ، أو معنى، كثقة حافظ . (ج) من أفرد بصفة: كتقة، أو متقن، أو ثبت. (د) من
قصر عمن قبله قليلا ، كصدوق او لا بأس به ، !و ليس به بأس . (هـ) من قصر عن ذلك
قليلا ، كصدوق سيء الحفظ ، أو صدوق بهم ، أوله أوهام . او يخطىء ، أو تغير بأخرة .
ويلتحق بذلك من ومى بنوع بدعة، كالتشيع والقدر والنصب والارجاء والتجهم . (و) من ليس
<-
١٠٠