Indexed OCR Text

Pages 21-40

رَوَى عنه (١).
(١) الذي انتهى اليه التحقيق في أصح الأسانيد : أنه لا يحكم لاسناد بذلك مطلقا من
غير قيد . بل يقيد بالصحابي أو البلد . وقد نصوا على أسانيد جمعتها. وزدت عليها
قليلا ، وعي :
أصح الأسانيد عن أبي بكر : اسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر .
وأصح الأسانيد عن عمر: الزهري عن عبيد الله بن عبدالله بن عتبة عن ابن عباس
عن عمر . والزهري عن السائب بن يزيد عن عمر .
( ويزاد عليهما عندي : ما سيأتي في أصح الأسانيد عن ابن عمر ، وهي أربعة أسانيد ،
لأنه اذا كان الاسناد الى ابن عمر من أصح الأسانيد، ثم روى عن أبيه. كأن ما يرويه داخلا
في أصح الأسانيد أيضا ) .
وأصح الأسانيد عن علي : محمد بن سيرين عن عبيدة - بفتح العين - السلماني عن
على . والزهري عن على بن الحسين عن أبيه عن علي. وجعفر بن محمد بن علي بن الحسين
عن أبيه عن جده عن علي. ويحيى بن سعيد القطان عن سفيان الثوري عن سليمان، وهو
الأعمش . عن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد عن علي .
وأصح الأسانيد عن عائشة: هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وأفلح بن حميد عن
القاسم عن عائشة. وسفيان الثوري عن ابراهيم عن الأسود عن عائشة . وعبد الرحمن بن
القاسم عن أبيه عن عائشة . ويحيى بن سعيد عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم
ابن عمر الخطاب عن عائشة والزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة .
وأصح الأسانيد عن سعد بن أبي وقاص: علي بن الحسين بن علي عن سعيد بن المسيب
عن سعد بن أبي وقاص .
وأصح الأسانيد عن ابن مسعود : الأعمش عن ابراهيم عن علقمة عن ابن مسعود .
وسفيان النوري عن منصور عن ابراهيم عن علقمة عن ابن مسعود .
وأصح الأسانيد عن ابن عمر: مالك عن نافع عن ابن عمر . الزهري عن سالم عن أبيه
ابن عمر، وأيوب عن نافع عن ابن عمر . ويحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله بن عمر عن
نافع بن عمر .
وأصح الأسانيد عن أبي هريرة : يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة . والزهرى
عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة . ومالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة .
وحماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة . واسماعيل بن أبي حكيم عن
عبيدة - بفتح العين - بن سفيان الحضرمي عن أبي هريرة . ومعمر عن همام عن أبي هريرة.
وأصح الأسانيد عن أم سلمة : شعبة عن قتادة عن سعيد عن عامر أخي أم سلمة عن أم سلمة.
وأصح الأسانيد عن عبد الله بن عمرو بن العاص: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
( وفي هذا الاسناد خلاف معروف . والحق أنه من أصح الأسانيد ) .
٢١

( أول من جمع صحاح الحديث )
( فائدة ) : أول من اعتنى بجمع الصحيح : أبو عبد الله محمد بن
إسماعيل البُخَاري، وتلاه صاحبُه وتلميذه أبو الحسين مُسْامٍ بن الحَجّاج
وأصح الأسانيد عن أبي موسى الأشعري : شعبة عن عمرو بن مرة عن أبيه مرة عن
أبي موسى الأشعري .
وأصح الأسانيد عن أنس بن مالك : مالك عن الزهري عن أنس . وسفيان بن عيينة عن
الزهري عن أنس . ومعمر عن الزهري عن أنس .
( وهذان الاخيران زدتهما أنا ، فان ابن عيينة ومعمرا ليسا بأقل من مالك في الضبط
والاتقان عن الزهري ) .
وحماد بن زيد عن ثابت عن أنس. وحماد بن سلمة عن ثابت عن أنس. وشعبة عن
قتادة عن أنس . وهشام الدستوائي عن قتادة عن أنس .
وأصح الأسانيد عن ابن عباس : الزهري عن عبيد الله بن عبدالله بن عتبة عن ابن عباس.
وأصح الأسانيد عن جابر بن عبدالله: سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر .
وأصح الأسانيد عن عقبة بن عامر : الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي
الخير عن عقبة بن عامر .
بن بريدة عن أبيه بريدة .
لله
وأصح الأسانيد عن بريدة: الحين بن واقد عن عبد
وأصح الأسانيد عن أبي ذر : سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبي ادريس
الخولاني عن أبي ذر .
هذا ما قالوه في أصح الأسانيد عن أفراد من الصحابة وما زدناه عليهم .
وقد ذكروا اسنادين عن امامين من التابعين يرويان عن الصحابة . فإذا جاءتنا حديث
بأحد هذين الاسنادين ، وكان التابعي منهما يرويه عن صحابي . كان اسناده من أصح الاسانيد
أيضا . وهما :
شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن شيوخه من الصحابة .
والأوزاعي عن حسان بن عطية عن الصحابة . والله أعلم.
٢٢

النُّيْسَابوري . فهما أصحُ كُتُب الحديث، والبخاريُّ أرجح ، لأنه
اشترط في إخراجه الحديثَ في كتابه هذا : أن يكون الراوي قد عاصر
شيخه وثَبَت عنده سماعُه منه، ولم يشترط مسامٌ الثاني ، بل اكتفى
بمجرد المعاصرة . ومن ههنا ينفصل لك النزاع في ترجيح تصحيح البخاري
على مسلم ، كما هو قول الجمهور ، خلافاً لأبي علي النّيْسابوري شيخ
الحاكم ، وطائفةٍ من علماء المغرب .
ثم إن البخاري ومسلماً لم يلتزما بإخراج جميع ما يُحْكّم بصحته
من الأحاديث ، فإنهما قد صحّحا أحاديثَ ليستْ في كتابيهما، كما
يَنْفل الترمذيْ وغيرُه عن البخاري تصحيحَ أحاديث ليستْ عنده ، بل
في السنن وغيرها .
( عدد ما في الصحيحين من الحديث )
قال ابن الصلاح : فجميع ما في البخاري ، بالمكرر : سبعة آلاف
حديث ومائتان وخمسة وسبعون حديثاً . وبغير المكرر: أربعة آلاف(١).
وجميع ما في صحيح مسلم بلا تكرار : نحو أربعة آلاف (٢).
(١) الذي حرره الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري : أن عدة ما في البخاري من
المتون الموصولية بلا تكرار (٢٦٠٢)، ومن المتون المعلقة المرفوعة (١٥٩). فمجموع ذلك (٢٧٦١) .
وأن عدة أحاديث بالمكرر وربما فيه من التعليقات والمتابعات واختلاف الروايات (٩٠٨٢). وهذا!
غير ما فيه من الموقوف على الصحابة وأقوال التابعين . أنظر المقدمة (ص ٤٧٨،٤٧٠ طبعة بولاق).
(٢) قال العراقي: وهو بالمكرر يزيد على عدة كتاب البخاري: لكثرة طرقه. قال :
وقد رأيت عن أبي الفضل أحمد بن مسلمة أنه اثنا عشر ألف حديث أهـ .
٢٣

( الزيادات على الصحيحين )
وقد قال الحافظ أبو عبدالله بن يعقوب بن الأخْرَم(١): قلّ ما
يفوت البخاري ومسلماً من الأحاديث الصحيحة .
وقد ناقشه ابن الصَّلاح في ذلك ، فإن الحاكم قد استدرك عليهما
أحاديث كثيرة ، وإن كان في بعضها مَقَالْ، إلا أنه يَصْفُو له شيء
كثير .
( قلت ) : في هذا نظر، فإنه يُلْز مهما بإخراج أحاديث لا تلْزَمهما،
لضعف رواتها عندهما، أو لتعليلهما ذلك(٢). والله أعلم.
(١) هو شيخ الحاكم أبي عبدالله صاحب المستدرك، وللحاكم شيخ آخر في طبقة هذا
يسمى أيضا محمد بن يعقوب بن يوسف ، ويتنى بأبي العباس الاصم ، وكلاهما من شيوخ
نيسابور .
(٢) قال الحافظ ابن حجر : ووراء ذلك كله : أن يروى اسناد ملفق من رجالهما ، كماك
عن عكرمة عن ابن عباس، فسماك على شرط مسلم، وعكرمة انفرد به البخاري ، والحق أن هذا
لبس على شرط واحد منهما ، وأدق من هذا : أن يرويا عن أناس مخصوصين من غير حديث الذين
ضعفوا فيهم ، فيجيء عنهم حديث من طريق من ضعفوا فيه، برجال كلهم في الكتابين أو أحدهما،
فنسبته أنه على شرط من خرج له غلط، كأن يقال : هشيم عن الزهري ، كل من هشيم
والزهري أخرجا له ، فهو على شرطهما . فيقال : بل ليس على شرط واحد منهما : لأنهما
انما أخرجا عن هشيم من غير حديث الزهرى، فانه ضعف فيه ، لأنه كان دخل اليه فأخذ عنه
عشرين حديثا، فلقيه صاحب له وهو راجع ، فسأله رؤيتها ، وكان ثم ريح شديدة ، فذهبت
بالأوراق من يد الرجل ، فصار هشيم يحدث بما عنق منها بذعنه ، ولم يكن أتقن حفظها ،
فوهم في أشياء منها ، ضعف في الزهري بسببها ، وكذا همام ، ضعيف في ابن جريج ،
مع أن كلا منهما أخرجا له. لكن لم يخرجا له عن ابن جريج شيئا، فعلى من يعزوا الى
شرطهماأو شرط واحد منهما أن يسوق ذلك السند بنسق رواية من نسب الى شرطه ، ولو
فى موضع من كتابه ، وكذا قال امن صلاح في شرح مسلم : من حكم لشخص بمجرد رواية
مسلم عنه في صحيحه بأنه من شرط الصحيح فقد غفل وأخطأ . بل ذلك متوقف على النظر
فى كيفية رواية مسلم عنه، وعلى أي وجه اعتمد أ هـ تدريب ( ص ٤٠).
٢٤

وقد خُرّجَتْ كتبٌ كثيرة على الصحيحين ، يؤخذ منها زيادات
مفيدة، وأسانيدُ جيدة، كصحيح أبي عَوّانة، وأبي بكر الإسماعيلي(١)،
والبُرقاني، وأبي نعيم الأصبهاني، وغيرهم. وكُتُب أخَر التزم
أصحابُها صحتها ، كابن خُزيمة، وابن حبان البُسْشِي ، وهما خير
من المستدرك بكثير ، وأنظفُ أسانيدَ ومتوناً .
وكذلك يوجد في مسند الإمام أحمد من الأسانيد والمتون شيء كثير
مما يوازي كثيراً من أحاديث مسلم ، بل والبخاري أيضاً ، وليستْ
عندهما ، ولا عند أحدهما ، بل ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب
الأربعة ، وهم: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه(٢).
وكذلك يوجد في مُعْجَمَيِ الطبراني الكبير والأوسط ، ومسندَيْ
أبي يَعْلَى والبزَّار ، وغير ذلك من المسانيد والمعاجم والفوائد والأجزاء :
(١) وموضوع المستخرج - كما قال العراقي: أن يأتي المصنف الى الكتاب فيخرج أحاديثه
بأسانيد لنفسه ، من غير طريق صاحب الكتاب ، فيجمع معه في شيخه أو من فوقه . قال شيخ
الاسلام - يعني الحافظ ابن حجر -: وشرطه : أن لا يصل الى شيخ أبعد ، حتى يفقد سند!
يوصله الى الأقرب ، الا لعذر، من علو أو زيادة مهمة - الى أن قال : وربما أسقط المستخرج
أحاديث لم يجد له بها سندا يرتضيه، وربما ذكرهما من طريق صاحب الكتاب أهـ تدريب (ص٢٣).
(٢) هذا الكلام جيد محقق، فان المسند) للامام أحمد بن حنبل، هو عندنا أعظم دواوين
السنة ، وفيه أحاديث صحاح كثيرة لم تخرج فى الكتب الستة ، كما قال الحافظ ابن كثير .
وهو مطبوع بمصر في ستة مجلدات كبار، تم طبعه سنة ٣١٣ ! .
وقد شرعت في طبعد طبعة علمية محققة ، مبينا درجة كل حديث من الصحة وغيرها ،
مع التخريج بتقدر الاستطاعة ، ثم ألحق به فى آخره - ان شاء الله - فهارس علمية منظمة،
كما بينت ذلك في مقدمته
وأخرجت من هذه الطبعة ٩ مجلدات الى الآن . وسيكون الكتاب في أكثر من ٣٠
مجلدا . أن شاء الله .
وجعلت في بآخر كل جزء فهرسا مؤقتا فيه نوع من التفصيل .
وقد أثبت في ختام الأجزاء احصاء الأحاديث كل جزء . فيه بيان عدد الصحيح بما يدخل
فيه الحسن أيضا، وعدد الضعيف . والحسن قليل نادر .
٢٥

ما يتمكن المتبحر في هذا الشأن من الحكم بصحة كثير منه ، بعدَ النظر
في حال رجاله ، وسلامته من التعليل المفسد (١). ويجوز له الإقدام على
ذلك، وإن لم يَخُصَّ على صحته حافظٌ قبله ، موافقة للشيخ أبي زكريا
يحيى النووي ، وخلافاً للشيخ أبي عمرو (٢).
وهذه الأجزاء التسعة استوعبت المجلد الأول وأقل من ثلث المجلد الثاني من الطبعة
القديمة . وكان مجموع ما فيها من الأحاديث بالاحصاء الدقيق ٦٥١١ حديثا ، الصحيح منها
٥٧٣٣ حديثا، والضعيف ٧٧٨ حديثنا. أي نسبة الضعيف فيها الى مجموع الأحاديث أقل
من ١٢ بالمئة وهي نسبة ضئيلة محتملة . خصوصا اذا لاحظنا أن اكثر ضعف الضعيف منها
ضعف محتمل غير بالغ الدرجة القصوى من الضعف ، الا في القليل النادر الذي لا يكاد يذكر.
فهذا البرهان العملي على الطريقة العلمية الصحيحة ، مصداق لما قال الحافظ ابن
كثير ، وقد كان أعلم الناس بالمسند ، وأجودهم له اتقانا ، رحمه الله .
(١) جمع الحافظ الهيثمي (المتوفى سنة ٨٠٧) زوائد سنة كنب . وهي مسند أحمد
وأبي يعلى والدرار ومعاجم الطبراني الثلاثة: الكبير والأوسط والصغير - على الكتب
المستة ، أي ما رواه هؤلاء الأئمة الأربعة في كتبهم زائدا على ما في الكتب الستة المعروفة ،
وهي الصحيحان والسنن الأربعة . فكان كتابا حافلا نافعا ، سماه ( مجمع الزوائد ) ، وقد
طبع بمصر سنة ١٣٥٢ هـ في ١٠ مجلدات كبار. وتكلم فيه على استاد كل حديث، مع نسبته
الى من رواه منهم . والمتتبع له يجد أن الصحيح منها كثير، يزيد على الصنف، وأن أكثر
الصحيح ، هو ما رواه الإمام أحمد في مسنده .
(٢) ذهب ابن الصلاح الى أنه قد تعذر في هذه الأعصار الاستقلال بادراك الصحيح
بمجرد اعتبار الأسانيد ، ومنع - بناء على هذا - من الجزم بصحة حديث لم نجده فى أحد
الصحيحين ولا منصوصا على صحته في شيء من مصنفات أئمة الحديث المعتمدة المشهورة .
وبنى على قوله هذا: أن ما صححه الحاكم من الأحاديث ، ولم نجد فيه لغيره من المعتمدين
تصحيحا ولا تضعيفا : حكمنا بأنه حن ، الا أن يظهر فيه علة توجب ضعفه . وقد رد للعراقي
وغيره قول ابن الصلاح هذا ، وأجازوا لمن تمكن وقويت معرفته أن يحكم بالصحة أو بالضعف
على الحديث ، بعد الفحص عن اسناده وعلله ، وهو الصواب . والذي أراه : أن ابن
الصلاح ذهب الى ما ذهب اليه بناء على القول بمنع الاجتهاد بعد الأئمة ، فكما حظروا الاجتهاد
في الفقه أراد ابن الصلاح أن يمنع الاجتهاد في الحديث . وهيهات ! فالقول بمنع الاجتهاد
قول باطل ، لا برهان عليه من كتاب ولا سنة ، ولا تجد له شبه دليل .
٢٦

وقد جمع الشيخ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي في ذلك كتاباً
سماه ( المختارة ) ولم يتمَّ، كان بعضُ الحفّاظ من مشايخنا (١) يرجحه على
مستدرك الحاكم . والله أعلم .
وقد تكلم الشيخ أبو عمرو بن الصلاح على الحاكم في مستدركه فقال:
وهو واسع الخَطْو في شرح الصحيح ، متساهل بالقضاء به ، فالأولى أن
يُتوسط في أمره ، فما لم تجد فيه تصحيحاً لغيره من الأئمة ، فإن لم يكن
صحيحاً، فهو حسن يُحتج به ، إلا أن تظهر فيه علةٌ توجب ضعفه (٢).
( قلت ) : في هذا الكتاب أنواع من الحديث كثيرة ، فيه الصحيح
المستدرك ، وهو قليل ، وفيه صحيح قد خرَّجه البخاري ومسلم أو أحدهما
لم يعلم به الحاكم . وفيه الحسن والضعيف والموضوع أيضاً. وقد اختصر:
شيخنا أبو عبد الله الذَّهَبي، وبين هذا كله ، وجمع فيه جزءاً كبيراً مما
وقع فيه من الموضوعات وذلك يقارب مائةَ حديث . والله أعلم (٣).
(١) كأنه يعني شيخه الحافظ ابن تيمية رحمه الله. وقال السيوطي في اللآلىء: ذكر
الزركشي في تخريج الرافعي : أن تصحيحه أعلى مزية من تصحيح الترمذي وابن حبان .
(٢) ونقل الحافظ العراقي عن بدر الدين بن جماعة قال: يتتبع ويحكم عليه بما يلبق
بحاله ، من الحسن أو الصحة أو الضعف ، وهذا هو الصواب .
(٣) اختلفوا في تصحيح الحاكم الأحاديث في المستدرك : فبالغ بعضهم ، فزعم أنه لم
ير فيه حديثا على شرط الشيخين: وهذا - كما قال الذهبي - اسراف وغلو. وبعضهم أعتمد
تصحيحه مطلقا ، وهو تساهل . والحق ما قاله الحافظ ابن حجر : انما وقع للحاكم التساهل
لأنه سود الكتاب ليناقحه ، فأعجلته المنية ، وقد وجدت قريب نصف الجزء الثاني من تجزئة
ستة من المستدرك: الى هنا انتهى املاء الحاكم. قال: ((وما عدا ذلك من الكتاب لا يؤخذ
منه الا بطريق الاجازة ، والتساهل في القدر الملى قليل جدا بالنسبة الى ما بعده)).
وقد اختصر الحافظ الذهبي مستدرك الحاكم ، وتعقبه فى حكمه على الأحاديث فوافقه وخالفه.
وله أيضا أغلاط، ( وقد طبع الكتابان في حيدر آباد). والمتتبع لهما بانصاف وروية يجد
أن ما قاله ابن حجر صحيح، وأن الحاكم لم ينقح كتابه قبل إخراجه.
٢٧

( موطأ مالك )
( تنبيه): قولُ الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله: ((لا
أعلم كتاباً في العلم أكثر صواباً من كتاب مالك)) ، إنما قاله قبل البخاري
ومسلم . وقد كانتْ كتب كثيرة مصنفةٌ في ذلك الوقت في السنن ، لابن
جُرَيْج، وابن إسحق - غير السيرة - لأبي قُرَّة موسى بن طارق الزبيدي
ومصنف عبد الرزاق بن همام ، وغير ذلك .
وكان كتابُ مالك، وهو ( الموطأ ) ، أجلها وأعظمها نفعاً ، وإن
كان بعضُها أكبر حجماً منه وأكثر أحاديث(١) . وقد طلب المنصور من
الإمام مالك أن يَجْمَعَ الناسَ على كتابه، فلم يُجِبْهُ إلى ذلك . وذلك
من تمام علمه واتصافه بالإنصاف ، وقال: (( إن الناس قد جمعوا واطلعوا
على أشياءَ لم نطلع عليها )) .
وقد اعتَنى الناسُ بكتابه ( الموطأ )، وعلّقوا عليه كُتُباً جمةً .
ومن أجود ذلك كتابا ( التمهيد )، ( والإستذكار ) . للشيخ أبي عمر بن
عبد البرّ النّمري القرطبي رحمه الله . هذا مع ما فيه من الأحاديث
المتصلة الصحيحة والمرسلة والمنقطعة ، والبلاغات اللاتي لا تكاد توجد
مسندةً إلا على نُدور .
(١) قال السيوطي في شرح الموطأ (ص ٨): ((الصواب اطلاق أن الموطأ صحيح ، لا
يستثنى منه شيء)). وهذا غير صواب، والحق. أن ما في (الموطأ) من الأحاديث الموصولة
المرفوعة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم صحاح كلها، بل هي في الصحة كأحاديث الصحيحين،
وأن ما فيه من المراسيل والبلاغات وغيرها يعتبر فيها ما يعتبر في أمثالها ، مما تحويه الكتب
الأخرى. وانما لم يعد في الكتب الصحاح لكثرتها وكثرة الآراء الفقهية لمالك وغيره . ثم ان
(الموطأ) رواه عن مالك كثير من الأئمة ، وأكبر رواياته - فيما قالوه ـ وواية التعنبي ، والذي
في أيدينا منه رواية يحيى الليثي . وهي المشهورة الآن ، ورواية محمد بن الحسن صاحب
أبي حنيفة ، وهي مطبوعة في الهند .
٢٨

إطلاق إسم ((الصحيح)) على الترمذي النسائي
وكان الحاكم أبو عبدالله والخطيب البغدادي يسميان كتاب الترمذي :
((الجامع الصحيح)). وهذا تساهل منهما. فإن فيه أحاديث كثيرة منكرة .
وقول الحافظ أبي علي بن السكن ، وكذا الخطيب البغدادي في كتاب
السين للنسائي : إنه صحيح ، فيه نظر . وإن له شرطاً في الرجال أشدَّ من
شرط مُسْلِمٍ غير مُسَلّمٍ . فإن فيه رجالاً مجهولين: إما عيناً أو حالاً ،
وفيهم المجروح ، وفيه أحاديثُ ضعيفة ومعلّلة ومنكرة ، كما نبهنا عليه
في ( الأحكام الكبير ) .
مسند الإمام أحمد
وأما قول الحافظ أبي موسى محمد بن أبي بكر المديني عن مسند الإمام
أحمد : إنه صحيح ، فقول ضعيف ، فإن فيه أحاديث ضعيفة ، بل
وموضوعة ، كأحاديث فضائل مَرْو، وعَسْقَلان، والبِرْثِ الأحمر
عند حمص(١)، وغير ذلك ، كما قد نبه عليه طائفة من الحفّاظ.
(١) قال العراقي في شرحه كتاب ابن الصلاح (ص ٤٢ - ٤٣): وأما وجود الضعيف فيه
- يعني مسند أحمد - فهو محقق ، بل فيه أحاديث موضوعة . وقد جمعتها في جزء . وقد
ضعف الإمام أحمد نفسه أحاديث فيه . إلى أن قال: وحديث أنس ((عسقلان أحد العروسين ،
يبعث منها يوم القيامة سبعون ألفا لا حساب عليهم)) - قال: ومما فيه أيضا من المناكير حديث
بريدة: ((كونوا في بعث خراسان ثم انزلوا مدينة مرو، فانه بناها ذو القرنين)) الخ ،
وللحافظ ابن حجر رسالة سماها: القول المسدد في الذب عن مسند الامام أحمد ) ، رد فيها
قول من قال: فى المسند موضوعات. وللشيخ ابن تيمية كلام حسن في ذلك ذكره في
( التوسل والوسينة)، محصله : أن كان المراد بالموضوع ما في سنده كذاب فليس في
المسند من ذلك شيء، وإن كان المراد ما لم يقله النبي صلى الله عليه وسلم. لغلط راويه
وسوء حفظه. ففي المند والسنن من ذلك كثير . وقال ابن الأثير في النهاية في مادة
(برت)) وفيه: ((. يبعث الله منها سبعين ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب، فيما بين البرث
الأحمر وبين كذا : البرن: الأرضى اللينة ، وجمعها مرات ، يريد بها أرضا قريبة من حمص
فتل بها جماعة من الشهداء والصالحين» .
٢٩

ثم إن الإمام أحمد قد فاته في كتابه هذا -- مع أنه لا يوازيه مسندٌ في
كثرته وحسن سياقته - أحاديثُ كثيرة جداً (١)، بل قد قيل إنه لم يقع له
جماعة من الصحابة الذين في الصحيحين قريباً من مائتين (٢).
١١) مقاله: حديث عائشة في قصة أم زرع، فقد ذكر الحافظ العراقي (من ٤٢):
أنه في الصحيح وليس في مسند أحمد .
(٢) في هذا غلو شديد . بل نرى أن الذي فات المسند من الأحاديث شيء قابل .
وأكثر ما يفوته من حديث صحابي معين يكون مرويا عنده معناد من حديث صحابي آخر. فلو
أن قائلا قال: ان المسند قد جمع الستة وأوفى، بهذا المعنى ، لم يبعد عن الصواب والواقع.
والامام أحمد هو الذي يقول لابنه عبدالله راوي المسند عنه: ((احتفظ بهذا المسند فانه
سيكون للناس اماما)). وهو الذي يقول أيضا: ((هذا الكتاب جمعته والنتقيته من كثر من
سبعمائة ألف حديث وخمسين ألفا ، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله صلى
الله عليه وسلم فارجعوا اليه، فإن وجدتموه فيه، والا فليس بحجة)). قال الحافظ الذهبي: ((هذا !!
.القول منه على غالب الأمر، والا فلنا أحاديث قوية في الصحيحين والسنن والاجزاء، ما هي
في المسند )» .
انظر ما كتبناه فيهما مضى : ص ٢٧ - ٢٨ في الهامشة رقم ٤٢. وانظر مقدمات
المسند بشرحنا : (ج ١ ص ٢١ - ٢٢، وص ٣٠ - ٣٢، وص ٥٦ - ٥٧ ١ ٠
٣٠

( الكتب الخمسة وغيرها )
وهكذا قول الحافظ أبي طاهر السُّلَفِّ (١) في الأصول الخمسة.
يعني البخاري ومسلماً وسنن أبي داود والترمذي والنسائي : إنه اتفق على
صحتها علماء المشرق والمغرب : تساهل منه . وقد أذكره ابن الصلاح
وغيره (٢) . قال ابن الصلاح: وهي مع ذلك أعلى رتبة من كتب المسانيد
كمسند عَبْد بن حُميد، والدرامي ، وأحمد بن حنبل، وأبي يَعْلَى
والبزَّاز ، وأبي داود الطيالسي ، والحسن بن سفيان ، وإسحق بن رَاهَويهِ
وعُبيد الله بن موسى ، وغيرهم . لأنهم يذكرون عن كل صحابي ما يقع
لهم من حديثه .
( التعليقات التي في الصحيحين )
وتكلم الشيخ أبو عمرو على التعليقات الواقعة في صحيح البخاري ،
وفي مسلم أيضاً ، لكنها قليلة (٣)، قيل: إنها أربعة عشر موضعاً.
(١) ((السلفي)) بكسر السين المهملة وفتح اللام، نسبة الى ((سلفة)) لقب لأحد أجداده.
وهو أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد . أحد الحفاظ الكبار . قصده الناس من البلاد
البعيدة ليأخذوا عنه مات ٥٧٦ هـ ، وقد جاوز المائة بنحو ست سنين . له ترجمة جيدة
فى تذكرة الحفاظ : ( ٤ : ٩٠ - ٩٥ ) .
(٢) أجاب العراقي : بأن السلفى انما قال بصحة أصولها ، كما ذكره في مقدمة الخطابي.
اذ قال : وكتاب أبي داود فهو أحد الكتب الخمسة التي اعتمد أهل الحل والعقد من الفقهاء
وحفاظ الحديث الأعلام النبهاء على قبولها والحكم بصحة أصولها أهـ . قال العراقي : ولا
يلزم من كون الشيء له أصل صحيح أن يكون صحيحا . أنظر شرح العراقي ( ص ٤٧ ).
: ٣) يعني التي في مسلم. بخلاف التي في البخاري، فهي كثيرة، حتى كتب الحافظ
ابن حجر في تخريجها كتابا سماه: تغليق التعليق )، ولخصه في مقدمة فتح الباري في
٥٦ صفحة كبيرة ، انظر المقدمة : ص ١٤ - ٧١ طبعة بولاق ) .
وأما معثقات مسلم فقد سردها الحافظ العراقي في شرحه لكتاب ابن الصلاح ( ص ٢٠
- ٢١ طبعة حلب سنة ١٣٥٠)، فراجعها أن شئت .
٣١

وحاصل الأمر : أن ما عَلّقه البخاري بصيغة الجَزْم فصحيح إلى من
عَلّفه عنه ، ثم النظر فيما بعد ذلك. وما كان منها بصيغة التمريض (١) فلا
يستفاد منها صحة ، ولا تُنافسها أيضاً ، لأنه قد وقع من ذلك كذلك وهو
صحيح ، وربما رواه مسلم .
وما كان من التعليقات صحيحاً فليس من نمط الصحيح المسند فيه ،
لأنه قد وَسَم كتابه ( بالجامع المسند الصحيح المختصَر في أمور رسول الله
صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه ) .
فأما إذا قال البخاري ((قال لنا))، أو ((قال لي فلان كذا)، أو
((زادني)) ونحو ذلك ، فهو متصل عند الأكثر .
وحكى ابن الصلاح عن بعض المغاربة أنه تعليق أيضاً ، يذكره
للإستشهاد لا للإعتماد . ويكون قد سمعه في المذاكرة .
وقد رده ابن الصلاح ، فإن الحافظ أبا جعفر بن حمدان قال : إذا
قال البخاري ((وقال لي فلان)) فهو مما سمعه عَرْضاً ومناولةً".
وأنكر ابن الصلاح على ابن حزم ردَّه حديثَ الملاهي (٢) حيث قال
فيه البخاري: ((وقال هشام بن عمّار))، وقال : أخطأ ابن حزم من وجوه
فإنه ثابت من حديث هشام بن عمّار .
(١) صيغة الجزم ((قال: وروى، وجاء، وعن) وصيغة التمريض نحو ("قيل ، وروى
عن ، ويروى، ويذكر)) ونحوها .
(٢) حديث الملاهي: هو حديث عبد الرحمن بن غنم الأشعري عن أبي عامر أو أبي مالك
الأشعري مرفوعا: ((ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف)).
(الحر» ، بكسر الحاء المجملة وتخفيف الراء : هو الفرج . والمراد استحلال الزنا . وهذه
الرواية الصحيحة في جميع نخ البخاري وغيره. ورراه بعض الناقلين ((الخز)) بالخاء
والزاي المعجمتين ، وهو تصحيف ، كما قال الحافظ أبو بكر بن العربي ، أنظر فتح الباري
( ج ١٠ ص ٤٥ - ٤٩ طبع بولاق ) ، وقد أطال في شح الحديث ، وفي الكلام على تعليق
البخاري اياه .
٣٢

( قلت ) : وقد رواه أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه ، وخرَّجه
البرقاني في صحيحه . وغير واحد ، مسنداً متصلاً إلى هشام بن عمّار
وشيخه أيضاً. كما بيناه في كتاب ( الأحكام) ولله الحمد .
ثم حكى أن الأمة تلقّتْ هذين الكتابين بالقبول. سوى أحرف
يسيرة. انتقدها بعض الحفاظ. كالدار قُطْنى وغيره (١). ثم استنبط
من ذلك القَطْعَ بصحة ما فيهما من الأحاديث. لأن الأمة معصومة عن
الخطأ . فما ظَلَتْ صحتَه ووجب عليها العمل به. لا بُدَّ وأر يكون
صحيحاً في نفس الأمر . وهذا جيِّد .
وقد خالف في هذه المسئلة الشيخُّ محي الدين النووي وقال : لا يستفاد
القطعُ بالصحة من ذلك .
(قلت): وأنا مع ابن الصلاح فيما عَوَّل عليه وأرشد إليه. والله أعلم (٢).
(١) الحق الذي لا مرية فيه عند أهل العلم بالحديث من المحققين، وممن الهتدى بها بهم
وتبعهم على بصيرة من الأمر -: إن أحاديث الصحيحين صحيحة كلها، ليس في واحد منها
مطعن أو ضعف ، وإنما أفقه الدار قطنى وغيره من الحفاظ بعض الأحاديث ، على معنى أن
ما انتقدود لم يبلغ في الصحة الدرجة العليا التي النزمها كل واحد منهما في كتابه ، وأما
صحة الحديث فى نفسه ذلك يخالف أحد قبها . فلا بهوانك ارجاف المرجفين . وزعم الزاعمين
أن فى الصحيحين أحاديث غير صحيحة . وتتبع الأحاديث التي تكلموا فيها، وانقدها على
القواعد الدقيقة التي سار عليها المة أهل العلم ، وأحكم عن بينة والله الهادي الى سواء
السبيل .
٢٠) اختلفوا في الحديث الصحيح : هل وجب العلم القطعى اليقيني ، أو الظن؟ وهي
مسئلة دقيقة تحتاج الى تحقيق :
أما الحديث المتوافر لفظًا أو معنى فائه قطعى الثبوت. لا خلاف في هذا" بين أها العلم.
وأما غيره من الصحيح ، فذهب بعضهم الى انه لا يفيد القطع، بل هو ظنى الثبوت، وهو
الذى رجحه التردي في التقريب . وذهب غيرهم الى انه يفيد العلم اليقبني . وهو مذهب داود
الظاهرى ، واالحسين بن على الكرابي ، والحارث بن أسد المحاسبى ، وحكاه ابن خويز منداد
عن مالك. وهو الذى اختاره وذهب اليه ابن حزم، قال فى الأحكام : ((ان خبر الواحد
العدل عن مله الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجب العلم والعمل معا)». ثم اطال
فى الاحتجاج له والرد على مخالفيه، في بحث نفيس ١ ج ١ ص ١١٩ - ١٣٧) .
٣٣
الباعث الحثيث - ٣

((خاشية)) ثم وقفتُ بعد هذا على كلامٍ لشيخنا العلامة ابن تَيْمِية
مضمونة : أنه نقِلَ القطعُ بالحديث الذي تلقته الأمة بالقبول عن جماعات
من الأئمة : منهم القاضي عبدالوهاب المالكي، والشيخ أبو حامد الاسفرائيني
القاضي أبو الطيب الطبري ، والشيخ أبو إسحق الشيرازي من الشافعية ،
وابن حامد ، وأبو يعلى بن الفراء، وأبو الخطاب، وابن الزَّاغُوني ،
وأمثالهم من الحنابلة، وشمس الأئمة السرخسي من الحنفية: قال: ((وهو
قول أكثر أهل الكلام من الأشعرية وغيرهم : كأبي إسحق الاسفرائيني
وابن فُورَك قال: وهو مذهب أهل الحديث قاطبةً ومذهبُ السلف عامةً).
وهو معنى ما ذكره ابن الصلاح استنباطاً . فوافق فيه هؤلاء الأئمة .
واختار ابن الصلاح ان ما أخرجه الشيخان - البخاري ومسلم - في صحيحيهما او رواه
أحدهما : مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع به . واستثنى من ذلك أحاديث قليلة
تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ، كالدار قطني وغيره. وهي معروفة عند أهل هذا الشأن.
هكذا قال فى كتابه ( علوم الحديث ) ونقل مثله العراقى في شرحه على ابن الصلاح عن
الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي وأبي نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن يوسف،
منقله البلقيني عن أبي اسحق وأبي حامد الاسفرائينبين والقاضي أبي الطيب والشيخ أبي
اسحق الشيرازي من الشافعية . وعن السرخسى من الحنفية، وعن القاضي عبد الوهاب
من المالكية، وعن أبى يعلى وأبي الخطاب وابن الزغوباني من الحنابلة. وعن أكثر أهل الكلام من
الأشعرية . وعن أهل الحديث قاطبة، وهو الذي اختاره الحافظ ابن حجر والمؤلف .
والحق الذي ترجحه الأدلة الصحيحة ما ذهب اليه ابن حزم ومن قال بقوله، من أن
الحديث الصحيح بقد العلم القطب ، سواء أكان في أحد الصحيحين أم فى غيرهما. وهذا
العلم البقيني علم نظري برهانى ، لا تحصل الا للعالم المتبحر فى الحديث . العارف بأحوال
الرواة ولالطال. وأكاد أوقن أنه هو مذهب من نقل عنهم البلقيني ممن سبق ذكرهم، وأنهم
لم يريدوا بقولهم ما أراد ابن الصلاح من تخصيص أحاديث الحيحين بذلك .
وهذا العام اليقينى النظرى يبدو ظاهرا لكل من تبحر في علم من العلوم ، وتيقنت نفسه
بنظر هاته . واطمأن قلبه اليها . ودع عنك تفريق المتكلمين في اصلاحاتهم بين العلم والظر ،
فانما ب بدون بهما معنى آخر غير ما نريد . ومنه زعم الزاعمين أن الايمان لا يزيد ولا ينقص ،
انكارا لما يشعر به كل واحد من الناس من اليقين بالشيء ثم ازدياد هذا اليقين . (قال :
أولم تؤمن؟ قال : بلى ، ولكن ليطمئن قلبي )، وانما الهدى هدى الله .
٣٤

النوع الثاني
الحسن :
وهو في الإحتجاج به كالصحيح عند الجمهور .
وهذا النوع لمّا كانَ وَسطاً بين الصحيح والضعيف في نظر الناظر،
لا في نفس الأمر، عَسُر التعبير عنه وضبطُه على كثير من أهل هذه
الصناعة . وذلك لأنه أمر نسبي ، شيء يَشْتَدح عند الحافظ، ربما تَقْصر
عبارته عنه.
وقد نجَشّم كثيرٌ منهم حدَّه. فقال الخطّابِي: هو ما عُرفَ
مَخْرَجه واشتهر رجالهُ، قال : وعليه مدار أكثر الحديث ، وهو الذي
يقبلُه أكثرُ العلماء ، ويستعمله عامّةُ الفقهاء.
((قلت)): فإن كان الْمُعَرَّفُ هو قوله ((ما عُرف مخرجه واشتهرَ
رجالُه ، فالحديث الصحيح كذلك ، بل والضعيف . وإن كان بقيةُ
الكلام من تمام الحد ، فليس هذا الذي ذكره مسلماً له : أن أكثر الحديث
من قبيل الحِسَان، ولا هو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعملهُ عامة
الفقهاء .
( تعريف الترمذي للحديث الحسن )
قال ابن الصلاح : ورُوِّينا عن الترمذي أنه يريد بالحسن: أن لا يكون
في إسناده من يتّهم بالكذب ، ولا يكون حديثاً شاذاً، ويُرْوى من
غير وجه نحو ذلك .
٣٥

وهذا إذا كان قد رُوي عن الترمذي أنه قاله فيفي أي كتابٍ له قاله ؟
وأين إسناده عنه ؟(١) وإن كان فُهِمَ من اصطلاحه في كتابه ((الجامع))
فليس ذلك بصحيح ، فإنه يقول في كثير من الأحاديث : هذا حديث
حسن غريب . لا نعرفه إلا من هذا الوجه .
:١) قوله ((ففي أي كتاب قاله)) الخ، رده العراقي في شرحه ١ ص ٣١ - ٣٢) فقال :
(( وهذا الانكار عجيب، فانه في آخر العلل التي في "خر الجامع، وهي داخلة في سماعنا
وسماء المنكر لذلك وسماع الناس)).
ثم ذكر اتصالها للناس من طريق عبد الجبار بن محمد الجراحي عن أبي العباس المحبوبي
صاحب الترمذي ، وأنها لم تقع لكثير من المغاربة الذين اتصلت البهم رواية المبارك بن عبد
الجبار الصبرفي ، وليست في روايته ، عن أبي يعلى أحمد بن عبد الواحد ، وليست في
روايته ، عن أبي علي السنجي، وليست في روايته، عن أبى العباس المحوبي صاحب الترمذي.
قال : ((ثم اتصلت : يعني رواية عبد الجبار به محمد الجرحى التي فيها العلل) عنه بالسماع
إلى زماننا ، بمصر والشام وغيرهما من البلاد الاسلامية ".
أقول: وكلام الترمذي ثابت في سننه المطبوعة ١ ج ٢ ص ٦٤٠ طبعة بولاق) ونصه :
((وذكرنا في هذا الكتاب حديث حسن - : فانما أردنا به حسن اسناده عندنا . كل حديث
تروى لا يكون في اسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذا، ويروى من غير وجه نحو
ذلك _ : فهو عندنا حديث حسن)» . وقال العراقي بعد نقل عبارة الترمذي : ٠ خصد المرمدي
تفسير الحسن بما ذكره في كتابه الجامع ، فلذلك قال أبو الفتح العمري في شرح الترمذي :
انه لو قال قائل : أن هذا أنما اصطلح عليه الترمذي في كتابه هذا ، ولم يقله اصطلاحا
عاما - : كارله ذلك . فعنى هذا لا مفر من الرمدي حد الحديث الحسن بذلك مطلقا في
الاصطلاح العام )» .
٢٦

( تعريفات أخرى للحسن )
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله: وقال بعض المتأخرين(١):
الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل . هو الحديث الحسن . ويصلح
للعمل به .
ثم قال الشيخ : وكل هذا مستبهم لا يشفي الغليل ، وليس فيما ذكره
الترمذي والخطابي ما يفصل الحسن عن الصحيح . وقد أمعنت النظر في
ذلك والبحث ، فتنقح لي واتضح أن الحديث الحسن قسمانٍ :
( أحدهما ) : الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستورٍ لم
تَتَحقّقْ أهليتُه، غير أنه ليس مغفّلاً كثيرَ الخطأ، ولا هو متهم بالكذب
ويكون مَتْنُ الحديث قد رُوى مثله أو نحوهُ من وجه آخر ، فيخرج (٢)
بذلك عن كونه شاذاً أو منكَراً (٣). ثم قال: وكلام الترمذي على هذا
القسم يُتَنزَّل .
( قلت ): لا يمكن تنزيله لما ذكرناه عنه. والله أعلم (٤).
(١) قال العراقي: في شرحه: ((أراد المصنف ببعض المتأخرين أبا الفرج بن الجوزي
فانه قال هكذا في كتابيه : الموضوعات ، والعلل المتناهية .
قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في الاقتراح : أن هذا ليس مضبوطا بضابط تميز
به القدر المحتمل من غيره. قال: واذا الضطرب هذا الوصف لم يحصل التعريف المميز للحقيقة)).
(٢) فى الأصل ((يخرج)) وصححناه من ابن الصلاح.
:٣) أوردوا على القسم الأول : المنقطع والمرسل الذي في رجاله مستور وبروى مثله أو
نحوه من وجه آخر . وأوردوا على الثاني المرسل الذي اشتهر رواته بما ذكره . ويندفع ذلك
باشتراط الاتصال مع ما تقدم . أفاده العراقي في شرحه .
وأفاد بعض العلماء : أن الحسن أعم من الصحيح لا قسيم له . وهو ما كان من
الأحاديث الصالحة العمل ، فيجامع الصحيح ، ولا يباينه . وعلى هذا فلا اشكال في قول
التملى : حسن صحيح : أو صحيح غريب .
(٤) الذي يبدو لى فى الجواب عن هذا: ان الترمذي لا يريد بقوله في بيان معنى الحسن
((ويروي من غير وجه لحد ذاك)» أن نفس الحديث عن الصحابي يروى ، طق أخرى،
لأنه لا يكون حينئذ غر ماء وائها سداد لا كون معناه غرنا : بأن يروى المعنى عن صحابى
آخر ، أو لستضد العمومات أحاديث اخر . أو نحو ذلك، مما يخرج به معناه عن أن كون شاذا
غربا . فتأمل .
٣٧

قال : ( القسم الثاني ) : أن يكون راويه من المشهورين بالصدق
والأمانة. ولم يبلغَ درجةَ رجال الصحيح في الحفظ والإتفان ، ولا يُعَد
ما ينفرد به منكراً ولا يكون المتن شاذاً ولا معالاً. قال : وعلى هذا
يتنزل كلام الخطابي ، قال : والذي ذكرناه يجمع بين كلاميها .
قال الشيخ أبو عمرو : لا يلزم من ورود الحديث من طرق متعددة
كحديث ((الأذنان من الرأس))(١): أن يكون حسناً، لأن الضعف يتفاوت
فمنه ما لا يزول بالمتابعات ، يعني لا يؤثر كونهُ تابعاً أو متبوعاً، كرواية
الكذابين والمتروكين، ومنه ضعفٌ يزول بالمتابعة ، كما إذا كان راويه
سيءَ الحفظ، أو رَوَى الحديثَ مرسلاً ، فإن المتابعةَ تنفع حيكذ،
ويرفع الحديث عن حضيض الضعف إلى أوْج الحسن أو الصحة . والله
(٢)
أعلم (٢) .
(١) ملخص ما قال العراقي هنا (ص ٣٧): أن حديث ((الأذتان من الرأس)) رواه ابن
حبان في صحيحه، من حديث شهر بن حوشب عن أبي أمامة مر فوعا. و((شهر)) ضعفه
الجمهور ، ورواه أبو داود في سننه موقوفا على أبي أمامة، والترمذي وقال : هذا حديث
ليس اسناده بذاك القائم . وقد روى من حديث جماعة من الصحابة ، جمعهم ابن الجوزي
في العلل المتناهية ، وضعفها كلها .
(٢) وبذلك يتبين خطأ كثير من العلماء المتأخرين، في اطلاقهم أن الحديث الضعيف اذا
حاء من طرق متعددة ضعيفة ارتقى الى درجة الحسن أو الصحيح . فانه اذا كان ضعف الحديث
لنسق الراوي أو اتهامه بالكذب ، ثم جاء من طرق أخرى من هذا النوع : ازداد نمفا الى
ضعف، لأن تفرد المتهمين بالكذب أو المجروحين في عدالتهم بحيث لا يرويه غيرهم يرفع الثقة
بحديثهم ، ويؤيد ضعف روايتهم . وهذا واضح .
٣٨

( الترمذي أصل في معرفة الحديث الحسن )
قال : وكتاب الترمذي أصل في معرفة الحديث الحسن ، وهو الذي
ذَرَّه بذكره ، ويوجد في كلام غيره من مشايخه ، كأحمد والبخاري(١).
وكذا من بعده كالدارقطنى .
( أبو داود من مظان الحديث الحسن )
قال : ومن مظانه : سنن أبي داود ، رُوِّينا عنه أنه قال : ذكرتُ
الصحيحَ وما يشبهه ويقاربُه، وما كان فيه وَهْنٌ شديد بَيّنْتُه، وما لم
أذكر فيه شيئاً فهو صالح، وبعضُها أصحّ من بعض . قال: ورُوي عنه
أنه يَذْكر في كل باب أصحَّ ما عرفه فيه .
( قلت ): ويُروى عنه أنه قال: وما سكت عنه فهو حسنُ.
قال ابن الصلاح : فما وجدناه في كتابه مذكوراً مطلقاً وليس في
واحد من الصحيحين ، ولا نَصَّ على صحته أحد ، فهو حسن عند
أبي داود .
( قلت ) الرواياتُ عن أبي داود بكتابه ( السنن ) كثيرة جداً ، ويوجد
في بعضها من الكلام ، بل والأحاديث ، ما ليس في الأخرى . ولأبي عُبيد
الآجُرِّي عنه أسئلة في الجرح والتعديل ، والتصحيح والتعليل ، كتاب
مفيد . ومن ذلك أحاديثُ ورجالٌ قد ذكرها في سننه. فقوله وما سَكَتَ
عليه فهو حسن - : ما سكت عليه في سننه فقط ؟ أو مطلقاً ؟ هذا مما ينبغي
التنبيه عليه(٦) والتيقظ له .
(١) تعبير المؤلف هنا يوهم أن الترمذي من تلاميذ أحمد بن حنبل. وليس كذلك، فانه
لم يلق أحمد ولم يرو عنه، وإن كان من طبقة تلاميذ أحمد الكبار ، كالبخاري، وروى عن
شيوخ من طبقة أحمد أيضا. وعبارة ابن الصلاح هنا أجود، اذ قال: (( ويوجد في متفرقات
من كلام بعض مشايخه والطبقة التي قبله، كأحمد والبخاري وغيرهما)).
(٢) قال العراقي (ص ٤٠ - ٤١): ((وهو كلام عجيب! وكيف يحسن هذا الاستفسار
بعد قول ابن الصلاح : أن مظان الحسن سنن لالحسن أبي داود ؟ فكيف يحتمل حمل كلامه
٣٩

( كتاب المصايح للبغوي )
قال : وما يذكره البغوي في كتابه ( المصابيح ) . من أن الصحيح ما
أخرجاه أو أحدهما ، وأن الحسّن ما رواه أبو داود والترمذي وأشباتهما:
فهو اصطلاح خاص. لا يُعرف إلاَّ له . وقد أنكر عليه النووي ذلك :
لما في بعضها من الأحاديث المنكرة(١).
على الاطلاق في السنن وغيرها ؟ وكذلك لفظ أبي داود صريح فيه ، فانه قال : ذكرت في
كتابي هذا الصحيح ، الى آخر كلامه. وأما قول ابن كثير : من ذلك حاد ورجال عد
ذكرها في سننه ، أن أراد به انه ضعف أحادى ورجالا في سؤالات الآجري ومخ عليها في
السنن ، فلا يلزم من ذكره لها في السؤالات بضعف أن يكون الضعف شديدا . فإنه __ كن
في سننه على الضعف الذي ليس بشديد ، كما ذكره هو، نعم ان ذكر في السؤالات أحاديث
أو رجالا بضعف شديد وسكت عليها في السنن ، فهو وارد عليه . ويحتاج حينئذ الى جواب
والله أعلم » .
أقول : الظاهر لان الحافظ العراقي لم يفهم كلام ابن كثير على وجهه الصحيح ، فان
ابن الصلاح حكم بحسن الأحاديث التي سكت عنها أبو داود ، ولعله سكت عن أحاديث في
السنن وضعفها في شيء من أقواله الأخرى ، كاجاباته للآجرى في الجرح والتعديل والتصحيح
والتعليل . فلا يصح اذن ان يكون ما سكت عنه في السنن وضعفه فى موضع آخر من كلامه - :
حسنا بل يكون عنده ضعيفا . ومع ذلك فانه بدخل في عموم كلام ابن الصلاح .
واعتراض ابن كثير صحيح واضح ، ولما لجأابن الصلاح إلى هذا . اناءا لقاعدته الي مار
عليها ، من أنه لا يجوز للمتأخرين التجاسر على الحكم بصحة حديث لم يوجد فى أحد الصحيحين
أو لم بنص أحد من أئمة الحديث على صحته. وقد رددنا عليه فيما مضى الحاشية رقم ٢ ص٢٨).
((١) البغوي: هو الحافظ محبى السنة أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي ،
مات سنة ٥١٦ هـ من نحو ٨٠ سنة. وله ترجمة في تذكرة الحفاظ (٤: ٥٢ ٠ ٥٣) .
● كتابه المشار اليه عما هو (مصابيح السنة). عنى العلماء بشرحه، على الرغم مما فيه من
الاصطلاح غير الجيد . الذى انكره عليه النووي وفرد .
٤٠