Indexed OCR Text
Pages 1-20
اخْصَارِ عُاور الحَدِيث لِمَاعَةِ الْكَثِير ٧٧٤٠٧٠١ تين أحمد محمد شاكر منشرات دار الكتب العلمية بيروت - لبنان الباعث الحثيث شَرْح اخْتِصَارِ عُلوم الحَدِيث لِحَافظ ابن كَثِير ٧٠١ - ٧٧٤ تأليف أحمَد مُحَمّد شَاكِر دار الكتب العلمية مميزوت لمنتس مقدمة الطبعة الأولى ◌ِسِْلَه آلرحمةِالرَّحْمِ الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، ملك يوم الدين. والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، وسيد الخلق أجمعين ، محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب ، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . وبعد : فقد تفضل أستاذنا الإمام العظيم ، المصلح الحكيم ، الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر (١)، واختارني عضواً في لجنة المناهج في علوم التفسير والحديث ، للمعاهد الدينية ، مع إخوان كرام ، من أعلام الأزهر وأساطينه ، ومع رئيس من أفذاذ العلماء الذين أنجبهم الأزهر الشريف ، وهو شيخي وأستاذي العلامة الكبير الشيخ إبراهيم الجبالي (٢). وقد قامت اللجنة بما ندبت إليه بعون الله وتوفيقه ، يحوطها رئيسها بعنايته وإرشاده ، ويعينها بعلمه وحكمته ، فوضعت المناهج لعلوم التفسير والحديث في بضعة عشر مجلساً ، في شهري جمادي الأولى وجمادي الثانية سنة ١٣٥٥ . فكان مما اختارتْه في علم مصطلح الحديث كتاب ( اختصار علوم الحديث ) تأليف الحافظ بن كثير (٧٠١ - ٧٧٤ هـ ) وقررت دراسته كله (١) توفي الاستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي مساء يوم الثلاثاء ١٣ رمضان سنة ١٣٦٤، ٢١ أغسطس ١٩٤٥، رحمه الله. (٢) توفي استاذنا العلامة الكبير الشيخ ابراهيم الجبالى ليلة الاثنين ١٧ صفر سنة ١٣٧٠، ٢٧ نوفمبر سنة ١٩٥٠ بالقاهرة ، رحمه الله . ٣ في كلية أصول الدين ، ودراسة بعض أنواعه في كلية الشريعة ، وهي الأنواع (١ - ٢٨ و٣٠ و٢١ و ٣٢ و٣٤ - ٣٦ و٣٩ و٤٠ و٦١ و ٦٢). وهو كتاب فيَذّ في موضوعه ألّفه إمام عظيم من الأئمة الثقات المتحققين بهذا الفن ، ونسخُه نادرةُ الوجود ، وكنا نسمع عنه في الكتب فقط ، ثم رآه الأخ الأستاذ العلامة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة المدرس بالحرم المكي ، حينما كان بالمدينة المنورة في سنة ١٣٤٦ هـ وكانت نسختُه موجودةً بمكتبة شيخ الإسلام أحمد عارف حكمت، تحت رقم ٥٧ مصطلح، وهي نسخة قديمة مكتوبة في طرابلس الشام سنة ٧٦٤ منقولة عن نسخة أخرى قوبلت على نسخة صحيحة معتمدة قرئت على المصنف وعايها خطه ، كما أثبت ذلك ناسخها رحمه الله، ثم رآها بعد ذلك الأخ الشيخ سليمان بن عبد الرحمن الصنيع ، من كبار أعيان مكة المكرمة ، في سنة ١٣٥٢ فأشار على صديقه الشيخ مصطفى ميرو الكتبي بنشر الكتاب ، فوافق على ذلك ، وكلفا بعض الأخوان من أهل العلم في المدينة المنورة نسخة ومقابلته على الأصل . ثم طبع في المطبعة الماجدية بمكة سنة ١٣٥٣، بتصحيح الأخ العلامة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة ، وكتب له مقدمة نفيسة وترجمة للمؤلف: وعلق عليه بعض تعليقات مفيدة . ولما وافقت اللجنة على اختيار الكتاب للدراسة ، ولم يجد الطلاب عنه نسخاً من طبعة مكة، وتعسر الوصول إليها مع تكرار الطلب: شر عليَّ بعض الأخوان أن نسعى في إعادة طبعه بمصر ، ورغبوا إليَّ أن صححه وأكتب عليه شبه شرح لأبحاثه مع تحقيق بعض المسائل الدقيقة في عـــم المصطلح. فبادرتُ إلى النزول عند إرادتهم. ووفق لنا الأخ الفخر محمود أفندي توفيق الكتبي بمصر وأجاب إلى طبع الكتاب . وقد قمت بتصحيحه والتعليق عليه كما التزمت ، بعون الله وتوفيقه. وحرصت على أكثر الحواشي التي كتبها الأخ الشيخ محمد عبدالرزاق حمزة. ورمزت إليها بحرف ( ح ) ورمزت إلى ما كتبت بحرف ( ش ) أو تركت من غير رمز إليه (١). (١) رأيت - في هذه الطبعة الثانية - أن أعدل عن هذا ، فاجعل الشرح كمه مر قسمي . وأحلف هذين الرمزين ، كما بينت ذلك في مقدمة هذه الطبعة . ١ وأحب أن أشير هنا إلى فائدة هذا العلم الذي سمي بهذا الإسم المتواضع ((مصطلح الحديث)) وأثره في العلوم الشرعية والتاريخية وغيرها من سائر الفنون التي يرجع في ثباتها إلى صحة النقل والثقة به . فإن المسلمين اشتدت عنايتهم - من عهد المصدر الأول - بحفظ أسانيد شريعتهم من الكتاب والسنة، بما لم تُعْنَ به أمة قبلهم ، فحفظوا القرآن ورووه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متواتراً، آية آية، وكلمة كلمة، وحرفاً حرفاً ، حفظاً في الصدور ، وإثباتاً بالكتابة في المصاحف ، حتى رَوَوْا أوجه نقطه بلهجات القبائل، ورووا طرق رسمه في الصحف، وألفوا في ذلك كتباً مطولة وافية . وحفظوا أيضاً عن نبيهم كل أقواله وأفعاله وأحواله ، وهو المبلغُّ عن ربه ، والمبيَّنُ لشرعه ، والمأمور بإقامة دينه . وكل أقواله وأفعاله وأحواله بيان للقرآن . وهو الرسول المعصوم ، والأسوة الحسنة . يقول الله تعالى في صفته: ( وما ينطق عن الهوى، إن هو إلاَّ وحي يُوحى) (٣:٥٣ و٤). ويقول: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزِّل إليهم ولعلهم يتفكرون ٤٤:١٦). ويقول أيضاً (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ٢١:٣٣). وكان عبدالله بن عمرو بن العاص يكتب كل شيء يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنهته قريش فذكر ذلك للرسول فقال: ((أكتب ، فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق (١)). وأمر المسلمين في حجة الوداع بالتبليغ عنه أمراً عاماً، فقال : (( وليبلَّغِ الشاهدُ الغائبَ، فإن الشاهدَ عسَى أن يُبَلغ مَنْ هو أوْعَى له منه))(٢) وقال: ((فليبلغ الشاهدُ الغائبَ، فَرُبَّ مُبلِّغْ أَوْعَى من (٣) سامعٍ)) (٣) (١) رواه أحمد في المسند ( رقم ٦٥١٠ ج ٢ ص ١٦٢) باسناد صحيح . ورواه ايضا أبو داود والحاكم وغيرهما بمعناه . (٢) رواه البخاري وغيره ( انظر فتح الباري ج ١ ص ١٤٦). (٣) رواه البخاري وغيره أيضا (أنظر الفتح ج ٢ ص ٤٥٩: ٠ ففهم المسلمون من كل هذا أنه يجب عليهم أن يحفظوا عن رسولهم كل شيء، وقد فعلوا، وأدّوا الأمانةَ على وجهها ، ورووا الأحاديث عنه ، إما متواترة باللفظ والمعنى ، وإما متواترة في المعنى فقط ، وإما مشهورة وإما بالأسانيد الصحيحة الثابتة ، مما يسمى عند العلماء ((الحديث الصحيح)) و ((الحديث الحسن)). واجتهد علماء الحديث في رواية كل ما رواه عنه الرواة ، وإن لم يكن صحيحاً عندهم . ثم اجتهدوا في التوثق من صحة كل حديث وكل حرف رواه الرواة، ونقدوا أحوالهم ورواياتهم ، واحتاطوا أشد الإحتياط في النقل ، فكانوا يحكمون بضعف الحديث لأقل شبهة في سيرة الناقل الشخصية مما يؤثر في العدالة عند أهل العلم . أمّا إذا اشتبهوا في صدقه، وعلموا أنه كذب في شيء من كلامه فقد رفضوا روايته، وسَمّوْا حديثَه (موضوعاً) أو (مكذوباً) ، وإن لم يعرف عنه الكذب في رواية الحديث ، مع علمهم بأنه قد يصدق الكذوب . وكذلك توثّقوا من حفظ كل راو وقارنوا رواياته بعضها ببعض وبروايات غيره ، فإن وجدوا منه خطأ كثيراً وحفظاً غير جيد ، ضعّقوا روايته ، وإن كان لا مطعن عليه في شخصه ولا في صدقه ، خشية أن تكون روايته مما خانه فيه الحفظ . وقد حرروا القواعد التي وضعوها لقبول الحديث ، وهي قواعد هذا الفن ، وحققوها بأقصى ما في الوسع الإنساني ، احتياطاً لدينهم . فكانت قواعدهُم التي ساروا عليها أصحّ القواعد للإثبات التاريخي وأعلاها وأدقّها وإن أعرض عنها - في هذه العصور المتأخرة - كثير من الناس، وتحامَوْها بغير علمٍ منهم ولا بينةٍ . وقلدهم فيها العلماء في أكثر الفنون النقاية ، فقلدهم علماء اللغة ، وعلماء الأدب ، وعلماء التاريخ ، وغيرهم . فاجتهدوا في رواية كل نقل في علومهم بإسناده ، كما تراه في كتب المتقدمين السابقين ، وطبّقوا قواعد هذا العلم عند إرادة الترثق من صحة النقل في أيِّ شيء يرجع فيه إلى النقل، فهذا العلم في الحقيقة أساس لكل العلوم النقلية ، وهو جدير بما وصفه به ٦ صديقي وأخي العلامة الشيخ محمد عبدالرزاق حمزة من أنه (( منطق المنقول وميزان تصحيح الأخبار )) . ومع هذا فقد ابتدع بعض المتقدمين بدعةً سيئةً ، هي عدم الإحتجاج بالأحاديث ، لأنها تسمى في اصطلاحات بعض الفنون ((ظنية الثبوت))، أي أنها لم تثبت بالتواتر الموجب للقطع في النقل ، وكان هذا تباعاً لاصطلاح لفظي لا أثر له في القيمة التاريخية لإثبات صحة الرواية ، فما كل رواية صادقةٍ يثق بها العالم المطلع المتمكن من علمه بواجب في صحتها والتصديق بها واطمئنان القلب إليها أن تكون ثابتةً ثبوت التواتر الموجب للعلم البديهي وإلا لما صحَّ لنا أن نثق بأكثر النقول في أكثر العلوم والمعارف. وكانت هذه الفئة التي تذهبُ هذا المذهبَ الرديء فئة قليلةً محصورةٌ مغمورةً ، لا أثر لقولها في شيء من العلم . ولكن نبغ في عصرنا هذا بعض النوابغ ممن اصطنعتهم أوربا وادَّخرتهم لنفسها من المسلمين ، فتبعوا شيوخَهم من المستشرقين - وهم طلائع المبشرين - وزعموا كزعمهم أن كل الأحاديث لا صحة لها ولا أصل ، وأنها لا يجوز الإحتجاج بها في الدين ، وبعضهم يتخطّى القواعد الدقيقة الصحيحة ، ثم يذهب يثبت الأحاديث وينفيها بما يبدو لعقله وهواه ، من غير قاعدة معينة ، ولا حجة ولا بينة . وهؤلاء لا ينفع فيهم دواء ، إلا أن يتعلموا العلم ويتأدبوا بأدبه، ثمَّ اللّهُ يَهْدِي مَنْ يشاء. وأما الطعن في الأحاديث الصحيحة جملةً الشكّ في صحة نسبتها إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فإنما هو إعلان بالعداء للمسلمين ممن عمد إليه علمٍ ومعرفةٍ ، أو جهل وقِصَرُ نظرٍ ممن قلد فيه غيره ولم يعرف عواقبه وآثاره ، فإن معنى هذا الشك والطعن: أنه حكمٌ على جميع الرواة الثقات من السلف الصالح رضي الله عنهم بأنهم كاذبون مخادعون مخدوعون ، ورميٌّ لهم بالفرية والبهتان ، أو بالجهل والغفلة ، وقد أعاذهم الله من ذلك وهم يعلمون يقيناً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من كذب عليَّ متعمداً فلية وأ مقعده من النار)). وقال: ((من حدَّث عنيِّ بحديث ٧ يُرَى أنه كذب فهو أحد الكاذبَيْن)). والمكذِّب لهم في روايتهم إنما يحكم عليهم بأنهم يتّفَحّمون في النار تقحماً، وأنهم لم يكونوا على شيء من الخُلُق أو الدين . فإن الكذب من أكبر الكبائر ، ثم هو من أسوأ الأخلاق وأحطِّها ، ولن تفلّح أمةٌ يفشو فيها الكذب ، ولو كان في صغائر الأمور ، فضلاً عن الكذب في الشريعة ، وعلى سيد الخلق وأشرف المرسلين . وقد كان أهل الصدر الأول من المسلمين - في القرون الثلاثة الأولى - أشرف الناس نفساً وأعلاهم خلفاً، وأشدَّهم خشيةً لله، وبذلك نصرهم اللّه، وفتح عليهم الممالك، وسادوا كل الأمم والحواضر ، في قليل من السنين ، بالدين والخلق الجميل ، قبل أن يكون بالسيف والرمح . أحمد محمد شاكر ٠ ٨ تقديم الكتاب بقلم الأستاذ الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة إن علم أصول الحديث وقواعد اصطلاح أهله لا بدَّ منه للمشتغل برواية الحديث ، إذْ بقواعده يتميز صحيحُ الرواية من سقيمها ، ويعرف المقبول من الأخبار والمردود ، وهو للرواية كقواعد النحو لمعرفة صحة التراكيب العربية ، فلو سُمي منطقَ المنقول وميزان تصحيح الأخبار ، لكان إسماً على مسمى . هذا - وقد كتب العلماء فيه من عصر التدوين إلى يومنا هذا نفائس ما يكتب: من ذلك ما نجده في أثناء مباحث ((الرسالة)) للإمام الشافعي ، وفي ثنايا ((الأم) له ، وما نقله تلاميذ الإمام أحمد في أسئلتهم له ومحاورته معهم وما كتبه الإمام مسلم بن الحجاج في مقدمة صحيحه ، ورسالة الإمام أبي داود السِّجستاني إلى أهل مكة في بيان طريقته في سننه الشهيرة ، وما كتبه الحافظ أبو عيسى التّرْمذي في كتابه (( العلل المفرد))، في آخر جامعه، وما بثه في الكلام على أحاديث جامعه في طيات الكتاب : من تصحيح . وتضعيف وتقوية وتعليل . وللإمام البخاري التواريخُ الثلاثة ، ولغيره من علماء الجرح والتعديل من معاصريه ومن بعدهم بياناتٌ وافية لقواعد هذا المنّ ، تجيء منتشرةً في تضاعيف كلامهم، حتى جاء مَنْ بعدهم فجَرَّد هذه القواعد في كتب مستقلة ، ومصنّفات عدة ، أشار إلى أشهرها الحافظ ابنّ حَجَر العسقلاني في فاتحة شرحه لنخبة الفكر فقال : فمن أول من صنف ذلك القاضي أبو محمد الرَّامَهُرْمُزِي (الحسن ابن عبد الرحمن الذي عاش إلى قريب سنة ٣٦٠ )(١) في كتابه المحدّث (١) ما وضع بين قوسين فمن زيادتنا توضيحا لكلام الحافظ ابن حجر . ٩ الفاصل ، لكنه لم يستوعب ، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري ( محمد بن عبدالله بن البَيْع صاحب المستدرك على الصحيحين والإكليل والمدخل إليه في مصطلح الحديث وتاريخ نيسابور المتوفي سنة ٤٠٥)، لكنه لم يهذِّب ولم يرتِّبْ ، وتلاه أبو نعيم الأصبهاني ( أحمد بن عبدالله الصوفي صاحب حلية الأولياء والمستخرج على البخاري وغيرهما المتوفي سنة ٤٣٠ ) فعمل على كتابه مستخرجاً وأبقى أشياء للمتعقِّب ، وجاء بعدهم الخطيب أبو بكر البغدادي ( ( أحمد بن علي بن ثابت صاحب تاريخ بغداد وغيره ، المتوفي سنة ٤٦٣) فصنف في قوانين الرواية كتاباً سماه ((الكفاية)) وفي آدابها كتاباً سماه ((الجامع لآ داب الشيخ والسامع))، وقَلَّ فن من فنون الحديث إلاَّ وقد صنف فيه كتاباً مفرداً ، فكان كما قال الحافظ أبو بكر ابن نُقْطَة ( محمد بن عبد الغني البغدادي الحنبلي المتوفي سنة ٦٢٩ ): كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيالٌ على كتبه . ثم جاء بعدها بعض من تأخر عن الخطيب ، فأخذ من هذا العلم بنصيب ، فجمع القاضي عِيّاض (بن موسى اليَحْصُبِي الأندلسي المتوفي سنة ٥٤٤ ) كتاباً سماه ((الإلماع)) وأبو حفص الميانجي جزءاً سماه ((مالا يَسَعُ المحدِّثَ جهلهُ)) ... إلى أن جاء الحافظ الفقيه تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح عبد الرحمن الشّهْرَزُورِي نزيل دمشق المتوفي سنة ٦٤٣ ) فجمع لما تولى تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية - كتابه المشهور ((علوم الحديث)) الشهير: ((مقدمة ابن الصلاح)) فهذب فنونه ، وأملاء شيئاً بعد شيء ، فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المناسب ، واعتنى بتصانيف الخطيب المفرقة ، فجمع شتات مقاصدها ، وضم إليها من غيرها نخب فوائدها ، فاجتمع في كتابه ما تَفرق في غيره ، فلهذا عكف الناس عليه ، وساروا بسيره ، فلا يحصى كم ناظم له ومختصر ، ومستدرك ومقتصر ، ومعارض له ومنتصر . اهـ كلام الحافظ رحمه الله تعالى . فقد ظهر لك بشهادة الحافظ بن حجر أن كتاب ابن الصلاح رحمه الله جمع شتات الكتب وعيونها ، من كتب الخطيب الذي هو عائل علماء الفن بعده وغيرها ممن تقدمه وتأخر، ومبلغ عناية العلماء بها نظماً وشرحاً ١٠ واختصاراً ، فممن نظمها الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي المتوفي سنة ٨٠٦، نظمها في كتابه ((ألفية الحديث)) وشرحها هو بنفسه، وكذلك شرحها بعده السْخَاوي . وللحافظ العراقي المذكور شرح على كتاب ابن الصلاح ، وممن اختصرها الإمام النووي الشافعي صاحب المجموع والروضة في فقه الشافعية وشرح صحيح مسلم وغيرها من الكتب النافعة، اختصرها في كتاب سماه ((التقريب)) شرحه السيوطي في كتاب سماه (( تدريب الراوي )» . ثم جاء الإمام ابن كثير الفقيه الحافظ المفسر - الذي ستقف على تاريخ حياته فيما بعد - فاختصرها في رسالة لطيفة سماها (( الباعث الحثيث على معرفة علوم الحديث )) بعبارة سهلة فصيحة ، وجمل مفهومة مليحة ، واستدرك على ابن الصلاح استدراكات مفيدة ، يبدؤها بقوله ( قلت ) ، فسهل على طالب الفن تناوله في رسالة وسط - وخير الأمور أوساطها - لم يختصرها اختصاراً مضغوطاً مختلاً، ولا أطالها تطويلاً منتشراً .شوشاً، فكانت خطوة أولى ومرحلة ابتدائية ، يدرسها الطالب ، فيرتقي منها إلى دراسة أصلها وما بعده من كتب الأئمة ، حتى ينتهي إلى التحقيق ، فيدلي بدلوه مع الدّلاء. ولقد كان للإمام ابن كثير حياة علمية حافلة بالجهد في التحصيل والتصنيف ، في عصر مماوء بالأكابر من علماء النقل والعقل : كما ستقف على ذلك في تلخيص سيرته من كلام ثقات المؤرخين من أهل عصره ومن بعدهم ، إن شاء الله تعالى. محمد عبد الرزاق حمزة ١١ ترجمة المؤلف (١) بقلم الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة نسبه وميلاده وشيوخه ونشأته : هو أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن الشيخ أبي حفص شهاب الدين عمر ، خطيب قريته ، ابن كثير بن ضوء بن كثير بن زرع القرشي البصروي الأصل ، الدمشقي النشأة والتربية والتعليم . ولد بمجدل القرية من أعمال مدينة بُصرَى شرق دمشق سنة إحدى وسبعمائة ، وكان أبوه خطيباً ، ومات أبوه في الرابعة من عمره ، فرباه أخوه الشيخ عبد الوهاب ، وبه تفقه في مبدأ أمره . ثم انتقل إلى دمشق سنة ٧٠٦ في الخامسة من عمره ، وتفقه بالشيخ برهان الدين إبراهيم عبد الرحمن الفزازي الشهير بابن الفركاح ، المتوفي سناً ٧٢٩ ، وسمع بدمشق من عيسى بن المطعم ، ومن أحمد بن أبي طالب المعمر أكثر من مائة سنة الشهير بابن الشحنة وبالحجّار المتوفي سنة ٧٣٠، ومن القاسم بن عساكر (٢)، وابن الشيرازي، وإسحق بن (١) نقلا عن كتاب ( المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي ) نسخة مخطوطة بمكتبة شيخ الاسلام بالمدينة المنورة ، للمؤرخ الشهير أبي المحاسن جمال الدين يوسف بن سيف الدين المعروف بابن تغري بردي الأتابكي الظاهري ، صاحب النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة، المولود سنة ٨١٢ والمتوفى في شهر ذي الحجة ٨٧٤، ومن كتاب ( الدرر الكامنة) لتحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢، ومن ( ذيل التذكرة للحافظ أبي المحاسن الحسيني . . ومن ذيل ( الطبقات ) لجلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١، ومن إ شذرات الذهب في أخبار من ذهب) لعبد الحي بن العماد الحنبلي المتوفى سنة ١٠٨٩ ج ٦ ض ٢٣٨، ومن ( الرد الوافر ) لابن ناصر الدين الدمشقي المتوفى سنة ٨٤٢ ٠ (٢) هو مسند الشأم بهاء الدين القاسم بن مظفر - ابن عساكر المتوفى سنة ٧٢٣ . ١٢ الآمدي (١)، ومحمد بن زراد، ولازم الشيخ جمال يوسف بن الزكي المزي صاحب تهذيب الكمال وأطراف الكتب الستة، المتوفى سنة ٧٤٢ ، وبه انتفع وتخرج ، وتزوج بابنته ، وقرأ على شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية المتوفي سنة ٧٢٨ كثيراً ، ولازمه وأحبه وانتفع بعلومه ، وعلى الشيخ الحافظ المؤرخ شمس الدين الذهبي محمد بن أحمد بن قايماز ، المتوفي سنة ٧٤٨ وأجاز له من مصر أبو موسى القرائي ، والحسيني ، وأبو الفتح الدبوسي ، وعلي بن عمر الواني ، ويوسف الختني ، وغير واحد . وقال الحافظ شمس الدين الذهبي في المعجم المختص: ((الإمام المفتي المحدث البارع، فقيه متفتن، ومفسر نقال، وله تصانيف مفيدة)). وقال الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة: ((إشتغل بالحديث مطالعةً في متونه ورجاله، وكان كثير الإستحضار ، حَسَن المفاكهة ، سارت تصانيفه في حياته ، وانتفع الناس بها بعد وفاته ، ولم يكن على طريق المحدثين في تحصل العوالي وتمييز العالي من النازل ، ونحو ذلك من فنونهم وإنما هو من محدّتي الفقهاء. وأجاب السيوطي عن ذلك فقال: (( العمدة في علم الحديث على معرفة صحيح الحديث وسقيمه وعلله واختلاف طرقه ورجاله جرحاً وتعديلاً ، وأما العالي والنازل ونحو ذلك : فهو من الفضلات لا من الأصول المهمة)) اهـ . وقال المؤرخ الشهير أبو المحاسن جمال الدين يوسف بن سيف الدين المعروف بابن تغرى بردى الحنفي في كتابه المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي: ((الشيخ الإمام العلامة عماد الدين أبو الفداء ... لازم الإشتغال ، ودأب وحصل وكتب ، وبرع في الفقه والتفسير والحديث . وجمع وصنف ودرّس وحدّث وألّف ، وكان له اطلاع عظيم في الحديث والتفسير والفقه والعربية وغير ذلك، وأفتى ودرّس إلى أن توفى)). (١) هو اسحاق بن يحيى الآمدي شيخ الظاهرية، عفيف الدين، المتوفى سنة ٧٢٥ هـ . ١٣ واشتهر بالضبط والتحرير ، وانتهت إليه رياسة العلم في التاريخ والحديث والتفسير . وهو القائل : نُسَاقُ إلى الآجال والعين تنظرُ تمَرُ بنا الأيامُ تَتْرىّ، وإنما ولا زائلٌ هذا المشيب المُكَدَّرُ فلا عائد ذاك الشبابُ الذي مضى وتلامذته كثيرة: منهم ، ابن حجى، وقال فيه: ((أحفظ من أدركناه لمتون الأحاديث ، وأعرفهم بجرحها ورجالها وصحيحها وسقيمها ، وكان أقرانه وشيوخه يعترفون له بذلك ، وما أعرف أني اجتمعت به ، على كثرة ترددي إليه، إلا واستفدت منه)). وقال ابن العماد الحنبلي في كتابه شذرات الذهب: ((الحافظ الكبير عماد الدين ، حفظ التنبيه وعرضه سنه ١٨، وحفظ مختصر ابن الحاجب وكان كثير الإستحضار ، قليل النسيان ، جيد الفهم ، يشارك في العربية ، وينظم نظماً وسطاً ، قال فيه ابن حبيب : سمع وجمع وصنّف ، وأطرب الأسماع بالفتوى وشَنّف ، وحدّث وأفاد ، وطارت أوراق فتاويه إلى البلاد ، واشتهر بالضبط والتحرير)). مؤلفاته من كتب مطولة ورسائل مختصرة : (١) ومن مؤلفاته: تفسير القرآن الكريم . وهو من أفيد كتب التفسير بالرواية ، يفسر القرآن بالقرآن ، ثم بالأحاديث المشهورة في دواوين المحدثين بأسانيدها ، ويتكلم على أسانيدها جرحاً وتعديلاً ، فيبين ما فيها من غرابة أو نكارة أو شذوذ غالباً ، ثم يذكر آثار الصحابة والتابعين. قال السيوطي فيه ((لم يؤلف على نمطه مثله)). (٢) والتاريخ المسمى ((بالبداية والنهاية)) ذكر فيه قصص الانبياء والأمم الماضية على ما جاء في القرآن الكريم والأخبار الصحيحة ، ويبين الغرائب والمناكير والإسرائيليات، ثم يحقق السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي إلى زمنه، ثم ينتقل إلى الفتن وأشراط الساعة والملاحم وأحوال الآخرة . ١٤ قال ابن تغرى بردى : وهو في غاية الجودة ا هـ وعليه يعول البدر العيني في تاريخه . (٣) وكتاب (( التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل)) جمع فيه كتابيْ شيخيه المِزِّي والذهبي، وهما ( تهذيب الكمال في أسماء الرجال) و ( ميزان الإعتدال في نقد الرجال ) ، مع زيادات مفيدة في الجرح والتعديل . (٤) وكتاب ( الهَدْيُ والسّنّن في أحاديث المسانيد والسنن ) وهو المعروف بجامع المسانيد ، جمع فيه بين مسند الإمام أحمد والبزار وأبي يعلى وابن أبي شيبة مع الكتب الستة : الصحيحين والسنن الأربعة ، ورتبه على الأبواب . (٥) (طبقات الشافعية ) مجلد وسط ، ومعه مناقب الشافعي . (٦) وخرج أحاديث أدلة التنبيه في فقه الشافعية . (٧) وخرج أحاديث مختصر ابن الحاجب الأصلي (٨) وشرع في شرح البخاري ، ولم يكمله . (٩) وشرع في كتاب كبير في الأحكام - لم يكمل، وصل فيه إلى الحج . (١٠) واختصر كتاب ابن الصلاح في علوم الحديث - وهو هذا - قال الحافظ العسقلاني : وله فيه فوائد . . (١١) ومسند الشيخين - يعني أبا بكر وعمر. (١٢، ١٣) السيرة النبوية مطولة مختصرة، ذكرها في تفسيره في سورة الأحزاب في قصة غزوة الخندق . (١٤) كتاب ( المقدمات ) ذكره في مختصر مقدمة ابن الصلاح وأحال عليه . (١٥) مختصر كتاب المدخل للبيهفي ، كما ذكره في مقدمة هذه الرسالة. (١٦) رسالة في الجهاد - وهي مطبوعة . ١٥ وفاته : قال صاحب المنهل الصافي : توفي في يوم الخميس السادس والعشرين من شعبان سنة أربع وسبعين وسبعمائة عن أربع وسبعين سنة . قال الحافظ ابن حجر : وكان قد أضرَّ - يعني فقد بصره - في آخر حياته ، رحمه اللّه ورضي عنه . ١٦ بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخنا الإمام العلامة ، مفتي الإسلام ، قدوة العلماء . شيخ المحدثين ، الحافظ المفسر ، بقية السلف الصالحين ، عماد الدين ، أبو الفداء إسمعيل بن كَثِير القُرشي الشافعي، إمام أئمة الحديث والتفسير بالشأم المحروس ، فسح اللّه للإسلام والمسلمين في أيامه، وبلغه في الدارين أعلى قصده ومرامه : الحمد لله ، وسلام على عباده الذين اصطفى . ( أما بعد ) : فإن علم الحديث النبوي - على قائله أفضل الصلاة والسلام - قد اعتنى بالكلام فيه جماعةٌ من الحفّاظ قديماً وحديثاً ، كالحاكم والخطيب، ومَنْ قبلهما من الأئمة، ومَن بعدهما من حفّاظ الأمة . ولما كان من أهم العلوم وأنفعها أحببتُ أن أعاق فيه مختصراً نافعاً جامعاً لمقاصد الفوائد . ومانعاً من مشكلات المسائل الفرائد . وكان الكتاب الذي اعتنى بتهذيبه الشيخُ الإمام العلامة ، أبو عمرو بن الصلاح تغمده الله برحمته - من مشاهير المصنّفات في ذلك بين الطلبة لهذا الشأن، وربما عُني بحفظه بعضُ المهرة من الشبان : سلكتُ وراءه ، واحتذيتُ حذاءه واختصرتُ ما بسَطه ، ونظمتُ ما فرطه . وقد ذكر من أنواع الحديث خمسةً وستين ، وتبع في ذلك الحاكم أبا عبد الله الحافظ النيسابوري شيخ المحدثين . وأنا - بعون الله - أذكر جميع ذلك، مع ما أضيف إليه من الفوائد الملتقطة من كتاب الحافظ الكبير أبي بكر البيهقي ، المسمى (بالمدخل إلى كتاب السنن ) . وقد اختصرتُه أيضاً بنحو من هذا النمط ، من غير وَكْسٍ ولا شَطَط، والله المستعان، وعليه الإتكال. الباعث الحثيث - ٢ ١٧ ذكر تعداد أنواع الحديث صحيح ، حسن ، ضعيف ، مسنّد ، متصل، مرفوع ، (وقوف، مقطوع، مرسل ، منقطع ، مُعْضَل . مدلّس، شاذ، منكر ، ما له شاهد، زيادة الثقة ، الأفراد ، المعلّل، المضطرب ، المُدْرَج ، الموضوع، المقلوب ، معرفة من تُقبل روايته ، معرفة كيفية سماع الحديث وإسماعه وأنواع التحمل من إجازة وغيرها ، معرفة كتابة الحديث وضبطه ، كيفية رواية الحديث وشرط أدائه ، آداب المحدِّث، آداب الطالب، معرفة العالي والنازل ، المشهرر ، الغريب ، العزيز . غريب الحديث ولغتُه ، المُسَلْسَل ، ناسخ الحديث ومنسوخه ، المصحّف إسناداً ومتناً، مختلف الحديث ، المزيد في الأسانيد ، المرسَل، معرفة الصحابة . معرفة التابعين، معرفة أكابر الرواة عن الأصاغر، المُدَبّج ورواية الأقران ، معرفة الإِخْوة والأخوات ، رواية الآباء عن الابناء ، عكسه ، من روى عنه إثنان متقدم ومتأخر ، من ثم يرو عنه إلا واحد ، من له أسماء ونعوت متعددة، المفردات من الاسماء ، معرفة الاسماء والكفَى ، من عرف باسمه دون كنيته ، معرفة الألقاب ، المؤتلف والمختلف، المتفق والمفترق، نوع مركّب من اللذين قبله . نوع آخر من ذلك، من نُسب إلى غير أبيه، الأنساب التي يختلف ظاهرها وباطنها . معرفة المبهمَات ، تواريخ الوفيات معرفة الثفات والضعفاء ، من خلط آخر عمره ، الطبقات ، معرفة الموالي من العلماء والرواة ، معرفة بلدانهم وأوطانهم . وهذا تنويع الشيخ أبي عمرو وترتيبه رحمه الله ، قال : وليس بآخر الممكن في ذلك ، فإنه قابل للتنويع إلى ما لا يُحصى، إذ لا تنحصر (١) أحوال الرواة وصفاتهم ، وأحوالُ متون الحديث وصفاتها . (١) نسخة تحصى . ١٨ ( قلت) : وفي هذا كله نظر ، بل في بسطه هذه الأنواع إلى هذا العدد نظر . إذ يمكن إدماج بعضها في بعض ، وكان أليق مما ذكره . ثم إنه فرق بين متماثلات منها بعضها عن بعض، وكان اللائق ذكر كل نوع إلى جانب ما يناسبه . ونحن نرتب ما نذكره على ما هو الأنسب ، وربما أدمجنا بعضها في بعض ، طلباً للاختصار والمناسبة . وننبه على مناقشات لا بد منها، إن شاء الله تعالى . النوع الأول : الصحيح ( تقسيم الحديث إلى أنواعه صحة وضعفاً (١)) قال: اعلم - علمك الله وإياي - أن الحديث عند أهله ينقسم إلى صحيح وحسن وضعيف . ( قلت ) : هذا التقسيم إن كان بالنسبة إلى ما في نفس الأمر ، فليس إلا صحيح أو ضعيف ، وإن كان بالنسبة إلى اصطلاح المحدثين فالحديث ينقسم عندهم إلى أكثر من ذلك ، كما قد ذكره آنفاً هو وغيره أيضاً . تعريف الحديث الصحيح قال : أما الحديث الصحيح فهو الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العَدْل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ، ولا يكون شاذاً ولا معللا. ثم أخذ يبين فوائده ، وما احترز بها عن المرسَل والمنقطيع والمُعْضَل (١) هذه العناوين التي بين معكفين [] زيادة على الأصل، زدناها تبسبرا للقارىء والباحث . ١٩ والشاذّ، وما فيه علة قادحة (١)، وما في راويه نوع جَرْحٍ. قال : وهذا هو الحديث الذي يُحكم له بالصحة، بلا خلاف بين أهل الحديث . وقد يختلفون في بعض الأحاديث ، لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف ، أو في اشتراط بعضها ، كما في المرسل . ( قلت ): فيحاصل حد الصحيح : أنه المتصلُ سَنَّدَهُ بنقل العدل الضابط عن مثله ، حتى ينتهيَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إلى منتهاه ، من صحاني أو من دونه ، ولا يكون شاذاً ، ولا مردوداً ، ولا معللاً بعلة قادحة ، وقد يكون مشهوراً أو غريباً . وهو متفاوت في نظر الحُفّاظ في محاله، ولهذا أطلق بعضهم أصح الأسانيد على بعضها . فعن أحمد وإسحق: أصحُّها : الزُّهرِيَّ عن سالم عن أبيه ، وقال علي بن المَدِينيِّ والفَلاس(٢): أصلحها محمد بن سيرين عن عَبِيدَة (٣) عن عليّ. وعن يحيى بن مَعِين: أصحُّها الأعمشُ عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود . وعن البخاري : مالك عن نافع عن ابن عمر . وزاد بعضهم (٤): الشافعي عن «الك، إذ هو أَجَل مَنْ (١) (المرسل: ما رواه التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم بدون ذكر الصحابي. والمنقطع : ما سقط منه واحد في موضع أو مواضع . والعضل : ما سقط منه اثنان فاكثر فى موضع أو مواضيع. والشاذ: مخالفة الثقة من هو أوثق منه. والعلل: ما كان فيه علة، وسيأتي بيان ذلك مفصلا في أنواعه ان شاء الله . (٢) هو عمرو بن علي : (٣) هو عبيدة - بفتح العين وكسر الباء - ابن عمرو، ويقال: ابن قيس، السلماني، بفتح السين وسكون اللام . (٤) هو أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي، كذا سماه ابن الصلاح في المقدمة . وذكر عن أبي بكر بن شيبة قال : أصح الأسانيد كلها : الزهري عن علي بن الحسين عن ابيه عن علي بن أبي طالب . ٢٠