Indexed OCR Text

Pages 121-140

قال: ثم أحمد وإسحاق وأبو عبيد وعلي بن المديني وابن معين، ثم أبو محمد
الدارمي والبخاري وآخرون من أئمة العلم والاجتهاد))(١).
وذكر الذهبي في آخر الطبقة التاسعة من الحفاظ في كتابه تذكرة الحفاظ في
معرض الرد على علماء المعتزلة والشيعة وأصحاب الكلام والفقهاء المقلدين،
والدفاع عن أئمة الحديث ونقاد الأثر وأن لهم فقهاً وعلماً فقال: ((لا تنظر إلى
هؤلاء الحفاظ النظر الشزر(٢)، ولا تَرْمَقَنَّهم بعين النقص، ولا تعتقد فيهم أنهم من
جنس محدثي زماننا حاشا وكلّاً، فما في من سميت أحد ولله الحمد إلّ وهو بصير
بالدين عالم بسبيل النجاة، وليس في كبار محدثي زماننا أحد يبلغ رتبة أولئك في
المعرفة فإني أحسبك لفرط هواك تقول بلسان الحال إن أعوزك المقال: من أحمد؟
وما ابن المديني؟ وأي شيء أبو زرعة وأبو داود؟ هؤلاء محدثون ولا يدرون ما
الفقه؟ وما أصوله ولا يفقهون الرأي، ولا علم لهم بالبيان والمعاني والدقائق، ولا
هم من فقهاء الملة، فاسكت بحلم أو انطق بعلم فالعلم النافع هو ما جاء عن أمثال
هؤلاء، ولكن نسبتك إلى أئمة الفقه كنسبة محدثي عصرنا إلى أئمة الحديث، فلا
نحن ولا أنت، وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذوو الفضل))(٣).
وكان علي رحمه الله حاضر الجواب لأدلة المسائل مما يدل على تمكّنه في
معرفة المسائل وأدلتها يقول ابن المديني رحمه الله: ((دخلت على أمير المؤمنين،
فقال لي: أتعرف حديثاً مسنداً فيمن سبَّ النبي ◌ِّ فيقتل؟ فقلت: نعم، فذكرت له
حديث عبدالرزاق، عن معمر، عن سماك بن الفضل(٤) عن عروة بن محمد، عن
رجل من بلقين(٥) قال: كان رجل يشتم النبي ( 8) فقال النبي وَله: ((من يكفيني عدواً
(١) السير: ٥٢٥/٩، ٥٢٦.
(٢) الشزر: نظرة الإعراض، أو الغضب أو الاستهانة. معجم الوسيط: ٤٨١/١.
(٣) تذكرة الحفاظ: ٦٢٧/٢، ٦٢٨.
(٤) هو سِمَاك بن الفضل الخولاني اليماني ثقة (مات بعد المائة). التقريب: ٣٣٢/١.
(٥) بلقين: اختصار بني القين - بفتح أوله وسكون الياء تحتها نقطتان وفي آخرها نون - هذه
النسبة إلى ((القين)) وهو النعمان بن جسر قبيلة من قضاعة. انظر: اللباب: ٧١/٣، لسان
العرب: ٣٥٢/١٣، المغني : ص ٢٠٦.
١٢١

لي؟)) فقال خالد بن الوليد أنا، فبعثه النبي ◌َ ه إليه فقتله، فقال أمير المؤمنين: ليس
هذا مسنداً هو عن رجل فقلت: يا أمير المؤمنين، هكذا يعرف هذا الرجل وهو
اسمه وقد أتى النبي (صل* فبايعه هو مشهور معروف)) قال ابن حزم: ((هو حديث
صحيح مسند)).
قال السبكي تعليقاً على جواب ابن المديني عن قوله في السند ((عن رجل)).
قال: ((لا يريد ابن المديني بقوله: ((وهو اسمه)) أن اسم هذا الرجل المجهول رجل
من بلقين. وأن اللفظ علم عليه، إنما يريد أنه بذلك يعرف، لا يعرف له اسم
علم، بل إنما يعرف بقبيلته، وهي القين. وقال: وقد روى البيهقي(١) هذا الحديث
في سننه من حديث معمر هكذا وهو إسناد صحيح)»(٢).
ومع بلوغ ابن المديني هذه الرتبة في الاجتهاد والمعرفة كان رحمه الله يقدِّرِ
الأئمة المجتهدين ويشيد بجهودهم فكان الإمام أبو حنيفة ومالك بن أنس موضع
احترام لديه وكان الشافعي صديقاً له واستفاد من كتبه وكان يبجّل الإمام أحمد وهو
قرينه في الطلب وتتلمذ على يحيى بن سعيد القطان، ووكيع بن الجراح، وكانوا
يذهبون مذهب الكوفيين وتخرّج على عبدالرحمن بن مهدي وكان يميل إلى مذهب
أهل المدينة.
لذلك نرى بعض أصحاب طبقات علماء المذاهب قد ترجموا له على أنه
أحد أئمة ذلك المذهب فذكره أبو عاصم محمد بن أحمد العَبَّدي (٣) في الطبقة
الأولى من فقهاء الشافعية فقال: ((ومنهم أبو الحسن علي بن عبدالله المديني،
(١) رواه البيهقي مختصراً في سننه: ٢٠٣/٨ باب قتل من ارتد عن الإسلام إذا ثبت عليه، إلّ
أن المقتول فيه امرأة وليس رجلاً.
(٢) انظر: القصة في طبقات الشافعية الكبرى: ١٤٨/٢، ١٤٩.
(٣) هو القاضي أبو عاصم محمد بن أحمد بن محمد العبادي الهروي شيخ الشافعية وصاحب:
التصانيف وكان دقيق النظر إماماً واسع العلم (مات سنة ٤٥٨ هـ)، شذارت الذهب:
٣٠٦/٣.
والعَبَّادي: بفتح العين وتشديد الباء الموحدة المفتوحة وبعد الألف دال مهملة نسبة إلى جد
المنتسب إليه. اللباب: ٣٠٩/٢.
١٢٢

قال : - يعني ابن المديني - وقعت المعرفة بيني وبين الشافعي في مجلس سفيان وما
تركت من كتب الشافعي حرفاً إلّ كتبته))(١). كما عدّه الشُّيْرَازِي(٢) في الفقهاء الذين
انتقل إليهم فقه الشافعي وقال: ((كتب عن الشافعي كتاب الرسالة وحملها إلى
عبدالرحمن بن مهدي فأعجب بها(٣))، كما عدّه السبكي في الطبقة الأولى الذين
جالسوا الشافعي رحمه الله (٤).
وذكر القاضي أبو الحسين محمد بن أبي يعلى الفرّاء(٥) ابنَ المديني في
أصحاب الإمام أحمد بن حنبل(٦).
وذكره محمد بن محمد مخلوف(٧) في الطبقة السادسة من فقهاء المالكية(٨).
وذكر الشيرازي عن علي بن المديني قوله: ((أخرج إلينا معن بن عيسى(٩)
أربعين ألف مسألة سمعها من مالك))(١٠).
(١) طبقات الفقهاء الشافعية للعبادي: ص ٣٩، ٤٠ ط ليدن ١٩٦٤ م.
(٢) هو الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي الفيروزأبادي الملقَّب
بجمال الدين، وكان إمام وقته ببغداد في العلم والزهد (مات سنة ٤٧٦ هـ). وفيات
الأعيان: ١ /٢٩.
والشيرازي: بكسر الشين المعجمة وسكون الياء وفتح الراء وبعد الألف زاي، نسبة إلى
شيراز وهي قصبة فارس ودار الملك بها. اللباب: ٢٢١/٢.
(٣) طبقات الفقهاء الشيرازي: ص ١٠٣. (٤) طبقات الشافعية الكبرى: ١٤٥/٢.
(٥) هو القاضي أبو الحسين محمد بن أبي يعلى محمد بن الحسين بن الفراء البغدادي الحنبلي
صاحب التصانيف وكان مفتياً مناظراً عارفاً بالمذهب (مات سنة ٥٢٦ هـ). شذارت
الذهب: ٧٩/٤.
والفراء: بفتح الفاء والراء المشددة وفي آخرها ألف هذه النسبة إلى خياطة الفراء وبيعها.
اللباب: ٤١٣/٢.
(٦) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى: ٢٢٥/١.
(٧) هو محمد بن محمد بن عمر بن علي بن سالم مخلوف عالم بتراجم المالكية من المفتين
تولى وظيفة المفتي الأكبر بالمنستير إلى أن توفي (سنة ١٣٦٠ هـ). الأعلام: ٨٢/٧.
(٨) شجرة النور الزكية في طبقات المالكية: ص ٦٤ .
(٩) هو الحافظ أبو يحيى معن بن عيسى القزاز الأشجعي مولاهم أحد أئمة الحديث وهو من كبار
أصحاب مالك ومتقنيهم (مات سنة ١٩٨ هـ)، تذكرة الحفاظ: ٣٣٢/١.
(١٠) طبقات الفقهاء: ص ١٤٩.
١٢٣

وذكر في مناظرة(١) بين علي بن المديني ويحيى بن معين أن ابن المديني تقلَّد
فيها قول الکوفیین(٢).
وفي الحقيقة أن ما ادّعى هؤلاء في نسبة ابن المديني إلى هذه المذاهب لا
تؤيده الأدلة، ولا الواقع، فلم يكن مقلِّداً لمذهب معيَّن من هذه المذاهب بل كان.
رحمه الله مستقلاً في استنباطه للأحكام ويأخذ بما ترجَّح لديه بالدليل، وبين يَدَيَّ:
مسألتان منقولتان عن الإمام ابن المديني توضّحان مسلكه هذا، وتؤيدان ما أقول.
وفيما يلي هاتان المسألتان : .
المسألة الأولى: الخط بين يدي المصلي إذا لم يجد عصا:
قال أبو عمر بن عبدالبر: ((احتج من ذهب إلى الخط بما أخبرناه عبدالله بن
محمد(٣) - بسنده - إلى أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي وسلم قال: ((إذا صلى
أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد فلينصب عصاه، فإن لم يكن معه
عصا فليخُطُّ خطاً، ولا يضره من مرَّ بين يديه)) وهذا الحديث عند أحمد بن حنبل ومن
قال بقوله حديث صحيح، وإليه ذهبوا، ورأيت أن علي بن المديني كان يصحح
هذا الحدیث، ويحتج به»(٤).
وأخرج هذا الحديث بنحوه أبو داود(٥)، وابن ماجه(٦) في سننهما، فأنت ترى
أن ابن المديني أخذ بحديث الخط واحتج به لما ثبتت عنده صحته وبه أخذ الإمام
أحمد بن حنبل وقال به مِنْ قَبْلِه سعيد بن جبير والأوزاعي(٧) والله أعلم.
(١) سيأتي تفصيل المناظرة قريباً إن شاء الله في: ص ١٢٦.
(٢) الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث للدكتور عبدالمجيد محمود: ص ١٣٠ ط دار الوفاء
للطباعة القاهرة ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م.
(٣) هو أبو محمد عبدالله بن محمد بن عبدالمؤمن القرطبي (مات سنة ٣٩٠ هـ)، المصدر
السابق: ١٠١١/٣.
(٤) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبدالبر: ١٩٩/٤.
(٥) سنن أبي داود: ٤٤٣/١ في أبواب السترة باب الخط إذا لم يجد عصا.
(٦) سنن ابن ماجه: ١٧٠/١: في إقامة الصلاة باب ما يستر المصلي.
(٧) المغني لابن قدامة مع الشرح الكبير: ٧١/٢.
١٢٤

وأما مذهب الأحناف فاعتبار الغرز دون الإلقاء والخط، لعدم حصول
المقصود به إذ لا يُرى الخط من بُعد.
قال المحقق ابن الهمام(١) مبيناً دليل المانعين والمجيزين: ((وأما الخط فقد
اختلفوا فيه فالمانع يقول لا يحصل المقصود به إذ لا يظهر من بعيد، والمجيز يقول
ورد به الأثر)) (٢) ثم نرى ابن الهمام رحمه الله يخالف مذهبه ويرجح مذهب القائلين
بالخط فيقول معلّلاً وجه الترجيح: ((والسنة أولى بالاتباع مع أنه يظهر في الجملة إذ
المقصود جمع الخاطر بربط الخيال به كيلا ينتشر))(٣).
وأما المالكية فإنهم قالوا ببطلان الخط وعدم ثبوته(٤).
وأما الإمام الشافعي فإن مذهبه القديم القول بالخط وأما مذهبه الجديد فعدم
الأخذ بالخط، وأشار الشافعي إلى تضعيف حديث الخط (٥).
فيتبين من هذا أن ابن المديني رحمه الله لم يقلد أحد هذه المذاهب وإنما
ذهب إلى جواز وضع الخط لصحة الحديث عنده. والله أعلم.
المسألة الثانية: الوضوء من مس الذكر:
أخرج الدارقطني والبيهقي بسندهما إلى رجاء بن مرجًّا الحافظ(٦) قال:
(١) هو الإمام كمال الدين محمد بن عبدالواحد بن عبدالحميد السيواسي ثم الإسكندري
المعروف بابن الهمام الحنفي برع في العلوم وتقدم على أقرانه (مات سنة ٨٦١ هـ)،
شذرات الذهب: ٢٩٨/٧.
(٢) شرح فتح القدير لابن الهمام: ٤٠٨/١.
(٣) نفس المصدر والمكان.
(٤) المدونة الكبرى للإمام مالك: ١١٣/١.
(٥) انظر المجموع شرح المهذب للنووي: ٢٤٦/٣ ط دار الفكر.
(٦) هو الحافظ أبو محمد رجاء بن مرجَّى المروزي مفيد بغداد كان إماماً في علم الحديث (مات
ببغداد سنة ٢٤٩ هـ). تذكرة الحفاظ: ٥٤٢/٢.
ومرجى: بضم أوله وفتح الجيم الثقيلة ويكتب بالألف فلا يلبس. تبصير المنتبه بتحرير
المشتبه: ٤ /١٣٥٦.
١٢٥

((اجتمعنا في مسجد الخيف أنا، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بنُ
معين، فتناظروا في مس الذكر، فقال يحيى بن معين: يتوضأ منه، وتقلد علي بن
المديني قول الكوفيين وقال به، واحتج ابن معين بحديث بسرة بنت صفوان،
واحتج علي بن المديني بحديث قيس بن طلق(١)، وقال ليحيى:
كيف تتقلد إسناد بسرة ومروان بن الحكم أرسل شرطياً حتى رد جوابها إليه؟
فقال يحيى: ثم لم يقنع ذلك عروة حتى أتى بسرة وسألها وشافهته بالحديث، ثم
قال یحیی: ولقد أکثر الناس في قيس بن طلق وأنه لا يحتج بحديثه ..
فقال أحمد بن حنبل: كلا الأمرين على ما قلتما.
فقال يحيى: عن مالك عن نافع عن ابن عمر يتوضأ من مس الذكر.
فقال علي: كان ابن مسعود يقول: لا يتوضأ منه وإنما هو بضعة من جسدك
فقال يحيى : هذا عمن؟ .
فقال: عن سفيان عن أبي قيس(٢) عن هُزيل(٣) عن عبد الله، وإذا اجتمع ابن
مسعود وابن عمر واختلفا فإن ابن مسعود أولى أن يتبع.
فقال له أحمد بن حنبل: نعم، ولكن أبا قيس الأوْدِي لا يحتج بحديثه.
فقال علي: حدثني أبو نعيم، ثنا مسعر(٤)، عن عمير بن سعيد(٥) عن عمار.
(١) هو قيس بن طلق بن علي الحنفي اليمامي صدوق مات بعد المائة. التقريب: ١٢٩/٢.
(٢) هو أبو قيس عبدالرحمن بن ثَرَوان الأوْدِي الكوفي (مات سنة ١٢٠ هـ)، المصدر السابق:
٤٧٥/١.
(٣) هو هزيل - بالتصغير - بن شرحبيل الأودي الكوفي ثقة مخضرم مات قبل المائة المصدر
السابق: ٣١٧/٢.
(٤) هو الحافظ أبو سلمة مسعر بن كدام الهلالي الكوفي الأحول أحد الأعلام قد جمع العلم
والورع (مات سنة ١٥٥ هـ). تذكرة الحفاظ: ١٨٨/١.
(٥) هو أبو يحيى عمير بن سعيد النخعي الصهباني الكوفي (مات سنة ١١٧ هـ). التقريب:
٨٦/٢.
١٢٦

قال: ((لا أبالي مسسته أو أنفي)).
فقال يحيى: بين عمير بن سعيد وعمار بن ياسر مفازة.
فقال أحمد: عمار وابن عمر استويا فمن شاء أخذ بهذا ومن شاء أخذ
بهذا))(١).
وقد أجاب علاءالدين علي بن عثمان المَارِدِيني ابن التركماني (٢) عن بعض
فقرات هذه المناظرة منتصراً لما ذهب إليه الإمام علي بن المديني.
قول ابن معين: ((لقد أكثر الناس في قيس بن طلق وأنه لا يحتج به)).
قال ابن التركماني: ((ذكر البيهقي ذلك بسند فيه محمد بن الحسن
النقَّاش (٣)، وهو من المتَّهَمين بالكذب، قال البَرْقَاني (٤): ((كل حديثه مناكير وليس
في تفسيره شيء صحيح، وروى النقاش عن عبدالله بن يحيى السَرّخْسِي (٥) قال فيه
(١) سنن الدارقطني: ١٥٠/١ في الطهارة باب ما روي في لمس القبل، نشر عبدالله هاشم ط
دار المحاسن القاهرة ١٣٨٦ - ١٩٦٦ م، وانظر السنن الكبرى: ١٣٦/١.
(٢) هو القاضي علاء الدين علي بن عثمان بن إبراهيم المارديني الحنفي المعروف بابن
التركماني له تآليف حسنة مفيدة (مات سنة ٧٤٩ هـ). انظر: لحظ الألحاظ بذيل طبقات
الحفاظ لابن فهد المكي: ص ١٢٥.
(٣) هو أبو بكر محمد بن الحسن بن محمد بن زياد الموصلي ثم البغدادي النقاش المقرىء
المفسر تكلم فيه والغالب عليه القصص (مات سنة ٣٥١ هـ). الميزان: ٥٢٠/٣.
والنقاش: بفتح النون والقاف المشددة ويعد الألف شين معجمة، هذه النسبة لمن ينقش
السقوف والحيطان وغيرها. اللباب: ٣٢١/٣.
(٤) هو الإمام الحافظ شيخ الفقهاء والمحدثين أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب
البرقاني الشافعي شيخ بغداد، صنف التصانيف وخرّج على الصحيحين (مات ببغداد سنة
٤٢٥ هـ)، تذكرة الحفاظ: ١٠٧٤/٣.
والبرقاني: بفتح الباء الموحدة وسكون الراء المهملة وفتح القاف هذه النسبة إلى قرية من
قرى كانت بنواحي خوارزم. اللباب: ١٤٠/١.
(٥) هو عبد الله بن يحيى بن موسى السرخسي لقيه ابن عدي واتهمه بالكذب ولي قضاء جرجان
بقي إلى بعد الثلاثمائة. انظر اللسان: ٣٧٦/٣.
١٢٧
=

ابن عدي: كان متهماً في روايته عن قوم لم يلحقهم))(١).
وأما قوله في قيس: ((لا يحتج به)) فيدفعه توثيق ابن معين نفسه لقيس فقد قال
عثمان الدارمي سألت ابن معين عن عبدالله بن النعمان(٢) عن قيس بن طلق قال:
شيوخ يمامية ثقات(٣).
- .
وقال العِجْلي(٤): يمامي تابعي ثقة (٥)، وذكره ابن حبان في الثقات(٦)
قول أحمد: ((أبو قيس الأودي لا يحتج بحديثه)).
قال ابن التركماني: ((أبوقيس هذا وثقه ابن معين(٧)، وقال العجلي: ((ثقة
ثبت))(٨) واحتج به البخاري وأخرج له ابن حبان في صحيحه والحاكم في
المستدرك))(٩)، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين(١٠)، ونقل الحاكم عن
= والسرخسي: بفتح السين المهملة وفتح الراء وسكون الخاء المعجمة، وقد يقال: بسكون
الراء وفتح الخاء المعجمة هذه النسبة إلى مدينة سرخس من بلاد خراسان انظر: اللباب:
١١٢/٢، والمغني: ص ١٣٨.
(١) الجوهر النقي في الرد على البيهقي لابن التركماني: ١٣٤/١، المطبوع مع السنن الكبرى
للبيهقي، وانظر: قول ابن عدي في الكامل: ١٥٨٠/٤.
(٢) هو عبدالله بن النعمان السُحَيمي - بمهملتين مصغراً - اليمامي عن قيس بن طلق وعنه
ملازم بن عمرو. التقريب: ٤٥٦/١، وانظر: الخلاصة: ص ٢١٧ .
(٣) التهذيب: ٣٩٨/٨.
(٤) هو الإمام الحافظ أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي الكوفي نزيل طرابلس
المغرب (مات بطرابلس سنة ٢٦١ هـ). تذكرة الحفاظ: ٥٦٠/٢.
والعجلي: بكسر العين وسكون الجيم وفي آخرها لام نسبة إلى عجل بن لجيم، اللباب : :
٣٢٥/٢.
(٥) تاريخ الثقات: ص ٣٩٣.
(٦) الثقات لابن حبان: ٣١٣/٥.
(٧) التهذيب: ١٥٣/٦.
(٨) تاریخ الثقات: ص ٢٨٩.
(٩) الجوهر النقي: ١٣٦/١.
(١٠) الثقات: ٩٦/٥.
١٢٨

الدارقطني(١) وابن خلفون(٢) عن ابن نمير(٣) توثيقه(٤).
قول يحبى: «بين عمير بن سعيد وعمار مفازة)).
قال ابن التركماني: ((في مصنف ابن أبي شيبة حدثنا ابن فضيل(٥) ووكيع عن
مسعر عن عمير بن سعيد قال: كنت جالساً في مجلس فيه عمار بن ياسر فسئل عن
مس الذكر في الصلاة فقال: ما هو إلا بضعة منك، وهذا سند صحيح وفيه تصريح
بأنه لا مفازة بينهما)»(٦).
قلت: وقد ذكر البخاري في تاريخه الكبير في ترجمة عمير بن سعيد ما يفيد
أنه أدرك عمَّاراً، فذكر البخاري بسنده إلى عمير بن سعيد أنه قال: ((ألا أخبرك بكل
أمير كان علينا حتى مات معاوية، كان أول من أتانا سعد رضي الله عنه ثم أتانا
بعده عمار رضي الله عنه ثم أتانا بعده المغيرة رضي الله عنه فقُتِل عمر رضي الله عنه
وهو علينا ... ))(٧).
وقد استبعد الحافظ ابن حجر أيضاً قول يحيى بن معين بأن بين عمير بن
سعيد وعمار بن ياسر مفازة فقال بعدما ذكر قول يحيى: ((فيحرَّر هذا فإنه قدیم)» ثم
أشار إلى رواية البخاري الآنفة الذكر (٨).
قول أحمد: ((عمَّار وابن عمر استويا)).
(١) سؤالات الحاكم النيسابوري للدارقطني: ص ٢٣٩.
(٢) هو الحافظ أبو بكر محمد بن إسماعيل بن محمد بن خلفون الأزدي الأندلسي كان بصيراً
بصناعة الحديث حافظاً للرجال (مات سنة ٦٣٦ هـ). تذكرة الحفاظ: ١٤٠٠/٤.
(٣) هو محمد بن عبدالله بن نمير أحد الأعلام الأثبات (المتوفى سنة ٢٣٤ هـ). المصدر
السابق: ٤٣٩/٢.
(٤) انظر التهذيب: ١٥٣/٦.
(٥) هو الحافظ أبو عبد الرحمن محمد بن فضيل بن غزوان الضبي مولاهم الكوفي وكان من
علماء هذا الشأن (مات سنة ١٩٥ هـ). تذكرة الحفاظ: ٣١٥/١.
(٦) الجوهر النقي: ١٣٦/١.
(٨) التهذيب: ١٤٦/٨.
(٧) ت الكبير: ٥٣٢/٦.
١٢٩

قال ابن التركماني: (مع عمار ابن مسعود وغيره من الصحابة والأسانيد بذلك
صحاح، وعن الطّحَاوِي(١): أنه لم يفتِ بالوضوء منه من الصحابة غیر ابن عمر فلا
نسلَّم الاستواء))(٢).
وحديث بسرة وحديث طلق أخرجهما أصحاب السنن(٣) وقال بكل من
الحديثين جماعة من الصحابة ومن التابعين ومن الأئمة المجتهدين، قال الترمذي
: بعد إخراج حديث بسرة: ((وهو قول غير واحد من أصحاب النبي صل1 والتابعين، وبه
يقول الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق» (٤) ..
وقال الترمذي بعدما أخرج حدیث قيس بن طلق: «وقد روي عن غير واحد
من أصحاب النبي عليه وبعض التابعين أنهم لم يروا الوضوء من مس الذكر، وهو
قول أهل الكوفة وابن المبارك، وهذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب))(9).
وقد صحح الشیخ أحمد شاکر رحمه الله حدیث طلق هذا، ونقل تصحيحه
عن ابن حزم أيضاً(٦)، وقد حكم الطحاوي على حديث بسرة بالاضطراب فقال
(١) هو العلامة الحافظ أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الحجري المصري الطحاوي
الحنفي صاحب التصانيف وكان ثقة فقيهاً عاقلاً (مات سنة ٣٢١ هـ). تذكرة الحفاظ:
٨٠٨/٣.
والطحاوي: بفتح الطاء والحاء المهملتين وبعد الألف واو نسبة إلى طحا قرية بصعيد مصر.
اللباب: ٢٧٥/٢.
(٢) الجوهر النقي: ١٣٦/١.
(٣) أكتفي هنا بذکر رواية أبي داود لكل من الحديثين:
أخرج أبو داود في سننه: ١٢٥/١، ١٢٦ في الطهارة باب الوضوء من مس الذكر، عن بسرة
بنت صفوان أنها سمعت رسول الله صل* يقول: ((من مسّ ذكره فليتوضأ)».
ثم أخرج أبو داود حديث قيس بن طلق عن أبيه قال: قدمنا على نبي الله ومؤاز فجاء رجل
كأنه بدوي، فقال: يا نبي الله، ما ترى في مس الرجل ذكره، بعدما يتوضأ؟ فقال: ((هل هو
إلا مضغة منه، أو بضعة منه؟)). انظر سنن أبي داود: ١٢٧/١ باب الرخصة في ذلك.
. (٤) سنن الترمذي: ١٢٩/١ في الطهارة باب الوضوء من مس الذكر.
(٥) المصدر السابق: ١٣١/١، ١٣٢ نفس الكتاب والباب.
(٦) المصدر السابق: ١٣٢/١ ((الحاشية)).
١٣٠

بعدما ساق حديث ملازم(١): ((فهذا حديث ملازم صحيح مستقيم الإسناد غير
مضطرب في إسناده، ولا في متنه، فهو أولى - عندنا - مما رويناه أولاً من الآثار
المضطربة في أسانيدها. ولقد حدثني ابن أبي عمران(٢)، قال: سمعت عباس بن
عبدالعظيم العنبري يقول: سمعت علي بن المديني يقول: حديث ملازم هذا،
أحسن من حديث بسرة»(٣).
وقد اختلف العلماء في الأخذ بأحد الحديثين، وترجيح أحدهما على الآخر
يطلب ذلك من مظانه من كتب الفقه والشروح.
وبالنظر إلى هاتين المسألتين ندرك أن الإمام علي بن المديني أحد الحفّاظ
المتقنين الذين عنوا بفقه الحديث ولم يتقيّد بمذهب معيّن من المذاهب المعروفة
آنذاك، بل كان يأخذ بما أدّى إليه اجتهاده وما ترجَّح لديه بالدليل، ومع بلوغه
رحمه الله هذه الرتبة في العلم والاجتهاد فقد كان يتمتع بالتحرّز الشديد في الفتيا
وعدم التسرع فيه؛ لأن التسرع مظنة الوقوع في الخطأ، والخطأ في الفتيا عبادات
كانت أو معاملات أمر من الخطورة بمكان. قال أبو العباس أحمد بن محمد بن
محرز(٤): سمعت علي بن المديني يقول: ((إن الذي يفتي في كل ما يسأل عنه
لأحمق)) (٥) والله أعلم.
(١) هو راوي حديث قيس بن طلق أبو عمرو ملازم بن عمرو بن عبدالله السُحَيْمِي - بمهملتين
مصغراً - اليمامي الملقب بلزيم. التهذيب: ٣٨٤/١٠، انظر: الخلاصة: ص ٣٩٨.
(٢) هو الإمام قاضي الديار المصرية أحمد بن أبي عمران أبو جعفر الفقيه الحنفي شيخ
الطحاوي (مات سنة ٢٨٠ هـ). شذرات الذهب: ١٧٥/٢.
(٣) شرح معاني الآثار للطحاوي: ٧٦/١ ط الأولى دار الكتب العلمية بيروت، ١٣٩٩ هـ ـ
١٩٧٩ م.
(٤) تقدمت ترجمته في: ص ٣٦.
(٥) معرفة الرجال ٣٨ ب مخطوط.
١٣١

الفصل الخامس
حَيَاةُ الإِمَامِ عَلِيّ بن المَدِيْنِي العِلْمِيَّة
وفيه مبحثان :
١ - العوامل التي كوّنت شخصية ابن المديني.
٢ - مكانته العلمية.
المبحث الأول: العوامل التي كوّنت شخصية ابن المديني:
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: اتجاهه العلمي منذ الصغر :
علمنا مما سبق أن الإمام علي بن المديني رحمه الله نشأ في بيئة علمية
وتربّى في رحاب تلك الأسرة السنية المتديّنة حيث كان أبوه من المحدثين
المشهورين، وجدُّه كان ممن روى الأحاديث النبوية المطهرة أيضاً، لذلك فقد تُوجَّه
ابن المديني منذ صباه إلى علم الحديث وتقييده، حيث انضم إلى مجالس العلم
وانسلك في صفوفها ليغترف من بحورها بكل همة عالية وعزيمة قوية وإيمان
صادق، وفطرة سليمة، فقد كانت بداية علي بن المديني للتقييد والكتابة في وقت
مبكر جداً من عمره، يحدثنا ابن المديني عن بداية تقييده للحديث وعلومه وهو
صبي فيقول: (مرَّ بنا الجَمّاز(١) - ونحن في مجلس للحديث - فقال: يا صبيان،
(١) هو أبو عبدالله محمد بن عمرو بن حماد بن عطاء الجماز، مولى أبي بكر الصديق رضي الله -
١٣٢

أنتم لا تحسنون أن تكتبوا الحديث، كيف تكتبون أُسَيداً، وأَسِيداً، وأُسَيِّداً؟ قال:
فكان ذلك أول ما عرفت التقييد وأخذت فيه)(١).
ومما يدلّ على أنه اتجه منذ صغره إلى أخذ العلم وكتابة الحديث ما قاله
الإمام أبو حاتم الرازي: (سألت علي بن المديني عن غالب الجَزّري(٢) فقال: ما
كتبت منذ صغري إلى الآن من حديثه شيئاً)(٣).
فدل هذا النص على أنه كان يكتب منذ صغره وكان له إدراك وتمييز منذ
صباه.
ويبدو أنه عليه الرحمة كان يتمتع بذكاء حاد وإدراك واطلاع واسعين منذ
حداثته فقد قال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: (سمعت علي بن المديني يقول:
جلست إلى عبدالله بن خراش وأنا حدث، فسمعته يقول: حدثنا العوّام(٤) عن
إبراهيم التّيمِي عن أبيه عن علي أن النبي ◌َ* نصب المنجنيق(٥) على أهل
= عنه وهو ابن أخت سلم الخاسر كان شاعراً أديباً فاضلاً، وكان خبيث اللسان حسن النادرة من
الظراف، والجَمَّاز بفتح الجيم وتشديد الميم وبعد الألف زاي. انظر الأنساب: ٢٩١/٣،
ووفيات الأعيان: ٧/ ٧٠.
والجَمَّاز: يقال لمن يركب الجمازة ويسيرها، والجمازة هي الدابة السريعة. انظر: اللباب:
٢٨٩/١، ولسان العرب: ٣٢٣/٥.
(١) شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف للعسكري: ص ١٤.
وانظر أيضاً: تصحيفات المحدثين للعسكري: ١٣/١.
(٢) هو غالب بن عبيدالله العقيلي الجزري كان ضعيفاً (مات في آخر أيام المهدي) انظر:
اللسان: ٤ / ٤١٤.
والجَزَري: بفتح الجيم والزاي وبعدها الراء نسبة إلى الجزيرة وهي بلاد بين الفرات ودجلة.
انظر: المغني : ص ٦٦ بتصرف.
(٣) الجرح: ٤٨/٧.
(٤) هو أبو عيسى العوّام - بتشديد الواو- ابن حوشب بن يزيد الشيباني أحد الأعلام (مات سنة
١٤٨ هـ). التقريب: ٨٩/٢، والخلاصة: ص ٢٩٨، وانظر: المغني: ص ١٨١.
(٥) المنجنيق آلة قديمة من آلات الحصار، كانت ترمي بها حجارة ثقيلة على الأسوار فتهدمها.
انظر المعجم الوسيط: ٨٥٥/٢.
١٣٣

الطائف، فعلمت أنه كذَّاب(١)، لكن جده شهاب بن خراش(٢) الثقة المأمون)(٣)
وعبدالله بن خراش هو ابن حوشب الشيباني الكوفي أبو جعفر ذكره البخاري في
الأوسط في فصل من مات من الستين إلى السبعين(٤)، وعلى هذا فابن المديني
عندما جلس إليه واكتشف كذبه لم يتجاوز العاشرة من عمره - والله أعلم -.
ولا شك أن ابن المديني بالإضافة إلى هذا الإقبال في تنمية مواهبه الحديثية:
في هذا السن المبكر كان يشتغل بالعلوم الأخرى من حفظ كتاب الله الكريم وأخذ
القراءات(٥) وتعلم العلوم العربية ونحو ذلك.
وقد استمرت دراسة علي بن المديني في الكُتّاب إلى حوالي الرابع عشرة من:
عمره فقد قال علي بن المديني: (مات أبو عَوَانة (٦) وأنا في الكُتّاب)(٧) وتوفي أبو
عوانة سنة خمس أو ست وسبعين ومائة(٨)، وعمر علي إذا ذاك ـ على التقدير:
الأول - أربعة عشر سنة - والله أعلم -.
وأما تلقِّيه العلم وطلب الحديث وروايته فقد بدأ في حدود الخامس عشرة من
عمره تقريباً وذلك أنه روى عن أبيه الذي توفي سنة ثمان وسبعین ومائة، وروى عن
(١) فلعل تكذيب علي بن المديني لعبدالله بن خراش في هذه القصة إنما هو لرفعه إيّاها إلى
رسول الله 18 فعلًا له - عليه الصلاة والسلام - في محاصرته لأهل الطائف إذ المعلوم عند
العلماء أنها من قول مكحول فقد روى ابن سعد هذه القصة في الطبقات الكبرى: ١٥٩/٢
بسنده إلى مكحول من قوله - والله أعلم -.
(٢) هو أبو الصلت شهاب بن خراش بن حوشب الشيباني الواسطي ابن أخي العوّام بن حوشب.
التقريب: ٣٥٥/١، وانظر الخلاصة: ص ١٦٧.
(٣) المحدث الفاصل بين الراوي والواعي للرامهرمزي: ص ٣١٦، ٣١٧.
(٤) انظر: ترجمة عبدالله بن خراش في التهذيب: ١٩٨/٥.
(٥) كانت له معرفة بالقراءات: انظر: مبحث ((علمه بالقراءات)) في هذه الرسالة: ص ٢٥٩.
(٦) هو الحافظ أبو عوانة الوضّاح بن خالد مولى يزيد بن عطاء اليشكري الواسطي البزار . أحد
الثقات، وكان من أهل الفضل والنسك، (مات سنة ١٧٦ هـ). مشاهير علماء الأمصار:
ص ١٦٠، وانظر تذكرة الحفاظ: ٢٣٦/١. وفي التهذيب وغيره: الوضاح بن عبد الله.
وعوانة: بفتح العين المهملة والواو المخففة وبالنون. المغني: ص ١٨١.
(٧) ت بغداد: ٦٣/١٠.
(٨) التقريب: ٣٣١/٢.
١٣٤

جعفر بن سليمان(١) الذي توفي في السنة نفسها، وعليٍّ إذ ذاك في السابعة عشرة
من عمره وروى عن حماد بن زيد الذي توفي سنة تسع وسبعين ومائة، ولا شك أنه
لازمهم مدة قبل وفاتهم حتى عدّه الذهبي من المختصين بحماد بن زيد الذين ما
لحقوا ابنَ سلمة(٢)، وكذلك روى عن هُشَيم بن بَشير(٣) وقد صرَّح بأنه لقيه في سنة
تسع وسبعين ومائة(٤)، وهو في الثامن عشرة من عمره.
وفي الجملة فإن الإمام علي بن المديني نشأ من صغره على الجِدِّ والصرامة
فقد اتجه لدراسة العلوم المختلفة، ودخل ميدان علم الحديث منذ نعومة أظفاره،
ولما لاحظ منه شيخه سفيان بن عيينة بفراسته رغبة ابن المديني الشديدة في العلم
والتحصيل وعرف منه هذه الحياة الجادّة الصارمة قال له حين ودَّعه علي بن
المديني: (أما إنك ستبلى بهذا الأمر، وأن الناس سيحتاجون إليك فاتق الله،
ولتحسن نيتك فيه)(٥) فهذه شهادة عظيمة من إمام جليل من أئمة الحديث بأن یکون
لعلي بن المديني شأن في الحديث وأن الناس سيحتاجون إلى علومه وقد صدقَتْ
فراسة شيخه فيه؛ فقد قام بهذا الأمر خير قيام واحتاج الناس إلى علومه ونقده - والله
أعلم -.
المطلب الثاني : قوة حفظه :
قد وهب الله سبحانه وتعالى علي بن المديني قوةً في الحفظ ورجاحةً في
العقل وحدةً في الذكاء وسعةً في الفهم، فهو من الحفاظ الأفذاذ المتقنين، فقد
وصفه بأنه من الأئمة الحفاظ كل من أبي أحمد عبدالله بن عدي المتوفى سنة
(١) هو أبو سليمان جعفر بن سليمان الضبعي الجرشي كان يتقشف ويجالس الصالحين (مات
سنة ١٧٨ هـ). مشاهير علماء الأمصار: ص ١٥٩.
(٢) السير: ٤٦٥/٧.
(٣) هو أبو معاوية هُشيم بن بشيربن القاسم المعلم من متقني الواسطيين وجلة مشايخها ممن
كثرت عنايته بالآثار وجمعه للأخبار (مات سنة ١٨٣ هـ). مشاهير علماء الأمصار:
ص ١٧٧ .
(٤) ت الصغير: ٢٣١/٢.
(٥) الجامع: ٢٥٧/٢.
١٣٥

٣٦٥ هـ (١)، ومحمد بن أبي يعلى الفراء المتوفى سنة ٥٢٦ هـ(٢)، وأبي القاسم
علي بن الحسن بن عساكر المتوفى سنة ٥٧١ هـ(٣)، وعز الدين بن الأثير الجزري
المتوفى سنة ٦٣٠ هـ(٤)، وأبي عبدالله محمد بن أحمد الذهبي المتوفى سنة
٧٤٨ هـ(٥)، وتاج الدين عبدالوهاب السبكي المتوفى سنة ٧٧١ هـ(٦)، والحافظ
زين الدين عبدالرحمن بن رجب الحنبلي المتوفى سنة ٧٩٥ هـ(٧)، وجمال الدين
يوسف بن تغري بردي المتوفى سنة ٨٧٤ هـ(٨)، وصفي الدين أحمد بن عبدالله
الخزرجي (٩) المتوفى بعد سنة ٩٢٣ هـ (١٠)، وابن العماد الحنبلي(١١) المتوفى سنة
١٠٨٩ هـ(١٢).
إن من أهم الصفات التي تميز بها الإمام علي بن المديني هي الحفظ، وقد
شهد بذلك الأئمة الأعلام من شيوخه وأقرانه ومن بعدهم، فعندما ذکر یحبی بن
معين عند عبدالرزاق - وهو شيخ ابن المديني - قال: (ما رأيت مثله، ولا أعلم
بالحديث منه من غير سرد، وأما علي بن المديني فحافظ سرّاد)(١٣)، وقال الإمام أبو
(١) الكامل: ١١٤٥/٣.
(٢) طبقات الحنابلة: ٢٢٥/١.
(٣) المعجم المشتمل: ص ١٩٣.
(٤) الكامل في التاريخ: ٤٥/٧.
(٥) تذكرة الحفاظ: ٤٢٨/٢، السير: ٤٣/١١، العبر: ٤١٨/١.
(٦) طبقات الشافعية الكبرى: ١٤٥/٢.
(٧) شرح علل الترمذي: ص ١٨٥.
(٨) النجوم الزاهرة: ٢٧٦/٢ ..
(٩) هو أحمد بن عبدالله بن أبي الخير الخزرجي الأنصاري الساعدي (مات بعد سنة ٩٢٣ هـ).
انظر: الأعلام: ١٦٠/١، وتقدمة خلاصة تذهيب تهذيب الكمال: ص ٧.
(١٠) الخلاصة: ص ٢٧٥ .
(١١) هو أبو الفلاح عبدالحي بن أحمد بن محمد بن العماد العكري الحنبلي المؤرخ الفقیه عالم
:
بالأدب ولد بالشام وأقام بمصر ومات بمكة جاجاً (سنة ١٠٨٩ هـ). خلاصة الأثر في أعيان
القرن الحادي عشر للمُحِبِّي: ٣٤٠/٢٠، وانظر: الأعلام: ٢٩٠/٣.
(١٢) شذرات الذهب: ٨١/٢.
(١٣) ت بغداد: ٤٦/٩، ت الكمال: ٤٥٠/١.
١٣٦

عبدالله أحمد بن حنبل - وهو قرينه -: (كان ابن المديني أحفظنا للطوال)(١) ووصفه
الخطيب البغدادي بأنه المقدَّم على حفاظ وقته (٢)، بل إن الحافظ الذهبي اندهش
من حفظه الغزير فجعله مشبهاً به في الحفظ والإتقان فقال في ترجمة الإمام
أحمد: (ووالله لقد بلغ في الفقه خاصة رتبة الليث، ومالك، والشافعي، وأبي
يوسف، وفي الزهد والورع رتبة الفضيل، وإبراهيم بن أدهم، وفي الحفظ رتبة
شعبة، ويحيى القطان وابن المديني)(٣).
فالذهبي أولاً قرن ابن المديني في الحفظ بشعبة ويحيى القطان، وهما جبلان
في الحفظ، وثانياً شبّه أحمد بن حنبل بابن المديني وشعبة والقطان في الحفظ،
ومعلوم أن المشبّه به أوضح من المشبه.
وكان ابن المديني رحمه الله واثقاً من حفظه فيحدثنا عن حفظه وأنه بلغ فيه
مبلغاً كبيراً فيقول: (ما نظرت في كتاب شيخ فاحتجت إلى السؤال به عن غيري)(٤)
فكان يحفظ الأحاديث الكثيرة .
ومما يدل على إتقانه أنه كان يستحضر أيضاً مع حفظه الكثير من الأحاديث
وقت سماع بعض الأحاديث بعد مدة طويلة، فقد قال في حديث سمعه من
حفص بن غياث: (سمعت هذا من حفص سنة سبع وثمانين ومائة)(٥).
ومما يدل على حفظه القوي الواسع ما ذكره يعقوب بن سفيان الفسوي عن
أبي بشر بكر بن خلف(٦) قال: (قدمت مكة، وبها شاب حافظ، واسع الحفظ،
فكان يذاكرني المسند بطرقه، فقلت له: من أين لك هذا؟ قال: أخبرك، قال:
طلبت إلى علي أيام سفيان أن يحدثني بالمسند. فقال: قد عرفت أنك إنما تريد
(١) تذكرة الحفاظ: ٤٨٨/٢، الميزان: ٢٠٥/٢.
(٢) ت بغداد: ٤٥٨/١١.
(٣) السير: ٣٢١/١١.
(٤) ت بغداد: ٤٦٤/١١، السير: ٥٠/١١، ت الكمال: ٩٧٩/٢.
(٥) الكفاية: ص ١١٥.
(٦) هو أبو بشر بكر بن خلف البصري (مات بعد سنة ٢٤٠ هـ). التقريب: ١٠٥/١.
١٣٧

بما تطلب المذاكرة فإن ضمنت لي أنك تذاكر ولا تسميني فعلتُ. قال: فضمنت له
واختلفت إليه، فجعل يحدثني بهذا الذي أذاكرك به حفظاً)(١).
هذا وقد جمع ابن المديني إلى حفظه الواسع وذاكرته القوية إتقاناً وضبطاً،
وفهماً ثاقباً، ومعرفةً واسعة بالأحاديث، ذكر الخطيب بسنده إلى عبدالمؤمن بن
خلف النَّسَفي(٢) قال: (سألت أبا علي صالح بن محمد(٣)، قلت: يحيى بن معين:
هل كان يحفظ؟ فقال: لا، إنما كان عنده معرفة، فقلت لأبي علي ؛ فعلي بن
المديني كان يحفظ؟ فقال: نعم، ويعرف) (٤).
وقال ابن أبي حاتم: (سمعت محمد بن مسلم بن وَارَة(٥) وسئل عن علي بن
المديني، ويحيى بن معين أيّهما كان أحفظ؟ قال: علي كان أسرد وأتقن، ويحيى
أفهم بصحيح الحديث وسقيمه، وأجمعهم أبو عبدالله أحمد بن حنبل)(٦).
وقال ابن أبي حاتم أيضاً: «سألت أبي رحمه الله عن أحمد بن حنبل،
وعلي بن المديني: أيهما كان أحفظ؟ قال: كانا في الحفظ متقاربين، وكان أحمد
أفقه، وكان علي أفهم بالحديث)(٧) فقد جمع علي بن المديني إلى حفظه للحديث
معرفةً وإتقاناً وفهماً للحديث - والله أعلم.
(١) المعرفة والتاريخ: ١٣٦/٢، وت بغداد: ٤٦٢/١١، والعبارة منه لوضوح النص فيه:
(٢) هو الحافظ الإمام أبو يعلى عبدالمؤمن بن خلف النسفي التميمي، كان من علماء الظاهرية،
وكان شديد الحب للآثار: صالحاً ناسكاً (مات سنة ٣٤٦ هـ). تذكرة الحفاظ: ٨٦٦/٣.
والنسفي: بفتح النون والسين وفي آخرها فاء، هذه النسبة إلى نسف وهي من بلاد ما وراء
النهر ويقال لها نخشب. اللباب: ٣٠٨/٣.
(٣) هو العلامة الثبت أبو علي صالح بن محمد بن عمرو الأسدي مولاهم البغدادي نزيل
بخارى، كان ثقة حافظاً عارماً مشهوراً بالمزاح ولُقِّب بالجزرة لأنه صحف خرزة إلى جزرة
(مات سنة ٢٩٣ هـ). تذكرة الحفاظ: ٦٤١/٢.
(٤) ت بغداد: ٤٦٤/١١، انظر تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي للسيوطي: ص ١٢ .
(٥) هو الحافظ الثبت أبو عبد الله محمد بن مسلم بن عثمان بن وارة - بفتح الراء المخففة -
الرازي، كان من أهل هذا الشأن المتقنين الأمناء (مات سنة ٢٧٠ هـ). تذكرة الحفاظ:
٥٧٥/٢، وانظر التقريب: ٢٠٧/٢.
(٦) تقدمت الجرح: ص ٢٩٤، ٣١٤، ٣٢٠.
(٧) المصدر السابق: ص ٣١٩، وانظر: شرح علل الترمذي: ص ١٨٦.
١٣٨

المطلب الثالث: شِدّة حرص ابن المديني ومثابرته على طلب العلم:
قد عرف ابن المديني بين معاصريه بحرصه الشديد على طلب العلم، وتفانيه
في جمع الحديث وتتبعه، فلقد قاسى الشدائد وعانى من المصاعب الشيء الكثير،
وقد قطع الصحارى واجتاز البراري وتحمّل الكثير من آلام الجوع والعطش في
سبيل طلب الحديث وتدوينه وهو في كل ذلك صابر محتمل قوي العزيمة جلد
الهمة فقد كان يُقبل على تحصيل العلم بلهفة شديدة وشغف صادق، ومن تتبع
سيرته العطرة، وتقصَّى حياته العلمية الجادّة يتجلَّى له حرصه الشديد وعزيمته
الصادقة وإيمانه القوي الراسخ، ويتضح له ما كان يكابد من العناء والتعب، والصبر
واحتمال المكاره في مجال الاستفادة من المشايخ المنتشرين في الأمصار
الإسلامية .
وقد سبقت الإشارة إلى أن ابن المديني غاب عن البصرة في طلب العلم إلى
اليمن مدة ثلاث سنوات(١)، ومما لا ريب فيه أنه في تلك المدة الطويلة واجه كثيراً
من الصعوبات وتعرّض لجملة من المشاق الجسيمة ولا سيما أن اليمن في ذلك
الوقت لم تكن أرض تجارة ولا كسب كما أشار إلى ذلك الإمام عبد الرزاق
الصنعاني لأحمد بن حنبل، عندما قدم اليمن وعرض عليه عبدالرزاق المعونة قال
عبدالرزاق: (خذ هذا الشيء فانتفع به فإن أرضنا ليست بأرض متجر ولا
مكسب)(٢)، وكان علي إذا دخل بلداً لطلب العلم يطوف على شيوخ ذلك البلد
يغترف مما عندهم من الحديث والمعارف الإسلامية(٣) حتى إنه لم يترك طلب العلم
في يوم الصدور من مزدلفة عندما قدم مكة للحج - ولا شك أن منى في ذلك اليوم
مزدحمة بالحُجَّاج - فقد كان ملازماً لشيخه الوليد بن مسلم في مسجد منى وعليه
زحام كثير، يأخذون عنه العلم، وينتهزون فرصة لقائه في الموسم (٤).
(١) انظر: ص ٥٣.
(٢) انظر: ابن حنبل حياته وعصره للشيخ محمد أبي زهرة: ص ٢٨.
(٣) انظر: ت بغداد: ١٨/٣.
(٤) انظر: المعرفة والتاريخ: ٤٢١/٢.
١٣٩

ومما يدل على شغفه البالغ في التحصيل والسماع من بعض الشيوخ قوله:
(يحملني حُبِّي لهذا الحديث أن أحجّ حجّةٍ، فأسمع من محمد بن الحسن)(١)،
وكان يقول عليه الرحمة: (ربما أذكر الحديث في الليل فآمر الجارية تشرج
السراح، فأنظر فيه)(٢) ومثل هذه النصوص إن دلّت على شيء فإما تدل على أنه
كان يستطيب المشقة والعناء ويتصف بالمثابرة والتفاني حباً في طلب الحديث.
ولما قدم ابن المديني الكوفة من عند جرير بن عبدالحميد جعل يُعنى في
الكوفة بحديث الأعمش فتتَّعه وجمعه من عند أبي معاوية(٣) وأصحاب الأعمش،
فلما قدم البصرة لقي عبدالرحمن بن مهدي فسلّم عليه، وأخبره بعنايته بحديث
الأعمش، فقال عبد الرحمن بن مهدي لعلي بن المديني: اكتب ما ليس عندك فأملى
عليه ثلاثين حديثاً لم يسمع علي منها شيئاً، فقال علي: (فجعلت أتعجب من فهمه
بما ليس عندي)(٤).
وكانت له عناية خاصة بأحاديث بعض الأعيان من المحدثين وذلك في إطار
جمعه للأحاديث، فمن ذلك حديث الوليد بن مسلم عالم الشام قال إبراهيم بن:
المنذر(١): (قدمت البصرة فجاءني علي بن المديني فقال: أول شيء أطلب، أخرجْ
إليّ حديث الوليد بن مسلم. فقلت: يا سبحان الله! وأين سماعي من سماعك؟
فجعلت آبى ويلح، فقلت: أخبرني إلحاحك هذا ما هو؟ قال: أخبرك، الوليد رجل
الشام - يعني عالمه - وعنده علم كثير، ولم أستمكن منه، وقد حدثكم بالمدينة في
المواسم، وتقع عندكم الفوائد لأن الحُجَّاج يجتمعون بالمدينة من آفاق شتّى،
(١) الكامل: ١٣٠/١، ولعله محمد بن الحسن بن الزبير الأسدي أبو عبدالله (المتوفى سنة
٢٠٠ هـ). التهذيب: ٠١١٧/٩
(٢) ت بغداد: ٤٦٣/١١، السير: ٥٠/١١.
(٣) هو محمد بن خازم السعدي التميمي تقدمت ترجمته في: ص ٣٣.
(٤) انظر ت بغداد: ٢٤٥/١٠، والكامل: ١١٩/١، والمحدث الفاصل: ص ٢٥١.
(٥) هو إبراهيم بن المنذر بن عبدالله الأسدي الحزامي (مات سنة ٢٣٦ هـ) التقريب: ٤٣/١.
١٤٠