Indexed OCR Text
Pages 61-80
والعبادة، يقول الإمام ابن حبان في حديثه عن الأئمة النقاد: ((من أورعهم في الدين وأكثرهم تفتيشاً على المتروكين، وألزمهم لهذه الصناعة على دائم الأوقات منهم كان أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، رحمة الله عليهم أجمعين)) (١). فقد عدّ ابن حبان الإمام ابن المديني في أورع الأئمة في الدين وألزمهم لصناعة الحديث والنقد. وقد وصفه الإمام أبو نعيم الفضل بن دُكّين بالعبادة والتقوى فقد أخرج الخطيب بسنده إلى أبي العباس بن عقدة(٢) يقول: ((خرج أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني إلى الكوفة إلى أبي نعيم، فدلّس عليه يحيى بن معين أربعة أحاديث، فلما فرغوا، رفس يحيى بن معين حتى أقلبه(٣)، ثم قال: أما أحمد فيمنعه ورعه من هذا، وأما هذا - يعني علياً - فتحنيثه(٤) يمنعه من ذلك، وأما أنت فهذا من عملك، قال يحيى: فكانت تلك الرفسة أحب إليَّ من كل شيء))(٥)، فهذه شهادة من شيخه أبي نعيم بأن علياً يتصف بالتعبد والتقوى والورع في الدين وحسن الخلق. وكان علي رحمه الله حريصاً على طاعة الله وأداء واجباته على الوجه المطلوب فقد كان حريصاً على أداء الصلوات في المسجد جماعة، قال أحمد بن حنبل: ((حضرت عند إبرهيم بن أبي الليث(٦)، وحضر علي بن المديني، وعباس العَنْبَرِي(٧)، وجماعة كثيرة، فنودي بصلاة الظهر، فقال علي بن المديني: نخرج (١) كتاب المجروحين: ٥٤/١. (٢) هو المحدث الحافظ أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الكوفي مولى بني هاشم المعروف بابن عقدة كان إليه المنتهى في قوة الحفظ وكثرة الحديث على تشيّع فيه (مات سنة ٣٣٢ هـ). المصدر السابق: ٨٣٩/٣. (٣) هكذا في المطبوعة (أقلبه) وهي لغة ضعيفة والمشهور أن يقال (قلبه). انظر: لسان العرب: ٠٦٨٥/١ (٤) يريد تحنّئه وهو عبادته وتقواه. (٥) الجامع: ١٣٦/١. (٦) هو إبراهيم بن أبي الليث واسم أبي الليث نصر، ترمذي الأصل بغدادي الدار صاحب الأشجعي اختلف في توثيقه وتجريحه (مات سنة ٢٣٤ هـ). ت بغداد: ١٩١/٦. (٧) ستأتي ترجمته في مبحث تلاميذ ابن المديني: ص ٢٤٤. = ٦١ إلى المسجد أو نصلي ههنا؟ فقال أحمد: نحن جماعة نصلي ههنا، فصلوا))(١). فسؤال ابن المديني هذا- وهو يعلم أنهم جماعة تسوغ لهم الصلاة في ذلك. المكان - كان انطلاقاً من حرصه الشديد على أدائها مع جماعة المسلمين وحصول: أجر الذهاب إلى المسجد، ولكنه تواضعاً منه وانصياعاً لرغبة رفقائه صلى معهم. ولعل الفضل في تميّزه عن أقرانه بهذا الورع والزهد الظاهرين يرجع إلى صحبته لكبار الزهاد ومصادقته لأعيان العلماء في زمانه، فقد كان رفيقاً حميماً للإمام. الورع أحمد بن حنبل رحمه الله وکان صديقاً للعالم الربّاني محمد بن إدريس الشافعي فيقول رحمه الله عن هذه الصداقة للشافعي: ((كان الشافعي لي صديقاً، وكان سبب معرفتي إياه عند ابن عيينة، وكان ابن عيينة يجلّه، ويعظمه))(٢) وكان: رحمه الله حريصاً على حضور مجالس العبادة والذكر بصحبة الصالحين يحدثنا ابن المديني عن بعض هذه المجالس فيقول: ((كنا عند يحيى بن سعيد، فلما خرج من: المسجد، خرجنا معه، فلما صار بباب داره، وقف، ووقفنا معه، فانتھی إلیه الروبي(٣)، فقال يحيى لما رآه: ادخلوا. فدخلنا، فقال للروبي اقرأ، فلما أخذ في القراءة، نظرت إلى يحيى يتغير، حتى بلغ ﴿إِنَّ يَومَ الفَصلِ ميقْتُهمُ أَجْمَعِينَ﴾(٤) صعق يحيى، وغشي عليه، وارتفع صوته، وكان باب قريب منه، فانقلب، فأصاب الباب فقار ظهره، وسال الدم، فصرخ النساء، وخرجنا، فوقفنا بالباب، حتى أفاق بعد كذا وكذا، ثم دخلنا عليه، فإذا (هو) نائم على فراشه وهو يقول: ﴿إِنَّ يوم الفصلِ ميقتهم أجمعين﴾(٥) فما زالت فيه تلك القرحة حتى مات رحمه الله))(٦) والعنبري: بفتح العين وسكون النون وفتح الباء الموحدة وفي آخرها راء، هذه النسبة إلى = العنبر بن عمرو بن تميم. انظر: اللباب: ٣٦٠/٢. (١) تقدمة الجرح: ص ٢٩٨، ٢٩٩. (٢) مناقب الإمام الشافعي للبيهقي: ٢٤١/٢. (٣) لعله رجل من قرّاء القرآن يدعى الروبي بدليل ما ورد في هذه القصة من استماع يحيى لقراءة هذا القارىء وبدليل قول ابن المديني مرة أخرى: ((كنا عند يحيى فقرأ رجل سورة : الدخان فصعق يحيى وغشي عليه)). انظر: السير: ١٨٠/٩. (٤) سورة الدخان، آية ٤٠. (٥) سورة الدخان، آية ٤٠. (٦) السير: ١٨٣/٩. ٦٢ ومما يدل على حرصه الشديد على معرفة عبادة بعض مشايخه الصالحين ما حكاه رحمه الله: ((قال ابن يحيى بن سعيد(١): إن أباه يختم القرآن في كل يوم قال علي : فتفقدته وأنا معه في البستان فختمه بين المغرب والعشاء))(٢). فقد كان علي يتتبع شيخه ليقف على عبادته ليتأسَّى به ويتأثر بسلوكه. وقد صاحب هذه التقوى نزاهة وعفة، فهو يرى أن من يتصدَّى لدراسة الحديث النبوي رواية ودراية يجب أن يكون قاصداً بذلك وجه الله سبحانه وتعالى ولا يقصد به حطام الدنيا واستعجال الأجر والثواب، وحتى لا يحتاج إلى ما عند الناس من الأموال، ويستطيع التفرغ للقيام بمهمة دراسة الحديث والنقد فقد كان له بعض الضياع(٣) يستعين به في اقتيات أهله وعياله ولا يحوجه إلى السعي في توفير حاجاتهم رحمه الله تعالی . ولا شك أن التقوى والنزاهة تولّد الصفات الحميدة والخصال الكريمة فهي تدعو إلى الشفقة والعطف وتطبع النفوس على حب الخير للناس فقد كان ابن المديني رحمه الله كلما سمع بمرض أحد أصحابه يعوده ويقوم بواجب الأخوة الإسلامية نحوه ويدخل السرور في نفسه، وذلك بدافع الشفقة والمحبة في الله (٤)، وكان رحمه الله يزور العجائز من نساء شيوخه الذين لازمهم وتلقى عنهم طيلة حياتهم ويتفقد أحوالهن وهن كأمهاته، تدل على ذلك الحكاية التالية: قال محمد بن نصر(٥): ((سمعت علي بن المديني يقول: دخلت على امرأة عبدالرحمن بن مهدي: وكنت أزورها بعد موته - فرأيت سواداً في القبلة، فقلت: ما (١) هو أبو صالح محمد بن يحيى بن سعيد القطان البصري ولد العالم الشهير (مات سنة ٣٣٣ هـ على الصحيح). انظر: التقريب: ٢١٧/٢، وانظر: الخلاصة: ص ٣٦٣. (٣) التهذيب: ٥٤/٩. (٢) ت بغداد: ١٤ /١٤١. والضياع: جمع ضيعة وهي مال الرجل من النخل والكرم والأرض. لسان العرب: ٢٣٠/٨. (٤) تاريخ دمشق: ١٦٣/١٤ ب. (٥) هو محمد بن نصر الفراء النيسابوري أخرج ه النسائي وقال: ((ثقة)). التهذيب: ٤٨٩/٩. ٦٣ هذا؟ فقالت: هذا موضع استراحة عبدالرحمن، كان يصلي بالليل، فإذا غلبه النوم وضع جبهته على هذا الموضع)»(١). المبحث الثاني: تواضعه : . إن التواضع خصلة من الخصال الحميدة التي من يرزقها فقد أوتي خيراً كثيراً، ولقد عرف الإمام علي بن المديني بهذه الخصلة الحميدة، واتصف بذلك الخلق الكريم، خلق التواضع ولين الجانب، فلم يحمله تقدمه في العلوم، وتفوقه على أقرانه على البطر والأشر والكبر والخيلاء، بل زادته هذه المكانة المرموقة تواضعاً، مصداقاً لقول النبي ﴿: ((ما تواضع لله أحد إلا رفعه))(٢) فهذا الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله زميله في الطلب وتلميذه الذي روى عنه واستفاد منه قال ابن المديني عنه: ((قال لي سيدي أحمد بن حنبل: لا تحدث إلا من كتاب))(٣) وقال مرة: ((نهاني سيدي أحمد بن حنبل أن أحدث إلا من كتاب))(٤)، وقال فيه أيضاً: ((لنا فيه أسوة حسنة))(٥)، وكان علي لا يتردد في الاستفادة والأخذ عمن هو دونه في العلم والفضل إذا كان لديه ما ليس عنده من العلم وكان يقول في ذلك: ((إن العلم ليس بالسن، إن العلم ليس بالسن)»(٦)، وقال محمد بن يونس بن موسى الكُديمي البصري(٧) وهو (١) المجروحين: ٥٢/١. (٢) أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: ٢٠٠١/٤ في البر والصلة والآداب، باب استحباب العفو والتواضع. ونص الحديث كاملاً: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله). (٣) ت الكمال: ١٦٥/١. (٤) طبقات الحنابلة: ٢٢٦/١. (٥) تقدمة الجرح: ص ٢٩٥ (٦) طبقات الحنابلة: ٢٢٧/١، وانظر: المنهج الأحمد: ١٦٠/١. (٧) هو الحافظ المكثر أبو العباس محمد بن يونس بن موسى الكديمي القرشي البصري محدث البصرة، وهو واوٍ (مات سنة ٢٨٦ هـ). تذكرة الحفاظ:٠ ٦١٨/٢، والكُدَيْمِي: بضم أوله وفتح الدال وسكون الياء تحتها نقطتان وفي آخرها الميم نسبة إلى كديم وهو جد أبي العباس هذا. اللباب: ٠٨٧/٣: ٦٤ أحد تلاميذ ابن المديني: ((قال لي ابن المديني: عندك ما ليس عندي))(١) وكان تواضعه قد دفعه إلى عدم محبته لأن يمدحه أحد ولو كان هو أهلاً لهذا المدح فعندما ذكر له قول محمد بن إسماعيل البخاري فيه: «ما تصاغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني)) قال: ((ذروا قوله هو ما رأى مثل نفسه))(٢) كما أنه كان لا يترك فرصة طلب الوصية والنصح من الصالحين من رفقائه فقال عليه رحمة الله: ((قال : أحمد بن حنبل: إني لأشتهي أن أصحبك إلى مكة، وما يمنعني إلا خوف أن أملَّك أو تملَّني، فلما ودعته، قلت: أوصني، قال: اجعل التقوى زادك، وانصب الآخرة أمامك))(٣)، وكان إذا أنكر على أحد شيئاً ثم ظهر له صحة ما أنكر، رجع إلى الأخذ بما ثبت عند العلماء(٤)، والله أعلم. المبحث الثالث: نصحه لأهل الحديث: إن النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صفة من الصفات الحميدة التي يجب أن يتحلّى بها كل مسلم، قال تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾(٥) الآية، وطلاب العلم، والأئمة الذين يقتدى بهم هم في طليعة من يجب عليهم التحلي بهذه الخصلة الحميدة، وتلك الصفة الكريمة، وقد قام الإمام علي بن المديني بهذه المهمة خير قيام، وتحمّل على عاتقه هذه الأمانة أعظم تحمل، وكان يجعل نصب عينيه حديث رسول الله صلى: ((الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم))(٦)، فكان علي بن المديني إذا رأى الرجل إماماً ثقة؛ يحث (١) ت بغداد: ٤٣٦/٣، وانظر: الميزان: ٤ /٧٤. (٢) ت بغداد: ١٨/٢، وانظر: ت الكمال: ١١٧١/٣. (٣) طبقات الحنابلة: ٢٢٦/١، وانظر: السير: ٣٠١/١١، والمنهج الأحمد: ٦٨/١. (٤) تقدمة الجرح: ص ٣٣٨. (٥) سورة آل عمران، آية ١١٠. (٦) أخرجه مسلم في صحيحه عن تميم الداري رضي الله عنه: ٧٤/١، في الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة . ٦٥ الناس على الأخذ عنه ويحذرهم من فوات الأوان بالتلقي عنه مباشرة، قال أبو حاتم الرازي: ((قال علي بن المديني قديماً: من لم يكتب عن أبي سلمة (١) كتب عن: رجل عنه ضرورة))(٢)، وكان علي ينصح طلابه بتخير الشيوخ والرواية، قال سعيد بن سعد(٣) البخاري نزيل الري(٤): ((سمعت مسلم بن إبراهيم(٥) يقول: كانت الكتب التي عند أبي داود لعمرو بن مرزوق(٦)، وكان عمرو رجلاً غزّاءً يغزو في البحر، فكانت الكتب عند أبي داود إلى أن مات أبو داود، فلما مات أبو داود حوَّلها عمرو بن مرزوق (قال سعيد)(٧): فقال لي علي بن المديني اختلفْ إلى مسلم بن إبراهيم ودعْ عمرو بن مرزوق قال: فأتيت مسلماً في يوم مجلس عمرو بن مرزوق فقال لي: اليوم مجلس عمرو بن مرزوق كيف جئتني؟ فقلت: إن علي بن المديني أمرني أن آتيك))(٨) .. فقد أمر علي بن المديني سعيد بن سعد البخاري بالاختلاف إلى مسلم بن إبراهيم وترك الأخذ عن عمرو بن مرزوق وذلك لأن مسلم بن إبراهيم إمام ثقة وأما عمرو بن مرزوق فهو ساقط الرواية عند الإمام علي بن المديني فقد كان يتكلم فيه، لذلك حث سعيداً على تركه والأخذ عن مسلم بن إبراهيم. (١) هو الحافظ أبو سلمة موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي البصري ثقة ثبت (مات سنة ٢٢٣ هـ). تذكرة الحفاظ: ٣٩٤/١، والتقريب: ٢٨٠/٢. (٢) الجرح: ١٣٦/٨، وتذكرة الحفاظ: ٣٩٥/١. (٣) وقع في الجرح: ٢٦٤/٦ ((سعيد بن سعيد)) ولعل الصواب ما أثبته كما في المراجع الأخرى. انظر: التهذيب: ١٠٠/٨، والتقريب: ٢٩٦/١. (٤) هو سعيد بن سعد بن أيوب أبو عثمان البخاري نزيل الري كان له معرفة بالحديث (مات قبل أبي حاتم الرازي بأشهر). التهذيب: ٣٦/٤. والري: بفتح أوله وتشديد ثانيه، مدينة مشهورة من أمهات بلاد المشرق وأعلام المدن وهي محط الحاج على طريق السابلة وقصبة بلاد الجبال. انظر: معجم البلدان: ١١٦/٣. (٥) هو الحافظ المسند أبو عمر مسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي مولاهم البصري وكان ثقة مأموناً (مات سنة ٢٢٢ هـ). تذكرة الحفاظ: ٣٩٤/١. (٦) هو عمرو بن مرزوق أبو عثمان الباهلي البصري ثقة له أوهام (مات سنة ٢٢٤ هـ). التقريب: ٧٨/٢. (٧) الزيادة من التهذيب: ١٠٠/٨ .. (٨) الجرح: ٢٦٤/٦. ٦٦ وفي مقابل هذا الحث على الشيء المعروف كان ينهى عما رآه منكراً، ويعظ بتركه، قال ابن عدي في الكامل في ترجمة محمد بن سعيد بن أبي قيس(١): ((قال علي: كان مروان بن معاوية(٢) يدلّسه فيقول: محمد بن قيس، حتى نهيته عنه(٣)) فقد نهى علي بن المديني مروان بن معاوية عن التدليس في هذا الراوي فانتهى مروان عن التدلیس. وقال علي بن المديني في أحمد بن عطاء الهُجيمي(٤): ((أتيته يوماً فوجدت معه دَرْجاً(٥) يحدث به، فقلت له: أسمعت هذا؟ قال: لا، ولكن اشتريته وفيه أحاديث حسان، أحدث بها هؤلاء، فقلت: أما تخاف الله؟! تقرّب العباد إلى الله بالكذب على رسول الله (وَلاغير))(٦). هكذا كان ابن المديني رحمه الله يكشف الزيف والكذب في حديث رسول الله وَّر، ويأمر الرواة عن رسول الله وَ ل بالمعروف وينهاهم عن المنكر في الرواية. وكان علي يتخوّف من نقل ما يقال في المذاكرة خشية من نقل بعض الطلاب لذلك على غير وجهه قال رحمه الله: ((ذكر عبدالرحمن - يعني ابن مهدي - روح بن عبادة القيسي فقلت: لا تفعل، فإن هنا قوماً يحملون كلامك، فقال: أستغفر الله (٧)) (١) هو محمد بن سعيد بن حسان بن قيس الأسدي الشامي المصلوب قتله المنصور على الزندقة وصلبه. التقريب: ١٦٤/٢. (٢) هو أبو عبدالله مروان بن معاوية بن الحارث الفزاري الكوفي نزيل مكة ثم دمشق وكان ثقة حافظاً (مات بمكة سنة ١٩٣ هـ). تذكرة الحفاظ: ٢٩٥/١. (٣) الكامل: ٢١٥١/٦. (٤) هو أحمد بن عطاء الهجيمي البصري القدري المبتدع شيخ الصوفية، برز في العبادة والاجتهاد (مات سنة ٢٠٠ هـ). السير: ٤٠٨/٩. والهجيمي : بضم الهاء وفتح الجيم وسكون الياء تحتها نقطتان وفي آخرها ميم نسبة إلى محلة بالبصرة نزلها بنو الهجيم بن عمرو بطن من تميم. اللباب: ٣٨١/٣. (٥) الدرج: بسكون الراء، الورق الذي يكتب فيه ((تسمية بالمصدر)). المعجم الوسيط: ٢٧٧/١. (٦) السير: ٤٠٩/٩. (٧) الميزان: ٥٩/٢ . ٦٧ فقد أخذ عبدالرحمن بنصيحة تلميذه علي بن المديني وترك الكلام على روح بن عبادة واستغفر الله من ذلك. والله أعلم. ٠٠ المبحث الرابع: توقيره لأهل العلم: كان الإمام علي بن المديني رحمه الله تعالى يتمتع بكريم الخصال، وحسن الخلق مما أهّله لأن يكون محبوباً بين أقرانه، ومكرماً معظماً بين أهل زمانه، وقد تبوّأ بهذا الخلق الفاضل الكريم المكانة الرفيعة في عصره، وحسن الذكر فيما تلا ذلك من أزمان . فمن الخصال الحميدة التي تحلّى بها توقيره لأهل العلم وإكرامه لأهل الفضل من شيوخه وتلاميذه، فإذا كان المسلم مأموراً بتوفير الكبير مطلقاً فتوفير أهل العلم يكون أوكدَ، فعن إسحاق بن إبراهيم بن أبي حبيب(١) قال: ((كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر، ثم يستند إلى أصل منارة مسجده، فيقف بين يديه علي بن المديني، والشَاذَكوني(٢)، وعمرو بن علي(٣)، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم يسألونه عن الحديث، - وهم قيام على أرجلهم - إلى أن تحين صلاة المغرب، لا يقول لواحد منهم: اجلس، ولا يجلسون هيبة وإعظاماً))(٤) فهذا مبلغ الأدب منه ومن زملائه في أخذ الحديث. وتبجيل ابن المديني للمقربين لديه، (١) هو إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد أبو يعقوب البصري الشهيدي ثقة (مات سنة ٢٥٧ هـ). التقريب: ٥٣/١. (٢) هو الحافظ الشهير سليمان بن داود المنقري البصري الشاذكوني من أفراد الحافظين إلا أنه واه (مات ٢٣٤ هـ). تذكرة الحفاظ: ٤٨٨/٢. والشاذكوني : بفتح الشين وسكون الألف وفتح الذال وضم الكاف وفي آخرها نون نسبة إلى : شاذكونة، وإنما نسب إلى ذلك لأن أبا المنتسب كان يتجر إلى اليمن وكان يبيع هذه المضربات الكبار وتسمى شاذكونة فنسب إليها. اللباب: ١٧٢/٢ . (٣) هو الحافظ الإمام الثبت أبو حفص عمروبن علي الباهلي البصري الصيرفي الفلاس أحد الأعلام (مات سنة ٢٤٩ هـ). تذكرة الحافظ: ٤٨٧/٢. (٤) الجامع: ١٨٥/١، وانظر: التهذيب مختصراً: ٢١٩/١١. ٦٨ ۔۔ وتكريمه لخواص تلاميذه واضح من النصين الآتيين: ذكر الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد بسنده إلى محمد بن إسماعيل البخاري قال: ((كان علي بن المديني يسألني عن شيوخ خراسان فكنت أذكر له محمد بن سلام(١) فلا يعرفه إلى أن قال لي يوماً: يا أبا عبدالله كل من أثنيت عليه فهو عندنا الرضا»(٢). وذكر الخطيب أيضاً في تاريخه بسنده إلى فتح بن نوح النيسابوري(٣) قال: ((أتيت علي بن المديني فرأيت محمد بن إسماعيل جالساً عن يمينه، وكان إذا حدث التفت إليه كأنه يهابه))(٤) يريد يوقّره ويبجّله. والله أعلم. وقال علي بن المديني في شيخه يحيى بن آدم: ((يرحم الله يحيى بن آدم أيّ علم كان عنده))، قال يعقوب بن شيبة: ((وجعل يطريه))(٥) أي يمدح علي شيخه مدحاً بالغاً. المبحث الخامس: روح الدعابة فيه واعتناؤه بنفسه : إلى جانب تلك الصفات الحميدة والخلق الحسن والعلم الواسع فقد كان يميل إلى شيء من المرح والانبساط إلى الناس، وذلك للترويح عن النفس؛ لأن النفوس إذا كلّت عييت(٦)، فكان رحمه الله يعرف بحسن المعشر، وطيب النفس، وصفاء السريرة، وليس ذلك بغريب في سيرة من أوتي علماً غزيراً وفهماً ثاقباً وخلقاً كريماً، وإن هذا لهو خلق الأنبياء والصالحين، فقد كان سيد الخلق محمد له يلاطف أصحابه ويداعبهم، ولا يقول إلا حقاً أخرج أبو داود عن أنس رضي الله عنه (١) هو الحافظ أبو عبدالله محمد بن سلام البيكندي محدث بخارى وكان رخَّالاً جوًّالا (مات سنة ٢٢٥ هـ). تذكرة الحفاظ: ٤٢٢/٢. (٣) لم أقف على ترجمته. (٢) ت بغداد: ١٧/٢. (٤) المصدر السابق: ١٨/٢. (٥) المصدر السابق: ٣٦٠/١، وانظر: شذرات الذهب: ٨/٢. (٦) يحيى بن معين وكتابه التاريخ: ٢٥/١. ٦٩ أن رجلا أتى النبي وليه فقال: يا رسول الله احملني، قال النبيِ رَله: ((إنّا حاملوك على ولد ناقة)) قال: وما أصنع بولد الناقة؟ فقال النبي ◌َّ: («وهل تلد الإبلَ إلا النوقُ))(١). وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله:الخ أحسن الناس خلقاً، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير (٢) قال: أحسبه قال: كان فطيماً(٣)، قال: فكان إذا جاء رسول الله ( سير فرآه قال: (يا أبا عمير ما فعل النغير)(٤)؟ قال: فکان يلعب به))(٥). وإليك بعض أخبار علي بن المديني في المباسطة والترويح عن النفس، يقول جعفر بن محمد الصابغ(٦): ((اجتمع علي بن المديني، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل وعفان بن مسلم، فقال عفان: ثلاثة يضعَّفون في ثلاثة، علي بن المديني في حمَّاد بن زيد، وأحمد بن حنبل في إبراهيم بن سعد(٧)، وأبو بكر بن أبي شيبة في شريك، قال علي بن المديني: ورابع معهم. قال: من ذاك؟ قال عفان في شعبة)). قال عمر بن أحمد(٨) - أحد رواة الأثر -: وكل هؤلاء أقوياء، ليس (١) سنن أبي داود: ٢٧٠/٥ كتاب الأدب باب ما جاء في المزاح. (٢) هو أبو عمير بن أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري، قيل اسمه حفص (مات في حياة النبي (18). الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر: ١٤٤/٤. (٣) أي فصلته أمه عن رضاعه. فطام الصبي فصاله عن أمه. لسان العرب: ١٢/ ٤٥٤. (٤) التغير مصغّر النغر جمعه نغران، وهو فروخ العصفور أو البلبل. المصدر السابق: ٢٢٣/٥. (٥) صحيح البخاري: ٣٧/٣ في الأدب باب الانبساط إلى الناس والدعابة مع الأهل. وصحيح مسلم واللفظ له: ١٦٩٢/٣ في الآداب باب استحباب تحنيك المولود، وسنن ابن ماجه: ٣١٩/٢، في الآداب باب المزاح، ومسند أحمد بن حنبل: ١١٥/٣. (٦) هو أبو محمد جعفر بن محمد بن شاكر الصايغ البغدادي ثقة، عارف بالحديث (مات سنة ٢٧٩ هـ). التقريب: ١٣٢/١. والصايغ: بفتح الصاد وكسر الياء المثناة من تحتها وفى آخرها غين معجمة نسبة إلى الصياغة . اللباب: ٢٣٢/٢. (٧) هو الإمام الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن سعد بن إبراهيم الزهري المدني قاضي المدينة وهو محتج به في كتب الإسلام (مات سنة ١٨٣ هـ). المصدر السابق: ٢٥٢/١. (٨) هو الحافظ الثقة أبو حفص عمر بن أحمد الجوهري المروزي من كبار علماء مرو، وهو والد الحافظ عبدالله بن عمر (مات سنة ٣٢٥ هـ). المصدر السابق: ٨٤٧/٣. ٧٠ فيهم ضعيف، ولكن قال هذا على وجه المزاح(١). قال الذهبي بعد ما أورد هذه القصة: ((هذا منهم على وجه المباسطة؛ لأن هؤلاء من صغار من كتب عن المذكورين (٢))) وقال مرة: ((هذا على وجه المزاح والتعنت فإنهم أربعتهم كتبوا عن المذكورين وهم أحداث فغيرهم أثبت في المذکورین منهم»(٣). وقال عبدالله بن علي بن المديني حدثني أبي قال: ((جعل إنسان يحدث عن ابن المبارك عن الوَاقِدِي فقال: صرنا إلى بحر الواقدي))(٤)، وكان رحمه الله يعتني بنفسه ويخرج للتنزه ليجدد نشاطه في التعلم والتعليم فقد ذكر الخطيب البغدادي ((أن محمد بن يونس الكديمي وعلي بن المديني وسليمان الشاذكوني خرجوا يتنزهون، ولم يبق لهم موضع مجلس غير بستان الأمير، وكان قد منع من الخروج إلى الصحراء، فلما قعدوا جاء الأمير فأخذهم وكان الكديمي أصغرهم سناً فبطحوه(٥) قال الكديمي: قلت: أيها الأمير اسمع مني. قال هات. قلت: حدثنا الحميدي - بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما - عن النبي والقر قال: ((الراحمون يرحمهم الله، ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء)» قال أعده عليَّ، قال فأعدته عليه، فقال لهؤلاء قوموا، ثم قال لي: أنت تحفظ مثل هذا وأنت تخرج تتنزه؟ فكان الشاذكوني يقول لي: نفعك حديث الحميدي)»(٦). (١) ت بغداد: ٢٧٢/١٢، ت الكمال: ٩٤٢/٢. (٢) الميزان: ٨١/٣. (٣) تذكرة الحفاظ: ٣٨٠/١. (٤) ت بغداد: ١٤/٣. (٥) أي ألقوه على وجهه. المعجم الوسيط: ٦٠/١. (٦) ت بغداد: ٤٣٨/٣، تذكرة الحفاظ: ٦١٨/٢ بتصرف. والحديث أخرجه الترمذي عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله وَله: ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، الرحم شجنة من الرحمن فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله)). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. انظر: سنن الترمذي: ٣٢٣/٤ في البر والصلة باب ما جاء في رحمة المسلمين. ٧١ الفصل الرابع حَيَاةُ الإِمَامِ عَلِيّ بن المَديني الفِكرِيَّة وفیهمبحثان. ١ - عقيدة الإمام علي بن المديني. ٢ - اتجاه ابن المديني الفقهي. المبحث الأول: عقيدة الإمام علي بن المديني: وفيه تمهيد ومطلبان : تمهيد : في نشأة الفِرَق التي عاصرها علي بن المديني : إن الحديث عن عقيدة أي شخص من الأهمية بمكان، لأن العقيدة هي أساس لكل أعماله، وتصرفاته في حياته، وقبل البدء في بيان عقيدة الإمام علي بن : المديني رحمه الله وموقفه من الفرق والنحل الضالة التي عاصرها، يجدر بنا أن نلقي بعض الضوء على حقيقة هذه الفرق ونشأتها، وكيف تأصّلت جذور بعض منها . : لقد بعث الله عز وجل عبده ورسوله محمد بن عبدالله # بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، فأقام الحجة والبرهان، وأيقظ العقل والتفكير السليم، ودعا الناس إلى توحيد الله تعالى، وقد دانت العرب لهذه الدعوة تباعاً، ودخلوا في دين الله أفواجاً، فخلصت قلوبهم من أدران العصبية ٧٢ وصفت نفوسهم لما يدعوهم إليه رسولهم، وكانوا يسألون الرسول وَلثر عما يهمّهم من أمر أو نهي، وعن أحكام الحلال والحرام، ولم يعلم عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم على اختلاف كمال عقولهم واستنارتها بالإيمان، وكثرة عددهم، أنه سأل رسول الله ◌َر عن معنى شيء مما وصف الله سبحانه وتعالى به نفسه الكريمة في القرآن الكريم، وعلى لسان نبيه مقلي(١). بل كلهم فهموا معنى ذلك، وسكتوا عن الكلام في الصفات؛ لأنهم فهموا ذلك وعقلوه في يسر وسهولة، وأثبتوا رضي الله عنهم الله عز وجل ما أثبته سبحانه وتعالى لنفسه، وأثبت له رسوله قطار من الأسماء والصفات بلا تشبيه ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تحريف. وقد انتقل رسول الله ور إلى الرفيق الأعلى، وترك أمته على التوحيد الخالص، والمحجة البيضاء ليلها كنهارها، تركهم وقد غمرتهم محبة وألفة، وتحلّوا بالصفات الحميدة. وبجانب هؤلاء المخلصين من أمته #1 دخل في الإسلام قوم إمّا خوفاً من المسلمين، وإمّا طمعاً في نيل بعض مما عند المسلمين، ولم تنشرح صدورهم للإسلام، ولا صفت قلوبهم من آثار جاهليتهم وأدرانها، وجماعة أخرى من عامة أهل الأديان الأخرى تظاهروا بالدخول في الإسلام أيضاً، وتستروا تحت شعاره، وهم يضمرون في أنفسهم الكيد والخديعة والحقد على الإسلام والمسلمين، لأن بشاشة هذا الدين لم تخالط قلوبهم، ولا اقتلعت من نفوسهم جذور الحقد والضغينة، فهم يتحيّنون الفرصة للانقضاض على هذا الدين الذي (١) وأما ما ورد من قول بعضهم لرسول الله وَلقر فيما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء ناس من أصحاب النبي 18 فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به قال: ((وقد وجدتموه؟)) قالوا: (نعم)، قال: ((ذاك صريح الإيمان)). صحيح مسلم: ١١٩/١ في الإيمان باب بيان الوسوسة في الإيمان. فإن هذا ليس سؤالاً عن أسماء الله وصفاته، وإنما هو دفع لما قد يجده بعضهم من وسوسة في قلبه عما ورد ذكره في هذا الحديث موطن سؤالهم. بل اعتبر الرسول * تخوفهم هذا من الإيمان، قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث وغيره: معناه: ((استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان، فإن استعظام هذا وشدة الخوف منه ومن النطق به فضلاً عن اعتقاده إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالاً محققاً وانتفت عنه الريبة والشكوك)). شرح صحيح مسلم للنووي: ١٥٤/٢. ٧٣ اتسعت رقعته، وبسط سلطانه على الأرض، ولكن تمسك المسلمين بدينهم، وقوة إيمانهم حالت دون ظهورهم. واعتبر حديث ذي الخويصرة التّمِيْمِي(١) إذ قال لرسول الله وَ ر وهو يقسم: قسماً(٢): يا رسول الله اعدل فقال: ((ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل)) الحديث(٣). اعتبر هذا أول خروج صريح على النبي ◌َّ﴿ كما أن المنافقين كانوا يخالفون رسول الله وَ ليل في أمره ونهيه أيضاً (٤). وأما الاختلافات اليسيرة الواقعة بين الصحابة رضي الله عنهم بعد وفاته اله كالخلاف فيمن يتولى الخلافة(٥) من بعده عليه السلام، والخلاف في دفنه (٦) (١) هو رجل من بني تميم قيل اسمه حرقوص بن زهير السعدي، ذكره ابن الأثير في الصحابة مستدركاً على من قبله، وقال الحافظ ابن حجر: ((وعندي في ذكره في الصحابة وقفة)) .. انظر: ترجمته في أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير: ٤٧٤/١، ١٧٢/٢، وانظر: الإصابة: ١ /٣١٩، ٤٧٣. والتميمي: بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الياء المثناة من تحت بين الميمين المكسورتين، نسبة إلى بني تميم. اللباب: ٠٠٢٢٢/١ (٢) كان يقسم الذهب الذي بعث به علي بن أبي طالب رضي الله عنه من اليمن. انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر: ٦٨/٨، ٦٩، ٢٩١/١٢، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ومحب الدين الخطيب، ط دار المعرفة، بيروت. (٣) البخاري: ٢٤٣/٤ في المناقب باب علامات النبوة في الإسلام، وفي المرتدين باب ترك . قتال الخوارج للتألف: ٢١/٩، ومسلم: ٧٤٠/٢ في الزكاة باب ذكر الخوارج وصفاتهم، وابن ماجه: ٣٣/١ في المقدمة باب ذكر الخوارج، وأحمد: ٥٦/٣، ٦٥، ٣٥٣، ٣٥٥. (٤) انظر: الملل والنحل الشهرستاني: ٢١/١. (٥) اختلف الصحابة بعد وفاة النبي ◌ّ* في الإمامة هل تكون في الأنصار أو في قريش؟ ثم اتفقوا على أنها في قريش فبايعوا أبا بكر الصديق رضي الله عنهم أجمعين. انظر: الفَرْق بین الفِرق للبغدادي : ص ١٥. (٦) كان خلاف الصحابة في موضع دفن النبي # هل يدفن في مكة مولده ومبعثه، أو في المدينة دار هجرته، أو في بيت المقدس عند قبر جده إبراهيم عليه السلام، ولكنهم اتفقوا أخيراً في دفنه عليه السلام في حجرته بالمدينة نزولاً لما روى لهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه حديث رسول الله له أنه قال: «ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض))، أخرجه ابن ماجه : = ٧٤ صلى الله عليه وآله وسلم ثم الخلاف في فَدَك(١)، فهذه اختلافات اجتهادية كما قيل، كان غرضهم منها إقامة مراسم الشرع، وإدامة مناهج الدين(٢). هذا ولم يحدث أي خلاف يذكر بين الصحابة في عهد الصديق والفاروق وصدر من خلافة عثمان رضي الله عنهم، وفي هذا يقول الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله: ((سكن(٣) الخلاف في مدة أبي بكر وعمر وأكثر خلافة ذي النورين عثمان رضي الله عنهم؛ لأن شخصية أبي بكر وعمر، وما أخذ عمر المسلمين به من عطف وعدل وحزم؛ كان لها (٤) الأثر في منع الفتن من أن تظهر، والخلافات من أن تنبثق، وفوق ذلك شغل المسلمون بالجهاد في سبيل الله، والتعاون في تدبير الأمور لتلك الفتوح التي اتسعت بها رقعة الحكم الإسلامي، ولذلك لم يحفظ التاريخ شيئاً من الجدل حول الخلافة طوال مدة أبي بكر وعمر وشطراً من خلافة عثمان حتى جاءت الفتن في عهد الخليفة الشهيد عثمان رضي الله عنه(٥)). في سننه: ٢٩٩/١ في الجنائز باب ذكر وفاته ودفنه لل، وانظر: الفرق بين الفرق: ص ١٥ = باختصار. (١) فدك ـ بالتحريك وآخره كاف - قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان، أفاءها الله على رسوله 18 في سنة سبع صلحاً، حيث لم يوجف عليه من خيل ولا ركاب، فكانت خالصة لرسول الله ﴿ يصرف ما يأتيه منها في أبناء السبيل، ولما قبض النبي و # اختلفوا في شأن فدك وفي توريث التركات عن الأنبياء عليهم السلام، ثم نفذ في ذلك قضاء أبي بكر الصديق رضي الله عنه بروايته عن النبي ◌َّر أنه قال: ((لا نورث ما تركناه صدقة)). أخرجه البخاري: ٢٥/٥ في فضائل أصحاب النبي ◌َّه باب مناقب قرابة رسول الله (وَلچ، وأخرجه مسلم: ١٣٧٨/٣ في الجهاد والسير باب حكم الفيء، وأخرجه أبو داود: ٣٦٦/٣ في الخراج والإمارة والفيء باب في صفايا رسول الله صل#9 من الأموال، وأخرجه الترمذي: ١٥٧/٤ في السير باب ما جاء في تركة رسول الله صل 9، وأخرجه النسائي: ١٣٢/٧ في قسم الفيء. وانظر: الفرق بين الفرق: ص ١٥، ١٦، وانظر أيضاً: معجم البلدان: ٢٣٨/٤ وما بعدها. (٢) الملل والنحل: ٢٢/١. (٣) هكذا قال أبو زهرة: ((سكن)) وكان الأولى أن يقول: لم ينشأ خلاف ... إلخ. (٤) الظاهر من سياق الكلام أن يقول ((له)) بدلاً من ((لها)). (٥) تاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبي زهرة: ٢٦/١ ط دار الفكر، مطبعة السعادة. ٧٥ وعلى هذا فقد ظهرت الفتنة ظهوراً محسوساً في أواخر عثمان رضي الله عنه: فقد قامت فتنة هوجاء في صفوف المسلمين في الأقطار بقيادة رجلين أحدهما نصراني من أهل العراق يقال له: ((سوسن)) (١)، والآخر يهودي يقال له: عبدالله بن سبأ المعروف ((بابن السوداء))(٢) هذه الفتنة أحدثت تمزُّقاً في صفوف المسلمين، وتفرُّقاً في كلمتهم ثم ما حدث من فتنة الخوارج (٣) بعدما انفصلت شعبة من شيعة. علي عنه رضي الله عنه وناصبته العداوة، وبالمقابل سميت الجماعة التي بقيت مع علي رضي الله عنه بالشيعة، وفي أوائل القرن الثاني ظهرت فتنة جهم بن صفوان(٤)، وآراؤه الفاسدة، وتشعبت منها فرق كثيرة ضالة(٥)، وذلك مصداقاً لما روي عن النبي ◌َّلل حيث قال: ((ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، اثنتان وسبعين في النار وواحدة في الجنة))(٦). (١) لم أقف على ترجمته. (٢) عبدالله بن سبأ هو رأس الطائفة السبئية من غلاة الزنادقة، ضال مضل، كان يقول بألوهية علي رضي الله عنه وزعم أن القرآن جزء من تسعة أجزاء وعلمه عند علي، كان يهودياً، أظهر الإسلام وطاف بلاد المسلمين ليلفتهم عن طاعة الأئمة، ويدخل بينهم الشر، دخل دمشق في أيام عثمان بن عفان فأخرجه أهلها، فانصرف إلى مصر وجهر ببدعته، قال ابن حجر: ((وأخبار عبدالله بن سبأ شهيرة في التواريخ وليست له رواية - ولله الحمد - وله أتباع يقال لهم السبئية معتقدون إلآهية علي بن أبي طالب، وقد أحرقهم علي بالنار في خلافته)). انظر: أخباره في كتاب البدء والتاريخ للمقدسي: ١٢٩/٥، وفي اللسان: ٣٨٩/٣، ٢٩٠، وفي تهذيب تاريخ دمشق الكبير: لعبدالقادر بدران: ٤٣١/٧، وفي الأعلام: ١٠٨٨/٤ (٣) سيأتي التعريف بهذه الفرقة في: ص ٧٨. (٤) هو أبو محرز جهم بن صفوان الراسبي مولاهم السمرقندي أَسُّ الضلالة ورأس الجهمية كان : صاحب ذكاء وجدل وكان ينكر الصفات ويقول بخلق القرآن ويقول: ((إن الله في الأمكنة كلها)) قتله سلم بن أحوز (سنة ١٢٨ هـ). انظر: ترجمته في تاريخ الأمم والملوك: ٦/٦، وفي السير: ٢٦/٦. (٥) انظر: تفاصيل هذه الفرق في المقدمة المفيدة التي قدمها الشيخ محمد محيي الدين عبدالحميد لكتاب مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري: ص ١٠ - ٢٧. (٦) أخرجه أبو داود في سننه: ٥/٥ في السنة باب شرح السنة، وأخرجه الدارمي: ٢٤١/٢ في السير باب افتراق هذه الأمة، واللفظ له. ٧٦ بعد هذه اللمحة السريعة عن نشأة الفرق وتطورها ندخل في بيان هذه الفرق التي كانت في عصر الإمام علي بن عبدالله المديني رحمه الله تعالى ونبين موقف ابن المديني من هذه الفرق، ومن المعلوم أن ابن المديني ولد سنة ١٦١ هـ وكان قد مضى على تأسيس الدولة العباسية أكثر من ربع قرن واستتب الأمر للعباسيين. المطلب الأول: الفرق التي عاصرها ابن المديني وموقفه منها : الفرق التي عاصرها ابن المديني: قد عاصر الإمام علي بن المديني جملة من الملل والنحل التي نشأت في عهد الدولة الأموية، واستمرت بعد ذلك في عهد الدولة العباسية، وفيما يلي تعريف وبيان لها : الشيعة : الشيعة في اللغة: أتباع الرجل وأنصاره، وجمعها شيع، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، وأصل الشيعة: الفرقة من الناس(١). والشيعة في الاصطلاح: هم الذين يعتقدون أن علياً رضي الله عنه هو أفضل الناس بعد رسول الله ﴿ وأحقهم بالإمامة، وولده من بعده كذلك(٢)، قال الشَهْرستاني في تعريف الشيعة: ((هم الذين شايعوا علياً رضي الله عنه على الخصوص، وقالوا بإمامته نصاً ووصيةً إمّا جلياً أو خفياً، والإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقية منه، وقالوا: ليست الإمامة قضية مصلحية، بل هي قضية أصولية (٣)). والشيعة أقدم المذاهب السياسية الإسلامية نشوءاً ظهرت في آخر عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه ونمت وترعرعت في عهد علي رضي الله عنه دون رضا منه، إذ كان كلّما اختلط بالناس ازدادوا إعجاباً بمواهبه وقوة دينه وعلمه، (١) انظر: لسان العرب: ١٨٨/٨، ١٨٩. (٢) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم: ٢ /٩٠. (٣) الملل والنحل: ١٤٦/١. ٧٧ فاستغل الدعاة ذلك الإعجاب، وأخذوا ينشرون آراءهم فيه، ما بين رأي فيه مغالاة، ورأي فيه اعتدال، ونشأت ابتداءً في مصر ثم اتخذت العراق مستقراً لها ومقاماً(١)، وهم خمسة فرق: الكيسانية، والزيدية، والإمامية، والغالية، والإسماعيلية، وبعضهم يميل في الأصول إلى الاعتزال، وبعضهم إلى السنة، وبعضهم إلى التشبيه(٢)، والغالون من فرق الشيعة يسمون الروافض(٣). الخوارج: الخوارج من الخروج وهو نقيض الدخول(٤). قال الشيخ محمد محيي الدين عبدالحميد في تعريفه للخوارج: ((الخوارج جمع خارج وهو الذي خلع طاعة الإمام الحق، وأعلن عصيانه، وألّب عليه بعد أن يكون له تأويل))(٥). والخوارج فرق كثيرة والذي يجمع الخوارج على افتراق مذاهبها، تكفير علي وعثمان، وأصحاب الجمل(٦)، والحكمين، ومن رضي بالتحكيم، وصوّب الحكمين أو أحدهما، والخروج على السلطان الجائر(٧). ويصور ابن حزم عقيدة (١) انظر تاريخ المذاهب الإسلامية: ٣٥، ٣٨ بتصرف: (٢) الملل والنحل: ١٤٧/١. (٣) قال ابن حجر في تعريف الروافض: ((من قدّم علياً على أبي بكر وعمر فهو غال في تشيعه ويطلق عليه رافضي وإلا فشيعي))، وقال بعضهم: ((الروافض کل جند تركوا قائدهم، والرافضة فرقة منهم، وفرقة من الشيعة سموا بذلك لرفضهم زيد بن علي حين توجه لقتال هشام بن عبدالملك فقال أصحابه: تبرأ من الشيخين حتى نكون معك. فقال: لا، بل أتولاهما وأتبرأ ممن تبرأ منهما فقالوا: إذاً نرفضك فسميت الرافضة)». انظر هدي الساري: ص ٤٥٩، وانظر أيضاً رسالة في الرد على الرافضة لأبي حامد المقدسي: ص ٦٥، ٦٦. (٤) انظر لسان العرب: ٢٤٩/٢. (٥) انظر الفرق بين الفرق: ص ٧٢ ((الحاشية)). (٦) هم الذين اشتركوا في وقعة الجمل بالبصرة بين جيش علي، وجيش طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وعائشة رضي الله عنهم (سنة ٣٦ هـ). وسميت الوقعة بالجمل لأن عائشة رضي الله عنها كانت في هودج على جمل اسمه عسكر. انظر تاريخ خليفة بن خياط: ص ١٨٢. وما بعدها، وانظر أيضاً: البداية والنهاية: ٢٤١/٧ وما بعدها. (٧) انظر: الفرق بين الفرق: ص ٧٣. ٧٨ الخوارج بقول قريب من هذا فيقول: ((من وافق الخوارج من إنكار التحكيم، وتكفير أصحاب الكبائر والقول بالخروج على أئمة الجور، وأن أصحاب الكبائر مخلدون في النار، وأن الإمامة جائزة في غير قريش فهو خارجي))(١). وقد ظهرت فرقة الخوارج في عهد علي رضي الله عنه وكانوا من أنصاره، فلما اشتد القتال بين علي ومعاوية رضي الله عنهما في صفين(٢)، وذاق جيش معاوية حَرّ القتال، وهَمَّ بالفرار أتى معاوية وعمرو بن العاص بفكرة التحكيم فرفع جيشه المصاحف، ليحتكموا إلى القرآن، ولكن علياً أصر على القتال، حتى يفصل الله بينهما، فخرجت عليه خارجة من جيشه تطلب إليه أن يقبل التحكيم، فقبله مضطراً لا مختاراً، واختار معاوية عمرو بن العاص واختار علي بن أبي طالب أبا موسى الأشعري حَكَمَين لهما، وانتهى أمر التحكيم إلى النهاية التي انتهى إليها، وعلى إثر ذلك ترك جمع كبير جيش الإمام علي رضي الله عنه وخرجوا من الكوفة واجتمعوا عند النهروان(٣)، ومن غريب هذه الخارجة التي حملت علياً على التحكيم أن جاءت بعد ذلك واعتبرت التحكيم جريمة كبيرة وطلبت إلى علي أن يتوب عما ارتكب، وصار شعارهم لا حكم إلا لله وأخذوا يقاتلون علياً بعد أن كانوا يجادلونه لقبول التحكيم ويقطعون عليه القول(٤). (١) الفصل في الملل والأهواء والنحل: ٩٠/٢، وانظر أيضاً: كتاب أصول الدين للبغدادي: ص ٣٣٢. (٢) صفين موضع معروف بالعراق على نهر الفرات ويقال فيه صفون أيضاً وهي صحراء ذات كدي وأكمات وبها كانت الوقيعة العظيمة بين علي ومعاوية رضي الله عنهما (سنة ٣٧ هـ)، الروض المعطار: ص ٣٦٣. (٣) النهروان مدينة صغيرة بالعراق من بغداد إليها مشرقاً أربعة فراسخ ويقال بضم الراء وفتحها وكسرها مع النون، ولها نهر جليل تجري فيه المراكب العظام وكانت عليها الوقيعة بين علي رضي الله عنه وبين الخوارج. انظر: المصدر السابق: ص ٥٨٢. (٤) انظر: تاريخ المذاهب الإسلامية: ٦٥/١ بتصرف، وانظر أيضاً: دراسات في الفرق والعقائد الإسلامية للدكتور عرفان عبدالحميد: ص ٩٤ وما بعدها بتصرف. ٧٩ الجبرية والقدرية: الجبرية: من الجبر أو الإجبار وهو الإكراه يقال جبر الرجل على الأمر وأجبره أكرهه عليه. والجبر: تثبيت وقوع القضاء والقدر، والإجبار في الحكم. والجبرية هم الذين يقولون أجبر الله العباد على فعل الذنوب أي أكرههم ومعاذ الله أن يكره أحداً على معصيته، وسموا بالجبرية: لأنهم نسبوا إلى القول بالجبر(١)، والجبرية بسكون الباء وإذا قيل جبرية وقدرية جاز التحريك للازدواج (٢). والقدرية: من القدر وهو القضاء والحكم، وهو ما يقدره الله عز وجل من القضاء والحكم به من الأمور وجمع القدر أقدار. والقدرية قوم يجحدون القدر، وسموا بالقدرية لأنهم ينسبون القدر لأنفسهم(٣)، ويقال: إن أول من دعا إلى القول بالجبر ((الجعد بن درهم))(٤) وتعلم منه (الجهم بن صفوان)(٥) وأخذه الجعد عن يهودي بالشام(٦). كما يقال إن أول من تكلم بالقدر ((معبد الجهني))(٧)،. (١) لسان العرب: ١١٦/٤. (٢) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للفيومي: ٩٨/١. (٣) انظر: لسان العرب: ٧٤/٥، ٧٥. (٤) الجعد بن درهم مؤدب مروان الحمار آخر خلفاء بني أمية وهو أول من ابتدع بأن الله ما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولا كلّم موسى، وهو أول من قال بخلق القرآن وأخذ هذه البدعة عن بيان بن سمعان وأخذها بيان عن طالوت ابن أخت لبيد الأعصم زوج ابنته، وأخذها لبيد الساحر الذي سحر الرسول وط18 عن يهودي باليمن، وأخذ عن الجعد الجهم بن صفوان، ثم إن خالد بن عبدالله القسري قتل الجعد يوم عيد الأضحى بالكوفة (سنة ١٢٤ هـ). انظر: ترجمته في السير: ٤٣٣/٥، والبداية والنهاية: ٣٦٤/٩ .: (٥) تقدمت ترجمته قريباً في: ص ٧٦. (٦) انظر: تاريخ المذاهب الإسلامية: ١١٧/١، ودراسات في الفرق والعقائد: ص ٢٦٣. (٧) هو معبد بن عبدالله بن عويمر الجهني، نزيل البصرة أول من تكلم بالقدر في زمن الصحابة وكان من علماء الوقت على بدعته، وعن الأوزاعي أنه قال: أول من نطق في القدر سوسبن بالعراق وأخذ عنه معبد وأخذ غيلان القدري عن معبد، صلبه عبدالملك بن مروان سنة = ٨٠