Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ شَاهِدُ اللَّفْظِ .. وَشَاهِدُ الْمَعْنَى ومحمدُ بنُ عمرو وغيرُهم ، عن أبي سلمةَ ، عن أبي هريرةَ ، عنِ النبيِّ وَّ: ((مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيءٍ إِذْنَهُ لِنَبِيِّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ ، يَجْهَرُ بِهِ» ؛ وقولُ أبي عاصمٍ وهم . وقد رواهُ عقيلٌ ويونسُ وعمرو بنُ الحارثِ وعمرو بنُ دينارٍ وعمرو بنُ عطيةَ وإسحاقُ بنُ راشدٍ ومعمرٌ وغيرُهم ، عن الزهريِّ ، بخلافِ ما رواهُ أبو عاصمٍ ، عن ابن جريجٍ باللفظِ الذي قدمْنَا ذكرَهُ . وإنَّما روى ابنُ جريج هذا اللفظَ الذي ذكرَهُ أبو عاصمٍ عنهُ ، بإسناد آخرَ ؛ رواهُ عنِ ابنِ أبي مليكةَ ، عن ابنِ أبي نهيكِ ، عن سعد ؛ قالَهُ ابنُ عيينةَ عنهُ)) اهـ . وقالَ الخطيبُ (١). ((روى هذا الحديثَ: عبدُ الرزاقِ بنُ همامٍ وحجاجُ بنُ محمدٍ ، عنِ ابنِ جريجٍ ، عنِ ابنِ شهابٍ، عن أبي سلمةَ وحدَهُ (٢)، وكذلكَ رواهُ الأوزاعيَّ ، وعمرو بنُ الحارثِ ، ومحمدُ بنُ الوليدِ الزبيديُّ ، وشعيبُ بنُ أبي حمزةَ ، ومعمرُ بنُ راشد ، وعُقيلُ بنُ خالد ، ويونسُ بنُ يزيدَ ، وعبيدُ اللَّهِ بنُ أبي زيادٍ ، وإسحاقُ بنُ راشدٍ ، ومعاويةُ بنُ يحيى الصدفيُّ ، والوليدُ بنُ محمد الموقَّريُّ ، عن الزهريِّ؛ واتفقوا كلُّهم - وابن جريج منهم - على أنَّ لفَظَهُ: ((مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيِّ حَسَنِ الصَّوْتِ أَنْ يَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» . (١) في ((التاريخ)) (٢٩٥/١). (٢) يعني: بلفظ: ((ما أذن اللَّه لشيءٍ .... ))، كما سيأتي. وهو في «المصنف)) (٢/ ٤٨٢) وأخرجه أيضًا أحمد في ((المسند)) (٢٨٥/٢) عن عبد الرزاق ومحمد بن بكر البرساني بهذا اللفظ . ٣٨٢ شَاهدُ اللَّفْظِ .. وَشَاهِدُ الْمَعْنَى قال : ((وأمَّ المتنُ الذي ذكرَهُ أبو عاصم ؛ فإنَّما يُروى عنِ ابنِ أبي مليكةَ ، عنِ ابنِ أبي نهيكِ ، عن سعدِ بنِ أبي وقاصٍ ، عنِ النبيَ ◌َێ)) اهـ . وقالَ أبو عليٌّ النيسابوريُّ (١): ((قولُ أبي عاصمٍ فيه: (لَيْسَ مِنَّ مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» ، وَهُمٌ مِن أبي عاصمٍ ؛ لكثرةٍ مَن رواهُ عنهُ هكذا)). وقد أخطأُ أبو أميةَ الطرسوسيّ فيهِ خطأ آخرَ عن أبي عاصم ؛ إلا أنَّه في الإسنادِ ، وقد تقدمَ في موضعه (٢) . ٠٠ مثالٌ آخرُ : حديثٌ ؛ رواهُ : الحسينُ بنُ عيسى البساميُّ ، عن عليٍّ بن الحسنِ بن شَقِيقِ ، عن الحسينِ بنِ واقدٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ بريدةَ ، عن أبيهِ ، قالَ : قالَ رسولُ اللّهِ بَّهِ: ((الْحَسَبُ الْمَالُ، وَالْكَرَمُ النَّقْوَى)). أخرجَهُ: القضاعيَّ في ((مسند الشهاب)) (٢٠). وهذا اللفظُ ؛ ليسَ يُعرفُ بهذا الإسنادِ ، وإنَّما الذي يُعرفُ بهذا الإسناد لفظُهُ : ((إِنَّ أَحْسَابَ أَهْلِ الدُّنْيَا الَّذِي يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ هَذَا الْمَالُ)) . هكذا يرويهِ ؛ غيرُ واحدٍ ، عن الحسينِ بنِ واقدٍ . أخرجهُ: النسائيّ (٦٤/٦) وأحمدُ (٣٥٣/٥ - ٣٦١) وابنُ حبانَ (١) (تاريخ بغداد)) (٣٩٥/١). (٢) انظر : المثال الأول من «فصلِ: المُتَابَعَة .. والإِقْرَان)). ٣٨٣ شَاهِدُ اللَّفْظِ .. وَشَاهِدُ الْمَعْنَى ء. (٦٩٩) (٧٠٠) والحاكم (١٦٣/٢) والدارقطنيّ (٣٠٤/٣) والبيهقي (١٣٥/٧) والخطيبُ (٣١٨/١) والقضاعيّ (٩٨٢). وأمَّا اللفظُ الأولُ ؛ فهو يعرفُ بإسنادٍ آخرَ، يَرويهِ : سلامُ بنُ أبي مطيعٍ، عن قتادةَ، عنِ الحسنِ، عن سمرةً، عنِ النبيِّ ◌َّهِ . أخرجهُ: الترمذيُّ (٣٢٧١) وابن ماجه (٤٢١٩) وأحمدُ (١٠/٥) والحاكمُ (١٦٣/٢) (٤٢٥/٤) والدار قطنيَّ (٣٠٢/٣) والبيهقيَّ (١٣٥/٧ - ١٣٦) والطبراني (٢١٩/٧) وأبو نعيم في ((الحلية)) (٦/ ١٩٠) والبغويّ في ((شرح السنة)) (١٢٥/١٣) وابن الجوزيٌّ في ((الواهيات)) (١٠٠٢). قلتُ : فالظاهرُ ، أنَّ بعضَ الرواةِ دخلَ عليهِ لفظُ حديثِ سمرةً في البابِ في لفظِ هذا الحديثِ . واللَّهُ أعلمُ. ولعلَّ ذلكَ ؛ من الحسينِ بنِ عيسى هَذا ، أو من أحد ممَّن دُونُه . فقدْ رواهُ : الإمامُ أحمدُ (٣٦١/٥) عن عليِّ بن الحسنِ بن شَقِيق ؛ بالإسنادِ ، بلفظِ حديثٍ بُرَيَدةً على الصوابِ ، وليس بلفظِ حديثٍ سمرةً ، كما وقعَ عند القضاعيِّ . والحسينُ هَذا؛ لم أعرفْهُ ؛ اللَّهم إلا أنْ يكونَ ((البساميُّ) مصحفًا من ((البسطاميِّ))، فإن كانَ كذلكَ، فهو صدوقٌ ، كما قالَ أبو حاتمٍ ، وأدخلهُ ابن حبانَ في ((الثقاتٍ)) . ومهما يكن مِنْ أمرٍ ؛ فإنَّه لا يُقَارن بأحمدَ بنِ حنبلٍ في تثبّتِهِ وإتقانِهِ ، فكيفَ إذَا كانَ الحديثُ مَشْهوراً عن بريدةَ باللفظِ الآخرِ ، وليسَ باللفظ الذي جاءَ بِهِ الحسينُ هَذا؟ ! وقد يكونُ الخطأُ ممن دونَ الحسينِ . ٣٨٤ شَاهِدُ اللَّفْظ .. وَشَاهِدُ الْمَعْنَى وبهذا ؛ يُعلمُ خطأُ المعلقِ على ((مسند الشهاب))، حيثُ اعتبرَ الحديثَ بلفظه الأول محفوظًا بالإسنادينِ ، فجعلَ أحدَهما شاهدًا باللفظ ٠٠ للثاني (١) ! مثالٌ آخرُ : قالَ ابنُ أبي حاتمٍ (٢) : ((سألتُ أبي عن حديث؛ رواهُ : قبيصةُ، عن الثوريِّ، عن عطاء ٠ ابنِ السائبِ ، عن أبيهِ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو ، قالَ : قالَ رسولُ اللَّهُ وَلَّهِ: (أُوصِي امْرَءَا بِأُمِّهِ» ؟ قالَ أبي : هذا خطأٌ - يعني : أنَّه غلطٌ في المتنِ - ، يريد : جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ نَّهِ، فقال: جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَأَبَوَاَي يَبْكِيَانِ . وإنَّما رَوى ذلكَ الحديثَ ((أُوصي امْرَءًا بأُمِّه)): سفيانُ، عن منصورِ ، عن عبيدِ بنِ عليٍّ، عن خداشٍ أبي سلامةَ، عنِ النبيِّ بِّهِ . قالَ أبي: فهذا الذي أرادَ قبيصةُ؛ دخلَ لهُ حديثٌ في حديثٍ)) (٣) اهـ. مثالٌ آخرُ : حديثُ: (الْوَلاَءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لاَ يُبَاعُ وَلاَ يُوهَبُ)) . فهذا الحديثُ ؛ قد رواهُ بعضُهم بإسنادِ حديث : (نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلاَءِ وَعَنْ هِبَتِهِ» . .(١) وراجع: ((الإرواء)) (١٨٧٠). (٢) في ((العلل)) (١٩٨٢). (٣) راجع: ((الإرواء)) (٣٢٢/٣-٣٢٣). ٣٨٥ شَاهدُ اللَّفْظ .. وَشَاهِدُ الْمَعْنَى فقالَ : ((عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عن ابنِ عمرَ)). وإنَّما الصوابُ : أَنَّ هذا الإسنادَ إسنادُ حديثِ ((نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلاَءِ وَعَنْ هَتَه))، وأمَّا حديثُ ((الْوَلاَءَ لُحْمَةٌ .. ))، فَهو يُعرفُ بغيرِ هذا الإسنادِ ، عن الحسنِ البصريِّ مرسلاً . وقد أشَارَ إلى ذلكَ أبو زرعةُ الرازيَّ - كما في ((العلل)) (١٦٤٥) - وابنُ عديٍّ في ((الكامل)) (٢٠٣٦/٦ - ٢٠٣٧) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) ءِ (١٠/ ٢٩٢ - ٢٩٣) و((معرفة السنن والآثار)) (٥٠٧/٧) (١). مثالٌ آخرُ : حديثُ : محمد بن محمدِ بنِ حيان التمار ، عن أبي الوليد الطيالسيِّ، قالَ : حدثنا مالكُ بنُ أنس ، عن ابنِ شهابٍ ، عن عروةَ ، عن عائشةَ، قالت : ((مَا عَبَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهِ طَعَامًا قَطُّ، إن اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإلاَّ تَرَكَهُ)) . قالَ الحاكمُ في ((معرفة علوم الحديث)) (ص ٥٩) : ((هذا إسنادٌ تداولَهُ الأئمةُ الثقاتُ ، وهو باطلٌ من حديث مالك ، وإنَّما أُريدَ بهذا الإسناد: ((مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِوَهَ بِيَدِهِ امْرَأَةٌ قَطُ ، وَمَا انْتَغَمَ رَسُولُ اللَّهِِّ لِنَفْسِهِ إِلَّ أَنْ تُنْتَهَكَ مَحَارِمُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ بِهَا)). ولقد جهدتُ جَهْدِي أنَّ أقفَ عَلَى الواهمِ فيهِ ، مَنْ هو ؟ فلمْ أقفْ عليهِ ، اللَّهِمَّ إلا أنَّ أكبرَ الظنِّ على ابنِ حيانَ البصريِّ ، على أنَّه صدوقٌ مقبولٌ» . (١) ورَاجعْ: ((إرواء الغليل)) (١٦٦٨). ٣٨٦ شَاهِدُ اللَّفْظِ .. وَشَاهدُ الْمَعْنَى مثالٌ آخرُ : حديثُ : شريك ، عن الأعمشِ ، عن أبي صالحٍ ، عن أبي هريرةَ - مرفوعًا - : ((المؤذِّنِّ أَمْلكُ بالأذانِ، والإمامُ أملكُ بالإقامَةِ ... )) . أخرجه : ابن عديٌّ (١٣٢٧/٤)؛ وقالَ : ((هَذا - بهذا اللَّفظ - ؛ لا يُروى إلا عن شريكِ، من رواية يحيى بن إسحاقَ عنه؛ وإنَّما رواه الناسُ : عن الأعمشِ ، بلفظ آخرَ ، وهُو : ((الإمامُ ضامنٌ والمؤذنُ مُؤْتَمَنٌ) اهـ . قلتُ : واللَّفظُ الأولُ ؛ إنَّما يعرفُ بإسناد آخرَ ، عن عليٌّ بن أبي طالبٍ ، موقوفًا عليه ، غيرَ مرفوعٍ . أخرجه: الطحاويّ في ((المشكلٍ)) (٤٤١/٥) والبيهقيّ (١٩/٢)، من طريق : شعبةَ ، عن منصورِ ، عن هلالِ بن يَسَافِ ، عن أبي عبد الرحمن السُّلميِّ ، عن عليٍّ . ثم قال البيهقيُّ : ((ورُوي عن شريكِ، عن الأعمشِ ، عن أبي صالحٍ ، عن أبي هريرةَ - مرفوعًا - ؛ وليسَ بمحفوظ)) (١) . (١) راجع: ((فتح الباري)) لابن رجب (٥٣٤/٣). وانظر : مثالاً آخر في ((علل ابن عمار الشهيد)) (ص٩٦ -٩٧). الشَّوَاهِدُ .. الْمُعَلَّةُ قد يُحتاجُ شاهدٌ لحديث ، فيُوجدُ ذلكَ الشاهدُ في حديث ، إلا أنَّ موضعَ الشاهدِ في هذا الحديثِ ممَّ وقعَ الاختلافُ في ذكرِهِ بينَ الرواةِ ، والراجحُ عدمُ ذكرِهِ في الحديثِ ، فيكونُ موضعُ الشاهدِ - حينئذٍ - معلولاً ہے غيرَ محفوظِ ، فلا يصلحُ - حينئذٍ - للاستشهادِ بهِ للحديثِ الأولِ . مثالُ ذلكَ : رَوَى : بشيرُ بنُ المهاجرِ ، عن عبدِ اللهِ بنِ بريدةَ ، عن أبيه ، أن ماعزَ بنَ مالك الأسلميَّ أتى رسولَ اللَّهِ وَِّ، فقالَ: يَا رَسُولَ اللَّه! إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَزَنَيْتُ ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي، فَرَدَّهُ ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَاهُ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنِّي زَنَيْتُ ، فَرَدَّهُ الثَّانِيَةَ - الحديث ، وفيهِ : (فلمَّا كانَ الرابعةُ حَفَرَ لهُ حفرةً ، ثمَّ أمرَ به فرُجمَ) . فذكرُ ((الحفرِ» في قصةِ ماعزٍ هذهِ خطأٌ من بَشِيرِ بنِ المهاجرِ ، أنكرَهُ عليه عددٌ من أهلِ العلمِ . راجعْ: كتابي ((ردع الجاني)) (ص ٩٣ - ١٧٧). فذهبَ ذاهبٌ إلى البحثِ عن شاهدٍ للحفرِ للمرجومِ ، ليدفعَ به الخطأَ عن بشيرِ بنِ المهاجرِ ، فساقَ عدةَ شواهدَ فيها ذكرُ الحفر للمرجومِ ، منها : ما أخرجَهُ: أبو داودَ (٤٤٣٥) والنسائيّ في ((الكبرى)) وأحمد ٣٨٨ وريو الشَّوَاَهدُ .. الْمُعَلَّةُ (٤٧٩/٣) من طريقِ حَرَميِّ بنِ حفصِ، قالَ: ثنا محمدُ بنُ عبد اللَّه بن علاثةَ : ثنا عبدُ العزيزِ بنُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ ، أنَّ خالدَ بنَ اللجلاجِ حدَّثَهُ ، أنَّ اللجلاجَ أباهُ أخبرَهُ . أنَّهُ كانَ قاعدًا يعتملُ في السوقِ ، فمرتِ امرأةٌ تحملُ صبيًّا ، فثارَ الناسُ معها، وثرتُ فيمَن ثارَ، فانتهيتُ إلى النبيِّ نَّهِ وهو يقول: ((مَنْ أَبُو هَذَا مَعَك؟)) فَسَكَتَتْ، فَقَالَ شَابٌّ: خُذُوهَا؛ أَنَا أَبُوهُ يَا رسولَ اللّه ، فأقبلَ عليها ، فقالَ: (مَنْ أَبُو هَذَا مَعَك؟)) قالَ الفتى: أنا أُبُوهُ يا رسولَ اللَّه، فنظَرَ رسولُ اللَّهِ وَله إلى بعضٍ مَنْ حَوْلَهُ يسألُهم عنهُ، فقالُوا: ما علمَّنَا إلا خيرًا. فقالَ لهُ النبيُّ ◌ِّهِ: ((أُحْصِنْتَ؟)) قالَ: نعم ، فأمَرَ بِهِ فَرُجمَ . قال : فخرجْنَا به ، فحفرْنَا لهُ حتَّى أمكنًّا، ثمَّ رمينَاهُ بالحجارةِ حتَّى هداً، فجاءَ رجلٌ يسألُ عن المرجومِ، فانطلقنا بهِ إلى النبيِّ وَِّ، فقلنا : هذا جاءَ يسألُ عن الخبيثِ ! فقالَ نَّهِ: ((لَهُوَ أَطْيَبُ عنْدَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ)) ، فإذا هو أبوه ، فأعناه على غُسِلِهِ وتكفينِهِ ودفنهِ . فهذه القصةُ - كما ترى - ؛ فيها ذكرُ الحفرِ ، فهل هي تصلحٌ كشاهد الحديثِ بشيرِ بنِ المهاجرِ في الحفرِ للمرجومِ ؟ إذا نظرنا ؛ وجدنا أنَّ محمدَ بنَ علاثةَ قد خُولفَ في هذا الحديثِ في إسنادِهِ ، وفي متنهِ أيضًا . فقد رواهُ : محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الشعيبيُّ، عن مسلمةَ بنِ عبدِ اللَّهِ الجهنيُّ ، عن خالدِ بنِ اللجلاجِ ، عن أبيهِ، قالَ : كنا غلْمَانًا نعملُ في السوقِ ، فأمرَ النبيّ ءِ صَكَل الله برجلٍ فرُجمَ ، فجاءَ وستكم ٣٨٩ الشَّوَاَهدُ .. المُعَلَّةُ رجلٌ يسألنا أن ندلَّهُ على مكانه، فأتينا به النبيّ وَلِّ، فقلنا: إن هذا سألنا عن ذلكَ الخبيثِ الذي رُجمَ اليومَ! فقالَ رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لاَ تَقُولُوا خَبِيثٌ؛ فَوَاللَّهِ لَهُوَ أَطَيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ)) . أخرجَهُ: البخاريَّ في ((التاريخ الكبير)) (٢٥٠/١/٤) وأبو داودَ (٤٤٣٦) - عقب حديث ابنِ عُلاثةَ، إلا أنَّه أشارَ إلى المتنِ ولم يسقْهُ - وكذا ؛ أخرجه : الطبراني (١٩ / ٢٢٠) وابن عساكرَ (٤٤١/١٦ - ٤٤٢) من طرقٍ ، عن الشعيثيٌّ ، بهِ . فإذا نظرنا في الحديثينِ ؛ فسنجدُ اختلافًا في الإسنادِ والمتنِ . فأمَّا الإسنادُ ؛ فقد ذكرَ الشعيئيُّ: ((مسلمةَ بنَ عبدِ اللَّهِ الجهنيَّ) بدلاً من ((عبدِ العزيزِ بنِ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ)) ، الذي ذكرَهُ ابنُ علاثةَ . وهذا أرجحُ ؛ لأمورٍ : الأولُ: أنَّ الشعيثيَّ أوثقُ من ابنِ علاثةَ (١) . الثاني : قالَ أبو زرعةَ الدمشقيّ في ((تاريخه)) (٣٦١/١) بعدَ أنْ تكلمَ عن ((مسلمة)) هذا : ((و [ مسلمةُ ] هذا ، هو صاحبُ حديثِ خالدِ بنِ اللجلاجِ ؛ حديث أبيهِ في الرجمِ)) . وهذا ؛ يدلُّ على أنَّ الحديثَ معروفٌ من حديث مسلمةَ ، فالحديثُ حديثُهُ ، ليسَ حديثَ غيرِهِ . الثالث : أنَّ الإمامَ أبا نعيم الأصبهانيّ روى حديثَ ابنِ علائةَ في ترجمةِ (١) راجع: (ردع الجاني)) (ص ١٨٠). ٣٩٠ الشَّوَاهِدُ .. المُعَلَّةُ اللجلاجِ من كتابه «معرفة الصحابة)) (٣/ ١٦٩/ ٢)، ثمَّ قالَ: ((غريبٌ من حديثِ عبدِ العزيزِ ؛ تفردَ بهِ ابنُ علاثةَ)). ثمَّ ذكرَهُ من طرقٍ ، عن الشعيثيِّ ، عن مسلمةَ ، بهِ . وصنيعُهُ هذا ؛ يدلُّ على أنَّه يرى خطأً ابنِ علاثةَ في روايتِهِ ، وأنّ روايةَ الشعيثيِّ هي المقدمةُ عندَهُ؛ لأنَّه حكمَ على حديثِ ((عبدِ العزيزِ)) بالغرابةِ ، ثُمَّ عللَ ذلكَ بكونِ ابنِ علاثةَ تفردَ بهِ ، فكأنَّهُ يقولُ : إِنَّ ذكرَ ((عبدِ العزيزِ)) في هذا الحديثِ غيرُ محفوظ . ثُمَّ إِنَّ ذكرَهُ رِوَاية الشُّعينيِّ بعقب هذا ، كالنصِّ على أنَّ هذه الروايةَ هي المحفوظةُ عندَهُ ، لا ما قالَهُ ابنُ علاثةَ . وبعدَ أنْ عادَ الحديثُ إلى حديثِ ((مسلمةَ))، فاعلمْ ؛ أنَّ مسلمةَ هذا مجهولُ الحالِ ، وعلى فرضِ ثقتِهِ ، فلا يصلحُ حديثُهُ هذا كشاهد لحديث بشيرِ بنِ المهاجرِ ؛ للآتي : وأمَّا المتنُ ؛ فليس في روايةِ الشعيئيِّ ذكرٌ للحفرِ ، الذي ذكرَهُ ابنُ علائةَ في حديثِهِ ، وعليهِ ؛ يكونُ ذكرُ الحفرِ في حديثِ اللجلاجِ هذا خطأ منَ ابنِ علاثةَ ، فلا يصلحُ شاهدًا لحديثِ بشيرِ بنِ مهاجرٍ . وباللَّه التوفيقُ . ومما يؤكِّدُ نكارةَ ذكْرِ الحَفْرِ في قصَّةٍ ماعزِ ، أنَّ أبا سعيد الخدريَّ قالَ ((أَمَرَنَا رسولُ اللهِ نَّ أَنْ نَرْجُمَهُ، فانطلَقْنَا بهِ إلى بَقِيعِ الغَرْقَدِ، فما أَوْثَقْنَاهُ ولا حَفَرْنَا لَهُ ، فرمينَاهُ بالعَظْمِ والمَدَرِ والخَزَفِ ، فَاشْتَدَّ وَاشْتَدَدْنَا ٣٩١ الشَّوَاهِدُ .. الْمُعَلَّةُ خَلْفَهُ، حَتَّى أَتَى عُرْضَ الحَرَّةِ، فانتصبَ لنَا، فرمينَاهُ بِجَلامِيدِ الحَرَّةِ (يعني: الحجارَةَ حتَّى سَكَتَ ... )). أخرجه : مسلمٌ (١١٨/٥) الشَّوَاَهدُ .. الْقَاصِرَةُ لا يشهدُ حديثٌ لآخرَ ، إلا في القدرِ الذي اشتركَ فيهِ الحديثان ، لفظًا أو معنَّى، أمَّا إذا كانَ الشاهدُ قاصرًا عنِ المشهودِ لهُ، فلا يكونُ ١ شاهدًا لهُ فيما لم يَشتركا فيهِ من اللفظِ أو المعنى . وهَذا ؛ أمرٌ بدهيٌّ ، لا يَخْفى على أهلِ اليقظةِ ، لكن أذكرُ مثالاً أو أكثرَ مما خَفِي على البَعْضِ . مثالُ ذلكَ : حديثُ : أبي سعيد الخدريِّ مرفوعًا : ((إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلُ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا)). فهذا الحديثُ؛ ممَّا تفردَ بهِ عمرُ بنُ حمزةَ العُمَرِيُّ ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ سعدٍ ، عن أبي سعيدٍ . وقالَ الذهبيُّ (١): ((هذا ممَّا اسْتُنكرَ لعمرَ)). فذهبَ ذاهبٌ إلى ردِّ هذه النكارة ، بأنْ جاءَ للحديث بشواهدَ تشهدُ لهُ؛ ولكنَّها شواهدُ قاصرةٌ عن المشهودِ لهُ . فها هي الشواهدُ ؛ فلننظرْ فيها . (١) في ((الميزان)) (١٩٢/٣). ٣٩٣ الشَّوَاهِدُ .. الْقَاصِرَةُ الشاهدُ الأولُ : عن أبي نضرةَ : حدثني شيخٌ من طفاوةَ ، قالَ : تَثَوَّيْتُ أبا هريرةَ بالمدينة ... وفيه: فقالَ رسولُ اللَّهُ وَِّّهِ: ((هلْ منكُمْ الرجلُ إذَا أتى أهلَهُ فَأَغلقَ عليه بابَهُ، وألقي عليه سترَهُ، واسْتَتَرَ بستر اللَّه؟)) قالوا: نعم . قالَ : (ثُمَّ يَجْلِسُ بَعْدَ ذلكَ فيقولُ : فعلتُ كذا، فعلتُ كذا؟)) قالَ : فَسَكتُوا . قال : فأقبلَ على النساء ، فقالَ : ((هَلْ منْكُنَّ مَنْ تُحدِّثُ؟)) فَسَكَتْنَ، فَجَثَتْ فَتَاةٌ على إِحْدى رُكْبَتَيْها، وتَطَاوَلَتْ لرسُولِ اللهِ وَّهِ؛ لِيرَاهَا وَيَسْمِعَ كلامَهَا، فَقَالتْ: يا رسولُ الله؛ إنَّهُمْ لَيَتَحَدِّثُونَ، وإِنَّهُنَّ ليتحدَّثْنَهُ. فقالَ: ((هَلْ تَدْرِونَ مَا مَثَلُ ذلكَ؟)) فقالَ: ((إنَّما مَثَلُ ذلكَ مَثَلُ شَيْطَانة لَقَيَتْ شَيْطَانًا في السِّكَةِ، فَقَضَى مِنْهَا حَاجَتَهُ ، والنَّاسُ يَنْظُرُونَ إليهِ .. )). أخرجهُ : أبو داودَ (٢١٧٤) وأحمدُ (٢/ ٥٤٠) . الشاهدُ الثاني : عن أسماءَ بنتِ يزيدَ، أنها كانت عندَ رسول اللّهِ وَّهِ، والرجالُ والنساءُ قعودٌ، فقالَ: (لَعَلَّ رَجُلاً يقولُ ما يفعلُهُ بأهله ، ولعلَّ امرأةً تخبرُ بما فعلَتْ معَ زوجها؟! )) فأَرَمَّ القومُ، فقلت: إي والله يا رسولَ الله ! إنهنَّ ليقلنَ ، وإِنَّهُمْ ليفعلونَ. قال: ((فَلاَ تَفْعَلُوا؛ فإنَّمَا ذلكَ مثلُ الشيطانِ لَقِي شيطانةً في طريقٍ ، فَغَشِيَهَا والناسُ ينظرونَ) . أخرجهُ : أحمدُ (٤٥٦/٦-٤٥٧). الشاهدُ الثالثُ : عن أبي سعيدٍ، عنِ النبيِّ نَّهِ، قالَ: ((أَلاَ يَخْشَى أَحَدُكُمُ أَنْ يَخْلُو ٣٩٤ الشَّوَاهِدُ .. الْقَاصِرَةُ بأَهْله، يُغْلقُ بَابًا، ثُمَّ يُرْخِي سِتْرًا، ثُمَّ يَقْضِي حَاجَتَهُ، ثُمَّ إِذَا خَرَجَ حَدَّثَ أَصْحَابَهُ بَذَلكَ ؟! أَلاَ تخْشَى إِحْدَاكُنَّ أَنْ تُغْلِقَ بَابَهَا، وَتُرْخِي سِتْرَهَا، فَإِذَا قَضَتْ حَاجَتَهَا حَدَّثَتْ صَوَحَبَهَا؟!)) فقالت امرأةٌ سَفْعَاءُ الخدين: واللَّه ! يا رسولَ اللَّه ، إنهنَّ ليفعلنَ ، وإنهم ليفعلونَ . قال : ((فلا تَفْعَلُوا؛ فإنَّما مثلُ ذلكَ مثلُ شيطان لقي شيطانَةً على قارعة الطريقِ، فقضى حاجتَهُ منها ، ثمَّ انصرفَ وتركَهَا)). أخرجَهُ : البزار (١٤٥٠ - كشف الأستار ). فهذه الشواهدُ ؛ قاصرةٌ عن المشهود لهُ ، فإنَّها وإنْ اشتركَتْ معهُ في قُبحِ هذا الفعلِ ، وذمِّ مَن يفعلُهُ ، إلا أنَّها ليسَ فيها ما فيه من أنَّ الذي يفعل ذلكَ الفعلِ يكونُ ((مِنْ أَشَرِّ الناسِ عندَ اللهِ منزلةٌ يومَ القيامةِ» . فعدم وجودِ شاهدٍ لهذه الزيادة ، مما يدلُّ على نكارتها ؛ لتفرد عمرَ ابن حمزةَ بها - على ضعفِهِ - ، وعدمِ موافقةِ أحدٍ منَ الثقات لهُ عليها ، وأصحابُ سالمٍ - شيخِهِ في هذا الحديثِ - الثقاتُ كثيرونَ ، فيستبعدُ جدًّا أنْ يَخْفَى عليهم مثلُ هذا الحديثِ من حديثِ سالمٍ ، ولا يحفظُهُ إلا مَنْ هو دُونهم بكثيرٍ، حتَّى هذا الذي تفردَ بهِ ، ليسَ لهُ في سنة رسولِ اللهِ وَلِ ما يوافقُهُ في معناه ، وما جاءَ في السنةِ ليسَ فيه هذا القدرُ الذي تفردَ به ، مما يدلُّ على نكارته فعلاً ، وعلى صحةٍ إنكارِ الإمامِ الذهبيِّ لحديثهِ ذلكَ . وباللَّهُ التوفيقُ (١). (١) أمثلة هذا الفصل كثيرة جدًّا، وهو من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى كثير تمثيل، وإن كان الإخلال به يقع كثيرًا من قبل بعض الباحثين. وانظر: ((ردع الجاني)) (ص١٧٦ - ١٨٤). التَّدْلِيسُ .. وَالسَّمَاعُ ومن طرقِ الاعتبارِ ، والتي يتسامحُ في أسانيدِها البعضُ ، هو أنْ يكونَ الحديثُ معروفًا من روايةٍ راوٍ معروفٍ بالتدليسِ ، وقد رواهُ بالعنعنة ، فإنَّ هذا يقتضي التوقفَ في روايتِهِ ، وعدمَ الاحتجاجِ بها حتى يصرِّحَ بالسَّماعِ . فيأتي بعضُ الضُّعفاءِ ممَّن لم يحفظِ الإسنادَ على وجهِهِ ، فَيَذْكُر في الإسنادِ لفظَ السماعِ بين ذاكَ المدلسِ وشيخِهِ . فيجيءُ بعضُ الباحثينَ ، فيعتمدُ على هذه الروايةِ ، لإثباتِ سماعٍ هذا المدلسِ لهذا الحديثِ من ذاكَ الشيخِ ، ويدفعُ عنه - بمقتضاها - شبهةَ تدلیسه لحديثه هذا . وهذا ليسَ بشيءٍ ! ذلكَ ؛ لأنَّ لفظَ السماعِ لم يذكر إلا في هذه الروايةِ التي تفردَ بها ذاكَ الضعيفُ ، فهو متفردٌ بتلكَ الزيادةِ - أعني بالزيادةِ : لفظَ السماعِ . فأولاً : هي زيادةٌ ضعيفةٌ ؛ لتفردِ ذلكَ الضعيف بها . فمَن يثبت بمقْتَضَاها السماعَ ويدفع التدليسَ ، فهو بذلكَ يحتجّ بالضعيف . ثانيًا : هي زيادةٌ منكرةٌ ؛ وذلكَ من وجهينِ : ٣٩٦ التَّدْلِيسُ .. وَالسَّمَاعُ الأولُ : تفردُ الضعيفِ بها . الثاني : مخالفتُهُ لغيرِهِ ممَّن لم يذكرُوها . فالذي يحتجُّ بمثلِ هذا لإثباتِ السماعِ ، فهو محتجٌّ بالمنكرِ ؛ مخالفًا بذلكَ الأصول العلمية المُتَقَرِّرةَ . وليس هذا من بابِ الاستشهادِ حتی یتسامحَ في إسناده ، بل من باب الاحتجاجِ ؛ لأنَّ لفظَ السماعِ لم يجئْ إلا في تلكَ الروايةِ التي جاءَ بها ذاكَ الضعيفُ . وأئمةُ الحديث - عليهم رحمةُ اللَّهِ - عندَمَا يريدونَ أنْ يتحققُوا من سماعٍ راوٍ من شيخِهِ في حديثٍ معينٍ ؛ ينظرونَ : هل صرحَ ذلكَ الراوي بالسماعِ من ذاكَ الشيخِ في هذا الحديث ، أم لا ؟ فإنْ وجدوا تصريحًا بالسماع منهُ، لم يَعْتَدُّوا به ، إلا بعدَ التحققِ من عدة أمورِ : * * الأمرُ الأولُ: صحةُ الإسنادِ إلى هذا الرََّوي الذِي يريدونَ التحققَ مِن سماعِهِ هذا الحديثَ من شيخه . وهذا الشرطُ واضحٌ لا خفاءَ بهِ ، ولا تَخْفى ضرورتُهُ وأهميتُهُ ؛ فإنَّ الإسنادَ الضعيفَ لا تقومُ بهِ الحجةُ لإثباتِ الروايةِ ، فكيفَ بإثباتِ السماعِ ، الذي هو أخصَّ مِن مجردِ الروايةِ ؟! ٣٩٧ التَّدْلِيسُ .. وَالسَّمَاعُ روى ابنُ أبي حاتمٍ (١) ، عن أبيه ، أنَّه قالَ : («سألتُ أبا مسهرِ: هل سمعَ مكحولٌ من أحدٍ من أصحابِ النبيُّ وسلم: فقالَ : سمِعَ من أنسِ بنِ مالكٍ . فقلتُ لهُ : سمعَ من أبي هندِ الداريِّ ؟ فقالَ : من رواهُ ؟ قلتُ : حيوةُ بنُ شريحٍ ، عن أبي صخرٍ ، عن مكحول ، أنَّه سمعَ · 醬 أبا هند الداريَّ يقولُ : سمعتُ النبيِّ وستٹ فكأنَّه لم يلتفتْ إلى ذلكَ . فقلتُ لهُ : واثلةُ بنُ الأسقع ؟ فقالَ : مَنْ ؟ قلتُ : حدثنا أبو صالح كاتبُ الليثِ : حدثني معاويةُ بنُ صالحٍ ، عن العلاءِ بنِ الحارثِ ، عن مكحول ، قالَ : دخلتُ أنا وأبو الأزهرِ على واثلةَ بنِ الأسقعِ . فقلتُ: كأَنَّهُ أوْمَأَ برأسِهِ ، كأنَّهُ قَبَلَ ذلكَ)) اهـ . فانظر إلى أبي مسهرٍ ؛ كيفَ أنَّ حكمَهُ بإثباتِ السماعِ ونفيِهِ ينبني على إسنادِ الروايةِ التي جاءَ فيها ذكرُ السماعِ ، فليسَ كلُّ ما جاءَ فيهِ لفظُ السماعِ يقبلُهُ ، حَتَّى يكونَ إسنادُه صالحًا للاحتجاجِ بهِ على ذلكَ . وأحمدُ بنُ صالحِ المصريُّ ؛ له موقفٌ مثلُ هذا الموقفِ ، يدلُّ على (١) في ((تقدمة الجرح والتعديل)) (٢٩١ - ٢٩٢). ٣٩٨ التَّدْلِيسُ .. وَالسَّمَاعُ اعتمادِ الأئمةِ في إثباتِ السماعِ على صحةِ الإسنادِ إلى المصرِّحِ . قالَ أبو زرعةَ الدمشقيُّ في ((تاريخه)) (١): ((وسمعتُ أبا مُسْهِر يُسألُ عن مكحولٍ : هل لَقِي أحدًا من أصحابِ النبيِّ وَّةِ ؟ فقالَ: لم يلقَ منهُمْ أحدًا ؛ غيرَ أنسِ بنِ مالكٍ . فقلتُ لهُ : إنهُمْ يزعمونَ أنَّهُ لَقِي أبا هند الداريّ ؟ فقالَ : ما أَدْرِي . قالَ أبو زرعةَ : فذكرتُ كلامَ أبي مسهرٍ هذا لأحمدَ بنِ صالحٍ - مَقْدَمَهُ دمشقَ سنةً سبعَ عشرةَ ومائتينٍ ، وهو يومئذٍ باقٍ(٢) - ، فحدثني عن ابنِ وهب، عن معاويةَ بنِ صالحٍ ، عن العلاءِ بنِ الحارثِ ، عن مكحول ، قالَ : دخلتُ أنا وأبو الأزهرِ على واثلةَ بنِ الأسقعِ)) اهـ . قلتُ : وهذا ظاهرٌ . وكأنَّ سؤالَ أبي حاتمٍ السابقَ كانَ بعدَ سؤالِ أبي زرعةَ هذا ؛ لأنَّ أبا مسهرٍ نفى هنا أنْ يكونَ مكحولٌ لَقِي غيرَ أنسٍ ؛ وهناكَ رضيَ أنْ يكونَ قد سمعَ من واثلةَ ؛ لمقتضى نفسِ الروايةِ التي احتجّ بها أحمدُ بنُ صالحٍ . لكنْ ؛ قد يعكرُ على هذا : قولُ أبي حاتم(٣): («سألتُ أبا مسهرِ : هل سمعَ مكحولٌ من أحدٍ من أصحابِ النبيِّ (١) ((تاريخه)) (٣٢٦/١ - ٣٢٧). (٢) يعني : أبا مسهر . (٣) ((المراسيل)) لابنه (ص ٢١١). ٣٩٩ التَّدْليسُ .. وَالسَّمَاعُ وَ لّر؟ قالَ: مَا صَحَّ عندنا؛ إلا أنسُ بنُ مالك . قلتُ : واثلةُ ؟ فأنكرَهُ)). كذا قالَ أبو حاتمٍ هنا ، مع أنَّ أبا حاتمٍ فهمَ من أبي مسهرٍ هناكَ ، أنَّه رضيَ وقَبِلَ أن يكونَ مكحولٌ سمعَ من وائلةَ . فقد يُقالُ : هذا من اختلافِ الاجتهادِ . والأقربُ: أنَّه لا منافاةَ أبدًا؛ فكأنَّه قَبلَ في المرة الأولى صحةَ الرواية ؛ لصحةٍ إسنادِها ، وهنا لم يقبلْهَا ، لا لطعنِ في إسنادِها وثبوتِها ، وإنَّما لعدمٍ دلالتِها على السماعِ ؛ لأنَّ غايةَ ما تدلّ عليه هو مجرد ثبوت اللقاءِ بينهما ، ودخولِ مكحول على واثلةَ ، وهذا لا يستلزمُ السماعَ منه كما لا يخفى . وكثيرًا ما يُصرحُ الأئمةُ بلقاءِ راوٍ بشيخِهِ ، ثمَّ يصرحونَ بأَنَّهُ لم يسمعُ و منه . كما قالَ أبو حاتمٍ(١) في إبراهيمَ النخعيِّ : (لم يلقَ أحدًا من أصحابِ النبيِّ وَّر، إلا عائشةَ؛ ولم يسمعْ منها شيئًا؛ ؛ فإنَّه دخلَ عليها وهو صغيرٌ) . فأثبتَ له لقاءَه بعائشةَ - رضي الله عنها - ، ولم يُثبتْ له السماعَ منها . وهذا ؛ أمثلتُه كثيرةٌ . وهذا ؛ ما فهمَهُ أبو حاتم هاهنا، فكانَ إذا سُئل نفسَ سؤاله لأبي (١) ((المراسيل)) (ص ٩). ٤٠٠ التَّدْلِيسُ .. وَالسَّمَاعُ مسهر، أثبتَ مجردَ اللقاءِ والدخولِ ، ونفى السماعَ . قالَ ابنُ أبي حاتمٍ (١): ((سمعتُ أبي يقولُ: لم يسمعْ مكحولٌ من واثلةَ بنِ الأسقعِ)). وقالَ أيضًا (٢): ((سمعتُ أبي يقولُ: مكحولٌ ؛ لم يسمعْ من معاويةَ ، ودخلَ على واثلةَ بنِ الأسقعِ)) . وبهذا ؛ يظهرُ لنا : أنَّ الأئمةَ - عليهم رحمةُ اللَّهِ - وإنْ اختلفوا في إثباتِ سماعِهِ ونفيهِ ، إلاَّ أنَّ المثبتَ منهم والنافي ، إنَّما يعتمدُ في إثباتِ السماعِ أو نفيهِ ، على صحةِ الإسنادِ أو عدمه ؛ وهذا هو محلّ الشاهد من ٩ هذا الاستطراد . وبالله التوفيقُ . ومنْ ذلكَ : حكى ابنُ أبي حاتمٍ (٣)، عن أبيهِ، أنَّهُ قالَ في «سلامةَ بنِ قيصر الحضرميِّ» : (ليسَ حديثُهُ بشيءٍ من وجهٍ يصحُّ ذكرُ صحبِهِ) . قالَ ابنُ أبي حاتمٍ : ((وذلكَ ؛ أنَّه روى ابنُ لهيعةَ، عن زبانَ بنِ فائدٍ ، عن لهيعةَ بنِ (١) ((المراسيل)) (ص ٢١٣). (٢) ((المراسيل)) (ص ٢١٢). (٣) في ((الجرح والتعديل)) (٢٩٩/١/٢ - ٣٠٠).