Indexed OCR Text

Pages 321-340

الشَّكُّ .. وَالجَزْمُ
٣٢١
أخبرَهُ، أنَّ رسولَ اللهِّهِ كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ .
أخرجه: مسلمٌ (١٧٧/١) وأحمدُ (٣٦٦/١) وابنُ خزيمةَ (١٠٨)
93
وأبو عوانة (٢٨٤/١) والدار قطنيَّ (٥٣/١) والبيهقيّ (١٨٨/١) والطبراني
(٤٢٦/٢٣) .
قال الحافظُ ابن حجرٍ (١) :
((أعلَّه قومٌ؛ لتردُّدِ وقعَ في روايةٍ عمرو بن دينارٍ ؛ حيثُ قال : ((عِلْمي
والذي يَخْطِرُ عَلى بَالي أنَّ أبا الشَّعثاءِ أخبرني - وذكر الحديثَ))؛ وقد وَرَدَ
من طريقٍ أخرى بلا تردد ؛ لكنْ راويها غيرُ ضابط ، وقد خُولفَ)).
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : عبد الرَّزاقِ ، عن معمرٍ ، عن أيوبَ ، عن ابن أبي مليكةً أو
غيره ، عن عائشةَ، قالتْ: مَا كَانَّ خُلُقٌ أبغضَ إلى رسول الله وَّر من
الكَّذْب، ولقدْ كَانَ الرَّجلُ من أصحاب رسول الله وَِّ يَكْذِبُ عنْدَهُ الكذبَةَ ،
فَمَا يَّزَالُ فِي نَفْسِهِ حَتَّى يعلمَ أَنْ قَدْ أَحْدَثَ منها تَوْبَةً .
فهذا الحديثُ ؛ هكذا رواهُ معمرٌ بالشكِّ : هَلْ هو من حديث ابن
أبي مليكةَ ، أم غيرِهِ ؟ ورُوي عنه بدونٍ شكٍّ ، وهو خطأً ؛ ثم تبيَّنَ من غيرِ
روايةٍ معمرٍ ، أنَّه من حديثِ ذلكَ الغيرِ ، وليسَ من حديث ابن أبي مليكةً ؛
وبمعرفتِنَا بذلكَ الغيرِ ، تبيَّنَ أنَّه لم يسمعُ من عائشةَ ، فصارَ الحديثُ
مُنْقَطعًا .
وتفصيلاً لذلكَ ؛ أقولُ :
(١) في ((فتح الباري)) (١ / ٣٠٠). وانظر: ((فتح الباري)) لابن رجب (٢٥٥/١).

٣٢٢
الشَّكُّ .. وَالجَزْمُ
هَذا الحديثُ ؛ اختلفَ فيهِ على عبدِ الرزاقِ :
فرواهُ عنهُ بعضُهُمْ بالشَّكِّ ، كما هُنَا ؛ منهم : أحمدُ بن حنبلٍ ،
وإسحاقُ بن إبراهيم الدَّبري (١).
أخرجه : أحمدُ (٦/ ١٥٢) والبيهقيَّ في ((الشعب)) (٤٨١٧).
وهو كذلكَ بالشكِّ في ((المصنف)) (١٥٨/١١).
ورواه عنه بعضهُمْ بدونِ شكَّ ، منهم : يحيى بن موسى ، وأحمدُ بن
منصورِ الرماديّ ، ومحمد بن عبد الملك بن زنجويهِ .
ءُ
أخرجه : الترمذيَّ (١٩٧٣) وابن حبانَ (٥٧٣٦) والبيهقيّ في («السنن
الكبرى)) (١٩٦/١٠) و((الشعب)) (٤٨١٦).
ثمَّ حكى البيهقيُّ عن الرَّماديِّ ، أنَّه قالَ :
((كانَ في نسختِنَا عن عبد الرزاقِ هَذا الحديثُ ((عن ابن أبي مليكةَ أو
غيرِهِ) ؛ فحدَّثَنا عبدُ الرزاقِ بغير شكّ، فقالَ : عن ابن أبي مليكةً ، ولم
يذكر : أو غيره)) .
قلتُ: وهَذا ؛ يدلُّ على أن الصَّواب في حديث معمرٍ ، أَنَّه بالشَّكِّ ؛
لأنَّه هو الموافقُ لما في كتابِ عبد الرزاقِ ، ومعلومٌ أن عبدَ الرزاقِ كانَ
يخطئُ إذَا حدَّثَ من حفظهِ ، لا سيما وأنَّ أحمدَ بن حنبلٍ روى الحديثَ
عنه بالشكِّ ، وأحمدُ إنَّما سمعَ من عبد الرزاقِ قديمًا ، ومن كتابه ، وقد
(١) لكن وقعت روايته في ((شرح السنة)) للبغوي (١٥٥/١٣) بدون شكِّ، إلا أن البغوي قرن
بين روايته وبين رواية أحمد بن منصور الرمادي ، ورواية الرمادي بدون شكِّ - كما سيأتي - ،
فلعل البغوي حمل روايته على روايته . والله أعلم .

الشَّكُّ .. وَالجَزْمُ
٣٢٣
أَخْبَرِ الرَّماديُّ أن بعدَ الرزاق حدَّثَهم بدون الشَّكِّ من حفظه وليسَ من كتابِهِ
وأنَّ الذي في الكتابِ بالشَّكَّ .
فَهَذَا ؛ هُو المحفوظُ عن معمرٍ ؛ أنَّه قالَ : ((عن أيوبَ ، عن ابن
مليكةَ أو غيرِهِ، عن عائشة)) (١).
ثمَّ نظرنا ؛ فوجدنا أنَّ الصوابَ في هذا الحديث ، أنَّه من حديث
ذلكَ الغيرِ ، وليسَ من حديث ابن أبي مليكةً .
فقد قالَ البيهقيَّ في («الشعبٍ)) :
((هكذا رواهُ معمرٌ ؛ ورواهُ : محمد بن أبي بكر ، عن أيوبَ ، عن
إبراهيمَ بن ميسرةَ ، عن عائشةَ ... )).
فهذه ؛ إشارةٌ منه إلى أنَّ الحديثَ حديثُ أيوبَ ، عن إبراهيمَ بن
ميسرةَ ، عن عائشةً ، وليسَ حديثَ أيوبَ ، عن ابنِ أبي مليكةَ ، عن
عائشةَ، وأنَّ إبراهيمَ بن ميسرةَ هو ذاكَ الغيرُ الذي لم يحفظْهُ معمرٌ ،
واشْتَبَهَ عليه : هَل الحديثُ حديثُهُ ، أم حديثُ ابن أبي مليكةَ ؟
وكذلكَ ؛ رواهُ حماد بن زيد ، عن أيوبَ ، عن إبراهيمَ بن
ميسرةَ ، عن عائشة (١) :
(١) ورواه محمد بن مسلم ، عن أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة. أخرجه
البيهقي (١٩٦/١٠) . وهذا غير محفوظ .
وقد اضطرب فيه محمد بن مسلم ؛ فرواه مرة عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن عائشة .
أخرجه الحاكم (٩٨/٤). وقال البيهقي في ((الشعب)) (٤٨١٨): ((لا يصح)).
(٢) وسرقه بعض الكذابين ، فرواه عن حماد ، عن أيوب ، عن ابن أبي مليكه ، عن عائشة.
أخرجه ابن عدي (٢٢٩٢/٦)؛ وأنكره .
=

٣٢٤
الشَّكُّ .. وَالجَزْمُ
أخرجهُ : ابن سعدٍ في ((الطبقاتٍ)) (١).
وكذلكَ ؛ رواه روحُ بن القاسمِ ، عن إبراهيمَ بن ميسرةَ ، عن
عائشةَ.
أخرجهُ: ابن أبي الدنيا في ((مكارمِ الأخلاقِ)) (١٣٩).
وكلُّ ذلك ؛ يدلُّ على أنَّ الحديثَ حديثُ إبراهيمَ بن ميسرةَ ، وليسَ
هو من حديث ابن أبي مليكةَ ، وقد جَزَمَ البخاريَّ بأنه لا يصحّ من حديثٍ
ابن أبي مليكةً ؛ كما سيأتي .
ثم نظرنا ؛ فوجدنا أنَّ إبراهيمَ بن ميسرةَ ، وإن كانَ ثقةً ، إلا أنَّه لم
يسمعْ من عائشةَ ، فروايتُهُ عنها منقطعةٌ ؛ وبهذا ؛ علمنا أن بمعرفتنا بهذا
الغيرِ ، وأَنَّه إبراهيمُ بن ميسرةَ ، استطعنا أن نقفَ على علَّةِ الحديثِ ، وأَنَّه
منقطعٌ غيرُ موصولٍ .
فقد قالَ البيهقيَّ ، عقبَ قولِهِ السابقِ :
((قالَ البخاريُّ : هو مرسلٌ - يعني: بَيْنَ إبراهيمَ بن ميسرةَ وعائشةَ -؛
ولا يصحُّ حديثُ ابن أبي مليكةَ . قالَ البخاريُّ : مَا أَعْجَبَ حديث معمرٍ
عن غيرِ الزهريِّ؛ فإنَّه لا يَكَادُ يُوجد فيهِ حديثٌ صحيحٌ)) .
ورواه ضعيف آخر ، عن حماد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة .
=
: وهذا ؛ منكر بهذا الإسناد .
أخرجه العقيلي (٩/١) (٤٣٠/٤) وابن عبد البر في ((التمهيد)) (٦٩/١) وأنكره العقيلي.
(١) وراجع: ((الصحيحة)) (٢٠٥٢).

الشََّاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادٍ
كثيراً ما يُساقُ في بابِ الاعتبارِ أسانيدُ متعددةٌ لمتنٍ واحدٍ ، ولا شكَّ
أنَّ تعددَ الأسانيدِ للمتنِ الواحدِ مما يقويهِ ، ويؤكدُ كونَهُ محفوظًا عن
رسولِ الله وَهِ .
إلا أنَّه يكثرُ في هذا البابِ التساهلُ في الأسانيدِ ، وعدمُ مراعاةِ العللِ
الخفيةِ التي تفضي إلى اطراحِ هذه الأسانيدِ - أو بعضِها - ، وعدمٍ
اعتبارِها ، أو الاعتدادِ بها ، لتقويةِ الحديثِ .
وذلكَ؛ كأنْ يكونَ المتنُ مشهورًا عن رسولِ اللَّهِ وَلَه بإسنادٍ معينٍ ،
فيخطئُ بعضُ الرواةِ ، فيرويهِ بإسنادٍ آخرَ ، يُروى بهِ متنٌ آخرُ ، عنِ النبيِّ
وَّ ؛ فيظنُّ الناظرُ أنهما إسنادانِ لمتنٍ واحدٍ ، ولا يفطنُ لكونِ هذا الإسنادِ
الآخر خطأ ، وأنَّ مركبٌ على هذا المتنِ ، وليسَ هو إسنادَهُ .
فهذا الإسنادُ الآخرُ ؛ قد يكونُ في نفسِهِ صحيحًا ؛ لاتصاله وثقة
رواته، والمتنُ كذلكَ قد يكونُ صحيحًا مستقيمًا بإسناده المعروفِ بهِ ، إلا
٠٠
أنَّ العلةَ عندَ أهلِ العلمِ في روايةِ هذا المتنِ بهذا الإسنادِ خاصةً .
وقد لا يكونُ المتنُ صحيحًا بإسناده الذي يُعرفُ بهِ ؛ لعلةِ فيهِ من
ضعفٍ في بعضِ رواتِهِ ، أو انقطاعٍ في إسنادِهِ ؛ فلما رواهُ ذاكَ المخطئُ
بذلكَ الإسناد الصحيح ، ظهرَ وكأنَّهُ إسنادٌ آخرُ للحديثِ ، فيصححُ بهِ ،
وليسَ الأمرُ كذلكَ ؛ لما سبقَ .

٣٢٦
الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ
و
وقد يكونُ هذا الإسنادُ الآخرُ ، الذي أُلصقَ بهذا المتنِ ، فيهِ نوعٍ
ضعف مما لا يُسْقِطُهُ عن حدِّ الاعتبارِ ، فيظهرُ وللحديث إسنادان ، قد يغتر
٤٧٥
بهما بعضُ مَن لم يفطنْ للعلةِ المشارِ إليها ، فيقوِّي الحديثَ باجتماعهما .
والواقعُ ؛ أنَّ الحديثَ إنما يحكمُ عليهِ بإسناده المعروف به ، أما هذا
الإسنادُ الذي ألصقَهُ ذلكَ المخطئُ بهذا المتنِ ، فهو إسنادٌ لَيسَ لهذا
المتنِ ، بل لمتنٍ آخرَ ، فلا اعتبارَ بهِ في هذا المتنِ خاصةً .
وفي مثلِ ذلكَ ؛ يقولُ أهلُ العلم : ((لا أصلَ لهُ بهذا الإسناد)) أو ((هذا
منكرٌ بهذا الإسناد))، ونحو هذا .
وربَّما أطلقوا ، فيقولونَ - مثلاً -: ((لا أصلَ لهُ))، أو ((هذا منكرٌ)) ،
يقصدونَ بهذا الإسناد خاصةً ، اللهمَّ إلا أنْ لا يكونَ للمتنِ إسنادٌ آخرُ ،
فحينئذ يحملُ على إطلاقِهِ .
وهذا النوعُ من الخطإِ ؛ له صورتان :
الصورةُ الأولى :
تغييرُ الإسنادِ ، دونَ مخرجِ الحديثِ .
وذلكَ ؛ كأنْ يأتي إلى حديثٍ يرويهِ الزهريّ - مثلاً - بإسنادٍ معينٍ ،
93
فيرويهِ هو عنِ الزهريِّ بإسنادٍ آخرَ .
فهو لم يخالفْ في أنَّ الحديثَ حديثُ الزهريِّ ، وإنَّما خالفَ فيمَن
فوقَ الزهريِّ منَ الإسنادِ .
فإنْ كانَ الزهريُّ يروي الحديثَ - مثلاً - ، ((عن سعيدِ بنِ المسيبِ ،

٣٢٧
الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ
عن أبي هريرةَ))، فروى ذلكَ المخطئُ الحديثَ بعينه، فقالَ: ((عنِ
الزهريِّ ، عن سالمٍ ، عنِ ابنِ عمرَ )).
فهو لم يخطئ في جعلِهِ الحديثَ من حديث الزهريِّ، وإنَّما أخطأ
فقطْ في قولهِ : ((عن سالمٍ عن ابنِ عمَر)).
وهذه الصورةُ ؛ أمثلتُها كثيرةٌ ومتداولةٌ، وقلَّما تخفى على طالبٍ
العلمِ اليقظِ ، فأكتفي بذكرِ مثالٍ واحدٍ ، هو من أشهرِ أمثلتِها .
مثالُ ذلكَ :
حديثُ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنّاتِ» .
فهذا الحديثُ؛ صحيحٌ ثابتٌ عن رسولِ اللَّهِ وَّهِ، من حديث:
يحيى بن سعيد الأنصاريِّ ، عن محمد بن إبراهيم التيميُّ ، عن علقمةَ بنِ
وقاصِ الليثيِّ، عن عمرَ بنِ الخطابِ - رضَي اللَّه عنه -، عن رسولِ اللَّه ◌ِل .
هكذا ؛ أخرجَهُ : البخاريُّ ومسلمٌ وغيرُهما ، من هذا الوجهِ .
ورواهُ عن يحيى الأنصاريِّ : جماعةٌ كثيرونَ ؛ فهو مشهورٌ عنه .
وممن رواهُ عنه : مالكُ بنُ أنسٍ ؛ ورواهُ عن مالكِ : جماعةٌ من
أصحابه الثقات .
وخالفَهم : عبدُ المجيدِ بنُ عبدِ العزيزِ بنِ أبي روَّادِ ؛ فرواهُ عن
مالكٍ، فجاءَ لهُ بإسنادٍ آخرَ ؛ فقالَ :
((عن مالك، عن زيد بن أسلمَ ، عن عطاء بنِ يسار ، عن أبي سعيد
الخدريِّ، عنِ النِّّ ◌َِّ).

٣٢٨
الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ
أخرجَهُ: الخليليّ في ((الإرشاد)) (١٦٧/١ - ٢٣٣) والخطابيّ في
((أعلام الحديث)) (١/ ١١١) وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٤٢/٦).
وعبدُ المجيدِ بنُ أبي روَّادِ هذا؛ صدوقٌ ، إلا أنَّه أخطأ في إسنادِ هذا
الحديثِ عن مالك ، والصوابُ : أنَّ مالكًا يرويه كما يرويهِ الناس ، عن
يحيى الأنصاريِّ ، بالإسنادِ الأولِ .
هکذا ؛ قال أهلُ العلمِ
قال أبو حاتم الرازيُّ (١):
((هذا حديثٌ باطلٌ ، لا أصلَ لهُ ؛ إنما هو : مالكٌ ، عن يحيى بنِ
سعيد ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ التيميُّ ، عن علقمةَ بنِ وقاصٍ ، عن عمرَ ،
عنِ النبيِّ ◌َِّ).
وقالَ أبو يعلى الخليليُّ (٢):
((أخطأ فيه عبدُ المجيد ، وهو غيرُ محفوظِ من حديثِ زيدِ بنِ أسلمَ
بوجه ، وهذا أصلٌ من أصولِ الدينِ ، ومدارُه على يحيى بنِ سعيدٍ ؛ فهذا
مما أخطأ فيه الثقةُ عن الثقةِ)) .
وقالَ الخطابيُّ :
(«هذا عندَ أهلِ المعرفةِ بالحديثِ مقلوبٌ ؛ وإنما هو إسنادُ حديث آخرَ
أُلصقَ بهِ هذا المتنُ».
(١) ((علل الحديث)) (٣٦٢).
(٢) بتصرف .

٣٢٩
الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ
وقالَ أبو نعيمٍ :
و و
((غريبٌ من حديث مالكِ عن زيدٍ ، تفردَ بهِ عبدُ المجيد ؛ ومشهُورَه
وصحيحهُ : ما في ((الموطٍ)) عن يحيى بنِ سعيدٍ)).
وقال الدار قطنيُّ (١):
((لم يتابعْ عليهِ عبدُ المجيدِ بنُ عبدِ العزيزِ بنِ أبي روَّدٍ ؛ وأما أصحابُ
مالك الحفاظُ عنه ، فروَوْهُ : عن مالكِ ، عن يحيى بنِ سعيدٍ ، عن محمدٍ
ابنِ إبراهيمَ ، عن علقمةَ بنِ وقَّاصٍ ، عن عمرَ ؛ وهو الصوابُ)).
: الصورةُ الثانيةُ :
تغييرُ الإسنادِ ، والمخرجِ أيضًا :
وذلكَ ؛ بأنْ يأتيَ إلى حديثٍ معروفٍ بإسنادٍ معينٍ ، ورجالٍ معينينَ ،
فإذا بهِ يروي نفسَ الحديثِ ، ولكنْ بإسنادٍ آخرَ ، لا يتفقُ مع الإسنادِ الأولِ
في رجلٍ من رجاله .
وهذا الخطأُ ؛ هو الذي يعبرُ عنه الأئمةُ غالبًا بقولهم : ((دخلَ عليه
حديثٌ في حديثٍ)) ، أو ((إسنادٌ في إسنادٍ» .
فالذي لا يفطنُ لذلكَ، يظنُّ أنَّ الإسنادَ الآخرَ إسنادٌ مستقلّ
للحديث، فيجعلهُ شاهدًا للأول ؛ وليسَ الأمرُ كذلكَ .
وهذا ؛ يقعُ من الثقاتِ وغيرِهم ، ووقوعهُ من غيرِ الثقاتِ أكثرُ ؛
وغالبُ هذه الأسانيد يستغربُها العلماءُ ويستنكرُونها على أصحابها ، وربما
(١) في ((العلل)) (١٩٣/٢ - ١٩٤).
وراجع : ما تقدم حول هذا الحديث ، في ((فصل : المتابعةُ .. والقلبُ)).

٣٣٠
الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ
ضعفوا راويها بها ، لا سيما إذا كان مَمَّن يُكثرُ من الوقوعِ في هذا النوعِ من
الخطإِ ؛ لفحشهِ ، ويسوقونَ مثلَ هذه الأسانيدِ في تراجمِ الرواةِ مِن كتبٍ
الضعفاءِ ؛ مثل: ((الضعفاء)) للعقيليِّ، و((الكامل)) لابنِ عديٍّ،
و(المجروحين)) لابن حبانَ وغيرِها ، لا يقصدونَ إنكارَ المتنِ ، بلْ قد يكونُ
صحيحًا بالإسنادِ المعروفِ المشهورِ ، وإنَّما يقصدونَ إنكارَ تلكَ الأسانيد
لهذه المتونِ خاصةً .
ومن هنا ؛ ندركُ خطأَ مَن يتتبعُ هذه الأسانيدَ من هذه الكتب وأمثالها،
ثُمَّ يَجعلُها في صعيدٍ واحدٍ ، ويُقوي بعضها ببعض ؛ فإنَّه بذلكَ إنما يقوي
المنكرَ بالمنكرِ ، من حيثُ لا يدري .
هذَا ؛ وهذا النوعُ من الخطٍ يقعُ أحيانًا بسببِ التحديثِ من الحفظِ ،
فيشتبهُ على الرَّاوي إسنادُ حديثٍ بإسنادِ حديث آخرَ ، وأحيانًا بسبب انتقال
نظرِ الرََّوي ، حيثُ يروي من كتابِهِ ، فينتقلُ نظرُهُ من إسنادٍ إلى إسنادٍ بعده
رقَ
الحديثٍ آخر في الكتابِ ؛ وأمثلةُ هَذا وذاكَ كثيرةٌ .
مثالُ ذلكَ :
حديثُ: جريرِ بنِ حازمٍ، عن ثابت البنانيِّ، عن أنسٍ، أنَّ النبيَِِّّ قال:
(إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ، فَلاَ تَقُّومُوا حَتَّى تَرَوْنِي)» .
فهذا المتنُ؛ معروفٌ عنِ النبيِّ بَّهِ ، من حديثٍ يحيى بن أبي كثيرٍ ،
عن عبدِ اللهِ بنِ أبي قتادةَ، عن أبيهِ، عنِ النبيِّ ◌ٍَّ .
أخرجَهُ: البخاريّ (١٦٤/١)(٩/٢) ومسلم (١٠١/٢) من هذا
الوجه .

٣٣١
الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَاد
أما حديثُ أنسِ هذا ؛ فلا يُعرفُ إلا من هذا الوجهِ ، تفردَ بهِ جريرُ
ابنُ حازمٍ - وهو صدوقٌ - ، وقد خطَّاهُ جماعةٌ من أهلِ العلمِ في ذلكَ ،
وأنكروا عليه روايتَهُ لهذا المتنِ بهذا الإسنادِ ، منهم : البخاريّ ،
والترمذيُّ، وأبو داودَ، وابنُ عديٍّ، والدار قطنيُّ ، وغيرُهم (١)
٠
وقد بينَ حمادُ بنُ زيدٍ سببَ وقوعِ هذا الخطإِ لجريرِ بنِ حازمِ ،
فقالَ - فيما رواهُ عنه أبو داودَ في ((المراسيل)) (٢) بإسنادٍ صحيحٍ عنهُ - ، قالَ :
(كنتُ أنا وجريرُ بنُ حازمٍ عندَ ثابت البنانيِّ، فحدَّثَ حجاجُ بنُ
أبي عثمانَ ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي قتادةَ ، عن أبيهِ،
أنَّ النبيَّ وَِّ قَالَ: ((إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَةُ، فَلاَ تَقُوَمُوا حَتَّى تَرَوْنِي)) ؛ فظنَّ جريرٌ
أَنَّه إنَّما حدَّثَ به ثابتٌ عن أنسٍ» .
قلتُ : فهذا مما يؤكدُ أنَّ جريرًا قد أخطأَ في إسنادِ هذا الحديثِ ،
وأَنَّه دخلَ عليهِ حديثٌ في حديث ، وأنَّ هذا المتنَ لا أصلَ لهُ من حديث
ثابت ، ولا من حديث أنسٍ ، إنَّما هو حديثُ أبي قتادةَ الأنصاريِّ ، لا
يصحّ إلا من حديثه .
وقد أشارَ إلى ذلكَ البخاريُّ بقوله (٣) :
((وَهِمَ جريرُ بنُ حازمٍ في هذا الحديثِ ؛ والصحيحُ : ما رُوي عن
ثابت، عن أنس، قالَ: أُقيمَتِ الصَّلاَةُ، فَأَخَذَ رَجُلٌ بَيَدِ النَّبِيِّ ◌َّةِ، فَمَا زَالَ
وريد وو سد
يُكَلِّمُهُ حَتَّى نَعَسَّ بَعْضُ الْقَوَّمِ» .
(١) راجع: ((شرح علل الترمذي)) (٦٤٥/٢).
(٢) (٦٤) .
(٣) حكاهُ عنهُ الترمذيُّ في ((الجامع)) (٥١٧) .

٣٣٢
الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَاءٍ
قالَ البخاريُّ :
((والحديثُ هو هذا، وجريرُ بنُ حازمٍ رُبَّما يهمُ في الشيءٍ ، وهو
صدوقٌ)) .
وهذا ؛ ذهابٌ من البخاريِّ - رحمهُ اللهُ تعالى - إلى أنَّ جريرًا قد
دخلَ عليهِ حديثٌ في حديثٍ ، وأنَّ هذا الإسنادَ الذي ذكرَهُ لمتنِ ((إِذَا أُقِيمَتِ
الصَّلاَةُ فَلاَ تَقُومُوا حَتَّى تَرَوِي))؛ ليسَ هو إسنادَ هذا المتنِ ، إنَّما هو إسناً
لمتنٍ آخرَ ، وهو المتنُ الذي ذكرَهُ البخاريُّ - رحمهُ اللَّهُ .
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : أبي كريبٍ ، عن أبي أسامةَ، عن بُرَيّدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي بردةَ،
عن جده، عن أبيهِ أبي موسى الأشعريِّ، عنِ النبيِّ ◌َّ : «الْمؤمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعَّى
وَاحِدٍ ، وَلْكَافِرُ يَكَّلُ فِي سَبْعَةٍ أَمْعَاءِ» .
فهذا ؛ إسنادٌ - في الظاهر - صحيحٌ .
لكنْ ؛ قالَ الحافظُ ابنُ رجب الحنبليُّ (١):
((هذا المتنُ معروفٌ عنِ النبيِّ وَّ من وجوه متعددة ، وقد خرجاهُ في
((الصحيحين)) من حديث أبي هريرةَ ، ومن حديثِ ابنِ عمرَ ، عنِ النبيِّ
صلىالله
.
وسام
وأمَّا حديثُ أبي موسى هذا ؛ فخرجَهُ مسلمٌ ، عن أبي كريبٍ ، وقد
استغربَهُ غيرُ واحد من هذا الوجه ، وذكروا أنَّ أبا كريب تفردَ بهِ ، منهم :
البخاريُّ وأبو زرعةً)) .
(١) ((شرح العلل)) (٦٤٥/٢).

الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ
٣٣٣
قالَ الترمذيَّ في ((العلل))(١):
((هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الوجهِ ، من قِبَلِ إسنادِهِ .
وقد رُوي من غيرِ وجهٍ عن النبيِّ وَِّ هذا، وإنما يُستغربُ من حديث
أبي موسى .
سألتُ محمودَ بنَ غيلان عن هذا الحديث ، فقالَ : هذا حديثُ
أبي كريب عن أبي أسامةَ .
وسألتُ محمدَ بنَ إسماعيلَ - هو : البخاريّ - عن هذا الحديث ،
فقالَ : هذا حديثُ أبي كريب ، عن أبي أسامةَ ، لم نعرفْهُ إلا من حديث أبي
کريب ، عن أبي أسامةَ .
فقلتُ لهُ : حدَّثَنا غيرُ واحدٍ عن أبي أسامةَ بهذا (٢).
فجعلَ يتعجبُ، وقالَ: ما علمتُ أنَّ أحدًا حدَّثَ هذا غيرَ أبي كريبٍ.
وقالَ محمدٌ : كنَّا نَرى أنَّ أبا كريبِ أخذَ هذا الحديثَ عن أبي أسامةَ
في المذاكرةِ)) اهـ .
وقالَ البرذعيُّ (٣):
((سألُت أبا زرعةَ عن حديثٍ بريدِ بنِ أبي بردةً ، عن أبي موسى :
(١) في آخر ((الجامع)) (٥/ ٧٦٠).
(٢) ذكرهم الترمذي قبل ذلك ، وهم : أبو كريب ، وأبو هشام الرفاعي ، وأبو السائب ،
والحسين بن الأسود .
(٣) (٥٨١/٢ - ٥٨٢).
وهو في ((تاريخ بغداد)) (١٤٨/٩).

٣٣٤
الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَاد
(الْمُؤْمنُ يَأْكُلُ فِي مِعِى وَاحد)) ؟
٥٠
فقالَ : حدثنا بهِ أبو كريبِ ، قالَ : حدثنا أبو أسامةَ .
فقلتُ لهُ : حدثنا به أبو السائبِ سلمُ بنُ جنادةَ السوائيّ ، عن
أبي أسامةَ ؟
فقالَ : أبو السائبِ ؛ روى هذا ؟!
فقلتُ : نعم ! هو حدثنا بهِ !
فقالَ : هذا حديثُ أبي كريبٍ !
وقالَ لي أبو زرعةَ : كانَ أبو هشامِ الرفاعيّ يرويهِ أيضًا ؛ فسألتُ أبا
هشامٍ أنْ يخرجَ إليَّ كتابَهُ ؛ ففعلَ ، فرأيته في كتابِهِ بينَ سطرينٍ بخطٍّ غيرِ
الخطِّ الذي في الكتابِ .
ثُمَّ قالَ لي : ما ظننتُ أنَّ أبا السائب يروي مثلَ هذا - أو نحو ما قالَ
أبو زرعةً .
وأعادَ عليَّ غيرَ مرةٍ : هذا حديثُ أبي كريبٍ» اهـ .
فأنتَ ترى الأئمةَ قد تتابعُوا على إنكار هذا الحديث على أبي كريب ،
وعلى التصريح بأنَّهُ حديثُه، ليسَ حديثَ غيرِهِ، وأَنَّه هو المَخْطِئُ فيهِ، رغمَ أَنَّ
المتنَ محفوظٌ ثابتٌ عن رسول اللَّه ◌ِ .
ومع ذلكَ ؛ فقد جاءَت متابعاتٌ لأبي كريب ، وقد وقفَ عليها الإمامُ
البخاريّ وكذا أبو زرعةً، كما تقدمَ ، ومع ذلكَ فلم يعتدَا بها ، ولا دفعًا
بمقتضاها التفردَ عن أبي كريب ، ولا قويا روايتَهُ بها ، بل صرحا - مع
ذلك - بأنَّ الحديثَ حديثُهُ، وأَشارا إلى أنَّ مَن رواهُ عن أبي أسامةَ غير
م

الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَاد
٣٣٥
أبي كريب ، فهو واهمٌ أو سارقٌ .
وكذلكَ ؛ قالَ الإمامُ ابنُ رجبٍ في ((شرح علل الترمذي)) (١).
قلتُ: وأبو السائبِ سلمُ بنُ جنادةَ ؛ أحدُ الثقاتِ ، ومعَ ذلكَ فلم يعتدَّ
الإمامُ أبو زرعةَ، وكذا البخاريّ بمتابعته، فالظاهرُ أنهما ذَهَبًا إلى أنَّه أخطأَ في
ادعائه سماعَهُ لهذا الحديث من أبي أسامةَ .
٠٠
وهذا من أدلِّ دليل على أنَّه ليس كلُ متابعة تجيءُ يحتجُ بها ، أو يعتمدُ
عليها ، لا سيما فيما صرّحَ أهلُ العلمِ بتفردِ الراويِ بِهِ .
وأمَّا أبو هشام الرفاعيُّ ؛ فهو معروفٌ بسرقة الأحاديث ، فروايتُهُ
لحديثِ غيرِهِ ، وادعاؤه سماعَ ما لم يسمعْ ، ليسَ جديدًا عليهِ ، بل هو
معروفٌ عنهُ ، مشهورٌ بهِ .
والحسين بن الأسود ؛ ضعيف أيضًا ، واتهمه ابن عدي بسرقة
الحديث ؛ فالظاهر أنه سرق هذا هو أيضًا .
قالَ ابنُ رجبٍ :
((وظاهرُ كلامِ أحمدَ يدلُّ على استنكارِ هذا الحديثِ أيضًا :
قالَ أبو داودَ (٢): سمعتُ أحمدَ، وذُكرَ لهُ حديثُ بُرَيْدِ هذا، فقالَ
أحمدُ : يطلبونَ حديثًا من ثلاثينَ وجهًا ، أحاديث ضعيفةً ! وجعلَ ينكرُ طلبَ
الطرق نحو هذا. قالَ: هذا شيءٌ لا تنتفعونَ به ؛ أو نحو هذا الكلامِ)) اهـ .
(١) (٦٤٦/٢) .
(٢) هو في ((مسائله)) (ص٢٨٢) .

٣٣٦
الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ
قالَ ابنُ رجب :
((وإنما كرهَ أحمدُ تَطَلُّبَ الطرقِ الغريبة الشاذَّة المنكرة ، وأمَّا الطرقُ
الصحيحةُ المحفوظةُ ، فإنَّهُ كانَ يحثُّ على طلبها)) .
قلتُ : هذا؛ مع أنَّ هذه الطريقَ من حيثُ الظاهر صحيحةٌ ، ولم يُخالَف
أبو كريب فيها ، بل تفردَ بها فحسبُ، وهو ثقةٌ، ومعَ ذلكَ قد أنكرَها أحمدُ -
كما ترى - غايةَ الإنكار ، وذكر ابنُ رجب في شرحه لكلامه أنَّ هذه الطريقَ
شاذةٌ منكرةٌ ، ومعنى ذلكَ : أنها خطأٌ لاَ شكَّ في ذلكَ ، وعليه ؛ فلا اعتبارَ
بھا، ولا اعتدادَ .
وقد قالَ البخاريُّ :
((كنَّا نرى؛ أنَّ أبا كريب أخذَ هذا عن أبي أسامةَ في المذاكرةِ)) .
قالَ ابنُ رجبٍ :
((قولُ البخاريِّ هاهنا تعليلٌ للحديث ؛ فإنَّ أبا أسامةَ لم يرو هذا
الحديثَ عنه أحدٌ من الثقاتِ غيرُ أبي كريب ، والمذاكرةُ يحصلُ فيها
تسامحٌ؛ بخلافِ حالِ السماعِ والإملاءِ)).
مثالٌ آخرٌ :
حديثُ : شبابةَ ، عن شعبةَ ، عن بكيرِ بنِ عطاء ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ
يعمرَ، عنِ النبيِّ ◌ََِّ، أَنَّهُ نَهَى عَنِ الدَُّاءِ وَالْمُزَفَّتِ.
فإنَّ نَهي النبيِّ وَّ عن الانتباذِ في الدباءِ والمزفتِ؛ صحيحٌ ثابتٌ
عنه؛ رواه عنهُ جماعةٌ من أصحابهٍ - رضيَ اللَّهُ عنهم جميعًا - ، وأما روايةٌ.
عبد الرحمنِ بنِ يعمرَ عنهُ ، فغريبةٌ جدًّا ، ولا تعرفُ إلا بهذا الإسنادِ ،

٣٣٧
الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ
تفردَ بها شبابةُ ، عن شعبةَ ، عن بكيرِ بنِ عطاءٍ ، عنهُ .
وهذا إسنادٌ ؛ من حيثُ الظاهر صحيحٌ ؛ لاتصالِهِ وثقة رواتِهِ ، ومع
ذلكَ فقدْ أنكرَ هذا الإسنادَ طوائفُ من أئمةِ الحديثِ على شبابةَ ، منهم :
الإمامُ أحمدُ ، والبخاريُّ ، وأبو حاتمٍ ، وابنُ عديٍّ، وغيرُهم(١).
قالَ الإمامُ أحمد :
((إنما روى شعبةُ بهذا الإسناد حديثَ: الْحَجّ عَرَفَةُ)).
قالَ الحافظُ ابنُ رجب الحنبليُّ(٢):
((يشيرُ إلى أنَّه لا يُعرفُ بهذا الإسنادِ غيرُ حديث الحجِ)، فهذا المتنُ
هو الذي يُعرفُ بهذا الإسنادِ)).
قلتُ : وكذا قالَ ابنُ عديٍّ (١٣٦٦/٤) والترمذيُّ في ((العلل)» في آخرِ
((الجامع)) (٧٦١/٥) .
وراجعْ أيضًا: ((الضعفاء)) للعقيليِّ (١٩٦/٢).
وقالَ أبو حاتم الرازيُّ (٣) :
((هذا حديثٌ منكرٌ؛ لم يروِهِ غيرُ شبابةَ ، ولا يُعرفُ لهُ أصلٌ )).
وأمَّا قولُ الإمامِ عليٍّ بنِ المدينيّ(٤):
((أي شيءٍ نقدرُ نقولُ في ذاكَ - يعني : شبابةَ - ، كانَ شيخًا صدوقًا؛
(١) راجع: ((شرح علل الحديث)) لابن رجب (٦٤٨/٢).
(٢) ((شرح علل الحديث)) (٦٤٨/٢).
(٣) ((العلل)) لابنه (١٥٥٧).
(٤) ((الكامل)) (١٣٦٥/٤).

٣٣٨
الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَاد
إلا أنَّه كانَ يقولُ بالإرجاء ، ولا ينكرُ لرجلٍ سمعَ من رجلٍ ألفًا أو ألفينِ ،
أنْ يجيءَ بحديثٍ غريبٍ)) .
فليسَ هذا القولُ من الإمامِ تصحيحًا منهُ للحديث ، بل غايةُ ما يدلُّ
عليه ، هو أنَّه لا ينبغي أنْ يضعفَ شبابةُ لمجردِ خطئِهِ في حديثٍ واحدٍ عمّن
هو مكثرٌ مِن الروايةِ عنهُ .
وهذا ؛ ما فهمهُ الإمامُ ابنُ عديٌّ ، فقد قالَ في آخرِ ترجمتِهِ :
((وشبابةُ - عندِي - إنَّما ذمَّهُ الناسُ للإِرجاءِ الذي كانَ فيهِ ، وأمَّا في
الحديث ؛ فإنَّه لا بأسَ بهِ ، كما قالَ عَليُّ بنُ المدينيِّ ، والذي أُنْكِرَ عليهِ
الخطأُ، ولعلَّه حدَّثَ بهِ حفظًا)) .
فكونُ الحديثِ خطأ شيءٌ ، وكونُ راويهِ المخطئِ فيهِ يضعفُ به شيءٌ
آخرُ ، ولا تلازمَ بينهما ، كما هو معلومٌ .
وبالله التوفيقُ .
مر
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : سعيدِ بنِ أوسِ النحويِّ ، عن ابنِ عونٍ ، عن ابنِ سيرينَ ،
عن أبي هريرةَ ، عنِ النبيِّ ◌َّرِ، قالَ: ((يَا بِلاَلُ! أَسْفِرْ بِالصُّبْحِ ؛ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ
للأَجْرِ».
أخرجهُ: ابنُ حبانَ في ترجمة سعيد هذا من «المجروحين))(١)، ثمَّ
قالَ :
((ليسَ هذا من حديثِ ابنِ عونٍ ، ولا ابنِ سيرينَ ، ولا أبي هريرةَ ؛
(١) (١/ ٣٢٠ - ٣٢١) .

٣٣٩
الشَّوَاَهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَادِ
وإنما هذا المتنُ من حديثِ رافعٍ بنِ خَدَيجٍ فقط)) .
قلتُ : وسعيدٌ هذا ، صدوقٌ ؛ إلا أنَّ هذا الحديثَ من أوهامه ،
٠٠
دخلَ عليه إسنادُ حديثٍ في إسنادٍ حديثٍ آخرَ .
ولهذا؛ قالَ الذهبيَّ في ((الميزان))(١):
((ذكرَهُ ابنُ حبانَ مليِّنَا لهُ؛ لأنه وهمَ في سندٍ حديثٍ: أسفرُوا بالفجر)).
مثالٌ آخرُ :
رَوَى: زَيِّدُ بْنُ أَسْلِمَ ، عَنْ أَبِهِ ، عَنْ عُمَرَ بنِ الخطابِ ، أَنَّهُ اطلعَ على
أبي بكرٍ وهو آخذٌ بلسانِهِ ، فقالَ : لِسَانِي هَذَاَ أَوْرَّدَنِي المَوَارِدَ .
رواهُ : الناسُ ، عن زيدِ بنِ أسلمَ ، وإنْ كانوا قد اختلفوا عليهِ في
إسناده ، إلا أنَّهم اتفقوا على أنَّه من حديثِهِ ، وليسَ من حديثِ غيرِهِ .
فجاءَ النضرُ بنُ إسماعيلَ أبو المغيرةَ القاصُّ، وفيه ضعفٌ ، فرواهُ
بإسناد آخرَ ، يختلفُ عنْ هذا تمامًا .
فقالَ : عن إسماعيلَ بنِ أبي خالد ، عن قيسِ بنِ أبي حازمٍ ، عن أبي بكرٍ ،
به .
وهذا الإسنادُ ؛ من حيثُ الظاهِر يصلحُ للاعتبارِ ، فربما جاءَ مَن
يقوي بهِ حديثَ زيدِ بنِ أسلمَ .
(١) (١٢٦/٢) .
هذا ؛ وقد استوعبَ الشيخُ الألبانيُّ - حفظه اللَّه تعالى - طرقَ حديثِ رافعٍ لهذا المتنِ في
((الإرواء)) (٢٥٨) .

٣٤٠
الشَّوَاهِدُ .. وَإِسْنَادٌ فِي إِسْنَاد
لكنْ ؛ انظرْ كيفَ كانَ نقدُ الإمامِ أحمدَ - عليهُ رحمه اللَّه - لهذا
الإسناد ؟
قالَ (١):
((لم يكن - يعني : النضرَ بنَ إسماعيلَ هذا - يحفظُ الإسنادَ ؛ روى
عن إسماعيلَ حديثًا منكرًا ، عن قيس : رأيتُ أبا بكرٍ أخذَ بلسانهِ ! ونحن
نروي هذا، وإنَّما هذا حديثُ زيد بن أسلمَ)) اهـ .
فقولُ الإمام أحمد : ((روى حديثًا منكرًا))، بعدَ قوله: ((لم يكنْ
يحفظُ الإسنادَ)) ؛ يدلُّ على أنَّ النكارةَ هاهنا متعلقةٌ بالإسنادِ ، لا بالمتنِ .
ثمَّ قولهُ : ((إنَّما هذا حديثُ زيد بن أسلمَ)) ، يشيرُ إلى أنَّ أبا المغيرةَ
القاصَّ دخلَ عليه حديثٌ في حديثٍ ، وأنَّ الحديثَ هو كما يرويهِ زيدُ بنُ
أسلمَ ، لا كما قالَ أبو المغيرةَ هذا ، وعليهِ ؛ فلا اعتبارَ بإسنادِ أبي المغيرةَ
هذا ؛ لأنَّه إسنادٌ خطأ منكرٌ ، لا علاقةَ له بهذا المتنِ .
وفي ظنِّي - واللَّهُ أعلمُ - ؛ أنَّه دخلَ عليهِ إسنادُ حديثِ أبي بكرٍ :
((إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّهُ مُجَانِبٌ لِلإِيمَانِ)) ، في إسنادِ هذا الحديثِ ؛ فإنَّ هذا
قد رواهُ جماعةٌ عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ ، عن قيسِ بنِ أبي حازمٍ ، عن
أبي بكرٍ - رضي اللهُ عنه(٢)- ، وهما حديثان من الممكنِ أنْ يشتبهَا على
من ليسَ راسخًا في الضبطِ والإتقانِ؛ فهما عن صحابيّ واحدٍ، وفي بابٍ
واحد .
(١) ((العلل)) لابنه عبد اللَّه (٥٣١٩).
(٢) راجع: ((العلل)) للدار قطني (٢٥٨/١).