Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
الإِقْرَنُ .. وَالْمُخَالَفَةُ
عنِ النواسِ ؛ فهو يقتضي أنَّ لصفوانَ في هذا الحديثِ شيخينِ ، وإسنادينٍ :
الأولُ : عن يحيى بنِ جابرٍ ، عن النواسِ .
الثاني : عن عبدِ الرحمنِ بنِ جبيرٍ ، عن النواسِ .
وهَذا ؛ قد ذكرَهُ البخاريُّ أيضًا ، فيما نقلناه عنهُ آنفًا .
لكنْ ؛ إذا وضعنا في اعتبارِنا قولَ أبي حاتمِ السابقَ :
((لم يلقَ ابنُ جابرِ النواس)) .
وقولَ ابنه :
((ويحيى بنُ جابرٍ ، يروي عن عبد الرحمنِ بنِ جيرِ بنِ نفيرٍ ، عن
أبيهِ ، عن النواسِ)) .
إذا وضعنا في اعتبارنا ذلكَ ، تبينَ لنا أنَّ الإسنادينِ يرجعانِ إلى أصلٍ
واحدٍ ومخرجٍ واحدٍ ، وأنَّ الظاهرَ أنَّ يحيى بنَ جابرِ إنما أخذَهُ عن
عبدِ الرحمنِ بنِ جبيرٍ .
ولهذا ؛ اعتبرَ الإمامُ المزيُّ روايةَ يحيى بن جابرِ عن النَّاسِ ، من
قَبِيلِ المرسلِ، في ترجمةِ يحيى (١).
واللَّهُ أعلمُ .
وقد أخطأ أبو المغيرةَ نحوَ هَذا الخطإِ أيضًا في حديث أخرَ ، سَيأتي
في ((فصلِ: التَّدليسُ .. والسَّمَاعُ)) .
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : سفيانَ بنِ عيينةَ ، عن الزهريِّ ، عن سعيد بنِ المسيبِ ،
(١) ((تهذيب الكمال)) (٢٤٩/٣١).

٢٦٢
الإِقْرَانُ .. وَالْمُخَالَفَةُ
عن أبي هريرةَ، عن النبيِّنَّهِ، قالَ: ((إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاة، فَإِنَّ
شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ. وَاشْتَكِتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: يَا رَبِّ ! أَكَلَ بَعْضَي
بَعَضًا ، فَأَذَنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ : نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ ، وَنَفَسِ فِي الصَّفِ ؛ فَهُوَ أَشَدُّ مَا
تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأَشَدُّمَا تَجِدُوَّنَّ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ) .
أخرجهُ: البخاريُّ (١٨/٢) والحميديُّ (٩٤٢) وأحمدُ (٢٣٨/٢)
وغيرهم .
فهكذا ؛ يرويه ابنُ عيينةَ، عنِ الزهريِّ، عن ((سعيد))، عن
أبي هريرةَ ، وجمعَ في حديثهِ بينَ هذينِ المتنينِ : ((إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا
بالصَّلاةِ ... )) و(اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبَّهَا ... )).
وعامةُ أصحابِ الزهريِّ ؛ لا يروونَ الحديثَ عنِ الزهريِّ هكذا ،
وإنَّما يروونَ المبْنَ الأولَ منه فقط، عن ((سعيدٍ وأبي سلمةَ)) ، عن
أبي هريرةَ .
منهم من جمعَ بينهما ، ومنهم من ذكرَ أبا سلمةَ وحدَهُ ، ومنهم من
قالَ : أحدهما أو كلاهما .
٦
أمَّا المتنُ الثاني - أعني: حديثَ: ((اشتكت النارُ)) -، فلم يروه أحدٌ
من أصحابِ الزهريِّ عن ((سعيد))، وإنما رواهُ شعيبُ بنُ أبي حمزةَ ويونسُ
ابنُ يزيدَ ، عنِ الزهريِّ، عن ((أبي سلمةَ))، عن أبي هريرةً (١) .
إلا ما يُروى عن جعفرِ بنِ برقانَ ، حيث تابعَ ابنَ عيينةً على رواية
المتنِ الثاني ، عن الزهريِّ، عن ((سعيد)).
(١) انظر: ((العلل)) للدارقطني (٩/ ٣٩٢).
٠١

٢٦٣
الإِقْرَنُ .. وَالْمُخَالَفَةُ
وجعفرُ بنُ برقانَ ؛ في الزهريِّ ليسَ بشيءٍ ، فلا تَنفعُ متابعتُهُ .
فظهرَ بهذا ؛ مخالفةُ ابن عيينةَ لأصحابِ الزهريِّ ؛ حيثُ حمل إسنادَ
المتنِ الثاني على إسنادِ المتنِ الأولِ ، وجعلَ المتنينِ من حديثِ ((سعيد)) ؛
وليسَ الأمرُ كذلكَ ؛ بل المتنُ الأولُ من حديثِ ((سعيدٍ وأبي سلمةَ))
جميعًا، بينما الثاني من حديثِ ((أبي سلمةَ) فقطْ .
والفضلُ في معرفةِ علَّةِ هذهِ المتابعةِ يرجعُ - بعدَ اللَّهِ عزَّ وجلَّ - إلى
الإمامِ أحمدَ بنِ حنبلٍ - عليهِ رحمةُ اللَّهِ ورضوانُهُ - ، فقد قالَ - فيما حكاهُ
عنه أبو طالبٍ(١) .
((سفيانُ بنُ عيينةَ في قلةِ ما روى نحو مِن خمسةَ عشرَ حديثًا ، أخطأ
فيها في أحاديثِ الزهريِّ ، فذكرَ منها : حديثَ : ((اشتكت النارُ إلى ربِّها))؛
إنما هو عن أبي سلمةَ)) .
وهذا من شفوفِ نظرِ الإمامِ أحمدَ ودقةٍ نقدِهِ ، عليه رحمةُ اللَّه
تعالى .
وقد سُثُلَ الإمامُ الدارقطنيُّ في ((العلل)) (٩/ ٣٩٠) عن حديثِ ((الإبرادِ))
خاصةً ، فذكرَ أوجهَ الخلافِ فيه على الزهريِّ ، ثمَّ قالَ :
((والقولانِ محفوظانٍ عن الزهريِ)).
يعني : عن سعيدٍ وأبي سلمةَ جميعًا .
وإنما يقصدُ الإمامُ الدار قطنيّ بتصحيحِ القولينِ عنِ الزهريِّ ، أي :
ءِ
(١) هو في ((المنتخب من علل الخلال)) (١٨٦).

٢٦٤
الإِقْرَانُ .. وَالْمُخَالَفَةُ
في حديثِ ((الإبراد)) خاصةً ؛ لأنه قالَ هذا في معرضِ الكلامِ عليهِ والسؤالِ
عنهُ، دونَ حديثِ: (اشتكتِ النارُ)(١).
وصنيعُ الإمامِ البخاريِّ في ((الصحيح)) يدلُّ على ذلكَ أيضًا :
فإنَّه خرجَ حديثَ: ((اشتكتِ النارُ)) مع حديثِ ((الإبراد)) من روايةِ ابنِ
عيينةَ ، من حديثِ ((سعيدٍ)) في كتابِ ((المواقيتِ)) في ((بابِ : الإبرادِ بالظهرِ
في شدة الحرِّ)، وذِكْرُ حديثِ ((اشتكت النارُ) في هذا البابِ ليسَ مقصودًا ،
وإنما خرجَهُ البخاريُّ عَرَضًا ؛ لأنَّ ابنَ عيينةَ هكذا جمعَ في روايتهِ بينَ
المتنينِ ، والمقصودُ في هذا البابِ إنما هو حديثُ ((الإبراد)» خاصةً .
بينما في كتابِ ((بدءُ الخلقِ)) في ((بابِ: صفةِ النارِ)) خرجَ حديثَ
((اشتكتِ النارُ) من حديثِ شعيبِ بنِ أبي حمزةَ ، عن الزهريِّ، عن
أبي سلمةَ وحدهُ ؛ وهذا بابه .
وفي هذا ؛ إشارةٌ إلى أن حديثَ: ((اشتكت النارُ)) ليسَ من حديثٍ
(سعيد))، بل من حديثِ ((أبي سلمةَ))، وهو ما خرجَهُ في ((المواقيتِ)) من
حديثِ (سعيد))، إلا لمجيئِهِ مع حديثِ ((الإبراد)) في رواية سفيانَ بنِ عيينةَ ..
واللَّهُ أعلمُ .
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : يحيى بنِ سعيد القطانِ ، عن سفيانَ الثوريِّ وشعبةً ، عن
علقمةَ بنِ مرثدٍ ، عن سعدِ بنِ عبيدةً ، عن أبي عبد الرحمنِ السَّلَميِّ ، عن
(١) واعلم ؛ أن المتابعات التي ساقها الحافظ ابن حجر وكذا ابن رجب في شرحهما
للحديث، إنما هي لحديث ((الإبراد)) خاصة ؛ فتنبه .

٢٦٥
الإِقْرَانُ . وَالْمُخَالَفَةُ
عثمانَ بنِ عفانَ، عن النبيِّ بِّهِ: ((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ)).
فهذا الحديثُ ؛ هكذا رواه يحيى القطانُ ، عن شعبةَ وسفيانَ ، على
الاتفاق .
وهذا مما خَطَّأَ فيهِ الأئمةُ يحيى القطانَ ؛ وحكمُوا بأنَّهُ حملَ روايةً
الثوريِّ على روايةٍ شعبةَ ، وهو إنما يخالفُهُ في هذا الحديثِ ؛ فإنَّ أصحابَ
الثوريِّ لا يذكرون في هذا الحديث ((سعدَ بنَ عبيدة)) في إسنادِهِ ، عنِ
الثوريِّ، وإنما يذكرُهُ فقطْ أصحابُ شعبةَ ، عن شعبةَ .
وقال ابنُ عديٍّ :
(يقالُ: لا يُعرفُ ليحيى بنِ سعيدِ خطأٌ غيرُه)(١).
مثالٌ آخرُ :
قالَ الترمذيَّ في ((الجامع)) (٢١٠٧):
(حدثنا سعيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ المخزوميُّ وغيرُ واحدٍ ، قالوا : حدثنا
سفيانُ ، عنِ الزهريِّ - ح .
وحدثنا عليُ بنُ حُجْرٍ : أخبرنا هشيمٌ ، عنِ الزهريِّ ، عن عليٍّ بنِ
حسينٍ، عن عمرو بنِ عثمانَ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَل
قالَ: ((لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ)) .
فظاهرُ سياقِ الترمذيِّ ؛ أَنَّ هشيمًا يرويِهِ كما يرويهِ سفيانُ بهذا اللفظ .
وهذا خطأٌ؛ فإنَّ هشيمًا لا يرويهِ بهذا اللفظِ، إنما يرويه بلفظ: ((لا
(١) راجع: ((الجامع)) للترمذيِّ (٣٩٠٨) و((الكامل)) لابن عديٌّ (١٢٣٤/٣) و((تحفة الأشراف))
(٢٥٧/٧ - ٢٥٨) .

٢٦٦
الإِقْرَانُ .. وَالْمُخَالَفَةُ
يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلْتَيْنٍ)).
هكذا ؛ رواهُ عنه عليٌّ بنُ حجرٍ ومسعودُ بنُ جويريةَ الموصليُّ ؛
وحديثهما عند النسائيِّ .
إلا أنَّ الترمذيَّ أخطأُ حيثُ حملَ روايةَ هشيمٍ على روايةٍ سفيانَ .
قالَ ذلكَ الحافظُ المزيُّ في ((تحفة الأشراف» (٥٦/١)
وشبيهٌ بهذا :
وقعَ في ((مقدمة صحيح مسلم)) (٨/١) ما صورتُهُ:
((حدثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ معاذ العنبريُّ: حدثنا أَبي - ح.
وحدثنا محمدُ بنُ المثنى : حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٌّ - ، قالا :
حدثنا شعبةُ ، عن خُبيبِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن حفصِ بنِ عاصمٍ ،
عن أبي هريرةَ ، قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ وَ له: (كَفَى بِالْمَرْء كَذبًا أَنْ يُحَدِّثَ
بِكُلِّ مَا سَمِعَ) .
وحدثنا أبو بكرِ بنِ أبي شيبةً : حدثنا عليُ بنُ حفصِ : حدثنا شعبةُ ،
عن خُبِيبِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن حفصِ بنِ عاصمٍ ، عن أبي هريرةً ، عنِ
النبيُّ ◌ِلَهـ - بمثلِ ذلكَ)) اهـ .
فظاهرُ هذا السياقِ ؛ يوهم أنَّ هؤلاءِ الثلاثةَ : معاذَ بنَ معاذ العنبريّ ،
وابنَ مهديٌّ ، وعليَّ بنَ حفصٍ ؛ متفقونَ على روايةِ الحديثِ ، عن شعبةَ
بهذا الإسناد .

٢٦٧
الإِقْرَانُ .. وَالْمُخَالَفَةُ
وليسَ الأمرُ كذلكَ ؛ وإنما الذي يرويهِ بهذا الإسنادِ هو عليّ بنُ حفصٍ
فقطْ، وأمَّا معاذٌ العنبريُّ وابنُ مهديٌّ، فيرويانِه ، عن شعبةَ بدونِ ذكرِ ((أبي
هريرةَ)) في إسنادِهِ ؛ أي : مرسلاً .
وليسَ هذا الخطأُ من الإمامِ مسلمٍ - عليه رحمه الله - ، بل من أحد
رواةٍ ((الصحيح)) عنه .
وقد نبهَ على هذا الخطإِ الإمامُ المازريّ في ((المعلم بفوائد مسلم))
(ص ١٨٤) ، فقالَ :
((رواهُ شعبةُ، عن خُبِيبِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن حفصِ بنِ عاصمٍ ،
أنَّ رسولَ اللَّهِ بِّهِ، فَأَتَى بِهِ مرسلاً، لم يذكرْ فيهِ «أبا هريرةَ)؛ هكذا
رُوِيَّ من حديثِ معاذِ بنِ معاذٍ وغندرٍ وعبدِ الرحمنِ بنِ مهديٍّ ، عن شعبةً.
وفي نسخةٍ أبي العباسِ الرازيُّ وحده في هذا الإسناد: ((عن شعبةَ، عن
خُبيب، عن حفصٍ ، عن أبي هريرةً)) - مسندًا؛ ولا يثبتُ هذَا)) .
31
قال : ((وقد أسندَهُ مسلمٌ بعدَ ذلكَ من طريقِ عليّ بنِ حفصِ المدائنيَ،
عن شعبةَ)) .
قال : ((قالَ عليّ بنُ عمرَ الدارقطنيُّ : والصوابُ أنهُ مرسلٌ عن شعبةَ،
كما رواهُ معاذٌ وغندرٌ وابنُ مهديٍّ)) اهـ .
وكذلكَ؛ أشارَ إليه الإمامُ المنذريُّ في ((مختصرِ السَّنْنِ)) (٢٨١/٧).
والنوويَّ؛ في ((شرحٍ مسلمٍ)) (٧٤/١)، صرَّح بأنَّ مسلمًا أخرجه من
طريقين : أحدهما مرسلٌ ، والآخرُ متصلٌ ؛ وأنَّ المرسلَ عنده من طريق .
معاذٍ وعبد الرحمن بن مهديٌّ ؛ وهذا يدلُّ على أنَّ النسخةَ التي اعتمدَ عليها

٢٦٨
الإِثْرَانُ .. وَالْمُخَالَفَةُ
النوويُّ ليس الحديثُ فيها متصلاً من الطريقين .
وقد صرَّحَ الدارقطنيُّ في ((التتبعِ)) (ص ١٧٥ - ١٧٦) بأنَّ الذي يرويه
موصولاً ، هو علي بن حفصٍ فقط ، وأن معاذًا وابن مهديٍّ وغُندرًا يروونه
مرسلاً، وأنَّه هو الصوابُ (١).
فقد صرحَ بأن حديثَ معاذٍ وابن مهديِّ مرسلٌ ، وليسَ متصلاً .
وقال أبو داودَ :
(لم يُسنده إلا هذا الشَّيخ - يعني: عليّ بن حفصِ المدائنيّ).
قلتُ : فقد تبينَ بهذا ؛ أنَّ معاذًا وابنَ مهديٌّ لم يوصلا الحديثَ عن
شعبةَ ، وإنَّما الذي وصلَهُ بذكرِ ((أبي هريرةَ) هو عليّ بنُ حفصِ فقطْ ، وأنَّ
ما وقعَ في ((مقدمةِ مسلمٍ)) إنما هو خطأٌ منْ أحدِ رواةٍ ((الصحيحِ)) ، لا ذنبَ
المسلمٍ فيهِ ، بدليلِ أنَّ غيرَهُ من رواةٍ ((الصحيحِ)) رَوَوْهُ مرسلاً على الصوابِ،
كما ذكرَ أهلُ العلمِ .
ويؤكدُهُ : اتفاقُ الأئمةِ على أنَّ عليَّ بنَ حفصٍ هو المتفردُ بوصلٍ هذا
الحديثِ عن شعبةَ ، لم يتابعْهُ أحدٌ على وصله ، وأنَّ سائرَ أصحابِ شعبةَ -
بما فيهم : معاذٌ العنبريُّ وابنُ مهديٍّ - إنما رَووهُ عنهُ مرسلاً ، بدونِ ذکرِ
((أبي هريرةَ)) (٢).
(١) وراجع ((العلل)) (٢٧٥/١٠ - ٢٧٦) أيضاً .
وكذلك ؛ ((الصحيحة)) (٢٠٢٥).
(٢) انظر: مثالاً آخر في ((الكامل)) (١٧٤٥/٥).

الْمُتَابَعَةُ .. وَمَا لاَ يَجِيءُ
قد تجيءُ متابعةٌ من راوٍ لآخرَ عن شيخٍ منَ الشيوخِ ، فيرى أهلُ العلم
أنَّ هذه المتابعةَ خطأُ ، والصوابَ أنَّ الحديثَ حديثُ الرجلِ الأولِ ؛ وهذا
تقدمَ التنبيهُ عليهِ .
لكنْ ؛ أحيانًا يستدلُّ أئمةُ الحديثِ على عدمٍ صحةِ هذهِ المتابعةِ بغرابةٍ
الإسناد ، من حيثُ أنَّ روايةَ هذا المتابعِ عن هذا الشيخ لا تعرفُ ، ولا
تجيءُ في الأحاديثِ ، فيقولونَ في إعلالِ مثلِ ذلكَ : ((فلانٌ عن فلانِ
لا يجيءُ»، أو «فلانٌ لا يعرفُ بالأخذ عن فلان)» ونحو هذا .
ويَقْوَى الإعلالُ بذلكَ ؛ حيثُ يكونُ هذا الراوي المتابعُ مشهورًا ،
معروفًا بكثرةِ الحديثِ والأصحابِ ، ثمَّ لا تجيءُ روايتُهُ عن هذا الشيخِ إلا
من طريقٍ غريبةٍ ، يتفردُ بها من ليسَ معروفًا بالحفظِ ، أو ليسَ مِن أصحابِهِ
الملازمينَ لهُ ، والعارفينَ بحديثهِ .
فالذي لا يفطِنُ لذلكَ ، يظنُّ أنَّ الحديثَ ثابتٌ عن الرَّجُلينِ ، فيثبتُ
بمقتضى ذلكَ المتابعةَ ، ويدفعُ التفردَ ؛ وليسَ كذلكَ .
وبطبيعة الحال ؛ فإنَّ الأئمةَ لا يَقْصدونَ في هذه المواضعِ
إعلالَ الحديثَ بالانقطَاعِ بَيْنَ هَذا الرَّاوي المتابِعَ وِبينَ شَيْخِهِ ، وإنَّما العلّةُّ
عندهُمْ ممَّنْ دونَ هَذا الرَّاوَي ، فهو لم يَثْبُتْ عنهَ حتَّى يُعَلَّ بعَدَمِ سماعِهِ من
شيخه .
٠٠

٢٧٠
الْمُتَابَعَةُ .. وَمَا لاَ يَجِيءُ
فالذي يتعقَّبُ الأئمةَ في هذهِ المواطِنِ ، بأنَّ المعاصرةَ متحققةٌ بَيْنَ
الرَّوي والشيخِ، وشرطُ مسلمٍ الاكتفاءُ بإمكانيَّة السَّماعِ وإنْ لم يصرِّحْ به
الرّوي في حديثٍ من حديثِهِ = إنَّما يتعقَّبُ الأئمةَ فيما لم يقصدُوه من
كلامهم ، فكلامُهُمْ في وادٍ ، وكلامُهُ في وادٍ آخرَ .
مثالُ ذلكَ :
حديثُ : ابن أبي ذئب ، عن أبي الزبيرِ ، عن جابرِ ، عنِ النبيِّ
وَّهِ، قالَ: ((مَا اصْطَدتمُوهُ وَهُوَ حَيٍّ فَكُلُوهُ، وَمَا وَجَدتمُوهُ مَيْتًا طَافِيًا فَلاَ
وو و
تَأْكُلُوهُ)) .
فهذا الحديثُ ؛ يرويه الحسينُ بنُ يزيدَ الطحانُ ، عن حفصِ بنِ
غياثٍ ، عنِ ابنِ أبي ذئبٍ ، بِهِ .
أخرجَهُ: الترمذيَّ في ((العلل الكبير)) (ص ٢٤٢) والطبراني في
((الأوسط)) (٥٦٥٦) والخطيبُ في ((التاريخ)) (١٤٨/١٠).
وقالَ الطبرانيّ :
ءُ
((لم يروِ هذا الحديثَ عن ابنِ أبي ذئبٍ إلا حفصٌ ، تفردَ بهِ الحسين
ابنُ يزيدَ) .
وقالَ الترمذيُّ :
((سألتُ محمدًا - يعني: البخاريَّ - عن هذا الحديثِ ؟ فقالَ : ليسَ
هذا بمحفوظ ، ويُروى عن جابرٍ خلافُ هذا ، ولا أعرفُ لابنِ أبي ذئبٍ عن
أبي الزبير شيئًا)).
:
قلتُ : يشيرُ الإمامُ البخاريُّ بقولِهِ : ((ولا أعرفُ لابنِ أبي ذئبٍ عن

٢٧١
الْمُتَابَعَةُ .. وَمَا لاَ يَجِيءُ
أبي الزبير شيئًا)) إلى أنَّ الخطأ في هذا الحديثِ ممَّن دونَ ابنِ أبي ذئبٍ ؛
و
وذلكَ لغرابةِ الإسنادِ ، حيثُ إنَّ روايةَ ابنِ أبي ذئبٍ عن أبي الزبيرِ غيرَ
معروفةٍ إلا في هذ الإسنادِ ، فالظاهرُ أنَّ الراوي الذي أخطأَ دخلَ عليهِ إسنادُ
في إسنادٍ ، أو قلبَ راويًا براوٍ .
ولعلَّ الخطأ من الحسينِ بنِ يزيدَ هذا ؛ فقد قالَ فيهِ أبو حاتمٍ
الرازيُّ : ((لَيِّنُ الحديثِ)) .
ثمَّ إنَّ روايةَ حفصِ بنِ غياثٍ عن ابنِ أبي ذئبٍ لم يذكرُوها أيضًا ؛ فإنْ
صحَّ أنَّه لا يروي عنهُ كانَ ذلكَ أقوى في الدلالةِ على أنَّ الخطأ من
الحسينِ . واللَّهُ أعلمُ .
هذا هو المعنى الذي أنكرَهُ البخاريُّ - عليهِ رحمةُ اللَّهِ تعالى - في هذا
الإسنادِ ، وهو أنَّه إسنادٌ مركبٌ من رواةٍ لا يُعرفُ روايةُ بعضِهِم عن بعضٍ ،
فلو كانت روايةُ بعضِهم عن بعضٍ ثابتةً ، فما بالها لا تجيءُ إلاَّ في هذه
الرواية الغريبةِ .
لكنْ؛ رأيتُ ابنَ التركمانيِّ والزيلعيَّ لم يفهمَاَ كلامَ البخاريِّ على
وجههِ ، فتعقباهُ بما لا يُغني ، ولا يدفعُ إعلالَهُ .
قالَ ابنُ التركمانيِّ في (الجوهر النقي)) (٩/ ٢٥٦) والزيلعيُّ في ((نصب
الراية» (٢٠٣/٤) :
(«قولُ البخاريِّ : ((لا أعرفُ لابنِ أبي ذئبٍ عن أبي الزبيرِ شيئًا)) ؛ هو
على مذهبه في أنَّه يشترطُ لاتصالِ الإسنادِ المعنعنِ ثبوتَ السماعِ ، وقد أنكرَ
مسلمٌ ذلكَ إنكارًا شديدًا ، وزعمَ أنَّه قولٌ مخترعٌ ، وأنَّ المتفقَ عليهِ أنَّه

٢٧٢
الْمُتَبَعَةُ .. وَمَا لاَ يَجِيءُ
يكفي للاتصال إمكان اللقاء والسماع ؛ وابنُ أبي ذئبٍ أدركَ زمانَ أبي الزبيرِ
بلا خلافٍ ، وسماعُهُ منهُ ممكنٌ» .
قلتُ : بصرفِ النظرِ عن الراجحِ في مسألةِ عنعنةِ المعاصرِ ؛ فإنَّ
تعقبَ البخاريِّ بقولِ مسلمٍ فيها دليلٌ على عدمِ فهمِ وجهِ إعلالِ الإمامِ
البخاريِّ لهذا الحديثِ .
فإنَّ البخاريَّ - عليه رحمةُ اللَّه - لا يقصدُ إعلالَ الحديثِ بالانقطاعِ
بينَ ابنِ أبي ذئبٍ وأبي الزبيرِ ، حتَّى يصحَّ أنْ يردَّ عليه بأنَّ إمكانيةَ سماعه منهُ
كافيةٌ للحكمِ بالاتصالِ .
بلْ لو ذكرَ الراوي لفظَ السماعِ بينهما ، فقالَ - مثلاً - : ((عنِ ابنِ
أبي ذئبٍ: حدثنا أبو الزبيرِ))، لمَا صححَ البخاريُّ الحديثَ أيضًا، ولمَا
كانَ مجيءُ لفظِ السماعِ دافعًا للعلةِ التي أعلَّ البخاريُّ الحديثَ بها .
ذلكَ؛ لأنَّ البخاريَّ يُخطِّئُ في هذا الحديثِ واحدًا ممَّن دونَ ابنِ أبي
ذئبٍ في الإسنادِ ، فمهما ذكرَ ذلكَ المخطئُ في روايتهِ تصريحَ ابنِ أبي ذئبٍ
بالسماعِ من أبي الزبيرِ ، فإنَّ ذلكَ لا يدفعُ عنه الخطأَ عندَ الإمامِ البخاريِّ .
بلْ لو ذكرَ لفظَ السماعِ بينهما ، لكانَ ذلكَ أدلَّ عندَ البخاريِّ على
خطئهِ في روايتِهِ تلكَ ؛ لتأكيدِهِ موجبَ الإنكارِ عندَ البخاريِّ .
فموجبُ الإنكارِ في هذهِ الروايةِ عندَ البخاريِّ - عليهِ رحمةُ اللَّهِ -
يتلخصُ في أمرين :
الأولُ : تفردُ الحسینِ بنِ یزیدَ بِهِ .
وقد تقدمَ عن أبي حاتم الرازيِّ ، أَنَّه لينُ الحديثِ ، ولم يوثّقْهُ مُعْتَبر.

٢٧٣
الْمُتَبَعَةُ .. وَمَا لاَ يَجِيءُ
لا سيما ؛ وأنَّه تفردَ بهِ عن حفصٍ ، عنِ ابن أبي ذئبٍ ؛ وذلكَ مما
يُستغربُ .
ذلكَ ؛ لأنَّ ابنَ أبي ذئبٍ من الحفاظِ المكثرينَ حديثًا وتلامذةٌ ،
وحفصٌ ليسَ منَ المعروفينَ بملازمتهِ والأخذِ عنهُ ، بلْ لم يذكروهُ في الرواةِ
عنهُ أصلاً - كما سبقَ - ، فكيفَ يتفردُ مثلُ هذا عنِ ابن أبي ذئبٍ بحديثٍ
ولا يعرفُهُ أصحابُهُ العارفونَ بحديثِهِ ، أمثالُ : ابنِ المباركِ ، وأبي نعيمٍ ،
و
به ؟!
وابنِ أبي فديكِ ، ووكيعٍ ، والقطانِ ، مع كثرةِ ملازمَتِهم لهُ ، واختصاصِهم
وحفصُ بن غياثٍ ؛ يشتركُ أيضًا مع ابنِ أبي ذئبٍ في هذا الأمرِ ؛ فإنَّه
أيضًا من المكثرينَ أصحابًا وحديثًا ، ولم يُعْرِفْ هَذا الحديثُ عندَ أصحابه،
مثل : ابن رَاهويه ، وأبي خيثمةَ ، وأبي بكرٍ بن أبي شيبةً ، وابن ثُمَّيْرِ
وأمثالهم .
الثاني : غرابةُ الإسنادِ .
ومرادُ البخاريِّ : أنَّ روايةَ ابنِ أبي ذئبٍ ، عن أبي الزبيرِ - سواءٌ
بالعنعنةِ أو بالتصريحِ - غيرُ معروفةٍ في غيرِ هذا الحديثِ ، فهذه التركيبةُ
الإسناديةُ مما تُستغربُ .
وقد كانَ طلبةُ الحديثِ على وجهِ العمومِ يعجبُهم سماعُ الأحاديثِ
العاليةِ والغرائب ، وكانُوا يسمونَها بـ «الفَوَائدِ))، ويحرصونَ على كتابَتِها ،
ويَتَهَافَتُونَ على سماعها، فلو حدَّثَ ابنُ أبي ذئبٍ بهذا الحديثِ عن
أبي الزبيرِ ، لسمعَهُ منهُ أممٌ ؛ لعلوهِ ولغرابةِ إسنادِهِ .

٢٧٤
الْمُتَابَعَةُ .. وَمَا لاَ يَجِيءُ
فالظاهرُ من صنيع البخاريِّ ؛ أنَّه يَرى أنَّ هذا الحديثَ لم يحدِّثْ بهِ -
عن أبي الزبيرِ - ابنُ أبي ذئبٍ أصلاً، وأنَّه لا معنى لذكرِ : ((ابنِ أبي ذئبٍ))
في الإسنادِ ، وقد يكونُ الحديثُ من حديثِ غيرِ ابنِ أبي ذئبٍ عن
أبي الزبيرِ ، فأخطأَ الراوي حيثُ جعلَهُ من حديثه عنهُ .
وقد رواهُ : البيهقيُّ (٢٥٥/٩) من أوجهِ أخرى عن أبي الزبيرِ ، عن
جابرٍ ، وإنْ كانت كلُّها معلولةً بالوقفِ .
ومثلُ ذلكَ :
وقعَ لراوٍ آخرَ ، في حديثٍ آخِرَ ؛ فاعلَّهُ إمامٌ آخرُ بمثلِ إعلالِ الإمامِ
البخاريِّ لهذا الحديثِ :
روى: أبو يعلى الخليليّ في ((الإرشاد)) (٤٩٥/٢):
عن موسى بنِ الحسنِ الثقفيِّ : حدثنا حفصُ بنُ عمرَ الحوضيُّ :
حدثنا شعبة ، عن أبي الزبيرِ ، عن جابرٍ، أنَّ النبيَّ ◌َِ نَهَى عَنِ اشْتِمَالِ
الصَّمَّاءِ - الحديث .
ثمَّ قالَ أبو يعلى :
((شعبةُ لا يَروي عن أبي الزبير شيئًا ؛ وهذا خطأٌ من موسى بن الحسنِ
هذا؛ سألتُ عنهُ عبدَ اللَّهِ بنَ محمد القاضي ، فقالَ : حدثنا إسماعيلُ بنُّ
محمد الصفارُ ، قالَ : حدثنا بهِ موسى كذا ، ثمَّ رجعَ إلينا في المجلسِ
الثاني معهُ كتابُهُ ، فقالَ : أخطأتُ ؛ إنَّما حدثنا حفصُ بنُ عمرَ ، عن هشامٍ
الدستوائيِّ ، عن أبي الزبيرِ ، عن جابرٍ)).
فواضحٌ جدًّا من كلامِ الخليليِّ ؛ أنه لا يقصدُ من قوله : ((شعبةُ لا

٢٧٥
الْمُتَابَعَةُ .. وَمَا لاَ يَجِيءُ
يروي عن أبي الزبير شيئًا)) إعلالَ الحديث بالانقطاع؛ وإلاَّ فما مَعْنى قوله:
((هَذا خطأٌ من موسى بن الحسن))، لا سيّما ؛ وأنَّ شعبةَ لا يحدِّثُ إلا بما
كانَ مَسْموعًا لَهُ .
وإنَّما مرادُهُ : أن موسى بن الحسنِ أخطأُ حيثُ جعلَ الحديثَ من
حديثِ شعبةً عن أبي الزبيرِ ، وأن الصوابَ أن الحديثَ من حديثٍ غيرِهِ -
93
وهو : الدستوائيّ - عن أبي الزبيرِ .
واستدلَّ على وقوع هذا الخطإِ بأنَّ ((شعبةَ لا يروي عن أبي الزبيرِ
شيئًا))، فغرابةُ الإسنادِ دليلُهُ على خطإٍ الراوي الذي جاءَ بِهِ ، فلا شأنَ
للانقطاعِ هَاهُنَا (١) .
مثالٌ آخرٌ :
قالَ الخليليُّ أيضًا (٨٠٢/٢ -٨٠٣):
أخبرني أبو بكرِ بنِ عبدانَ الحافظُ - فيما كتبَ إليَّ - : حدثنا عبدُ اللَّه
ابنُ شاهينَ : حدثنا محمدُ بنُ يزيدَ السلميُّ : حدثنا الحسينُ بنُ الوليد :
حدثنا أبو حنيفةَ ، عن سهيلِ بنِ أبي صالحٍ ، عن أبيهِ ، عن أبي هريرةَ ،
قالَ: قَالَ النبيُّ نَّه: ((مَنْ كَانَ مُصلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ، فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا)).
قالَ الخليلي :
((هذا خطأٌ ؛ أخطأَ فيهِ مَن روى عنِ الحسينِ ، ولا يعرفُ لأبي حنيفةً عن
سهیل)) .
فظاهرٌ جدًّا من كلامه ؛ أَنَّه لا يعلِّ الحديثَ بالانقطاعِ بينَ أبي حنيفةَ
(١) وأما رواية شعبة عنه، فانظر: ((الكامل)) (٢١٣٧/٦) و((تغليق التعليق)) (٤٧٦/٢ - ٤٧٧).

٢٧٦
الْمُتَبَعَةُ .. وَمَا لاَ يَجِيءُ
وسهيلٍ ، وإنْ كانَ استغربَ روايتَهُ عنهُ ؛ وذلكَ لقوله: ((أخطأَ فيه مَن روى
عنِ الحسين))، فقولُهُ هذا يدلُّ على أنَّ الخطأ عندَهُ ممَّن دونَ موضعٍ
الانقطاعِ .
ثُمَّ قالَ الخليليُّ :
((سمعت أبا عليَّ عبدَ الرحمنِ بنَ محمد النيسابوريَّ يقولُ: لمَّا
سمعتُ منَ ابنِ عبدانَ ((حديثَ أبي حنيفةَ عن سهيلٍ)) ، رجعتُ إلى البصرةِ،
فقالَ لي عليَّ بنُ محمدِ بنِ موسى - غلامُ عُبيدٍ - بالبصرةِ : يا أبا عليّ :
سمعتَ منَ ابنِ عبدانَ «حديثَ أبي حنيفةَ عن سهيلٍ» ؟ فقلتُ : نعم.
فتبسَّمَ، وقالَ : قالَ لي أبو العباسِ ابنُ عقدةَ : إنَّما وقعَ هذا الغلطُ على مَن
روى عنِ الحسينِ بنِ الوليدِ ؛ فلم يلقَ الحسينُ أبا حنيفةَ ؛ فهذا لا يُفْرحُ
به)» .
وهَذا في غايةِ الوضوحِ .
هَذا ؛ وقولُ ابن عقدةَ: ((لم يلقَ الحسينُ أبا حنيفةَ))، مع أنَّ
الحسينَ صرَّح بالسماعِ من أبي حنيفةً في الحديثِ = يدلُّ على أنَّه لم يقصدْ
إعلالَ الحديثِ بالانقطاعِ ، بل هو يوهِّمُ من روى الحديثَ عن الحسينِ ،
ويراهُ أخطأ في موضعين :
الأولُ : في روايتهِ الحديثَ عن أبي حنيفةً عن سهيلٍ .
والثاني : في روايتِه لهُ عن الحسينِ بن الوليدِ عن أبي حنيفةَ .
وقد استدلَّ على وقوعِ الخطإِ في الموضعين ، بعدمِ معرفةِ الراوي

٢٧٧
الْمُتَبَعَةُ .. وَمَا لاَ يَجِيءُ
بالأخذِ عمَّن فوقَهُ في الإسنادِ .
وهذا ؛ كمثلٍ صنيعِ البخاريِّ في المثالِ الأولِ ، وقد رأيتَ كيفَ أنَّ
ابنَ عقدةَ لم يعتدَّ بلفظِ السماعِ المذكورِ في الإسنادِ بين الحسينِ وأبي
حنيفةَ، وأصرَّ على أنَّه لم يلقَهُ، وهذا ذهابٌ منه إلى توهيمٍ من ذَكَر لفظَ
السماعِ بينهما ، وهو من أدلِّ دليل على أنَّه لم يقصدْ إعلالَ الحديثِ
بالانقطاعِ ، بل بغرابةِ الإسنادِ .
مثالٌ آخرُ :
سأل ابن أبي حاتمٍ أباه (١) :
عن حديثٍ : رواهُ أبو سعيدِ الأشجُّ ، عن الحسينِ بنِ عيسى
الحنفيّ، عن معمرٍ ، عنِ الزهريُ، عن أبي حازمٍ ، عنِ ابنِ عباسٍ ، قالَ :
بينا رسولُ اللَّهِ وَّهِ بالمدينة؛ إذْ قالَ: ((اللَّهُ أكبرُ، اللَّهُ أكبرُ، جاءَ نَصْرُ اللَّه،
وجاءَ الفتحُ، وجاءَ أهلُ اليمنِ، قومٌ قُلُوبُهُمْ لَيَّةٌ، طَاعَتُهم الإيمانُ، الإيمانُ يَمَانِ،
والفقْهُ يَمَان ، والحكْمَةُ يَمَانيَّةٌ)) ؟
فقالَ أبو حاتمٍ :
((هذا حديثٌ باطلٌ ، ليسَ لهُ أصلٌ ؛ الزهريّ عن أبي حازمٍ لا
يجيءُ) اهـ .
وهَذا الحديثُ ؛ قد أنكرهُ غيرُ أبي حاتمٍ على الحسينِ هذا ، وهو
ضعيفٌ، روى أحاديثَ قليلةٌ ، وهي منكرةٌ .
(١) ((علل الحديث)) (١٩٦٨).

٢٧٨
الْمُتَابَعَةُ .. وَمَا لاَ يَجِيءُ
وقد أخرجه : البزارُ في («مسنده)) (٢٨٣٧- كشف)، وقالَ :
((لا نعلمُ أسندَ الزهريَّ عن أبي حازمٍ غيرَ هذا)) .
وهذا يؤكِّد قولَ أبي حاتمٍ .
وأخرجه أيضًا : ابن عديِّ في ترجمةِ الحسينِ هذا من ((الكامل))
(٧٦٦/٢)، وقالَ :
((وهَذا الحديثُ قد رُوي عن الحسين أيضًا ، عن معمرٍ ، عن
الزهريِّ، عن عكرمةَ ، عن ابن عباسٍ ؛ وكلا الروايتين عن معمر عن
الزهريِّ - فسواءٌ : عن عكرمةَ ، أو عن أبي حازمٍ ، عن ابن عباسٍ - ؛
منكرٌ جدًّا)) .
وهذا ؛ يؤكدُ أنَّ الخطأَ في الحديثِ ممن دونَ الزهريِّ ، وهو من
الحسينِ هذا على وَجْهِ التَّحديدِ ، فليسَ مرادُ أبي حاتمٍ من قولِهِ إعلالَ
الحديثِ بالانقطاعِ .
مثالٌ آخرُ :
سألُ ابنُ أبي حاتمٍ أباهُ (٢) :
عن حديثِ : هارونَ بنِ إسحاقَ الهمدانيِّ ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ نميرٍ ،
عن عبد الملك بنِ أبي سليمانَ ، عن نافعٍ ، عنِ ابنِ عمرَ ، أنَّ المهاجرينَ
لمَّا أقبلُوا من مكة إلى المدينةِ نزلُوا بقُبَاءِ، فأمَّهم سالمٌ مولى أبي حذيفةَ ؛
لأنَّه كانَ أكثرَهم قرآنًا ، وفيهم عمرُ بنُ الخطابِ ، وأبو سلمةَ بنُ
عبدِ الأسدِ .
(١) ((علل الحديث)) (٢٥٣).

٢٧٩
الْمُتَابَعَةُ .. وَمَا لاَ يَجِيءُ
فقالَ أبو حاتمٍ :
((هذا خطأٌ؛ ليسَ هذا عبدَ الملكِ بنَ أبي سليمانَ؛ ولا أعلمُ روى
عبدُ الملكِ بنُ أبي سليمانَ عن نافعٍ شيئًا ؛ إنَّما هو : عبدُ الملكِ بنُ
جریجٍ) .
ء
فأبو حاتم - رحمهُ اللَّهُ تعالى - لا يريدُ بقوله: ((لا أعلمُ روى
عبدُ الملك بنُ أبي سليمانَ عن نافع شيئًا)) ، أنْ يعلَّ الحديثَ بالانقطاع ؛
وإلا فلماذا قالَ : ((إنَّما هو عبدُ الملك بن جريجٍ))؟!
بلِ الظاهرُ ؛ أنَّه إنَّما يعلُّ الحديثَ بالقلبِ ، وأنَّ بعضَ الرواةِ ممَّن
دونَ ((عبد الملك)) أخطأً، فقالَ: ((عن عبدِ الملكِ بنِ أبي سليمانَ))،
والصوابُ : ((عبدُ الملكِ بنُ جريجٍ)) ؛ فأبدلَ راويًا بنظيرِهِ في الإسنادِ .
واستدلَّ أبو حاتمٍ على وقوعِ هذا الخطإِ ؛ بأنَّ هذا الراوي المذكورَ
في الإسنادِ - وهو : عبدُ الملكِ بنُ أبي سليمانَ - لا يعرفُ بالروايةِ عن
شيخِهِ المذكورِ في الإسنادِ - وهو : نافعٌ .
فأبو حاتمٍ ؛ يستدلُّ على وقوعِ الخطإِ - وهو : القلبُ - بعدمِ العلمِ
بالأخذ ، لا أنَّه يرى الروايةَ محفوظةً عن ابنِ أبي سليمانَ ، غيرَ أنَّه يعلُّها
بالانقطاعِ .
مثالٌ آخرُ :
سألَ ابنُ أبي حاتمٍ أباهُ (١) :
عن حديثٍ ، رواهُ أبو خالدِ الأحمرُ ، عن ابنِ جريجٍ ، عن
(١) ((علل الحديث)) (٨٠٥).

٢٨٠
الْمُتَابَعَةُ .. وَمَا لاَ يَجِيءُ
عبدِ الكريمِ بنِ مالكِ، عن عكرمةَ، عن أنسٍ، عنِ النبيِّ وَّةِ، أَنَّه قالَ
لرجلٍ يسوقُ بدنةً: ((ارْكَبْهَا)).
فقالَ أبو حاتمٍ :
((عكرمةُ عن أنس ؛ ليسَ لهُ نظامٌ، وهَذا حديثٌ لا أدري ما هُو؟!)).
وهذا واضحٌ .
وقد بيَّن ابنُ عديٍّ عَّتَهُ ، فقالَ (١):
(هَذا الحديثُ في الأصلِ: عن عكرمةَ: مُرَّ على النبيِّ وَلِهِ.
مرسلاً)) .
فذِكْرُ ((أنسٍ)» في الإسنادِ خطأٌ ، والصوابُ أنه مرسلٌ .
والخطأُ من أبي خالدِ الأحمرِ ، كما يُفْهم من صنيعِ ابن عديٌّ ،
حيثُ إِنَّه ذكَر هذا في ترجمتهِ من ((الكاملِ)) .
مثالٌ آخرُ :
روى: محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عبد الله بن دينار، قالَ: سمعتُ (٢)
أنسَ بنَ مالك، قالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ وَ لّهِ يقولُ: ((إنَّ بَيْنَ يَدَي السَّاعَة
سنينَ خَدَّاعَةٌ ، يُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، ويُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذبُ)) - الحديث ، وفيهِ :
ذَكَرُ الرُّوَبِضَةِ : الْفَاسِقِ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ .
أخرجَهُ: أحمدُ (٣/ ٢٢٠) والبزارُ (١٣٢/٤).
(١) ((الكامل)) (١١٣١/٣). وراجع: ((أطراف الغرائب)) (٩٦٥).
(٢) تأمل؛ قوله ((سمعت)) هنا .