Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
الشَّوَاهدُ .. وتَصْحِيفُ الأَسْمَاءِ
رسولَ اللَّهِ وَ لّهِ قالَ: ((مَنْ قَالَ حينَ يُصْبِحُ: اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمة أَو
بأَحَدٍ منْ خَلْقكَ، فَمِنْكَ وَحْدَكَ ، لاَ شَريكَ لَكَ، فَلَكَ الْحَمْدُ ، وَلَكَ الشُّكَّرُ؛ فَقَدْ
أَدَّىَ شِّكْرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ)) .
أخرجَهُ: أبو داودَ (٥٠٧٣) والنسائيّ في ((الكبرى)) والبخاريّ في
((التاريخ الكبير)) (٤/ ٢/ ٤٤٣) وابنُ الأثير في ((أسد الغابة)) (٣٦٢/٣).
فهذا الحديثُ ؛ قد رواهُ جماعةٌ ، عن سليمانَ بنِ بلال هكذا ،
جعلُوهُ كلُّهم من مسندِ «عبدِ اللهِ بنِ غَنَّامٍ» .
وخالفَهم: عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ ؛ فرواهُ عن سليمانَ بنِ بلالٍ ، فجعلَهُ
من مسندِ ((عبد الله بن عباسٍ)) .
أخرجَ حديثَهُ : ابنُ حبانَ (٨٦١).
وتابعهُ : سعيدُ بنُ أبي مريمَ ، عن سليمانَ بنِ بلالٍ .
أخرجَ حديثَهُ: الطبرانيُّ في ((الدعاء)) (٣٠٦).
ولم يثبتِ ابنُ وهبِ على ذلكَ ؛ فقد رواهُ مرةً أخرى على الصوابِ
((عن ابنِ غَنَّامٍ))، لا ((عن ابنِ عباسٍ)) .
أخرج حديثَهُ: ابنُ السنيٌّ في ((اليوم والليلة)) (٤١) والطبرانيّ (٣٠٧).
والصوابُ: قولُ مَن قالَ : ((ابنَ غنامٍ))، ومن قالَ: (ابنَ عباسٍ)) فقد
صحَّفَ:
قالَهُ غيرُ واحدٍ من أهلِ العلمِ ؛ منهم : أبو نعيمٍ ، وابن عساكرَ ،
وغيرهما (١).
(١) راجع: ((تحفة الأشراف)) (٤٠٣/٦ - ٤٠٤) و((الإصابة)) (٢٠٧/٤) و((تهذيب الكمال))
(١٥/ ٣٩٠ - ٣٩١ - ٤٢٤) و((الجرح والتعديل)) (٢/ ٢/ ١٣٣) (٢/٤/ ٣٢٥) و((الميزان))
(٤٦٩/٢) و(نتائج الأفكار)) لابن حجر (٣٥٩/٢ - ٣٦١) و((جامع العلوم والحكم)) (٦٢/٢ - ٦٣)
بتحقيقي .

٢٠٢
الشَّوَاهِدُ .. وتَصْحِيفُ الأَسْمَاءِ
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : عليٍّ بنٍ عِيَّاشِ، عن الوليدِ بنِ كاملٍ ، عن المهلَّبِ بنِ
حُجْرِ البهرانيِّ ، عن ضباعة بنت المقداد بن الأسود ، عن أبيها : ما رأيتُ
رسولَ اللَّهِ وَلّهِ يُصلي إلى عُودٍ، وَلاَ إِلَى عَمُودٍ، وَلاَ إِلَى شَجَرَةٍ؛ إِلاَّ
جَعَلَهُ على حَاجِبِهِ الأيمنِ أو الأيسرِ ، ولا يَصْمُدُ لهُ صَمْدًا .
أخرجَهُ : أبو داودَ (٦٩٣) وأحمدُ (٤/٦) .
ثمَّ أخرجَهُ الإمامُ أحمدُ أيضًا ، من طريقِ بقيةَ بنِ الوليدِ ، عن الوليدِ
ابنِ كاملٍ ، عن حُجْر - أو ابنِ حجرٍ - بنِ المهلَّبِ ، عن ضُبيعةَ بنتَ
المقدام بنِ مَعْدِ يِكَرِبَ ، عن أبيها ، بنحوه .
فجعلَهُ من مسندِ ((المقدامِ - بالميم - بنِ مَعْدِيكَرِبَ)) ، وليسَ من مسند
((المقدادِ بنِ الأسودِ)).
قالَ الإمامُ ابنُ رجبٍ (١):
((ولعلَّ هذه الروايةَ - يعني : روايةَ بقيةَ - أشبهُ ؛ وكلامُ ابنِ معينٍ
وأبي حاتم الرازيِّ يشهدُ لهُ)).
قالَ :
((والشاميونَ كانوا يسمونَ المقدامَ بنَ مَعْدِيكَرِبَ: ((المقدادَ»، ولا
ينسبونَهُ أحيانًا، فيظنُّ من سمعَهُ غيرَ منسوبٍ أَنَّه ((ابنُ الأسود)»، وإنَّما هو
(ابنُ مَعْدِيكَرِبَ)، وقد وقعَ هذا الاختلافُ لهم في غيرِ حديثٍ
من رواياتهم) اهـ .
(١) في ((شرح البخاري)) له (٦٤٦/٢ - ٦٤٧).

٢٠٣
الشَّوَاهِدُ .. وتَصْحِيفُ الأَسْمَاءِ
مثالٌ آخرُ :
قالَ ابنُ أبي حاتمٍ في («العلل))(١):
((سألتُ أبي عن حديث، رواهُ حمادُ بنُ سلمةَ ، عن الحجاجِ ، عن
حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ ، عن محمدِ بنِ عليٍّ بنِ أبي طالبٍ ، عن عليٍّ بن
أبي طالب، عن النبيِّ ◌َّهِ، أَنَّه كانَ إذا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ - فذكرَ الحديثَ في
صلاةِ الليلِ .
قالَ أبي : هذا خطأٌ ؛ إنما هو : محمدُ بنُ عليٍّ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ ،
عن أبيه ، عن جده ؛ والوهمُ من حماد)) اهـ .
قلتُ : وحديثُ ابنِ عباسِ هذا ، يرويه حصينُ بنُ عبدِ الرحمنِ
وسفيانُ الثوريُّ ، كلاهما عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ ، به .
أخرجه: مسلمٌ (٢/ ١٨٢) وأبو داودَ (٥٨)(١٣٥٣) (١٣٥٤) والنسائي
(٢٣٦/٣ - ٢٣٧) وأحمد (٣٥٠/١ - ٣٧٣).
فلعلَّ الحديثَ ، كانَ عند حماد بن سلمةَ هكذا : ((عن محمدٍ بنِ
عليّ ، عن أبيه ، عن جده))، فظنَّهُ حمادُ بنُ سلمةَ أنَّهُ (محمدُ بنُ عليٍّ بنِ
أبي طالبٍ))، ثمَّ بنى على ذلكَ أنَّ أباه عليٌّ بنُ أبي طالبٍ ، فقلبَ
الإسنادَ .
واللهُ أعلمُ .
(١) (٢٠) .

٢٠٤
الشَّوَاَهدُ .. وتَصْحِيفُ الأَسْمَاءِ
مثالٌ آخرُ :
رَوَى : جماعةٌ ، عن عثمانَ بنِ أبي شيبةَ ، عن جريرِ بنِ
عبدِ الحميدِ، عن سفيانَ الثوريِّ ، عن عبد الله بن محمد بنِ عقيلٍ ، عن
جابر، قالَ: كانَ النبيُّ بِّهِ يشهدُ معَ المشركينَّ مَشَاهِدَهمَ ، فَسِمِعَ مَلَكَيْنِ
من خلفه ، وأحدُهما يقولُ لصاحبه : اذهبْ بنا حتَّى نقومَ خلفَ رسول الله
وَّ ، فقال: كيفَ نقومُ خلفَهُ، وإنَّما عهدُه باستلامِ الأصنامِ قبلُ، فلم
يَعُدْ يَشهدُ مع المشركينَ مشاهدَهم .
أخرجَهُ: أبو يعلى (٣٩٨/٣) وابنُ عديِّ (١٤٤٧/٤) والعقيلي
(٢٢٢/٣ - ٢٢٣) وعبدُ اللَّه بنُ أحمدَ في ((العلل)) (٥١٦٧) والبيهقي في
((الدلائل)) (٣٥/٢) والخطيبُ في ((التاريخ)) (٢٨٥/١١ - ٢٨٦) وابنَ
الجوزيٌّ في ((العلل المتناهية)) (٢٦٥).
وهذا الحديثُ ؛ مما أنكرَهُ الأئمةُ على عثمانَ بن أبي شيبةَ ، وحكموا
بخطئه فيه :
ے
فقد أنكرَهُ الإمامُ أحمدُ إنكارًا شديدًا على عثمانَ بنِ أبي شيبةَ ، وقالَ -
وقد سألَهُ ابنهُ عبدُ اللَّهِ عن هذا الحديث مع أحاديثَ أخرى - ، قالَ :
((هذه الأحاديثُ موضوعةٌ - أو كأنَّها موضوعةٌ ، كانَ أخوه - يعني :
أبا بكرٍ - لا يطنِّفُ (١) نفسَهُ بشيءٍ مِن هذه الأحاديث ، نسألُ اللَّه السلامةَ في
الدينِ والدنيا ، نُراهُ يتوهمُ هذه الأحاديثَ ، نسألُ اللَّهَ السلامةَ ، اللَّهُمَّ سلِّمْ
سلِّمْ)) .
(١) أي : لا يدنس .

٢٠٥
الشَّوَاهِدُ .. وتَصْحِيفُ الأَسْمَاءِ
وقالَ الخطيبُ :
((قد رواهُ أبو زرعةَ الرازيُّ ، عن عثمانَ ، فخالفَ الجماعةَ في
إسناده؛ قال : ((عن سفيانَ بنِ عبد الله بن زياد بن حدير)) بدلَ: ((سفيانَ
الثوريِّ)، وعندي: أنَّ هذا أشبَّهُ بالَصواَبِ. واللَّه أَعلم)) ".
ثُمَّ أسندَ هذا الوجهَ عن أبي زرعةَ .
وقد رواهُ: أبو يعلى في ((مسنده)) بعقبِ الأول (٣٩٩/٣ - ٤٠٠)،
فقالَ : حدثنا عثمانُ : حدثنا جريرٌ ، عن سفيانَ ، عن عبدِ اللهِ بنِ زیادِ بنِ
حديرٍ، عن النبيِّ وَلّ ◌ِ مثلَهُ.
وهذا مرسلٌ ؛ إلا أنَّهُ يتفقُ مع روايةٍ أبي زرعةَ في أنَّ الحديثَ ليسَ
عن ((عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ عقيلٍ)) .
وهذه الروايةُ المرسلةُ، قد ذكرَ عبدُ اللَّهِ ابنُ الإمامِ أحمدَ ، أنَّ غيرَ
عثمانَ بنِ أبي شيبةَ رواه عن جريرٍ بها .
فقالَ في ((العلل)) (٥١٦٧) :
((وإنَّما كانَ يحدثُ به جريرٌ ، عن سفيانَ، عن عبدِ اللَّهِ بن حديٍ(١) بنِ
زياد القميِّ - مرسلُ» .
وكذلكَ قالَ الدار قطنيُّ ، قالَ (٢):
((يقالُ : إِنَّ عثمانَ بنَ أبي شيبةَ وهمَ في إسنادِهِ ، وغيره يرويه عن
و ھ
(١) في الأصل ((جرير))، وهو تصحيف، على أن ((حدير)) أيضًا مشكل ، فإنه يقتضي أنه
مقلوب؛ فإنه ((زياد بن حدير)) وليس العكس، اللهم إلا أن يكون ((جرير)) مصحفًا من
(محمد))؛ فإنه (سفيان بن عبد الله بن محمد بن زياد بن حدير))، كما في ((التاريخ)) للبخاري
و((الثقات))، وكما سيأتي. والله أعلم.
(٢) نقله ابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) (١٧٣/١).

٢٠٦
الشَّوَاهِدُ .. وتَصْحِيفُ الأَسْمَاءِ
جريرٍ ، عن سفيانَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ زيادِ بنِ حدیرٍ - مرسلاً - ، وهو
الصوابُ)) (١).
كذا قالَ: ((سفيانَ بنَ عبد اللَّهِ))، ولم يقلْ: ((سفيانَ عن عبد اللَّه)).
وهذا هو الصوابُ ، أنَّهُ ((سفيانُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ زيادِ بنِ
حديرٍ))، وأنَّ ما جاءَ في رواية أبي زرعةَ وأبي يعلى ، وكلامِ عبدِ اللهِ بنِ
أحمدَ، الظاهرُ أنَّهُ تصحيفُ ناسخٍ أو طابعٍ، صحفَ ((بن))، فقالَ :
((عنْ)).
وقد يكونُ ذلكَ من عثمانَ نفسِهِ ، إلا أنَّ هذا لا يكونُ في كلامٍ
عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ ؛ لأنَّهُ إنَّما يحكي ما رواهُ غيرُ عثمانَ عن جريرٍ .
وإنَّما رجحتُ أنَّهُ ((سفيانَ بنَ عبد اللَّهِ))، كما جاءَ في كلامِ الدار قطنيُّ؛
(١) قلت: هذه الرواياتُ، وتلكَ النقولُ؛ تدل على أن الروايةَ المرسلة رواها جمعٌ عن
جريرٍ، وأنها مشهورةٌ عنه ، وأن الحديث ليس من حديث الثوري ، بل من حديث سفيان بن
عبد الله بن حدير وفي ذلكَ ؛ ردٌّ على صاحب كتاب ((صحيح السِّيرة النبويَّة)) الشيخ الفاضل محمد
ابن رزق ابن طرهوني (٣٢٥/١)؛ حيث أوهمَ أنه لم يروه هكذا إلا أبو زرعةَ ، وأن السَّند إليهِ
فيه نظرٌ ، ثم حسَّنَ الحديثَ .
وقد علمتَ ؛ أن أبا يعلى أيضًا قد روى الوجهين عن عثمانَ ، ولا أدري ؟ كيف لم يقف
الشيخُ الفاضلُ على رواية أبي يعلى المرسلة ؛ فإِنها عقبَ الروايةِ الموصولةِ في ((مسندِهِ)) وقد وقَف
هو عليها .
فأين تفرد أبي زرعة ؟ ثم كيف وقد اشتهَر إرسالُ الحديث عن جرير من غير طريق عثمانَ ؟!
ورواية أبي يعلى للحديثِ عن عثمانَ على الوجهينِ ؛ يدلُّ على أنَّ الاضطرابَ فيهِ من عثمانَ
نفسِهِ ، وليسَ من أحدٍ ممن دونَهُ .
وأي شيءٍ ينفعُ كثرةُ من رواهُ عن عثمانَ موصولاً ؛ إذا كانَ عثمانُ نفسهُ هو المخطئ في
الحديثِ ، والمضطربُ فيهِ؟! وأنَّه كما رواهُ موصولاً ، رواه أيضًا مرسلاً ، وأنَّه تُوبِعَ على إرسالِهِ
ولم يتابعْ على وصلِهِ ؟ ! .

٢٠٧
الشَّوَاهِدُ . وتَصْحِيفُ الأَسْمَاءُ
لأنَّ سفيانَ هذا هو الذي ترجمَ لهُ البخاريُّ في ((التاريخ الكبير» (٢/ ٢/
٩٤) وابنُ أبي حاتمٍ في ((الجرح والتعديل)) (٢/ ١/ ٢٢١) وابنُ حبانَ في
(الثقات)) (٤٠٥/٦)، وذكروا أنَّه يروي عنه جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ ، راوي
هذا الحدیث عنه .
ولم يذكروا : ((عبدَ اللهِ بنَ محمدِ بنِ زيادِ بنِ حديرٍ))، ولا ((عبدَ الله
ابنَ زيادِ بنِ حديرٍ)) ، ولا ((عبدَ اللهِ بنَ حدیرِ بنِ زيادٍ)) .
قالَ الشيخُ المعلميُّ (١) :
((كأنَّ جريرًا روى هذا، فقالَ : ((سفيان بن عبد اللَّهِ بنِ محمدٍ ، عن
جابر))، فتحرفتْ على عثمانَ كلمةُ ((بن)) الأولى، فصارتْ ((عن))، فصارَ :
((سفيانَ عن عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ))، فظنَّ عثمانُ أنَّ ((سفيانَ) هو الثوري ؛ لأنَّ
جريرًا إذا رَوَى عن سفيانَ وأطلقَ فهو الثوريُّ، وظنَّ أنَّ ((عبدَ اللَّهِ بنَ
محمد)) هو ابنُ عقيل ؛ لأنَّه المشهورُ بعبدِ اللهِ بنِ محمدٍ في شيوخِ
الثوريّ)(٢).
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : يزيدَ بنِ زُرَيْعٍ ، قالَ : ثنا حميدٌ الطويلُ ، عن يوسفَ بنِ
مَاهَك المكيِّ ، قالَ : كنتُ أكتبُ لفلانٍ نفقةَ أيتامٍ كانَ وَلَيَّهم ، فَغَالَّطُوهُ
بألف درهمٍ ، فأدَّاها إليهم ، فأدركتُ لهم مِن مَالِهِم مثليها ، قالَ : قلت :
أقبضُ الألفَ الذي ذهبوا به منكَ ؟ قالَ : لا ؛ حدثني أبي، أنَّهُ سمعَ
(١) في تعليقه على ((التاريخ الكبير)).
واجع: ((لسان الميزان)) (٥٣/٣).
(٢) وقد وقع مثل هذا في حديث آخر لبعض أهل العلم ، وقد بينه الشيخ الألباني - حفظه الله
تعالى - في ((السلسلة الصحيحة)) (٦/ ٢/ ١١٠٣).

٢٠٨
الشَّوَاهِدُ .. وتَصْحِيفُ الأَسْمَاءِ
رسولَ اللهِ وَلَه يقولُ: ((أَدِّ الأَمَانَةَ إلَى مَن اثْتَمَنَكَ، وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ)).
أخرجهُ: أبو داودَ (٣٥٣٤)، وعنهُ البيهقيّ (١٠/ ٢٧٠).
وكذلكَ ؛ رواهُ : محمدُ بنُ أبي عديِّ ، عن حميدٍ .
أخرجهُ : أحمدُ (٤/ ٤١٤) .
فسياقُ هذه الرواية ؛ أنَّها عن يوسفَ بنِ ماهك ، عن رجلٍ ، عن
أبيهِ، عنِ النبيِّ وَِّ.
وهكذا ؛ ساقَهُ المزيّ في ((أطرافه)) (١١/ ٢٣٧) في فصلِ: ((ما رواهُ
من لم يُسمَّ، عمن لم يُسمّ)).
لكنْ؛ رواهُ محمدُ بنُ ميمونِ الزعفرانيُّ ، عن حميدِ الطويلِ ، عن
يوسفَ بنِ يعقوبَ ، عن رجلٍ من قريشٍ ، عن أُبِيِّ بنِ كعبٍ ، عنِ النبيِّ
. 選
أخرجهُ: الدارقطنيّ (٣٥/٣).
فخالفهما في موضعين :
الأولُ : في يوسفَ بنِ ماهك ، إذ قالَ فيه : ((يوسفَ بنَ يعقوب)).
الثاني : في جعلِهِ الحديثَ من مسندِ ((أُبي بنِ كعبٍ))، لا من مسند هذا
المبهم .
والظاهرُ ؛ أنَّهُ تصحفَ عليه ((أَبي)) بفتحِ الألفِ وكسرِ الباءِ، إلى ((أُبَيّ))
بضمِ الألفِ وفتحِ الباءِ ، ثمَّ رواهُ بالمعنى، فنسبَهُ اجتهادًا لا روايةً ، فقالَ:
((أُبي بن كعبٍ)).

٢٠٩
الشَّوَاَهدُ .. وتَصْحِيفُ الأَسْمَاءُ
مثالٌ آخرُ :
وقريبٌ من هذا التصحيفِ الذي وقعَ لهذا الزعفرانيِّ ؛ ما وقعَ لبعضٍ
الأفاضلِ المعاصرينَ ، في :
حديثِ : ((إِذَا زَوَّقْتُمْ مَسَاجِدَكُمْ، وَحَلَيْتُمْ مَصَاحِفَكُمْ، فَالدَّمَارُ (١)
عَلیگُمْ)).
فقد عزاهُ لابنِ أبي شيبةَ في ((المصنف)) (١/ ١٠٠/ ٢ - مخطوطة
الظاهرية)، هكذا : ((أبو خالد الأحمرُ ، عن محمدِ بنِ عجلانَ ، عن
سعيدِ بنِ أبي سعيد - مرفوعًا)) .
ثمّ قالَ :
((وهذا إسنادٌ مرسلٌ حسنٌ)).
ثمَّ جاءَ له بشاهدٍ موقوفٍ على أبي الدرداءِ ، وقوَّاهُ بهِ .
قلت : وما نقلَهُ عن ((المصنف)) خطأٌ، وإنما الذي فيه هكذا
(٨٧٩٩) :
((حدثنا أبو خالد الأحمرُ ، عن محمدِ بنِ عجلانَ ، عن سعيدِ بنِ
أبي سعيد، عن أُبَيِّ، قالَ .. )) - فذكره موقوفًا .
فالحديثُ في ((المصنف )) - كما ترى - ليسَ من روايةِ سعيدِ بنِ
أبي سعيد، عن النبيِّ نَّهِ - مرفوعًا مرسلاً -، كما توهمَ ذلكَ الفاضلُ؛
وإنما هو من روايةِ سعيدِ بنِ أبي سعيدِ ، عن أُبيِّ - وهو : ابنُ كعب
(١) ذكره ابن الأثير في ((النهاية))، بلفظ: ((الدَّار)) بالباء الموحدة، وقال: ((هو :
الهلاكُ» .

٢١٠
الشَّوَاهِدُ .. وتَصْحِيفُ الأَسْمَاءِ
الصحابيُّ المعروفُ - ، موقوفًا عليهِ .
فكأنَّ ((عن أُبَيِّ) تصحفتْ على ذلكَ الفاضلِ ، فظنَّها ((عنِ النبيِّ)،
فاختصرها ، وقال : ((مرفوعًا))؛ بناءً على ما ظنَّ .
وبهذا ؛ يتبينُ أنَّ الحديثَ في ((المصنف)) موقوفٌ على ((أَبِيِّ) ، وعليهِ؛
فلا معنى لتقوية رفعِهِ بالشاهِد الموقوفِ على أبي الدرداءِ .
ومما يؤكدُ صحةً ما قلتُ :
أنَّ ابنَ أبي داودَ رواه في («المصاحف» (ص ١٥٠) من طريقين ، عن
أبي خالد ، عن ابنِ عجلانَ ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيد ، عن أَبِيُّ بنِ
كعب - موقوفًا .
هكذا جاءَ عندَهُ: ((أُبي بن كعب))، منسوبًا (١).
وبالله التوفيقُ (٢).
(١) وراجع: ((السلسلة الصحيحة)) (١٣٥١).
وقدْ وقعَ بعضُ الأفاضلِ في مثلِ هذا الخطِ ، في تعليقِهِ على بعضِ الكتبِ ، وقد بينَ الشيخُ
الألبانيُّ - حفظه اللَّه تعالى - خطأهُ، وصححهُ في ((السلسلة الصحيحة)) (٤٧٨/١)، فجزاهُ اللَّهُ
خيراً .
(٢) انظر: مثالاً آخر في ((الكامل)» (٦٣٣/٢).

الشَّوَاهِدُ .. وَتَصْحِيفُ الْمَثْنِ
قد يقعُ تصحيفٌ من قِبَلِ بعضِ الرواةِ في متنِ حديثٍ ، فيقلبُ معناهُ ،
وربَّما أَدَّى ذلكَ إلى إدخالِ الحديثِ في بابٍ فقهيٌّ غيرِ بابِهِ ، ثمَّ يأتي مَن
يغترُّ بذلكَ، فيجعلُهُ شاهدًا لأحاديثِ البابِ الآخرِ ، والصوابُ أنهُ لا علاقةَ
له بهذا البابِ من قريب أو بعيدٍ ، وإنما نشأَ ذلكَ بسببِ ما وقعَ في متنهِ من
تصحيف أفسدَ معناهُ .
مثالُ ذلكَ :
حديثُ : عبدِ الرزاقِ ، عن معمرٍ ، عن همامِ بنِ منّبِّهِ ، عن
أبي هريرةَ، عن النبيِّ نَّهِ، قالَ: ((الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَالْمَعْدَنُ جُبَارٌ ،
وَالنَّارُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسِ» .
أخرجهُ: الدارقطني (١٥٣/٣) والبيهقي (٣٤٤/٨-٣٤٥).
فقولُهُ في هذا الحديث : ((النَّارُ جُبَارٌ)، خَطَأُ وتَصْحِيفٌ ؛ وقد قالَ فيه
معمرٌ - راويه - : («لا أراهُ إلا وهمًا)) .
ذكره الدار قطنيُّ والبيهقيُّ .
وذكرا أيضًا عن أحمدَ بنِ حنبلٍ ، أنهُ قالَ :
((النارُ جبارٌ ؛ ليسَ بشيءٍ ، لم يكنْ في الكتبِ ، باطلٌ ليسَ هو
بصحیح)) .
وأنه قالَ أيضًا :
((أهلُ اليمنِ يكتبونَ ((النار)): ((النير))، ويكتبونَ ((البير)) - يعني: مثلَ

٢١٢
الشَّوَاهِدُ .. وَتَصْحِيفُ الْمَتْنِ
ذلكَ ؛ يعني : فهو تصحيفٌ)).
زادَ الدار قطنيُّ: ((وإنما لُقِّنَ عبدُ الرزاق : النَّار جبارٌ» .
يعني : أنَّ الذي في الكتابِ ((البير))، وأهلُ اليمنِ يكتبونَ ((النار)) بالياءِ
لا بالألفِ، فظنَّ بعضهم ((البير» بالباءِ الموحدةِ، ظنَّها ((النير» بالنونِ،
فقالَ: ((النار))، ورواها كذلكَ.
وقالَ الأثرمُ (١) : سمعتُ أبا عبد الله - يَعْني : أحمدَ بنَ حنبلٍ -
يُسألُ عن حديث: ((النَّارِ جُبَارِ)) ؟
فقالَ : هذا باطلٌ ؛ ليسَ مِنْ هَذا شيءٌ .
ثم قالَ : ومَنْ يُحدِّث به عن عبدِ الرزاقِ ؟
قلت : حدَّثني أحمدُ بن شَبَوَيْهِ .
قالَ : هؤلاءِ سَمِعُوا بَعْدمَا عمِيَ ، كان يُلَقَّن فَلُقْنَهُ ، وليسَ هُو في
كُتُبُه، وقد أَسْندوا عنه أحاديثَ ليستْ في كُتْبِهِ ، كانَ يُلَقَّنها بَعْدِمَا عَمِيَ . اهـ .
وعلَّق عليهِ الذهبيُّ في ((السِّير)) (٢) قائلاً:
((أظنُّها تصحفتْ عَلَيهِمْ؛ فإنَّ (النار)) قد تُكْتبُ: ((النير)) على الإِمالةِ
بياء على هيئةِ: ((البير))؛ فوقعَ النَّصحيفُ)).
ونقلَ ابنُ عبدِ البرِّ (٣) عن ابنِ معينٍ ، أنه قالَ :
((أصلُهُ: ((البيرُجبارٌ)، ولكنَّهُ صحفهُ معمرً» .
(١) ((تهذيب الكمال)) (٥٧/١٨) و(شرح العلل)) (٧٥٢/٢ - ٧٥٣).
(٢) ((السير)) (٥٦٩/٩).
(٣) في ((التمهيد)) (٢٦/٦).

٢١٣
الشَّوَاهِدُ .. وَتَصْحِيفُ الْمَتْنِ
لكنْ ؛ تعقبَهُ ابنُ عبدِ البرِّ ، فقالَ :
(في قولِ ابنِ معينٍ هذا نظرٌ ، ولا يسلّمُ لهُ حتَّى يتضحّ) .
فتعقّبهُ الحافظُ ابنُ حجرٍ ؛ قائلاً (١) :
((ويؤيدُ ما قالَ ابنُ معينٍ : اتفاقُ الحفاظِ من أصحابِ أبي هريرةَ على
ذكرِ ((البئرِ))، دونَ ((النارِ))؛ وقد ذكرَ مسلمٌ: أنَّ علامة المنكرِ في حديثٍ
المحدث : أنْ يَعْمِدَ إلى مشهورِ بكثرةِ الحديثِ والأصحابِ ، فيأتي عنه بما
ليسَ عندهم ؛ وهذا من ذاكَ)) .
قال: ((ويؤيدُهُ أيضًا : أنهُ وقعَ عندَ أحمدَ من حديث جابرٍ ، بلفظِ :
((والجُبُّ جُبَارٌ)، بجيمٍ مضمومةٍ وموحدةٍ ثقيلةٍ، وهي: البترُ)) (٢) اهـ.
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : قبيصةَ بنِ عقبةَ ، عن سفيانَ الثوريِّ ، عن زيدِ بنِ أسلمَ ،
عن عياضِ الفهريِّ، عن أبي سعيد الخدريِّ، قالَ : كُنَا نُوَرَّتُهُ على عهد
رسول اللَّهِ وَظله - يعني: الجَدّ .
فهذا الحديثُ؛ صحَّفَ فيه قَبِيصَةُ، فقالَ: (كُنَا نورثهُ))، والصوابُ:
((كُنَا نُؤَدِّيه))، ثمَّ رواهُ بالمعنى الذي فهمه منه بعدَ تصحيفه إياهُ ، فقالَ :
(يعني: الجدّ)، والصوابُ: ((يعني: صدقهَ الفطرِ)).
ذكرَ ذلكَ غيرُ واحدٍ من أهلِ العلمِ ، منهم : الإمامُ مسلمٌ ، والإمامُ
(١) في ((فتح الباري)) (٣٥٥/١٢-٣٥٦).
(٢) وحكى الخطابي في ((الغريب)) (١/ ٦٠١) عن ابن المنذر ، أنه ذهب أيضًا إلى أنها
مصحفة .

٢١٤
الشَّوَاهِدُ .. وَتَصْحِيفُ الْمَتَّنِ
أبو زرعةَ الرازيُّ، وكذا الإمامُ ابْنُ رجب الحنبليُّ (١)
ونصُّ الإمامِ مسلمٍ :
«هذا خبرٌ صَحَّفَ فيه قبيصةُ ، وإنَّما كانَ الحديثُ بهذا الإسناد ، عن
عياضٍ [ يعني : عن أبي سعيد ] ، قالَ : كنا نؤديه على عهد رسول الله
وَخِلّه - يعني: في الطعامِ وغيرِهِ في زكاة الفطرِ - ؛ فلمْ يُقِرَّ قراءتَهُ ، فقَلبَ
قوله، إلى أنْ قالَ: ((نورثهُ))، ثمَّ قَلبَ لهُ معنَى، فقالَ: ((يعني :
الجدَّ) اهـ.
قلتُ : وخفيتْ هذه العلةُ على الشيخِ الفاضلِ مقبلِ بنِ هادي
الوادعيِّ ، فأدخلَ هذا الحديثَ في كتابهِ : ((الصحيح المسند مما ليس في
الصحيحين)) (٢٩٠/١ رقم: ٣٩٥)، وقالَ: ((حديثٌ صحيحٌ)) !
مثالٌ آخرُ (٢).
حديثُ: ((إِذَا زَارَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلاَ يَقُومَنَّ حَتَّى يَسْتَذَنَهُ» .
أخرجَهُ: أبو الشيخ في ((طبقات الأصبهانيين)) (١٩٩): حدثنا إسحاقُ
ابنُ محمدِ بنِ حكيمٍ ، قالَ : ثنا يحيى بنُ واقدٍ ، قالَ : ثنا ابنُ أبي غَنِيَّةَ ،
قالَ : ثنا أبي ، قال : ثنا جَبَلةُ بنُ سُخَيْمٍ ، عن ابنِ عمرَ - مرفوعًا .
وقوله : ((فلا يَقُومَنَّ) تصحيفٌ ؛ تصحفَ على بعضِ الرواةِ ،
والصوابُ : ((فلا يَقْرِنَنَّ).
(١) راجع: ((التمييز)) لمسلم (ص ١٩٠) و((علل الحديث)) للرازي (١٦٤١) و((شرح علل
الترمذي)» لابن رجب (٤٢٨/١) .
(٢) أرشدني إلى هذا المثال شيخنا الشيخ الفاضل محمد عمرو بن عبد اللطيف، فجزاه الله
خيراً .

٢١٥
الشَّوَاهِدُ .. وَتَصْحِيفُ الْمَتْنِ
مَن الإقرانِ ؛ أي : الجمع بينَ التمرتَّيْنِ .
فقد أخرجهُ أحمدُ في («المسند» (١٣١/٢) عن ابن أبي غَنِيَّةَ أيضًا ،
به ، بهذا اللفظِ: ((يَقْرنَنَّ».
ويؤكدُهُ ؛ أنَّ الحديثَ مشهورٌ عن جَبَلَةَ ، بهذا اللفظ ، رواهُ عنه
سفيانُ وشعبةُ وغيرهما كذلكَ .
أخرجهُ: البخاريُّ (١٨١/٣) ومسلمٌ (١٢٣/٦) وأبو داودَ (٣٨٣٤)
والترمذيُّ (١٨١٤) وابنُ ماجه (٣٣٣١) وأحمدُ (٦٠/٢) والدارميّ
(١٠٣/٢) والبيهقيَّ (٢٨١/٧).
وفي بعضِ ألفاظِهِ :
(نَهَى رسولُ اللَّهِ وَ لهَّ أَنْ يَقْرِنَ الرَّجُلُ بَيْنَ الثَّمْرَتَيْنِ، حَتَّى يَسْتَأَذِنَ
صَاحِبهُ)) .
وفي بعضها :
((كانَ ابنُ الزبيرِ يرزقنا التمرَ ، وقد كانَ أصابَ الناسَ يومئذ جهدٌ ،
وكنا نأكلُ ، فيمرُّ علينا ابنُ عمرَ ونحنُ نأكلُ ، فيقولُ : لا تقارنوا ؛ فإنَّ
رسولَ اللَّهِ بِ ◌ّهِ نَهى عن الإقرانِ، إلاَّ أنْ يستأذنَ الرجلُ أخاهُ) (١).
وبالله التوفيق .
مثالٌ آخرُ :
حديثُ : موسى بنِ عقبةَ ، عن سالمٍ أبي النضرِ ، عن بُسْرِ بنِ
(١) وقد توسعَ الشيخُ الألبانيُّ - حفظه اللَّه تعالى - في تخريجِ طرقِ هذا الحديثِ في ((السلسلة
الصحيحة)) (١٨٢) (٢٣٢٣)، فليراجعهُ من شاءَ .

٢١٦
الشَّوَاهِدُ . وَتَصْحِيفُ الْمَتْنِ
سعيدٍ، عن زيد بن ثابت، أنَّ رسولَ اللّهِ وَ لَهَ اتَّخَذَ حُجْرَةً مِنْ حَصِيرٍ فِي
رَمَضانَ - الحديث .
أخرجهُ : البخاريُّ (٧٣١) (٧٢٩٠) .
ورواهُ : عبدُ اللهِ بنُ سعيدٍ ، عن سالمٍ ، بِهِ ، بلفظِ :
((احْتَجَرَ رسولُ اللَّهِ وَلِيرٍ .... )).
وهو أيضًا في البخاريِّ (٦١١٣).
وقوله : ((احْتَجَرَ))، أي : اتخذَ حجرةً ؛ كما في الروايةِ الأولى .
فجاءَ عبدُ اللَّهِ بنُ لهيعةَ ، فروى هذا الحديثَ عن موسى بن عقبةَ ،
بهذا الإسناد ، وذكرَ أنَّ موسى كتبَ بهِ إليهِ ، واختصرَ الحديثَ وصحَّفَهُ ،
فقالَ :
((احْتَجَمَ رسولُ اللّهِ وَ ◌ّهِ فِي المَسْجِدِ».
أخرجهُ : أحمدُ (١٨٥/٥).
وقوله: ((احْتَجَمَ)) غلطٌ فاحشٌ؛ وإنَّما هو: ((احْتَجَرَ))، أي: اتخذَ
حجْرةً (١) .
مثالٌ آخرُ :
روى : مندلُ بنُ عليٍّ ، عن عمرَ بنِ صهبانَ ، عن نافعٍ ، عن ابنِ
عمرَ، قالَ : كانَ رسولُ اللَّهِ وَّهِ لاَ يَغْدُوا يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يُغَدِّيَ أَصْحَابَهُ
مِنْ صَدَقَةِ الْفِطْرِ .
أخرجهُ : ابنُ ماجه (١٧٥٥) والعقيلىّ (١٧٣/٣).
(١) وراجعْ: ((فتح الباري)) لابن رجب الحنبليُ (٢٨٢/٤) و((التمييز)) (ص١٨٧ - ١٨٨).

٢١٧
الشَّوَاَهدُ .. وَتَصْحِيفُ الْمَتْنِ
وقالَ العقيليُّ :
((وقد روى موسى بن عقبةَ ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّه
وَّهِ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ الإِمَامِ؛ وهذه الروايةُ أولى))(١).
قلتُ : فلعلَّ (تُؤَدَّى)» تصحفتْ على بعضِ الرواةِ إلى ((يُغَدِّي)) ،
فانقلبَ الحديثُ ، وفسدَ معناه .
واللهُ أعلمُ .
مثالٌ آخرُ :
حديثُ أبي الدرداءِ ، مرفوعًا: ((لاَ تَأْكُلْ مُتَكثًا
. « ..
٠
أخرجهُ: الطبرانيَّ في «الأوسط» (٣٣) وابن عساكرَ (٤٠٨/٤٥) وابنُ
حبانَ في ((المجروحين)) (١/ ٢٩٧).
فقد تصحفَ في بعضِ الكتبِ ((مَتَّكًا)) إلى ((مُنْكَبًّا))، فَفَسَدَ معناه .
وقد جاءَ على الصوابِ في المصادرِ المشارِ إليها ، وكذلكَ في
((مجمع البحرين)) (٩٨٧) (٤٠٣٨) و((مجمع الزوائد» (٢٤/٥) و((الجامع
الكبير)» للسيوطيُّ .
وعليه ؛ فلا يصلحُ هذا الحديثُ شاهدًا لحديث ابنِ عمرَ - عندَ
أبي داودَ (٣٧٧٤) وابن ماجه (٣٣٧٠) -، أنَّ رسولَ اللَّه ◌ِ نَهَى أَنْ يَأْكُلَ
ة وورورقة
الرَّجُلُ وَهُوَ مُنْبَطِحٌ عَلَى بَطْنِهِ .
كما بينَ ذلكَ الشيخُ الألبانيُّ - حفظهُ اللَّهُ تعالى - بيانًا شافيًا في
(١) وراجع: ((شرح البخاري)) لابن رجب (٦/ ٩٠) .

٢١٨
الشَّواهدُ .. وتَصْحیفُ الْمَتْنِ
(السلسلة الصحيحة)) (٢٣٩٤) (١).
ومن لطيف ما يُحكى في ذلكَ :
قالَ البرذعيُّ (٢):
قلتُ لأبي زرعةَ : بشرُ بنُ يحيى بنِ حسانَ ؟
قالَ : خراسانيُّ من أصحابِ الرأي ، كانَ لا يقبلُ العلمَ ، وكانَ أعلى
أصحاب الرَّأي بخراسانَ ، فقدمَ علينا ، فكتبنا عنهُ ، وكانَ يناظرُ ،
فاحتجوا عليه بطاوسَ ، فقالَ - بالفارسيةِ - : يحتجونَ علينا بالطيورِ !
قالَ أبو زرعةَ : كانَ جاهلاً ؛ بلغني أنَّهُ ناظرَ إسحاقَ بنَ راهويه في
القُرْعَةِ ، فاحتجَّ عليه إسحاقُ بتلكَ الأخبارِ الصحاحِ ، فأفحمَهُ ، فانصرفَ
ففتشَ كتبَهُ ، فوجدَ في كتبهِ حديثَ النبيِّ ◌َِِّ، أَنَّه نَهَى عنِ القَزْعِ(٣)، فقالَ
لأصحابه : قد وجدتُ حديثًا أكسرُ به ظهرَهُ ، فأتى إسحاقَ ، فأخبرَهُ ،
فقالَ إسحاقُ : إنما هذا القَزْعُ، أَنَّهُ يُحلقُ بعضُ رأسِ الصبيِّ ، ويتركُ
بعضٌ !
(١) وانظر: مثالاً آخر فى ((الصحيحة)) أيضًا (١١٤٠/٢/٦-١١٤١)، وآخر فى: ((الضعيفة))
(١٨٦/٣).
(٢) (٣٣٤/٢ - ٣٣٥) و((الكفاية)) (ص ٢٥٤).
(٣) يعني: فظنه ((القُرَع» ، جمع ((قرعة)).

الْمُتَابَعَةُ .. وَالْقَلْبُ
ممَّا لا شكَ فيه ؛ أنَّ اتفاقَ الرواةِ على روايةِ حديثٍ ، من غيرِ
اختلاف بينهم ، يدلُّ على حفظِهِم للحديثِ ، وعدمِ خطئِهم فيهِ ؛ فإن
الخطأ غالبًا ما يكونُ في حديث الفردِ ، وهو عن الجماعةِ أبعدُ .
وممَّا لا شكَ فيه ، أنَّ معرفةَ كونِ الراوي تابعَ غيرَهُ فيما روى فرعٌ من
ثبوتِ الروايةِ عن كلِّ من المتابعِ والمتابَعِ ، أمَّا معَ عدمٍ صحةِ الروايةِ
إليهما، أو إلى أحدهما ، فلا سبيلَ لإثباتِ المتابعةِ ؛ إذ ما بُني على خطٍ
فهو خطأ (١).
وكثيرًا ما يجيءُ الخللُ في إثباتِ المتابعةِ من هذا البابِ ، وذلكَ بأنْ
يكونَ الحديثُ معروفًا من روايةِ راوٍ معينٍ ، فيأتي بعضُ مَن لم يحفظِ
الحديثَ على وجههِ ، فيبدل هذا الراوي براوٍ آخرَ مشاركِ له في الطبقةِ .
كخبرِ مشهورٍ عن ((سالم))، يجعلُهُ عن ((نافعٍ))، وآخرَ مشهورٍ عن
((مالك))، يجعلهُ عن ((عبيدِ اللَّهِ بنِ عمرَ))، ونحو ذلكَ .
فيظنُّ مَن لم يفطنْ لذلكَ ، أنَّ هؤلاء جميعًا قد رَوَوا الحديثَ ،
فيثبتُ بمقتضى ذلكَ المتابعةَ ، ويدفعُ التفردَ .
مثالُ ذلكَ :
حديثُ : ((الأَعْمَالُ بِالنَّاتِ» .
(١) راجع: ما تقدم في «فصلِ: ثبّتِ العرشَ .. ثمَّ انْقُشْ)).

٢٢٠
الْمُتَابَعَةُ .. وَالْقَلْبُ
وهو حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ متفقٌ عليهِ ، والأئمةُ إنما صححوهُ من
طريقٍ واحدةٍ ، من طريقِ يحيى بنِ سعيدِ الأنصاريِّ ، عن محمدِ بنِ
إبراهيم التيميِّ ، عن علقمةَ بنِ وقاصِ الليثيُّ ، عن عمرَ بنِ الخطابِ ، عن
رسولِ اللهِ وَله .
ولا يصحُ إلا مِن هذا الطريقِ؛ هكذا قالَ أهلُ العلمِ وأئمتُهُ (١).
ومع ذلكَ ؛ فقد جاءَتْ متابعةٌ ليحيى بنِ سعيد الأنصاريِّ ، بإسناد
حسنٍ في الظاهرِ ، فلم يعتدَّ بها أهلُ العلمِ ، وتتابعوا على إنكارِها .
وذلكَ ؛ فيما رواه محمدُ بنُ عبيدِ الهمدانيُّ : حدثنا الربيعُ بنُ زياد
الضبيُّ: حدثنا محمدُ بنُ عمرو بن علقمةَ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ التيميِّ، به.
أخرجهُ: ابنُ حبانَ في ترجمةِ الربيعِ هذا من ((الثقات)) (٢٩٨/٦ -
٢٩٩) ، وقالَ :
((يُغْربُ)) .
وكذلكَ ؛ ابنُ عديٍّ في ترجمتهِ من ((الكامل)) (٩٩٧/٣)، وقالَ:
((هذا لا أصلَ لهُ عن محمدِ بنِ عمرٍو ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ ؛ لم
يَروه عنه غيرُ الربيعِ بنِ زيادٍ ، وقد روى الربيعُ بنُ زِيادٍ عن غيرِ محمدِ بنِ
عمرٍو من أهلِ المدينةِ أحاديثَ لا يتابعُ عليها ، وعند محمدِ بنِ عبيدٍ ، عن
الربيعِ الهمدانيِّ أحاديثُ لا يتابعُ عليها)) .
وكذا؛ أخرجهُ الخليليُّ في ترجمةِ الربيعِ من (الإرشاد))(٢)، وقالَ:
(١) راجع : ما سيأتي حول هذا الحديث في ((فصلِ: الشَّواهدُ .. وإسنادٌ في إسنادٍ)).
(٢) ((الإرشاد)) (٦٣١/٢ - ٦٣٢).