Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ الْمُتَبَعَةُ .. والرِّوَايَةُ بالْمَعْنَى الصوابُ: أنَّ أبا بردةَ هذا هو ((عمرو بنُ يزيدَ))، فالحديثُ حديثُه ، وبه يُعرفُ . وقد ساقَهُ الذهبيُّ في ترجمتهِ من ((الميزان)) (١) ، وقالَ : ((حديثٌ منكرٌ ؛ والمشهورُ : حديثُ ابنِ إسحاقَ ، عن يحيى بنِ عبادٍ ، عن أبيهِ ، عن عائشةَ)) . قلتُ : وهذا ؛ أخرجَهُ : أبو داودَ (٣١٤١) بمعناهُ . ثمَّ وجدتُ الحاكمَ رواهُ مرةً أخرى (٣٦٢/١) ، من هذا الطريقِ وطريقٍ أخرى ، عن أبي معاويةَ : ثنا أبو بردةَ ، عن علقمةً ، بهِ . هكذا جاءَ عندَهُ هنا غيرَ منسوبٍ . وقالَ الحاكمُ : ((وأبو بردةَ هذا: بريدُ بنُ أبي بردة بنِ أبي موسى الأشعريّ). قلتُ : وهذا مما يرجِّحُ أنَّ نسبَهُ في الموضعِ الأولِ إنَّما هو من الحاكم اجتهادًا منه ، لا روايةً . واللَّهُ أعلمُ . مثالٌ آخرُ : حديثُ : أحمدَ بنِ يحيى الصوفيِّ : ثنا زيدُ بنُ الحبابِ : حدثني حميدٌ مولى آل علقمةَ المكيّ : ثنا عطاءٌ ، عن أبي هريرةَ : حدثني سلمانُ الفارسيُّ، قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ فَهِ: ((مَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ، وَأَشْهِدُ (١) ((الميزان)) (٢٩٤/٣). ١٦٢ الْمُتَابَعَةُ .. والرِّوَايَةُ بالْمَعْنَى مَلاَئِكَتَكَ وَحَمَلَةَ عَرْشِكَ ، وَأُشْهِدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ، أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ ، لاَ إِلَهَ إِلا أَنْتَ ، وَحْدَّكَ لا شَرِيكَ لَكَ، وَأُكَفِّرُ مَنْ أَبَى مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ ، وَأَشْهَدُّ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ ، مَنْ قَالَهَا مَرَّةً عُثْقَ ثُلُهُ مِنَ النَّارِ ، وَمَنْ قَالَّهَا مَرَّيْنِ عُثْقَ ثُلْنَاهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ قَالَهَا ثَلاثَةً عُثِقَ كُلُهُ مِنَ النَّارِ» . أخرجَهُ: ابنُ عديٌّ (٦٨٩/٢ - ٦٩٠) والطبرانيّ في ((الكبير)) (٦/ ٢٢٠) والبزارُ (٢٥٣١). وحميدٌ المكيُّ هذا ؛ مجهولٌ ؛ لم يَرْوِ عنه إلا زيدُ بنُ الحبابِ ، وما رَوَهُ عنه فمنكرٌ كلُّه ، وهي نحو ثلاثة أحاديثَ ، أنكرها عليهِ البخاريّ في (التاريخ الصغير)) (١٣٣/٢ - ١٣٤) وابنُ عديٌّ وغيرُهما؛ وهذا منها . ولذا ؛ أعلَّهُ الحافظُ ابنُ حجرٍ في ((مختصر الزوائد» (٢٠٨٩) بحميد هذا ، وكذا فعلَ الهيثميَّ في ((مجمع الزوائد» (٨٦/١٠). لكنْ؛ رَوى الحاكمُ في ((المستدرك)) (٥٢٣/١) هذا الحديثَ من طريقِ أبي عبدِ اللَّهِ أحمدَ بنِ يحيى الحجريِّ : ثنا زيدُ بنُ الحبابِ : ثنا حميد بن مهرانَ : ثنا عطاءُ ، به . فهذه الروايةُ ؛ تقتضي أنَّ حميداً المكيَّ لم يتفردْ بهذا الحديثِ ، وإنَّما تابعهُ عليهِ حميدُ بنُ مهرانَ ، وابنُ مهرانَ هذا ثقةٌ . وليسَ الأمرُ كذلكَ . بلِ الصوابُ ؛ أنَّ الحديثَ حديثُ المكيِّ ، وليسَ حديثَ ابنِ مهرانَ، وأن ما وقعَ في روايةِ الحاكمِ خطأ مِن أحدِ الرواةِ . وقد اغترّ بظاهرِ هذا الإسنادِ الحاكمُ ، فصححَهُ ، وكذلكَ الشيخُ ٠٠٠ ١٦٣ الْمُتَابَعَةُ .. والرِّوَيَةُ بِالْمَعْنَى الألبانيَّ في ((السلسلة الصحيحة)) (٢٦٧). وممَّن يرجعُ إليهِ الفضلُ - بعدَ اللَّهِ عزَّ وجلَّ - في بيانِ علَّةِ هذا الحديثِ شيخنا الشيخ محمد عمرو بن عبدِ اللطيفِ في كتابِهِ («حديثُ . قلبُ القرآنِ يَّس ؛ في الميزان)» ، فقد فصِّلَ القولَ في طرقِ هذا الحديثِ ، ثمَّ قالَ ( ص ٣٦) : ((معلومٌ بداهةً أنَّ الصدوقَ ، بل الثقةَ الحافظَ يهمُ ، ويخطئُ ، ويخالفُ ؛ فإنْ لم يكن الوهمُ في تسميةِ شيخِ زيدِ بنِ الحبابِ من الحاكمِ نفسِهِ أو شيخِهِ الأصمِ ، فهو من أحمدَ بنِ يحيى الحجريِّ . يؤيدُ ذلكَ قرائنُ شَتَّى ؛ منها : ١ - أَنَّ الحديثَ معدودٌ في مناكيرِ حميدِ المكيِّ ، وبه يُعرفُ ؛ ولذلك ساقَهُ في ترجمتِهِ : البخاريُّ، وابنُ عديٌّ ، والذهبيّ نفسُهُ . ٢ - أنَّ المتنَ منكرٌ - لا محالةَ -، فلا يتناسبُ، بل لا يستحقُّ أن يَرِدَ بهذا الإسنادِ النظيفِ . ٣ - أنَّ حميد بنَ مهرانَ - وهو الكنديُّ البصريُّ الخياطُ - ، لم يذكرْ أحدٌ - علمتُهُ - روايتَهُ عن عطاءِ بنِ أبي رباحٍ ، أو روايةَ زيدِ بنِ الحبابِ عنه؛ وإنْ كانَ من نفسِ طبقةِ الآخر)) اهـ . مثالٌ آخرُ : حديثُ : صدقةً بنِ يزيدَ الخراسانيِّ ، قالَ : حدثنا العلاءُ بنُ عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ نَّ ◌ِهِ، قالَ: («قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ عَّدًا صَحِخَتُهُ، وَوَسَّعْتُ عَلَيْهِ ، لَمْ يَزُرِّنِي فِي كُلِّ خَمْسَةٍ أَعْوَامٍ لَمَحْرُومٌ» . ١٦٤ الْمُتَابَعَةُ .. والرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى أخرجه: العقيليّ (٢٠٦/٢ - ٢٠٧) وابنُ عديَّ (١٣٩٦/٤)، كلاهما في ترجمةِ صدقةَ بنِ يزيدَ هذا . قالَ ابنُ عديٍّ : ٢٠ُ (١) -، ولا أعلمُ يَرويه عن ((وهذا عن العلاء منكرٌ - كما قاله البخاريّ (١) العلاء غير صدقةً ؛ وإنما يَروي هذا خلفُ بنُ خليفةَ - وهو مشهورٌ به ، ورُويَ عن الثوريِّ أيضًا - ، عن العلاء بنِ المسيبِ ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدريِّ، عنِ النبيِّ ◌ِّ)). قال: ((فلعلَّ صدقةَ هذا سمعَ بذكرٍ («العلاء))، فظنَّ أَنَّه («العلاءُ ابنُ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه ، عن أبي هريرةَ»؛ وكانَ هذا الطريق أسهلَ عليهِ ؛ وإنَّما هو : العلاءُ بنُ المسيبِ ، عن أبيهِ ، عن أبي سعيدِ)) اهـ . ٠ (٢) قالَ الشيخّ الألبانيّ (٢): ((وصدقةُ هذا ضعَّفَهُ جمعٌ ، فهو بمثلِ هذا النقدِ حَرِيٌّ). مثالٌ آخرُ (٣): حديثُ : حماد بن سلمةَ ، عن قتادة ، عن محمدِ بنِ سيرينَ ، عن صفيةَ بنت الحارث، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ لّهِ قالَ: ((لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍُ إِلاَّ بِخِمَارِ)) . أخرجَهُ : أبو داودَ (٦٤١) والترمذيُّ (٣٧٧) وابن ماجه (٦٥٥) وأحمدُ (١٥٠/٦ -٢١٨ -٢٥٩) وابنُ خزيمةَ (٧٧٥) وابنُ حبانَ (١٧١١) (١٧١٢) (١) ((التاريخ الكبير)) (٢٩٥/٢/٢)، وهو أيضًا في ((الكامل)). (٢) في ((الصحيحة)) (٢٢٣/٤) . (٣) أرشدني إلى هذا المثال أخي الفاضل عادل محمد . ١٦٥ الْمُتَابَعَةُ .. والرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى والحاكمُ (٢٥١/١) والبيهقيُّ (٢٣٣/٢) وابنُ الجارود (١٧٣ - غوث المكدود) من طرقٍ ، عن حمادِ بنِ سلمةَ ، به . وهذا الحديثُ؛ قد خُولِفَ فيهِ حمادُ بنُ سلمةَ ، في رفعِهِ ووصلِهِ ، ورجحَ الدارقطنيَّ فيهِ الإرسالَ، كما في ((نصب الراية)) (٢٩٥/١ - ٢٩٦) . لكنْ ؛ جاءَ ما أَوْهَمَ عدمَ تفرد حماد بن سلمةً ، ومتابعةَ حمادِ بنِ زید له : فقد روى ابنُ حزمٍ في ((المحلى)) (٩٠/١) (٢١٩/٣) من طريقِ ابنِ الأعرابيّ : ثنا محمدُ بنُ الجارودِ القطانُ : ثنا عفانُ بنُ مسلمٍ : ثنا حمادُ بنُ زيد : ثنا قتادةُ ، عن محمدِ بنِ سيرينَ ، عن صفيةَ بنتِ الحارث ، به . هكذا ؛ وقعَ عندَ ابنِ حزمٍ في ((المحلى))، فأوهمَ أنَّ حمادَ بنَ زيد متابعٌ لحمادِ بنِ سلمةَ في هذا الحديثِ عن قتادةَ . وليسَ الأمرُ كذلكَ ؛ بل ذِكْرُ ((حمادِ بنِ زيدِ)) هاهنا خطأٌّ ، والصوابُ أَنَّه «حمادُ بنُ سلمةَ)) ؛ وذلكَ لأمورٍ : الأولُ : أنَّ الحديثَ مشهورٌ من حديثِ حماد بن سلمةَ ، لا ابنِ زيدٍ ، فقد رواهُ الناسُ عنه ، ولم تأتِ روايةُ ابنِ زيدٍ إلا في هَذا الموضعِ ، هذا ؛ فضلاً عن أنَّ الأئمةَ صرَّحوا بأنَّ الحديثَ حديثُهُ ، وأنَّه هو المتفردُ بِهِ ، والمخطئُ فيهِ . فالظاهرُ ؛ أنَّ من نسبَهُ أخطأَ، ظنَّهُ (ابنَ زيدٍ))، ثمَّ نسبَهُ اجتهادًا ، وإنَّما هو ((ابنُ سلمةَ»، ولعلَّ ذلكَ منِ ابنِ حزمٍ . ١٦٦ الْمُتَابَعَةُ .. والرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى وبِذلكَ ؛ جزمَ الشيخُ أحمدُ شاكر - عليه رحمةُ اللهِ تعالى - في تعليقه على ((المحلى)). الثاني: أنَّ الإمامَ أحمدَ ، قد رَوَاه في ((المسند)) (١٥٠/٦ -٢١٨) من طريقِ عفانِ بنِ مسلمٍ ، عن ((حمادِ بنِ سلمةَ» ، لا عنِ (ابن زيدٍ)). وكذا ؛ رواهُ : ابنُ عبد البرِّ في ((التمهيدِ)) (٣٦٨/٦). وعفَّان بن مسلم ، هو راويه عن حمادٍ عند ابن الأعرابيّ وابن حزمٍ ؛ كما تقدَّمَ . الثالثُ: أنَّ حمادَ بنَ زيد ليست له روايةٌ عن قتادةَ أصلاً ، ولم يذكرُوا ذلكَ في ترجمتِهِ ، ولو كانَ يَرْوِي عنهُ، لما أَغْفَلُوا ذكرَهُ ؛ فإنهما إمامان ٠ مشهورانِ - أعني : قتادةَ وحمادَ بنَ زيدٍ - ، فلو كانَ ابنُ زيد يروي عن قتادةَ لما أهملوا ذكرَ ذلكَ . ثُمَّ أوقفني بعضُ إخواني(١) على ما يؤكدُ هذا ، ويقطعُ به : وذلكَ ؛ ما رواه المقدَّميُّ في ((تاريخه)) (١٠١٧)، عن سليمانَ بنِ حربٍ ، قال : سمعتُ حمادَ بنَ زيد يقولُ: ((كنتُ هيَّْتُ الصُّحفَ لِقُدْومِ قتادةَ من واسطِ ، من عند خالدِ بنِ عبدِ اللَّهِ القَسْرِيِّ ؛ لأكتبَ عنهُ ، فماتَ بواسط ، وذلكَ في سنةٍ سبعَ عشرةَ ومائة)) . قلتُ : وهذا منْ أدلِّ دليلٍ على أنّ حمادَ بنَ زيدٍ لم يسمعْ من قتادةَ ، ولم يَلْتَقِ بهِ أصلاً . (١) هو : أخي أبو يحيى الجزائري. ١٦٧ الْمُتَبَعَةُ .. والرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى والحاصلُ؛ أنَّ هذا الحديثَ حديثُ ((حماد بن سلمةَ)) وحدَهُ، وأنَّ ما وقعَ في ((المحلى)) ممَّا أوهمَ متابعةَ ((حمادِ بنِ زِيدَ)) لَه ؛ خطأٌ ، لا وجهَ لهُ من الصحة (١) . وبالله التوفيق . مثالٌ آخرُ : حديثُ : حميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ الرؤاسيِّ ، عن الحسنِ بنِ صالحٍ ، عن هارونَ أبي محمدٍ ، عن مقاتل بن حيّانَ ، عن قتادةَ ، عن أنسٍ ، عن النبيِّ وَّةِ: (لِكُلِّشَيْءٍ قَلْبٌ، وَقَلْبُ الْقُرْآنِ يَس)). أخرجَهُ: الترمذيُّ (٢٨٨٧) والدارميّ (٤٥٦/٢). ومقاتلُ بنُ حيَّانَ ثقةٌ؛ لكنْ أعلَّهُ الإمامُ أبو حاتم الرازيّ بعلةٍ دقيقةٍ : وِ فقالَ ابنُ أبي حاتمٍ في ((العلل))(٢): ((سألتُ أبي عن حديث رواهُ قتيبةُ بنُ سعيدٍ وابنُ أبي شيبةَ ، عن حميد ابنِ عبدِ الرحمنِ ، عنِ الحسنِ بنِ صالحٍ ، عن هارونَ أبي محمدٍ ، عن مقاتلٍ [ قلتُ: لم ينسبُهُ ] ، عن قتادةَ - فذكرَهُ . قالَ أبي : مقاتلٌ هذا ، هو : مقاتلُ بنُّ سليمانَ ؛ رأيتُ هذا الحديثَ في أولِ كتابٍ وضعَهُ مقاتلُ بنُ سليمانَ ، وهو حديثٌ باطلٌ ، لا أصلَ لَهُ). ومعنى هذا : أنَّ مقاتلاً الذي في الإسنادِ ، هو : ابنُ سليمانَ - (١) انظر: مثالاً شبيهًا بهذا في ((غاية المرام)) (٤٦)، وآخر في ((الإرواء)) (١٣٨٢) للشيخ الألباني - حفظه الله تعالى - ، وقد بينهما الشيخ ، فجزاه الله خيرًا . (٢) ((علل الحديث)) (١٦٥٢). ١٦٨ الْمُتَابَعَةُ .. والرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى الكذابُ المعروفُ - ، وليس هو : ابنَ حيانَ الثقةَ . فلعلَّ الحديثَ كانَ ((عن مقاتلٍ)) غيرَ منسوبٍ، فأخطأَ من نسبَهُ ، فقال: ((مقاتلُ بنُ حيانَ))، وإنَّما هو: ((ابنُ سليمانَ) . وقد سئلَ الإمامُ أحمدُ عن هذا الحديثِ ، فقالَ (١): ((هذا كلامٌ موضوعٌ)) . (١) ((المنتخب من علل الخلال)) (٥٠) بتحقيقي. وراجعْ : ((السلسلة الضعيفة)) للشيخ الألبانيِّ (١٦٩)، وكذا رسالةَ شيخِنَا محمدِ عمرو بنِ عبد اللطيف في تخريج هذا الحديث (ص٩ - ١٩). وربما يكونُ الراوي منسوبًا في الروايةِ ، ثم يأتي من يذكرهُ باسمهِ دون نسبهِ ، فيشتبه عليه أو على غيره براوٍ آخر يشتركُ معه في الاسمِ والطبقةِ . كما وقع ذلكَ ؛ في حديثٍ رواه: أبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) (١/ ٣٥٧) من طريق علي بن هاشمٍ ، عن إبراهيم بن يزيدَ ، عن أبي الزبيرِ ، عن جابرٍ - مرفوعًا - : ((لا تَأذنوا لمنْ لم يبدأ بالسلام» . هكذا؛ وقع عنده: ((إبراهيم بن يزيدَ))؛ منسوبًا، وهو الخُوزي، وهو ضعيف جدًّا. فنقل بعض الباحثين الإسنادَ من نفسِ الموضعِ ، لكن اختصر نسبَ ((إبراهيم) هذا، فقال : (عن إبراهيم))، ثم اشتبه عليه، فظنَّه ((إبراهيم بن طهمان)) الثقة المعروف، فقال: ((إبراهيم؛ هو : ابن طهمان ، ثقة من رجال الشيخين)) !! مع أنَّه ؛ لو كانَ غير منسوبٍ في الإسنادِ لكان تعيينُه بابن طهمان خطأ ؛ لأن علي بن هاشم- وهو : ابن البريدِ - ، لا يروي عن ابن طهمان ، بل عن الخُوزي . وراجع: ((الصحيحة)) للشيخ الألباني (٨١٧) . وانظر أيضًا: مثالاً يصلح في هذا الفصل، في ((الكامل)) (٦٤٩/٢)، وآخر في ((علل الحديث)» للرازي (١٥٠٢). الشَّوَاَهدُ . . وَالرِّوَايَةُ بِالمَعْنَى وتقُع أيضًا الرِّوايةُ بالمَعْنى في المُتُونِ ، فقدْ يحدِّثُ الرََّوي بالمتنِ لا بلفظه الذي تحمَّلَهُ بِهِ ، بلْ بالمعنى الذي فَهِمَهُ منهُ ، وقد يَخْتصرُهُ أيضًا ، فيرويهِ بلفظِ مختَصَرِ ، يَرَى هو أنَّه يؤدِّي نفسَ المعنى الذي يؤديهِ لفظُ الحديثِ المطوَّلُ ، وليسَ كذلكَ ، فقدْ يكونُ لفظُهُ أعَمَّ أو أخصَّ من لفظِ الرِّواية . فالذي لا يفطنُ لهذه العلَّة ، ربَّما استدلَّ بروايته على معنّى ، لا تساعدُهُ ولا تدلُّ عليهِ الروايَةُ الأصَلِيَّةُ . مثالُ ذلكَ : حديثُ : عُبيدِ اللهِ بنِ القِبْطِيَّةِ، عن جابر بنِ سَمُرَةً، قالَ : كَّا إِذَا صلَّيْنا خلفَ النبيِّ ◌َّةِ، قُلْنا: السَّلَامُ عليكُمْ ورحمةُ اللهِ، السَّلامُ عليْكُمْ ورحمةُ الله - وأَشَارَ بيدِهِ إلى الجَانبينِ -، فقالَ رسولُ اللهِ بَّهِ: ((عَلَامَ تُومِئونَ بِأَيْدِيِكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ ؛ إِنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أَخِيهِ مِنْ عَلَى يَمِينِهِ وُشِمَّالِهِ» . أخرجهُ: مسلمٌ (٢٩/٢ - ٣٠) والبخاريّ في ((جزء رفع اليدين)) (٣٨) والحميديَّ (٨٩٦) وأحمدُ (٨٦/٥-٨٨-١٠٢-١٠٧) وأبو داودَ (٩٩٨) (٩٩٩) والنسائيّ (٤/٣-٦١) وابنُ خزيمةَ (٧٣٣) وابنُ حبانَ (١٨٨٠) (١٨٨١). فهذَا الحديثُ ؛ واضحٌ مبينٌ مفسرٌ ، في أنَّ الصحابة كانوا يرفعونَ ١٧٠ الشَّوَاَهدُ . . وَالرِّوَايَةُ بالمَعْنَى أيديَهُمْ حالةَ السلامِ من الصلاة ، ويُشيرون بها إلى الجانبين ، يريدونَ بذلكَ السلامَ على مَنْ عَن الجانبينِ، فأنكرَ ذلكَ عليهم رسولُ اللهِ وَّهِ، ونهاهُمْ عنهُ . لكنْ؛ جاءتْ روايةٌ مختصرةٌ لهذا الحديث ، أُطْلِق فيها النَّهي عن رفعِ اليدينِ ، ولم يُقَيِّدْ فيها بحالةِ السلامِ ، فاحتجَّ بها بعضُ الكوفيين لمذهبهِمْ في المنعِ من رفعِ اليدينِ عندَ الرُّكوعِ والرَّفْعِ مِنهُ. وهَذه الروايةُ : هي روايةُ الأعمشِ ، عن المسيِّب بن رافعٍ ، عن تَميمٍ بِنِ طَرَفَةَ، عن جابر بن سمرةَ ، قال: خرجَ علينا رسولُ اللهِ وَِّ ، فقالَ : ((مَالِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِكُمْ كَأَنَّها أَذْنَابُ خَيْلِ شُمْسٍ، اسكُنُوا فِي الصَّلاةِ). أخرجه: مسلمٌ (٢٩/٢) وأحمد (٩٣/٥-١٠١-١٠٧) وأبو داود (٩١٢) (١٠٠٠) والنسائيُّ (٤/٣) وابنُ حبانَ (١٨٧٨) (١٨٧٩). فهذه ؛ روايةٌ مختصرةٌ ، فينبغي حملها على الرواية الأولى المفصلةِ ، والمبينة أنَّ هذا الرفعَ كانَ في التشهُّدِ والتَّسليمِ ، وليسَ في الركوعِ أو الرفعِ منهُ . ولهذا ؛ قال ابنُ حبانَ في ((الصحيح)) (١) ، بعدَ أن خرجَ هذه الروايةَ المختصرةَ : ((ذكْرُ الخبرِ المقتضي للَّفظةِ المختصرةِ ، التي تقدمَ ذِكْرُنَا لها ، بأنَّ القومَ إنَّما أُمروا بالسكونِ في الصَّلاةِ عندَ الإشارةِ بالتسليمِ ، دونَ رفعِ الیدینِ عندَ الركوعِ» . (١) ((الإحسان)) (١٩٩/٥). 1 ١٧١ الشَّوَاهدُ .. وَالرِّوَايَةُ بِالمَعْنَى ثم روى الروايةَ المبينةَ، روايةَ ابن القبطيَّةِ ، عن جابر بن سمرةَ . وقالَ البخاريُّ في ((جزئه)) (١): ((إنَّما كانَ هَذا في التشهُّدِ، لا في القيامِ، كانَ يُسلِّمُ بعضُهُمْ على بعضٍ، فنهى النبيُّ ◌َِّر عن رفعِ الأيدي في التشهُّدِ، ولا يَحْتُجُّ بهذا من له حظّ من العلمِ ، هذا معروفٌ مشهورٌ ، لا اختلافَ فيه ، ولو كان كما ذهبَ إليهِ ، لكانَ رفعُ الأيدي في أوَّلِ التكبيرةِ ، وأيضًا تكبيرات العيدِ ؛ منهًّا عنها؛ لأنَّه لم يَسْتَثْنِ رَفْعًا دونَ رفعٍ)). مثالٌ آخرُ : حديثُ : يزيد بن أبي حبيبٍ ، عن عبدِ اللهِ بن الحارث بن جَزْءٍ ، قال: أنَا أَوَّلُ مِن سَمِعَ النبيَّ ◌ِّهِ يقول: ((لا يَّبُوَنَّ أَحَدُكُمْ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ» ، وأنا أوَّلُ من حدَّث الناسَ بذلكَ . رواهُ عن يزيد : الليثُ بن سعدٍ ، وعبدُ الحميد بن جعفر ، وعمرو ابن الحارثِ . أخرجه: ابن ماجه (٣١٧) وأحمدُ (٤/ ١٩٠) والطحاويّ في ((شرح المعاني)) (٢٣٢/٤). ورواه : عبدُ الله بن لهيعةَ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن جَبَلة بن نافع (١) ، عن عبد الله بن الحارث بن جَزْءٍ ، به . (١) ((جزء رفع اليدين)) (ص١٢٤-١٢٥). (٢) كذا؛ جاء اسم أبيه فى ((شرح العلل)) لابن رجب (٤٢٤/١) و((الثقات)) (١٠٩/٤)، وجاء عند الطحاوي : ((رافع)) . فالله أعلم . ١٧٢ الشَّوَاَهدُ . . وَالرِّوَيَةُ بِالمَعْنَى فزادَ في إسنادِهِ رجلاً . أخرجه : الطحاويُّ (٢٣٣/٤). وانفردَ ابنُ لهيعةَ بروايتِهِ ، عن عُبيدِ الله بن المغيرةَ ، عن عبد الله بن الحارث بن جَزْءٍ ، قالَ : رأيتُ رسولَ اللهِ وَّهِ يَبُولُ مستقبلَ القَبْلَة؛ وأنا أوَّلُ من حدَّث الناسَ بذلكَ (١) . فَقَلبَ متنَ الحديث ولفظَهُ؛ وإنَّما لفظُهُ المعروفُ هو ما رواهُ الجماعةُ، في النهي عن ذلكَ . فقد يغترُّ البعض فيجعلُ الحديثَ ، بهذا اللفظِ المقلوبِ ، شاهدًا الأحاديث الرُّخصةِ في استقبالِ القبلةِ حالَ البولِ ؛ بينما لفظُ الحديث المعروفُ ينصُّ على خلاف ذلكَ . وقد أغربَ جدًّا الهيثميُّ ، حيثُ استدلَّ بهذا اللفظِ المقلوبِ على نسخِ النَّهي عن استقبالِ القبلةِ حالَ البولِ ، فقالَ في ((مجمع الزوائد»، بعد أن ساقَهُ بهذا اللفظِ المقلوبِ : (روى له - أي: لعبدِ اللهِ بن الحارثِ بنِ جَزْءٍ - ابنُ ماجه، أنَّه أوَّلُ مِن سَمِعَ النبيَّ ◌َّهِ ينهى عن ذلكَ ؛ وهذا يدلُّ على النَّخِ)) !! وقد روى ابن لهيعةَ أيضًا ، هذا المتنَ المقلوبَ بإسنادٍ آخرَ ، عن (١) ذكره ابن رجب الحنبلي في ((شرح علل الترمذي)) (٤٢٤/١)، وعزاه الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢٠٥/١-٢٠٦) لأحمد في («المسند»، ولم أجده فيه، ولا ذكره ابن حجر في ((أطرافه)) وإنما الذي في ((المسند)) (١٩١/٤) بهذا الإسناد باللفظ المعروف . فالله أعلم. ١٧٣ الشَّوَاهِدُ . . وَالرِّوَيَةُ بِالمَعْنَى صحابيٌّ آخرَ ، وتفرَّد به أيضًا، وقد خطَّأُهُ العلماءُ في ذلكَ . رواه مرة ، عن أبي الزبيرِ ، عن جابرٍ ، عن أبي قتادةَ الأنصاريِّ ، أَنَّه رأى النبي ◌َّهِ يبولُ مستقبل القبلةِ. أخرجه: الترمذيُّ (١٠)، وضعَّفْه ؛ وكذلكَ ضعَّفَه ابنُ عبد البرِّ في ((التمهيد)) (١/ ٣١٢). وهَذا ؛ يدلُّ على اضطرابِ ابن لهيعةَ ، وعدمٍ ضبطِهِ لإسنادِ الحديثِ مثالٌ آخرٌ : ومتنه . ٠٠ حديث : عليّ بن عياشٍ ، عن شعيبِ بن أبي حمزةَ ، عن محمد بن المنكدرِ ، عن جابر بن عبد اللهِ - رضي الله عنه - ، قالَ: كانَ آخرَ الأمرين مِنْ رسول الله وَّله تركُ الوضوء ممَّا مَسَّتِ النَّارُ. أخرجه : أبو داودَ (١٩٢) والنسائيُّ (١٠٨/١). فهذا الحديثُ ؛ استُدِلَّ به على نسخِ الوضوءِ مما مسَّت النارُ ، وجعلَهُ بعضُ من كتبَ في ((الناسخِ والمنسوخِ)) مثالاً على ما يعرفُ فيه النسخُ بتنصيصِ الصحابيِّ على كونِهِ مُتَأخراً . وليس كذلكَ ؛ فإنَّ هذا الحديثَ مختصرٌ من قصَّةٍ طويلةٍ ، لا تدلُّ على معنى النَّسخِ . قالَ الإمامُ أبو داودَ بعقبِهِ : ((هَذا اختصارٌ من الحديثِ الأوَّلِ)). يعني : الحديثَ الذي رواهُ قبلَهُ (١٩١) من طريقِ الحجاجِ ، عن ابن ١٧٤ الشَّوَاهِدُ . . وَالرِّوَايَةُ بِالمَعْنَى جريجٍ ، عن ابن المنكدرِ ، قال : سمعتُ جابَر بن عبد الله يقولُ : قَرَّبْتُ للنبي وَّ خبزًا ولحمًا، فأكلَ، ثمَّ دَعَا بوَضوءٍ، فتوضَّأَ بِهِ، ثمَّ صلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ طعامِهِ ، فأكَلَ ، ثمَّ قامَ إلَى الصَّلاةِ ولم يَتَوَضَّأْ . وبهذا أيضًا ؛ أعلَّه الإمامُ أبو حاتم الرازيُّ ؛ قالَ (١): (هَذا حديثٌ مضطربُ المتنِ؛ إنَّما هو: أنَّ النبي ◌َِّ أكلَ كَتِفًا ولم يتوضَّأْ؛ كَذا رواهُ الثقاتُ عن ابن المنكدرِ ، عن جابرٍ ؛ ويحتملُ أن يكونَ شعيبٌ حدَّث بِهِ من حفظِهِ ، فَوَهِمَ فِيهِ)) (٢). قلتُ : ووجهُ الاختصارِ : أنَّ قولَ شعيبٍ في روايتِهِ: ((آخِرِ الأَمْرينٍ» ، ليسَ على معنى التَّراخي، فيكون الفعلُ المتأخِّرُ ناسخًا للمتقدِّمِ ؛ وإنَّما معناهُ : آخر الفعلينِ في هذِهِ الواقعةِ المعيَّنَةِ : كانَ عملُهُ الأولُ فيها أنه توضأ بعدَ أَكْله مما مسَّت النارُ ، وعملُهُ الثاني أنه صلَّى بعد أكلِهِ دونَ أنْ يتوضأ ، وقد يكونُ إِنَّمَ توضأَ في الأُولى للحَدَثِ لا للأَكْلِ ، وعليهِ ؛ فلا دلالَةَ في الحديثِ على النَّسخِ . وقد قال الحافظُ ابنُ حجرٍ في ((الفتح)) (٣)، شارحًا لإعلالِ أبي داودَ وغيرهِ لهذا الحديثِ بالاختصارِ ؛ قالَ : ((قالَ أبو داودَ وغيرُهُ: إنَّ المرادَ بـ ((الأمرٍ)) هُنَا: الشَّأن والقِصَّةً، لا (١) ((علل الحديث)) لابنه (١٦٨). (٢) وكذلك؛ ذهب ابن حبان في ((الصحيح)) (٤١٧/٣) إلى كونه مختصرًاً. (٣) ((فتح الباري)) (٣١١/١). ١٧٥ الشَّوَاهِدُ .. وَالرِّوَايَةُ بِالمَعْنَى المرأة التي صنعتْ للنبيِّ نَّهِ شاةً، فأكلَ منها، ثم توضأً وصلَّى الظهرَ ؛ ثم أكلَ منها ، وصلَّى العصرَ ولم يتوضأ ؛ فيحتملُ أن تكونَ هذه القصةُ وقعتْ قبلَ الأمرِ بالوضوءِ مما مستِ النارُ ، وأنَّ الوضوءَ لصلاة الظهرِ كانَ عن حَدَثِ ، لا بسببِ الأكلِ من الشّاةِ)). قلتُ : وقد جاءتْ روايةٌ لهذا الحديثِ ، تنصُّ على أنَّ وضوءَ النبيِّ ميل الله لصلاة الظهرِ كانَ بسببِ الحَدَثِ ، إلا أنَّ في إسنادِهَا نَظَرًا. وسلم فقد رواهُ: أحمدُ فى ((المسند)) (٣٧٤/٣ -٣٧٥) من طريقٍ محمد بن إسحاقَ ، عن ابن عقيلٍ ، عن جابرٍ ، فذكره مطولاً ، وفيه : ((فأُتي بغداءٍ من خبزٍ ولحمٍ، قد صُنِعَ له، فأكلَ رسولُ الله ◌َّهِ، وأكلَ القومُ مَعَهُ. قالَ: ثم بَالَ، ثم توضأَ رسولُ اللهِ بََّ للظهرِ، وتوضأ القومُ معهُ. قالَ: ثم صلَّى بهمْ الظهرَ ... )) - وذكر الحديثَ. وبالله التوفيقُ . مثالٌ آخرُ : قالَ البخاريُّ (١): ((طلحةُ بن يحيى ؛ منكرُ الحديث ؛ يروي عن عروةَ ، عن عائشةَ - مرفوعًا - : ((الغُسْلُ يَوْمَ الجمعة واجبٌ)؛ والمعروفُ عن عروةَ وعَمْرةَ ، عن عائشةَ: كانَ الناسُ عمالَ أنفسِهِمْ، فقيلَ لهمْ : ((لو اغْتَسَلْتُمْ)). فلعلَّ طلحةَ بن يحيى هَذا، فَهِمَ من قولِهِ: (لَوِ اغْتَسَلْتُمْ)) الوجوبَ، فرواهُ بلفظ : ((وَاجب))، بحسب فهمِهِ ؛ وإلا فاللفظُ الصحيحُ لا (١) ((الكامل)) (٤/ ١٤٣١). ١٧٦ الشَّوَاهِدُ .. وَالرِّوَايَةُ بالمَعْنَى يدلُّ على الوجوبِ (١) . ورِوَايتا عروةً وعمرة؛ في ((الصحيحين)): البخاري (٨/٢) (٧٤/٣) ومسلمٍ (٣/٣)، وغيرهما (٢). - (١) راجع: ((فتح الباري)) لابن رجب (٤١٣/٥). (٢) وانظر: مثالاً آخر في ((الكفاية)) للخطيب (ص ٢٦٠)، وآخر في ((جامع الترمذي)) (١٥٣٢) و((الإرواء)) (٢٥٧٠) . الْمُتَبَعَةُ .. وَتَصْحِيفُ الأَسْمَاءِ أشدُّ ما يكونُ التصحيفُ في الأعلامِ : أسماءً ، وكُنَّى ، وأنسابًا ، وألقابًا ؛ وأثرُهُ كبيرٌ وخطيرٌ ، حيثُ يؤدِّي في بعضِ الأحيانِ إلى الخلطِ بينَ الثقات والضعفاء ، وأحيانًا أخرى إلى إيهامٍ تعددِ رواةِ الحديثِ ، بينما هو من روايةٍ واحد فقطْ . انظرْ - مثلاً : ((عَبْدُ اللَّهِ بنُ عمرَ العمريُّ)، و((عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ عمرَ العمريُّ)؛ هما أخوانِ ، ويشتركانِ في بعضِ الشيوخِ والرُّواةِ ، فإذا تصحَّفَ أحدُهما إلى الآخرِ اشتدَّ على الباحثِ ، وصعبَ عليهِ إدراكُ الصوابِ إلا بعدَ البحث والتفتيشِ ، وربَّما انْطَلَى ذلكَ عليهِ ، وظنَّ أنَّ الحديثَ محفوظٌ عنهما جميعًا، فإذا عرفتَ أنَّ الأولَ ضعيفٌ والآخرَ ثقةٌ، أدركتَ خطرَ هذا التصحيفِ . وانظر - أيضًا : ((شُعْبَةُ)) و(سَعيدٌ)؛ فإنهما كثيرًا ما يتصحفُ أحدُهما بالآخر ، وإذا رَوَيَا عن قتادةَ، فالأمرُ يزدادُ صعوبةً؛ لأنَّ قتادةَ يَرْوِي عنه ((سعيدُ بنُ أبي عروبةَ)) - وهو ثقةٌ من كبارِ أصحابِ قتادةَ - ، ويَرْوِي عنهُ أيضًا ((سعيدُ بنُ بشير)» - وهو ضعيفٌ، صاحبُ مناكير - ، فإذا كانَ رَاوِي الحديثِ عن قتادةَ هو (سعيد بن بشيرِ))، ولم يُنْسَبْ، ثمَّ تصحفَ إلى ((شعبةَ)) كانَ الخطرُ عظيمًا ، وإذا كانَ رَاوِيهِ عن قتادةَ هو ((سعيد بن أبي عروبةَ)) ، فإنَّ ابنَ أبي ١٧٨ الْمُتَابَعَةُ .. وَتَصْحِيفُ الأَسْمَاءِ عروبةَ كانَ قدِ اختلطَ في آخرِ حياتِهِ ، فإذا تصحَّفَ إلى ((شعبةَ)) لم يقلَّ خطرُهُ عن خطرِ الأولِ . وقدْ يغترُّ البعضُ بذلكَ ، ويظنُّ أنَّ الحديثَ يرويهِ شعبةُ وسعيدٌ كلاهما عن قتادةَ ، وليسَ الأمرُ كذلكَ . وإلى هذا المعنى أشارَ ابنُ حِبانَ في مقدمة كتاب ((المجروحين)» له ، فقالَ (١): ((حَتَّى إذا قالَ عبدُ الرزاقِ: ((حدثنا عبيدُ اللَّهِ عن نافع))، و(«عبدُ اللَّه عن نافعٍ))؛ ميزوا حديثَ هذا من حديث ذاكَ ؛ لأنَّ أحدَهمًا ثقةٌ ، والآخرَ ضعيفٌ . فإنْ أُسْقِطَ من اسم ((عبيد اللّه)): ((ياءٌ))، علموا أنَّهُ ليسَ من حديث ((عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ)؛ وإذا زيدَ في اسمٍ ((عبدِ اللَّهِ): ((ياءِ) ، قالوا : ليسَ هذا من حديث ((عبيدِ اللَّهِ بنِ عمرَ)، حتَّى خلصُوا الصحيحَ منَ السقيمِ . وإذا قالَ ابنُ أبي عديٍّ: ((حدثنا شعبةُ عن قتادةَ))، و((حدثنا سعيدٌ عن قتادةَ))؛ فإذا التزقَ طرفُ الدالِ في بعضِ الكتبِ ، حتَّى يصيرَ ((سعيدٌ)) (شعبةَ))، خلصُوهُ، وقالوا : ليسَ هذا من حديثٍ شعبةَ ، إنَّما هو لسعيد. وإنِ انْفَتَحَ من («الهاء)) فرجةٌ، حتى صارَ ((شعبةُ)) ((سعيدًا)) ميزوهُ ، وقالوا : ليسَ هذا من حديثٍ سعيدٍ ، هذا من حديثٍ شعبةَ . وإذا كانَ الحديثُ عند ابنِ أبي عديٍّ ويزيدَ بنِ زريعٍ وغندرٍ ، عن سعيدٍ وشعبةَ جميعًا ، عن قتادةَ ، ميزوهُ ، حتَّى خلصوا ما عندَ يزيدَ بنِ (١) ((المجروحين)) (٥٨/١ - ٦٠). ووقع في المطبوع بعض السقط ، استدركته من أصل مخطوط عندي . ١٧٩ الْمُتَابَعَةُ .. وَتَصْحِيفُ الْأَسْمَاءِ زريعٍ ، عن سعيد ، عن قتادةَ ، ممَّا عند غندر عن شعبةَ ، عن قتادةً ؛ وفَصَلُوا بين ما عندَ غندرِ ، عن سعيد ، عن قتادةَ ، وبين ما عندَ يزيدَ بنِ زريعٍ ، عن شعبةً ، عن قتادةَ . لأنَّ سعيدًا اختلطَ في آخرَ عمرِهِ ، فليسَ حديثُ المتأخرينَ عنه بمستقيمٍ ، وشعبةُ إمامٌ متقنٌ ، ما اختلطَ ولا تغيرَ . وإذا قالَ عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى: ((حدثنا سُفْيَانُ، عن منصورٍ))(١) و((حدثنا شَيْبَانُ، عن منصورِ))، ميزوا بينَ ما انفردَ الثوريّ عن منصورِ ، وبين ما انفردَ شيبانُ عن منصورِ . حتّى إذا صَغُرَتِ ((الفاءُ)) من (سفيانَ)) في الكتابة ، واشتبهتْ بـ (شَيْبَانَ))؛ ميزوا ، وقالوا : هذا منْ حديثٍ سفيانَ ، لا شيبانَ . وإذا عَظُمَتِ ((الياءُ)) من ((شيبانَ)، حتَّى صار شبيهًا بـ ((سُفَيَانَ))، قالُوا : هذا منْ حديثٍ شيبانَ ، لا سفيانَ . وميزُوا بين ما رَوَى عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن ((شَيْبَانَ))، عن جابرٍ(٢)، وبين ما رَوَى عن ((سفيانَ))، عن جابرٍ ؛ في أشباهِ هذا ؛ يكثرُ ذكرُهُ)) اهـ. هذا؛ وقد يُصحِّفُ الراوي الاسمَ، ثمَّ بعدَ أنْ يصحفَهُ ينسبُهُ اجتهادًا (١) في المخطوط: ((فراس)) مكان ((منصور)) في المواضع كلها؛ وكلاهما يصلح في التمثيل ، فكلاهما يروي عنهما سفيان وشيبان . (٢) ((جابر))، هو الجعفي، وهو يروي عنه شيبان وسفيان جميعًا ، وفي المطبوع مكانه : ((معمر)) ، ومعمر هو ابن راشد وهو لا يروي عنه شيبان ، بل سفيان فقط. وأما قول المعلق على ((المجروحين)): ((إن صحَّ - يعني: جابرًا - ، فهو أبو الشعثاء جابر بن زيد)) ، فليس بشيء ؛ لأن أبا الشعثاء ليس من شيوخ سفيان ولا شيبان . ١٨٠ الْمُتَبَعَةُ .. وَتَصْحِيفُ الأَسْمَاء منه ، فيقعُ في خَطَأَينِ : التصحيفِ ، والرواية بالمعنى . وهاكَ بعضَ أمثلةِ التصحيفِ . ·مثالُ ذلكَ : قال أبو يعلى الخليليُّ في (الإرشاد)) (١): ((سمعتُ أبا القاسم ابنَ ثابتِ الحافظَ يقولُ : أملى علينا أبو الحسين ابنُ حرارةَ الحافظُ بأَرْدَبِيلَ حديثًا ، عن أبيهِ ، عن عبيدِ بنِ عبدِ الواحدِ بنِ شريك البزارِ ، عن سليمانَ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن سعيدِ بنِ يحيى ، عن يحيى بن سعيد ، عن علقمةَ بنِ مرثدٍ ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السلميِّ ، عن عثمانَ ، قَالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرآنَ وَعَلَّمَهُ». وقالَ : ((هذا حديثٌ غريبٌ من حديثٍ يحيى بنِ سعيدِ الأنصاريُّ عن علقمة)) . قال : ((فلما خرجتُ إلى الدِّيْنَورِ ، وعرضتُهُ على عمرَ بنِ سهلٍ ، فقالَ : ويحكَ ! غلطَ شيخُكَ - مع حفظِهِ - ، وشيخُ شيخِكَ ، وإنَّما هذا ((يحيى ابنُ شعيب أبو اليسع))، وصَحَّفَ مَن قالَ: ((يحيى بن سعيد) . ے قال : ((فكتبتُ ذلكَ إلى ابنِ حرارةَ ، فقال : جزاكَ اللَّهُ يا أبا حفصِ عنَّا خيرًا، ورجعَ إلى قولِهِ)) اهـ . مثالٌ آخرُ : حديثٌ لعاصم الأحول ، رواهُ بعضُهم فقالَ: ((عن واصل الأحدب)) ، فذكرَ الدارقطنيّ ، أنهُ من تصحيفِ السمعِ . (١) ((الإرشاد)) (٦٢٩/٢).