Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ المُقَدِّمَةُ الروايتينِ قد اتفقتا على المتنِ ، وأَنَّه ليسَ في الإسنادينِ مَن هو متهمٌ بالكذبِ ، بلْ في كلِّ منهما ضعفٌ هيِّنٌ من قِبلِ حفظِ هذينِ الضعيفينِ ، فيعَتَبِرُ أحدَهما بالآخرِ ، ويتساهلُ في شأنِهما . إنَّ الذي يفعلُ ذلكَ ، ظنًّا منهُ أنَّ هذا ليسَ من بابِ الاحتجاجِ ، بل من بابِ الاستشهادِ ، قد جانبَهُ الصوابُ ، وحادَ عن النظرِ الصحيحِ ، والقواعدِ العلميةِ ، وصنيعِ أهلِ العلمِ . فإنَّ هذينِ الضعيفينِ ، إنّما اتفقا على جزء من الروايةِ ، وليسَ على الروايةِ كلِّها . فهما ؛ إنَّما اتفقًا على المتنَ فحسبُ ، أمَّا الإسنادُ ؛ فقدْ جاءَ كلٌّ منهما لهذا المتنِ بإسنادٍ يختلفُ عن إسنادِ الآخرِ . وعليهِ ؛ فمَن قوَّى روايةَ هذا برواية ذاكَ ، فهو في الواقع قدِ احتجّ بما يتفردُ به الضعيفُ . أليسَ الضعيفُ الأولُ هو الذي تفردَ بزعمه أنَّ الزهريَّ حدثَهُ بهذا الحديثِ ، عن سالمٍ عنِ ابنِ عمرَ ؟! أليسَ هذا الضعيفُ لم يتابعْ على هذا الزعمِ ؟! أليسَ الضعيفُ الثاني ، هو الذي تفردَ بزعمِهِ ، بأنَّ ثابتًا البنانيَّ حدثَهُ بهذا الحديثِ ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ؟! أليسَ هذا الضعيفُ لم يتابعْ أيضًا على هذا الزعمِ ؟! أليسَ ثبوتُ هذا الحديثِ عن رسولِ اللهِ نَّهِ فرعًا من ثبوتِهِ عن صحابيّهِ : ابنِ عمرَ ، وأنسٍ ؛ أو أحدهما ؟! ٦٢ المُقَدِّمَةُ إذْ كيفَ يُعقلُ أنَّ الحديثَ ثابتٌ عن رسولِ اللهِ وَّ، وهو لم يثبتْ أصلاً عمَّن رواهُ عنهُ ؟! إنَّ هذا غيرُ معقول ، ولا مقبولٍ . أليسَ ثبوتُ هذا الحديثِ عن هذينِ الصحابيينِ فرعًا من ثبوتِهِ عمَّن رواهُ عنهما ؟! فإذَا لم يكنْ ثبتَ عمَّن رواهُ عنهما ، فكيفَ يثبتُ عنهما ؟! إنَّ هذا دونَه خَرْطُ القَتَاد !! فالذي يُثبتُ بمقتضى الرواية الأولى أنَّ الزهريَّ حدثَ بهذا الحديث عن سالمٍ عنِ ابنِ عمرَ ، فهو بذلكَ قدِ احتجَّ بالراوي الضعيفِ في إثباتٍ هذا الإسنادِ لهذا المتنِ . وهذا احتجاجٌ ؛ ليسَ من الاستشهادِ بسبيلٍ . والذي يُثبتُ بمقتضى الروايةِ الثانيةِ ، أنَّ ثابتًا البنانيَّ حدثَ بهذا الحديثِ عن أنسٍ بنِ مالكِ ، فهو أيضًا قد احتجّ بالضعيفِ . نعمْ ؛ لو أنَّ هذينِ الضعيفينِ اتفقا على الإسناد كما اتفقا على المتنِ، فرويا المتنَ بإسنادٍ واحدٍ ، من شيخهما فصاعدًا ، لكانَ لنا معهما شأنٌ آخرُ ، ولاتَّجهَ بنا البحثُ وجهةً أخرى . لأنَّهما - حينئذ - قد اتفقا بالفعلِ ، وتابعَ كلّ منهما الآخرَ على الرواية إسنادًا ومتنًا ، فلم يتفردْ أحدُهما ، لا بالإسنادِ ولا بالمتنِ ، أما أنْ يتفردَ كلّ منهما بإسنادٍ للمتنِ ، ونسمِّي ذلكَ اتفاقًا ؛ فهذا ليسَ بشيءٍ . نَعَمْ؛ إنَّ التَّساهُلَ في اعتبارِ الرواياتِ ، إنَّما يَقِلُّ خطرُهُ ، بل ربَّما ٦٣ المُقَدِّمَةُ يَتَلاشى أثرُهُ، إذَا كانَ الحديثُ لهُ أصلٌ ثابتٌ قائمٌ بنفسِهِ يُرْجَعُ إليهِ . فإنَّ الحديثَ الصحيحَ لذاتِهِ أو الحسنَ لذاتِهِ ليسَ في حاجةٍ إلى شاهد أو متابعٍ يُقَوِّي ثبوتَهُ ، فما جاءَ لهُ من شواهِدَ ومتابعاتٍ غيرِ ناهضةٍ ، ولا معتبرةٍ ، إنْ لم تَنْفِعْهُ لنْ تضرَّهُ . لكنْ؛ إنَّما يجيءُ الضَّررُ، ويُوجدُ الخطرُ، حيثُ لا يكونُ لهذا الحديثِ أصلٌ ثابتٌ يُرْجَعُ إليهِ في بابِهِ ، بلْ كلُّ رواياتِهِ ضعيفةٌ ، تدورُ على الرواة الضُّعفاء ؛ فإنَّ التَّساهُلَ في اعتبارِ رواياتِ مثلِ هذا البابِ ، وعدمِ تمييزٍ ما ضَعْفُهُ محتملٌ ، وما هُو منكرٌ لا يحتملُ ؛ يُفْضي إلى إقحامٍ أحاديثَ منكرةٍ وباطلةٍ في الأحاديثِ الثابتةِ ؛ وهَذا ضررٌ كبيرٌ ، وشرٌّ مستطير. هَذَا؛ وإنَّما تَرَكَّزَتْ عِنَايتي في هذا الكتابِ ببيانِ العللِ التي تَعْتَرِي الشَّوَاهِدَ والمتابعاتِ ، فَتُظْهِر جانبَ الخطٍ فيها ، وترجِّح جانبَ الردِّ لها ، وتحقِّق نكارتَها وشذوذَهَا ؛ فتوجب اطراحَهَا ، وعدمَ الاعتدادِ بها في بابِ الاعتبارِ . ولمْ أتناوَلْ في هَذا الكتابِ مَا يتعلَّقُ بشرائطِ الاعتدادِ بالمتابعَةِ والحكمِ بما تَقْتضيهِ من تقويةِ الحديثِ ، ودفعِ الخطإِ عن راويِهِ . ففرقٌ بَيْنَ إثباتِ المتابعَةِ ، وَبَيْنَ الاعتدادِ بِهَا والحكمِ بما تَقْتَضِهِ . فليسَ كلُّ متابعةٍ ثَبَتَتْ إلى المتابع تصلُحُ لدفْعِ الخطإٍ عن المتابَعِ ، فمثلاً ؛ قدْ تكونُ المتابعةُ مِنْ راوٍ كَذَّبٍ أو متَّهمٍ ، وثبوتُ متابعةِ الكذَّبِ أو ٦٤ المُقَدِّمَةُ المتهم لغيرِهِ ، لا يَكْفي لدفعِ الَوهْمِ عن الغَيْرِ . فثبوتُ المتابعة ؛ يشترطُ لَهُ أمورٌ :. الأوَّلُ: صحَّةُ الإسنادِ إلى المتابع والمتابَعِ (١). الثَّاني : أن تكونَ الروايةُ محفوظةً إليهما ، وليسَ ذلكَ من خَطٍ بعضٍ الرُّواة عَنْهما ، أو عن أحدهما ؛ فتكُون منكرةً لا أصلَ لها (٢). الثَّالثُ : أن يكونَ كلٌّ من المتابع والمتابَع قد سمعَ هَذا الحديثَ من الشَّيخِ الذي اتَّفقا على روايتِهِ عَنْهُ . أما إذَا كانَ أحدهُمَا - أو كلاهُمَا - لم يَسْمع الحديثَ منهُ، فلا تَثْبُتُ هَذه المتابعةُ (٣). فهذِهِ ؛ هي شروطُ إثباتِ المتابَعَةِ ، بصرفِ النَّظرِ عن كونِ هذهِ المتابعة مما تَرْقى إلى التَّقويَةِ ، فيعتدَّ بها في دفعِ الخطإِ عن المتابَع ، أَوْ لا . فهَذا ؛ هو الذي اعتنيتُ بِهِ في هذا الكتابِ خاصةً ، فقدْ أبرزتُ العللَ التي تَعْتَري الشواهدَ والمتابعاتِ ، فتدلُّ على عدمِ ثبوتِهَا من أَصْلِهَا ، أما الشَّواهِدُ الثابتةُ ، والمتابعاتُ المحفوظةُ ، متى يُعْتَدُّ بها في دَفْعِ التَفُرُّدِ ، أو في تَقْوِيَةِ الحديثِ ، ومتى لا يعتدُّ بها ؛ فلمْ أتعرضْ لذلكَ في هَذا الكتابِ ، وإنمَّا هذا له كتابٌ آخرُ . (١) انظر: ((فصل: ثبّت العرشَ .. ثمَّ انقشْ)). (٢) هذا الشرط ؛ يدل عليه أكثر فصول هذا الكتاب . (٣) انظر: ((فصل: التدليس .. والمتابعة))، والفصول التي بعده ، وكذا الفصل الذي قبله . ٦٥ المُقَدِّمَةُ فالمرسلُ - مثلاً - : ما هي شرائطُ تقويتِهِ ؟ وهلْ يشترطُ في مرسِلِه أن يكونَ من كِبَارِ التابعينَ أمْ لا ؟ وهلْ يَتَقَوَّى بالمسندِ الضَّعيفِ أمْ لا ؟ وهل المنقطعُ والمعضلُ مثلُ المرسلِ في ذلكَ أمْ لا ؟ وهل الموقوفُ يقوِّي المرفوعَ الضَّعِيفَ أمْ لا ؟ ومتى تَنْفَعُ متابعةُ سئِ الحفظِ لمثلِهِ ، ومتى لا تَنْفَعُ ؟ وهلْ يتقوَّى الحديثُ بالقياسِ أمْ لا؟ وهل المجهولُ يُعْتَدُّ بمتابعتِهِ أمْ لا ؟ فكلُّ هَذا ، وما كان بسبيلِهِ ، لم أتعرضْ لهُ في هذا الكتابِ ؛ ولعلِّي أُفْرِدُ لَهُ كتابًا خاصًّا . وباللهِ التوفيقُ . هَذا؛ وإنَّ ممَّا أحبُّ أنْ أنّبِّ عليهِ ، هو : أنَّ هذه الرواياتِ التي سُقْتُهَا في أثناءِ فَصولِ هَذا الكتابِ ، كأمثلَةٍ على الأخطاءِ التي يقعُ فيها الرُّوَاةُ ، في الأسانيدِ أو المتونِ ، فَتُفْضِي إلى اطْراحِ هَذَهِ الرِّوايات، وعدمِ الاعتبارِ بِهَا . إنَّ الحكمَ على هَذِهِ الرِّواياتِ بالخطإِ والنَّكارةِ، لا يَسْتُلزِمُ ضَعْفَ المتنِ الذيّ رُوي بهذهِ الأسانيد ؛ لاحتمال أن يكونَ صحيحًا ثابتًا ، ولكنْ مِنْ وجهٍ آخرَ أو وجوه أخرى . فالأحكامُ التي ذكرتُها ، إنَّما تتعلَّقُ بتلكَ الإسانيد فحسبُ ، وهي غيرُ ضارَّةً أصلَ الحديثِ ، إنْ كانَ لَهُ إسنادٌ آخرُ صحيحٌ أو حسنٌ ، أو لهُ من الشَّوَاهِدِ المُعْتَبَرةِ والكَافِيَةِ ، ما يُغْنِي عن هَذا الإسنادِ المنكرِ الخطٍ . ٦٦ المُقَدِّمَةُ واعْلَمْ ! يا أخي الكريمُ - علَّمَكَ الله الخيرَ ، وجعلكَ من أهلِهِ - ، أنَّ ما كتبتُهُ في هذا الكتابِ من بحوثٍ وتحقيقاتِ حولَ هَذا الموضوعِ الهامِّ والخطير ، وما ذكرتُ من أمثلة لأخطاء وقعَ فِيهَا بعضُ الأفاضلِ ؛ لم أَقْصِدْ بِهَا شَخْصًا بعينِهِ ، ولا باحثًا بِذَاتِهِ ؛ بل غايةُ قَصْدي، ونهايةُ هَدَفي : نصيحةُ إخواني المشتغلينَ بهذا العلمِ الشَّرِيفِ ، وصيانتُهُمْ من الوقوعِ في مِثْلِ ما وقعَ فيهِ غيرُهُمْ؛ فإنَّ ((الدِّين النَّصحَة؛ لله ، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمّة المُسْلِمِينَ، وعَامَّتَهِمْ))؛ كما قالَ رسولُ اللهِ وَلِهِ . ولو كانَ في وسعي ، أنْ لا أسمِّي أحدًا ، أو أُشِيرَ إليهِ ؛ لفعلتُ ؛ · لولا الخوفُ من أنْ أُنْسَبَ إلى الادِّعاءِ والتّهويلِ . ولَوْلا آيتانِ في كتابِ اللهِ تعالى ما كتبتُ ما كتبتُ ، ولا سَطَرتُ ما سَطَرَتُ؛ يقول اللهَ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّئَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّعْنُونَ ١٥٩ إِلَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمِ [البقرة: ١٥٩، ١٦٠] . فلا يظنَّنَّ أحدٌ أَنَّني قصدتُ من كتابي هَذا ، أو مِنْ الأمثلَةِ التي ذكرتُها فيه ، التشهيرَ بأصحابِهَا ، أو الانتقاصَ منهُمْ أو من أقدارِهِمْ ، أو أنسبهُم إلى ما لا يَنْبغي أن يُنْسَبَ إليهِ آحادُ النَّاسِ؛ فضلاً عَنْهُمْ، وهُم إمَّا عالمٌ فاضلٌ، وإما باحثٌ مجتهدٌ ، وكلُّهم - فيما نَحْسِبُ وحِسَابُهُمْ على اللهِ - إنَّما يقصدونُ الحقَّ، ويلتمسونَ سبيلَهُ ؛ اللَّهم إلا القليل جدًّا ممَّن عُرف بنُصْرَةِ البِدْعَةِ ومناهَضَةِ السّنّةِ، فهؤلاءِ لم آلُ جُهْدًا في بيانِ حَالِهِمْ ، وكَشْفِ عَوَارِهِمْ . ٦٧ المُقَدِّمَةُ فَلَيْعَلَم من يَبَلِغُ بهِ سوءُ الظَّنِّ بأخيهِ إلى هَذا الحدِّ ، أنني أبرأُ إلى الله عزَّ وجلَّ من ذلكَ كلِّهِ ، وأبرأُ إليهِ سبحانَهُ من كلِّ مَنْ ظَنَّ بي سوءً ، أو نَسَبَ إليَّ مَا أَنَا مِنْهُ بريءٌ . ولْيَحْذَر امرؤ أن يَقِفَ بَيْنَ يَدَيْ أَحْكَمِ الحَاكِمِينَ ، وأعدِل العَادِلينَ ، وقد أتى بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ ، أتى وقَدْ أساءَ الظَّنَّ بأخيهِ ، أو نَسَبَ إليهِ ما ليسَ فِهِ ، فَيُؤْخَذُ مِنْ حسناتِهِ وَتُعْطَى لأخِهِ، فإنْ فَنِيَّتْ حسنَاتُهُ قَبْلَ أنْ يَقْضِيَ مَا عليهِ ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُ ، فطُرِحَتَّ عليهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ، نَعوذُ باللهِ مِنْ دَارِ البَوارِ . فإِيَّاكُمْ والظَّنَّ ؛ فإنْ الظَّنَّ أكذبُ الحديثِ ، وإنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ، نَعوذُ بالله من حالَةٍ تُقَرِّبنا إلى سخطِهِ ، وأليمٍ عَذَابِهِ . وقَوْلي في ذَلِكَ ؛ ما قالَهُ الحافظُ الخطيبُ البغداديُّ - رحمهُ اللهُ تعالى - في كتابِهِ العظيمِ ((مُوضح أَوْهَامِ الجَمْعِ والتَّفريقِ)) (١) ، الذي أفردَهُ لبيانِ خَطٍ من أخطأُ فِي هَذا البَابِ ممِّن تقدَّمَهُ . قالَ الخطيبُ : ((ولعلَّ بعضَ مَنْ يَنْظِرَ فيمَا سَطَرَنَاهُ، ويقفُ على ما لكتابنَا هَذا ضمَّنَّاهُ؛ يُلْحِقُ سَيِّنَ الظَّنِّ بِنَا، ويرى أنَّا عَمِدْنا إلى الطَّعْنِ على مَنْ تقَدَّمَنَا ، وإِظْهَارِ العَيْبِ لكبراءِ شيوخِنَا وعُلَماءِ سَلَفِنَا ؛ وأَنَّى يكونُ ذلكَ ؟! وبِهِمْ ذُكرِنَا، وبشُعَاعِ ضِيَائِهِمْ تَبْصَّرْنَا، وباقْتِفَائِنَا واضِحَ رُسومِهِمْ تميِّزْنَا ، وبسُلوك سبيلِهِمْ عن الهَمَجِ تحيَّزْنَا، وَمَا مَثَلُهُمَّ، ومَثَلُنَا إلا ما ذَكَرَ أبو عمرو بنِ العَلاءِ ؛ قالَ ((ما نَحْنُ فِيمَنْ مَضَى إلا كَبَقْلٍ في (١) (الموضح)» (٥/١-٦). ٦٨ المُقَدِّمَةُ أُصُولِ نَخْلِ طِوَالٍ » . ولمَّا جَعَلَ اللهُ تعالى في الخَلْقِ أَعْلامًا، ونَصَبَ لِكُلِّ قَوْمٍ إِمَامًا ؛ لَزِمَ المُهْتَدِينَ بِمُبِينٍ أَنْوارِهِمْ، والقَائمينَ بالحقِّ في اقتِفَاءِ آثارِهِمْ ، ممّنْ رُزِقَ الْبَحْثَ والفَهْمَ، وإِنْعَامَ النَّظَرِ في العِلْمِ = بَيَانَ ما أَهْمَلُوا ، وتَسْدِيدَ ما أَغَفَلُوا . إذْ لم يكُونُوا مَعْصُومِينَ مِنْ الزَّلَلِ ، ولا آمِنِينَ مِنْ مُقَارَفَةِ الخَطَإِ والخَطَلِ، وذَلكَ حَقُّ العَالَمِ عَلَى المُتَعَلِّمِ ، ووَاجِبٌ عَلَى التَّالي للمتَقَدِّمِ)) اهـ . ولَسْتُ أدَّعي لِنَفْسِي عِصْمَةً مِنَ الزََّلِ، ولا أَمْنَا مِنْ مُقَارَفَةِ الخَطْإِ والخَطَلِ ، فحقٌّ واجبٌ على مَنْ وَقَفَ على خَطإ، أو وَقَعَتْ عَيْنُهُ عَلى وَهُم، أَوْ أَدَّاهُ اجتهادُهُ ونظرُهُ إلى مَا فِيهِ مخالفةٌ لي ، أنْ يَبْذُلَ لي النَّصِيحَةَ، مُدَعَّمَةٌ بالحُجَّةِ القَويَّةِ، ومُقَدَّمَةً بالأسَالِيبِ السَّيَّةِ ، وبالطَّرِيقَةِ المَرْضِيَّةِ . وإنِّي - إنْ شاءَ اللهُ تعالى - مُرَحِّبُ بكلِّ ملاحظةٍ ونقدٍ ، يَصْدُرُ عَنْ روِيَّةٍ ونَظَرٍ ، وليسَ عَنْ تعصُّبٍ وهَوَى، وراجعٌ عن كلِّ خَطٍَ وقعتُ فِيهِ ، فِي حَيَاتِي وبَعْدَ مَمَاتي . والله مِنْ وَرَاءِ القصْدِ . والحمدُ لله أوَّلاً وآخراً، وظاهرًا وباطنًا، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى عَبْده المُصْطَفى ورسُولِه المُجْتَبى، وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ ، وَمَنْ تَابَعَهُمْ رِقَةَ بِحْسَانِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ . وكتب أبو معاذ طارق بن عوض الله بن محمد : لا تَقْنَعْ بِالْيَسِيرِ .. وَلا تَغْتَرَّ بِالكَثِيرِ إِنَّ الأسانيدَ هي عَصَبُ هَذا العلمِ ، فبها يُعرف الحديثُ ، وعليها يُعتمد في معرفةِ صحَّتَّه من ضَعْفِهِ ، وعلى ضَوْئها تُعتبر الرِّواياتُ ، ويُعرف مدى تفرُّدِ الرََّوي من مُوَفقته لغيرِهِ ، أو مُخَالفتِهِ . وكلَّما أكثرَ الباحثُ من تتبّع الأسانيدِ في الجوامعِ والمسانيدِ والأجزاءِ الحديثيّة ، كلَّما كانَ بحثُه أخصبَ وأنضجَ ، وأقربَ ما يكون إلى الصَّواب. فربّما كانَ إسنادٌ فيه ضعفٌ ، فمن اقتنعَ به ، ولم يَسْتوعبِ البحثَ عن غيرِهِ ، فَلَرُبَّما كان للحديثِ إسنادٌ آخرُ صحيحٌ ، أو يَشْهِدُ للأول ويدلُّ على حفظ الراوي له . ولربَّما كان إسنادٌ ظاهرٌهُ الصِّحةُ ، فمن اقتنعَ به ، واكتفَى به ، ولم يَسْتوعبِ البحثَ عن غيرِهِ ، فَلَرُبَّما كانَ للحديث إسنادٌ آخرُ يُعلُّ ذاكَ الأولَ، ويدلُّ على خطإِ الرَّاوي في الحديثِ . ولهذا ؛ تَتَابعتْ أقوالُ أهلِ العلم على أهميَّةِ جمع الطّرق ، واستفراغ الجَهْد في ذلك ، وعدمِ الاكتفاءِ بالقليلِ منها . قال عبدُ الله بن المباركِ(١) : ((إِذَا أردتَ أنْ يَصحَّ لكَ الحديثُ، فاضْرِبْ بَعْضَه ببعضٍ)). (١) ((الجامع)) للخطيب (٢٩٦/٢). ٧٠ لا تَقْتَعْ بِالَيَسِيرِ .. وَلَا تَغْتَرَّ بِالكَثِير وقال عليّ بن المدينيّ(١): ((البابُ إذَا لم تَجْتُمِعْ طُرُّقُه ، لم يتبَّنْ خَطؤه)). وقال الخطيبُ البغداديُ (٢): (والسَِّيلُ إلى معرفةٍ علَّةِ الحديثِ: أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ طُرِقِهِ ، ويُنْظَرَ فِي اختلافِ رُوَته ، ويُعْتَبَرَّ بمكانِهِمْ من الحفظِ ، ومَنْزِلِهِمْ في الإتقانِ والضَّبط)). وقال الحاكمُ أبو عبد اللَّه(٣). ((إنَّ الصحيحَ لا يُعرفُ بروايته فَقَطْ، وإنما يُعرف بالفهمِ والحفظِ وكثرةِ السماعِ ، وليسَ لهذا النَّوعِ من العلمِ عَوْنٌ أكثرُ من مَذَاكرةِ أهلِ العلمِ والمَعْرفةِ ؛ ليظهرَ ما يَخْفِى مِن علَّةِ الحديثِ)). ويقولُ الإمامُ ابن رجب الحنبليُّ (٤): ((ولابدَّ في هذا العلمِ من طُولِ المُمَارسةِ ، وكَثْرةِ المذاكرةِ ، فإذَا عدمَ المُذَاكرة به ، فليُكْثِرْ طالبُهُ المُطَالعَةَ في كلامِ الأئمةِ العارفينَ ؛ كيحيى القطَّن، ومَنْ تلقَّى عنه كأحمدَ وابن المدينيِّ وغيرهِما ؛ فمنْ رُزِقَ مطالعةً ذلكَ وفَهْمَه ، وفَقُهَتْ نَفْسُهُ فيه، وصَارتْ لِه فيه قوةُ نَفَسٍ ومَلَكَةٌ، صَلَح له أن يتكلّم فيهِ » . (١) ((مقدمة)) ابن الصلاح (ص ١١٧). (٢) ((الجامع)) (٢٩٥/٢). (٣) ((معرفة علوم الحديث)) (ص ٥٩ - ٦٠). (٤) ((شرح العلل)) (٢ / ٦٦٤). ٧١ لا تَقْنَعْ بِالَيَسِيرِ .. وَلَا تَغْتَرَّ بِالكَثِير وكانَ الإمامُ أحمدُ - عليه رحمةُ اللَّه - يُنْكر على مَنْ لا يكتبُ من الحديث إلا المتصلَ ، ويدعُ كتابة المراسيلِ ، ويعلِّلُ ذلكَ ؛ بأنَّه ربَّما كانَ المرسلُّ أصحَّ من حيثُ الإسنادُ ، فيكون علَّةَ للمتصلِ ، فالذي لا يكتبُ المراسيلَ تَخْفى عليه عللُ الأحاديثِ . قال الميمونيُ (١): تعجّب إليَّ أبو عبد اللَّه - يعني: أحمدَ بن حنبل - ممَّن يكتبُ الإسنادَ ، ويدعُ المنقطعَ، ثم قالَ : وربَّما كان المنقطعُ أَقْوى إسنادًا وأكبرَ . قلتُ : بَيِّنْه لي ؛ كيفَ ؟ قال : تكتبُ الإسنادَ متصلاً ، وهو ضعيفٌ ؛ ويكونُ المنقطعُ أَقْوى إسنادًا منه ؛ وهو يَرْفعه ثم يُسْنده(٢)، وقد كَتَبه هو على أنه متّصلٌ ، وهو يَزْعُمْ أَنَّه لا يُكْتَبُ إلا ما جَاء عن النبيِّ ◌َِّهِ. قال الميمونيُّ : معناهُ: لو كَتَبَ الإسنادَيْنِ جَميعًا ، عَرَفَ المتصلَ من المنقطعِ ؛ يَعْنِي : ضَعْفَ ذَا، وقُوَّةَ ذَا. اهـ. ويَنْدرج تَحْتَ هَذا : كِتَابةُ الموقوفِ ؛ فَقَد يكونُ الحديثُ ممَّا اختلفَ فيه الرُّواةُ، رَفَعَه بعضُهم، وأَوْقَفَه البعضُ الآخرُ ، ويكونُ الصَّوَابَ الوقفُ ، فالذي لا يكتبُ إلا المرفوعَ ، تَخْفى عليه عِلَّتُه. وبهذا ؛ نُدْرك القُصُورَ البالغَ في الفهارسِ المُتَداوَلَة للأحاديث النَّبويَّة، والتي كَثُرتْ جِدًّا في الآونةِ الآخيرةِ ، حيثُ إنَّ أكثَرَ صانعي هذهِ الفهارسِ لا يَعْتَنُون إلا بفَهْرَسَة المرفوعاتِ فَحَسب، وهي المنسوبةُ إلى رسول اللَّهِ وَه (١) «الجامع)) للخطيب (١٩١/٢). (٢) يعني - والله أعلم - الراوي الضعيف راوي المتصل. ٧٢ لا تَقْنَعْ بِالْيَسِيرِ .. وَلَا تَغْتَرَّ بالكَثِيرِ صَرَاحةً ، وبهذا يفوِّتُون على الباحث الوقوفَ على المَوْقوفاتِ ، التي ربّما يُعَلُّ بها المرفوعُ . وبَعْض هذه المَوْقوفاتِ ، مما هو في حكم الرَّفع ؛ لأنَّه مما لا يُقال بالرَّأْي ، فلا تُسْعِفُ تلك الفهارسُ أو أكثرها في الوقوفِ على مثلِ هذا ، أو مَا كَان بِسَبیلِهِ. فلا يَنْبغي لطالبِ العلمِ أن يَعْتمدَ على هذِهِ الفهارسِ اعتمادًا كليًّا ، بل عليه أن يفتِّش بنفسِه عن الحديثِ في مظانِّه من كُتب العلم ، حتَّى يَتَنَّى له معرفةُ طرقِه وأسانيدِهِ ، وأقوالِ أهلِ العلمِ عليه . هَذا؛ وكتابةُ المراسيلِ والموقوفاتِ ، كما أنَّها تُفيد في معرفةٍ علَّةِ الحديثِ ، فهي أيضًا تُفيد في تَقْوية الحديث ، حيثُ تكونُ مختلفةَ المخرجِ عن الموصول أو الموقوف ، وقد رأى أهلُ العلم صحةَ الحديث مَرْفوعًا ومَوْقوفًا ، أو مَوْصولاً ومُرْسلاً ؛ فإن تعدَّد الأسانيد للحديث الواحد يقوِّي بَعْضُها بعضًا ، ويَشْهَد بعضُها لبعض . وإذَا كانَ أئمةُ الحديث - عليهم رحمة اللَّه - قد حثُّوا طلابَ العلم على التَّوسَّعِ في الكتابةِ ، وجمع الأسانيدِ ؛ لإدراك العلَّةِ ، أو لتقويةٍ بَعْضها ببعضٍ ، فَقَدْ حذَّروا غايةَ التَّحَذِيرِ من الاغترارِ بالشَّوَاذِ والمناكيرِ التي أخطأ فيها الرُّواة الثقاتُ أو الضُّعفاءُ ؛ فإنَّها كثرةٌ لا تَنْفِعُ الحديثَ ، ولا تُفيدُهُ ؛ لا في الإعلال؛ إذ الشَّواذُّ والمناكير لا يُعَلُّ بها غيرُها ، بلْ هي معلولة بغيرِها، ولا في التَّقْوية؛ إذ الشَّواذُّ والمناكير لا تُقَوِّي غيرها ولا تتقوى بغيرِها . قالَ الإمامُ شعبةُ (١): (( لا يَجِيتُكَ الحديثُ الشَّاذُّ، إلا مِنَ الرَّجلِ الشَّاذِ». (١) ((الكفاية)) (ص٢٢٤ - ٢٢٥)، وكذا الأقوال الآتية. ٧٣ لا تَقْنَعْ بِالْيَسِيرِ .. وَلَا تَغْتَرَّبِالكَثِيرِ وقالَ ابن مهديٌّ (١) : ((لا يكونُ إمامًا في الحديثِ من يَتْبَعُ شَواذَّ الحديث)). وقالَ الإمامُ أحمدُ : (( شَرُّ الحديث الغرائبُ، التي لا يُعْمَلُ بها ، ولا يُعْتَمدُ عَلَيْها )) وقالَ أيضًا : ((لا تَكْتُبُوا هذه الأحاديثَ الغرائبَ ؛ فإنَّها مناكيرُ ، وعامّتُها عن الضُّعفاءِ » . وكانَ يقولُ : ((إِذَا سمعتَ أصحابَ الحديث يقولُون: هذا حديثٌ ((غريبٌ)) ، أو ((فائدةٌ))، فاعلمْ أنَّه خطأُ، أو دَخَلَ حديثٌ في حديثٍ ، أو خطأٌ من المحدِّث، أو حديثٌ ليسَ له إسنادٌ ، وإنْ كانَ قَدْ روى شعبةٌ وسفیانُ ... )) ولمَّا سُئل الإمامُ أحمدُ عن حديثِ أبِي كُرَيْبٍ ، عن أبي أسامةَ ، عن بُريدِ بن عبد الله بن أبي بُرْدة ، عن جَدِّ، عن أبيه أبي موسى الأشعريِّ - مرفوعًا - : ((المؤمن يأكلُ في معَّى واحدٍ ، والكافرُ يَأكل في سَبْعَةٍ أمعاء)). قال الإمامُ أحمدُ (٢): (يَطْلُبُونَ حَدِيثًا من ثَلاثينَ وَجْهًا، أَحاديثَ ضَعيفة! وَجعَل يُنْكِرِ طَلَبَ الطَّرق نحو هَذا. قالَ: هَذا شيءٌ لا تَنْتَفِعونَ بِهِ))؛ أَوْ نَحوَ هَذا الكلامِ . (١) ((الجرح والتعديل)) (٣٦/١/١). (٢) ((مسائل أبي داود)) (ص ٢٨٢). ٧٤ لا تَقْنَعْ بِالَيَسِيرِ .. وَلَا تَغْتَرَّ بِالكَثِيرِ ولمَ يَكُن الإمامُ أحمدُ - عليه رحمة الله - ينكرُ تَطَلُّبَ الطرقِ المستقيمةِ المحفوظة ، كيفَ ؟! وقد سَبَقَ عنه حثَّه على كتابةِ المراسيلِ وعدم الاكتفاء بالموصولات ، وإنَّما كانَ إنكارُه هاهنا على من يَكْتُبُ المنَاكِيرَ والشَّواذَّ التي أخطأ فيها الرُّواةُ ، ولو كانوا من الثقاتِ . ولهذا؛ علَّق الإمامُ ابن رجب الحنبليُّ على كلامِ أحمدَ هَذا؛ بقولِهِ (١): ((وإنَّما كَرهَ أحمدُ تَطَلُّبَ الطرقِ الغَريبةِ الشَّاذَّةِ المُنْكرة، وأَمَّا الطُّرِقُ الصَّحيحةُ المحفوظةُ ؛ فإنَّه كانَ يحثُّ على طلبها )). وفي مِثْل هذا ؛ يقولُ الخطيبُ البغداديُّ (٢): ((أكثرُ طَالبي الحديثِ في هذا الزَّمانِ، يَغْلُبُ على إِرادتهمْ كَتْبُ الغَريبِ دونَ المَشْهُورِ ، وسماعُ المنكرِ دون المعروفِ ، والاشتغالُ بما وقعَ فيه السَّهو والخطأُ من رواياتِ المَجْرُوحِين والضُّعفاءِ ، حتَّى لقدْ صارَ الصَّحِيحُ عندَ أكثرهِم مُجْتَنَبًا ، والثَّابتُ مَصْدُوفًا عَنْه مُطَّرِحًا ، وذلكَ كلُّه لعدمٍ مَعْرفتهِم بأحوالِ الرُّواةِ ومحلِّهمْ، ونُقْصَانِ عِلْمِهِمْ بالتَّمييزِ ، ورُهْدِهمْ في تَعَلُّمِهِ ؛ وهذا خلافُ مَا كانَ عَلَيْهِ الأئمةُ من المُحدثين والأعلامُ من أَسْلافنا المَاضِين)). وعلَّق عليه الحافظُ ابن رجب الحنبليُّ ؛ قائلاً (٣): ((وهَذا الذي ذكرهُ الخطيبُ حقٌّ، ونجدُ كثيرًا ممَّن يَنْتسبُ إلى (١) ((شرح العلل)) (٦٤٥/٢). (٢) ((الكفاية)) (ص ٢٢٤) . (٣) ((شرح علل الترمذي)) (٦٢٤/٢) . 4 ٧٥ لا تَقْتَعْ بِاليَسِيرِ .. وَلَا تَغْتَرَّ بالكثير الحديثِ لا يَعْتني بالأصُولِ الصِّحاحِ كالكُتْبِ السِّنَّةِ ونحوها (١)، ويَعْتني بالأجزاءِ الغريبةِ، وبمثل ((مُسند البَزَّارِ)) و ((مَعَاجمِ الطبرانيِ)) و ((أفرادِ الدار قطنيٍ)، وهي مَجْمَع الغرائبِ والمَنَاكيرِ)). هَذا ؛ وقد جاء عن كثيرٍ من علماءِ السلفِ إطلاقُ ذمِّ الإكثارِ من الحديث ؛ ومعلومٌ أنَّ السلفَ - عليهم رحمةُ الله ورضوانُهُ - لا يمكنُ أنْ يذمُّوا الإكثارَ من روايةِ الأحاديثِ الصحيحةِ المحفوظةِ ، فَعُلَمَ بذلكَ أنَّهم ما أرادُوا إلا الأحاديثَ الشاذَّةَ والمنكرةَ، التي أخطأَ فيها الرواةُ . وقد بين ذلكَ الإمامُ الخطيبُ البغداديُّ - عليه رحمةُ الله - وشرحَ مقالاتِ هؤلاءِ الأئمةِ من علماءِ السلفِ على نحوٍ ما ذكرتُ . فقد روى في كتابِهِ « شرفُ أصحابِ الحديثِ )) (٢)، عن الإمامِ سفيانَ الثوريِّ ، أَنَّه قالَ : (( لو كانَ هَذا من الخيرِ؛ لنقصَ كما ينقصُ الخيرُ)) - يعني: الحديثَ. ويلفظ آخرَ : ((أَرى كلَّ شيءٍ مَنْ أنواعِ الخيرِ ينقصُ ، وهَذا الحديث إلى زيادة ؛ فأظنُّ أَنَّه لو كانَ مِنْ أسبابِ الخيرِ لنقصَ أيضًا )). ثُمَّ قالَ الخطيبُ (٣): ((إنَّ الثوريَّ؛ عَنَى بقولِهِ الذي تقَّدمَ ذكرنَا له : غرائبَ الأحاديث (١) اعلم ؛ أن صحة الأصول لا تستلزم صحة الأحاديث، ولهذا تجوَّز كثير من أهل العلم في إطلاق اسم الصحة على الكتب الستة ؛ فتنبه . (٢) (ص١٢٣) . (٣) (ص ١٢٥) . ٧٦ لا تَقْنَعْ بِالْيَسِيرِ .. وَلَا تَغْتَرَّ بِالكَثِير ومناكيرَهَا، دوَنْ مَعْروفِهَا ومَشْهورِهَا؛ لأنَّ الأخبارَ الشَّاذَّةَ والأحاديثَ المنكرةَ أكثرُ منْ أن تُحْصَى ، فرأَى الثوريُّ أنْ لا خَيَر فيها ؛ إِذْ روايةُ الثقات بخلافها ، وعملُ الفقهاء على ضدِّها ، وقد وردَ عن جماعة من العلماءِ سوى الثوريِّ - كراهةُ الاشتغالِ بها ، وذَهَابِ الأَوْقَاتِ فِي طَلَبِهَا)). ثم أسنَدَ بعضَ هذه الرواياتِ؛ كمثلِ قولِ النَّخَعيِّ: «كانوا يكرهونَ غريبَ الكلامِ، وغريبَ الحديثِ)) (١)، وقولِ أحمدَ: ((تركُوا الحديثَ وأقبلُوا على الغرائبِ ؛ ما أَقَلَّ الفقهَ فيهم)). ثُمَّ قالَ الخطيبُ : ((وليسَ يجوزُ الظَّنُّ بالثوريِّ، أَنَّه قَصَدَ بقولهِ الذي ذكرناهُ: صحاحَ الأحاديث ، ومعروفَ السَّنَنِ ، وكيفَ يجوزُ ذلكَ ، وهو القائلُ : (( أكثروا من الأحاديثِ ؛ فإنها سلاحٌ )). ثم ذكر عن الثوريِّ مقالاتٍ أخرى في هذا المعنى ، ثمَّ رَوَى : عنْ عبد اللهِ بنِ إدريسَ ، أَنَّه قالَ : ((كُنَّا نقولُ : الإكثارُ من الحديث جنونٌ )). وعن مالك ، أنَّه قالَ : (( ما أكثَر أحدٌ مِنَ الحديثِ فَأَنْجَحَ )). وعن عبد الرَّزَّاق ، أنَّه قالَ : ((كُنَّا نظنُّ أنَّ كثرةَ الحديثِ خيرٌ ، فإذا هو شرٌّ كلُّهُ ». (١) سيأتي قريبًا في فصل: ((التنقية .. قبل التقوية)). لا تَقْنَعْ بِالْيَسِيرِ .. وَلَا تَغْتَرَّ بِالكَثِيرِ ثُمَّ قالَ الخطيبُ (١) : ((وهَذا الكلامُ ؛ كلُّه قريبٌ من كلامِ الثوريِّ، في ذمِّ شواذٌ الحديث، والمَعْنى فيهما سواءٌ ، إنَّما كرهَ مالكٌ وابن إدريسَ وغيرُهُمَا : الإكثارَ مِنْ طلبِ الأسانيدِ الغريبةِ والطُّرقِ المستنكرة ؛ كأسانيد ((حديث الطائرِ))، وطرقِ ((حديث المغْفَرَ))، و((غُسْلِ الجُمُعةِ))، و((قَبْضِ العلمِ)) ، و ((إنَّ هَذه الدَّرجات))، و(َمَنْ كَذَبَ عليّ)، و((لا نِكَاحَ إلا بوليِّ)، وغيرِ ذلكَ مما يَتَتَبَّعُ أصحابُ الحديثِ طُرُّقَهُ ، وَيُعْنَوْنَ بَجْمعِهِ ؛ والصحيحُ من طُرقِهِ أقلُّها . وأكثرُ مَنْ يجمعُ ذلكَ الأحداثُ مِنْهُمْ ، فيتحفَّظُونها ويُذَاكرونَ بها ؛ ولعلَّ أحَدَهُمْ لا يعرفُ من الصحاحِ حديثًا، وتراهُ يَذْكُرُ من الطُّرقِ الغريبةِ والأسانيدِ العجيبةِ ، التي أكْثَرُهَا موضوعٌ ، وجُلُّهَا مصنوعٌ ، ما لا يُنْتَفَعُ بِهِ، وقد أَذْهَبَ من عُمُرِهِ جُزْءًا في طَلَبِهِ . وهذه العِلَّةُ ؛ هي التي اقتطعتْ أكثرَ مَنْ فِي عَصْرِنا من طَلَبَةِ الحديثِ عن التَّفَقُّهِ بِهِ ، واستنباطِ ما فيه مِنَ الأحكامِ ؛ وقد فَعَل مُتَفَقِّهَةُ زماننا كفعلهِمْ ، وسَلَكُوا في ذلكَ سبيلَهُمْ، وَرَغِبُوا عن سماعِ السُّنَنِ من المحدِِّينَ ، وشَغَلُوا أنفسهُمْ بتصَانِيفِ المتكلِّمِينَ ؛ فكلا الطَّائفتينِ ضَيَّعَ مَا يَعْنيهِ ، وأقبلَ على ما لا فائدةً له فيه )) اهـ . ن (١) (ص١٢٩ - ١٣٠) . المُنْكَرُ .. أَبَدًا مُنْكَرٌ عمرو إِنَّ كَثِيرًاً من المُشْتَغلين بالحديث ، يتكلَّفُونَ غَالبًا الرَّبِطَ بينَ حَالٍ الرَّاوي وحَالِ رِوَايِتِهِ ، ويُعلِّقُون الحكمَ على الرِّوايةِ بالحكم عليه . فالرََّوي الثِّقة عندهمْ حديثُهُ صحيحٌ أبدًا، والرَّاوي الصَّدوقُ حديثُهُ حسنٌ لا غيرَ ، والرَّوي الضَّعِيفُ حديثُهُ ضعيفٌ ، منجبرٌ بغيرِه ولابدَّ، والرَّاوي الكذَّبُ حديثُهُ موضوعٌ ساقطٌ بمرةٍ . هكذا !! دُونما نَظرٍ في الرِّوايةِ، وتَأمُّلٍ للعِلَلِ الأُخْرَى التي تَعْتَرِي الرِّواياتِ، فَتَسْتَلزم الحكمَ عَلَيْها بالشَّذُوذِ والنَّكارةِ ، بِصَرْفِ النَّظرِ عن حالٍ الرَّاوي . فإنَّ الحديثَ الذي ثبتَ شذُوذُهُ حديثٌ مردودٌ ، ساقطٌ بمرة ، لا يصلُحُ للاحتجاجٍ ولا للاعتبارِ ، مَهْمَا كانَ راويه في الأصل ثقةً أو صدوقًا؛ لأنَّهِ قَدْ ثَبَتَ أنَّ هَذا الحديثَ بعينه قَدْ أَخْطَأَ فيه هَذا الثِّقةُ ، ولا يُعْقَلُ أنْ يُحتجَّ أو يُعتبرَ بحديث قد تُحُقِّقَ من خَطئه؛ فإنَّه - والحالةُ هَذه - لا وجودَ له في الواقعِ ، إلا في ذِهْنٍ وتَخَيُّلِ ذاكَ الراوي الثقة الذي أخطأً فيه . وكذلكَ الحديثُ المنكرُ ، مثلُ الحديث الشاذِّ ، بل أَوْلى (١)؛ لا يصلُحُ للاحتجاجٍ ولا للاعتبار، مَهْما كان راويه سَالمًا من الضَّعْفِ الشَّديدِ، غيرَ مُتَّهمٍ بکذب أو فسقٍ . (١) هذا؛ على قول من يرى المغايرة بينهما، وهو اختلافٌ لفظي؛ فهما في الحكم سواءٌ، فالشاذ والمنكر هو ما ترجح خطؤه ، بصرف النظر عن حال المخطئ فيه . ٧٩ المُنْكَرُّ .. أَبَدًا مُنْكَرٌ وهذا أمرٌ معروفٌ عند أهلِ العلمِ ، لا يُعْلَم بينهمْ فيه اختلافٌ ، بل قد نصُّوا عَلَيْه ، وحذَّروا من الغَفْلةِ عَنْه . يقولُ الإمامُ الترمذيّ في تعريفِهِ للحديثِ الحسنِ الذي أكثرَ منه في ((جَامعه))، يقولُ (١): ((ومَا ذَكَرْنَا في هَذا الكتابِ ((حديثٌ حسنٌ))؛ فإنَّمَا أَرَدْنَا بِه حُسْنَ إسناده عنْدنَا : كلُّ حديث يُرْوَى ، لا يكونُ في إسناده مَنْ يَتَّهمُ بالكذب ، ولا يكونُ الحَديثُ شَاذًّا، ويُرَّوَى مِن غَيْرِ وَجْهِ نحوُ ذاكَ ، فهو عِندْنا حديثٌ حسنٌ). فإذَا كان الترمذيُّ يشترطُ في الحديثِ لكي يصلُحَ لأن يعتضدَ بغيرِهِ : أن لا يكونَ في إسنادِهِ متهمٌ بالكذب ، وأن لا يكونَ شَاذًّا، أَدْرَكْنا أنَّ الحديثَ الشاذَّ لا يصلُحُ لأنْ يَعْتَضِدَ بتعدُّدِ الطُرقِ ، كما أنَّ الذي فيه مُتَّهمٌ لا يصلُحُ لذلكَ ، ولا تَنْفعه الطُّرق المتعددةُ . وبنحوِ ذلكَ ؛ صرَّح ابنُ الصَّلاحِ ، فقال(٢): ((ليسَ كلُّ ضَعْفِ في الحديثِ يَزُولُ بمجيئه من وجوهِ ، بل ذلكَ يَتَفَاوتُ ، فمِنْ ضعفٍ يُزِيلُهُ ذلكَ ... ومِنْ ذلكَ ضعفٌ لاَ يَزُولُ بنحوٍ ذلكَ ؛ لقوَّةَ الضَّعفِ، وتَقَاعُدِ هَذا الجابرِ عن جَبْرِهِ ومُقَاومته، وذلكَ كالضَّعَفِ الذي يَنْشَأُ مِن كَوْنِ الرََّوي مُتَّهَمَا بالكذبِ ، أو كَوْن الحديث شَاذًّا ... )). ومثْلُهُ ؛ قولُ الحافظ العراقيِّ في ((الألفيَّة)): (١) ((العلل)) في آخر ((الجامع)) (٧٥٨/٥) . (٢) في ((علوم الحديث)) (ص ٥٠) . ٨٠ المُنْكَرُ .. أَبَدًا مُنْكَرٌ وَإِنْ يَكُنْ لِكَذِبِ أَوْ شَذَّا أَوْ قَوِيَ الضَّعْفُ؛ فَلَمْ يُجْبَرْ ذَا وقالَ المرُّوذيُّ (١). ((ذَكر - يعني: أحمدَ بن حنبل - الفَوَائدَ ، فقالَ : الحديثُ عن الضَّعفاءِ قد يُحتاجُ إليه في وَقْتِ ، والمُنْكَرُ أَبَدًا مُنكَرِّ)» . قلتُ: ومَعْنى هذا: أنَّ الرَّاوي الضَّعِيفَ إِذَا رَوَى حَدِيثًا غيرَ مُنْكَرٍ ، فإِنَّه يُسْتَفَادُ بِروَايته تلكَ في بابِ الاعتبارِ ، أمَّا إِذَا جَاءَ المنكرُ - من الضَّعيف أو الثقة - ، فإنَّه لا يُلْتَفتُ إليه، ولا يعرَّجُ عليه، لأنَّه قد تُحقِّق من وُقُوع الخطإ فيه . وقال الإمامُ أبو داودَ (٢) : ((لا يُحتجُّ بحديثٍ غريبٍ ، ولو كانَ من روايةِ مالك ويحيى بن سعيد ، والثِّقاتِ من أئمةِ العلمِ ، ولو احتج رجلٌ بحديثٍ غريبٍ ، وجدتَ من يطعنُ فيه ، ولا يُحتجّ بالحديث الذي احتجَّ به إذَا كَانَ الحديثُ غَريبًا شَاذًّا)) . وقد ذكَرَ الشَّيِخُ الألبانيُّ - حفظه اللَّه تعالى - في كتابه ((صَلاة التَّراويح)) حَدِيثًا خَالفَ فيه ثقةٌ غَيْرَهُ ممِّن هُمْ أوثقُ منه، وأكثرُ عددًا ؛ ثم قال(٣): ((ومن المقرَّرِ، في علم ((مُصْطَلح الحديثِ))، أنَّ الشَّاذَّ منكرٌ مردودٌ ؛ (١) ((العلل)) (ص ٢٨٧)، وكذا حكاه عن أحمد إسحاق بن هانئ في ((مسائله)) (١٩٢٥) (١٩٢٦) . (٢) في ((رسالته إلى أهل مكة)) (ص ٢٩). (٣) ((صلاة التراويح)) (ص ٥٧) .