Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
المُقَدِّمَةُ
فقلتُ : كذبٌ ، والله الذي لا إلهَ إلا هُو .
فذهبَ ، ثمَّ لَقِينِي بَعْدُ ، فقالَ : ما وجدتُ لهُ عنْدِي أَصْلاً؛ فرجَعَ عنهُ !!
وكانَ رواةُ الحديث يعرفونَ شأنَ نُقَّادِهِ ، ويقدرُونَهُمْ قَدْرَهُمْ ،
ويُنْزِلُونَهُمْ مَنْزِلَتَهُمْ، فكانُّوا يَرْجِعونَ إليهِمْ وَيَسْأَلُونَهُمْ عن أحوالِ أنفسهِمْ
وأحاديثِهمْ، وإذَا بَيَّنوا لهمْ الخطأ رجعُوا عَنْه، ولم يحدُِّوا بِهِ بَعْدُ .
فكلُّ راوٍ من الرُّواةِ كانَ يعلمُ أنَّ نقادَ الحديثِ وَجهاِذَتَهُ أعلمُ بحديثِهِ:
صَحِيحِهِ وسَقِيمِهِ، مَحْفُوظِهِ ومُنْكِهِ ؛ وأعلمُ بحالِهِ : ثقتِهِ وضَعْفِهِ؛ منْ
نَفْسِهِ التِي بَيْنَ جَنْهِ .
قالَ ابنُ معينٍ (١) :
قالَ لي إسماعيلُ بنُ عُلَيَّةَ يومًا : كيفَ حَدِيثِي ؟!
قلتُ : أنتَ مستقيمُ الحديثِ .
فقالَ لي : وكيفَ علمتمْ ذاكَ ؟!
قلتُ له : عَرَضْنَا بها أحاديثَ الناسِ ، فرأيناها مستقيمةً .
فقالَ : الحمدُ للهِ ، فلمَ يزَلْ يقولُ : الحمدُ للهِ ، ويَحْمَدُ ربَّهُ ،
حتى دَخَلَ دارَ بِشر بنِ معروفٍ - أو قالَ : دار أبي البَخْتَرِيِّ - ، وأنَا مَعَهُ !!
وقالَ ابنُ أبي حاتمٍ (٧) :
رأيتُ في كتابٍ ؛ كتبَهُ عبدُ الرحمنِ بنُ عمرَ الأصبهانيُّ المعروفُ
(١) ((سؤالات ابن محرز)) (٣٩/٢).
(٢) ((تقدمة الجرح والتعديل)) (ص٣٣٦).

٢٢
المُقَدِّمَةُ
بـ((رُسْتَه))؛ من أصبهانَ ، إلى أبي زرعةَ - بخطِّهِ - : وإنِّي كنتُ رَوَيْتُ
عندكُمْ عن ابن مهديٍّ ، عن سفيانَ ، عن الأعمشِ ، عن أبي صالحٍ ، عن
أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّةِ، أَنَّه قال: ((أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ؛ فإنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ
فَيْحِ جَهَنَّمَ))، فَقُلْتَ: هَذا غلطٌ؛ النَّاسُ يروونَهُ ((عن أبي سعيد ، عن النبي
31
(وَّ). فوقعَ ذلكَ من قولكَ في نَفْسي، فلمْ أَكُنْ أنساهُ، حتى قدمتُ،
ونظرتُ في الأصلِ، فإذا هو ((عن أبي سعيد، عن النبيِّ نَّه))؛ فإنْ خَفَّ
عليكَ ، فَأَعْلِمْ أبا حاتم - عافاهُ اللهُ - ومَنْ سألكَ من أصحابِنَا ؛ فإنَّك في
ذلكَ مأجورٌ ، إنْ شَاء اللهُ؛ والعَارُ خَيْرٌ مِنْ النَّارِ .
ولَهَذا ؛ كانَ أئمةُ الحديث يجرِّحُونَ الرَّاوي الذي لا يُبَالي بنقد النَّقاد،
ولا يَرْجعُ عن خطئهِ الذي بيّنَهُ له أهلُ العلمِ ، ويقيمُ على روايتِهِ آنفًا من
الرُّجوعِ عنهُ .
قيلَ للإمامِ شعبةَ بنِ الحجاجِ (١) : من الذي يتركُ الروايةُ عنهُ ؟
قالَ : إِذَا تَمادَى فِي غَلَطِ مُجْمَعٍ عليهِ ، ولمْ يَتَّهِمْ نفسَهُ عند اجتماعهم
على خلافه ، أو رجلٌ يُتَّهمُ بالكذبِ .
وقال حمزةُ بنُ يوسفَ السَّهميُّ (٢) : سألتُ أبا الحسنِ الدارقطنيَّ،
عمَّن يكونُ كثيرَ الخطإِ ؟
قال : إنْ نَبَّهوه عليه، ورجعَ عنه؛ فلا يَسْقُطُ ، وإنْ لم
(١) ((المجروحين)) (٧٩/١) و((الكفاية)) (ص٢٢٩).
(٢) ((الكفاية)) (ص ٢٣٢) .

٢٣
المُقَدِّمَةُ
يَرْجِعْ ؛ سَقَطَ .
وقالَ ابنَ معينٍ (١) :
((ما رأيتُ على رجلٍ خَطَأً إلا سَتَرتُهُ، وأحببتُ أنْ أزيِّنَ أمرَهُ ، وما
استقبلتُ رجلاً في وجههِ بأمرٍ يكرهُهُ ، ولكنْ ؛ أبِيِّنُ له خطأهُ فيما بَيْني
٠
وبَيْنِه، فإنْ قَبِلَ ذلكَ ؛ وإلا تَرَكْتُهُ)) .
والتركُ ؛ هنا بمعناهُ الاصطلاحِيِّ ، كما تقدَّم عن شعبةَ ، أي : يتركُ
الروايةَ عنهُ ، لا أن يتركَهُ وحالَهُ ، يروي ما يريدُ ، ويحِّدثُ بما يَشَاءُ مِنْ
غيرِ أن يبيِّنَ خطأه للناسِ ، هَذا ما لا يُظَنُّ بابنِ معينٍ ، ولا بغيرِهِ من أئمةِ
الدينِ .
وقيلَ لابنِ خزيمةَ (٢) : لِمَ رويتَ عن أحمدَ بنِ عبدِ الرحمنِ بن
وَهْبٍ، وتركتَ سفيانَ بنَ وكيعِ ؟
فقال : لأنَّ أحمدَ بنَ عبد الرحمنِ لمَّا أنكروا عليْهِ تلكَ الأحاديثَ ،
رجعَ عَنْها عن آخرِهَا ، إلا حديثَ مالك، عن الزهريِّ ، عن أنس : ((إِذَا
حَضَرَ العَشَاءُ)؛ فإِنَّه ذكرَ أَنَّه وجدَهُ في دَرْجٍ من كتبِ عمِّه في قِرْطَاسٍ (٣)؛
وأمَّا سفيانُ بنُ وكيعٍ ، فإنَّ ورَّاقَهُ أدخَلَ عليهِ أحاديثَ ، فرواهَا، وكَلَّمِنَاهُ ،
(١) ((السير)) (٨٣/١١).
(٢) ((تهذيب الكمال)) (٣٨٩/١).
(٣) إنما أنكر الأئمة على أحمد بن عبد الرحمن تحديثه بهذا الحديث عن عمه ابن وهب عن
مالك خاصة ، وإلا فالحديث صحيح ثابت من حديث الزهري عن أنس ، من غير هذا الوجه ،
وقد أخرجه البخاري ومسلم .

٢٤
المُقَدِّمَةُ
فلم يرجع عنها ، فاستخرتُ اللهَ ، وتركتُ الروايةَ عَنْهُ .
ومعَ ما حَبَاهُمُ اللهُ عزَّ جلَّ بِهِ من سَعَةٍ في الحفظِ ، ودقّةٍ فِي النَّقْدِ ،
وصحةٍ في النَّظرِ ، وقوَّةٍ في البحثِ ، وصدقٍ في الرَّأْي ؛ ما كانُوا يتفرَّدون
بالقولِ ، ولا يَسْتَقِلُونَ بِالحكمِ ، بل كانُوا يَرْجِعونَ إلى مَنْ هُمْ أعلمُ منهمْ،
ويَسْأَلونَ من تقدَّمَهُمْ ، ويَسْتَشِيرونَ منُ رزقَ الذي رزقُوا ؛ أهلَ العلمِ
والحفظِ والفهمِ .
يقولُ الإمامُ مسلمٌ - عليه رحمة الله (١) :
((عرضتُ كتابي هذا المسندَ على أبي زرعةَ الرََّزيِّ، فكلُّ مَا أشارَ أنَّ
لهُ عَلَّةً؛ تركتُهُ، وكلُّ مَا قالَ: إِنَّه صحيحٌ وليسَ له عِلَّةٌ؛ أَخْرَجتهٌ)).
وقِصَّتُهُ مع الإمامِ البخاريِّ حينَ جاءَهُ يسألُهُ عن عَلَّةِ حديثِ كفارةٍ
المجلسِ ، فيها من العبرةِ لمن بَعْدَهُ ، مَا لا يُوجدَ في غيرِهَا .
قال أبو حامد الأعمشُ الحافظُ ، وهو : أحمدُ بنُ حَمْدون (٢) :
كُنَّا عندَ محمدِ بنِ إسماعيلَ البخاريِّ - بَنْسَابورَ - ، فجاءَ مسلمُ بنُ
الحجاج ، فسألَهُ عن حديثِ : عُبيدِ اللهِ بنِ عمرَ ، عن أبي الزبيرِ ، عن
جابرٍ: بَعَثَنَا رسولُ اللهِ وَّله في سريّةٍ، ومعنا أبو عبيدةَ - فساقَ الحديثَ
بطولِهِ (٣) .
(١) ((صيانة صحيح مسلم)) لابن الصلاح (ص٦٧) .
(٢) انظر: ((الإرشاد)) للخليلي (٣/ ٩٦٠- ٩٦١) و((السنن الأبين)) لابن رشيد السبتي
(ص١٢٤ -١٢٦) و((المعرفة)) للحاكم (ص١١٣ -١١٤) و((تاريخ بغداد)) (٢٨/٢-٢٩)
(١٠٢/١٣-١٠٣) و((النكت علي ابن الصلاح)) (٧١٦/٢ -٧٢٠).
(٣) هو: المعروف بحديث («العنبر)).

٢٥
المُقَدِّمَةُ
فقالَ محمدُ بنُ إسماعيلَ : حدَّثنا ابنُ أبي أويسِ : حدَّثني أخي
أبو بكرِ ، عن سليمانَ بنِ بلالِ ، عن عبيدِ اللهِ ، عن أبي الزبيرِ ، عن
جابرِ - القصةَ بطولِهَا .
فقرأَ عليه إنسانٌ : حديثَ : حجاجٍ بنِ محمدٍ ، عن ابنِ جَرَيجٍ ، عن
موسى بنِ عُقْبَةَ : حدَّثني سهيلُ بنُ أبي صالحٍ ، عن أبيهِ ، عن أبي هريرةَ،
عن النبيِّ نَّهِ، قالَ: («كَفَّارَةُ المَجْلسِ واللَّغْوِ ... )) - الحديثَ.
فقالَ له مسلمٌ : في الدُّنْيا أحسنُ من هَذا الحديثِ !! ابنُ جريجٍ ،
عن موسى بن عقبةَ ، عن سهيلٍ !! يُعرفُ بهذا الإسنادِ حديثٌ في الدُّنيا؟!
فقالَ محمدُ بنُ إسماعيلَ : إلا أنَّه معلولٌ!
قالَ مسلمٌ : لا إله إلا اللهُ - وارْتَعَدَ - ؛ أَخْبِرْنِي بِهِ ؟ !!
قالَ : اسْتُرْ ما سَتَرِ اللهُ! هَذا حديثٌ جليلٌ ؛ رَوَى عن حجاجِ بنِ
محمد الخَلْقُ ، عن ابن جريجٍ !
فَأَلِحَّ عليهِ ، وقَبَّلَ رَأْسَهُ ، وكادَ أنْ يَبْكي !
فقالَ: اكْتُبْ ؛ إنْ كانَ ولابُدَّ : حدَّثني موسى بنُ إسماعيلَ : حدَّثَنا
وُهَيْبٌ : حدَّثَنا موسى بنُ عقبةَ، عن عونٍ بن عبدِ اللهِ ، قالَ : قالَ رسول
الله وَلِّهِ: (كَفَّارَةُ المَجْلِسِ» .
فقالَ مسلمٌ: لا يَبْغَضُكَ إلا حَاسِدٌ ، وأَشْهَدُ أنْ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِثْلُكَ!
وفي رواية :

٢٦
المُقَدِّمَةُ
جاءَ مسلمُ بنُ الحجاجِ إلى محمدِ بنِ إسماعيلَ البخاريِّ ، فَقَبَّلَ بَيْنَ
عَيْنَيْهِ، وقالَ : دَعْني حتَّى أُقَبِّلَ رِجْلَيْكَ، يا أُسْتَاذَ الأُسْتَاذِين، وسَيِّدَ
المحدِّثين ، وطَبِيبَ الحديثِ في عِلَلِهِ - ثَّمَ سألَهُ عن الحديث .
وقد ذكرَ أثمتُنَا - عليهمُ رحمهُ اللهِ تعالى - في بابِ (الاعتبارِ)) من
كُتُبِ علومِ الحديثِ : أنَّ هَذا البابَ يُتَسامحُ فيهِ في الأسانيد ، ولا يُتَشَدَّدُ ،
وأَنَّهَ يَدْخُلُ فيهِ روايةُ الضَّعِيفِ القريبِ الضَّعْفِ، الذي لا يُحتجُّ به وَحْدَهُ ؛
لو انفردَ .
وهَذه ؛ كلمةُ حقِّ ، تَسْتُقيمُ على مَسَالكِ أئمةِ الحديثِ في تَصَانيفهِم
التي على الأبوابِ ، كمثلِ ((الصَّحيحينِ)) وغيرهِمَا .
وفي ذلكَ ؛ يقولُ الإمامُ مسلمٌ ، لمَّا بَلَغَهُ إنكارُ أبي زرعةَ الرازيُّ
إدخَلَهُ في ((الصحيح)) بعضَ الضعفاءِ ، مثلَ : أسباطِ بنِ نَصْرٍ ، وقَطَنِ بنِ
نُسَيْرٍ ، وأحَمد بنِ عِيسى ؛ قالَ (١) :
((إنَّما أدخلتُ من حديثٍ أسباطِ وقَطَنِ وأحمدَ ما قد رواهُ الثِّقاتُ عن
شيوخهمْ ، إلا أنَّه رُبَّمَا وَقَعَ إليَّ عَنْهُمْ بارتفاعٍ ، ويكونُ عِنْدي من روايةٍ من
هُو أَوْثَقُ منهمْ بنزولِ ، فأقتصرُ على أولئكَ ، وأصلُ الحديثِ معروفً من
رواية الثقاتٍ)) .
ونحوُ ذلكَ ؛ قولُ ابن حبان في مقدمة «صحيحه» (٢):
(١) ((سؤالات البرذعي)) (ص٦٧٦) .
(٢) من («الإحسان)) (١٦٢/١).
٠٠

٢٧
المُقَدِّمَةُ
((إِذَا صَحَّ عندي خبرٌ من روايةٍ مدلِّسٍ، أَنَّه بَّنَ السَّمَاعَ فيهِ ، لا أُبَالي
أنْ أذكرَهُ من غيرِ بيانِ السَّماعِ في خبرِهِ ، بَعْدَ صحَّتِهِ عِنْدي من طريقٍ آخرَ» .
وبناءً على هَذا ؛ سَلَكَ أكثرُ المحدِّثينَ بَعْدَ الشَّيخينِ ، في أكثرِ
أحاديثِ ((الصحيحينِ)) مسلكَ إحسانِ الظَّنِ، وحَمْلِ ما اشْتَملتْ عليهِ بعضُ
أسانيدِ كتابَيْهما مِنْ عللٍ تُوجبُ رَدَّهَا على أنَّها مَجْبُورة ومَدْفوعةٌ من أوجه
أخرى ، الطَّلَعَا عَلَيْها ، وخَفيَتْ على مَنْ بَعْدِهُمَا .
يقولُ ابنُ رشيدِ السَّبتي (١)؛ مُخَاطِبًا الإمامَ مُسْلِمًا :
((وعلى نحوٍ مَنْ هَذا؛ تَأَوَّلَ علماءُ الصنعة بعدكُمَا عليكُمَا - أَعْنِيكَ
والبخاريَّ - ، فيَمَا وَقَعَ في كتابيكُمَا من حديثِ مَنْ عُلِمَ بالتدليسِ، ممَّنْ
لم يُبَيِّنْ سماعَهُ في ذلكَ الإسنادِ الذي أخرجتُمَا الحديثَ بِهِ ، فظنُّواَ بَكُمَا ما
يَنْبغي من حُسْنِ الظَّنِّ ، والتماسِ أحسنِ المخارجِ ، وأصوبِ المذاهبِ ؛
لتقدُّمِكُمَا في الإِمامَةِ ، وسَعَةِ عِلْمِكُمَا وحفظِكُمَا، وَتَمْيِيزكُمَا، ونَقْدِكُمَا،
أنَّ ما أخرجْتُمَا من الأحاديثِ عَنْ هَذا الضَّربِ ممَّا عَرَفْتُمَا سلامَتَهُ من
التدليسِ .
وكذلكَ أيضًا ؛ حكَمَوا فيما أخرجتُمَا من أحاديث الثِّقات الذينَ قد
اختُلِطُوا ، فحملَوا ذلكَ على أنَّه مما رُوي عنهم قَبَلَ الاختلاط ، أو ممَّا
سَلِمُوا فِيهِ عندَ التحديثِ .
على نظرٍ في هذا القسمِ الآخرِ ، يحتاجُ إلى إمعانِ التأمُّلِ؛ فبعضٌ
منها توصَّلُوا إلى العلمِ بالسلامَةِ فيهِ بِطَبَقَةِ الرُّواةِ عنْهُمْ ، وتَمْيِيزِ وقتٍ
(١) في ((السنن الأبين)) (ص١٤٣-١٤٤)، وانظر: كتابي ((حسم النزاع)) (ص٩٧) .

٢٨
المُقَدِّمَةُ
سماعِهِمْ ، وبعضٌ أُشْكِلَ؛ وقد كانَ يَنْبغي فيما أشْكِلَ أنْ يُتَوَقَّفَ فِيهِ ؛
لكنَّهُمْ فَنَعُوا - أو أكثرهُمَّ - بإحسانِ الظَّنِّ بَكُمَا، فقبلُوه؛ ظنًّا منهمْ أَنَّه قد
بانَ عندكُمَا أمرُهُ، وحَسْبُنَا الاقتداءُ بما فعلُوا، ولُزُومُ الاتِّبَاعِ، ومُجَانبةٌ
الابتداعِ)) . اهـ .
وهَو أيضًا ؛ مسلكٌ قد سلكَهُ أئمةُ الحديث في كثيرٍ من أحكامِهِم
الجزئيَّةِ على الأحاديثِ ، حيثُ أُثِرَ عنهم الاستدلالُ على حفظِ الرَّاوي
الحديث قد أُنْكرَ عليهِ ، أو يُخْشى من وقوعِ الخللِ في الروايةِ منِ قِبَلِهِ ، بأنَّ
غيرَهُ قد تابَعَهُ على حديثه ذاكَ ، وقد يكونُ من تابَعَهُ ثقةً ، وقد يكونَ دونَ
ذلكَ .
قالَ إسحاقُ بنُ هانئ (١):
قالَ لي أبو عبدِ اللهِ - يعني : أحمدَ بنَ حنبلٍ - : قالَ لي يحيى بنُ
سعيد - يعني : القطانَ - : لا أعلمُ عبيدَ اللهِ - يعني : ابنَ عمرَ - أخطأً،
إلا في حديثٍ واحدٍ لنافعٍ ؛ حديث : عبيدِ اللهِ ، عن نافعٍ ، عن ابنِ
عمرَ، أنَّ النبيَّ بِّهِ قَالَ: (( لا تُسَافِرُ امرأةٌ فوقَ ثَلاثَةٍ أَّامٍ)) .
قالَ أبو عبد الله : فأنكرَهُ يحيى بن سعيدِ عليهِ .
قالَ أبو عبدِ اللهِ : فقالَ لي يحيى بنُ سعيدٍ: فَوَجدتهُ ، قد حدَّثَ به
العُمَرِيُّ الصَّغِيرُ (٢) ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ - مِثْلَهُ .
قالَ أبو عبدِ اللهِ: لم يَسْمعهُ إلا من عُبيدِ اللهِ، فلمَّا بَلَغَهُ عن
العُمَرِيِّ صَحَّحَهُ (٣).
(١) («مسائله)) (٢١٦/٢)، وكذا هو في ((شرح علل الترمذي)) (٦٥٦/٢).
(٢) يعني : عبد الله بن عمر العمري .
(٣) كذا ؛ روي ابن هانئ هذه القصة عن أحمد بن حنبل ويحيى القطان ، وسياقه واضح =

٢٩
المُقَدِّمَةُ
وقالَ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ (١) :
سألتُ أبي عن الحديثِ الذي رَوَى ابنُ المباركِ ، عن الحسينِ بنِ
عليٌّ، عن وَهْبِ بنِ كيسانَ ، عن جابرٍ - يعني : في مواقيتِ الصَّلاة - :
ما ترى فيهِ ؟ وكيفَ حالُ الحسينِ ؟
فقالَ أبي : أما الحسينُ ؛ هو : أخو أبي جعفرِ بنِ محمدِ بنِ عليٍّ ،
وحديثُهُ الذي رَوى في المواقيتِ ، حديثٌ ليسَ بالمنكرِ ؛ لأنَّه قد وافَقَهُ
على بعضِ صِفَاتِهِ غيرُهُ .
= في أن العمري الصغير يروي الحديث مرفوعًا كما يرويه عبيد الله أخوه ، وأن القطان صحح
الحديث بعد أن وقف على متابعته .
لكن ؛ روى هذه القصة أيضًا عن أحمد والقطان: عبد الله بن أحمد في ((العلل)) (٢٠١٢)
وأبو داود في ((المسائل)) (ص٣٠٦)، وسياقهما لا يدل على ذلك، بل على خلافه.
ولفظ أبي داود :
(سمعت أحمد قال : قال يحيى : نظرت في كتاب عبيد الله - يعني: ابن عمر - ، فلم أجد
شيئًا أنكره إلا حديث: ((لا تسافر المرأة ثلاثًا - يعني: إلا مع ذي محرم)).
قال أحمد : قد رواه العمري الصغير - يعني : عبد الله بن عمر - ، ولم يرفعه )) اهـ .
ورواية عبد الله بن أحمد بنحوه .
وكذا، نقله الدارقطني في ((العلل))؛ كما في ((الفتح)) لابن حجر (٥٦٨/٢).
فروايتهما ؛ تدل على أن القطان أنكره ، ولم يقوه ، وأن أحمد لم يقوِّ، بل حكى أن أخاه
عبد الله يخالفه في رفعه . والله أعلم .
لكن ؛ الحديث صحيح لا غبار عليه ، وقد تابع عبيد الله على رفعه الضحاك بن عثمان ،
وحديثه في مسلم .
(١) ((المسائل)) (ص٥١).
وراجع: ((شرح العلل)) لابن رجب (٦٥٦/٢) و((شرح البخاري)) له (١٤/٣-١٥).

٣٠
المُقَدِّمَةُ
وقالَ يوسفُ بن موسى القطانُ (١):
سئلُ أبو عبدِ اللهِ - يعني : أحمدَ بنَ حنبلٍ - عن ديةِ المُعَاهَد ؟
قالَ : على النِّصفِ من دِيَةِ المسلم ؛ أذهبُ إلى
حديثٍ عمرِو بن شُعَيْبٍ .
قيل لَهُ : تحتجُّ بحديثِ عمرٍو بنِ شعيبٍ ، عن أبيه ، عن جَدِّهِ ؟
قالَ : ليسَ كُلُّها ؛ روى هَذا فقهاءُ أهلِ المدينةِ قَدِيمًا ، ويروى عن
عثمانَ - رحمهُ اللهُ .
وأنكرَ شعبةُ على عبد الملكِ بن أبي سليمانَ العَرْزميِّ حديثَهُ عن عَطَاء
عن جابرٍ في الشَّفْعَةِ، وكانَ يقولُ: ((لو أنَّ عبدَ الملك روى حديثًا آخرَ
مثلَ حديث الشفعة لطَرَحْتُ حديثَهُ)) (٢).
وهَذا ؛ يدلُّ على أنَّ الحديثَ عندَهُ منكرٌ لا يحتملُ ، بحيثُ لو جاءَ
عبد الملكِ بمنكرٍ آخرَ مثله لضعَّفَ شعبةُ عبدَ الملكِ .
وكانَ شعبةُ يعلِّلُ نكارتَهُ ، بأنَّه لم يجدْ له متابعًا عليه ، أو شاهدًا
يُقَوِيهِ ، ويَشُدُّ من عَضُدِهِ .
(١) ((أهل الملل والردة والزنادقة)) للخلال (٨٦٧) .
ويوسف هذا؛ مترجم في ((تاريخ بغداد)» (٣٠٤/١٤) و((المقصد الأرشد)) (١٤٥/٣)، وهو ثقة
صدوق .
(٢) («الكامل)» (١٩٤٠/٥).
:

٣١
المُقَدِّمَةُ
قالَ وكيعٌ (١) : قالَ لنا شعبةُ :
((لو كانَ شيئًا (٢) يُقَوِيِهِ؟!)).
وهَذا ؛ يعني : أنَّه لو جاءَ ما يُقَويه ويشهَدُ لهُ ، لَصحَّحْهُ وأخذَ بِهِ،
ولَمَا أنكرهُ على عبدِ الملكِ .
وهَذا؛ بابٌ من أبوابِ العلمِ عظيمٌ، ومَزْلَقٌ من مَزَالِقِهِ خطيرٌ
وجَسِيمٌ، وهو يمثِّل إلى حدٍّ بعيد الجانبَ العمليّ التطبيقيّ لعلمِ الحديثِ،
فَمَنْ أتقنَ هَذا البابَ نظريًّا وعمليًّا، فقد أتقنَ علمَ الحديثِ، ودخلَهُ من
أَوْسعِ أبوابِهِ، ومَنْ لم يُثْقِنْهُ ، وقصَّرَ في تعلُّمِهِ ، وفَتَرَ عن مُمَارستِهِ ، فليسَ
له في علمِ الحديثِ حَظُّ ، سِوى حفظِ اسْمِهِ، وتخُلِ رَسْمِهِ .
ولا يتقنُ هَذا البابَ ، إلا من أتقنَ جميعَ علومِ الحديثِ ، من الجرحِ
والتعديلِ ، وعللِ الأحاديثِ ، ومعرفةِ المراسيلِ ، والتصحيفِ والتحريفِ ،
والجمعِ والتفريقِ ، وأسبابِ الشذوذِ والنكارةِ ، وما رُوي بالمعنى وما رُوي
باللَّفْظِ ، وغيرِ ذلكَ .
وأن يكونَ عالمًا بمناهجِ المحدثينَ العارفينَ بالرجالِ والعللِ ، مميِّزًا
الاصطلاحاتِهِمْ ، محرِّرًا لأصولِهِمْ، مُدْمِنًا النظرَ في كلامِهِمْ في الرجالِ
والعللِ ؛ كيحيى القطانِ ، ومن تلقَّى عنهُ كأحمدَ بنِ حنبلٍ ، وابنِ المدينيِّ،
وغيرهِمَا، ومن جاءَ بعدهُمَا وسلكَ سبيلَهُمَا من أئمةِ هَذا الشَّأْنِ ؛
(١) ((الكامل)) (١٩٤١/٥).
(٢) كذا .

٣٢
المُقَدِّمَةُ
كالبخاريِّ، ومسلمٍ ، وأبي حاتمٍ ، وأبي زرعةَ ، والنسائيِّ، والدار قطنيِّ
وابن عديٌّ ، وغيرهِمْ من الأئمةِ الكبارِ .
ومن تبعهُمْ ، وسارَ على دَرْبِهمْ ، وضربَ على مِنْوالهمْ ، ممَّن جاءَ
بعدهُمْ، من المبرَّرِينَ من العلماءَ المتأخِّرِين ؛ كالذهبيِّ ، وابن حجرٍ ،
وابن رجب ، وابن عبد الهادي ، وغيرهم ؛ رحمهمُ اللهُ جميعًا ، ورضي
عنهم أجمعينَ .
ولما كانَ هَذا البابُ من أبوابِ علمِ الحديثِ ، بهذه المكانة الرَّفيعة
وتلكَ المنزلَةِ الشَّرِيفةِ، مع قلَّةٍ مَنْ تأهَّلَ له ، أو جمعَ آلاتِهِ ، أو أخذَ
بأسبابِهِ ؛ كَانَ مَدْخَضَةً أَفْهَامٍ ، ومَزَلَّةَ أَقْدامٍ .
فإن المتابعات والشَّواهدَ ، تَعْتريها ما يَعْتري أيَّ روايةٍ من العللِ
الظّاهرة والخفيَّةِ ، ما قد يُفْضي إلى اطراحِهَا وعدمِ الاعتدادِ بها في بابِ
الاعتبار ، وإنْ كانتْ قبلَ ظهورِ هذه العللِ فيها صالحةٌ للاعتبارِ .
كما أنَّ الحديثَ المتصلَ برجالِ ثقاتٍ ، إذَا ظَهَرَ فيه علةٌ خفيةٌ ، تبيَّنَ
أنَّه غير صالحٍ للاحتجاجِ ، وإنْ كانَ قبلَ ظهورِ هذه العلة صالحًا
للاحتجاج.
فَمِنَ الخطإِ الجَسِيمِ ، والخطرِ العظيمِ ، الاكتفاءُ بظواهرِ الأسانيد ؛
لتقويةٍ بَعْضها ببعضٍ ، من غيرِ الْتِفَاتٍ إلى العملِ التي تَعْترِيهَا ، فَتُسْقِطهَا عن
حَدِّ الاعتبارِ .
فإنَّ الاغترارَ بظواهرِ الأسانيد ، ليسَ من شَأْنِ العلماء العارفينَ ، ولا
مِنْ شِيمَةِ النُّقَادِ المحققينَ ، بل هو سِمَةُ المقصِّرِينَ في تعلُّمِ العلمِ ومعرفَةٍ

٣٣
المُقَدِّمَةُ
أَغْوارِهِ ، وصِفَةُ العاجزينَ عن مُسَايَرَةِ أهلِهِ ، ومُجَاراةِ أربابِهِ .
وللهِ دَرُّ الشَّيِخِ الألبانيِّ - حَفِظَهُ اللهُ تعالى - حيثُ قالَ (١) بصدَدِ
حديَثِ، اغترَّ البعضُ بظاهرِ إسنادِهِ :
((إنَّ ابنَ حزمٍ نَظَر إلى ظاهرِ السَّنْدِ، فصحَّحه؛ وذلكَ مما يتناسَبُ
مع ظاهريَّتِهِ ، أمَّا أهلُ العلمِ والنقدِ ، فلا يكتفونَ بذلكَ ، بلْ يتتبعونَ
الطُّرِقَ، ويدرسُونَ أحوالَ الرواةِ ، وبذلكَ يتمكنونَ من معرفَةٍ ما إذَا كانَ في
الحديث علةٌ أَوْلا ؛ ولذلكَ كانَ معرفةُ عللِ الحديثِ من أدقُّ علومِ
الحديثِ، إن لمْ يَكُنْ أدقَّهَا إطلاقًا ... )).
وقال أيضًا (٢) :
((إن الحديثَ الحسنَ لغيرِه ، وكذا الحسن لذاتِهِ ، من أدقِّ علومٍ
الحديث وأصْعَبَهَا ؛ لأنَّ مدارهُمَا على من اختلفَ فيه العلماءُ من رواته ، ما
بَيْنَ موثّقٍ ومضعّفٍ ، فلا يتمكنُ من التوفيقِ بينها ، أو ترجيحِ قولٍ على
الأقوالِ الأخرى ، إلا مَنْ كانَ على علمٍ بأصولِ الحديثِ وقواعدِهِ ، ومعرفة
قويةٍ بعلمٍ الجرحِ والتعديلِ ، ومارسَ ذلكَ عمليًّا مدَّةً طويلةً من عُمُرِهِ ،
مُسْتَفِيدًاً من كُتُبِ التخريجات ، ونَقْدِ الأئمة النُّقاد ، عارفًا بالمتشددينَ منهم
والمتساهلينَ ، ومن هُمْ وسُطٌ بينهمَ ، حتَّى لا يَقَع في الإفراطِ والتفريطِ ،
وهذا أمرٌ صعبٌ ، قلَّ من يَصِيرُ له ، وينالُ ثمرتَهُ ، فلا جُرْمَ أنْ صَارَ هذا
العلمُ غريبًا بَيْنَ العلماءِ ، واللهُ يختصُّ بفضله من يَشَاءُ».
(١) ((الإرواء)) (٥٧/٦-٥٨).
(٢) ((الإرواء)) (٣٦٣/٣). وكذا (١١/١).

٣٤
المُقَدِّمَةُ
وما أحسنَ قولَ الحافظ ابن رجبٍ ، حيثُ قالَ بصَدَدِ حديث اتَّفْقَ
أئمةُ الحديث من السَّلْفِ على إعلالهِ ، واغترَّ بعضُ المتأخرينَ بظاهرٍ
إسناده ؛ قالَ (١):
(«هَذا الحديثُ ؛ ممَّا اتَّفْقَ أئمةُ الحديث من السَّلْفِ عَلى إنكارِهِ على
أبي إسحاقَ (٢) ... وأمَّا الفقهاءُ المتأخِّرُونَ، فكثيرٌ منهمْ نَظَر إلى ثقةِ
رجاله ، فظنَّ صحتَهُ ، وهؤلاءِ ؛ يظنُّونَ أنَّ كلَّ حديثٍ رواهُ ثقةٌ فهو
صحيحٌ، ولا يَتَفْطَّنونَ لدقائقِ علمٍ عللِ الحديثِ ، ووافقَهُمْ طائفةٌ من
المحدثينَ المتأخرينَ ؛ كالطَّحاويِّ والحاكمِ والبَيْهقيِّ).
*
وقد وَقَعَ الإسرافُ لدى المتأخرينَ من أهلِ العلمِ ، والمعاصرينَ منهمْ
على وجهِ الخصوصِ ، متمثلاً في بعضِ الباحثينَ والمعلِّقينَ على كُتُبٍ
التّراثِ = في إعمالِ قواعدِ هَذَا البابِ النظريَّةِ ؛ دُونَمَا نظرٍ في الشَّرَائِط
المعتبرةِ التي وَضَعها أهلُ العلمِ لهذه القواعدِ ، ودُونَمَا فَهْم وفقْهِ عندَ
تَطْبِيقِهَا وتَنْزِيلها على الرِّواياتِ والأسانيدِ، ودُونَمَا اعتبارِ لأحكامِ أهلِ العلمِ
ونُقَّادِ الحديثِ على هذِهِ الأسانيدِ ، وتلكَ الرِّواياتِ ؛ فجاءتْ كثيرٌ من
أحكامهِمْ مُصَادمَةً لأحكامِ أهلِ العلمِ ونقَّادِهِ عليها ، وأدخُلُوا بسببِ ذلكَ في
(١) «فتح الباري) له (٣٦٢/١) ..
(٢) ذكر منهم : إسماعيل بن أبي خالد ، وشعبة ، والثوري ، ويزيد بن هارون ، وأحمد بن
حنبل ، وابن أبي شيبة ، وأحمد بن صالح المصري ، ومسلم بن الحجاج ، والأثرم ،
والجوزجاني ، والترمذي ، والدارقطني .
والحديث؛ هو حديث أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، قالت: ((كان النبي وَل
ينام وهو جنب ، ولا يمسُّ ماءً)).

٣٥
المُقَدِّمَةُ
الأحاديث الحسنة ، أحاديثَ مُنْكَرَةً وباطِلَةً ، قد فرغَ الأئمةُ من رَدِّهَا .
فإنَّ آفَهَ الآفَاتِ في هذا البابِ ، ومَنْشَأَ الخللِ الحاصلِ فيهِ من قِبَلِ
بعضِ الباحثينَ هُو مُمَارسَةُ الجانبِ العمليِّ فيهِ استقلالاً مِنْ دُونِ الرّجوعِ إلى
أئمةِ العلمِ لمعرفَةٍ كيفيَّةٍ مُمَارِسَاتِهِمْ العَمَلِيَّةِ .
فكما أنَّ القواعدَ النَّظريَّةَ لهَذا العلم تُؤْخَذُ مِنْ أهلِهِ المتخصِّصينَ فيهِ،
فكذلكَ يَنْبغي أنْ يُؤْخَذَ الجانبُ العمليُّ منهمْ ؛ لا أَنْ تُؤْخَذَ منهمْ فَقَطْ
القواعدُ النظريَّةُ، ثمَّ يتمُّ إعمالُهَا عَمَلًّا مِنْ غَيْرِ معرفةٍ بِطرائقِهِمْ في إِعِمالِهَا
وتطبيقِهَا وتَنْزيلها على الأحاديثِ والرِّواياتِ .
فإنَّ أهْلَ مكةَ أعلمُ بِشِعَابِهَا ، وأهلَ الدَّارِ أَدْرَى بما فيهِ ، وإنَّ أفضلَ
مَنْ يُطَبِّقُ القاعِدَةَ هو مَنْ وَضَعَهَا وحرَّرَهَا، ونَظَم شَرائِطَهَا، وحدَّدَ
حُدودَهَا .
فكانَ من اللازمِ الرُّجوعُ إلى كُتبِ عللِ الحديثِ المتخصِّصَةِ ،
والبحثُ عن أقوالِ أهلِ العلمِ على الأحاديثِ ؛ لمعرِفَةٍ كيفيَّةٍ تَطْبِيقِهِمْ هُمْ
لتلكَ القواعِدِ النَّظريَّةِ ، التي يقومُ عَليها هذا البابُ ، ومعرَفَةٍ فِقْهِ تَنْزِيِلها
على الرِّواياتِ والأسانيدِ .
وليسَ هَذا ؛ جُنُوحًا إلى تَقْليدهِمْ ، ولا دعوةٌ إلى تقديسِ أقوالهِم ،
ولا غَلْقًا لبابِ الاجتهادِ ، ولا قَتْلاً للقُدُرَاتِ والمَلَكَاتِ ؛ بلْ هِي دعوةٌ إلى
أَخْذِ العِلْمِ مِنْ أَهْلِهِ ، وَمَعْرفِهِ منْ أَرَبَابِهِ ، ودُخُولِهِ منَ بَابِهِ ، وتحمُّلِهِ على
وجهه .
فمنْ يظنَّ، أَنَّه بإمكانِهِ اكتسابُ ملكةِ النَّقْدِ ، وقوَّةِ الفهمِ ، وشُقُوفٍ
النَّظْرِ ، بعيدًا عنهُمْ، وبِمَعَزِلٍ عَن عِلْمِهَمْ ، وَبَمِنْأَى عن فهمِهِمْ ؛ فهوُ

٣٦
المُقَدِّمَةُ
ظالمٌ لنفسِهِ ، لَمْ يَبْذُلْ لَهَا النُّصْحَ، ولم يَبْغِ لها الصَّلَاحَ والتوفيقَ ، ولا
أَنْزَلَ القَوْمَ مَنَازِلَهُمْ، ولا قَدَرَهُمْ أَقْدَارَهُمْ
فهمْ أهْلُ الفهمِ ، وأصحابُ المَلَكَاتِ ، وذوو النَّظرِ الثَّاقبِ ، فمن
ابْتَغَى من ذلكَ شيئًا، فها هو عِنْدِهُمْ، وهُمْ أربابُهُ، فَلْيَأْخُذْهُ مِنْهُمْ،
ولْيَأَخُذْ بحظٌّ وافرٍ .
فَمَنْ تَضَلَّعَ مِنْ عِلْمِهِمْ ، واسْتَزَادَ مِنْ خَيْرِهِمْ ، وتَشَرَّبَ مِنْ فِقْهِهِمْ،
واهْتَدى بهديَهِمْ، واسْتَرْشَدَ بِإِرْشَادِهِمْ، وسَارَ على دَرْبِهِمْ، وضَرَبَ عَلَى
مِنْوَالِهِمْ ؛ فَهُو النَّاصِحُ لنَفْسِهِ ، المُبْتَغِي لِهَا الصَّلَاحَ والتَّوفيقَ، وهُو مِنَ
السَّابِقِينَ بالخيراتِ بإذنِ اللهِ تعالى .
وللهِ دَرُّ الحافظِ ابنِ رجب الحنبليِّ ، حيثُ أَوْضَحَ في كلماتٍ قلائلَ،
أنَّ سَبيل تحصيلِ الملكةِ ، إنَّما هُو مداومةُ النَّظرِ في مطالعةِ كلامِ الأئمةِ
العارفينَ ؛ للتفقُّهِ بفقههِمْ ، والتفهُّمِ بفهمِهِمْ .
يقولُ ابنُ رجبٍ (١) :
((ولابدَّ في هَذا العلمِ من طُولِ المُمَارسةِ ، وكثرةِ المذاكرةِ ، فإذَا
عَدِمَ المذَاكرة بِهِ ، فليُكْثِرْ طالبُهُ المطالعَةَ في كلامِ الأئمةِ العارفينَ ؛ كيحيى
القطان ، ومن تلقَّى عنهُ كأحمد وابنِ المدينيِّ وغيرهِمَا ؛ فَمِنْ رُزُقِ مطالعةً
ذلكَ وَفَهْمَهُ ، وفَقُهَتْ نَفْسُهُ فِيهِ، وصَارَتْ لَهُ فِيهِ قوَّةُ نَفَسِ ، ومَلَكَةٌ ؛ صَلُحَ
لَهُ أنْ يتكلَّمَ فيهِ» .
(١) ((شرح علل الترمذي)) (٦٦٤/٢).

٣٦
المُقَدِّمَةُ
فَاقْتَعْ بِمَا قَسَمِ المَلِيكُ ؛ فَإِنَّمَا
م
فَسَمَ الخَلَائِقِ بَيْنَنَا علامُهَا
فُهُمِ السُّعَاةُ إِذَا العَشِيرَةُ أُقْطَعَتْ
وُهُمْ فَوَرِسُهَا، وَهُمْ حَكَّمُهَا
وَهُمُ رِبِيعٌ للمُجَاوِرِ فِيهِمُ
وَالمرمَلات إِذَا تَطَاوَلَ عَامُهَا
وَهُمْ العَشِيرَةُ أَنْ يَبَطِّئَّ حَاسِدٌ
أَوْ أَنْ يَلُومَ مَعَ العِدَاَ لُوَّامُهَا
هَذا ؛ وإِنَّ علامةَ صحةِ الاجتهادِ ، وعلامةَ أهليَّةِ المجتهد ، هو أن
تكونَ أغلبُ اجتهاداتِهِ وأحكامِهِ وأقوالِهِ موافقةً لاجتهاداتِ وأحكامٍ وأقوالِ
أهلِ العلمِ المتخصصينَ ، والذينَ إليهم المَرجِعُ في هذا البابِ .
وإِنَّ علامة صحةِ القاعدةِ التي يعتمدُ عَليها الباحثُ في بحثه ، هو أنْ
تكونَ أكثرُ النتائجِ والأحكامِ المُتَمَخِّضَةِ عَنْها على وَفْقِ أقوالِ أهلِ العلمِ
وأحكامهمْ .
فكما أنَّ الرَّاوي لا يكونُ ثقةً محتجًّا بِهِ وبحديثه إلا إذَا كانَتْ أكثرُ
أحاديثه موافقةً لأحاديثِ الثقاتِ ، المفروغِ من ثقتهِمْ ، والمسلِّمِ بحفظهِم
وإتقانهمْ ؛ فكذلكَ الباحثُ لا يكونُ حكمُهُ على الأحاديثِ ذَا قيمةٍ ، إلا إذا
جاءتْ أكثرُ أحكامه على الأحاديثِ موافقةً لأحكامِ أهلِ العلمِ عَلَيْهَا .

٣٨
المُقَدِّمَةُ
وبِقَدْرِ مخالفتِهِ لأهلِ العلمِ في أحكامِهِ على الأحاديثِ ، بِقَدْرِ مَا يُعْلَمُ
قَدْرُ الخللِ في القاعدةِ التي اعتمدَ عَلَيْها ، أو في تَطْبيقِهِ هو للقاعدَةِ ،
وتنزيلِهَا على الأحاديثِ .
فَمَنْ وجدَ من نفسِهِ مخالفةً كثيرةً لأهلِ العلمِ في الحكم على
الأحاديثِ ، فليعلمْ أنَّ هَذا إنَّما أُتِيَ مِنْ أَمرين ، قد يَجْتمعان ، وقد
يَنْفردانِ .
أحدهُمَا : عدمُ ضبطِ القاعدَةِ التي بنى عليها حكمَهُ على وَفْقِ ضَبْطِ
أهلِ العلمِ لَهَا .
ثَانِيهِمَا: ضَبطُ القاعدة نظريًّا فَقَطْ، وعدمُ التَّفَقُّه في كيفية تطبيقها ،
كمَا كانَ أهلُ العلمِ من الفِقْهِ والفَهْمِ والخِبْرَةِ ، بالقدرِ الذي يؤهِّلُهُمْ لمعرفةٍ
متى وأينَ تُتَزَّلُ القاعدةُ ، أو لا تُنَزَّلُ .
فكانَ هَذا مِن الدوافعِ القويَّةِ إلى الكتابةِ في هذا الموضوعِ ؛ لبيانِ
الشَّرائطِ التي اشترطَهَا أهلُ العلمِ في قواعدِ هذا البابِ ، وخَطَرِ الإخلالِ
بِهَا؛ مع توضيحِ شيءٍ من فِقْهِ الأئمةِ عندَ تَطَبيقهِمْ لهذه القواعِدِ ، وتَنْزِيلها
على الأحاديثِ .
لا سيَّما؛ وأنَّه لا يكادُ يُوجَدُ كتابٌ مستقلٌّ تناولَ هَذا البابَ من أبوابٍ
العلمِ ، رابطًا فيهِ بَيْنَ الجانبِ التَّقْعيديِّ والجانبِ العمليِّ التطبيقيِّ؛ وإنْ
كانَ قد صدرتْ في الآونةِ الأخيرةِ بعضُ الكتاباتِ حولَ هَذا الموضوعِ ، إلا
أنَّها تَفْتقدُ إلى حدٍّ بعيدِ الجانبَ العمليَّ المتمثلَ في تطبيقِ العلماءِ
المتخصِّصينَ لهذه القواعدِ المتعلّقَةِ بهذا البابِ .

٣٩
المُقَدِّمَةُ
وقد تنبَّهَ إلى هَذا التساهلِ كثيرٌ من العلماءِ المحققينَ ؛ أمثالُ الشيخ
المعلمي اليماني ، والشيخ أحمد شاكر ، والشيخ الألبانيِّ، وحذَّروا منهُ،
ومن الاغترارِ بِهِ .
يقولُ الشيخُ المعلمي اليماني (١):
((تَحْسينُ المتأخرين فيهِ نظرٌ) .
ويقولُ الشيخُ أحمد شاكر في ((شرحِ ألفيةِ الحديثِ)) (٢) للسيوطيِّ
معقّبًا عليهِ تساهُلَهُ في هذا البابِ في كثيرٍ من كُتِهِ :
((أمَّا إذَا كانَ ضَعْفُ الحديثِ لفسقِ الرََّوي، أو اتهامِهِ بالكذبِ، ثُمَّ
جاءَ مِنْ طُرقِ أخرى مِنْ هَذا النوعِ ؛ فإِنَّه لا يَرْقَى إلى الحسنِ، بَلْ يزدادُ
ضَعْفًا إلى ضَعْفِ ؛ إذْ أنَّ تفرُّدَ المتهمينَ بالكذبِ أو المجروحينَ في عدالتهِمْ
بحديثٍ لا يرويِهِ غيرهُمْ - : يرجِّحُ عند الباحثِ المحقِّقِ التُّهمةَ ، ويؤيِّدُ
ضَعْفَ روايتِهِمْ ؛ وبذلكَ يتبيَّنُ خطأُ المؤلفِ - يعني : السيوطيَّ - هُنَا،
وخطؤه في كثيرٍ من كُتْبِهِ في الحكم على أحاديثَ ضعافٍ بالترقِّي إلى
الحسنِ ، مع هَذه العلّةِ القويَّةِ)).
ويقولُ الشَّيخُ الألبانيُّ (٣):
(١) ((الأنوار الكاشفة)) (ص٢٩).
وانظر أيضًا: ((الفوائد المجموعة)) (ص ١٠٠).
(٢)(ص١٦).
(٣) ((تمام المنة)) (ص٣١-٣٢).

٤٠
المُقَدِّمَةُ
((لابدَّ لمن يريدُ أنْ يُقَوِّي الحديثَ بكثرةِ طرقِهِ أنْ يقفَ على رجالِ كلِّ
طريقِ منهَا ، حتَّى يتبيَّنَ له مبلغُ الضَّعْفِ فيهَا، ومِنَ المؤسفِ أنَّ القليلَ
جدًّا من العلماء مَنْ يفعلُ ذلكَ ، ولا سيَّما المتأخرين منهم ؛ فإنَّهم يَذْهبونَ
إلى تقويةِ الحديثِ لمجرَّدٍ نَقْلِهِمْ عن غيرهِمْ أنَّ له طرقًا ، دونَ أنْ يقفُوا
عليها ، ويَعْرِفُوا ماهيَّةَ ضَعْفِهَا !! والأمثلةُ على ذلكَ كثيرةٌ ... )).
وذكرَ الدكتورُ المرتضى الزَّين أحمد في كتابه ((مَنَاهج المحدِّثينَ في
تقويةِ الأحاديثِ الحَسَنَةِ والضَّعيفةِ)) (١)، أنَّه استشارَ الشَّيِخَ الألبانيَّ - حفظه
الله تعالى - عن الكتابَةِ في هَذا الموضوعِ ، فقالَ له الشَّيخُ :
((هَذا موضوعٌ مهمٌّ إذَا أُتقنَ؛ لأنَّ النَّاسَ يضطربونَ فِي هَذا البابِ
كثيرًا)» - أو عبارة نحوها .
هَذا ؛ وليسَ الخطرُ ؛ في الوقوعِ في الخطإ في إعمالِ قواعدِ هَذا
٠٠
العلمِ ، حيث يقعُ الباحثُ في ذلكَ أحيانًا ؛ فإنَّ هَذا لا يكادُ يَسْلَم منه أحدٌ؛
وإنَّما الخطرُ حيثُ يصيرُ الخطأُ قاعدةً مطردةً، وسنةً متبعةً ، فتنقلبُ السنةُ
بدعةً، والبدعةُ سنةً، ويصيرُ أحقُّ النَّاسِ بقولِهِ نَّهِ: (مَنْ سَنَّ في الإسلامِ
سُنَّةً حَسَنَةً ، فَلَهُ أَجْرُهَا وأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ
أُجُورِهمْ شيءٌ) = كَمَنْ قَالَ فِيهِمْ وَلّ: ((ومَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سَنَّةً سيِّئَةً ،
(١) (ص٩)
وانظر أيضًا: ((الضعيفة)) (٧/٤-٨).