Indexed OCR Text
Pages 1-20
الأنسحاب فى تقوّيّة الأحاديث بالشوَاهِد والمتابعات تأليف أبى معاذ طارق بن عَوض اللّه بن محمّد توزيع دار زمزم بالرياض ت ٤٢٦٠٧٦٠٠ الناشر مكتبة ابن تيمية القاهرة ت: ٥٨٦٤٢٤٠ مكتبة تأليف طارق بن مُوض اللّه. ن تقوَيّة الأحاديث بالشَوَاهِدَ والمتابعَاتْ الإرشادات تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات تأليف أبي معاذ طارق بن عوض الله بن محمد الناشر مكتبة ابن تيمية الإرشادات فى تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ - ١٩٩٨م حقوق الطبع محفوظة الناشر مكتبة ابن تيمية بِسْمِاللهِلَِّ الرّحِيمَةِ إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْت وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّه عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ: [هود: ٨٨] ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ؛ لِلَّهِ، وَلَكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلَأَئْمَّةِ المُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ)) أخرجه مسلم حَقٌّ عَلَى المُحَدِّثِ ؛ أَنْ يَتَوَرَّعَ في مَا يُؤدِيهِ، وَأَنْ يَسْأَلَ أَهْلَ المَعْرِفَةِ وَالوَرَعِ لِيُعِنُوهُ عَلَى إِضَاحِ مَرْوِّبَاتِهِ . ٠٠٠٩٧٠٠ ولا سَبِيلَ إلى أَنْ يَصِيرَ العَارِفُ، الَّذِي يُزَكِّي نَقَلَةَ الأَخْبَارِ وَيُجَرِّحُهُمْ = جِهْبِذًا ؛ إلاَ بِإِدْمَانِ الطَّلَبِ، وَ الفَحْصِ عَنْ هَذَاً الشَّأْنِ، وَكَثْرَةِ المُذَاكَرَةِ، وَ السَّهَرِ ، وَ التَّقُظِ ، وَالْفَهْمِ ، مَعَ التَّقْوَى وَالدِّينِ المَتِيْنِ، وَالإِنْصَافِ، وَالتََّّدُّدِ إِلى مَجَالِسِ العُلَمَاءِ، وَالنَّحَرِّي، وَالإِثْقَانِ؛ وَ إِلا تَفْعَلْ ؛ فَدَعْ عَنْكَ الكِتَابَةَ ؛ لَسْتَ مِنْها وَلَوْ سَوَّدْتَ وَجْهَكَ بِالمِدَادِ قَالَ الَّلهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ فَإِنْ آنَستَ - يَا هَذَا - مَنْ نَفْسِكَ فَهْمًا، وَصِدْقًا، وَدِينًا، وَوَرَعًا ؛ وإلا فَلا تَتَعَنَّ . وَإِنْ غَلَبَ عَلَيْكَ الهَوَ وَالعَصَبِيَّةُ لِرَأْيٍ وَلَمِذْهَبٍ ؛ فَبِاللهِ لا تَتْعَبْ . وَإِنْ عَرَفْتَ ، أَنَّكَ مُخَلِّطٌ، مُخَبِّطٌ ، مُهْمِلٌ لحدُود الله، فَارِحْنَا مِنْكَ؛ فَبَعْدَ قَلِيلٍ يَنْكَشِفُ البَهْرَجُ، وَيَنْكَبُّ الَزَّغَلُ ، وَلَا يَحِيقُ المَكْرُ السَِّئُّ إلا بِأَهْلِهِ . فَقَدْ نَصَحْتُكَ ؛ فَعِلْمُ الحَدِيثِ صَلِفٌ ، فَأَيْنَ عِلْمُ الحَديث ؟! وَأَيْنَ أَهْلُهُ؟! كِدْتُ أَنْ لاَ أَرَاهُمْ إِلَ فِي كِتَابٍ، أَوْ تَحْتَ تُرَابٍ . الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ (( تذكرة الحفاظ)) (١ /٤) بسم الله الرحمن الرحيم إنَّ الحمدَ لله تعالى نَحْمدُهُ، ونَسْتعينُهُ ونَسْتغفرُهُ ، ونَعُوذُ بالله تعالى من شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومن سَيئاتِ أَعْمَالنَا، مَنْ يهدِهِ اللهُ فَلا مَضلَّ لَهُ ، ومَنْ يُضْلِلْ فِلا هَادِيَ لَهُ ، وأَشْهِدُ أَنْ لا إله إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شريكَ لَهُ ، وأَشْهِدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاته وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران: ١٠٢] . ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [ النساء: ١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١] . أمَّا بَعْدُ : فإنَّ خَيْرَ الكَلامِ كَلامُ اللهِ تعالى، وخَيْرَ الهَدْي هَدْيُ محمد ◌َّهِ، وشَرَّ الأُمورِ مُحْدثاتُها ، وكلَّ مُحْدثةٍ بدعةٌ ، وكلَّ بدعة ضلالةٌ ، وكلَّ ضلالهِ في النارِ . اللَّهمَّ صلِّ عَلى مُحَمَدٍ ، وعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ ، وعَلَى أَزْواجِهِ وذُرِّيِتِهِ ، كما صلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْراهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ، وبَاركْ عَلى مُحَمِدٍ ، : ١٠ المُقَدِّمَةُ وعَلَى آلِ مُحَمَدٍ، وعَلَى أَزْوَاجِهِ وذُرِِّتِهِ ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْراهِيمَ . ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِدَّ . لمَّا كانَ عِلْمُ الحديثِ يعتمدُ على مَعْرِفِةِ أحوالِ الرُّواةِ تَعْدِيلاً وتَجْرِيحًا، وأَحْوالِ الرِّوايات تَصْحيحًا وتَعْليلاً، وكانَ السَّبِيلَ إلى إدراك ذلكَ، اعتبارُ الرِّواياتِ، وعَرْضُ بَعْضِهَا ببعضٍ ، لِيظْهَرَ ما فِيها مَن اتِّفاق، أو اختلافٍ أو تفرُّدٍ ؛ لِيُعَامَلَ كلٌّ بحسبِهِ . ولمَّا كانَ ذلكَ لا يتحقَّقُ إلا بكثرةِ البَحْثِ والتَّفْتيشِ عَن الأسانيدِ والرِّواياتِ ، في بُطُونِ الكُتُبِ ، وصُدُورِ الرِّجالِ، كانَ للاعتبارِ عندَ المحدثينَ أهميَّهُ البَالِغةُ ، وضَرورتُهُ القُصْوى . فبالاعتبارِ ؛ يُعرفُ الصَّحيحُ من الضَّعِيفِ من الرِّوايات ؛ وذلكَ بالنَّظرِ في الطُُّقِ التي اعُتِبَرَتْ وسُبِرَتْ، وعَرْضِهَا عَلَى بَاقِي الطُّرُقِ والرِّواياتِ في بَابِهَا، فَيَظْهَر الاتِّفَاقُ، والذي هو مظنَّةُ الحفْظ، والاخْتِلافُ أو التَّفَرُّدُ ، وَالَّذَانِ هُمَا مَظَِّا الخَطَاِ . ثم تَدُورُ هَذِهِ الأحَاديثُ في إطارٍ قَواعِدَ وضَوَابِطِ، تُحُوطُهَا مِنْ كُلِّ جَانبٍ، وتُعَالِجُهَا مِن كُلِّ جِهَةٍ، ومِنْ خِلالِهَا يَظْهَرُ الصَّحيحُ مِنْ الضَّعِيفِ، والمَحْفُوظُ مِنْ غَيْرِهِ . وبالاعتبارِ ؛ يتبَيَّنُ حَالُ رُواةِ الحديثِ من حيثُ التَّوْثِيقُ والتَّجرِيحُ : فَمَنْ عُهِدَ عَلَيْهِ الإِصَابَةُ ، وَكَثْرَةُ المُوافَقَةِ للَّقَاتِ ، كَانَ ثِقَةً مِثْلَهُمْ ، وَمَنْ عُهِدَ عَلَيْهِ الخَطَأُ ، وكَثْرَةُ المُخَالَفَةِ لِلنَِّاتِ ، أو النََّرُّدِ والإغرابِ ورِوَيَّةٍ ما لا يَعْرِفُونَ، كَانَ ضَعِيفًا في حِفْظَهِ، وبِقَدْرِ المُوافَقَةِ والمُخَالَفَةِ بِقَدْرِ مَا ١١ المُقَدِّمَةُ يُعْرَفُ حِفْظُهُ وَضَبْطُهُ . ولمَّا كَانَ الاعتبارُ عنْدَ المحِّدثِينَ بَهذا الشَّأْنِ العَظيم ، بَذَلُوا مَنْ أَجْلِهِ ٠٠ كلَّ نَفْسٍ ونَفِيسٍ ، وطَافُوا البُلدانَ ، وسَمِعُوا من أهلِ الأمصارِ ، رغبةً في تمييزِ الأحاديثِ ، والوقوفِ على الصَّحيحِ منها والسَّقِيمِ ، ومَعْرفةِ ما أصابَ فيه الرُّواةُ وما أَخْطئوا فيهِ . فَهَذَا؛ إمامٌ واحدٌ ، من أجلِ اعتبارِ حديثٍ واحدٍ ، طَافَ بلدانًا شتَّى، ودخلَ مدائنَ عدَّةً حتى وقفَ على عَّته؛ وهو الإمامُ شعبةُ بن الحجاجِ ، علیهِ رحمهُ اللهِ تعالى : قالَ نَصْر بنُ حمَّدِ الورَّاقُ (١) : كُنَّا قُعودًا على بابِ شعبةَ ؛ نَتَذاكرُ . فقلتُ : حدَّثنا إسرائيلُ ، عن أبي إسحاقَ ، عن عبدِ الله بن عَطَاء، عن عقبة بن عامرِ ، قالَ : كثَّا نَتَنَاوَبُ رعيَّةَ الإبلِ عَلى عهدِ رسولِ اللهِ وَلَهُ، فجئتُ ذاتَ يومٍ والنبيِّ بَِّ حولَهُ أصحابُهُ؛ فسمعتهُ يقولُ : ((مَنْ تَوضَّأَ، فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَاسْتَغْفَرَ اللهَ؛ إلا ،وُ غَفَرَ لَهُ)) . (١) رواه: ابن حبان في ((المجروحين)) (٢٩/١)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) (٤٨/١-٤٩) والخطيب في ((الرحلة)) (٥٩) وكذا في ((الكفاية)) (ص٥٦٦-٥٦٧) والبيهقي في ((القراءة خلف الإمام)) (ص٢٠٧ - ٢٠٨) . ١٢ المُقَدِّمَةُ فقلتُ : بَخِ بَخٍ ! فَجِذَبني رجلٌ من خَلْفي ، فالتفتُّ ؛ فإذَا عمرُ بن الخطاب ، فقالَ : الذي قبلُ أحسنُ ! فقلتُ : ومَا قبلُ ؟! قالَ : قالَ : ((مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله ؛ قيلَ لَهُ: ادْخُلْ مَنْ أيِّ أَبْوَابِ الجَنّة شْتَ)) . قالَ : فخرجَ شعبةُ ؛ فَلَطَمني، ثُمَّ رَجَعَ فدخلَ ، فتنحَّيْتُ من ناحِيَةٍ. قالَ . ثُمَّ خَرجَ ؛ فقالَ : ما له يَبْكي بعدُ ؟! فَقَال له عبدُ الله بنُ إِدْرِيسَ: إِنَّكَ أَسَأْتَ إليهِ ! فقالَ شعبةُ : انظرْ ؛ ماذَا تحدِّثُ !! إنَّ أبا إسحاقَ حدَّثني بهذا الحديثِ ، عن عبدِ الله بنِ عَطَاء، عن عقبة بن عامرٍ . قالَ : فَقُلْنَا لأبي إسحاقَ : مَنْ عبدُ الله بنُ عَطَاءِ؟ قالَ: فَغَضِبَ، ومِسْعِرُ بنُ كِدَامِ حاضرٌ، قالَ: فقلتُ لَهُ. لَتُصَحِّحَنَّ لي هَذا، أو لأُحَرِّقَنَّ ما كتبتُ عنكَ ! فقالَ مسْعِرٌ : عبدُ الله بنُ عَطَاء بمكةَ . قالَ شعبةُ : فرحلتُ إلى مكةَ ، لم أُرِدِ الحجَّ ، أردتُ الحديثَ ، فلقيتُ عبدَ الله بنَ عَطَاء، فسألتُهُ، فقالَ : سَعْدُ بنُ إبراهيمَ حدَّثْني . فقالَ لي مالكُ بنُ أنسِ : سعدٌ بالمدينةِ ، لم يحجَّ العامَ . قالَ شعبةُ : فرحلتُ إلى المدينةِ ، فلقيتُ سعدَ بنَ إبراهيمَ ، فسألتُهُ ، فقالَ : الحديثُ من عِنْدِكُمْ ؛ زيادُ بنُ مِخْرَاقٍ حدَّثني . قالَ شعبةُ : فلمَّا ذكرَ زيادًا، قلتُ : أيُّ شيءٍ هَذا الحديثُ ؟! بَيْنما ١٣ المُقَدِّمَةُ هو كوفيٌّ، إذْ صَارَ مدنيًّا، إذْ صَارَ بَصْريًّا !! قالَ : فرحلتُ إلى البَصْرةِ ، فلقيتُ زيادَ بنَ مخْراق ، فسألتُهُ ، فقالَ: ليسَ هو مِنْ بَابَتِكَ ! قلتُ : حدَّثْني به . قالَ : لا تَرُدَّهُ ! قلتُ : حدِّتني بِهِ . قالَ : حدَّثَنِي شَهْرُ بنُ حَوْشَبٍ، عن أبي رَيْحانةَ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ، عن النبيِّ ◌َلِّ. قالَ شعبةُ : فلمَّا ذكرَ شهرَ بنَ حوشبٍ ، قلتُ: دَمَّرَ عليَّ هَذا الحديثَ؛ لو صحَّ لي مثلُ هَذا عن رسولِ اللهِ وَ لَهَ كانَ أحبّ إليَّ مِنْ أَهْلِي ومَالِي والنَّاسِ أَجْمعينَ !! وهَذا إمامٌ آخرُ ، طافَ نحوَ طَوَفَانِ شعبةَ بنِ الحجاجِ ، من أجلِ اعتبارِ حديثٍ واحدٍ أيضًا : قالَ محمودُ بنُ غَيْلان (١) : سمعتُ المؤملَ ذُكِرَ عِنْدَهُ الحديثُ الذي يُروى عن أُبَيِّ، عن النبيِّ وَّهِ فِي ((فَضْلِ القُرْآنِ». فقالَ: لقدْ حدَّثَني رجلٌ ثقةٌ - سَمَّهُ - ، قالَ : حدَّثني رجلٌ ثقةٌ - سَمَّاهُ - ، قالَ : أتيتُ المدائنَ ، فلقيتُ الرجلَ الذي يَرْوي هَذا الحديثَ ، فقلتُ لهُ : حدِّثُني ؛ فإنِّي أريدُ أنْ آتِيَ البَصْرَةَ . فقالَ : هَذا الرجلُ الذي سمعناهُ منه هو بواسطِ في أصحابِ القَصَبِ ! (١) ((الكفاية)) للخطيب (ص٥٦٧-٥٦٨)، و((شرح الألفية)) للعراقي (٢٧٠/١-٢٧١)، وكذا؛ ((التقييد والإيضاح)) له (ص١٣٤)، و((النكت)) لابن حجر (٨٦٢/٢). ١٤ المُقَدِّمَةُ قالَ : فأتيتُ واسطًا ، فلقيتُ الشيخَ ، فقلتُ : إِنِّي كنتُ بالمدائنِ ، فدلَّني عليكَ الشيخُ، وإِنِّي أريدُ أنْ آتي البصرةَ . قالَ : إنَّ هَذا الذي سمعتُ منهُ هو بالكَلاءِ (١) ! فأتيتُ البصرةَ ، فلقيتُ الشيخَ بالكَلاءِ ، فقلتُ لهُ : حدَّثني ؛ فإنَّي أريدَ أنْ آتَي عَبَّادانَ . فقالَ : إنَّ الشيخَ الذي سمعناهُ منه هو بعبّادانَ ! فأتيتُ عبَّادانَ، فلقيتُ الشيخَ ، فقلتُ لهَ : اتَّقِ اللهَ؛ ما حالُ هَذا الحديث ؟ !! أتيتُ المدائنَ ، فَقَصَصْتُ عليهِ ، ثُمَّ واسطًا ، ثُمَّ البصرةَ ، فَدُلِلْتُ عليكَ، وما ظَنَنْتُ إلا أنَّ هؤلاء كلَّهم قد ماتُوا ! فَأَخْبِرني بقصةِ هذا الحدیثِ ؟! فقالَ : إِنَّا اجْتَمَعْنَا هُنَا، فرأَيْنَا الناسَ قَدْ رَغُبُوا عن القرآن ، وزَهُدُوا فيهِ ، وأَخَذُوا في هذه الأحاديثِ ، فَقَعَدْنَا ، فَوَضَعْنَا لهمْ هذه الفَضَائِلَ حتَّى يَرْغَبُوا فِيهِ !! يقول المعلمي - رحمهُ اللهُ - مُعَلِّقًا على هذهِ القصةِ (٣): (لعلَّ هَذَا الرَّجُلَ قَطَعَ نحوَ ثلاثةِ أَشْهُرِ مُسَافِرًا لتحقيقِ رِوَايَةِ هَذا الحديث الواحد)) . بَلْ ؛ قَد يكونُ الواحدُ منهمْ قَدِ اعتبرَ الروايةَ بالفعلِ ، وعرفَ ما وقعَ فيها مِنَ الخطإ، وتحقَّقَ من كَوْنُها غيرَ محفوظَةٍ ، فَيُرِيدُ أنْ يتبيَّنَ : مَنِ (١) ((الكلاء)): اسم محلَّة مشهورة وسوق بالبصرة . (١) في ((علم الرجال وأهمتيه)) (ص٢٣) بتعليقي. ١٥ المُقَدِّمَةُ الرََّوي المُخْطِئ فيها : هَلْ هو فلانٌ ، أم فلانٌ ؟ فيقطعُ مِنْ أجلِ تحقيقِ ذلكَ مفاوزَ، ويطوفُ بُلْدَانًا، ويَدْخُل أَمْصَارًا، ليسمِعَ الحديثَ من غيرِ وجه ؛ ليقابلَ الأوجهَ بَعْضَها ببعضٍ ، وَيَزِنها بميزانِ الاعتبارِ ، حتَّى يتحققَ من أنَّ المُخْطئ في الروايةِ فلانٌ ، وَلَيْس غَيْرُهُ . يقولُ محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ أبي شيخِ المَلْطيُّ (١): جاءَ يحيى بنُ معينٍ إلى عفَّان بنِ مسلمٍ؛ ليسمعَ منه كتبَ حمادِ بنِ سلمةَ. فقالَ لَهُ : ماسمعتَهَا من أحدٍ ؟ قالَ : نعمْ ؛ حدَّثَنِي سَبْعَةَ عَشَرَ نَفْسًا عن حمادِ بنِ سلمةَ . فقالَ : والله ؛ لا حَدَّثْتُكَ ! فقالَ : إنَّما هَو دِرْهمٌ ، وأنحدِرُ إلى البصرةِ ، وأسمع مِنَ التَّبُوذَكيِّ . فقالَ : شَأْنَكَ ! فانحدرَ إلى البصرةِ ، وجاءَ إلى موسى بنِ إسماعيلَ . فقالَ له موسى : لَمْ تسمعْ هذِهِ الكتبَ عن أَحَد ؟ قالَ : سمعتُها على الوَجْهِ منْ سبعةَ عَشَرَ نَفْسًا، وأنتَ الثَّامن عَشَر . فقالَ : وماذَا تصنعُ بهذا ؟! فقالَ : إنَّ حمادَ بنَ سلمةَ كانَ يُخْطِئِ ، فأردتُ أن أميِّز خطأهُ من خطٍ (١) ((المجروحين)) لابن حبان (٣٢/١). ١٦ المُقَدِّمَةُ غيره : فإذا رأيتُ أصحابَهُ قد اجتمعُوا على شيءٍ ؛ علمتُ أنَّ الخطأ منْ حماد نفسه . وإذَا اجتمعُوا على شيءٍ عنه ، وقالَ واحدٌ منهم بِخِلافِهِم ؛ علمتُ أنَّ الخطأ منهُ لا منْ حمادٍ؛ فأميِّزُ بَيْنَ مَا أخطأً هو بنفسِهِ، وَبَيْنَ مَا أُخْطئَ عليهِ . ولأجلِ هَذا ؛ لم يكونُوا يتعجَّلُون الحكمَ على الحديث ، ولا يتسرَّعُونَ في إطلاقِ الأحكامِ على الأسَانيدِ والرِّواياتِ ، ولا يَغْتُرُونَ بظواهرٍ الأسانيد ، بلْ كانوا أحيانًا يمضونَ الأيامَ الكثيرَة والأزمنةَ البعيدةَ من أجلٍ معرفة ما إذَا كانَ الحديثُ محفوظًا ، أم اعتراهُ شيءٌ من الخطإِ والوَهْمِ . يقولَ الإمامُ الخطيبُ البغداديُّ (١): (مِنَ الأحاديثِ؛ ما تَخْفِى عَلَّتُهُ، فَلا يُوقَفُ عَلَيْها إلا بعدَ النَّظر الشديدِ ، ومُضِيِّ الزَّمنِ الْبَعِيدِ) . ثم أسندَ عن الإمامِ عليٍّ بنِ المدينيِّ، أنَّه قالَ : ((رُبَّما أدركتُ علَّةَ حديث بَعْدَ أربعينَ سنةً)) ! ولهذا ؛ ما كَانُوا يُسَارعونَ إلى ردِّ نَقْدِ النُّقَّادِ ، لمجرَّدٍ عَدَمِ عِلْمِهِمْ بأدلَّتِهِمْ ، إلا بَعْدَ البَحْثِ الشَّديد، واستِفْرَاغِ الجَهْدِ في الوقُوفِ على ما عَلَيْهِ اعتمدُوا فِي نَقْدِهِمْ، فَإِذَا سَمِعُوا مِنْهُمْ حُكْمًا مُجْمِلاً، عَارِيًا عن (١) ((في الجامع)) (٢٥٧/٢) . ١٧ المُقَدِّمَةُ الدَّليلِ، بحثُوا عن دَلِيلِهِ؛ لعلمِهِمْ ، أنَّ مثْلَ هؤلاءِ النقَّادِ لا يتكلَّمونَ بالمجازَفَةِ أو الحَدَسِ . روى ابنُ أبي حاتم (١) ، عن ابنِ أبي الثَّلْجِ، قالَ : كَّ نَذْكُرُ هَذا الحديثَ - يعني : حديثَ موسى بنِ أَعْيَن ، عن عُبيدِ اللهِ ، عن نافعٍ ، عن ابن عمرَ - مرفوعًا - : ((إنَّ الرَّجُلَ ليكُونُ مِنْ أَهْلِ الصَّوم ، والصَّلاة والزّكاة والحجِّ)، حتى ذَكَرَ سِهَامَ الخَيْرِ، ((فَمَا يُجْزِى يومَ القَيَامَة إلا بِقَدْر عَقْله)) -، ليحيى بن معينٍ، سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلاثَةً، فَيَقُولُ: هُوَ بَاطِلٌ؛ ولا يَدْفَعُهُ بِشيءٍ ، حَتَّى قَدِمَ عَلَيْنَا زكريّا بنُ عديٍّ ، فحدَّثَنا بهذا الحديثِ ، عن عبيدِ اللهِ بن عمرو ، عن إسحاقَ بنِ أبي فروةً؛ فأتيْنَاهُ (٢) ، فأخبرناهُ ، فقالَ : هَذا بابنِ أبي فروةَ أَشْبَهُ مِنْهُ بعبيدِ اللهِ بن عمرٍو)) . ولم يكونُوا يكتفونَ بالسماعِ المجرَّدِ ، وإنَّما تعدَّوا ذلكَ ، فاعتنَوْا بجمعِ الأصولِ ، والوقوفِ على الكتبِ الحديثِيَّةِ ، فإنَّ الحفظَ يخونُ ، بخلافِ الكتاب ، فإنَّه أصونُ وأبعدُ عن الخطإ والوَهْمِ . ولهذا ؛ كانُوا يرجعونَ إلى الأصولِ والكتبِ إذَا استنكرُوا ما يحدِّثُ به الرَّاوي من حفظه، فإنْ وجدُوا له أَصْلاً في كتبه عرفُوا أَنَّه صوابٌ ، وإلا فَلَا . (١) ((العلل)) (١٨٧٩). (٢) يعني : ابن معين . ١٨ المُقَدِّمَةُ وكانُوا - أيضًا - إذَا اختلفُوا فِيمَا بينهمْ في حديثٍ أو أحاديثَ ، رجعوا إلى الكتبِ ، فتحاكموا إلى ما فيها . قالَ عبدُ الله بنُ المباركِ (١) : ((إذا اختلفَ الناسُ في حديث شعبةَ، فكتابُ غندرِ حكمٌ بينهم)). ورأى أحمدُ بنُ حنبلٍ (٢) يحيى بنَ معينٍ في زاويةٍ بصنعاءَ ، وهو يكتبُ صحيفة : ((معمر، عن أبانَ، عن أنسٍ))، فإذَا اطَّلِعَ عليهِ إنسانٌ كتمَهُ . فقالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ لهُ : تكتبُ صحيفةَ : ((معمرٍ ، عن أبانَ ، عن أنسٍ)) ؛ وتعلمُ أنَّها موضوعةٌ ؟! فَلَوْ قالَ لكَ قائلٌ : أنتَ تَتَكلَّمُ في «أبانَ»، ثُمَّ تكتبُ حديثَهُ على الوَجْه ؟! قالَ : رحمكَ اللهُ؛ يا أبا عبدِ اللهِ! أكتبُ هذه الصحيفةَ ((عن عبدِ الرَّاقِ، عن معمرٍ ، عن أبانَ، عن أنسٍ))، وأحفظُهَا كلَّها ، وأعلمُ أنَّها موضوعةٌ؛ حتَّى لا يجيء إنسانٌ، فيجعلُ بدلَ: ((أبانَ): ((ثابتًا)» ، ويرويها : ((عن معمرٍ ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ))؛ فأقولُ له: كذبتَ ؛ إنَّما هي : ((أبانُ»، لا ((ثابتٌ)). وقالَ الحسينُ بنُ الحسنِ المروزيُّ (٣): سمعتُ عبد الرحمن بنَ (١) ((تهذيب الكمال)) (٨/٢٥). (٢) ((المجروحين)) (٣١/١-٣٢). (٣) ((الجامع)) للخطيب (٣٩/٢)، و(شرح علل الحديث)) (٥٣٥/١). ١٩ المُقَدِّمَةُ مهديٌّ يقولُ : كنتُ عندَ أبي عَوَانَةَ ، فحدَّثَ بحديث عن الأعمشِ ، فقلتُ : ليسَ هَذا من حديثكَ . قالَ : بلى ! قلتُ : لا ! قالَ : يا سلامةُ! هَاتِ الدَّرْجَ فَأَخْرجتُ ، فنظرَ فيه ، فإذا ليسَ الحدیثُ فیهِ . فقالَ : صدقتَ ! يا أبا سعيد ؛ فَمِنْ أينَ أُتَيتُ ؟ قلتُ : ذُوكِرْتَ بِهِ وأنتَ شابٌ ، فظننتَ أنَّكَ سمعتَهُ !! وقالَ يحيى بنُ معينٍ (١) : حضرتُ نعيمَ بنَ حماد - بمصرَ - ، فجعلَ يقرأُ كتابًا صنَّفَهُ . فقالَ : حدَّثنا ابنُ المبارك ، عن ابن عون ؛ وذكرَ أحاديثَ . فقلتُ : ليسَ ذا عن ابنِ المباركِ . فغضبَ ؛ وقالَ : تَرُدُّ عليَّ ؟! قلتُ : إِي ! واللهِ ؛ أريدُ زَيْنَك . فأبى أن يَرْجِعَ . (١) ((سير أعلام النبلاء)) (٨٩/١١-٩٠) و((الكفاية)) (ص٢٣١). ٢٠ المُقَدِّمَةُ فلمَّا رأيتُهُ لا يرجعُ ، قلتُ : لا ! والله ؛ ما سمعتَ هَذه من ابنِ المبارك ، ولا سَمِعها هو من ابنِ عونٍ قطَّ !! فغضبَ ، وغضبَ من كانَ عندَهُ ، وقامَ فدخلَ ؛ فأخرجَ صحائفَ ، فجعلَ يقولُ - وهي بيده - : أينَ الذينَ يزعمونَ أنَّ يحيى بنَ معينٍ ليسَ بأميرِ المؤمنينَ في الحديثِ ؟! نَعَمْ! يا أبا زكريا ؛ غَلَطْتُ، وإنَّما روى هذه الأحاديثَ غيرُ ابنِ المباركِ ، عن ابنِ عونٍ !! وهَذا ؛ حديثٌ من تلكَ التي أنكرها ابنُ معينٍ على نعيمِ بنِ حمادٍ ، بهذا الإسناد : قالَ هاشمُ بن مرثدِ الطبرانيّ (١) : قيلَ ليحيى بنِ معينٍ - وأنَا أَسْمَعُ - : حديثٌ ؛ رواهُ : نعيمُ بنُ حمادٍ، عن ابنِ المباركِ ، عن ابن عونٍ ، عن محمدِ بنِ سيرينَ ، عن ابنِ عمرَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا اغْتَلَمَتْ (٢) آنِيَتُكُمْ، فَأَكْسِرُوهَا بالماء)» ؟ فقالَ يحيى بنُ معينٍ : قالَ لي نعيمٌ : سمعتُهُ (٣) منِ ابنِ المباركِ ؛ فقلتُ : كَذِبٌ (٤) . فقالَ لي : اتَّقِ اللهَ ! (١) ((تاريخه)) (ص١٨ - ٢٠). (٢) أي: إذا جاوزت حدَّها الذي لا يسكر، إلى حدِّها الذي يسكر . نهاية. (٣) في ((المطبوع)): ((سمعت))! (٤) أي : خطأ .