Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ الفصل الثالث : التدليس عمرو بن مرة (١)، وجاء تصريح الثوري بسماعه من عمرو في غير "صحيح مسلم" من غير طريق(٢). وقال الأثرم : "سمعت أبا عبد الله ذكر حديث هشيم، عن ابن شبرمة، عن الشعبي في (الذي يصوم في كفارة ثم يوسر)، فقال: لا أراه سمعه من ابن شبرمة، قيل لأبي عبدالله عن أبي جعفر محمد بن عيسى : إنه يقول فيه: قال: أخبرنا ابن شبرمة، فكأنه تعجب، ثم قال: هذا قال لي إنسان : إنه لم يسمعه، وإنه عن رجل، عن ابن شبرمة، قلت لأبي عبد الله: إنهم يغلطون عليه، ويقولون في كثير من حديثه، وقلت له : ألا إن أبا جعفر عالم بهذا، فقال: نعم، أبو جعفر کیِّس فهم "(٢). ومراد الأثرم - فيما يظهر - أن هشيماً لما كان مشهوراً بالتدليس مكثراً منه صاروا يتهمونه به في أحاديث قد سمعها، يغلطون عليه ، ثم عقبه بأن أبا جعفر محمد بن عيسى - وهو المعروف بابن الطباع - عالم بما سمعه هشيم وما دلسه. (١) " صحيح مسلم" حديث (٦٧٨). (٢) " سنن النسائي" حديث (١٠٧٥)، و"سنن النسائي الكبرى" حديث (٦٦٣)، و"مسند أحمد" ٤: ٢٩٩. (٣) " تاريخ بغداد "٢: ٣٩٥، و"تهذيب الكمال" ٢٦١:٢٦. ٢٦٣ الفصل الثالث: التدليس المبحث الرابع التدليس والتصريح بالتحديث إذا روی المدلس حديثاً بصيغة صريحة في السماع والاتصال ، مثل : حدثنا فلان ، وأخبرنا فلان ، وسمعت فلاناً يقول ، ونحو ذلك ، فالقاعدة العامة فيها أن المدلس يلتحق بغيره ممن لم یوصف بالتدليس ، إذ خرج بها عن كونه مدلساً ، ولا یعرف عن أحد من المحدثين بعينه أنه ذهب إلى رد رواية المدلس بسبب تدليسه وإن صرح بالتحديث ، وإنما يذكر ذلك عن بعض الأصوليين ، وخص بعضهم الرد بمن يسقط الضعفاء والمجهولين ، فإن روايته مردودة وإن صرح بالتحدیث . ورد رواية المدلس حينئذٍ لا يدخل في باب الاتصال والانقطاع، وإنما هو من باب جرح الراوي والقدح في عدالته لارتكابه هذا الفعل ، لما فيه من الغش والخداع. والذي عليه أئمة الحديث أن التدليس ضرب من الإيهام وليس بكذب يجرح به الراوي في عدالته ، وقد فعله أئمة كبار، فإذا صرح بالتحديث قبلت روايته ، بل حكى ابن القطان الإجماع على قبول ما صرح فيه المدلس بالتحديث إذا كان ثقة(١). (١) "الجليس الصالح" ٢: ٤٢٨، و"الكفاية" ص ٦٣١، و"الإحكام" لابن حزم ١: ١٥٨، و"بيان الوهم والإيهام"٢: ٤٣٥، و"سير أعلام النبلاء" ٧: ٤٦٠، و"ميزان الاعتدال" ٢٢٤:٢، و"النكت على كتاب ابن الصلاح" ٢: ٦٣٢، و"فتح الباري" ٤٩٨:١، و"فتح المغيث" ١: ٢١٤،٢١٦. (٢٦٤ الاتصال والانقطاع ولا شك أن العبرة بما سار عليه أئمة الحديث دون غيرهم، وما على الباحث إذا حقق ما ذهبوا إليه سوى شرحه وتفصيله ، والتنبيه على بعض جزئياته التي تحتاج إلى ذلك ، وفي مسألتنا هذه ثلاثة أمور تحتاج إلى تنبيه : الأمر الأول : كون التدليس غير مؤثر في عدالة الراوي وفي قبول روايته إذا صرح بالتحديث ليس معناه أنه لا تأثير للتدليس مطلقاً على روايات الراوي بصفة عامة ، فالتدليس له تأثير وأي تأثير ، وتختلف درجته بحسب إكثار الراوي من التدليس وإقلاله منه ، وبحسب نوع التدليس الذي يرتكبه ، والرواة الذين يسقطهم ، وأهم ذلك حفظ الراوي وضبطه . فلا تأثير للتدليس يذكر على من فعله من الأئمة الحفاظ الأثبات، کالأعمش ، وهشیم ، وابن جريج إذا صرحوا بالتحديث . وفي مقابلهم جماعة من الرواة في حفظهم شيء في الأصل ، ثم ارتكبوا التدليس بكثرة ، وقد يصاحب ذلك الإكثار من التدليس عن الضعفاء والمجاهيل ، فعاد هذا على جملة رواياتهم بالضعف ، وإن صرحوا بالتحديث ، إذ يخشى أن يكون ما يصرح به بالتحديث - بسبب ضعف حفظه - مما لم يسمعه أصلاً، فاشتبه عليه ، أو لُقِّن إياه . ويمثل لذلك بيحيى بن أبي حية أبي جناب الكلبي ، قال فيه يزيد بن هارون : "كان صدوقاً، ولكن كان يدلس" (١)، وقال أيضاً : "كان أبو جناب (١) "تهذيب التهذيب" ٢٠٢:١١ . الفصل الثالث : التدليس ٢٦٥) = يحدثنا عن عطاء ، والضحاك ، وابن بريدة ، فإذا وقفناه نقول: سمعت من فلان هذا الحديث؟ فيقول : لم أسمعه منه ، إنما أخذت من أصحابنا" (١). وقال أبونعيم : "أبوجناب ثقة، كان يدلس"(٢)، وقال أيضاً: "ما كان به بأس ، إلا أنه کان یدلس"(٣). وقال ابن نمیر : "صدوق ، کان صاحب تدلیس أفسد حديثه بالتدليس ، كان يحدث بما لم يسمع" (٤). وقال ابن حبان : "كان ممن يدلس على الثقات ما سمع من الضعفاء ، فالتزقت به المناكير التي يرويها عن المشاهير ، فوهاه يحيى بن سعيد القطان، وحمل عليه أحمد بن حنبل حملاً شديداً" (٥). وكذا وصفه بالصدق جماعة غير هؤلاء ورموه بالتدليس ، وأطلق وصف الضعف عليه جماعة آخرون . فهذا قد أثّر تدليسه على باقي أحاديثه ، فلا يقول قائل : قد وصفه الأئمة بالصدق ، فإذا صرح بالتحديث زالت شبهة التدليس فقبل حديثه، كما وقع ذلك من بعض الباحثين ، فقد ذكر إسناداً فيه يحيى بن أبي حية ، ثم نقل عن ابن (١) "الجرح والتعديل" ٩: ١٣٩. (٢) "العلل ومعرفة الرجال" ٣: ١١٤. (٣) "الجرح والتعديل" ٩: ١٣٩. (٤) "الجرح والتعديل" ٩: ١٣٩. (٥) "المجروحين"٣: ١١١ . ١٠٠ ٢٦٦ الاتصال والانقطاع حجر قوله فيه : "ضعفوه لكثرة تدليسه" (١)، وعقبه بقوله: "وقد صرح هنا بالتحديث فانتفت شبهة تدليسه" ، إذ يقال له : تدليس ابن أبي حية لكثرته وصفته عاد على باقي رواياته بالضعف ، إذ هو - بغض النظر عن تدليسه - وسط، لم يقو على دفع تأثير التدليس عليه ، ولذا قال فيه ابن حجر كلمته السابقة. ومن هذا الباب ترك عبدالرحمن بن مهدي الرواية عن المبارك بن فضالة، فحال مبارك في نفسه لا توجب ترك الرواية عنه، فهو لا بأس به، وقد بین أحمد سبب ترك عبدالرحمن له، وأنه بسبب كثرة التدليس، قال أحمد: "تركه عبدالرحمن، لأنه كان يروي أقاويل للحسن يأخذها من الناس، قال الحسن، وقال الحسن، فتركه لهذا"(٢). والمتأمل في حال بقية بن الوليد يرى تأثير التدليس على باقي رواياته ، فقد أکثر منه جداً ، وارتکب ضروباً من التدلیس ، ولهذا فهو مع صدقه وحفظه لیس له في "الصحيحين" سوى حديث واحد عند مسلم في المتابعات ، فقد أخرجه من طرق كثيرة (٣). والعجيب أن هذا الحديث عند مسلم يحتمل أن يكون بقية دلس فيه مع تصريحه بالتحديث ، فقد قال : حدثنا الزبيدي ، عن نافع ، وظاهره أنه يعني محمد بن الوليد الزبيدي الثقة الحافظ ، لكن كان بقية يروي عن سعيد بن (١) "التقريب" ص٥٨٩ . (٢) "الضعفاء الكبير" ٤: ٢٢٥. (٣) "صحيح مسلم" حديث (١٤٢٩). ٢٦٧ الفصل الثالث : التدليس عبدالجبار الزبيدي ، وهو ضعيف ، ويروي عن زرعة الزبيدي ، وهو مجهول ، ويقول فيها: حدثنا الزبيدي ، يوهم أنه محمد بن الوليد (١)، وهذا من تدليس الشيوخ . الأمر الثاني : حين يقال بأن المدلس إذا صرح بالتحديث فروايته مقبولة - مراد به أن يصح تصريحه بالتحديث، فلا يكون هناك خطأ أو لبس في هذا التصريح، وأن يكتفى به من المدلس، فكثير من الباحثين يسعى دائباً في البحث عن رواية يصرح فيها المدلس بالتحديث ، وبمجرد وقوفه عليها يحكم بالاتصال دون دراسة لهذه الرواية ، مع أن بعض ما يرد من تصريح بالتحديث من قبل المدلسين بعد دراسته وتمحيصه لا يثبت عنه ، أو يثبت عنه ولكن لا يصح أيضاً، أو يصح ولكن لا يكتفى به ، وجملة ذلك ترجع إلى أربعة أسباب : الأول: تعمد بعض المدلسين إخفاء تدليسهم ، فيسلكون طرقاً من أجل ذلك، وقد يصرحون بالتحديث مع أنهم قد دلسوا ، إذ لم يسمعوا ذلك ممن رووا عنه ، يفعلون ذلك في مواجهة حرص الرواة على أن يكتشفوا تدليس المدلسين، فيميزوا بين ما سمعه المدلس من شيخه، مما لم يسمعه منه ، وجرت بين الفريقين مناورات طريفة. ومن هذا الباب ما سماه ابن حجر (تدليس القطع)(٢)، وهو أن يقول - (١) "المجروحين" ٩١:١، و"شرح علل الترمذي" ٢: ٨٢٤، وانظر في أثر التدليس على بقية بن الوليد : "جامع التحصيل" ص١١٤ . (٢) "النكت على كتاب ابن الصلاح" ٢: ٦١٧، و"تعريف أهل التقديس" ص١٣١، و"فتح المغيث"١: ٢١٣. (٢٦٨ الاتصال والانقطاع المدلس : حدثنا، ثم يسكت قليلاً ينوي القطع ، ثم يقول : فلان ، عن فلان، وهو لم یسمعه منه. قال ابن سعد في عمر بن علي المقدمي : "کان یدلس تدليساً شديداً ، وكان يقول : سمعت ، وحدثنا ، ثم يسكت ، ثم يقول : هشام بن عروة ، الأعمش"(١). وقال أبوداود : "بلغني عن أحمد قال : ما أعياني أحد في التدليس ما أعياني عمر بن علي المقدمي ، يقول لي : اكتب : حدثنا"(٢)، ولهذا - والله أعلم - لم يكتب أحمد عنه شيئاً (٣). وربما سمى المدلس بينه وبين نفسه من حدثه، كما حكى أبو الأحوص البغوي محمد بن حیان وذكر هشيماً وتدليسه فقال : "جلست إلى جانبه وهو يحدث ، فجعل يقول : أخبرنا ۔یرفع صوته-، ثم یسکت فيقول فيما بينه وبين نفسه : فلان ، ثم يرفع صوته : داود، عن الشعبي ، عن فلان ، عن فلان" (٤). ومنه ما سماه ابن حجر أيضاً (تدليس العطف)(٥)، وصفته أن يصرح المدلس بالتحديث عن شیخ له قد سمع منه الحدیث ، ثم يعطف علیه شيخاً آخر (١) "طبقات ابن سعد" ٧: ٢٩١. (٢) "سؤالات الآجري" ٢٩:٢. (٣) "العلل ومعرفة الرجال"٣: ١٤ . (٤) "الكفاية" ص١٦٥ . (٥) "النكت على كتاب ابن الصلاح" ٦١٧:٢، و"تعريف أهل التقديس" ص٢٥، و"فتح المغيث" ١ : ٢١٣. ٢٦٩ له لم یسمعه منه . ومن أمثلته قصة هشيم المشهورة مع أصحابه ، "فقد اجتمعوا يوماً على أن لا يأخذوا منه التدليس ، ففطن لذلك ، فكان يقول في كل حديث يذكره : حدثنا حصين ، ومغيرة ، عن إبراهيم ، فلما فرغ قال لهم: هل دلَّست لكم اليوم ؟ فقالوا: لا ، فقال : لم أسمع من مغيرة حرفاً مما ذكرته ، إنما قلت : حدثنا حصين ، ومغيرة غير مسموع لي"(١). وكذلك ما حكى أحمد قال : حدثنا هشيم ، قال : أخبرنا الكلبي ، عن أبي صالح، عن ابن عباس : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل يوم خيبر للفرس سهمين ، وللرجل سهماً ... "، حدثنا هشيم قال: وعبيدالله بن عمر، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك ، قال أحمد: "لم يسمعه هشیم من عبيدالله" (٢). وروی سعید بن منصور، قال: "جاء عبدالرحمن بن مهدي إلی هشیم، فسأله عن أحاديث، وجعل يتحفظ ألا يدلس، ويسمع ويتحفظ ولا يكتب، ثم تنحى وجعل يكتب ما سأله باختيار، وكان فيما سأله: منصور بن زاذان، عن الحسن - شيء في القوارير - قال: فكتب باختيار، فقلت له: يا أبا سعيد، هذا لم يسمعه من منصور، دَلَّس عليك ... " (٣) . (١) "معرفة علوم الحديث" ص ١٠٥ . (٢) "العلل ومعرفة الرجال" ٢: ٢٦١ -٢٦٢، وانظر: "مسائل أبي داود" ص ٤٢٥، و"مسند أحمد" ٢: ٢. (٣) "المعرفة والتاريخ" ٦٦٦:٢ ، وفي النسخة تحريف. ٢٧٠ الاتصال والانقطاع ومن أدق التدليس وأخفاه تدليس جملة أو كلمة في أثناء الإسناد أو المتن، كما قال أحمد في هشیم: "كان يدلس تدليساً وحشاً، وربما جاء بالحرف الذي لم یسمعه، فیذکره، في حديث آخر، إذا انقطع الكلام يوصله"(١) . فربما وقف الباحث على تصريح للمدلس بالتحديث في أصل الحديث، ولم يتنبه لموضع التدليس ، وقد تقدم في المبحث الثالث أمثلة على التدليس الجزئي. ولا شك أن تمييز ما تقدم يعسر على الباحث ، لكن يمكنه أن يستفيد منه حين يعارضه نفي السماع، أو حين تدل القرائن على عدم السماع . وقد يكون في الرواية ما يثير ريبة الناظر فيها، كما إذا وقف الباحث على رواية لمدلس صرح فيها بالتحديث في أول شيخ له ، ثم عطف عليه غيره ، فإن هذا يحدث ريبة في النفس أن یکون دلّس فیه ، إذا كان المدلس عرف عنه ارتكاب هذا النوع من التدلیس. مثال ذلك ما رواه أحمد قال : "حدثنا هشيم، قال: أخبرنا يونس، عن الحسن ، وإسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، والمغيرة، عن إبراهيم - أنهم قالوا في دية الخطأ: أخماساً، ما دون النفس " (٢). الثاني: أخطاء المدلسين أنفسهم ، فيخطئ المدلس ويصرح بالتحديث ، ظناً منه أنه مما سمعه ، ولا یکون الواقع كذلك . مثال ذلك ما روى أبو بكر بن خلاد، قال: "سمعت يحيى (يعني القطان) (١) "علل المروذي" ص٥١. (٢) "العلل ومعرفة الرجال" ٢٦٦:٢ . - ٢٧١ الفصل الثالث : التدليس يقول: حدثني ابن جريج، عن محمد بن عباد بن جعفر، قال: أتيت جابر بن عبدالله، فقلت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن صوم يوم الجمعة؟ قال: إي ورب الكعبة، قال يحيى: رفعه قال فيه: حدثنا - يعني محمد بن عباد - وهو في الكتب عن عبدالحميد بن جبير بن شيبة، وإن لم يحدثك ابن جریج من کتابه لم تنتفع به"(١) . ومراد القطان أن ابن جريج روى له الحديث من حفظه عن محمد بن عباد ابن جعفر، وصرح بالتحديث عنه، وهو مخطئ في ذلك، إذ الحديث في كتب ابن جريج يرويه بواسطة عبدالحميد بن جبير بن شيبة، عن محمد بن عباد بن جعفر، وقد رواه جماعة عن ابن جريج كذلك، ورواه آخرون بإسقاط عبدالحميد، لكن دون تصريح ابن جريج بالتحديث عن محمد(٢). وقال أحمد: "كان هشيم يوماً يقول: حدثنا، وأخبرنا، ثم ذكر أنه لم يسمع فقال: يا صَبَّاح قل لهم: يوسعون الطريق حتى يمر الصبي والمرأة، ثم قال : فلان عن يونس، وفلان عن مغيرة" (٣). وقال ابن معین : "سمعت مشیماً يحدث يوماً فقال : حدثنا علي بن زيد ، ثم ذكر أنه لم يسمعه من علي بن زيد ، فتنحنح ، ثم قال : سووا الطريق ، ثم قال : (١) "العلل ومعرفة الرجال"٢٣٩:٣. (٢) "صحيح البخاري" حديث (١٩٨٤)، و"صحيح مسلم" حديث (١١٤٣)، و"سنن النسائي الکبری" حدیث (٢٧٤٦ -٢٧٤٩). (٣) "العلل ومعرفة الرجال" ٢: ٢٥٠. ٢٧٢ الاتصال والانقطاع قال علي بن زید"(١). وانصراف هشيم إلى تسوية الطريق من أجل تصحيح ما وقع فيه من خطأ دون أن يتنبه الحاضرون خطئه . وقال علي بن المديني : "سمعت يحيى يقول في حديث ابن جريج: عن ابن عباس في رجل آجر نفسه في الحج - قال : أملى علي ( يعني ابن جريج) من حفظه: حدثنا عطاء، عن ابن عباس ، وكان في كتابه : حدثت عن سعيد بن جبير، وقال عطاء ، عن ابن عباس ، قلت ليحيى : تراه حديث مسلم البطين ؟ قال : نعم، وليس من صحيح حديثه ( يعني ابن جريج) عن عطاء" (٢). ولا شك أن معرفة هذا بالنسبة للباحث أمر عسير أيضاً، ويمكن أن يقال فيه ما تقدم في السبب الأول ، في كيفية استفادة الباحث منه . الثالث : يرتكب بعض المدلسين نوعاً من التدليس لا يسقط فيه شيخه الذي حدثه ، ويرويه عنه بصيغة صريحة في السماع ، لكنه يسقط راوياً من وسط الإسناد، ويجعل الرواية بين من دون المسقط ومن فوقه بصيغة (عن)، وقد يكون المسقط ثقة ، فالغرض من إسقاطه طلب علو الإسناد ، وقد يكون ضعيفاً - وهذا هو الغالب - فالغرض منه تقوية الإسناد (٣). وقد كان الأئمة يسمونه تسوية ، فيقولون : فلان یسوي الأسانید ، کما قال (١) "تاريخ الدوري عن ابن معين" ٢: ٦٢١. (٢) "الجرح والتعديل" ٢٣٨:١. (٣) "الكفاية" ص٣٦٤، و"بيان الوهم والإيهام" ٥: ٤٩٩، و"النكت على كتاب ابن الصلاح" ٢: ٦٢١. ٢٧٣ الفصل الثالث : التدليس أبوزرعة الدمشقي : "كان صفوان بن صالح، ومحمد بن مصفى يسويان الحدیث"(١). وقال ابن حبان في إبراهيم بن عبدالله المصيصي : "كان يسوي الحديث"(٢). كما يدخل هذا الصنيع في مصطلح آخر وهو ( التجويد )، فيقولون : جوده فلان ، أي جعل الإسناد جيداً ، لكن التجويد أعم منه، فلا يشترط قصد التدليس والتغطية ، إذ قد يكون ذلك وقع غلطاً ، بل قد يكون الصواب مع المجوِّد، ثم إن التجويد قد يكون بزيادة راوٍ وليس بحذفه، فالتجويد إذاً جعل صورة الإسناد جيدة ، في مقابل رواية أخرى فيها علة ، بغض النظر عن الصواب منهما ، وعن النية والقصد ، وعن الحذف والزيادة ، وليس هذا موضع شرح هذا المصطلح . وقد ارتكب تدليس التسوية بعض المدلسين من الأئمة ، كالأعمش ، والثوري، وابن جريج، وهشيم (٣)، لكنهم لم يشتهروا به، ولعل ذلك لندرة ارتكابهم له . واشتهر هذا النوع من التدليس عن بعض مدلسي أهل الشام، كالوليد بن مسلم، وبقية بن الوليد ، ومحمد بن المصفى ، وصفوان بن صالح، وإبراهيم (١) "المجروحين" ٩٤:١ . (٢) "المجروحين" ١١٦:١. (٣) "العلل ومعرفة الرجال ٣٧٦:١، ٢٤٧:٢ فقرة (٢١٣٨)، و"الكامل" ١٦١:١، و"معرفة علوم الحديث" ص١١٧، و"الكفاية" ص، ٣٦٤، ٣٦٥، و"النكت على كتاب ابن الصلاح ٢ : ٦٢١. ٢٧٤ الاتصال والانقطاع المصيصي ، ونسب ابن حبان هذا الفعل إلى أصحاب بقية ، وأنهم يفعلون هذا أيضاً بأحاديثه(١). قال الهيثم بن خارجة : "قلت للوليد: قد أفسدت حديث الأوزاعي، قال: وكيف ؟ قلت : تروي عن الأوزاعي ، عن نافع، وعن الأوزاعي، عن الزهري ، وعن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، وغيرك يدخل بين الأوزاعي وبين نافع : عبدالله بن عامر الأسلمي ، وبينه وبين الزهري قرة وغيره، فما يحملك على هذا؟ قال : أنبل الأوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء الضعفاء، قلت: فإذا روى الأوزاعي عن الثقات ضعف الأوزاعي، قال : فلم يلتفت إلى قولي" (٢). وقال أبوداود : "الوليد أفسد حديث الأوزاعي، أحاديث عند الأوزاعي عن رجل عن الزهري ، وعن رجل عن عطاء، وعن رجل عن نافع ، جعلها : الأوزاعي عن الزهري ، وعن عطاء، وعن نافع، ولا نعلم أن الأوزاعي حَدَّث عن نافع إلا بمسألة"(٢). وقال أبوداود أيضاً : "أدخل الأوزاعي بينه وبين الزهري ، ونافع، وبين عطاء نحواً من ستين رجلاً ، أسقطها الوليد كلها" (4). (١) "المجروحين" ١: ٩٤، ٢٠١. (٢) "تهذيب التهذيب" ١١: ١٥٤ . (٣) "سؤالات الآجري لأبي داود" ١٨٦:٢. (٤) "سؤالات الآجري لأبي داود" ٢: ١٨٦، وانظر: "الضعفاء والمتروكون" للدار قطني ص٤١٥. ٢٧٥ الفصل الثالث : التدليس ومن الأحاديث التي صنع بها الوليد مثل ما تقدم فانشغل النقاد بسببه - حديث المغيرة بن شعبة في مسح أعلى الخف وأسفله ، قال الوليد : أخبرني ثور ابن يزيد ، عن رجاء بن حيوة ، عن كاتب المغيرة بن شعبة ، عن المغيرة : " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح أعلى الخف وأسفله" (١). فهذا الحديث أطبق النقاد على أنه عن ثور بن يزيد ، قال : حدثت عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، هكذا رواه ابن المبارك عن ثور بن يزيد (٢)، فالوليد دلسه تدليس تسوية ، وأخطأ في ذكر المغيرة ، فالحديث مرسل . وقد دلس هذا الحديث أيضاً تدليس تسوية إبراهيم بن أبي يحيى ، فرواه عن ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، كرواية الوليد بن مسلم (٣)، لكن إبراهيم هذا متروك الحديث ، كذبه الأئمة (٤). ومن أمثلة تدلیس التسوية أيضاً حديث رواه بقية بن الوليد قال : حدثنا معاوية بن يحيى ، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال : قال رسول (١) "سنن أبي داود" حديث (١٦٥)، و"سنن الترمذي" حديث (٩٧)، و"سنن ابن ماجه" حديث (٥٥٠)، و"مسند أحمد" ٤: ٢٥١، و"المنتقى" حديث (٨٤)، و"المعجم الكبير" حديث (٩٣٩)، و"سنن الدارقطني" ١: ١٩٥، و"سنن البيهقي" ١: ٢٩٠، و"التمهيد" ١٤٧:١١. (٢) "سنن أبي داود" ١١٧:١، و"سنن الترمذي" ١٦٣:١، و"سنن الدار قطني" ١٩٥:١، و"المحلى" ٢: ١٥٥، و"التلخيص الحبير" ١٦٨:١. (٣) "مختصر المزني" ص١٠ . (٤) "تهذيب التهذيب" ١: ١٥٨، و"التقريب" ص٩٣ . ٢٧٦ الاتصال والانقطاع الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن المعونة لتأتي من الله على قدر المؤونة ... " (١)) فقد سأل ابن أبي حاتم أباه وأبازرعة عنه ، فقال أبوحاتم: "كنت معجباً بهذا الحديث حتى ظهرت لي عورته ، فإذا هو: معاوية، عن عباد بن كثير، عن أبي الزناد" ، وقال أبوزرعة : "الصحيح ما رواه الدراوردي، عن عباد بن كثير، عن أبي الزناد ، فبين معاوية بن يحيى وأبي الزناد : عباد بن كثير ، وعباد ليس بالقوي"(٢). وعباد بن كثير هذا هو البصري ، وهو متروك الحديث (٣). وحديث آخر رواه بقية أيضاً ، قال ابن أبي حاتم : "سمعت أبي وذكر الحديث الذي رواه إسحاق بن راهويه ، عن بقية ، قال : حدثني أبو وهب الأسدي، قال : حدثنا نافع ، عن ابن عمر قال : " لا تحمدوا إسلام المرء حتى تعرفوا عقدة رأیه ". قال أبي : هذا الحديث له علة قل من يفهمها ، روى هذا الحديث عبيدالله ابن عمرو ، عن إسحاق بن أبي فروة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعبيدالله بن عمرو كنيته أبووهب، وهو أسدي، فكأنَّ بقية ابن الولید کنی عبيدالله بن عمرو ، ونسبه إلى بني أسد، لكي لا يفطن به، حتى إذا ترك إسحاق بن أبي فروة من الوسط لا يهتدى له، قال : وكان بقية من أفعل (١) "الكامل" ٢: ٤٧٠، ٢٣٩٧:٦. (٢) "علل الحديث" ٢: ١٣٣، وانظر: " الكامل" ٤: ١٤٣٥، ٦: ٢٢٤٢، و"كشف الأستار" ٢: ١٩٥ حدیث (١٥٠٦). (٣) "تهذيب التهذيب" ٥: ١٠٠. ٢٧٧ الفصل الثالث : التدليس الناس لهذا ، وأما ما قال إسحاق في روايته عن بقية ، عن أبي وهب : حدثنا نافع - فهو وهم ، غير أن وجهه عندي أن إسحاق لعله حفظ عن بقية هذا الحديث ، ولما يفطن لما عمل بقية من تركه إسحاق من الوسط ، وتکنیته عبيدالله بن عمرو، فلم يتفقد لفظ بقية في قوله : حدثنا نافع ، أو عن نافع"(١). ويؤيد ما قاله هذا الإمام الجلیل أن بقية رواه لغير إسحاق بن راهويه غیر مُدَلَّس، فذكر إسناده تاماً(٢). وإسحاق بن أبي فروة الذي أسقطه بقية متروك الحديث ، كذبه بعض الأئمة(٣). وقد أسقطه راوٍ آخر في حديث ذكره ابن أبي حاتم أيضاً، وهو يدل على خطورة تدليس التسوية ، وأنه - كما قال الأئمة - شر أنواع التدليس ، ويبرز فضل أئمة النقد، وعلو مكانتهم، قال ابن أبي حاتم: " وسمعت أبي: سئل عن حديث رواه منصور بن [ سقير ]، عن موسى بن أعين، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ®: "إن الرجل ليكون من أهل الصوم والصلاة والزكاة والحج - حتى ذكر سهام الخير - فما يجزى يوم القيامة إلا بقدر عقله". قال أبي: سمعت ابن أبي الثلج يقول: ذكرت هذا الحدیث ليحيى بن معين، فقال: هذا حديث باطل، إنما رواه موسى بن أعين، عن صاحبه عبيد الله بن عمرو، عن إسحاق بن عبدالله بن أبي فروة، عن نافع، عن ابن عمر، عن (١) "علل الحديث" ٢: ١٥٤، وانظر ١ : ٣٩٣ حديث (١١٧٧). (٢) "الكفاية" ص٣٦٥ . (٣) "تهذيب التهذيب" ١: ٢٤٠ . ٢٧٨ ) = الاتصال والانقطاع النبي څے، فرفع إسحاق من الوسط، فقيل: موسی، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر. قال أبي: وكان موسى، وعبيد الله بن عمرو صاحبين يكتب بعضهما عن بعض، وهو حدیث باطل في الأصل. قيل لأبي: ما كان منصور هذا؟ قال: ليس بقويّ، کان جندياً وفي حديثه اضطراب. أخبرنا أبو محمد(١)، قال: حدثنا عبدالرحيم بن شعيب، قال: حدثنا ابن أبي الثلج، قال: كنا نذكر هذا الحديث ليحيى بن معين سنتين أو ثلاثاً، فيقول: هو باطل ولا يدفعه بشيء. حتى قدم علينا زكريا بن عديّ فحدثنا بهذا الحديث عن عبيد الله بن عمرو، عن إسحاق بن أبي فروة، فأتيناه فأخبرناه، فقال: هذا بابن أبي فروة أشبه منه بعبيد الله بن عمرو " (٢). إذا تبين هذا فالمدلس تدليس تسوية يحتاج إلى النظر في رواية من بعده، وهل فيها تصريح بالسماع أو لا ، ولا يكفي تصريحه هو بالتحديث ، فإذا صرح بالتحديث انتقل النظر إلى رواية من بعده . الرابع : أخطاء الرواة ، فكما يخطئ الراوي على شيخه أو شيخ شيخه في رفع حديث أو في وصله ، أو في تغيير متنه ، يخطئ عليه في التصريح بالتحديث (١) أبو محمد هو ابن أبي حاتم . (٢) "علل الحديث" ٢: ١٢٩، وانظر: "الضعفاء الكبير" ١٩٢:٤، و"المجروحين"٣: ٤٠، وانظر مثالاً آخر لتدليس التسوية في "علل ابن أبي حاتم" ١: ١٠٦، و"أسئلة البرذعي لأبي زرعة"٢: ٣٦٥. ٢٧٩ الفصل الثالث: التدليس من شيخه، وقد تقدم في الفصل الثاني أن الراوي قد يخطئ في التصريح بالتحديث من راوٍ لم يسمع أصلاً ممن روى عنه، فكذلك هنا ، فقد ذكر أبو حاتم أحاديث من رواية هشام بن خالد الأزرق ، عن بقية بن الوليد يصرح فيها بالتحديث عن ابن جريج ، وحكم أبوحاتم عليها بأنها موضوعة، ثم قال: "وكان بقية يدلس، فظن هؤلاء أنه يقول في كل حديث: حدثنا ، ولم يتفقدوا الخبر منه" (١). وقال ابن أبي حاتم : "سألت أبي عن حديث رواه بقية قال: حدثني ابن أبي رواد، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا تبدؤوا بالكلام قبل السلام ، فمن بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه "، قال أبي: هذا حدیث باطل ، لیس من حديث ابن أبي رواد"(٢). وسئل أبو زرعة عن هذا الحديث - والراوي عن بقية كما في السؤال أبو تقي الحمصي - فقال: "هذا حديث ليس له أصل، لم يسمع بقية هذا الحديث من عبدالعزيز (يعني ابن ابي رواد)، إنما هو عن أهل حمص، وأهل حمص لا يميزون هذا"(٣) . وكذا ذكر ابن عدي في ترجمة بقية جملة من الأحاديث المنكرة يصرح فيها بالتحديث ، وأشار إلى معنى ما ذكره أبو حاتم وأبو زرعة في نقدها (٤). وقال ابن رجب بعد أن تحدث عن وقوع الأخطاء من الرواة في صيغ (١) "علل الحديث" ١٢٦:٢، ٢٩٥. (٢) "علل الحديث" ٢: ٢٩٤ . (٣) "علل الحديث"٣٣١:٢. (٤) "الكامل" ٥٠٧:٢ . ٢٨٠ الاتصال والانقطاع التحديث ، وأنه ينبغي التفطن ، فلا يغتر بمجرد ذلك: "وذكر أحمد أن ابن مهدي حدث بحديث عن هشيم : أخبرنا منصور بن زاذان ، قال أحمد : ولم یسمعه هشیم من منصور"(١). وقد ذكر ابن معين أيضاً خطأ عبدالرحمن بن مهدي هذا(٢). ومن الطريف في هذا أن يبلغ المدلس الخطأ عليه في تصريحه بالتحديث ، فيصحح هذا الخطأ، ويبين أنه لم يروه بصيغة صريحة ، فمن ذلك قول أبي عبيدة عبدالواحد بن واصل الحداد : "كتبت لأبي حرة حديثه: سمعت الحسن ، أو حدثنا الحسن ، فقال: ما قلت هذا، أنا أقول هذا؟ !! ، قال: فما قال في شيء: سمعت الحسن ، إلا في ثلاثة أشياء" (٣). ويلتحق بأخطاء الرواة أخطاء النساخ بالنسبة للمخطوطات، وأخطاء الطباعة بالنسبة للمطبوعات ، وهذا كثير جداً، وقد شكا من ذلك الإمام الذهبي في عصره وما قبله ، فما الظن بالعصور اللاحقة ؟ قال: "فإذا قال الوليد أو بقية : عن الأوزاعي فواهٍ ، فإنهما يدلسان كثيراً عن الهلكى ، ولهذا يتقي أصحاب الصحاح حديث الوليد، فما جاء إسناده بصيغة : عن ابن جريج ، أو عن الأوزاعي - تجنبوه، وهذا في زماننا يعسر نقده على المحدث ، فإن أولئك الأئمة كالبخاري وأبي حاتم وأبي داود - عاينوا الأصول ، وعرفوا عللها ، وأما (١) "شرح علل الترمذي" ٢: ٥٩٤. (٢) " تاريخ الدوري عن ابن معين "٢: ٣٦٠. (٣) "العلل ومعرفة الرجال" ٢٦٦:١، وانظر أيضاً: ١: ٣١٠ فقرة (٥٣٠)، ٢: ٥٩٥ فقرة (٣٨٢٣)، ٣: ٢٤٢ فقرة (٥٠٦٣)، و"سؤالات أبي داود" ص٣٢٩ فقرة (٤٦٦).