Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١
الفصل الثاني، سماع الراوي ممن روى عنه
المديني في أول هذا المبحث .
وممن رجح مذهب جمهور الأئمة أيضاً من المتأخرين : ابن حجر ، لكنه في
مسألة رواية التابعي عن صحابي غير مسمى بالعنعنة اختار ترجيح الحكم
بالاتصال، كما تقدم ذكره آنفاً ، وقد علق على ذلك المعلمي بقوله : "والعجب
من الحافظ - رحمه الله - كيف مشى معهم في ترجيح رد عنعنة من علمت
معاصرته دون لقائه ، مع أنها قد تقوم القرائن على اللقاء ، وتوقف عن ردها -
بل احتج لقبولها - في حق من لم يعلم معاصرته أصلاً ، وكان العكس أقرب كما
هو واضح"(١).
وهذا التردد من بعض الأئمة يجعل الباحث ينسب القول إلى الإمام مع
خوفه من أن یکون مال إلى القول الآخر أو طبقه في مكان آخر ، وهذا وإن كان
غير مستنكر في مسائل كثيرة ، لكنه في هذه المسألة ظاهر جداً، لاسيما في وجود
فرق بين التنظير والتطبيق ، فقد قال ابن رجب عن قول مسلم : "وكثير من
العلماء المتأخرين على ما قاله مسلم - رحمه الله - من أن إمكان اللقي كافٍ في
الاتصال من الثقة غير المدلس ، وهو ظاهر كلام ابن حبان وغيره"(٢).
وما ذكره ابن رجب يحتمل أن يكون أخذه استقراء من صنیع ابن حبان في
"صحيحه" ، لكن لابن حبان كلام قوي جداً في اشتراط العلم بالسماع، كرره
في كتابه "الثقات"(٣).
(١) "عمارة القبور" ص٢٥١ .
(٢) "شرح علل الترمذي" ٢: ٥٨٨ .
(٣) "الثقات" ١: ١١، ٢:٦، ٩: ٢٠٩.
(١٦٢
=
الاتصال والانقطاع
وأوسع ما يكون التناقض في هذه المسألة - مع خفاء فيه - أن يلفق
الباحث بين القولين عند التطبيق ، وذلك بأن يبحث عن كلام الأئمة في سماع
راوٍ من آخر، فإذا وجد قولاً لإمام بنفي السماع أعمله ، وإن لم يجد لجأ إلى قول
مسلم فطبقه ، مع أن نفي الإمام للسماع قد يكون بناه على عدم وجود السماع ،
فهو متصل على رأي مسلم ، وتطبيقه لرأي مسلم فيما إذا لم يجد نفياً للسماع
يناقض أخذه بقول ذلك الإمام الذي نفى السماع لكونه لم يرد ، مع أنه ممكن .
ومع أن هذا الصنيع أسلم في النهاية ، إذ هو تطبيق للرأي الراجح - رأي
الجمهور - على عدد غير قليل من الروايات ، وفيه أيضاً احترام لأقوال أئمة
النقد ، وتسليم لهم ، وبعد عن معارضتهم - إلا أنه من الناحية العلمية البحتة
تناقض ، لا ينفك عنه الباحث إلا بطرد الرأي الذي يختاره ، فإن طبق مذهب
الجمهور ، وبحث عن كلامهم ، وسلم لهم إذا وجده ، فعليه أن يلتزمه فيما إذا لم
يجد لهم كلاماً، وذلك بحمل الرواية على عدم الاتصال حتى يثبت السماع ، وإن
اختار رأي مسلم ومن وافقه فعليه دراسة كل حالة على حدة ، بعيداً عن أقوال
الأئمة فيها ، فإن تبيّن له أنها متصلة على هذا الرأي فعليه التزام ذلك .
وقد فعل مسلم ذلك حين أخرج أسانيد لم يرد فيها السماع ، وقد نفاها إمام
أو أكثر ممن سبقه(١)، ويفعله أيضاً بعض من تابعه على رأيه ، كابن دقيق العيد
حين ذكر قول أحمد، وموسى بن هارون في عدم سماع عراك من عائشة، ثم قال:
"وقد ذكروا سماع عراك من أبي هريرة ولم ينكروه ، وأبو هريرة توفي هو وعائشة
(١) انظر: "موقف الإمامين" ص ٤٣٥ - ٤٦٠ .
=
١٦٣
الفصل الثاني : سماع الراوي ممن روى عنه
في سنة واحدة، فلا یبعد سماعه من عائشة مع کونهما في بلدة واحدة"(١).
وعلق على قول الدار قطني : "أبورافع لم يثبت سماعه من ابن مسعود"(٢)
بقوله : "لا ينبغي أن يفهم منه أنه لا يمكن إدراكه وسماعه منه ، فإن أبارافع
جاهلي إسلامي ... ، ومن كان بهذه المثابة فلا يمتنع سماعه من جميع الصحابة ،
اللهم إلا أن يكون الدار قطني يشترط في الاتصال ثبوت السماع ولو مرة ، وقد
أطنب مسلم في الكلام على هذا المذهب"(٢).
ومثله صنيع ابن التركماني في تعقباته على البيهقي ، فإنه يحتج على نفي
السماع أو عدم ثبوته بإمكان اللقاء، ويصرح بأنه مذهب مسلم(٤).
ولما ذكر الشيخ أحمد شاكر قول أبي زرعة : "عمرو بن شرحبيل أبو ميسرة،
عن عمر : مرسل"(٥) - تعقبه بقوله: "وقول أبي زرعة إن أباميسرة لم يسمع من
عمر لا أجد له وجهاً ، فإن أباميسرة لم يذكر بتدليس ، وهو تابعي قدیم مخضرم،
مات سنة ٦٣ هـ -"(٦).
وذكر أحمد شاكر أيضاً قول ابن المديني في عطاء بن فروخ: "لم يلق عثمان
"نصب الراية" للزيلعي ٢: ١٠٦ .
(١)
"سنن الدار قطني" ٧٧:١، و"العلل" ٣٤٦:٥.
( ٢)
(٣)
"نصب الراية" للزيلعي ٢: ١٤١ .
(٤) انظر: "الجوهر النقي" ٩:١، ١١٠، ٦: ٤٠، ١١٨:٧، ٤٣٨.
"المراسيل" ص١٤٣ .
( ٥)
(٦) "مسند أحمد" تحقيق أحمد شاكر ٣١٧:١.
١٦٤
الاتصال والانقطاع
- رضي الله عنه - "(١)، فتعقبه بقوله: "ولم أجد ما يؤيد هذا"(٢).
وخصص الباحث الأخ مبارك بن سيف الهاجري رسالتيه في الماجستير،
والدكتوراه، للثقات من التابعين الذين تكلم في سماعهم من الصحابة، ولهم
رواية في الكتب الستة، لكنه لطول الموضوع وقف عنه ، وقد مشى في الرسالتين
على مذهب مسلم في الجملة ، في عدم اشتراط العلم بالسماع، والتزمه.
وهكذا فإن من يرجح رأياً أو يقول بقول فعليه أن یکون مدركاً لما يترتب
عليه من تبعات ، وما ينبغي عليه أن يلتزمه من أجله .
ومن جهة ثانية فإن وقوف الباحث على ما يظنه تناقضاً ينبغي أن يتأمله
كثيراً قبل إطلاق هذا الحكم عليه ، فقد لا يكون كذلك بعد التأمل والنظر .
ومن أمثلة ذلك أنني كدت أرمي الإمام النووي بالتناقض في هذه المسألة،
تقليداً لأحد الباحثين ، فقد ذكر الباحث النووي فيمن اختار رأي ابن المديني
والبخاري وجمهور المتقدمين، ونقل عنه قوله في "شرح صحيح مسلم": "وهذا
الذي صار إليه مسلم قد أنكره المحققون ، وقالوا : هذا الذي صار إليه ضعيف،
والذي رده هو المختار الصحيح الذي عليه أئمة هذا الفن : علي بن المديني ،
والبخاري ، وغيرهما "(٣)، وأحال أيضاً إلى كتاب آخر للنووي وهو "التقريب"،
وذكر أن النووي عزاه للمحققين.
(١) "مسند أحمد" تحقيق أحمد شاكر ٣١٧:١.
(٢) "مسند أحمد" تحقيق أحمد شاكر ١: ٣٣٥.
(٣) "شرح صحيح مسلم" ١: ١٢٨.
=(
١٦٥
الفصل الثاني : سماع الراوي ممن روى عنه
وهذا كله لا إشكال فيه ، لكن الباحث عاد مرة أخرى في ذكره للعلماء
الذي تابعوا مسلماً على رأيه فنقل عن النووي قوله في "التقريب": "والصحيح
الذي عليه العمل وقاله الجماهير من أصحاب الحديث والفقه والأصول أنه
متصل، بشرط أن لا يكون المعنعن مدلساً ، وبشرط إمكان لقاء بعضهم بعضاً" .
ولا شك أن كلام النووي في هذا النص يوهم تناقضه مع ما قاله في "شرح
مسلم" ، ولکن بعد التأمل تبين لي أن رأيه في الکتابین واحد لا اختلاف فيه ،
وهو ترجيحه القول بعدم الاتصال ، وأما ما نقله الباحث من "التقريب" فهو
ناقص ، وغرض النووي منه الرد على من ذهب إلى عدم قبول العنعنة مطلقاً ،
واشترط التصريح بالتحديث دائماً ، فبين النووي أن جماهير العلماء على قبول
العنعنة ، وأنهم اتفقوا على اشتراط بعض الشروط ، وهما الشرطان اللذان في
النص السابق، ثم ذكر بعد ذلك من اكتفى بهما ، ومن زاد عليهما ، ونسب
اشتراط ثبوت اللقاء إلى البخاري ، وابن المديني، والمحققين .
وهذا نص النووي تاماً ليتضح منه عدم التناقض بین کلامیه : "الإسناد
المعنعن - وهو فلان عن فلان - قيل : إنه مرسل ، والصحيح الذي عليه العمل
وقاله الجماهير من أصحاب الحديث والفقه والأصول أنه متصل ، بشرط أن لا
يكون المعنعن مدلساً ، وبشرط إمكان لقاء بعضهم بعضاً، وفي اشتراط ثبوت
اللقاء ، وطول الصحبة ، ومعرفته بالرواية عنه - خلاف ، منهم من لم يشترط
شيئاً من ذلك ، وهو مذهب مسلم بن الحجاج، وادعى الإجماع فيه، ومنهم من
شرط اللقاء وحده، وهو قول البخاري، وابن المديني، والمحققين ... "(١).
(١) "التقريب" ٢١٤:١، وانظر أيضاً: "إرشاد طلاب الحقائق" ص٨٦ .
١٦٦
الاتصال والانقطاع
وذكر الباحث أيضاً عن ابن جماعة في "المنهل الروي"(١) ، والطيبي في
"الخلاصة"(٢) أنهما رجحا مذهب مسلم ، ونقل عنهما نحو عبارة النووي التي
نقلها من "التقريب" ، ويقال فيهما ما تقدم عن النووي ، بأن الأمر ليس كذلك،
وإنما غرضهما حكاية مذهب الجماهير في قبول الإسناد المعنعن بشروط ، رداً على
من عده مرسلاً بإطلاق ، وإن كان الثاني لم يذكر من زاد على الشرطين المجمع
علیھما.
ثم إنهم نصوا جميعاً على أنه قد أودعه البخاري ومسلم وغيرهما ممن ألف
في الصحیح کتبهم ، مع أن الذي يكتفي بإمکان اللقاء هو مسلم وحده ، وقد
نسبه إليه في نفس الموضع النووي وابن جماعة ، فدل هذا على أن حديثهم في الرد
على من حكم على كل معنعن بأنه غير متصل .
وأصل الكلام لابن الصلاح ، فالثلاثة اختصروا كتابه ، إلا أن عبارته كما
في المطبوع : "وهذا بشرط أن يكون الذين أضيفت العنعنة إليهم قد ثبتت ملاقاة
بعضهم بعضاً، مع براءتهم من وصمة التدليس "(٢).
فإما أن يكون الثلاثة ينقلون من نسخة أخرى لابن الصلاح ، فيها التعبير
بالإمكان بدل الثبوت ، ويكون غرضه حينئذٍ النص على ما هو مجمع عليه من
الشروط ، ثم ذكر الاختلاف فيما زاد عليه، وإما أن يكون التغيير في العبارة من
المختصرين ، وذلك لأنهم ذكروا الاختلاف فيما زاد على الإمكان في نفس
(١) "المنهل الروي" ص٤٨ .
(٢) "الخلاصة" ص ٥٠.
(٣) "الخلاصة " ص ٥٠ .
١٦٧
الفصل الثاني ، سماع الراوي ممن روى عنه
الموضع، وكان ابن الصلاح قد فصله عن الكلام في أصل الإسناد المعنعن(١).
والباحث حين وقع في هذا لا شك أنه معذور ، فإن المسألة برمتها من
دقائق العلم ، ويزداد الأمر دقة في جمع الأئمة بين الكلام في أصل قبول العنعنة ،
وبين الكلام في الإسناد المعنعن بين متعاصرين لم يعلم اللقاء بينهما .
(١) "مقدمة ابن الصلاح" ص١٥٢، ١٥٧ .
الفصل الثالث
التدليس
وفيه : تمهيد ، ومباحث :
المبحث الأول: التدليس والإرسال .
المبحث الثاني : التدليس وصورة التدليس.
المبحث الثالث : التدليس والنص على السماع أو نفيه.
المبحث الرابع : التدليس والتصريح بالتحديث .
المبحث الخامس : رواية المدلس بصيغة محتملة للسماع.
المبحث السادس : تعليل الإسناد بتدليس غير مدلس .
١٧١
الفصل الثالث : التدليس
تمهيد :
بعد فراغ الباحث من دراسة سماع الراوي ممن فوقه فإنه سيحكم
بالانقطاع إن لم يثبت السماع، فإن ثبت السماع فيبقى عليه البحث في أمر آخر
قبل أن يحكم بالاتصال، وهو سماعه لذلك الحديث بعينه، فإن بعض الرواة وإن
كان قد سمع من شيخه إلا أنه يروي عنه شيئاً لم يسمعه منه ، ويسقط الواسطة
بینه وبین شیخه ، یفعل ذلك - في الغالب - علی سبیل التدليس.
وقد بذل أئمة الحديث ونقاده جهوداً مضنية في مكافحة التدليس بأنواعه
والكشف عنه ، تمثلت مكافحته في الغارة العنيفة التي شنها عليه أئمة فضلاء،
كشعبة بن الحجاج، وله في ذلك كلمات مأثورة ، مثل قوله : "التدليس أخو
الكذب " (١).
وقوله : "هو أشد من الزنا، ولأن أسقط من السماء أحب إليّ من أن
أدلس"(".
وقوله : " لأن أقع من فوق هذا القصر - لدار حياله - على رأسي، أحب
إلي من أن أقول لكم : قال فلان - لرجل ترون أنه قد سمعت ذاك منه - ولم
أسمعه " (٣).
(١) "الكامل" ٤٧:١، و"حلية الأولياء" ٩: ١٠٧، و"الكفاية" ص٣٥٥.
(٢) "الكفاية" ص٣٥٦، و"التمهيد" ١٦:١، و"سير أعلام النبلاء" ٧: ٢٢٠،٢١٦،٢١٠.
(٣) "الجرح والتعديل" ١٧٤:١، وانظر: "الكامل" ٨١:١، و"التمهيد" ١٦:١.
١٧٢
الاتصال والانقطاع
وذكر الذهبي عنه نحو الجملة الأخيرة ، ثم علق عليها بقوله: "هذا والله
الورع"(١).
وتبع شعبة على ذلك جماعة من الأئمة ، فأثر عن ابن المبارك نحو الجملة
الأخيرة عن شعبة (٢)، وقال أيضاً: "إن الله لا يقبل التدليس" (٣).
وقال يزيد بن زريع : " لأن آخرَّ من السماء أحب إلي من أن أدلس " (٤).
وقال خالد بن خداش : "سمعت حماد بن زید یقول : التدلیس کذب ، ثم
ذكر حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي
زور))، قال حماد: ولا أعلم المدلس إلا متشبعاً بما لم يعط" (٥).
وقال وكيع: "لا يحل تدلیس الثوب ، فکیف یحل تدليس الحديث" (٦).
والمدلس نفسه يشعر بالغضاضة من ارتكابه للتدليس ، قال ابن المبارك :
"حدثت سفيان بحديث ، فجئته وهو يدلسه، فلما رآني استحيا وقال : نرويه
(١) "سير أعلام النبلاء" ٧: ٢٢١.
(٢) "الكفاية" ص٣٥٦ .
(٣) "معرفة علوم الحديث" ص١٠٣ .
(٤) "العلل ومعرفة الرجال" ٢: ٤٦١.
(٥) "الكفاية" ص٣٥٦.
(٦) "الكفاية" ص٣٥٦، وانظر: "علل المروذي" ص ٥٠.
وانظر في نصوصاً أخرى في ذم التدليس وكراهته في : "الكامل" ١: ٤٧-٤٨، و"معرفة علوم
الحديث" ص١٠٣، و"الكفاية" ص٣٥٥-٣٥٧ .
١٧٣
الفصل الثالث : التدليس
عنك" (١).
وهذه الحملة على التدلیس آتت ثمارها في الحد من وقوعه ، لكنها لم تقض
عليه ، فقد ارتكبه جماعة كثيرون من الرواة ، وفيهم أئمة فضلاء، كقتادة ،
والأعمش ، وسفيان الثوري ، وسفيان بن عيينة، وغيرهم ، قال ابن المبارك :
"قلت لهشيم: ما لك تدلس وقد سمعت كثيراً؟ قال : كان كبيراك يدلسان،
وذكر الأعمش ، والثوري"(٣).
وكتب وكيع إلى هشيم : "بلغني أنك تفسد أحاديثك بهذا الذي تدلسها" ،
فكتب إليه : "بسم الله الرحمن الرحيم : كان أستاذاك يفعلانه: الأعمش،
و سفیان" (٣).
ولذلك كان الجانب الأهم الذي بذله أئمة النقد تجاه التدليس هو في
الكشف عنه، وقد قاموا في سبيل ذلك بجهود عظيمة جداً ، تأتي على رأس ما
بذلوه من جهد في عموم نقد السنة ، وتمييز صحيحها من ضعيفها ، وذلك لما
يحتاجه الكشف عن التدليس من دقة وشدة تتبع ، ولتعلقه في كثير من الأحيان
بالرواة الثقات .
وجهودهم هذه نلاحظها بسهولة في تراجم الرواة ، إذ ينصون في كلامهم
(١) "تهذيب التهذيب" ٤: ١١٥ .
(٢) "العلل الكبير" ٩٦٦/٢، و"الكامل" ٦٤٢:٢، و"التمهيد" ٣٥:١.
(٣) "العلل ومعرفة الرجال" ٢٦١:٢.
= ٧٤ ١
الاتصال والانقطاع
في الراوي على ارتكابه للتدليس ، فيقولون مثلاً : كان يدلس، أو: ثقة إلا أنه
یدلس، أو : صدوق لكنه یدلس ، أو ضعيف مدلس ، ونحو ذلك .
كما نلاحظ هذه الجهود بصورة أدق في الكشف عن الأحاديث المدلسة ،
تارة بصورة مجملة، وتارة بالنص على حديث معين ، بل وصل الأمر إلى
الكشف عن تدليس الكلمة الواحدة في الإسناد أو المتن .
ولم يجابوا في سبيل ذلك أحداً كائناً من كان .
والذي يهمنا كثيراً من موضوع ( التدليس ) حكم رواية المدلس ، ولا سيما
إذا روى الحديث بصيغة محتملة للسماع وعدمه ، ولما كانت أحكام هذا الفن
بصورة عامة إنما ينظر فيها إلى صنيع أئمة النقد وعملهم - فإن الوصول إلى حكم
رواية المدلس بالنسبة لنا يقتضي النظر فيها نقل عن أئمة النقد من نصوص عن
حكمها ، وهذا قليل، كما يقتضي - وهو الأهم - سبر تطبيقاتهم وأحكامهم على
الأسانيد التي يوجد فيها مدلسون .
ونظراً لكثرة المدلسين ، وكثرة أحاديثهم ، وضخامة المنقول عن أئمة النقد
في تطبيقاتهم، وكثرة ما طرح في هذه المسألة من آراء تنسب إلى أئمة النقد - فإن
الوصول إلى حكم نهائي قاطع في المسألة كالمتعذر ، والممكن إذاً هو التسديد
والمقاربة .
ثم إن البحث في هذه المسألة يستلزم تقديم دراسة بعض القضايا المرتبطة
بها، فلزم أولاً تحرير العلاقة بين الإرسال والتدليس، وأثرها في حكم رواية
١٧٥
الفصل الثالث، التدليس
المدلس ، وتحرير كيفية ثبوت التدليس على الراوي ، وأيضاً التدقيق في رواية
المدلس التي يقوم الباحث بدراستها ، وما احتف بها من قرائن، والتدليس من
حيث هو علة في الإسناد، بغض النظر عمن وقع منه.
فانتظم موضوع التدليس مباحث ستة، بذلت فيها جهدي في تصوير
المسألة أولاً ، ثم في عرض ما فيها من آراء ، وما توصلت إليه ، بحسب اجتهادي
وطاقتي، فإن البضاعة مزجاة ، والموضوع عويص شائك .
١٧٧
الفصل الثالث : التدليس
المبحث الأول
التدليس والإرسال
تدليس الإسقاط نوع من الإرسال ، إذ الإرسال في اصطلاح المتقدمين
یشمل کل انقطاع في الإسناد أياً كان موضعه، فکل تدلیس إرسال (١)، لكن هل
كل إرسال يعدّ تدليساً ؟
للإجابة على هذا لابدّ من ذكر أنواع الإرسال ، ثم النظر فيما يشمله اسم
التدلیس منھا ۔ باختصار۔، ثم الغرض من بحث هذا هنا .
فإذا أرسل الراوي عن شخص وروى عنه ما لم يسمعه منه فلا يخلو من
ثلاث حالات:
الأولى : أن يكون لم يدرك زمانه .
الثانية: أن یکون أدرك زمانه وعاصره، لكنه لم يسمع منه .
الثالثة: أن یکون لقیه وسمع منه ، لكن هذا الحدیث بعینه لم يسمعه منه، أو
تلك الأحادیث بعينها لم يسمعها منه .
فأما النوع الأول فذكر ابن عبدالبر أن قوماً - ولم يسمهم - ذهبوا إلى أنه
تدليس ، وأن الجمهور ذهبوا إلى أنه إرسال فقط ، قال : "وعلى القول الأول فما
سلم من التدليس أحد لا مالك ولا غيره ، سوى شعبة ويحيى القطان" (٢).
(١) انظر: "الكفاية" ص ٣٥٧.
(٢) "التمهيد" ١٥:١.
١٧٨
الاتصال والانقطاع
وممن وقفت علی کلام له یسمي فيه رواية الراوي عمن لم يدركه تدليساً
ابن حبان، فقد قال في عبدالجبار بن وائل بن حجر : "مات أبوه وائل وأمه
حامل به، كل ما روى عن أبيه مدَّس، وإن كان لا يصغر عن صحبة
الصحابة"(١).
وعلى هذا مشى الذهبي في تعريف التدليس فقال : "ما رواه الرجل عن
آخر ولم يسمعه منه، أو لم يدركه"(٢)، وقال في ترجمة أبي قلابة: "ثقة في نفسه،
إلا أنه يدلس عمن لحقهم ومن لم يلحقهم ، وكان له صحف يحدث منها
ویدلس" (٣).
ويحتمل - على بُعد - أن يفسر الإدراك واللحاق في كلام الذهبي باللقي
والسماع .
ومن نصوص الجمهور في هذا وأن رواية الراوي عمن لم يدركه لا تعد
تدليساً قول أبي حاتم في أبي قلابة عبدالله بن زيد الجرمي : "لا يعرف له
تدليس"()، مع أن أبا قلابة قد روى عن أناس لم يدركهم(*)، فتفسير ذلك أن يكون
(١) "مشاهير علماء الأمصار" ص١٦٣.
(٢) "الموقظة" ص ٤٧ .
(٣) "الميزان" ٤٢٦:٢.
(٤) "الجرح والتعديل"٥٨:٥ .
(٥) انظر : "المراسيل" ص ١٠٩ .
١٧٩
الفصل الثالث : التدليس
حیث عرف واشتهر أنه لم يلقھم ، فحينئذٍ لا إبهام في روايته، وعليه فلا تدليس .
ويحتمل أن يكون أبو حاتم أراد أنه لا يتعمد الإسقاط ، لكنه يحفظ شيئاً
عن بعض الصحابة فيرويه عنهم غير مستحضر لمن حدثه ، قال الذهبي معلقاً
علی کلمة أبي حاتم: "معنى هذا أنه إذا روی شيئاً عن عمر أو أبي هريرة -مثلاً -
مرسلاً لا يدري من الذي حدثه به ، بخلاف تدلیس الحسن البصري فإنه يأخذ
عن كل ضرب ، ثم يسقطهم، كعلي بن زيد تلميذه" (١).
فهذا النوع لا إشكال إذاً في عدم دخوله في التدليس إلا على سبيل التوسع
كما نقله ابن عبدالبر عمن لم يسمهم، ومشی علیه ابن حبان، وكذا الذهبي في
ظاهر كلامه.
وأما النوع الثالث - وهو الإرسال عمن سمع منه - فلا إشكال في دخوله
في التدليس ، فكل من عرَّف التدليس أدخله فيه، وهو أيضاً موجود بكثرة في
استعمال أئمة النقد ، فمن ذلك قول أحمد : "كان أبو حُرَّة صاحب تدليس عن
الحسن ، إلا أن یحیی القطان روی عنه ثلاثة أحاديث يقول في بعضها : حدثنا
الحسن ، منها حدیث سعد بن هشام، وحديث عائشة في الركعتين" (٢).
(١) "سير أعلام النبلاء" ٤: ٤٧٣ .
(٢) "علل المروذي" ص٣٨، وانظر: "العلل ومعرفة الرجال" ٢٦٦:١، ٣١٠، ٢: ٥٩٥، ٩:٣،
٢٢٩، ٢٤٢، و"مسند أحمد" ٦: ٣٠، ٢٠٣، و"صحيح مسلم" حديث (٧٦٧)، و"مصنف
ابن أبي شيبة" ٢: ٢٧٢، و"المعرفة والتاريخ" ٦٣٣:٢.
١٨٠
الاتصال والانقطاع
وقال عباس الدوري : "سمعت يحيى يقول في حديث: "من وسع على
عياله ... "- قال: حدثنا أبو أسامة، عن جعفر الأحمر، عن إبراهيم بن محمد بن
المنتشر ، قلت ليحيى : قد رواه سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن محمد، قال
يحيى: إنما دلسه سفيان عن أبي أسامة، فقلت ليحيى : فلم يسمع سفيان من
إبراهيم بن محمد بن المنتشر، فقال: بلى، قد سمع منه، ولكن لم يسمع هذا
منه"(١).
وقال إبراهيم بن عبدالله الهروي في هشيم : "کان یدلس عن أبي بشر أكثر
مما یدلس عن حصین" (٢).
وأبوبشر هو جعفر بن إياس، وحصين هو ابن عبدالرحمن ، وقد سمع
منهما هشيم .
وسيأتي في ثنايا هذا البحث نصوص كثيرة في هذا المعنى .
وأما النوع الثاني - وهو الإرسال عمن عاصره ولم يسمع منه - فهل يدخل
في التدليس ؟
عرف ابن الصلاح التدليس بقوله : "هو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه
منه موهماً أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه موهماً أنه قد لقيه وسمعه منه"(٣)
(١) "تاريخ الدوري" ٢٩٠:١ .
(٢) "المراسيل" ص٢٣٢ .
(٣) "مقدمة ابن الصلاح" ص١٦٥ .