Indexed OCR Text
Pages 141-160
- ١٤١ الفصل الثاني، سماع الراوي ممن روى عنه كذا قال، ولمخالفه أن يقول: ولو كان أبو زرعة يكتفي بالمعاصرة وإمكان اللقي لما تردد أيضاً، ولقال : نعم سمع منها ، فليس في كلام أبي زرعة سوى تقريب السماع وهذا هو موضع المناقشة هنا ، فإن المطلب بن عبد الله من أشهر الرواة رواية عمن لم يدركه، وعمن عاصره ولم يلقه، فلو قال قائل: إنه بالنظر إلى ما رواه منقطعاً وما رواه متصلاً هو أشهر من يروي المراسيل ، ويحدث عمن لم يلقهم، لما كان قوله بعيداً، ولولا خوف الإطالة لنقلت نصوص النقاد فيه، فإذا كان مثل هذا الراوي يكتفى فيه بالمعاصرة ، وإمكان اللقي ، وبالقرائن ، ولا يشترط أن يصرح بالتحديث انفلتت المسألة، ولم يعد لها زمام، فلابد من حمل كلام أبي زرعة على أنه تقريب للسماع لا إثبات له ، ويحتمل على بعد أن يكون وقف علی تصریح بالتحديث تردد فيه. وإنما قلت : على بعد، لأن جمهور النقاد على أنه لا يثبت له سماع من أحد من الصحابة ، سوى قوله : حدثني من شهد النبي ۵﴾ ، نص علیه البخاري ، والدارمي، بل نص أبو حاتم على أنه لم يدرك عائشة (١). وفي ختام الكلام على هذه المسألة العويصة أنبه على مسائل : المسألة الأولى : قال ابن القطان في كلام له على حديث من رواية مسروق ، عن معاذ ، ضعفه عبدالحق بأن مسروقاً لم يلق معاذاً ، ولا ذکر من حدثه به - ما نصه : "فهما - أعني البخاري وابن المديني - إذا لم يعلما لقاء أحدهما للآخر لا يقولان في حديث أحدهما عن الآخر إنه منقطع ، إنما يقولان : لم يثبت سماع (١) "العلل الكبير " ٢: ٩٦٤، و"المراسيل" ص ٢٠٩، و"تهذيب التهذيب " ١٠ : ١٧٨ ، و "التقريب" ص ٥٣٤ . ١٤٢ = الاتصال والانقطاع فلان من فلان ، فإذاً ليس في حديث المتعاصرين إلا رأيان ، أحدهما : هو محمول على الاتصال، والآخر : لم يعلم اتصال ما بينهما، وأما الثالث -وهو أنه منقطع- فلا ، فاعلم ذلك، والله أعلم"(١). وإلى مثل هذا مال الباحث الأخ خالد الدريس ، وأيده بشيئين ، الأول : بقول مسلم في حكاية مذهب مخالفه : "فإن لم يكن عنده علم ذلك ، ولم تأت رواية صحيحة تخبر أن هذا الراوي عن صاحبه قد لقيه مرة وسمع منه شيئاً - لم یکن في نقله الخبر عمن روی عنه ذلك - والأمر كما وصفنا - حجة ، وكان الخبر عنده موقوفاً حتى يرد عليه سماعه منه لشيء من الحديث قل أو كثر "(٢)، وقول مسلم أيضاً حكاية عن مخالفه : "فإذا أنا هجمت علی سماعه منه لأدنى شيء - ثبت عندي بذلك جميع ما يروى عنه بعد ، فإن عزب عني معرفة ذلك أوقفت الخبر، ولم يكن عندي موضع حجة، لإمكان الإرسال فيه"(٣). والثاني : أن عبارة البخاري فيما ثبت عنده الانقطاع جازمة، كأن يقول : لم يسمع منه ، وأما ما لم يثبت فيه الاتصال مع إمكانه فليست كذلك ، كأن يقول : لا یعرف سماع فلان من فلان، أو لم یذکر سماعاً ، ونحو ذلك . ثم عقب على ذلك بقوله : "ومن تأمل هذا الموضع يتضح له الفرق بين المنقطع المعلوم الانقطاع ، وبين ما لم يثبت فيه السماع فلا يسمى منقطعاً ، كما قال ابن القطان ، لأن من لم يثبت له سماع ممن روى عنه ففي ذلك شبهة عدم اتصال (١) "بيان الوهم والإيهام" ١: ٥٧٦ . (٢) "صحيح مسلم" ٢٩:١ . (٣) "صحيح مسلم" ٣٠:١. ١٤٣ الفصل الثاني ، سماع الراوي ممن روى عنه السند ، أما المنقطع فعدم الاتصال يكون محل يقين وجزم"(١). وأما الذهبي فإنه تعقب عبارة ابن القطان السابقة بقوله : "قلت : بل رأيهما دال على الانقطاع"(٢). وما قاله الذهبي هو المترجح ، بل هو القول الذي لا يصح غيره ، والقول بأن هناك أسانيد ليست متصلة ولا منقطعة بعيد جداً ، فالإسناد في واقع الأمر إما متصل أو منقطع ، وهو كذلك في نقد الناقد ، فالأصل أن الراوي لم يلتق بمن روى عنه ولم يسمع منه ، حتى يقف الناقد على ناقل عن هذا الأصل ، والناقل هو ثبوت السماع ، أو إمكانه عند من يقول به ، فإذا لم يكن شيء من ذلك بقي على الأصل وهو الانقطاع . وما نقله الباحث خالد الدريس عن مسلم إنما يتعلق بالاحتجاج بالحديث، وأنه يتوقف فيه ولا يحتج به ، ولو قيل إن المقصود به درجة الحديث فهذا لا يؤثر شيئاً أيضاً، فالتوقف فيه حتى يوقف على السماع ، فإذا لم يوقف بعد بحث رجع الأمر إلى الانقطاع. ومن تأمل ما ينص الأئمة فيه على التوقف في هذه القضية وغيرها تبين له أن مآل التوقف إما إلى القبول إن انزاحت العلة ، أو إلى الرد إن بقيت ، لا ثالث هما . وأما ما استدل به من اختلاف عبارة البخاري ، وكذا ما عقب به فمقتضاه (١) "موقف الإمامين" ص٢٥١- ٢٥٣. (٢) "نقد بيان الوهم والإيهام" ص٨٣. ١٤٤ = الاتصال والانقطاع أن ما حكم الأئمة عليه بعبارة جازمة كقولهم: لم يلق فلاناً، أو لم يسمع منه ، أو هو مرسل ، أو منقطع فإنه خارج عن موضع الخلاف ، وأنه مما لا يمكن فيه سماع الراوي ممن روى عنه ، ولذا عبروا بالعبارات التي تفيد الجزم واليقين ، وعكسه كذلك ، ما عبروا فيه بالعبارات غير الجازمة فالسماع فيه ممكن ، وغیر خافٍ أن طرد هذا بعيد جداً ، يدل عليه أنهم يقولون العبارات غير الجازمة مع المدلسين ، ومع المجاهيل الذين لم تعلم معاصرتهم لمن رووا عنه أصلاً ، فهل يقال إن أحكامهم هذه أيضاً لا تفيد الانقطاع ؟ ولو سلم بهذا الفرق - ولا يسلم به - فغاية ما فيه أنهم أرادوا أن تحمل عباراتهم دلیل الانقطاع ، إذ قد یکون الدلیل هو ثبوت عدم السماع ، وقد يكون عدم ثبوت السماع ، وكله انقطاع . المسألة الثانية : رأيت كثيراً من الباحثين في كلامهم النظري، وفي أحكامهم التطبيقية حين النظر في إسناد ما، يأسرهم في تعاملهم مع قضية الإسناد المعنعن بين متعاصرين لم يعلم اللقاء بينهما - استبعاد أن يكون الراوي قد أدرك من حياة من روى عنه قدراً كافياً للسماع منه، وهما جميعاً في بلد واحد، ثم لا يسمع منه، ولا يأخذ عنه، مع حرصهم المعروف على الرواية، وطلب العلم، ومع کون مدنهم في ذلك الوقت غير متسعة، وسكانها ليسوا بالكثرة التي يتصور معها عدم اللقاء بينهما. فإذا قيل إن فلاناً أدرك من حیاة من روی عنه ثلاثین سنة، ثم نفی بعض الأئمة سماعه منه، أو قال: لم يصح له سماع منه ، كبر ذلك في عين الباحث ، واستغربه، فتجد الباحث مقتنعاً بضرورة اشتراط العلم بالسماع، لكنه يتوقف كثيراً حين تمر به مثل هذه الحالة. ١٤٥ الفصل الثاني: سماع الراوي ممن روى عنه والخطأ الذي يقع فيه هؤلاء هو توحيد نمط الرواية والبحث عنها في جميع العصور، ففي أذهان كثير من الباحثين أن الرواة في العصور الأولى للرواية كان شأنهم كشأن الرواة في العصور اللاحقة ، بعد اتساع الرواية، وانتشارها، وتميزها عن غيرها من الفنون، واعتناء الرواة بالرحلة ، وبالعلو ، والتبكير بالسماع، وغير ذلك، وليس الأمر كذلك قطعاً ، وإنما كان الرواة ينقلون المرويات في العصور الأولى بصورة عفوية في الغالب، فالتلميذ هو المنشئ لنفسه، لا يبكر به أحد للسماع، كما صارت الحال فيما بعد، وعليه فلا يستغرب أن يكون طلبه للعلم أصلاً في وقت متأخر. ثم قد يكون في طلبه للعلم قد اتجه أولاً إلى علوم أخرى، كاللغة ، والأدب، وغيرهما . وقد یلازم الراوي شيخاً له ، ومن عداه فإنما يأخذ عنهم دون تقصد، مع كونهم في بلده ، فربما أخذ عن بعضهم ، ولم يأخذ عن البعض الآخر، فكيف بمن هم في البلدان الأخرى ؟ . ولترسيخ هذه النظرة المهمة جداً في التعامل مع هذه القضية يحسن بالقارئ أن يعود إلى ما تقدم نقله عن الأئمة في إثبات إدراك الراوي لمن روى عنه ، لكنه لم يلقه ، بل ربما يثبتون رؤيته له ، أو دخوله عليه ، وينفون أخذه عنه ، ومن هذه النصوص ما هو عن الرواة أنفسهم . وأذكر الآن شيئاً من هذه النصوص مما لم يتقدم ذكره ، فقد روى أحمد بإسناده عن ابن عون قوله : "قد رأيت عطاء، وطاوساً"(١)، قال أحمد: "ولم (١) "سؤالات أبي داود" ص ٢٤٠. = ١٤٦ الاتصال والانقطاع مل عنهما"(١). وقال ابن المديني في مسروق بن الأجدع : " صلى خلف أبي بكر، ولقي عمر، وعلياً - ولم يرو عنهم شيئاً - وزيد بن ثابت ، وعبد الله بن المغيرة"(٢). وروی محمد بن عبد الرحمن ، عن ابن المدیني أنه أثبت سماع ابن سرین من أبي هريرة، وابن عمر، وجندب، وأنس ، قال محمد: "فقلت له: رافع، فقال: لا، ولا من زيد بن ثابت سماع شيء - إلا أنه قد رآه حين دخلوا عليه ، فقال: هذا وهذا لأم - قط- ولم يحفظ عنه شيئاً " (٣). وقال أبو حاتم: " كان عمر بن عبدالعزيز والياً على المدينة، وسلمة بن الأكوع، وسهل بن سعد حيين، فلو كان حضر هما لكتب عنهما "(٤). وقال الذهبي: "ولقد كان (يعني هشام بن عروة) يمكنه السماع من جابر، وسهل بن سعد، وأنس ، وسعيد بن المسيب، فما تهيأ له عنهم رواية"(٥). وقال أيضاً في أيوب السختياني: "وقد رأی أنس بن مالك، وما وجدنا له عنه رواية، مع كونه معه في بلده، وكونه أدركه وهو ابن بضع وعشرين سنة"(٦). وروى وكيع، عن الأعمش قوله: "رأيت أنس بن مالك، وما منعني أن (١) "تهذيب التهذيب" ٣٤٩:٥. (٢) "علل ابن المديني" ص٦٠. "المعرفة والتاريخ" ٢: ٦٠، وانظر قصة الدخول في ٢: ٥٨. (٣) ( ٤) "المراسيل" ص١٣٦. (٥) "سير أعلام النبلاء" ٣٥:٦. (٦) "سير أعلام النبلاء" ١٦:٦، وانظر أيضاً: ٢٨٧:٣. ١٤٧ الفصل الثاني: سماع الراوي ممن روى عنه أسمع منه إلا استغنائي بأصحابي"(١). وروى أبو داود الطيالسي، عن شعبة قوله: "لولا الشعر لجئتكم "(٢) بالشعبي"(٢). ومراده أنه أولاً كان يطلب الشعر ويتتبعه ، ثم بعد ذلك طلب الحديث، فلو كان ابتدأ بطلب الحديث لأخذ عن الشعبي، لأنه يمكنه ذلك(٣). وروى ابن معين ، عن عباد بن عباد قوله: " لم يمنع هشيماً من أن يسمع من سعيد بن أبي عروبة إلا الكبر والأنفة"(٤). وروى صالح بن أحمد ، عن علي بن المديني قوله : " قلت لسفيان: كنت جالست عمارة بن غزية ؟ قال: نعم، جالسته كم من مرة، فلم أحفظ عنه شيئاً"(٥). وقال عمرو بن علي : " سألت أبا الوليد هشام بن عبد الملك، عن حرب ابن سريج، فقال: كان جارنا، لم يكن به بأس، ولم أسمع منه شيئاً"(٦). (١) " تاريخ بغداد " ٩ : ٤ . (٢) "الكامل" ٨٨:١، و"تاريخ بغداد" ٩: ٢٥٧. (٣) انظر: "تاريخ الدوري عن ابن معين" ٢: ٢٥٣، و"معرفة الرجال" ٢: ٧٤، و"تاريخ بغداد" ٩: ٢٥٧، وينظر أيضاً ترجمة (محمد بن عبدالرحمن بن أبي ذئب)، في "تاريخ بغداد" ٢ : ٣٠٢. (٤) "تاريخ الدوري عن ابن معين" ٢: ٦٢٠. "الضعفاء الكبير" ٣: ٣١٥. (٥) (٦) "الكامل" ٨٢٤:٢. = (١٤٨ الاتصال والانقطاع ومن نظر في ترجمة (صالح بن كيسان) وكون كثير من شيوخه أصغر سناً منه ، بسبب تأخره في طلب الحديث ، واشتغاله بالشعر واللغة رأى عجباً(١). وقال عبد الله بن أحمد: "سألته ( يعني أباه) عن أيوب سمع من أبي عثمان النهدي وقلت له: إن خلفاً البزار يقول: عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي عثمان، فقال: روی عنه حدیثین، وقال: حدثنا مؤمل ، عن حماد بن زيد، عن أيوب قال: كان أبو عثمان لي صديقاً، فما حفظت عنه إلا حديثين"(٢). وحال الرواية في العصور الأولى يلخصه هشام بن يوسف قاضي صنعاء - مع تأخر عصره نسبياً - بقوله : " كان معمر هاهنا عندنا عشرين سنة، حي صحيح، وما كتبنا عنه إلا اليسير، ولو علمنا أنه يكتب عنا، ويرحل إلينا لكنا أشد طلباً، وأحرص عليه "(٢). ومما يؤكد ما تقدم أن هذا الأمر ظل موجوداً حتى في عصر ازدهار الرواية، والحرص على السماع ، والرحلة إلى البلدان. فمن ذلك قول أبي الوليد هشام بن عبد الملك ، عن حرب بن سريج : "كان جارنا، لم يكن به بأس ، ولم أسمع منه شيئاً " (٤) . وقال أحمد: "رأيت الأشجعي - ونحن عند أبي بدر - ولم أكتب عنه شيئاً ... ، ورأيت بشر بن عمر - يعني الزهراني - وكان إنساناً غلقاً سيئ الخلق، فلم يقدر أن أكتب عنه شيئاً ... ، ورأيت زافر بن سليمان، ولم أكتب عنه شيئاً ... ، (١) انظر: "تهذيب الكمال " ١٣: ٧٩ - ٨٤، و"تهذيب التهذيب " ٤: ٣٩٩ - ٤٠١. (٢) "العلل ومعرفة الرجال" ٢: ٤٩٧. (٣) "معرفة الرجال" ٣٨:٢. (٤) "الكامل" ٢: ٨٢٤. ١٤٩ الفصل الثاني: سماع الراوي ممن روى عنه ورأيت عبد الله بن معاذ الصنعاني ولم أكتب عنه شيئاً، ورأيت مبارك بن سعيد ابن مسروق أخا الثوري - من ذاك الجانب - فلم أكتب عنه شيئاً، ورأيت عمران ابن عيينة ، ولم أكتب عنه شيئاً ، ورأيت نهشل بن حريث العدوي، ولم أكتب عنه شيئاً، قلت : کیف هو ؟ قال : ليس به بأس"(١) . وقال عبد الله : "سألت أبي عن أبي زيد الهروي، فقال: شیخ ثقة، ليس به بأس ، لم أكتب عنه شيئاً، وجعل يتلهف عليه"(٢). وقال عبد الله أيضاً : "سألت يحيى عن إبراهيم بن خالد الصنعاني، فقال: كان صديقاً لي، وكان ثقة ، وما كتبت عنه حديثاً "(٣). وقال ابن معين في محمد بن إبراهيم والد أبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة: "رأيته ببغداد، وكان رجلاً جميلاً، ثقة، کیساً، أکیس من يزيد بن هارون، وكان على قضاء فارس، مات قديماً، ولم أكتب عنه شيئاً"(٤). وسأل البرذعي أبا زرعة إن كان قد لقي إسماعيل بن أبي أويس، فقال: "دخلت المدينة ثلاث مرات، وهو حي، ولم يقدر لي أن أكتب عنه شيئاً، كان مرة (١) "العلل ومعرفة الرجال" ١٢٩:٣. (٢) "العلل ومعرفة الرجال" ٢: ٩٩. (٣) "العلل ومعرفة الرجال" ٢: ٦٠٥ . (٤) "تهذيب التهذيب" ١٢:٩. وانظر نصوصاً أخرى عن ابن معين في: "سؤالات ابن الجنيد" ص٣٧٩ فقرة (٤٣٤)، و"العلل ومعرفة الرجال" ٢: ٦٠٥ فقرة (٣٨٧٩). ١٥٠ الاتصال والانقطاع عليلاً، ومرة متوارياً ، وكان مرة غائباً "(١). وروی الآجري قال : " سمعت سلیمان بن الأشعث أبا داود يقول: ولدت سنة اثنتين ومئتين ، وصليت على عفان ببغداد سنة عشرين ... ، وتبعت عمر بن حفص بن غياث إلى منزله ولم أسمع منه شيئاً، ورأيت خالد بن خداش ولم أسمع منه شيئاً ... ، قلت: سمعت من يوسف الصفار؟ قال: لا، قلت: سمعت من ابن الأصبهاني؟ قال: لا، قلت: سمعت من عمرو بن حماد بن طلحة؟ قال: لا، ولا سمعت من مخول بن إبراهيم، ثم قال: هؤلاء كانوا بعد العشرين، - والحديث رزق - ولم أسمع منهم" (٢). ومراد أبي داود بقوله: والحديث رزق - أن سماع الحديث من راو کالرزق، قد یرزقه الشخص ، وقد يحرمه ، مع قربه منه، وقد سبقه إلى ذلك عمرو بن علي الفلاس، حيث قال: " السماع من الرجال أرزاق"(٣). ومما يزيد القضية وضوحاً في ذهن القارئ وقوفه على آراء الأئمة في سماع الصغار من آبائهم ، وآل بيتهم(٤). المسألة الثالثة : كان مسلم - رحمه الله - دقيقاً جداً حین حرر محل النزاع ، وأنه في رواية راوٍ توافر فيها عدة شروط ، كونه ثقة ، غير مدلس ، عاصر من (١) "أسئلة البرذعي لأبي زرعة" ص٧٧٥. (٢) "سؤالات الآجري لأبي داود" ٢: ٢٩٤. (٣) "تاریخ بغداد" ٢٠٩:١٢. انظر مثلاً: " العلل ومعرفة الرجال "٨٦:٢ فقرة (١٦٣٣) ٢: ١٥٠ فقرة (١٨٣٤)، (٤) و"التمييز" ص ٢١٥، و"الجرح والتعديل" ١٤٧:١، و"علل الدار قطني" ٣٠٨:٥، و "تهذيب الكمال" ٧: ٣٦٤. ١٥١ الفصل الثاني ، سماع الراوي ممن روى عنه روى عنه، وأمكن له لقاؤه والسماع منه ، ولم يثبت ذلك صريحاً ، ولم يكن هناك دلالة بينة على أنه لم يلقه ، أو لم يسمع منه . وهذه شروط محكمة جداً، تضيق دائرة الخلاف بين مسلم ومخالفه ، فإذا لم تتوافر الشروط أو بعضها فإن مسلماً لا يثبت السماع، ولا يحكم بالاتصال . ومن ذلك قوله في رواية محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، عن جده عبد الله بن عباس : " ومحمد بن علي لا يعلم له سماع من ابن عباس ، ولا أنه لقیه أو رآه"(١). ومحمد بن علي كان له من العمر عشر سنوات حين وفاة جده(٢)، فالإمكان الحديثي للسماع غير متوافر، وانضم إلى ذلك أنه يروي عنه بواسطة والده(٣). وقد رأيت بعض الأئمة والباحثين ممن اختار مذهب مسلم ، أو اختار مذهب الجمهور، أو ذهب إلى أنه لا خلاف أصلاً، والإجماع على ما ذكره مسلم، ربما أغفل بعض هذه الشروط ، فلم يتحرر عنده محل النزاع ، سواء في ذلك حين عرض القولين وأدلتهما ، أو حين التطبيق ، فربما لم يراع ثقة الراوي ، أو تدليسه ، أو إمكان سماعه ممن روى عنه ، أو معاصرته له ، أو وجود التصريح بالتحديث من عدمه . وقد ذكرت في رسالة " اشتراط العلم بالسماع في الإسناد المعنعن " أمثلة (١) "التمييز " ص ٢١٥ . (٢) "تهذيب التهذيب " ٢٧٨:٥، ٩: ٣٥٥. (٣) "صحيح مسلم" حديث (٧٦٣)، وانظر: "بيان الوهم والإيهام " ٢: ٥٥٨ . ١٥٢ الاتصال والانقطاع كثيرة لهذا . ومن ذلك أيضاً أن أحد الباحثين وهو ممن يذهب إلى أن الجمهور على اشتراط العلم بالسماع ذكر قول أبي زرعة : "عكرمة، عن علي - مرسل"(١) ، في معرض سرده لنصوص الأئمة الدالة على الاشتراط، وهذا النص لا يصلح لذلك، فإن عكرمة كان سنه نحو ١٥ عاماً حين قتل علي ، وكان علي بالكوفة، وعكرمة بالبصرة، ثم بالمدينة(٢)، فمثل هذا خارج محل النزاع ، وروايته مرسلة على جميع الآراء، إذ الإمكان الحديثي الذي ذكره مسلم غير موجود فيها. ومن ذلك - في دراسة أسانيد معينة - أن عبدالحق الإشبيلي في كتابه "الأحكام" قد اختار مذهب مسلم - فيما حرره عنه ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" - ، لكنه يضعف أحاديث بعدم معرفة سماع بعض الرواة من بعض، فيتعقبه ابن القطان بأن هذا لا يتمشى مع المذهب الذي اختاره ، وإنما يتمشى مع مذهب ابن المديني والبخاري ، والملاحظ أن ابن القطان لا يراعي في تعقبه شروط مسلم ، كما في حديث ركانة بن عبد يزيد قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : (( فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس )) (٢)، قال ابن القطان متعقباً عبدالحق حين أعله بذلك بعد أن بيّن ابن القطان أن إعلاله بعدم السماع من كلام البخاري : "البخاري إذا قال ذلك في هؤلاء فعلى (١) "المراسيل" ص١٥٨. (٢) "المراسيل" ص١٥٨. (٣) "سنن أبي داود" حديث (٤٠٧٨)، و"سنن الترمذي" حديث (١٧٨٤). ١٥٣ الفصل الثاني : سماع الراوي ممن روى عنه أصله، وأما أنت إذا قلته فقد تركت أصلك، إذ الزمان محتمل للقاء"(١). وبالنظر في إسناد الحديث - وهو من رواية أبي الحسن العسقلاني ، عن أبي جعفر بن محمد بن ركانة ، عن أبيه ، عن ركانة - يتضح أن فيه مجاهيل ، مع اضطراب في تسمية شيخ أبي جعفر ، وفي ذكر أبي جعفر وحذفه ، ولذا قال الترمذي: "حديث حسن غريب، وإسناده ليس بالقائم، ولا نعرف أباالحسن العسقلاني، ولا ابن ركانة"(٢). فقد تخلف شرطان مهمان لمذهب مسلم ، وهما ثقة الرواة ، والعلم بالمعاصرة. وقال عبدالحق في حديث للمطلب بن عبدالله ، عن جابر : "لا يعرف للمطلب سماع من جابر" ، فتعقبه ابن القطان بقوله : "وهذا لم تجر به عادته ، أن يضعف أحاديث المتعاصرين اللذين لم يعرف سماع أحدهما من الآخر ، وإنما يجيء ذلك على رأي البخاري وابن المديني"(٣). والناظر في المطلب بن عبدالله يدرك أنه لا يحكم لروايته هنا بالاتصال على جميع الآراء، فإنه كثير الإرسال عمن أدركه، ومن لم يدركه(٤). ومن ذلك قول ابن تيمية بعد أن نقل عن البخاري تضعيفه لإسناد حديث فيه رواية يعقوب بن سلمة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة بقوله : "لا يعرف لسلمة (١) "بيان الوهم والإيهام" ٢٨٧:٣. (٢) "سنن الترمذي" ٢٤٨:٤. (٣) "بيان الوهم والإيهام" ٥: ١٠٥. (٤) "المراسيل" ص ٢٠٩، و"تحفة التحصيل" ص ٣٠٧. = ١٥٤ الاتصال والانقطاع سماع من أبي هريرة ، ولا ليعقوب سماع من أبيه"(١)، - قال ابن تيمية : "وهذا غير واجب في العمل ، بل العنعنة مع إمكان اللقاء ما لم يعلم أن الراوي يدلس .... " (٢). ويعقوب بن سلمة ووالده كلاهما غير معروف(٢)، فلم يتوافر شرط الثقة، ولا العلم بالمعاصرة . ولما ذكر المزي قول البخاري في إسناد حديث من رواية سالم بن أبي الجعد، عن نبيط ، عن جابان ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، - وقد روي أيضاً بإسقاط نبيط - : "لا يعرف لجابان سماع من عبدالله بن عمرو ، ولا لسالم من جابان، ولا من نبيط"(٤) - عقبه بقوله : "وهذه طريقة قد سلكها البخاري في مواضع كثيرة ، وعلل بها كثيراً من الأحاديث الصحيحة ، وليست هذه علة قادحة ، وقد أحسن مسلم وأجاد في الرد على من ذهب هذا المذهب في مقدمة كتابه بما فيه كفاية ، وبالله التوفيق"(*). كذا قال المزي ، مع أن هذا الإسناد منقطع على رأي الجميع ، فجابان ، (١) "التاريخ الكبير" ٧٦:٤. (٢) "شرح العمدة" (الطهارة) ص ١٧١، والنقط من عندي، فإن الكلام لم يتم، وربما كان الساقط كلمة (متصلة ) أو نحوها . (٣) ينظر "ثقات ابن حبان" ٤: ٣١٧، و"ميزان الاعتدال" ٤: ٤٥٢، و"الكاشف" ٢٩١:٣، و"تهذيب التهذيب" ١٦٢:٤، ١١: ٣٨٨. (٤) "التاريخ الكبير" ٢٥٧:٢ . (٥) "تهذيب الكمال" ٤: ٤٣٣ . ١٥٥ الفصل الثاني ، سماع الراوي ممن روى عنه ونبيط غير معروفين(١)، فلم يتوافر شرط الثقة، ولا العلم بالمعاصرة. وذكر العلائي قول أبي زرعة في حميد بن عبد الرحمن بن عوف: "حديثه عن أبي بكر، وعلي - مرسل "(٢)، ثم قال العلائي: "قد سمع من أبيه، وعثمان - رضي الله عنهما - ، فكيف يكون عن علي مرسلاً وهو معه بالمدينة؟ "(٣). وسماع حمید من أبيه ، ومن خاله عثمان فيه خلاف کبیر، ومن يثبته لا ینکر أنه كان صغيراً حين وفاتهما(٤)، وقد جاء تصريحه بالسماع منهما، فلا ينقل هذا إلى سماعه من علي، وليس بينه وبينه قرابة، فالإمکان الحديثي غير موجود هنا، فلابد من التصريح بالتحديث على جميع الآراء. ومثل ما تقدم صنیع ابن التركماني في بعض تعقباته على البيهقي ، فعند قول البيهقي : "علي بن رباح لم يثبت سماعه من ابن مسعود"(٥) - قال ابن التركماني : "قدمنا أن مسلماً أنكر في ثبوت الاتصال اشتراط السماع ، وادعى اتفاق أهل العلم على أنه يكفي إمكان اللقاء والسماع، وعلي هذا ولد سنة خمس عشرة، كذا ذكره أبوسعيد بن يونس ، فسماعه من ابن مسعود ممكن بلا شك ، لأن ابن (١) انظر: "تهذيب التهذيب" ٢: ٣٧، ٤١٨:١٠. (٢) "المراسيل" ص٤٩ . "جامع التحصيل" ص٢٠٢. (٣) (٤) "تهذيب التهذيب" ٣: ٤٥، و"التابعون الثقات المتكلم في سماعهم من الصحابة" رسالة ماجستیر ص٣٧٨. (٥) "سنن البيهقي" ١١٠:١. ١٥٦ الاتصال والانقطاع مسعود توفي سنة اثنتين وثلاثين ، وقيل : سنة ثلاث وثلاثين"(١). كذا قال ، ورواية علي بن رباح عن ابن مسعود منقطعة حتى على مذهب مسلم ، فاللقاء بعيد جداً، لأن علياً مصري ، وابن مسعود مات بالمدينة ، وقيل : بالكوفة(٢)، وكان عمر علي سبع عشرة سنة ، أو ثماني عشرة سنة ، وقد روى عنه ابنه موسى أنه قال: "كنت خلف معلمي (وفي رواية: مع عمي مسلم بالشام) فبكى ، فقلت له: ما لك؟ فقال: قتل عثمان"(٣)، فمثل هذا لا يحتمل لقاؤه لابن مسعود . ومثله تعقب ابن التركماني للبيهقي لما قال عن إسناد حديث من طريق عمرو بن دينار ، عن أبي هريرة : "هو منقطع بين عمرو بن دينار ، وأبي هريرة"(٤). قال ابن التركماني : "ولد عمرو سنة ست وأربعين، فسماعه منه ممكن "(٥). وأبوهريرة مدني ، وعمرو مكي ، كان له من العمر حين وفاة أبي هريرة نحو اثنتي عشرة سنة ، لأن أباهريرة مات سنة سبع ، أو ثمان ، أو تسع (١) "الجوهر النقي" ١: ١١٠. (٢) "تهذيب الكمال" ١٢٦:١٦. (٣) "تهذيب الكمال" ٤٢٨:٢٠ . (٤) "سنن البيهقي" ٦: ٤٠، وانظر: "المراسيل" ص ١٤٤، و"الجرح والتعديل" ٢٣١:٦، فقد نقل ابن أبي حاتم عن أبي زرعة أنه لم يسمع منه . (٥) "الجوهر النقي" ٦: ٤٠ . = ١٥٧ الفصل الثاني ، سماع الراوي ممن روى عنه وخمسين(١)، فالإمكان الحديثي الذي يعنيه مسلم غير موجود هنا. ومن التساهل أيضاً ما رجحه ابن حجر في رواية التابعي عن الصحابي الذي لم يُسَمَّ بالعنعنة ، كأن يقول : عن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أو عمن سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أو عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنه اختار الحكم بالاتصال(٢). وكذا أشار الشيخ عبدالرحمن المعلمي إلى إمكانية ترجيح هذا القول ، لكنه عاد فذكر أن عنده فيه توقفاً(٣). وغير خافٍ أن شرط العلم بالمعاصرة هنا مفقود ، ويلزم منه أيضاً فقد إمكان اللقاء، فهو منقطع على جميع الآراء (٤). ومن ذلك قول أحمد شاكر في رده لقول أبي زرعة : " عكرمة ، عن علي - مرسل"(٥) ، قال أحمد شاكر : "وهذا قول هو دعوى، والعبرة في صحة الرواية - بعد الثقة والضبط - بالمعاصرة ، وعكرمة أهداه سيده حصين بن أبي الحر العنبري لابن عباس حين ولاه علي البصرة ، وعلي أمَّر ابن عباس على البصرة سنة ٣٦ ... ، فقد عاصر عكرمة علياً أربع سنين أو أكثر مملوكاً لابن عباس ابن عم علي، ثم قد كان يافعاً إذ ذاك ، فإنه مات على الراجح سنة ١٠٥، عن ثمانين (١) "تهذيب الكمال" ٣٧٨:٣٤. (٢) "النكت على كتاب ابن الصلاح" ٥٦٢:٢ . (٣) "النكت على كتاب ابن الصلاح" ٥٦٢:٢ . (٤) وانظر: "التقييد والإيضاح" للعراقي ص٧٤، و"موقف الإمامين" ص٣٢٤. (٥) "المراسيل" ص١٥٨ . ١٥٨ الاتصال والانقطاع سنة، كما قالت ابنته، فكان عمره حين مقتل علي ١٥ سنة"(١). كذا قال أحمد شاكر ، ورواية عكرمة - على ما حرره أحمد شاكر - منقطعة على جميع الآراء ، فإن لقاءه لعلي - رضي الله عنه - غير ممكن ، والدلالة البينة قد قامت على أنه لم يسمع منه لو كانا في بلد واحد ، وذلك لصغر سنه ، فكيف وهذا بالبصرة ثم بالمدينة ، وعلي بالكوفة ؟(٢) . ومنه أيضاً قول أحد المشايخ المعاصرين في کلام له علی حدیث من رواية بسر بن سعيد ، عن عثمان ، وقد نقل قول أبي حاتم : "بسر بن سعيد عن عثمان : مرسل"(٣)، فقال بعد علامة التعجب : "مع أن بسر بن سعيد كان له من العمر عند ما قتل عثمان شهيداً ثلاث عشرة سنة". ومثل هذا يوجد كثيراً في نقد الباحثين المعاصرين ، بل وفي كلام الأئمة المتأخرين، وهو تساهل غير مرضي ، وهو أحد الأبواب التي ضعف جداً عن طريقها نقد السنة النبوية . المسألة الرابعة : اختيار رأي من الآراء ، وترجيح مذهب على آخر - يقتضي من فاعله التزام هذا المذهب وتطبيقه ، وهو أمر لا جدال فيه ، لكني أنّه هنا إلى دقة هذه المسألة ، وضرورة تحاشي الباحث - ما أمكنه - تجنب الاضطراب فيها ، من جهة التنظير أو التطبيق، أو كليهما . (١) "مسند أحمد" تحقيق أحمد شاكر ٣١٧:١. (٢) وانظر مثالاً آخر من صنيع أحمد شاكر في تعليقه على "مسند أحمد" ١٢٧:٣ -١٢٨. (٣) "علل ابن أبي حاتم" ١: ٥٥ . ١٥٩ الفصل الثاني : سماع الراوي ممن روى عنه وقد دعاني إلى هذا التنبيه ما رأيته من بعض الأئمة المتأخرين ، وبعض الباحثين من التذبذب في ترجيح أو تطبيق أحد المذهبين ، وسأذكر هنا بعض النماذج على سبيل التمثيل . فمن ذلك أن ابن الصلاح قد رد قول مسلم فقال في كتابه "صيانة صحيح مسلم": "والذي صار إليه مسلم هو المستنكر ، وما أنكره قد قيل : إنه القول الذي عليه أئمة هذا العلم ... " (١). لكنه عند کلامه علی حدیث عائشة : (( أمرنا رسول الله - صلی الله علیه وسلم - أن ننزل الناس منازلهم))، الذي ذكره مسلم في المقدمة معلقاً عنها بلفظ : وقد ذكر عن عائشة - رضي الله عنها - ، عند هذا الحدیث ذکر ابن الصلاح أن أباداود أخرجه من طريق ميمون بن أبي شبيب ، عن عائشة ، وأنه ذكر بعد تخريجه له أن ميموناً لم يدرك عائشة(٢)، ثم تعقبه ابن الصلاح بقوله : "وفيما قاله أبوداود توقف ونظر ، فإنه كوفي متقدم ، قد أدرك المغيرة بن شعبة ، ومات المغيرة قبل عائشة ، وعند مسلم التعاصر مع إمكان التلاقي كافٍ في ثبوت الإدراك ، فلو ورد عن ميمون أنه قال : لم ألق عائشة استقام لأبي داود الجزم بعدم إدراكه، وهيهات ذلك"(٣). كذا صنع ابن الصلاح ، وأبوداود إنما جزم بذلك تمشياً مع مذهبه في ضرورة ثبوت اللقاء والسماع ، ولا سيما مع قرينة اختلاف البلدان ، وهو القول (١) "صيانة صحيح مسلم" ص١٢٨ . (٢) "سنن أبي داود" حديث (٤٨٤٢). (٣) "صيانة صحيح مسلم" ص٨٤ . ١٦٠ الاتصال والانقطاع الذي رجحه ابن الصلاح أولاً . ولم ينفرد أبو داود بذلك، بل نفى سماعه أيضاً أبو حاتم(١)، وقال عمرو بن علي الفلاس في ميمون : "كان يحدث عن أصحاب النَّبِيّ ◌َ﴾ .... ، وليس عندنا في شيء منه يقول: سمعت ، ولم أخبر أن أحداً يزعم أنه سمع من أصحاب النَّبِيّ ◌َ "(٢). ومن ذلك أن العلائي وهو ممن رد على مسلم قوله وناقشه فيه(٣)، لكنه رجح سماع حميد بن عبدالرحمن بن عوف من علي على رأي مسلم ، كما تقدم آنفاً في المسألة الثالثة . وذكر قول ابن المديني في قيس بن أبي حازم : " لم يسمع من أبي الدرداء، ولا من سلمان ، وروى عن بلال ولم يلقه ، وروى عن عقبة بن عامر ، ولا أدري سمع منه أم لا " (٤) ، ثم قال: "في هذا القول نظر ، فإن قيساً لم يكن مدلساً، وقد ورد المدينة عقب وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والصحابة بها مجتمعون، فإذا روی عن أحد الظاهر سماعه منه"(٥). ولا شك أن هذا تطبيق لرأي مسلم ، فإن قیساً وإن كانت هذه صفته فإنما يثبت الأئمة سماعه من صحابي إذا ورد ذلك صريحاً ، كما تقدم نقل ذلك عن ابن (١) "المراسيل" ص٢١٤. (٢) "تهذيب الكمال" ٢٠٧:٢٩ . (٣) "جامع التحصيل " ص ١٣٤ - ١٤١، ١٤٥ . (٤) "علل ابن المديني" ص ٥٠. (٥) "جامع التحصيل" ص٣١٦.