Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ الفصل الثاني: سماع الراوي ممن روى عنه کتابه بما فيه كفاية ، وبالله التوفيق"(١). ونسبه ابن رجب إلى كثير من العلماء المتأخرين فقال : "وكثير من العلماء المتأخرين على ما قاله مسلم - رحمه الله - من أن إمكان اللقي كافٍ في الاتصال، من الثقة غير المدلس"(٢). واختار هذا المذهب كثير من المشايخ المعاصرين ، كعبدالرحمن المعلمي ، وأحمد شاكر (٣). الرابع : جمع من الباحثين ، ذهب إلى أن ما ذكره مسلم من الإجماع على الاكتفاء بإمكان اللقي صحيح، والمخالف الذي يعنيه مسلم بالرد ليس من أهل الحدیث. ثم من هؤلاء الباحثين من يوجد فرقاً بين مذهب مسلم، وبين مذهب جمهور النقاد من جهة إعمال القرائن في إثبات السماع أو نفيه، فمسلم يكتفي بإمكان اللقاء، وجمهور النقاد يعملون هذه القرائن، وهذا سمعته من بعض الباحثين. ومنهم من يقول: بل مذهب الجميع واحد، وهو عدم اشتراط العلم بالسماع، مع إعمال القرائن لإثبات السماع أو نفيه، ومن هؤلاء الباحث الأخ حاتم الشريف في رسالته: "إجماع المحدثين على عدم اشتراط العلم بالسماع في الحديث المعنعن بين المتعاصرين". (١) "تهذيب الكمال" ٤: ٤٣٣ . (٢) "شرح علل الترمذي" ٥٨٨:٢ . (٣) "عمارة القبور" ص٢٣٣-٢٥١، و"شرح ألفية السيوطي" لأحمد شاكر ص٣٢. ١٠٢ = الاتصال والانقطاع وأقرب هذه الأقسام إلى الصواب هو الأول منها، وأبعدها - بلا تردد - هو الأخير منها، فلا ذكر للقرائن في كلام مسلم ، ومذهب جمهور النقاد واضح لا خفاء فيه، وهو اشتراط العلم بالسماع والتصريح بالتحديث، وسأكتفي هنا بذکر ما يثبت ذلك من نصوصهم، والجواب عما یعترض به على الاستدلال بهذه النصوص، فإن بحث المسألة من جميع جوانبها لا يحتمله هذا الموضع، وكنت قد بحثت ذلك في رسالة خاصة بعنوان: "اشتراط العلم بالسماع في الإسناد المعنعن"(١)، وأقتطع منها هنا ما يتعلق بالنصوص التي أشرت إليها، وهي تنقسم في الجملة إلى أربعة أقسام : (١) هذه الرسالة مضمونها الاستدلال على أن جمهور الأئمة يشترطون ورود التصريح بالتحديث لإثبات السماع، ومسلماً يكتفي بالمعاصرة وإمكان اللقي، ومناقشة من ذهب من الباحثين إلى أن مسلماً يعمل القرائن في إثبات السماع، والأئمة كذلك اعتمادهم على القرائن، لا على التصريح بالتحديث، وكذلك من ذهب منهم إلى أن مسلماً لا يعمل القرائن ، ويكتفي بإمكان اللقي ، فهذا وجه الفرق بين مذهبه ومذهب الجمهور ، فالجمهور وإن كانوا لا يشترطون التصريح بالتحديث فهم ينظرون في قرائن إثبات السماع أو نفيه، وكذلك من ذهب منهم إلى أن أئمة النقد - غير مسلم - يشترطون ثبوت التصريح بالتحديث وإن كان بعضهم - كابن المديني والبخاري - ربما أثبتوا السماع بدون التصريح إذا كانت القرائن قوية جداً، وهذا في أمثلة معدودة ، وقد ناقشت في هذه الرسالة جميع ما أوردوه من أدلة ونصوص، وكانت المناقشة أشد مع بعض الإخوة الباحثين الذين خرجوا في استدلالهم ومناقشتهم لأدلة مخالفهم عن المنهج العلمي الصحيح في النظر والاستدلال، فجاءت الرسالة طويلة في نحو ثلاثمائة صفحة ، ثم ظهر لي - بمشورة بعض الإخوة الفضلاء - أنه من غير المناسب نشرها - في الوقت الحاضر على الأقل - مخافة أن توضع في غير موضعها، ويؤول الغرض منها بغير تأويله، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل. ١٠٣ الفصل الثاني: سماع الراوي ممن روى عنه القسم الأول : ما يفيد تفتيشهم عن السماع مع غير المدلس، حتى مع ثبوت سماعه ممن روى عنه، وهذا ينقض قول من يقول إنهم كانوا لا يفتشون عن السماع إلا مع المدلس. فمن هذه النصوص توقيفهم لشيوخهم على السماع ، فقد تقدم في المبحث الأول من الفصل الأول رأي شعبة في قبول الإسناد المعنعن بصفة عامة، وانزعاجه من كثرة الإرسال عند الرواة، وهو وإن كان قد حکي عنه رجوعه عن عدم قبول الإسناد المعنعن إلا أنه كان كثير التفتيش عن السماع مع المدلسين وغيرهم ، حتى من عرف بسماعه من شيخه ، فإنه كان يوقفه في كل حديث ، فقد ورد عنه قوله : "كل شيء حدثتكم به عن رجل فهو حدثني به ، قال: سمعت ، أو حدثني ، إلا ما بينته لكم" ، قال ابن المديني تعليقاً على هذا النص : "وإنما تعلم شعبة هذا التوقيف من أبي مريم عبدالغفار بن القاسم"(١). وقال يحيى بن سعيد القطان : "كل شيء يحدث به شعبة عن رجل فلا (١) "معرفة الرجال" ٢: ٢١٠، وانظر أيضاً: "العلل ومعرفة الرجال" ١٥١:١-٢،١٥٢: ١٦٢، و"علل المروذي" ص ٩٢، و"الجرح والتعديل" ١٧٣:١ . وعبدالغفار بن القاسم هذا کان له عنایة بالعلم وبالرجال ، وقد سمع منه شعبة ، ثم تركه ، فقد كان شیعیاً غالياً ، روی أحاديث بواطیل في عثمان - رضي الله عنه - ، تركه الجمهور ، ورماه بعضهم بوضع الحديث ، وممن رماه بذلك ابن المديني ، وهو الذي قال فيه ما في النص أعلاه، انظر: "الجرح والتعديل" ٥٣:٦، و"الميزان" ٢: ٦٤٠، و"اللسان" ٤٢:٤ . وممن تعلم منه شعبة التفتيش عن سماع الرواة ممن رووا عنه والدته، فروى ابن معين في "معرفة الرجال" ١٥٧:٢، عن عفان، عن شعبة قال: "قالت أمي لهشام بن حسان: عمن يحدث ابن سيرين؟ قال: فقال: عن أبي هريرة، وابن عمر، قال: فقالت: وسمع منهما؟". ١٠٤ الاتصال والانقطاع تحتاج أن تقول عن ذاك الرجل إنه سمع فلاناً ، قد كفاك أمره"(١). وقال أبوداود الطيالسي : "رأيت رجلاً يقول لشعبة : قل : حدثني أو أخبرني ، فقال له شعبة: فقدتك وعدمتك، وهل جاء أحد بهذا قبلي؟"(٢). وجاء عنه قوله لعدي بن ثابت حین روی له حديثاً عن البراء بن عازب : "أنت سمعته من البراء ؟ قال: إياي حدث"(٣). وسمع شعبة عبدالرحمن بن القاسم يحدث عن أبيه عن عائشة بحديث قصص بريرة الثلاث ، قال شعبة : "قلت لسماك بن حرب : إني أتقي أن أسأله عن الإسناد فسله أنت - قال : وكان في خلقه ... - فقال له سماك بعدما حدث : أحدثك هذا أبوك عن عائشة ؟ قال عبدالرحمن : نعم ، فلما خرج قال لي سماك : يا شعبة استوثقت لك منه"(٤). وربما وصل به الأمر إلى تحليف شيخه أنه سمع ، كما في قصته مع عبدالله بن دینار حین روی له حديثاً عن ابن عمر (٥). وحدث أبو داود السجستاني بحديث شعبة، عن أبي زیاد الطحان، عن أبي هريرة: "رأى النَّبِيّ لَ﴿ رجلاً يشرب قائماً ... " الحديث، ثم قال : "أبو زياد (١) "الجرح والتعديل" ١٦٢:١. (٢) "الجرح والتعديل" ١٦٦:١، و"الكامل" ٨٧:١. (٣) "صحيح مسلم" ١: ٦٠. (٤) "الجرح والتعديل" ١٦٥:١. (٥) "المعرفة والتاريخ" ٢: ٧٠٣، و"الجرح والتعديل" ١: ١٦٤، ١٧٠. ١٠٥ الفصل الثاني : سماع الراوي ممن روى عنه الطحان حلَّفه شعبة، فقال: والرحمن لقد سمعت أبا هريرة"(١). ومثل ما جاء عن شعبة جاء عن سفيان الثوري(٢)، وهشام بن عروة، وعن تلميذهم يحيى بن سعيد القطان(٣)، إلا أن شعبة اشتهر أيضاً بأنه يؤديها بألفاظ السماع أيضاً ، ولا يختصرها بإبدال (عن) بها ، قال عبد الله بن أحمد : "قلت لأبي : أبو معاوية فوق شعبة - أعني في حديث الأعمش - ؟ فقال : أبو معاوية في الكثرة والعلم - يعني علمه بالأعمش - شعبة صاحب حديث ، يؤدي الألفاظ والأخبار، أبو معاوية: عن، عن ... " (٤). ولهذا كان الأئمة يعدون رواية شعبة بمثابة ترجيح السماع ، فقد سئل أحمد: هل سمع عمرو بن دينار من سليمان اليشكري ؟ قال : "قتل سليمان في فتنة ابن الزبير ، وعمرو رجل قديم ، قد حدث عنه شعبة : عن عمرو ، عن سليمان ، وأراه قد سمع منه"(٥) ، والظاهر أنه رجح سماعه برواية شعبة ، وليس بوجود التصريح بالسماع ، فقد سئل مرة أخرى عن سماع عمرو منه فقال : "لعل عمراً أدركه"(٦). (١) "سؤالات الآجري لأبي داود" ٢: ١٠. والحديث أخرجه أحمد ٢: ٣٠١، والدارمي حديث (٢١٣٤). (٢) "الجرح والتعديل" ٦٨:١، ٨٢. (٣) انظر: ما تقدم في المبحث الأول . (٤) "العلل ومعرفة الرجال" ٣٧٧:٢ . (٥) "العلل ومعرفة الرجال" ٢٨٤:٣. (٦) "العلل ومعرفة الرجال" ٤٨٧:٢. ١٠٦ الاتصال والانقطاع القسم الثاني : ما فيه إثبات السماع أو اللقي لوجود التصريح به، أو نفي ذلك لعدم وجوده . فمن ذلك أن علي بن المديني سأل يحيى بن سعيد القطان : هل سمع زرارة ( يعني ابن أوفى) من ابن عباس ؟ فقال: "ليس فيها شيء: سمعت"(١). وقال عبدالله بن أحمد في شأن سليمان بن قيس اليشكري : "قال أبي: وقد حدث عنه الجعد أبو عثمان ، فقلت له : سمع منه ؟ قال : يقول الجعد : حدث سليمان ، حدث سليمان، فلا أدري - يعني سمع منه أم لا - "(٢). وسئل ابن معين عن وهب بن منبه هل لقي النعمان بن بشير ؟ فقال : "يُروى عنه في حديث أنه لقيه"(٢). وقيل له : ثابت سمع من ابن عمر ؟ قال : "نعم ، قال: سمعت ابن عمر"(٤). وقال أيضاً: "قالوا: إن عطاء بن أبي رباح لم يسمع من ابن عمر شيئاً، ولكنه قد رآه، ولا يصحح له سماع"(٥) . وقال ابن المديني : " قیس بن أبي حازم سمع من أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ... "، قيل له: هؤلاء كلهم سمع منهم قيس بن أبي حازم سماعاً؟ قال: (١) "المراسيل" ص٦٣ . (٢) "العلل ومعرفة الرجال" ٤٨٧:٢ . (٣) "المراسيل" ص٢٢٨ . (٤) "معرفة الرجال" ١٢٨:١. (٥) "معرفة الرجال" ١٢٦:١ . ١٠٧ الفصل الثاني ، سماع الراوي ممن روى عنه "نعم، سمع منهم سماعاً، ولولا ذلك لم نعد له سماعاً "(١). وقال أيضاً في همام بن الحارث: "روى عن أبي الدرداء، ولا ينكر لقاؤه عندنا، وقد لقيه، ولم يقل: سمعت"(٢). وسئل ابن المديني عن سماع سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف من عبد الله بن جعفر؟ فقال : "ليس فيه سماع" ، ثم قال : " لم يلق سعد بن إبراهيم أحداً من أصحاب النبي ◌ِ﴿آ"(٢). وقال الفلاس في ميمون بن أبي شبيب : "كان يحدث عن أصحاب النَّبِيّ مظالله *... ، وليس عندنا في شيء منه يقول : سمعت ، ولم أخبر أن أحداً يزعم أنه سمع من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - "(٤). وسئل محمد بن عوف الحمصي الحافظ عن سماع شريح بن عبيد من أحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "ما أظن ذلك ، وذلك أنه لا يقول في شيء : سمعت، وهو ثقة"(٥). وقال أبوحاتم حين سئل عن خالد بن معدان عن أبي هريرة ، هل هو متصل؟: "قد أدرك أباهريرة، ولا يُذكر سماعٌ"(٦). (١) "علل ابن المديني" ص٦١. (٢) "علل ابن المديني" ص٦١. (٣) "تهذيب الكمال" ١٠ : ٢٤٤. (٤) "تهذيب الكمال " ٢٠٧:٢٩. (٥) "تاريخ دمشق" ٦٤:٢٣. "المراسيل" ص٥٣ . (٦) = ١٠٨ الاتصال والانقطاع وقال في سماع أبي عبدالرحمن السلمي من عثمان بن عفان : "قد روى عنه، ولم يذكر سماعاً"(١). وقال في رواية مجاهد عن علي : "أدرك علياً، لا يُذكر رؤيةٌ ولا سماعٌ"(٢). وأما البخاري فقد أكثر من نقد الأسانيد بعدم ذكر السماع، أو الحكم بالاتصال لذكر السماع، ويصفو منه شيء كثير في محل النزاع(٣)، وقد كان البخاري في كتابه : "التاريخ الكبير" شديد الحرص على بيان كيفية رواية المترجم له عن شيوخه ، فینص علی التصریح بالتحدیث، وعلى من ذکر عنه رؤية ، وعلى من روى عنه بالعنعنة ، أو بصيغة أن (٤). القسم الثالث : ما فيه إثبات إدراك الراوي لمن روى عنه ، ونفي سماعه منه، وفوق ذلك أن يثبتوا رؤيته له أو دخوله عليه وینفوا سماعه منه ، فمن ذلك قول شعبة: "قد أدرك رفيع أبوالعالية: علي بن أبي طالب ، ولم يسمع منه شيئاً"(٥). (١) "المراسيل" ص ١٠٧ . (٢) "المراسيل" ص٢٠٦، وانظر أيضاً ص٧٩ فقرة (٢٨٢)، ص٨٨ فقرة (٣١٩)، ص٢٠٩ فقرة (٧٨٠)، ص٢٤٢ فقرة (٩٠٤). (٣) انظر" موقف الإمامین" ص١٦٥ - ٢٥٠، ٢٥٩، ٤٥٦. (٤) انظر: "موقف الإمامين" ص٩٤ -١٠٧. (٥) "تاريخ الدوري عن ابن معين" ١٦٧:٢، و"المعرفة والتاريخ" ٢: ٨٣٢، و"المراسيل" ص٥٨، و"الجرح والتعديل" ١٣١:١، وانظر: "التاريخ الكبير" ٣٢٦:٣، والتهذيب التهذيب" ٣: ٢٨٥، فقد روى أبوالعالية عن علي - رضي الله عنه -، واختلف في سماعه منه. ١٠٩) = الفصل الثاني ، سماع الراوي ممن روى عنه ونقل ابن المديني عن يحيى القطان قوله في الرواة عن زيد بن ثابت : "ومن أهل المدينة ممن روی عنه ممن أدركه ، ولا يثبت له لقاؤه ، ولا يثبت له السماع منه"، ثم عد جماعة(١). وقال أحمد : "عطاء - يعني ابن أبي رباح - قد رأى ابن عمر ، ولم يسمع منه"(٢). وسئل أحمد عن ابن عون هل سمع من أنس؟ فقال: " قد رآه، وأما سماع فلا أعلم"(٢) . وقال الدوري : "سمعت يحيى بن معين يقول في حديث عبدالجبار بن الورد ، عن عبيدالله بن أبي يزيد - قال : دخلت على أبي لبابة بن عبدالمنذر ، فقلت ليحيى: سمع من أبي لبابة ؟ فقال: لا أدري"(٤). وقال أبوحاتم في إبراهيم النخعي : "أدرك أنساً، ولم يسمع منه"(٥). وقال أيضاً : "حصين بن جندب أبوظبيان قد أدرك ابن مسعود، ولا أظنه سمع منه"(٦). وقال أبوحاتم أيضاً : "أيوب السختياني رأى أنس بن مالك ، ولم يسمع (١) "علل ابن المديني" ص٤٨ . (٢) "المراسيل" ص١٥٤ . (٣) "علل المروذي" ص٤١. (٤) "تاريخ عباس" ٢: ٣٨٤، و"المراسيل" ص ١٢٠ . "المراسيل" ص٩ . (٥) (٦) "المراسيل" ص٩٩ . = ١١٠ الاتصال والانقطاع منه، وهو مثل الأعمش"(١). وقال أيضاً : "جماعة بالبصرة قد رأوا أنس بن مالك، ولم يسمعوا منه"، وذكر منهم : ابن عون، وقرة بن خالد(٢). وقال أيضاً: "مكحول لم يسمع من واثلة، دخل عليه " (٢). وقال أيضاً : "طاوس لم يسمع من عثمان شيئاً، وقد أدرك - يعني زمن عثمان - لأنه قدیم "(٤). القسم الرابع : ما جاء عنهم من نفي السماع دون النص على الإدراك ، لكن يعرف ذلك وأن اللقاء بينهما ممكن من ترجمتي الراويين . وهو كثير ، فمن ذلك نفي شعبة لسماع أبي عبدالرحمن السلمي من عثمان(٥)، ومجاهد من عائشة(٦)، وجعفر بن أبي وحشية من مجاهد(٢)، ومن (١) "المراسيل" ص١٤ . (٢) "المراسيل" ص١١٣، ١٧٧، ٢٤٤. (٣) "المراسيل" ص٢١٣ . (٤) "المراسيل" ص٩٩، وانظر أيضاً: "المراسيل" ص ٦٥ فقرة (٢٣٢)، ص٩٨ فقرة (٣٤٨ - ٣٥١)، ص ١١٠ فقرة (٣٩٥)، ص١٣٦ فقرة (٤٩٠)، ص١٤٦ فقرة (٥٢٩،٥٢٦)، ص١٩٢ فقرة (٧٠٦)، ص ١٩٣ فقرة (٧١٠)، ص ٢٤٤ فقرة (٩١٠). (٥) "مسند أحمد" ٥٨:١، و"صحيح البخاري" حديث (٥٠٢٧)، و"المراسيل" ص١٠٨،١٠٦. (٦) "العلل ومعرفة الرجال" ١: ٥٠٨، ٢: ٩٤، و"صحيح البخاري" حديث (١٧٧٥ - ١٧٧٦)، و"المراسيل" ص٢٠٣ . (٧) "المراسيل" ص٢٥ و"الجرح والتعديل" ١٣٢:١، ١٥٧، ١٥٨، و"تهذيب التهذيب" ٨:٢. ١١١ الفصل الثاني : سماع الراوي ممن روى عنه حبيب بن سالم(١). وقال مالك: "لم يسمع سعيد بن المسيب من زيد بن ثابت"(٢). وقال أحمد حين سئل عن سماع أبان بن عثمان بن عفان من أبيه : "لم يسمع من أبيه ، من أين سمع منه ؟"(٢) ، وعلق ابن رجب على كلمة أحمد هذه بقوله : "ومراده: من أين صحت الرواية بسماعه منه ؟ وإلا فإن إمكان ذلك واحتماله غير مستبعد"(٤). وقال أبوزرعة في أبي أمامة بن سهل بن حنيف : "لم يسمع من عمر"(٥)، وعلق ابن رجب على كلامه هذا بقوله : "هذا مع أن أبا أمامة رأى النبي - صلى الله علیه وسلم -"(٦). وقال البخاري : "أبو الزناد لم يسمع من أنس بن مالك "(٧). فهذه نصوص عن الأئمة قبل عصر مسلم ، وفي عصره ، تدل دلالة ظاهرة على أنهم يشترطون العلم بالسماع للحكم بالاتصال. وأما من بعد مسلم من الحفاظ كالبزار ، والدار قطني ، فالنصوص عنهم (١) "المراسيل" ص٢٦، و"الجرح والتعديل" ١٣٢:١، ١٥٧، ١٥٨، ٤٧٣:٢ . (٢) "علل ابن المديني" ص٤٨، و"المراسيل" ص ٧٢. (٣) "المراسيل" ص١٦ . "شرح علل الترمذي" ٢: ٥٩١ . ( ٤) "المراسيل" ص١٦، ٢٥٨ . (٥) (٦) "شرح علل الترمذي" ٢: ٥٩١. (٧) "العلل الكبير" ٢: ٩٦٤. ١١٢ الاتصال والانقطاع كثيرة أيضاً(١). والنصوص التطبيقية هذه اعترض على الاستدلال بها، وذلك من ثلاثة أوجه أذكرها مع الجواب عنها : الوجه الأول : أن ما يتعلق منها بنفي السماع ليس مرجعه إلى أن السماع لم يرد ، ولكن قد يكون لأن نفي السماع قد ورد ، فقد قال يحيى بن معين في رواية الدوري : "قد رأى حاتم بن إسماعيل: محمد بن المنكدر، وزيد بن أسلم، ولم يسمع منهما شيئاً"(٢)، ونقله عنه هكذا ابن أبي حاتم(٣)، لكنه قال مرة أخرى في رواية الدوري أيضاً : "قد أدرك حاتم بن إسماعيل محمد بن المنكدر ، وزید بن أسلم، وقال لنا: قد رأيتهما ، ولم أسمع منهما شيئاً"(٤). ومثله قول ابن معين أيضاً : "لم يسمع أبو إسحاق من علقمة شيئاً، ولكنه قد رآه"(٥)، فإن نفي السماع ثابت عن أبي إسحاق نفسه(٦). وكذا عدم سماع الأعمش من أنس فإنه قد جاء عنه قوله : "رأيت أنساً، وما منعني أن أسمع منه إلا استغنائي بأصحابي"(٧). (١) انظر: "موقف الإمامين" ص٢٨٤- ٢٩٠ . (٢) "تاريخ الدوري عن ابن معين" ٩١:٢، ٣: ١٦٧ . (٣) "المراسيل" ص٥١ . (٤) "تاريخ الدوري" ٩١:٢، ٢٤٥:٣. "معرفة الرجال" ١٢٨:١ . (٥) (٦) انظر: "المراسيل" ص ١٤٥ . (٧) "تاريخ بغداد " ٦: ٢٤٦. ١١٣ الفصل الثاني : سماع الراوي ممن روى عنه ونفى أحمد أن يكون عمار الدهني قد سمع من سعيد بن جبير شيئاً(١)، وقد جاء النفي عن عمار نفسه، قال أبو بكر بن عياش : " مَرَّ بي عمار الدهني فدعوته، فقلت : سمعت من سعيد بن جبير ؟ قال: لا ، قلت : فاذهب "(٢) . فمثل هذا يدل على أنهم إنما ينفون السماع حين يرد النفي ، ولا كلام في ذلك، فإن محل النزاع فيما إذا لم يرد ذلك . والجواب أن ما ذكره المعترض قد يتهيأ في بعض النصوص ، لكنه لا يتهيأ فيها كلها ، كما في النص السابق عن ابن معين في عبيدالله بن أبي يزيد مع أبي لبابة، فلم يثبت السماع لكونه لم يرد ، لا لوجود نفيه ، وقد تقدم مثله عن الأئمة مع عدم وجود الرؤية ، فقد نفوا السماع لكونه لم يرد ، وأثبتوه لوروده. الوجه الثاني : نرى الأئمة - وقد تقدم هذا في المبحث الأول من هذا الفصل - حين يسألون عن سماع راوٍ من آخر يقيمون الدليل على أنه لم يسمع منه ، فيذكرون مثلاً أنه يدخل بينه وبينه رجلاً ، أو أكثر ، أو يقولون : إن هذا كان في بلد ، والمروي عنه في بلد آخر ، أو يذكرون أنه يقول في بعض رواياته عنه: نبئت ، أو بلغني عنه ، وحينئذٍ فلو كانوا يتطلبون ثبوت السماع للحكم بالاتصال لاكتفوا بالقول : إنه لم يثبت السماع ، ولا حاجة لإقامة دليل آخر على ذلك . والجواب عن هذا سهل جداً ، ذلك أنهم يفعلون هذا لسببين : (١) "جامع التحصيل" ص ٢٩٥ . (٢) "العلل ومعرفة الرجال " ٢: ٤٥٩، وانظر: "سؤالات الآجري لأبي داود " ١ : ١٧٥ . = ١١٤ الاتصال والانقطاع الأول : أن وجود قرينة على عدم السماع أقوى في نفي السماع من عدم وجودها ، وكلما كثرت القرائن ازداد النفي قوة ، لا يجادل في ذلك أحد ، فعدم وجود قرينة على النفي مع إمكان السماع لا يكفي لإثبات السماع ، وحينئذٍ فعملهم هذا من باب تأكيد حكم ثابت ، ويجلي هذا بوضوح نصوص عن النقاد في هذا. فمن ذلك ما تقدم عن أبي حاتم في إدخال واسطة بین سعید بن یزید، والنَّبِيّ ◌َ﴿، فقد تأكد بها أن لا صحبة له، لكن قبل الوقوف عليها لم تثبت له صحبة بمجرد ذلك ، ولهذا قال أبو حاتم: "كنا لا ندري له صحبة أم لا"(١) . وقال ابن الجنيد : "قلت لیحیی بن معین : تعلم محمد بن سیرین یدخل بینه وبین عقبة بن أوس أحداً ، أو عقبة بن أوس يدخل بینه وبین عبدالله بن عمرو أحداً ؟ فقال : لا أعلمه ، وعقبة بن أوس يقال له أيضاً : يعقوب بن أوس، قال ابن الغلابي : يزعمون أن عقبة بن أوس السدوسي لم يسمع من عبدالله بن عمرو ، إنما يقول: قال عبدالله بن عمرو "(٢). فنلاحظ في هذا النص البحث عن قرينة تدل على عدم السماع، فكان السؤال عن أشهر قرينة في ذلك، وهي إدخال راو بين راويين، وعدم الوقوف عليها لم يغير من الحكم شيئاً، وهو عدم السماع. ومثل هذا النص قول أحمد حين سئل : هل سمع حميد بن هلال من هشام (١) "المراسيل" ص ٦٨ . (٢) "سؤالات ابن الجنيد" ص٣١٨، والقائل: قال ابن الغلابي - هو ابن الجنيد، واسم ابن الغلابي المفضل بن غسان ، وهو أحد تلاميذ ابن معين . ١١٥ الفصل الثاني : سماع الراوي ممن روى عنه ابن عامر ؟ فقال : "ما أراه سمع منه، وذاك أنه يُدخل بينهما رجل، وبعضهم يقول : أبوالدهماء"(١). وأما أبوحاتم فقال : "حميد بن هلال لم يلق هشام بن عامر ، يدخل بينه وبين هشام : أبو قتادة العدوي ، وبعضهم يقول : عن أبي الدهماء ، والحفاظ لا يدخلون بينهم أحداً : حميد ، عن هشام" ، قيل له : فأي ذلك أصح ؟ قال : "ما رواه حماد بن زيد، عن أيوب ، عن حميد ، عن هشام"(٢). فنلاحظ أن أباحاتم يرجح رواية من لم يدخل بينهما أحداً، ومع ذلك وافق أحمد على أنه لم يسمع منه ولم يلقه ، فاتضح أن القرينة التي ذكرها أحمد قصد بها تأکید عدم السماع وعدم اللقي ، والحكم بذلك باقٍ حتى مع انتفائها. السبب الثاني : وجود أخطاء كثيرة في التصريح بالتحديث ، فیحرص الأئمة على ذكر القرائن على أنه لم يسمع خشية وقوع خطأ في التصريح بالتحديث، وقد وقع ذلك كثيراً فعالجوه بهذه الطريقة . فمن ذلك قول علي بن المديني : "قلت ليحيى بن سعيد القطان: الفزاري روى عن ابن أبي خالد ، عن هلال بن يساف قال : سمعت أبامسعود ، قال يحيى: أنكر أن يكون هلال سمع من أبي مسعود ، قال يحيى : مات أبو مسعود أيام علي"(٦). (١) "مسائل أبي داود" ص٤٢٥ . (٢) "المراسيل" ص٤٩، وانظر: "تحفة الأشراف" ٤٢٩:١١ . (٣) "المراسيل" ص٢٢٩ . . ١١٦ = الاتصال والانقطاع وروى الأثرم قال : "قال أبو عبدالله أحمد بن حنبل : عبدالله البهي سمع من عائشة !! ما أرى في هذا شيئاً ، إنما يروي عن عروة ، وقال ( يعني أحمد ) : في حديث زائدة ، عن السدي ، عن البهي قال : حدثتني عائشة - في حديث الخمرة -، وکان عبدالرحمن ( يعني ابن مهدي ) قد سمعه من زائدة ، فکان یدع فيه : حدثتني عائشة ، وينكره"(١). وقال عبد الله بن أحمد: "حدثني أبي، قال: حدثنا حجاج، عن شريك، عن عاصم بن كليب، عن محمد بن كعب، قال: سمعت علي بن أبي طالب، قال أبي: هذا وهم، محمد بن كعب يحدث عن عبدالله بن شداد، عن علي، وعن شبث بن ربعي، عن علي، ولم أر أبي يصحح أن محمد بن كعب سمع من علي"(٢). وروى الأثرم قال : "سمعت أباعبدالله وذكر حديث خالد بن الصلت ، عن عراك بن مالك ، عن عائشة - رضي الله عنها - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (( حولي مقعدي إلى القبلة ))، فقال : مرسل ، فقلت له : عراك ابن مالك قال : سمعت عائشة - رضي الله عنها - ، فأنكره ، وقال : عراك بن مالك من أين سمع من عائشة ؟ ماله ولعائشة ، إنما يروي عن عروة ، هذا خطأ ، قال لي : من روى هذا ؟ قلت : حماد بن سلمة ، عن خالد الحذاء ، فقال : رواه غير واحد عن خالد الحذاء ليس فيه : سمعت ، وقال غير واحد أيضاً عن حماد : (١) "المراسيل" ص ١١٥، وانظر "مسائل أبي داود" ص٤٥٤، و"تحفة الأشراف" ٤٧٢:١١ - ٤٧٤، ومعه "النكت الظراف" . (٢) "العلل ومعرفة الرجال" ٥٢٧:١. ١١٧ الفصل الثاني : سماع الراوي ممن روى عنه ابن سلمة ، ليس فيه سمعت"(١). وقال الأثرم أيضاً : "قلت لأبي عبدالله - يعني أحمد بن حنبل - : الزهري سمع من عبدالرحمن بن أزهر ؟ قال : ما أراه سمع من عبدالرحمن بن أزهر ، ثم قال : إنما يقول الزهري : كان عبدالرحمن بن أزهر يحدث ، كذا يقول معمر وأسامة : سمعت عبدالرحمن بن أزهر ، ولم يصنعا عندي شيئاً ، ما أراه حُفظ ، وقد أدخل بينه وبينه: طلحة بن عبدالله بن عوف"(٢). وقال محمد بن البراء : "سئل ( يعني ابن المديني) عن حديث الأسود - وهو ابن سريع - : (( بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية فأكثروا القتل ... )) - فقال : إسناده منقطع ، رواية الحسن عن الأسود بن سريع ، والحسن عندنا لم يسمع من الأسود، لأن الأسود خرج من البصرة أيام علي ، وكان الحسن بالمدينة ، فقلت له : فإن المبارك يقول في حديث الحسن ، عن الأسود : (( أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : إني حمدت ربي بمحامد ... )) -: أخبرني الأسود، فلم يعتمد على المبارك في ذلك"(٣). (١) "المراسيل" ص ١٦٢، وانظر: "تهذيب التهذيب" ٣: ٩٨. (٢) "المراسيل" ص١٩١، ومراد أحمد أن معمراً وأسامة بن زيد رويا عن الزهري، عن عبدالرحمن بن أزهر مصرحاً الزهري فيه بالتحديث، وعد أحمد ذلك خطأ من معمر وأسامة، وأقام قرینتین على ذلك . (٣) "علل ابن المديني" ص ٥٥، وانظر: "مسند أحمد" تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرين ٢٣: ٣٥٢-٣٥٧، الأحاديث (١٥٥٨٦ - ١٥٥٨٩)، و"المراسيل" ص٣٩. ١١٨) الاتصال والانقطاع وقضية الأخطاء في التصريح بالتحديث قضية ضخمة جداً في باب الاتصال والانقطاع ، شغلت الأئمة كثيراً ، فالراوي المتأخر كما يخطئ في رفع الحديث ، وفي وصله ، وفي زيادة رجل أو نقصه وغير ذلك - يخطئ في إبدال صيغة الرواية ، فيضع الأعلى بدل الأدنى ، أي يضع التصريح بالتحديث أو اللقي مكان الصيغة المحتملة للسماع وعدمه ، أو التي فيها الانقطاع صراحة ، أو يسقط رجلاً ، فتكون الرواية عمن فوقه لمن دونه ، وقد سخّر الأئمة لكشف هذه الأخطاء في كثير من الأحيان علم مقارنة المرويات ، فانتظمت هذه الأخطاء وبيانها في سلك علم (علل الحديث) (١). وربما وقع التصریح بالتحديث خطأ من الراوي نفسه ، كأن يكون تغیر ، أو لم يضبط اسم شيخه فسماه بآخر لم يسمع منه ، كما ذكر أحمد عن وهيب قال : (١) انظر نماذج من أخطاء التصريح بالتحديث أو اللقي في: "مسند أحمد" ٨٨:٤، و "مسائل أبي داود" ص ٤٠٥، ٤٥٣، و"العلل ومعرفة الرجال" ٥٠٨:١، ٢: ٤٨، ٩٤، و"علل ابن المديني" ص٥٤، ٥٥، و"تاريخ الدوري عن ابن معين" ٢: ٥٥٠، و"التاريخ الكبير" ١: ٢٧٨، و"المعرفة والتاريخ" ٤٣٩:٢، (١٦)، (٤٣١)، (٥٥٠)، (٧٩٥)، (٧٩٩)، (٨٢١)، (٨٢٢)، (٩٠٨)، (٩٥٧)، (٩٦٦)، (٩٨٨)، و"المراسيل" ص١٢، ٣٤، ٣٦، ٣٧، ٣٨، ٤٠، ٥٢، ٦١، ٨٦، ٩٦، ١٠٢، ١٢٤، ١٢٥، ١٣٨، ١٤٢، ١٥٦، ١٥٧، ١٥٩، ١٦٣، ١٧٦، ١٨٢، ١٩١، ٢٠٣، ٢٠٤، ٢١٣، ٢١٥، ٢٢٧، ٢٢٩، ٢٣٦، ٢٤٦، و"علل ابن أبي حاتم" حديث (١٦)، (٤٣١)، (٥٥٠)، (٧٩٥)، (٧٩٩)، (٨٢١)، (٨٢٢)، (٩٠٨)، (٩٥٧)، (٩٦٦)، (٩٨٨)، و"الجرح والتعديل" ١٤٠:١، ١٤٧، ٢٤٣، ٢٤٥، و"تهذيب الكمال" ٢٠: ٢٣، و"سير أعلام النبلاء" ٤: ٤٣٧، و"جامع التحصيل" ص١٩٠، ٢٢٧، و"شرح علل الترمذي" ٢: ٥٩١، ٥٩٣-٥٩٤، ٧٨٩. ١١٩ الفصل الثاني ، سماع الراوي ممن روى عنه "أتيت عطاء بن السائب فقلت له: كم سمعت من عبيدة؟ قال : ثلاثين حديثاً، قال: ولم يسمع من عبيدة شيئاً، قال: ويدل ذلك على أنه قد تغير"(١). وذكر أحمد ، وابن معين ، وأبو حاتم أن زهير بن معاوية سمع من صالح ابن حيان، فقلب اسمه إلى واصل بن حيان(٢). وكذلك اعتنى الأئمة بالنص على الراوي الذي يخطىء على شيخه في صيغ الأداء، فيذكر عنه التصريح بالتحديث، وهو لم يسمع ممن روى عنه، مثل المبارك ابن فضالة مع الحسن البصري (٢). وكثيراً ما يشير الأئمة في عباراتهم إلى أخطاء التصريح بالتحديث، فيقولون في الراوي مثلاً: لم یصح له سماع من فلان ، أو لا يثبت له سماع من فلان ، أو إنما صح له السماع من فلان وفلان ، ونحو هذه العبارات ، أو يسأل عن سماع شخص من آخر فيقول : أما عن ثقة فلا ، أو يسأل عن صحبته فيقول: أما صحيحة فلا ، أو ينقل الإمام عن إمام آخر أنه كان ينكر سماع راوٍ من آخر ، ونحو ذلك(٤). (١) "المراسيل" ص١٥٧، وانظر: "مسائل أبي داود" ص٢٨٧ . (٢) انظر: "سؤالات أبي داود" ص ١٦٣، و"تاريخ الدوري عن ابن معين " ٢ : ٢٦٣، و "سؤالات الآجري لأبي داود" ١: ٣٠٨، و"الكامل" ٤: ١٣٧١ ، و"ضعفاء الدار قطني" ص ٢٤٦، و"شرح علل الترمذي "٢: ٨١٩، و"تهذيب التهذيب " ٤: ٣٨٦. (٣) " الجرح والتعديل " ٨: ٣٣٩، و"الضعفاء الكبير" ٢٢٥:٤. (٤) انظر مثلاً: "علل ابن المديني" ص ٥٤، ٦٨، و"التاريخ الصغير" ١٨٧:١، ٢٠٨، ٢٤٠، و"العلل الكبير" ٢: ٩٦٤، و"المراسيل" ص١٦، ٢٦، ٣٨، ٤٢، ٥٠، ٥١، ٥٢، ٦٣، ١٠٢، ١٠٤، ١٤٦، ١٨٥، ١٩٢، ٢١١، ٢١٦، ٢٣٠. = ١٢٠ الاتصال والانقطاع ويشبه أخطاء التصريح بالسماع واللقي ما يأتي عن الرواة من ألفاظ موهمة للسماع أو اللقي ، ولا يقصد بها ذلك ، مثل أن يقول الراوي : قدم علينا فلان ، أو خطبنا فلان ، وهو يقصد قومه ، أو أن فلاناً حدثهم ، وهو يقصد الناس . مثال ذلك : قول أحمد: "الأسود بن سريع ما أرى سمع منه الحسن، وذاك أن یونس یقول: حدثھم"(١) .... وقال إسحاق بن منصور : "وسألته - يعني ابن معين - قلت : خليد العصري لقي سلمان؟ قال : لا ، قلت : إنه يقول : لما ورد علينا، قال : يعني البصرة"(٢). وقال محمد بن البراء : "قال علي بن المديني : الحسن لم يسمع من ابن عباس، وما رآه قط ، كان الحسن بالمدينة أيام كان ابن عباس بالبصرة استعمله عليها علي - رضي الله عنهما - وخرج إلى صفين ، وقال لي عن حديث الحسن : خطبنا ابن عباس بالبصرة - إنما هو كقول ثابت : قدم علينا عمران بن حصين ، ومثل قول مجاهد : خرج علينا علي ، وكقول الحسن : إن سراقة بن مالك بن جعشم حدثهم، وكقوله : غزا بنا مجاشع بن مسعود"(٢). ويؤكد ما تقدم أن النقاد استخدموا القرائن لنفي السماع مع المدلسين (١) "مسائل أبي داود" ص٤٤٨، ووقع في النسخة: "حدثه" ، ولا يستقيم بها المعنى. (٢) "المراسيل" ص٥٥ . (٣) "علل ابن المديني" ص٥١، و"المراسيل" ص٣٣، وانظر أيضاً نماذج أخرى في : "تاريخ أبي زرعة الدمشقي" ١ : ٦٣٢، و"المراسيل " ص٤٠، ٥٥، ٧٦، ٢١٧، و"شرح معاني الآثار" ١: ٤٥١، و"نصب الراية" ١: ٩٠، و"تهذيب التهذيب" ٢٦٩:٢.