Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
الفصل الثاني، سماع الراوي ممن روى عنه
فإن الأئمة قد استدلوا بهذا كثيراً على عدم السماع .
قال ابن رجب : "إن كان الثقة يروي عمن عاصره أحياناً، ولم يثبت لقيه
له، ثم يدخل أحياناً بينه وبينه واسطة - فهذا يستدل به هؤلاء الأئمة على عدم
السماع منه"(١).
فمن ذلك قول عبدالله بن أحمد : " سئل أبي عما روی سعید بن جبير عن
عائشة : على السماع ؟ قال : لا أراه سمع منها ، عن الثقة ، عن عائشة - رضي
الله عنها -" (٢).
وقال أحمد: "خيثمة (يعني ابن عبد الرحمن) لم يسمع من عبد الله بن
مسعود شيئاً، روى عن الأسود، عن عبد الله "(٣).
وسئل أحمد هل سمع أبووائل من عائشة ؟ فقال : "ما أدري ، ربما أدخل
بينه وبينها مسروق في غير شيء" ، وذكر حديث: ((إذا أنفقت المرأة ... ))(٤).
وقال أحمد في الحجاج بن أرطاة: "لم يسمع من عكرمة شيئاً، إنما يحدث عن
داود بن الحصين، عن عكرمة"(٥) .
وسئل ابن معین هل سمع ثابت من أبي برزة ؟ فقال : "لا ، حدث عن
(١) "شرح علل الترمذي" ٢: ٥٩٣، وانظر أيضاً ٢: ٥٩٥ .
(٢) "العلل ومعرفة الرجال" ٣: ٢٨٤، و"المراسيل" ص٧٤، و"تحفة الأشراف" ١١: ٣٧٥،
٤١١.
(٣) " العلل ومعرفة الرجال " ١: ١٤٤، و"المراسيل" ص٥٤.
"المراسيل" ص٨٨، و"تحفة الأشراف" ١١: ٤٢٤ .
( ٤)
(٥) "جامع التحصيل" ص١٩٢ .

=
٨٢
الاتصال والانقطاع
معاوية بن قرة ، عن أبي برزة"(١).
وقال إسحاق بن منصور : "قلت ليحيى بن معين : عبدالله بن نجي سمع
من علي ؟ قال : لا ، بينه وبين علي أبوه"(٢).
وقال ابن معین أيضاً : "لم يسمع قتادة من سعید بن جبير ، ولا من مجاهد ،
ولا من سليمان شيئاً ، ربما أدخل بينهم رجلاً ، وربما أرسل ، وأكثر ذلك لا
يدخل، يرسلها"(٣).
وقال البخاري : "ما أری یونس بن عبيد سمع من نافع ، وروی یونس بن
عبيد، عن ابن نافع ، عن أبيه حديثاً"(٤).
وقال أيضاً: "لم يسمع الحسن من سلمة، بينهما قبيصة بن حريث"(٥).
وقال أبو حاتم : "أبووائل قد أدرك علياً، غير أن حبيب بن أبي ثابت روی
عن أبي وائل، عن أبي الهياج ، عن علي - رضي الله عنه - : (( أن النبي - صلى
الله عليه وسلم - بعثه : لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته))" (٦).
وقال أيضاً : "أبو قلابة لم يسمع من أبي زيد عمرو بن أخطب ، بينهما عمرو
(١) "معرفة الرجال" ١٢٨:١.
(٢) "المراسيل" ص١١٠ .
(٣) "سؤالات ابن الجنيد" ص٣١٧ .
(٤) "العلل الكبير" ٥٢٣:١.
"التاريخ الكبير" ٤: ٧٢ .
(٥)
(٦) "المراسيل" ص٨٨، و"تحفة الأشراف" ٧: ٣٦٩، ٣٨٥.

٨٣
الفصل الثاني ، سماع الراوي ممن روى عنه
ابن بجدان"(١).
وسئل أبوحاتم هل سمع ابن جريج من أبي سفيان طلحة بن نافع ؟ فقال :
"ما أراه، رأيت في موضع بينه وبين أبي سفيان: أباخالد - شيخاً له - "(٢).
وقال أبوحاتم أيضاً : "الشعبي عن عائشة مرسل ، إنما يحدث عن مسروق
عن عائشة"(٢).
ومثل هذا كثير جداً في كلام الأئمة ، ويشبهه ما إذا قال في رواية : بلغني
عنه ، كما قال أبوحاتم : "كيف سمع ( يعني الزهري ) من أبان وهو يقول :
بلغني عنه ؟"(٤) ، أو يقول: نبئت عنه، كما قال أحمد : "لم يسمع محمد بن
سیرین من ابن عباس شيئاً، كلها يقول : نبئت عن ابن عباس"(٥).
ويتأكد عدم السماع بهذه القرينة إذا كان إدخاله الواسطة وحذفها جاء عنه
في حدیث واحد، كما قال أبو حاتم: "سعيد بن يزيد الذي يحدث عنه أبو الخير:
"أن رجلاً أتى النَّبِّ لَ﴿ فقال: أوصني، قال: أوصيك أن تستحي من الله كما
تستحي رجلاً صالحاً من قومك" - كنا لا ندري له صحبة أم لا، فروى
عبدالحميد بن جعفر، عن یزید بن أبي حبیب، عن أبي الخیر، عن سعيد بن یزید،
(١) "المراسيل" ص ١١٠، و"تحفة الأشراف" ١٣٣:٨ .
( ٢)
"المراسيل" ص١٣٣ .
(٣) "المراسيل" ص ١٦٠، و"تحفة الأشراف" ٤٢٩:١١ .
(٤) "المراسيل" ص١٩١.
(٥) "العلل ومعرفة الرجال" ١: ٤٨٧، ٢: ٥٣٤، و"المراسيل" ص١٨٦، وانظر: "مسند
أحمد" ٢٠٠:١.

٨٤
الاتصال والانقطاع
عن رجل من أصحاب النَّبِيّ ◌َ﴿، بهذا الحديث بعينه، - يعني: فدلنا على أن لا
صحبة له - »(١).
- ومنها أن يكون الراوي كثير الإرسال ، فقد عرف بذلك جماعة من
الرواة، فإذا احتيج إلى النظر في سماعه من راو ، فلابد من اعتبار حاله عند
الترجيح ، فهذه القرينة من مرجحات أنه لم يسمع منه ، ومن هؤلاء الرواة :
الحسن البصري(٢)، وقتادة(٢)، وسالم بن أبي الجعد(٤)، والمطلب بن عبدالله(٥)،
وسعيد بن أبي عروبة(٦)، وهشيم بن بشير(٧)، وغيرهم .
وقد اعتنى الحافظ ابن حجر بالنص على ذلك في كتابه "التقريب" .
(١) "المراسيل" ص٦٨.
(٢) انظر: "المراسيل" ص٣١-٤٤، و"جامع التحصيل" ص١٩٤ -١٩٩، و"تحفة
التحصيل" ص٦٧ - ٧٦، و"تهذيب التهذيب" ٢٦٦:٢ - ٢٧٠ .
(٣) انظر: "المراسيل" ص١٦٨ -١٧٥، و"جامع التحصيل" ص٣١٢-٣١٤، و"تحفة
التحصيل" ص٢٦٢ - ٢٦٦، و"تهذيب التهذيب" ٣٥٣:٨-٣٥٦.
(٤) "المراسيل" ص٧٩ -٨٠، و"جامع التحصيل" ص٢١٧، و"تحفة التحصيل" ص ١٢٠،
و"تهذيب التهذيب" ٣: ٤٣٢ -٤٣٣ .
(٥) "المراسيل" ص٢٠٩ - ٢١٠، و"جامع التحصيل" ص٣٤٧، و"تحفة التحصيل" ص٣٠٧،
و"تهذيب التهذيب" ١٧٨:١٠ -١٧٩.
(٦) "المراسيل" ص٧٧ -٧٩، و"جامع التحصيل" ص٢٢١ -٢٢٢، و"تحفة التحصيل"
ص١٢٥ -١٢٦، و"تهذيب التهذيب" ٤: ٦٤.
(٧) "المراسيل" ص٢٣١، و"جامع التحصيل" ص٣٦٣، و"تحفة التحصيل" ص٣٣٣،
و"تهذيب التهذيب" ٦٢:١١ -٦٤.

٨٥
الفصل الثاني، سماع الراوي ممن روى عنه
ويلتحق بذلك ما إذا كان الراوي من أهل بلد عرف أهله بكثرة الإرسال،
وقد توارد عدد من الأئمة على وصف أهل الشام بذلك، فإن الإرسال یغلب
على رواياتهم، قال أبو عوانة: "كنا يوماً عند الحكم فذكر حديثاً ليس بمسند،
فقال: ليس هذا من بابة شعبة، قال: فقال شعبة: لا ينبغي أن تروي عن الشامي
كثيراً"(١).
- ومنها أن يروي الراوي عن شخص أحاديث كثيرة ، ولا یذکر في واحد
منها سماعاً أو ما يدل عليه ، فإن الأئمة يستدلون بذلك على أنه لم يسمع منه ، كما
قال أبوحاتم : "يحيى بن أبي كثير ما أراه سمع من عروة بن الزبير ، لأنه يُدخل
بينه وبينه رجل أو رجلان ، ولا يُذكر سماع ، ولا رؤية ، ولا سؤاله عن
مسألة"(٢).
والباحث في أحيان كثيرة يحتاج إلى النظر في القرائن ، إذ تكون القرينة
نفسها قد وقع فيها اختلاف ، أو لم تتحرر کما ينبغي ، فالباحث حينئذٍ ملزم
بالنظر في ذلك ، وهذا كما إذا كان هناك خلاف في وفاة المروي عنه ، أو في ولادة
الراوي ، أو في صحة وضعف دخول واسطة بين الراوي والمروي عنه.
فمن ذلك أن سماع مسروق من أم رومان والدة عائشة - رضي الله عنهما -
مختلف فيه، وسببه الاختلاف في وفاتها هل كان قبل موته ﴿ أو بعده ؟ ، وأيضاً
(١) "العلل ومعرفة الرجال" ٣: ٤١٥، وانظر أيضاً: "الجامع لأخلاق الراوي" ٢: ٢٨٧ -
٢٨٨، و"سير أعلام النبلاء" ٤: ٣٥٥، ٤٨٨، و"تاريخ الإسلام" وفيات سنة ٧٠
ص٢٩١، و"ميزان الاعتدال ٤: ٤١٠.
(٢) "المراسيل" ص٢٤٢ .

=
٨٦
الاتصال والانقطاع
الاختلاف في صحة تصريحه بالتحديث عنها(١).
وفوق القرائن العامة التي تقدمت قد يجد الناظر في الحالة المعينة التي
يبحث فيها ما یعین علی ترجيح السماع أو عدمه، فهذا لا يمكن حصره، وقد
يكون بعضها من الدقة بحيث لا يقوم به إلا أئمة النقد .
وأعيد هنا ما تقدم ذكره من أن هذه القرائن واستخدامها في الإدراك
والسماع لا يمكن فصلها عن التصريح بالتحديث، هل ورد عن الراوي أو لم
يرد؟ وإذا كان قد ورد فهل يثبت عنه أولا؟ والناقد يستخدم دلائل النفي مع
عدم ورود التصريح بالتحديث عنده لتأكيد الانقطاع ، وتنبيهاً للناظر أن يتريث
في حال وقوفه على تصريح، وقد يستخدمها مع ورود التصريح عنده ليدلل
بذلك على أنه لا یثبت.
ويستخدم دلائل الإثبات مع ورود التصريح بالتحديث وثبوته عنده
لتأکید هذا الثبوت، کما یستخدمها وإن لم یقف علی تصریح بالتحدیث، ولیس
الغرض حينئذ إثبات السماع، وإنما الغرض تقريبه للناظر، فكأن الناقد يقول: في
حال ورود السماع فالقرائن تؤيد ذلك.
وأعيد أيضاً ما أشرت إليه سابقاً ، وهو أن جمع هذه الدلائل وإبرازها
للباحث ليس المقصود به أن يعيد النظر في أحكام الأئمة ، فما حكموا فيه قد
انتهى، والحكم حكمهم، وإن بدا للباحث خلاف ذلك، وإنما يستفيد منها
(١) انظر: "صحيح البخاري" حديث (٣٣٨٨)، و"التاريخ الصغير" ص ١: ٣٧ - ٣٨،
و"تحفة الأشراف" ٧٩:١٣، و"زاد المعاد" ٣: ٢٦٦، و"جامع التحصيل" ص ٣٤٠،
و"فتح الباري" ٤٣٨:٧.

٨٧
الفصل الثاني، سماع الراوي ممن روى عنه
الباحث في حال وقوع اختلاف قوي بينهم، أو في حال عدم وقوفه على كلام لهم
نفياً أو إثباتاً.
وسأعرض الآن مثالين لكيفية استخدام المتأخر لهذه الدلائل في الموازنة
بين أقوال النقاد حين اختلافهم.
أحدهما في سماع محمد بن المنكدر من عائشة ، ذلك أن الترمذي سأل
البخاري هل سمع محمد بن المنكدر من عائشة ؟ فقال : "نعم، روى مخرمة بن
بكير، عن أبيه، عن محمد بن المنكدر قال: سمعت عائشة ... " (١).
وأما البزار فقال بعد أن ذكر رواية لمحمد بن المنكدر عنها : "ابن المنكدر لم
يسمع من عائشة"(٢).
وقد رجح المتأخرون - كالذهبي مرة ، وابن حجر - أن روايته عنها
مرسلة ، وذكر ابن حجر ثلاث قرائن تدل على ذلك :
إحداها : أن محمد بن المنكدر توفي سنة ١٣٠ أو ١٣١ ، وكان عمره ستاً
وسبعين سنة ، فتكون ولادته قبل سنة ستين بيسير ، يعني فلا يمكنه السماع من
عائشة ، لأنها ماتت سنة سبع وخمسين .
والثانية : أن ابن معين قال: إنه لم يسمع من أبي هريرة ، وقال أبوزرعة : لم
يلقه ، وعائشة ماتت قبل أبي هريرة .
(١) "العلل الكبير" ١: ٣٧٣، وانظر: "سنن الترمذي" ٣: ١٦٥.
(٢) "كشف الأستار عن زوائد البزار" ١: ٥٧ بعد حديث (٧٤).

-
٨٨
الاتصال والانقطاع
والثالثة : حكاية ذكرها في دخول المنكدر والد محمد على عائشة(١).
وعلى هذا فالتصريح بالتحديث في الإسناد الذي اعتمد عليه البخاري
خطأ من أحد رواته ، وفي سماع مخرمة بن بكير من أبيه كلام مشهور للعلماء ،
والأكثر على أنه لم يسمع منه ، وإنما يروي من كتبه(٢)، فلا يبعد وقوع الخطأ
حينئذٍ.
فهذه طريقة الموازنة والترجيح بین رأيين .
وقد سلك الذهبي مرة أخرى طريقة أخرى ، فذكر أن ولادة محمد بن
المنكدر سنة بضع وثلاثين ، ثم عقب على كلام البخاري بقوله : "إن ثبت
الإسناد إلى ابن المنكدر بهذا فجید ، وذلك ممكن ، لأنه قرابتها ، وخصیص بها ،
ولحقها وهو ابن نيف وعشرين سنة"(٣).
وكأن الطريقة الأولى أجود ، فعلى الثانية يكون ابن المنكدر قد قارب عمره
المائة ، وهذا بعيد ، مع كونه خلاف المشهور في ولادته ، والله أعلم .
والمثال الثاني: اختلافهم في سماع أبان بن عثمان بن عفان من أبيه ، فقد نفاه
(١) "سير أعلام النبلاء" ٢: ١٣٨، و"تهذيب التهذيب" ٩: ٤٧٤، وانظر: "طبقات ابن سعد"
(القسم المتمم لتابعي أهل المدينة) ص١٨٨، و"تاريخ الدوري عن ابن معين" ٢: ٥٤٠،
و"المراسيل" ص١٨٩، و"ثقات ابن حبان" ٥: ٣٥٠، و"طبقات خليفة" ص٢٦٨، وفيه
أن وفاة محمد بن المنكدر سنة ١٣٦ .
(٢) "تاريخ الدوري عن ابن معين " ٢: ٥٥٤، و"الكامل" ٢٤٢١:٦، و"تهذيب التهذيب"
١٠ : ٧٠.
(٣) "سير أعلام النبلاء" ٣٥٣:٥، ٣٥٤ .

٨٩
الفصل الثاني، سماع الراوي ممن روى عنه
أحمد ، وأثبته أبوحاتم(١)، وأمكن ترجيح إثبات السماع بالوقوف على تصريحه
بالتحديث في أسانيد صحيحة إليه(٢).
أما ما يفعله بعض المتأخرین من استخدام دلائل إثبات السماع أو عدمه في
إعادة النظر في كلام النقاد حال اتفاقهم أو اتفاق جمهورهم على إثبات سماع أو
نفيه، أو في حال ورود ذلك عن بعضهم دون معارض - فهذا فيما أرى - مزلة
قدم، ولا ينبغي فعله، وقد رأيت من أقدم على ذلك، ثم بالتأمل تبين أنه لم يحكم
صنيعه، وهذا أمر لا مفر منه ، فمخالفة أصحاب الشأن، ومن بإمكانهم
استخدام الدلائل على وجهها - كاف في معرفة النتيجة مسبقاً ، وأنها مخطئة .
فمن ذلك أن الحسن البصري لم يسمع من أبي هريرة، ولم يلقه، في قول
جمهور النقاد، ومنهم من هو من تلامذة الحسن، وقد ورد تصريحه بالتحديث في
أسانيد تكلم فيها النقاد (٣)، ومع هذا قال ابن حجر: "ووقع في "سنن النسائي"
من طريق أيوب، عن الحسن، عن أبي هريرة في المختلعات، قال الحسن: لم أسمع
من أبي هريرة غير هذا الحديث، أخرجه عن إسحاق بن راهويه، عن المغيرة بن
(١) "التاريخ الكبير" ١: ٤٥٠، و"المراسيل" ص١٦، و"الجرح والتعديل" ٢٩٥:٢ .
(٢) "انظر: "صحيح مسلم" حديث (١٤٠٩)، و"سنن أبي داود" حديث (١٨٣٨)، و"سنن
الترمذي" حديث (٩٥٢)، و"مسند أحمد" ٦٨،٥٩:١.
(٣) انظر: " طبقات ابن سعد" ٧: ١٥٨، و"علل المروذي" ص ١٨٠ - ١٨١، و"تاريخ
الدارمي عن ابن معين "ص ٩٩، و"معرفة الرجال " ١: ١٢٨، و"علل ابن المديني" ص
٥٧ ، و"المراسيل " ص ٣٤، و" علل الدارقطني" ٨: ٢٤٩، و"تهذيب التهذيب " ٢:
٢٦٧ ، و"معرفة علوم الحديث " ص ١١١ .

٩٠
=
الاتصال والانقطاع
سلمة، عن وهيب، عن أيوب، وهذا إسناد لا مطعن في أحد من رواته، وهو
يؤيد أنه سمع منه في الجملة، وقصته في هذا شبيهة بقصته في سمرة سواء"(١).
كذا وقعت العبارة عند ابن حجر، وجاءت العبارة في النسخ المطبوعة
هكذا: "قال الحسن: لم أسمعه من غير أبي هريرة، قال أبو عبدالرحمن: الحسن لم
يسمع من أبي هريرة شيئاً"(٢).
فهذه العبارة محتملة ، فیحتمل أن یکون معناها: لم أسمعه من غیر حديث
أبي هريرة، يدل على ذلك تعقيب النسائي، وقد ذكر ابن حجر هذا التفسير لعبارة
النسائي في "فتح الباري"، ورده بأنه تكلف، وأنه لا مانع أن يسمع هذا من أبي
هریرة، ويرسل غيره(٣).
وقد بنى ابن حجر القول بأنه تكلف على لفظ العبارة التي وقعت عنده،
وهو "لم أسمع من أبي هريرة غير هذا الحديث"، وقد تبين أن اللفظ ليس هكذا
فلا تكلف إذاً.
ومما يضعف الاستدلال بالعبارة على مراد ابن حجر أيضاً أنها جاءت في
بعض النسخ كلها من كلام النسائي مضعفاً الحديث، قال النسائي: "الحسن لم
يسمع من أبي هريرة شيئاً، ومع هذا إني لم أسمع هذا إلا من حديث أبي
هريرة"(٤).
(١) "تهذيب التهذيب" ٢٦٩:٢.
(٢) "سنن النسائي" حديث (٣٤٦١).
(٣) "فتح الباري" ٤٠٣:٩.
(٤) "تحفة الأشراف" ٣١٩:٩.

٩١
الفصل الثاني ، سماع الراوي ممن روى عنه
وأخرج ابن حزم هذا الحديث من طريق النسائي، وجاءت العبارة عنده
هكذا: "قال الحسن: لم أسمعه من أبي هريرة"، وعقب عليها ابن حزم بقوله:
"فسقط بقول الحسن أن نحتج بذلك الخبر"(١).
وقد روی هذا الحدیث عفان بن مسلم، وعبد الأعلى بن حماد ، عن وهيب
به، وليس في روايتهما قول الحسن أصلاً(٢)، مما يرجح أن العبارة كلها من كلام
النسائي.
ورواه أبو الأشهب جعفر بن حيان، عن الحسن مرسلاً ليس فيه أبو
هريرة(٣).
ويزيد الأمر وضوحاً، بأن اللفظ الذي اعتمده ابن حجر لا ينهض أبداً
على رد قول الأئمة، أن ابن سعد روى عن عفان بن مسلم، عن وهيب، عن
أيوب قوله: "لم يسمع الحسن من أبي هريرة"(٤).
وبعد أن كتبت هذا رأيت أحد المشايخ الفضلاء تكلم على هذه القضية
بكلام غريب، رأيت أن أثبته هنا، ليتضح للقارئ خطورة التسرع في مناقشة
النقاد، والتعقب عليهم، قال في كلامه على حديث أبي هريرة هذا بعد أن أورد
العبارة من "سنن النسائي" بلفظ: "قال الحسن: لم أسمعه من غير أبي هريرة " - :
"قلت: وهذا نص صريح منه أنه سمعه من أبي هريرة، وهو ثقة صادق، فلا
(١) "المحلى" ٥٨٦:١١.
(٢) "مسند أحمد" ٢: ٤١٤، و"سنن البيهقي"٣١٦:٧.
(٣) "مصنف ابن أبي شيبة" ٥ : ٢٧١ .
(٤) " طبقات ابن سعد"٧ : ١٥٨ .

٩٢
الاتصال والانقطاع
أدري وجه جزم النسائي رحمه الله تعالى بنفي سماعه منه، مع أن السند إليه
صحيح على شرط مسلم، وقد قال الحافظ في "التهذيب" بعد أن ساقه في ترجمة
الحسن: وهذا إسناد لا مطعن في أحد من رواته، وهو يؤيد أنه سمع من أبي
هريرة في الجملة، وقصته في هذا شبيهة بقصته في سمرة سواء.
قلت: يعني أن الذي تحرر في اختلاف العلماء في سماع الحسن من سمرة أنه
سمع منه شيئاً قليلاً، فكذلك سماعه من أبي هريرة ثابت، ولكنه قليل أيضاً ،
بدلالة هذا الحديث، والله أعلم.
وبالجملة فهذا الإسناد متصل صحيح ، فلا يلتفت إلى إعلال النسائي
بالانقطاع، لأنه يلزم منه أحد أمرين: إما تكذيب الحسن البصري في قوله
المذكور، وإما توهيم أحد الرواة الذين رووا ذلك عنه، وكل منهما مما لا سبيل
إليه، أما الأول فواضح، وأما الآخر فلأنه لا يجوز توهيم الثقات بدون حجة أو
بینة، وهذا واضح بين".
هذا كلام الشيخ، ولا أظنني بحاجة إلى التعقيب عليه.
وصرح جماعة من النقاد منهم ابن المديني ، ويحيى بن معين، وأبو داود،
والبزار، وغيرهم، بأن الحسن لم يسمع من الأسود بن سريع(١).
ولم أقف على قول ناقد يذهب فيه إلى سماع الحسن من الأسود بن سريع.
(١) "العلل ومعرفة الرجال" ٢: ١٢٤، و"علل ابن المديني" ص ٥٥، و" تاريخ الدوري عن
ابن معين" ٢: ١١١، ١١٢، و"سؤالات الآجري لأبي داود" ١: ٣٨٥، و"الجرح
والتعديل" ٣٣٩:٨، و"نصب الراية" ١: ٩٠، و"تهذيب التهذيب" ٢٦٩:٢، ٢٩:١٠.

٩٣
الفصل الثاني ، سماع الراوي ممن روى عنه
ومع هذا كله تصدى أحد الباحثين لهذه القضية، وخالف النقاد في ذلك،
فذهب إلى أن الحسن سمع من الأسود بن سريع، وأطال - بما لا طائل تحته - في
إثبات إدراكه له بالبصرة، وفي تصحيح ما ورد من التصريح بالتحديث عنه، مما لم
يلتفت له النقاد.
وفي ختام هذا المبحث أود أن أشير إلى أن ما ذكرته من أن منهج الأئمة في
طريقة إثبات السماع أو نفيه قد نسبه إليهم أئمة كبار، ممن يحررون منهجهم
وطريقتهم في عموم مسائل النقد، ورأيت - بالتتبع - أن هذه النسبة صحيحة لا
إشكال فيها، غير أن بعض الأئمة قد نسب إليهم أنهم لا يشترطون العلم
بالسماع لإثباته، ولما كانت هذه النسبة تحتاج إلى شيء من البسط رأيت أن أجعل
هذا المبحث خالياً عن ذلك، متضمناً - فقط - إيضاح منهجهم وطريقة عملهم،
فهو الذي يحتاجه الباحث، وأما الاستدلال لذلك من كلامهم وتطبيقاتهم،
ومناقشة ما نسب إلى أئمة النقد بخلاف ما ذكرته فسأتعرض له في المبحث التالي،
لينظر فيه من أراده ، والله أعلم .

٩٥
الفصل الثاني : سماع الراوي ممن روى عنه
المبحث الثاني
اشتراط العلم بالسماع في الإسناد المعنعن
لا يختلف اثنان على أن مقدمة مسلم ل-"صحيحه" تعتبر من أوائل ما
دون في علوم الحديث وقواعده ، فقد خالف نهج من سبقه من الأئمة الذين
ألفوا في السنة النبوية ، فوضع لكتابه مقدمة ضافية ، كتبها بأسلوب أدبي بليغ ،
تطرق فيها لموضوعات متعددة ، مثل سبب تأليفه للكتاب ، وضرورة تنقية
الأحاديث التي تلقى إلى العامة ، والإسناد المعنعن ، وجواز جرح الرواة ،
وشرطه في كتابه ، وغير ذلك .
غير أن كلام مسلم - رحمه الله - عن بعض هذه الموضوعات أثار إشكالاً
واسعاً، وجدلاً عريضاً ، عند من جاء بعده ، في بعض الموضوعات التي تعرض
لها، ومن هذه الموضوعات : الإسناد المعنعن ، وعلى التحديد كما يصوره مسلم
بقوله : "كل إسناد لحديث فيه : فلان عن فلان ، وقد أحاط العلم بأنهما كانا في
عصر واحد ، وجائز أن یکون الحديث الذي روى الراوي عمن روی عنه قد
سمعه منه وشافهه به ، غير أنه لا نعلم منه سماعاً ، ولم نجد في شيء من الروايات
أنهما التقيا قط ، أو تشافها بحديث"(١).
ثم ذكر أن هناك من ذهب إلى أن الحكم بأن الرواية بينهما منقطعة والحالة
هذه، ولم يسم من ذهب إلى ذلك ، لكنه حمل عليه حملة عنيفة ، ونسبه إلى اختراع
(١) "صحيح مسلم" ٢٩:١.

٩٦
الاتصال والانقطاع
قول لم يسبق إليه، و"أن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار
والروايات قديماً وحديثاً : أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثاً ، وجائز ممكن
له لقاؤه والسماع منه ، لكونهما جميعاً كانا في عصر واحد ، وإن لم يأت في خبر قط
أنهما اجتمعا ، ولا تشافها بكلام - فالرواية ثابتة ، والحجة لازمة ، إلا أن يكون
هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه ، أو لم يسمع منه شيئاً ، فأما
والأمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا ، فالرواية على السماع أبداً ، حتى تكون
الدلالة التي بيّنا"(١).
وقال أيضاً : "وما علمنا أحداً من أئمة السلف ممن يستعمل الأخبار،
ويتفقد صحة الأسانيد وسقمها ، مثل أيوب السختياني ، وابن عون ، ومالك بن
أنس ، وشعبة بن الحجاج ، ویحیی بن سعيد القطان ، وعبدالرحمن بن مهدي ،
ومن بعدهم من أهل الحديث - فتشوا عن موضع السماع في الأسانید ، کما ادعاه
الذي وصفنا قوله من قبل ، وإنما كان تفقد من تفقد منهم سماع رواة الحديث
ممن روى عنهم : إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحديث وشهر به ،
فحينئذٍ يبحثون عن سماعه في روايته ، ويتفقدون ذلك منه ، كي تنزاح عنهم علة
التدلیس ، فمن ابتغی ذلك من غير مدلس - على الوجه الذي زعم من حکینا
قوله - فما سمعنا ذلك عن أحد ممن سمينا ولم نسم من الأئمة"(٢).
وحينئذٍ فحجة مسلم التي اتكأ عليها هي أن القائل بعدم الاتصال قد
اخترع قولاً جديداً لم يسبق إليه ، وأنه زاد شرطاً في شروط الحديث الصحيح لم
(١) "صحيح مسلم" ٢٩:١.
(٢) "صحيح مسلم" ٣٢:١.

٩٧
الفصل الثاني: سماع الراوي ممن روى عنه
يكن معروفاً من قبل ، فالأئمة النقاد لم يكونوا يفتشون عن السماع إذا كان
الراوي ثقة غير مدلس ، وأمكن له اللقي .
وساق مسلم لهذا الغرض عدداً من الأسانيد على هذه الصفة ، جاءت بها
أحاديث ، "وهي أسانيد عند ذوي المعرفة بالأخبار والروايات من صحاح
الأسانيد، لا نعلمهم وهنوا منها شيئاً قط ، ولا التمسوا فيها سماع بعضهم من
بعض"(١).
وذكر مسلم للقول الآخر حجة واحدة وهي خشية أن يكون مرسلاً حيث
لم يثبت السماع ، ثم نقض هذه الحجة عن طريق الإلزام ، فقد ألزم من قال بذلك
أن لا يحكم بالاتصال إذا كانت الرواية معنعنة وإن ثبت السماع بين الراويين ،
لاحتمال الإرسال أيضاً ، وساق من أجل ذلك جملة من الأحاديث ، جاءت من
طرق عن رواة غير مدلسين سمعوا ممن رووا عنه بدون واسطة ، وجاءت من
طرق أخرى عنهم بواسطة بينهم وبين من رووا عنه ، والراجح - كما يقول
مسلم - أن إسقاط الواسطة منها إرسال ، فالاحتمال في كل عنعنة موجود إذاً ،
فيلزم حينئذٍ - من أجل احتمال الإرسال - أن لا تقبل العنعنة أصلاً .
وقد تعرض هذه المسألة بعد مسلم أئمة کثیرون ، وباحثون معاصرون، بل
من الأئمة والباحثين من أفرد لها مؤلفاً خاصاً ، فابن رشيد ألف فيها كتابه :
"السنن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في الإسناد المعنعن"
أحكمه أيما إحكام ، وقد طبع الكتاب .
(١) "صحيح مسلم" ١: ٣٥.

٩٨
الاتصال والانقطاع
والشيخ عبدالرحمن المعلمي كتب رسالة في الأسانيد التي ساقها مسلم
محتجاً بها على رأيه الذي اختاره ، وفي الأحاديث التي نقض بها حجة خصمه ،
وطبعت هذه الرسالة أيضاً .
كما تحدث عن الموضوع أيضاً في كتابه "التنكيل"، وفي رسالته "عمارة
القبور"، وكلاهما مطبوع .
وخصص الباحث الأخ خالد الدريس رسالته في الماجستير لهذه المسألة
بعنوان : "موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند
المعنعن بين المتعاصرين"، بذل فيها جهداً مشكوراً .
وقد تناولت هذه الكتابات كل كلمة قالها مسلم - رحمه الله - ، بدءاً من
تعيين المخالف الذي عناه مسلم ، هل هو البخاري وشيخه ابن المديني ، أو
أحدهما ، أو ليس واحداً منهما ؟ وهل ما نقله مسلم من إجماع أئمة النقد على أن
الإسناد في هذه الحالة محمول على الاتصال - دقيق أو لا ؟ ثم ما احتج به مسلم
من الأسانيد التي ساقها هل يصلح حجة له ؟ وهل ما نقض به على خصمه من
أحاديث يسلم له هذا النقض ؟ وقبل ذلك كله الطريقة التي عالج بها مسلم هذه
القضية وهجومه العنيف على المخالف هل هو لائق من الناحية العلمية؟
والمتأمل فيما كتب بعد مسلم حول هذه المسألة يرى أن الأئمة والباحثين
على أربعة أقسام :
الأول : جماعة من الأئمة وغيرهم خالفوا مسلماً في القول الذي اختاره ،
ورجحوا أن الإسناد في هذه الحالة غير متصل ، وأيضاً خالفوه في دعواه أن
الإجماع قائم على الحكم بالاتصال ، وبينوا أن مذهب جمهور أئمة النقد قبل
مسلم على عدم الاكتفاء بإمكان اللقي ، بل منهم من قلب المسألة على مسلم ،

٩٩
الفصل الثاني : سماع الراوي ممن روى عنه
فقال : إنه لو ادعى مدع أن الإجماع قائم على هذا قبل مسلم لم يكن قوله بعيداً .
واشتغل بعض هؤلاء - وهم الذي أطالوا في بحث هذه المسألة - بنقض
الحجج التي ذكرها مسلم ، وأنه لا يسلم له الاحتجاج بها ، وصنيعه في سرد
أسانيد قال إنها صحيحة عند الأئمة ولم يثبت فيها سماع - غير دقيق ، فبعضها
قد ثبت فيها السماع ، وقد يكون ذلك عند مسلم في "صحيحه" ، وبعضها له
طرق أخرى صحيحة غير هذه، وغفل عنه ، وبعضها قد تكلم فيه الأئمة فلم
يصححوه .
ومن هؤلاء : ابن الصلاح ، والنووي ، وابن رشيد ، والعلائي ، وابن
رجب، وابن حجر، وغيرهم من الأئمة والباحثين(١).
الثاني: من سلم لمسلم أن الحكم بالاتصال في هذه الحالة هو قول الجمهور،
لكنه اختار القول المخالف الذي شنع مسلم على قائله ، وهو عدم ثبوت
الاتصال، ومن هؤلاء ابن القطان الفاسي ، قال : "البخاري وعلي بن المديني
يريان رأياً قد تولى رده عليهما مسلم ، وهو أن المتعاصرين لا يحمل معنعن
(١) انظر: "صيانة صحيح مسلم" لابن الصلاح ص١٢٨، و"مقدمة ابن الصلاح" ص١٥٧،
و"شرح صحيح مسلم" للنووي ١: ١٢٨، و"إرشاد طلاب الحقائق" للنووي ص٨٦،
و"السنن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن" لابن رشيد،
و"جامع التحصيل" للعلائي ص ١٣٤-١٤١، و"شرح علل الترمذي" لابن رجب ٢:
٥٨٦-٥٩٩، و"النكت على كتاب ابن الصلاح" لابن حجر ٢: ٥٩٥-٥٩٨، و"موقف
الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين"
لخالد الدريس .

١٠٠
الاتصال والانقطاع
أحدهما عن الآخر على الاتصال ، ما لم يثبت أنهما التقيا ، وخالفهما الجمهور في
ذلك ، وعندي أن الصواب ما قالاه ... "(١).
ويمكن أن يفهم هذا من صنيع الذهبي ، فإنه اكتفى بنسبة القول بعدم
الاتصال إلى علي بن المديني والبخاري ، فقال عن مسلم : "افتتح الكتاب بالحط
على من اشترط اللقي لمن روى عنه بصيغة ( عن )، وادعى الإجماع في أن
المعاصرة كافية ، ولا يتوقف في ذلك على العلم بالتقائهما ، ووبّخَ من اشترط
ذلك ، وإنما يقول ذلك أبوعبد الله البخاري ، وشيخه علي بن المديني ، وهو
الأصوب الأقوى"(٢).
الثالث : من وافق مسلماً على ما ذهب إليه من الحكم بالاتصال ، ونصر
قوله، وجعل بعضهم الاختلاف بين مسلم وجمهور الأئمة، وجعل بعضهم قول
مسلم هو قول الجمهور، والمخالف هو البخاري.
ومن هؤلاء : المزّي ، فقد قال بعد أن نقل عن البخاري قوله في إسناد
حديث من رواية سالم بن أبي الجعد ، عن نبيط ، عن جابان ، عن عبدالله بن
عمرو - وقيل : عن سالم ، بإسقاط نبيط - : "لا يعرف لجابان سماع من عبدالله
ولا لسالم من جابان، ولا من نبيط"(٢) - قال : "وهذه طريقة سلكها البخاري
في مواضع كثيرة ، وعلل بها كثيراً من الأحاديث الصحيحة ، وليست هذه علة
قادحة ، وقد أحسن مسلم وأجاد في الرد على من ذهب هذا المذهب في مقدمة
(١) "بيان الوهم والإيهام" ٢٨٧:٣، وانظر أيضاً: ٢: ٥٧٥، ٣: ٦٠٣، ١٠٥:٥.
(٢) "سير أعلام النبلاء" ١٢: ٥٧٣ .
(٣) "التاريخ الكبير" ٢٥٧:٢ .