Indexed OCR Text

Pages 381-400

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
عليه - انتهى. وقال فى موضع آخر: استعمال الدهن الذى ليس بمطيب يكون فى ثلاثة مواضع: أحدها أن يستعمله
فى باطن جسده بأن لا يظهر منه كتقطيره فى الأذن والاستسعاط به والمضمضة فإن هذا كله جائز للحرم أن يفعله ولا
شئى عليه فيه لأنه بمنزلة أكله وهو الذى ذكره مالك فى الموطأ (فى باب ما يجوز للحرم أن يفعله) والثانى أن يستعمله
فى ظاهر بدنه غير باطن يديه وقدميه، فإن فعل فهذا ممنوع ، وعليه الفدية عند مالك وجميع أصحابه. قال ابن حبيب:
وقد روى إباحة ذلك، وبه أخذ الليث . وجه قول مالك أنه إزالة شعث لأنه مما يفعل للجمال والتنظف ، وإن دهن
بطون قدميه أو يديه الشقوق بهما فلا بأس بذلك، وإن فعل ذلك لغير علة فعليه الفدية ، ووجه ذلك أنهما ظاهران ظهور
سائر الأعضاء فإذا لم يقصد بدهنهما دفع مضرة فلا غرض فى ذلك غير تحسين ظاهر الجسد وإزالة الشعث فوجبت بذلك
الفدية، وإن قصد بذلك دفع المضرة أو القوة على العمل فلا فدية فى ذلك لأنهما وإن ظهرا فإنهما باطنان من ظاهر
الجسد ويختصان بالعمل وبذلك فارقا سائر الأعضاء من الجسد - انتهى. وقال النووى فى المناسك: أما الإدمان
فضربان دهن هو طيب ، ودهن ليس بطيب كالزيت والشيرج والسمن فلا يحرم الادهان به فى غير الرأس واللحية،
وأما ما هو طيب كدهن الورد والبنفسج فيحرم استعماله فى جميع البدن والثياب، ثم قال فى مبحث شعر الرأس
واللحية: يحرم عليه دهنهما بكل دهن سواء كان مطيبا أو غير مطيب كالزيت ودهن الجوز واللوز، ولو دهن الأقرع
رأسه بهذا الدهن فلا بأس به، وكذا لو دهن الأمرد ذقنه فلا بأس، ولو دهن محلوق الشعر رأسه عصى على الأصح
ولزمه الفدية (بناء على أن الشعر إن نبت جمله ذلك الدهن الذى جعل عليه وهو محلوق، والوجه الثانى لا فدية ، لأنه
لا يزول به شعث، واختاره المزنى وغيره) وقال ابن قدامة (ج ٣: ص ٣٢٢): أما المطيب من الأدمان کدهن
الورد والبنفسج فليس فى تحريم الادمان به خلاف فى المذهب ، وأما ما لا طيب فيه كالزيت والشيرج والسمن والشحم
ودهن ألبان الساذج فقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسئل عن المحرم يدهن بالزيت والشيرج؟ فقال: نعم
يدهن به إذا احتاج إليه ويتداوى المحرم. قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن للحرم أن يدهن بدنه بالشحم
والزيت والسمن، ونقل الأثرم جواز ذلك عن ابن عباس وأبي ذر والأسود بن يزيد ، ونقل أبو داود عن أحمد أنه
قال: الزيت الذى يؤكل لا يدهن المحرم به رأسه ، فظاهر هذا أنه لا يدهن رأسه بشئى من الأدمان ، وهو قول عطاء
ومالك والشافعى وأبى ثور وأصحاب الرأى، لأنه يزيل الشعث ويسكن الشعر، فأما دهن سائر البدن فلا نعلم عن أحمد
فيه منعا وقد ذكرنا إجماع أهل العلم على إباحته فى اليدين١، وإنما الكرامة فى الرأس خاصة لأنه محل الشعر. وقال
القاضى فى إباحته فى جميع البدن روايتان ، فإن فعله فلا فدية فيه فى ظاهر كلام أحمد سواء دهن رأسه أو غيره إلا أن
(١) كذا فى الأصل والظاهر عندى (البدن».
٣٨١

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
رواه الترمذى.
( الفصل الثالث )
٢٧١٧ - (١٥) عن نافع، أن ابن عمر وجد القر، فقال: ألق على
يكون مطيبا. وقد روى عن ابن عمر أنه صدع وهو محرم فقالوا: ألا ندهنك بالسمن؟ فقال: لا. قالوا: أليس
تأكله؟ قال: ليس أكله كالادهان به. وقال الذين منعوا من دهن الرأس: فيه الفدية لأنه مزيل للشعث أشبه ما لو كان
مطيبا ، ولنا أن وجوب الفدية يحتاج إلى دليل ولا دليل فيه من نص ولا إجماع، ولا يصح قياسه على الطيب فإن
الطيب يوجب الفدية وإن لم يزل شعثا، ويستوى فيه الرأس وغيره والدهن بخلافه ـ انتهى. قلت: احتج الشافعية لما
ذهبوا إليه من جواز دهن جميع البدن غير الرأس واللحية بالزيت والسمن ونحوهما بما ليس بطيب بحديث ابن عمر .
وأجاب الخفية ومن وافقهم عنه بأوجه، منها أن الحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج كما ستعرف، ومنها أن الصحيح
أنه موقوف ليس بمرفوع، كذا قيل ، ومنها أنه اختلف فيه على سعيد بن جبير فقيل عن ابن عباس مكان ابن عمر كا
فى السنن البيهقى ، ومنها أنه على تقدير صحة الاحتجاج به فظاهره عدم الفرق بين الرأس واللحية وبین سائر البدن ، لأن
الادمان فيه مطلق غير مقيد بما سوى الرأس واللحية، ومنها أن الحديث محمول على حال الضرورة لأنه تربية كما كان لا
يفعل ما يوجب الدم كان لا يفعل ما يوجب الصدقة، ثم ليس فيه أنه لم يكفر فيحتمل أنه فعل وكفر فلا يكون حجة ،
ومنها أنه يحتمل أن يكون مَّل ادهن قبل الإحرام وبقى أثره بعد الإحرام ويؤيده ما وقع فى رواية لأحمد (ج ٢:
ص ٢٥، ٥٩) أن رسول الله مرويقل كان يدهن عند الإحرام بالزيت غير المقتت (رواه الترمذى) وأخرجه أيضا أحمد
(ج ٢: ص ٢٥، ٢٩، ٥٩، ١٤٥،٧٢) وابن ماجه والبيهقى (ج ٥: ص ٥٨) كلهم من طريق فرقد السبخى عن
سعيد بن جبير عن ابن عمر، وقال الترمذى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث فرقد السبخى عن سعيد بن
جبير، وقد تكلم يحى بن سعيد فى فرقد السبخى، وروى عنه الناس - انتهى. قلت: قال الحافظ فى التقريب: فرقد بن
يعقوب السبخى بفتح المهملة والموحدة وبخاء معجمة أبو يعقوب البصرى صدوق عابد لكنه لين الحديث كثير الخطأ ،
وقال الذهبى فى الميزان: قال أبو حاتم: ليس بقوى، وقال ابن معين ثقة، وقال البخارى: فى حديثه مناكير ، وقال
النسائى ليس بثقة، وقال أيضا هو والدار قطنى ضعيف، وقال يحى القطان: ما يعجبنا الرواية عن فرقد - انتهى. وقال
فى ترجمة محمد بن يونس القرشى الشامى نقلا عن ابن حبان : فرقد السبخى ليس بشئى.
٢٧١٧ - قوله (القر) بضم القاف وتشديد الراء، أى البرد، يقال قر اليوم قرا بالفتح برد، والاسم القر بالضم فهو
قر بالفتح قسمية بالمصدر، وقار على الأصل أى بارد ، وليلة قرة وقارة (ألق) أمر من الإلقاء أى اطرح (على) بتشديد
٣٨٢
٠

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
ثوبا يا نافع! فألقيت عليه برنسا، فقال: تلقى على هذا وقد نهى رسول اللّه مَبيّن أن يلبسه المحرم.
رواه أبو داود.
٢٧١٨ - (١٦) وعن عبد الله بن مالك إبن بحينة، قال: احتجم رسول اللّه مَّه وهو محرم بلحى جمل
من طريق مكة فى وسط رأسه. متفق عليه.
الياء (برنسا) تقدم ضبطه ومعناه (تلقى على) بحذف الاستفهام الإنکاری (هذا) أی الثوب الخيط (وقد نهى رسول
اللّه ◌َوَّ أن يلبسه المحرم) قال القارى: فجعل طرحه عليه لبسا، ومذهبنا أنه يحرم على المحرم لبس المخيط وتغطية بعض
الأعضاء بالخيط وغيره على الوجه المعتاد، والمخيط الملبوس المعمول على قدر البدن أو قدر عضو منه بحيث يحيط به سواء
بخياطة أو نسج أو لصق أو غير ذلك، وتفسير لبس المخيط على الوجه المعتاد أن لا يحتاج فى حفظه إلى تكلف
عند الاشتغال بالعمل، وضده أن يحتاج إليه، قال: ولعل ابن عمر كره ذلك التشبه بالخيط، وأطلق اللبس على الطرح
مجازا، ويمكن أنه ألقى عليه على وجه غطى رأسه ووجهه فأنكر عليه فعلى هذا معنى كلامه أ تلقى هذا الإلقاء والحال أنه
تَّ نهى المحرم عن ستر الرأس وتغطيته - انتهى. وقال فى اللعات: لعل مذهب ابن عمر اجتناب المخيط مطلقا أو فعله
احتياطا، وإلا فالمراد النهى عن لبس المخيط على وجه يتعارف فيه وقد صرحوا به - انتهى. وتقدم شئ من الكلام فى
ذلك فى شرح حديث ابن عمر أول أحاديث هذا الباب (رواه أبو داود) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢: ص ١٤١٠٣١)
والبيهقى (ج ٥: ص ٥٢) وقد سكت عنه أبو داود، وقال المنذرى: وأخرج البخارى والنسائى المسند منه بنحوه أتم منه.
٢٧١٨ - قوله (وعن عبد الله بن مالك ابن بحينة) بضم الموحدة وفتح الحاء المهملة بعدها يا ساكمة ثم نون
بعدها ماء، اسم أم عبد الله، ولذا كتبت الألف فى إبن بحينة (بلحى جمل) بفتح اللام ويجوز كسرهم وسكون الحاء
وياء مثناة تحتية، وفى بعض الروايات ((بلحيى جمل)) أى بائين بصيغة التثنية، وجمل بفتح الجيم والميم اسم موضع
بطريق مکة کما وقع مينا فى الرواية ، قال الحافظ ذکر البکری فی معجمه فى رسم المقیق ، قال: هی بثر جمل التى ورد
ذكرما فى حديث أبي جهم فى التيمم ، وقال غيره يعنى ابن وضاح: هى عقبة الجحفة على سبعة أميال من السقيا - انتهى.
وقال صاحب القاموس: ((لحى جمل)) موضع بين الحرمين، وإلى المدينة أقرب، وزعم أن السقيا بالضم موضع بين
المدينة ووادى الصفراء، وما ظنه بعضهم من أن المراد بلحبى جمل أحد فكى الجمل الذى هو ذكر الايل وأن فكه كان
هو آلة الحجامة أى احتجم بعظم جمل فهو غلط لا شك فيه (من طريق مكة) وفى رواية «بطريق مكة)) (فى وسط رأسه)
بفتح السين المهملة أى متوسطه، وهذا الاحتجام لا يتصور بدون إزالة الشعر فيحمل على حال الضرورة، والله تعالى.
أعلم (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الحج وفى الطب، ومسلم فى الحج، وأخرجه أيضا أحمد (ج.٥: ص ٣٤٥) والنسائى
والبيهقى (ج ٥: ص ٦٥).
٣٨٣

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠- كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
٢٧١٩ - (١٧) وعن أنس، قال: احتجم رسول اللّه ◌َيّ وهو محرم على ظهر القدم من وجع
کان به. رواه أبو داود ، والنسائى.
٢٧٢٠ - (١٨) وعن أبي رافع، قال: تزوج رسول اللّه مَلي ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو
حلال ، وكنت أنا الرسول بينهما.
٢٧١٩ - قوله (احتجم رسول الله ٹے وهو محرم على ظهر القدم من وجع کانبه) وفى رواية النسائى (من وثی
كان به)) وهو بفتح الواو وسكون المثلثة آخره همزة، وجع يصيب اللحم ولا يبلغ العظم، أو وجع يصيب العظم من غير كسر
والاحتجام على ظهر القدم يتصور بدون قطع الشعر فلا إشكال مع التصريح بالعذر، ثم يمكن تعدد الاحتجام فى إحرام
واحد أو فى إحرامين، قاله القارى. قلت: ذكر فى هذا الحديث أن الحجامة كانت على ظهر القدم، وفى حديثى
ابن عباس وابن بحينة أنها كانت فى الرأس من صداع وجده، وفى حديث جابر عند أحمد من وثى كان بوركه أو ظهره
فيحتمل أنه كان به الأمران فاحتجم مرة لوجع الرأس ومرة للوثى بظهر القدم وبالورك، وأن الحجامة تعددت منه
وَّ فى إحرام حجة الوداع، ويحتمل أنها كانت مرة فى عمرة ومرة فى حجة الوداع. قال الحافظ: اتفقت الطرق
عن ابن عباس أنه احتجم مرَّةٍ وهو محرم فى رأسه، ووافقها حديث ابن بحينة وخالف ذلك حديث أنس فأخرج
أبو داود والترمذى فى الشمائل والنسائى وصححه ابن خزيمة وابن حبان من طريق معمر عن قتادة عنه قال ((احتجم النبي
◌َّ وهو محرم على ظهر القدم من وجع كان به)، ورجاله رجال الصحيح إلا أن أبا داود حكى عن أحمد أن سعيد بن
أبى عروبة رواه عن قتادة فأرسله ، وسعيد أحفظ من معمر وليست هذه بعلة قادحة ، والجمع بين حديث ابن عباس
واضح بالحمل على التعدد أشار إلى ذلك الطبرى - انتهى (رواه أبو داود والنسائى) وأخرجه أيضا أحمد وابن خزيمة
وابن حبان والبيهقى (ج ٥: ص ٦٥) وأخرجه الترمذى فى أواخر الشمائل بلفظ ((أن رسول الله موئيل احتجم وهو
محرم بملل على ظهر القدم» قال القارى: هو بفتح الميم واللام الأولى موضع بين مكة والمدينة على سبعة عشر ميلا
من المدينة .
٢٧٢٠ - قوله (وعن أبي رافع) مولى النبي ◌ََّ (بنى بها) أى دخل عليها وهو كناية عن الزفاف (وكنت أنا
الرسول) أى الواسطة فى أمر الزواج (بينهما) أى بينه وبين ميمونة أو بينه وبين العباس وكيلها فى الزواج، وهذا
الحديث صريح كحديث يزيد بن الأصم المتقدم فى الفصل الأول أن رسول الله مرثية تزوج ميمونة وهو حلال خلافا
لما روى ابن عباس، قال الحازمى فى كتابه فى بيان الناسخ والمنسوخ (ص١١): والأخذ بحديث أبي رافع أولى لأنه كان السفير
٣٨٤

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١١ - باب ما يجتنبه المحرم
رواه أحمد ، والترمذى ، وقال: هذا حديث حسن.
بينهما وكان مباشرا للحال، وابن عباس كان حا كيا ، ومباشر الحال مقدم على حاكيه ألا ترى عائشة كيف أحالت على
على حين سئلت عن مسح الخف وقالت: سلوا عليا فإنه كان يسافر مع رسول اللّه مَثل - انتهى بتغيير يسير، وعزاه الزيلعى
(ج ٣: ص ١٧٤) للطحاوى وسكت عنه، هذا وقد تقدم الكلام فى مسئلة التزوج فى الاحرام مبسوطا فى شرح أحاديث
عثمان وابن عباس ويزيد بن الأصم (رواه أحمد) (ج ٦: ص ٣٩٢) (والترمذى) فى الحج، وأخرجه أيضا ابن
خزيمة، والبيهقى (ج ٥: ص ٦٦، وج ٧: ص ٢١١) وابن حبان فى صحيحه عن ابن خزيمة كما فى نصب الراية كلهم من طريق
حماد بن زيد عن مطر الوراق عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن عن سليمان بن يسار عن أبي رافع (وقال) أى الترمذى
(هذا حديث حسن) وبعده «ولا نعلم أحدا أسنده غير حماد بن زيد عن مطر الوراق عن ربيعة، وروى مالك بن أنس
عن ربيعة عن سليمان بن يسار أن النبي مُؤثم تزوج ميمونة وهو حلال، مرسلا. ورواه أيضا سليمان بن بلال عن ربيعة
مرسلا - انتهى. قال ابن عبد البر فى التمهيد بعد ذكر رواية مطر الوراق: هذا عندى غلط من مطر لأن سليمان بن
يسار ولد سنة أربع وثلاثين، وقيل سبع وعشرين ، ومات أبو رافع بالمدينة بعد قتل عثمان بقليل، وقتل عثمان فى
ذى الحجة سنة خمس وثلاثين فلا يمكن أن يسمع سليمان من أبي رافع، ومن صفيح أن يسمع سليمان بن
يسار من ميمونة لما ذكرنا من مولده، ولأن ميمونة مولاته - انتهى. وقال ابن أبى حاتم فى المراسيل:
حديث سليمان بن يسار عن أبي رافع مرسل ، ورد ذلك بما قال الزرقانى بعد ذكر كلام ابن عبد البر
من أن سماع سليمان عن أبي رافع مكن على القول الثانى فى ولادته لأنه أدرك نحو ثمان سنين من حياة
أبی رافع فلا یستغرب سماعه منه۔ انتھی. وقال الحافظ فى تهذيب التهذيب بعد ذکر کلام ابن عبد البر و ابن أبى حاتم
ما لفظه: كذا قالا وحديثه عنه فى مسلم وصرح بسماعه منه عند ابن أبى خيثمة فى تاريخه - انتهى. وقال الطحاوى :
حديث أبي رافع إنما رواه مطر الوراق ومطر عندهم ليس ممن يحتج بحديثه وقد رواه مالك وهو أضبط منه فقطعه يعنى
رواه مرسلا، قلت: مطر الوراق صدوق صالح الحديث من رواة مسلم، وذكره ابن حبان فى الثقات وقال: ربما أخطاً
وقال الذهبي فى الميزان: هو من رجال مسلم حسن الحديث. وقال البيهقى: قد احتج به مسلم بن الحجاج - انتهى.
ومن تكلم فيه فإنما تكلم فى حديثه عن عطاء خاصة ، قال فى الميزان: قال أحمد ويحى: هو ضعيف فى عطاء خاصة ، وقال
فىتهذيب التهذيب قال أحمد: ما أقربه من ابن أبى ليلى فىعطاء خاصة ۔ انتهى. فحديثه عن ربيعة بن أبىعبدالرحمن لا ينحط
عن درجة الحسن ولذا حسنه الترمذى ولم ير إرسال مالك قادحا فى وصله على أنهما حديثان متغايران معنى كما لا
يخفى، فلا تعارض بين رواية مطر ورواية مالك حتى يحتاج إلى الترجيح أو الجمع فافهم.
٣٨٥

مرعاة المفاتيح ج٩
كتاب التامك
١٠
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
(١٢) باب المحرم يجتنب الصيد
(باب) يجوز سكونه على الوقف ورفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف هو ((هذا)) ويحتمل الإضافة (المحرم يجتنب الصيد)
أى اصطياده وقتله وإن لم يأكله، وأكله وإن ذكاه محرم آخر، قال القارى: والمراد بالصيد حيوان متوحش
بأصل الخلقة بأن كان توالده وتناسله فى البر، أما صيد البحر فيحل اصطياده للحلال والمحرم جميعا مأكولا أو غير
مأكول لقوله تعالى (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم والسيارة - المائدة: الآية ٩٦﴾ قال الشنقيطى: ظاهر عموم
قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر) يدل على إباحة صيد البحر الحرم بحج أو عمرة وهو كذلك كما بينه تخصيصه تعالى
تحريم الصيد على المحرم بصيد البر فى قوله: ﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما - المائدة: الآية ٩٦﴾ فإنه يفهم منه
أن صيد البحر لا يحرم على المحرم كما هو ظاهر. وقال ابن قدامة (ج ٣: ص ٣٤٤): يحل للحرم صيد البحز لقوله
تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه) وأجمع أهل العلم على أن صيد البحر مباح الحرم اصطياده وأكله وبيعه
وشراؤه، وصيد البحر الحيوان الذى يعيش فى الماء وييض فيه ويفرخ فيه كالسمك والسلحفاة والسرطان ونحو ذلك ،
فإن كان جنس من الحيوان نوع منه فى البحر ونوع فى البر كالسلحفاة فاكل نوع حكم نفسه كالبقر منها الوحشى محرم والأهلى
مباح - انتهى. وأما صيد البر فقد أجمع العلماء على منعه للحرم بحج أو عمرة، وهذا الاجماع فى مأكول
اللحم الوحشى كالظى والغزال ونحو ذلك وتحرم عليه الإشارة إلى الصيد والدلالة عليه لحديث أبي قتادة الآتى. قال
ابن قدامة (ج ٣: ص ٣٠٩): لا خلاف بين أهل العلم فى تحريم قتل الصيد واصطياده على المحرم وقد نص اللّه تعالى
عليه فى كتابه فقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم - المائدة: الآية ٩٥﴾ وقال تعالى: {وحرم
عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾ وتحرم عليه الإشارة إلى الصيد والدلالة عليه، قال: ولا تحل له الإعانة عليه بشئى -
انتهى. والصيد عند الشافعى هو مأكول اللحم فقط فلا شئ عنده فى قتل ما لم يؤكل لحمه إلا المتولد من بين مأكول
اللحم وغير ما كوله فلا يجوز اصطياده عنده، وإن كان يحرم أكله كالسمع وهو المتولد من بين الذئب والضبع، وقال:
ليس فى الرخمة والخنافس والقردان والحلم وما لا يؤكل لحمه شئ لأن هذا ليس من الصيد لقوله تعالى: ﴿وحرم عليكم
صيد البر ما دمتم حرما﴾ فدل على أن الصيد الذى حرم عليهم هو ما كان حلالا لهم قبل الاحرام ، وهذا هو مذهب
الإمام أحمد. قال ابن قدامة (ج ٣: ص ٥٠٦): والصيد (أى الذى يجب بقتله الجزاء) ما جمع ثلاثة أشياء وهو أن
يكون مباحا أكله لا مالك له، متعا، فيخرج بالوصف الأول كل ما ليس بمأ كول لاجزاء فيه كسباع البهائم والمستخبث
من الحشرات والطير وسائر المحرمات. قال أحمد: إنما جعلت الكفارة فى الصيد المحلل أكله، وهذا قول أكثر أهل
العلم، إلا أنهم أوجبوا الجزاء فى المنولد بين المأكول وغيره كالسمع المتولد من الضبع والذئب تغليا لتحريم قتله،
٣٨٦

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
الوصف الثانى أن يكون وحشيا وما ليس بوحتى لا يحرم على المحرم ذبحه ولا أكله كبهيمة الأنعام كلها ، والخيل
والدجاج ونحوها لا نعلم بين أهل العلم فى هذا خلافا ، والاعتبار فى ذلك بالأصل لا بالحال ، فلو استانس الوحشى
وجب فيه الجزاء، ولوتوحش الأهلى لم يجب فيه شى. وقال الحافظ: اتفقوا على أن المراد بالصيد ما يجوز أكله الحلال
من الحيوان الوحشى وأن لاشئ فيما يجوز قتله، واختلفوا فى المنولد (أى بين المأكول وغيره) فألحقه الأكثر بالمأكول -
انتهى. قال ابن قدامة (ج ٣: ص ٣٤٣): ولا تاثير للإحرام ولا للحرم فى تحريم شئى من الحيوان الأهلى كبهيمة
الأنعام ونحوها لأنه ليس بصيد، وإنما حرم الله تعالى الصيد، وقد كان النبي مثل يذبح البدن فى إحرامه فى الحرم
يتقرب إلى الله سبحانه بذلك، وقال: أفضل الحج العج والتج، يعنى إسالة الدماء بالذبح والنحر وليس فى هذا اختلاف.
وقال البخارى فى صحيحه: لم ير ابن عباس وأنس بالذبح (أى بذبح المحرم، وظاهر العموم يتناول الصيد وغيره ،
ولكن مراده الذبح فى غير الصيد) بأسا، وهو غير الصيد نحو الابل والغنم والبقر والدجاج والخيل. قال الحافظ:
اثر ابن عباس وصله عبد الرزاق من طريق عكرمة أن ابن عباس أمره أن يذبح جزورا وهو محرم ، وأما أثر أنس
فوصله ابن أبى شيبة من طريق الصباح البجلى سألت أنس بن مالك عن المحرم يذبح؟ قال: نعم. وقوله (وهو)) أى
المذبوح، إلخ. من كلام المصنف قاله تفقها، وهو متفق عليه فيما عدا الخيل فإنه مخصوص بمن يبيح أكلها - انتهى. وقال
العينى قوله ((وهو غير الصيد)، إلخ. من كلام البخارى أشار به إلى تخصيص العموم الذى فهم من قوله بالذبح وقوله ((وهو))
أى الذبح أى المراد من الذبح المذكور فى أثر ابن عباس وأنس هو الذبح فى الحيوان الأهلى وهو الذى ذكره بقوله نحو
الإيل إلى آخره، وهذا كله متفق عليه فى غير ذبح الخيل ، فإن فيه خلافا معروفا - انتهى. قال القارى: البرى المأكول
حرام اصطياده على المحرم بالاتفاق وأما غير المأكول فقسمه صاحب البدائع على نوعين ، نوع يكون موذيا طبعا مبتدئا
بالأذى غالبا ، فللمحرم أن يقتله ولا شئى عليه نحو الأسد والذئب والنمر والفهد ، ونوع لا يبتدى بالأذى غالبا كالضبع
والثعلب وغيرهما ، فله أن يقتله إن عدا عليه ولا شئ عليه، وهو قول أصحابنا الثلاثة، وقال زفر: يلزمه الجزاء وإن لم
يعد عليه لا يباح له أن يبتدئه بالقتل، وإن قتله ابتداء فعليه الجزاء عندنا - انتهى. قلت: ليست الضبع مثل ما ذكر
معها من الثعلب ونحوه لورود النص فيها لأنها صيد يلزم فيه الجزاء كما سيأتى، والراجح عندنا فى المراد من
الصيد هو ما قدمنا عن الشافعى وأحمد أنه الحيوان البرى الوحشى المأكول اللحم فقط وهو ظاهر القرآن العظيم ، هذا
وقد على ما تقدم من كلام ابن قدامة أنه لا يجوز للحرم أكل الصيد إن صاده الحلال بأمره أو بإعانته أو بدلاله أو
بإشارته ، وهذا ما اتفق العلماء عليه واختلفوا فيما عدا ذلك على ثلاثة أقوال. أحدها : أنه لا يجوز له الأكل مطلقا
أی سواء صید لأجله أو لا ، وحکی هذا عن على وابن عباس وابن عمر والليث والثوری وإسحاق بن راهويه وطاوس
٣٨٧
:

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
الفصل الأول )
٢٧٢١ - (١) عن الصعب بن جثامة، أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا
وجابر بن زيد، واحتج لهم بحديث الصعب بن جثامة الآنی ، وبحدیث زید بن أرقم أن النی زیے أهدى له عضو من
لحم صيد فرده وقال إنا لا نأكله، أنا حرم، أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائى. واحتج لهم أيضا بعموم قوله
تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) بناء على أن المراد بالصيد الحيوان المصيد، القول الثاني: أنه
يجوز له الأكل مطلقا أى وإن صيد لأجله ولم يكن بإذنه وإعانته أو دلالته وإشارته، وإليه ذهب أبو حنيفة، وحكى
ذلك عن عمر بن الخطاب وأبى هريرة والزبير بن العوام وعائشة وطلحة بن عبيد الله وكعب الأحبار ومجاهد وسعيد بن
جبير ، واحتج لهم بحديث طلحة بن عبيد الله الآتى فى الفصل الثالث وبحديث البهزى واسمه زيد بن كعب أنه قال للنبي
مَّ فى حمار وحشى عقير فى بعض وادى الروحاء وهو صاحبه: شأنكم بهذا الحمار، فأمر ◌َّ أبا بكر فقسمه فى
الرفاق وهم محرمون ، أخرجه مالك وأحمد والنسائى وابن خزيمة وغيرهم. واحتج لهم أيضا بحديث أبي قتادة ثانى
أحاديث الباب كما ستعرف، القول الثالث: التفصيل بين ما صاده الحلال لأجل المحرم وما صاده لا لأجله فيمنع
الأول دون الثانى وهو مذهب الجمهور منهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعى وأحمد وحكى ذلك عن عثمان بن عفان
وعطاء وأبى ثور وإسحاق فى رواية، واحتج لهم بحديث جابر الآتى فى الفصل الثانى، وهو القول الراجح عندنا،
وسيأتى الكلام فى ذلك مفصلا .
٢٧٢١ - قوله (عن الصعب) بفتح الصاد وسكون العين المهملتين بعدها موحدة (جثامة) بفتح الجيم وتشديد
المثلثة فألف فميم ، ابن قيس بن ربيعة بن عبد اللّه الليثى حليف قريش، أمه فاختة أخت أبى سفيان بن حرب ، يقال:
هو أخو محلّم بن جثامة ، وكان الصعب ينزل بودان ، قال الحافظ فى التقريب: مات فى خلافة الصديق على ما قيل ،
والأصح أنه عاش إلى خلافة عثمان، قال الخزرجى فى الخلاصة: له أحاديث اتفقا على حديثين، وانفرد البخارى بآخر ،
وعنه ابن عباس فقط عندهم فی هدیة الصید وغیرها ، وآخی ◌ُٹے بينه وبين عوف بن مالك (أهدی لرسول الله {ئ})
أى فى حجة الوداع ، قال العينى: الأصل فى ((أهدى)) التعدى بإلى، وقد تعدى باللام ويكون بمعناه، وقيل: يحتمل أن
تكون اللام بمعنى «أجل)، وهو ضعيف (حمارا وحشيا) كذا فى رواية مالك عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله بن
عتبة عن عبد الله بن عباس عن الصعب. قال فى شرح المواهب: هو باتفاق الرواة عن مالك وتابعه عليه
تسعة من حفاظ أصحاب الزهرى ، وقال فى شرح الموطأ ((لا خلاف عن مالك فى هذا، وتابعه معمر وابن جريج
وعبد الرحمن بن الحارث وصالح بن کیسان واللیث وابن أبي ذئب وشعیب بن أبى حمزة ویواس ومحمد بن عمرو بن
٣٨٨

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
علقمة كلهم قالوا: حمارا وحشيا، كما قال مالك، وخالفهم سفيان بن عيينة عن الزهرى فقال: أهديت له من لحم حمار
وحش، رواه مسلم، وله عن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ((رجل حمار وحش، وله عن شعبة عن الحكم
((عجز حمار وحش يقطر دما، وفى أخرى له ((شق حمار وحش، فهذه الروايات صريحة فى أنه عقير، وأنه إنما أهدى
بعضه لا كله، ولا معارضة بين رجل وعجز وشق لأنه يحمل على أنه أهدى رجلا معها الفخذ وبعض جانب الذيحة -
انتهى. وقال الحافظ: لم تختلف الرواة عن مالك فى ذلك وتابعه عامة الرواة عن الزهرى، وخالفهم ابن عيينة عن الزهرى
فقال: لحم حمار وحش. أخرجه مسلم، لكن بين الحميدى صاحب سفيان (ج ٢: ص ٣٤٤) أنه كان يقول فى هذا
الحديث: حمار وحش، ثم صار يقول: لحم حمار وحش، فدل على اضطرابه فيه، وقد توبع على قوله (لحم حمار وحش)
من أوجه فيها مقال ثم ذكرها مع الكلام فيها ، ثم قال: ويدل على وهم من قال فيه: عن الزهرى، ذلك أن ابن جريج
قال: قلت الزهرى: الحمار عقير؟ قال: لا أدرى. أخرجه ابن خزيمة وأبو عوانة فى صحيحيهما. وقد جاء عن
ابن عباس من وجه آخر أن الذى أهداه الصعب لحم حمار فذكر ما تقدم فى كلام الزرقانى فى شرح الموطأ. وقد
اختلفوا فى هذه الروايات فمنهممن اختار الجمع بينها ومنهم من سلك مسلك الترجيح. قال الزرقانى بعد ذكر هذه الروايات:
همنهم من رجع رواية مالك وموافقیه، قال الشافعی فی الأم: حديث مالك «أن الصعب اهدی حارا، أثبت من حديث
من روى ((أنه أهدى لحم حمار)) وقال الترمذى: قدروى بعض أصحاب الزهرى عن الزهرى هذا الحديث وقال: أهدى لحم
حارو-ش. وهو غير محفوظ. وقال البيهقى: كان ابن عيينة يضطرب فيه، فرواية العدد الذين لم يشكوا فيه أولى - انتهى.
وقد تقدم عن الحافظ أنه قال من قال ذلك فيه عن الزهرى أى ذكر اللحم فى حديث الزهرى وهم. وإليه يظهر ميل
البخارى حيث بوب فى صحيحه «باب إذا أهدى للحرم حمارا وحشيا حيا لم يقبل)، ثم أورد فيه الحديث برواية مالك.
قال الحافظ: كذا قيده البخارى فى الترجمة بكونه حيا، وفيه إشارة إلى أن الرواية التى تدل على أنه كان مذبوحا موهمة -
انتهى. وإليه مال الباجى إذ قال: قوله ((حمارا وحشيا) هكذا رواه الزهرى عن عبيد الله وهو أثبت الناس فيه وأحفظهم
عنه. وفى المبسوط من رواية ابن نافع عن مالك، بلغنى إنما رده عليه من أجل أن الحمار كان حيا - انتهى مختصرا.
وبه جزم ابن العربى حيث قال: وإنما رد الصيد على الصعب لأنه كان حيا. ومنهم من رجح رواية اللحم. قال
ابن القيم: أما الاختلاف فى كون الذى أهداء حيا أو لما فرواية من روى ((لحما، أولى لثلاثة أوجه، أحدها: أن
راويها قد حفظها وضبط الواقعة حتى ضبطها أنه يقطر دما ، وهذا يدل على حفظه للقصة حتى لهذا الأمر الذى لا يؤبه
ه. الثانى: أن هذا صرح فی کونه بعض الحمار وأنه لحم منه فلا یناقض قوله «أهدى له حمارا، بل يمكن حمله على
رواية من روى لحما، قسمية اللحم باسم الحيوان ، وهذا مما لا تأباه اللغة. الثالث: أن سائر الروايات متفقة على أنه
٣٨٩

سرحاء المتانح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
وهو بالأبواء أو بودان،
بعض من أبعاضه، وإنما اختلفوا فى ذلك البعض هل هو عجزه أو شقه أو رجله أو لحم منه، ولا تناقض بين هذه
الروايات إذ يمكن أن يكون الشق الذى فيه العجز وفيه الرجل فصح التعبير عنه بهذا وهذا ، وقد رجع ابن عيينة عن قوله
«حارا، وثبت علی قوله (لحم حمار، حتى مات. وهذا يدلعلى أنه تبين له أنه أهدى له لحما لا حيوانا ۔ انتهى. و فيه ما
تقدم عن الحافظ وغيره أنه لا خلاف فيه عن مالك أنه أهدى حمارا ، وتابعه عامة الرواة عن الزهرى ، وأن من قال
فيه عن الزهرى لحماوهم. ومنهم من جمع بحمل رواية «أهدى حماراء على النجوز من إطلاق اسم الكل على
البعض كما بسطه الزرقانى فى شرح الموطأوابن الهمام فى فتح القدير، وكما تقدم فى كلام ابن القيم، وكما ذكره الفرطبي احتمالا.
ومنهم من جمع بأن الصعب أحضر الحمار مذبوحا ثم قطع منه عضوا بحضرة التي تؤلم فقدمه له. فمن قال:
أهدى حمارا، أراد بتمامه مذبوحا لا حيا، ومن قال ((لحم حمار، أراد ما قدمه للنبى ◌َثي، حكاه الحافظ عن القرطبي
احتمالا. وحنهمن جمع بأنه أحضره له حيا، فلما رده عليه ذكاه وأناه بعضر منه ظانا أنه إنما رده عليه لمعنى يختص
بحملته فأعلمه بامتناعه أن حكم الجزء من الصيد حكم الكل، حكاه الحافظ عن القرطبي أيضا احتمالا. قال الزرقانى بعد
ذكره: هذا الجمع قريب وفيه إبقاء اللفظ على المتبادر منه الذى ترجم عليه البخارى ((إذا أهدى الحرم حمارا وحشيا
حيا لم يقبل)، مع أنه لم يقل فى الحديث ((حيا، فكانه فهمه من قوله ((حمارا، ومنهم من جمع بالحمل على التعدد، قال
ابن بطال: اختلاف روايات حديث الصعب تدل على أنها لم تكن قضية واحدة وإنما كانت قضايا فرة أهدى إليه
الحمار كله، ومرة عجزه، ومرة رجله، لأن مثل هذا لا يذهب على الرواة ضبطه حتى يقع فيه التضاد فى النقل والقصة
واحدة ذكره العينى (وهو بالأبواء) بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة وبالمد، جبل قرب مكد وعنده بلدة تنسب إليه،
قيل سمى بذلك لوبائه وهو على القلب وإلا لقيل: الأوباء. وقيل: لأن السيول تتبوأ، أى تحله، قال ياقوت: وهذا
أحسن. وقال الورقانى: جبل بينه وبين الجحفة مما يلى المدينة ثلاثة وعشرون ميلا، سمى بذلك لتبوأ السيول به لا لما
فيه من الوباء إذ لو كان كذلك لقيل ((الأوباء)) أو هو مقلوب منه - انتهى. قال العينى: به توفيت أم رسول الله عزّ}
(أو بودان) شك من الراوى وهو بفتح الواو وتشديد الدال المهملة فألف فنون، موضع بقرب الجحفة. قال الحافظ:
هو أقرب إلى الجحفة من الأبواء فإن من الأبواء إلى الجحفة للآتى من المدينة ثلاثة وعشرون ميلا، ومن ودان إلى
الجحفة ثمانية أميال، وبالشك جزم أكثر الرواة وجزم ابن إسحاق وصالح بن كيسان عن الزهرى بودان، وجزم
معمر وعبد الرحمن بن إسحاق ومحمد بن عمرو ((بالأبواء)، والذى يظهر لى أن الشك فيه من ابن عباس، لأن الطبرانى
أخرج الحديث من طريق عطاء عنه على الشك أيضا، وسيأتى برواية البيهقى أن ذلك فى الجحفة، وروى الطحاوى
٣٩٠

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المجرم يحتنب الصيد
فرد عليه، فلما رأى ما فى وجهه ، قال: إنا لم نزده عليك إلا أناَ حرم
والبيهقى من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس أن الصعب بن جثامة أهدى التى وزيع عجز حمار وهو بقديد يقطر
وما فرده (فرد عليه) أى رد التى تؤثر على الصعب الحمار الذى صاده ثم أهداه إليه. قال الحافظ اتفقت الروايات
کلیا علی أنه رده علیه إلا ما رواه ابن وهب واليهتى (ج ٥: ص ١٩٣) من طريقه بإسناد حسن من طريق عمرو بن
أمية أن الصعب أحدى التى تع عجز حار وش وهو بالجحفة فأكل منه وأكل القوم. قال البيهقى: إن كان هذا
محفوظا فلعله رد الحى وقبل اللحم. قلت (قائله الحافظ) وفى هذا الجمع نظر لما يته (يشير إلى الروايات التى فيها ذكر
إهداء جزء من الحمار ورده عليه) فإن كانت الطرق كلها محفوظة فعله رده حالكونه صيد لأجله ورد اللحم نارة
لذلك، وقبله تارة أخرى حيث على أنه لم بسند لأجله، وقد قال الصافى: إن كان السحب لمدى له حمارا حيافليس
الحرم أن يذبح حمار وحش حى وإن كان أهندى له لحما فقد يحتمل أن يكون على أنه سيسد لأجله، ويحتمل أن
يحمل القبول المذكور فى حديث عمرو بن أمية على وقت آخر، وهو حال رجوعه تمثل من مكة، ويزيده أنه جازم
فيه بوقوع ذلك بالجبنة وفى غيرها من الروايات بالأبواء أو بودان - انتهى. قال الزرقانى فكانه لما رده لأنه محرم
أهدى له بعد ما حل قبله وهذا جمع حسن (فلما رأى) أى رسول اللّه مَثلية (ما فى وجهه) أى فى وجه الصعب من
الكرامة لما حصل له من الكسر برد هديته، ففي رواية الترمذى («فلما رأى ما فى وجهه من الكرامة، وكذا الأحمد
وابن خزيمة، وفى رواية البخارى «فلما عرف فى وجهى رده هديتى، قال الباجى: يريد من التغير والإشفاق لرد التى
◌َّ حديته مع أنه ولا يقبل الهدية ويا كلها فخاف الصعب أن يكون ذلك لمعنى يخصه (قال) أى تعطيبا لقلبه (إنا)
بكسر الهمزة لوقوعها فى الابتداء (لم ترده) بفتح الدال رواه المحدثون، وقال محققو النحاة: إنه غلط والصواب ضم
الدال. قال عياض: ضبطناه فى الروايات لم ترده، بفتح الدال، وأبى ذلك المحققون من أهل العربية وقالوا: الصواب
أنه بضم الدال لأن المضاعف المجزوم الذى اتصل به ضمير المذكر يراعى فيه الواو التى توجبها ضمة الهاء بعدها خفاء الهاء
فكأن ما قبلها ولى الواو ولا يكون ما قبل الواو إلا مضموما، هذا فى المذكر، أما المؤنث مثل لم تردها فمفتوح الدال
مراعاة الألف. قال عياض: وليس الفتح بناط بل ذكره ثعلب فى الفصيح، فعم قعقبوه عليه بأنه ضعيف وأوهم صنيعه
أنه فصيح وأجازوا أيضا الكسر، وهو أضف الأوجه. قال الحافظ: ووقع فى رواية الكشميهنى بفك الإدغام .ثم
تردده، بضم الدال الأولى وسكون الثانية فلا إشكال، وفى رواية شعيب عن الزهرى عند البخارى وابن جريج عنه عند.
أحد وابن خزيمة «ليس بنا رد عليك)) وفى رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهرى عند الطبرانى «إنا لم ترده طلبك
كرامية ، ولكنا حرم (عليك) انة من العلل (إلا أنا) بفتح الهمزة أى لأجل أنا (سسوم) بضم الماء والراء جمع
٣٩١
١

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
.٠
حرام وهو من أحرم بنسك أى محرمون. قال الجوهرى: رجل حرام، أى محرم ، والجمع حرم ، مثل قذال وقذل،
قال العينى: قوله ((إلا أنا حرم)) بفتح الهمزة فى ((أنا)) على أنه تعدى إليه الفعل بحرف التعليل فكأنه قال لأنا، وقال أبو الفتح
القشيرى: إنا مكسور الهمزة لأنها ابتدائية لاستئناف الكلام ، وقال الكرمانى: لام التعليل محذوفة والمستثنى منه مقدر
أى لا ترده لعلة من العلل إلا لأننا حزم، قال الحافظ: زاد صالح بن كيسان عند النسائى («لا نأكل الصيد، وفى رواية
سعيد بن جبير عن ابن عباس ((لو لا أنا محرمون لقبلناه منك)). واستدل بالحديث من حرم أكل لحم الصيد على
المحرم مطلقا سواء صاده الحلال لنفسه أو لمحرم وذلك لأنه اقتصر فى التعليل على كونه محرما فدل على أنه سبب الامتناع
عامة، وأجاب الجمهور عنه بما ذكر عن الشافعى أنه قال: إن كان الصعب أهدى حمارا حيا فليس الحرم أن يذبح
حمارا وحشيا حيا وإن كان أهدى لما فيحتمل أن يكون على أنه صيد له. قال الحافظ: جمع الجمهور بين ما اختلف
من الأحاديث فى الرد والقبول بأن أحاديث القبول ( كحديث طلحة وحديث البهزى وحديث أبي قتادة) محمولة على ما
يصيده الحلال لنفسه ثم يهدى منه للحرم، وأحاديث الرد (كحديث الصعب وحديث زيد بن أرقم) محمولة على ما
عاده الخلال لأجل المحرم ، قالوا: والسبب فى الاقتصار على الإحرام عند الاعتذار للصعب أن الصيد لا يحرم على
المحرم إذا صيد له إلا إذا كان محرما، فبين الشرط الأصلى وسكت عما عداه فظ يدل على نفيه، وقد بينه الأحاديث الآخر،
وتريد هذا الجمع حديث جابر يعنى الذى يأتى فى الفصل الثانى وقال الزرقانى: حمل الجمهور حديث الصعب على أنه قصدم
باصطياده لأنه كان عالما بأنه وَجَ يمر به فصاده لأجله، قال: وتعليله مَثّل الصعب بأنه محرم لا يمنع كونه صيد له
ولأنه بين الشرط الذى يحرم الصيد على الإنسان إذا صيد له وهو الاحرام وقبل حمار البهزى وفرقه على الرفاق لأنه
كان يتكسب بالصيد فحمله على عادته فى أنه لم يصد لأجله مَّي، قال: وهذا على رواية أن الصعب أهدى لما أما على
أنه أهداء حيا فواضح، فالإجماع على أنه يحرم على المحرم قبول صيد وهب له وشراؤه واصطياده واستحداث ملكه
بوجه من الوجوه، وأجاب الخفية عن حديث الصعب بأنه مضطرب كما قال الطحاوى ، وبأن الأظهر بل الصحيح
فى الرواية رد الحار الحى كما تقدم عن الجمهور، وبأنه يحتمل أنه علم أنه صيد بدلالة المحرم أو إشارته وبأن
حديث أبى قادة أولى لأنه ليس فيه اضطراب مثل ما فى حديث الصعب، وبأن رده رَي يمكن أن يكون تنزها وسدا
الذرائع التوسع فى أكل الصيد الحرم وحسما لمادته لئلا يفضى استعمال ما لا بأس به إلى التساهل فيما به بأس فى آخر
الأمر، وهذه الأجوبة كلها مخدوشة لا يخفى على المنصف ما فيها من الخدشات والتعسفات، هذا. وفى حديث
الصعب من الفوائد: الحكم بالعلامة لقوله: فلما رأى ما فى وجهه، وفيه جواز رد الهدية إذا وجد مانع من قبولها
وترجم له البخارى ((من رد الهدية لعلة، وفيه كرامية رد هدية الصديق لما يقع فى قلبه فإنه معروفة طيب نفسه بذكر
٣٩٢
:

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
متفق عليه.
٢٧٢٢ - (٢) وعن أبى قتادة، أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم،
عذر الرد، وفيه إخبار المهدى إليه بسبب الرد لتطمئن نفس المهدى ونزول وساوسه ويطيب قلبه، وفيه أن الحبة
لا تدخل فى الملك إلا بالقبول وإن قدرته على تملكها لا قصيره مالكا لها (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الحج وفى
الهبة ومسلم فى الحج وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤: ص ٣٧، ٣٨، ٧١، ٧٢، ٧٣) ومالك والترمذى والنسائى وابن ماجه
والدارمى وابن الجارود (ص ١٥٤) وابن خزيمة وعبد الرزاق (ج ٤: ص ٤٢٦) والحميدى (ج ٢: ص ٣٤٤)
والطحاوى والبيهقى وغيرهم.
- ٢٧٢٢ - قوله (وعن أبى قنادة أنه خرج مع رسول اللّه ◌ُٹے) أی عام الحديبية کما فى رواية یحی بن أبي كثير
عن عبد الله بن أبى قتادة عند الشيخين وغيرهما. قال الحافظ: قوله ((الحديبية) أصح من رواية الواقدى من وجه آخر
عن عبد الله بن أبى قتادة أن ذلك كان فى عمرة القضية ، ووقع فى رواية أبى عوانة عن عثمان بن عبد الله بن موهب عن
عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عند الشيخين أيضا أن رسول اللّه تَثم خرج حاجا فخرجوا معه. قال الاسماعيلى: هذا
غلط فإن القصة كانت فى عمرة، وأما الخروج إلى الحج فكان فى خلق كثير وكان كلهم على الجادة لا على ساحل البحر ،
ولعل الراوى أراد ((خرج محرما، فعبرعن الإحرام بالحج غلطا. قال الحافظ: لا غلط فى ذلك بل هو من المجاز
السائغ، وأيضا فالحج فى الأصل قصد البيت فكانه قال: خرج قاصدا للبيت، ولهذا يقال العمرة الحج الأصغر، ثم
وجدت الحديث من رواية محمد بن أبى بكر المقدمی عن أبی عوانة بلفظ «خرج حاجا أو معتمرا، أخرجه البيهنى، قتين
أن الشك فيه من أبى عوانة ، وقد جزم يحى بن أبى كثير بأن ذلك كان فى عمرة الحديبية ، وهذا هو المعتمد - انتهى.
وأعلم أنه اختلفت الروايات فى قصة اصطياد أبى قتادة الحمار الوحشى إجمالا وتفصيلا وتقديما وتاخيرا، وقد أجمل
الكلام عليها الحافظ فى الفتح والشيخ محمد عابد السندى فى المواهب اللطيفة، قال الحافظ: حاصل القصة أن النبي يزفين لما
خرج فى عمرة الحديبية فبلغ الروحاء وهى من ذى الحليفة على أربعة وثلاثين ميلا أخبروه بأن عدوا من المشركين
بوادى غيقة (بفتح الغين المعجمة بعدها ياء ساكنة ثم قاف مفتوحة ثم ماء، قال السكونى: هو ماء لبنى غفار بين مكة
والمدينة. وقال يعقوب: هو قليب لبنى ثعلبة يصب فيه ماء رضوى ويصب هو فى البحر) يخشى منهم أن يقصدوا غرته
فجهز طائفة من أصحابه فيهم أبو قتادة إلى جهتهم ليأمن شرهم، فلما أمنوا ذلك لحق أبو قتادة وأصحابه بالنبي مزيّم فأحرموا
إلا هو (يعنى أن أصحابه كانوا أحرموا من الميقات أو أحرموا فى أثناء تجواله وحده لاستطلاع أخبار العدو إلا هو
فإنه لم يحرم) فاستمر هو حلالا لأنه إما لم يجاوز الميقات وإما لم يقصد العمرة، وقال أيضا إن الروحاء هو المكان.
٣٩٣

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
الذى ذهب أبو قتادة وأصحابه منه إلى جهة البحر ثم التقوا بالقاحة (بالقاف والحاء المهملة المخففة، واد على نحو ميل
من السقيا وعلى ثلاث مراحل من المدينة) وبها وقع له الصيد المذكور وكأنه تأخر هو ورفقته للراحة أو غيرها وتقدمهم
التي يمثل إلى السقيا حتى لحقوه، قال: ووقع فى حديث أبى سعيد عند ابن حبان والبزار أن ذلك وقع وم بعسفان،
وفيه نظر ، والصحيح ما سيأتى بعد باب أى عند البخارى من طريق صالح بن كيسان عن أبى محمد مولى أبي قتادة عنه،
قال: كنا مع النبي مَّ بالقاحة ومنا المحرم وغير المحرم (يريد بغير المحرم نفسه فقط) فرأيت أصحابى يتراؤن شيئا
فنظرت، فإذا حماروحش - الحديث. قال الحافظ: وبهذا يعنى بما ذكره من حاصل القصة وأن أبا قنادة استمر حلالا.
لأنه إما لم يجاوز الميقات وإما لم يقصد العمرة يرتفع الإشكال الذى ذكره أبو بكر الأثرم، قال: كنت أسمع أصحابنا
يتعجبون من هذا الحديث ويقولون: كيف جاز لأبي قتادة أن يجاوز الميقات وهو غير محرم ولا يدرون ما وجهه.
قال: حتى وجدته فى رواية من حديث أبى سعيد فيها خرجنا مع رسول اللّه تَّم فأحرمنا فلما كنا بمكان كذا إذا
نحن بابی قتادة ، وکان التی ◌ُٹے بعثه فى وجه۔ الحديث. قال فإذا أبو قتادة إنما جاز له ذلك لأنه لم يخرج یرید مکد.
قال الحافظ: والذى يظهر أن أبا قتادة إنما أخر الإحرام لأنه لم يتحقق أنه يدخل مكة فساغ له التأخير، قال: والرواية
التى أشار إليها الأثرم تقتضى أن أبا قتادة لم يخرج مع النبى مَثل من المدينة، وليس كذلك أى لأن عامة الروايات من
حديث أبي قتادة على أن أبا قنادة خرج مع التى تَّم من المدينة وأن بعثه أبا قتادة ومن معه كان من الروحاء، وأخرج
ابن حبان فى صحيحه والبزار والطحاوى من طريق عياض بن عبد اللّه عن أبى سعيد، قال: بعث رسول اللّه مَّ أبا قتادة
على الصدقة وخرج رسول الله مرثية وأصحابه وهم محرمون حتى نزلوا بعسفان - الحديث. قال الحافظ: فهذا سبب آخر
ويحتمل جمعهما. وقال فى المواهب اللطيفة: الحاصل أن أبا قتادة خرج مع النبي تَّم من المدينة وقد كان رسول
اللّه تَبِّ أمره بأخذ الصدقات، وكانت طريقهم متحدة فأحرموا كلهم غيره بناء على أنه لم يقصد إذ ذاك مكة ثم سار
مع النبي ◌َّ بناء على اتحاد الطريق حتى بلغوا الروحاء فأخبروا بالعدو فوجهه تَّة مع أصحاب له محرمين فلما أمنوا
رجع على حالته التى كان عليها فساغ له التأخير لذلك - انتهى. وقال القارى: إن أبا قتادة لم يحرم لقصده
الإحرام من ميقات آخر وهو الجحفة، فإن المدنى مخير (عند الحنفية) بين أن يحرم من ذى الحليفة وبين أن يحرم
من الجسفة، وفيه أن رواية أبى سعيد التى فيها ذكر عسفان تدل على تأخير أبى قنادة الإحرام من الجحفة ولكن
نظر فيها الحافظ وصحح خلافها كما تقدم، وقال القسطلانفى: لم يحرم لاحتمال أنه لم يقصد نسكا إذ يجوز دخول
الحرم بغير إحرام لمن لم يرد حجا ولا عمرة كما هو مذهب الشافعية، وأما على مذهب القائلين بوجوب الإحرام
فيجاب بأنه إنما لم يحرم لأنه وَيثم كان أرسله إلى جهة أخرى ليكشف أمر عدو انتهى. وقيل كانت هذه
٣٩٤

مرحلة المفابح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
فتخلف مع بعض أصحابه وهم محرمون وهو غير محرم، فرأوا حمارا وحشيا قبل أن يراه، فما رأوه
ترکوه حتى رآه أبو قتادة،
القصة قبل أن يوقت النبى وَبين المواقيت (فتخلف) أى تأخر أبو قتادة (مع بعض أصحابه) الضمير راجع إلى أبي قتادة
أو النبى ◌َّ (وهم) أى البعض (محرمون وهو) أى أبو قتادة (غير محرم) تقدم بيان وجه عدم إحرامه، وفى رواية لمسلم
(حتى إذا كانوا ببعض طريق مكة تخلف مع أصحاب له محرمين وهو غير محرم)) وفى رواية للبخارى (مقال أى أبو قتادة
انطلقنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية فأحرم أصحابه ولم أحرم فأنبتنا بعدو بغيقة فتوجهنا نحوهم
فبصر أصحابى بحمار وحش، وفى أخرى له أيضا «كنا مع النبي ◌َّم بالقارة من المدينة على ثلاث (أى مراحل) ومنا
المحرم ومنا غير المحرم فرأيت أصحابى يتراؤن شيئًا)، وقد تقدم أن الروحاء هو المكان الذى ذهب أبو قتادة وأصحابه منه
إلى جهة البحر ثم التقوا بالتاحة وبها وقع له الصيد المذكور فالظاهر أن المراد فى رواية المشكاة تخلفهم بالقاحة بعد ما
انصرفوا عن ساحل البحر وفيها وقع أمر الصيد (فرأوا حمارا وحشيا) نوع من الصيد على صفة الحمار الأهلى وينهما
بعض المیزات ، وجمعه حمر ، ونسب إلى الوحش لتوحشه وعدم استئناسه. قال النووى: قوله «حمارا وحيا، كذا
ذكر فى أكثر الروايات ، وفى رواية أبى كامل الجحدرى عن أبى عوانة «إذ رأوا حمر وحش، فعمل عليها أبو قتادة
فقر منها أناناء فهذه الرواية تبين أن الجمار فى أكثر الرواية المراد به أنثى وهى الآنان سميت حمارا مجازا - انتهى.
قلت: وهكذا وقع فى رواية موسى بن إسماعيل عن أبى عوانة عند البخارى، قال الحافظ: قوله «فحمل أبو قتادة على
الخر فعقر منها أنانا، فى هذا السياق زيادة على جميع الروايات لأنها متفقة على إفراد الحمار بالرؤية وأفادت هذه الرواية
أنه من جملة الخمر ، وأن المقتول كان أتانا أى انثى، فعلى هذا فى إطلاق الحمار عليها تجوز - انتهى. وكذا قال القسطلانى.
وزاد ((أو أن الحمار يطلق على الذكر والأنثى» (قبل أن يراه) أى قبل رؤية أبى قتادة ذلك الحمار (فلما رأوه تركوه)
أى الخار (حتى رآه أبو قتادة) أى حتى رأى أبو قتادة الحمار ، وزاد فى رواية عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عند البخارى
(فبينما أنا مع أصحابه يضحك بعضهم إلى بعض، وقد بسط شراح الصحيحين فى أن ضحك بعض المحرمين إلى بعض هل
هو داخل فى الدلالة على الصيد أم لا؟ ومال الحافظ وغيره من العلماء إلى أنه ليس بدلالة. وقد ترجم البخارى على
هذه الرواية (باب إذا رأى المحرمون صيدا فضحكوا فقطن الحلال)) قال الحافظ فى شرحه: أى لا يكون ذلك منهم
إشارة له إلى الصيد فيحل لهم أكل الصيد، قلت: ووقع فى هذه الرواية عند مسلم «يضحك بعضهم إلى)) أى بتشديد الياء.
قال عياض: وهو خطأ وقصحيف وإنما سقط عليه لفظة ((بعض)، والصواب يضحك بعضهم إلى بعض كما فى سائر الطرق
والروايات، وتعقبه النووى وذهب الحافظ إلى تصويب ما قال القاضى من شاء الوقوف على كلام القاضى وتعقب
٣٩٥

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
فركب فرسا له، فسألهم أن يناولوه سوطه فأبوا، فتناوله فجعل عليه فعقره، ثم أكل فأكلوا فندموا،
فلما أدركوا رسول اللّه ◌َرفع سألوه،
النووى وجواب الحافظ رجع إلى الفتح فى شرح باب ((إذا صاد الحلال فأهدى الحرم الصيد» من كتاب الحج (فركب)
أى أبو قتادة بعد ما رأى الحار (فرسا له) وعند البخارى بعده «يقال له الجرادة)) قال الحافظ: هو بفتح الجيم وتخفيف
الراء والجراد اسم جنس، ووقع فى السيرة لابن هشام أن اسم فرس أبي قتادة («الحزوة)) أى بفتح المهملة وسكون الزأى
بعدها واو، فإما أن يكون له اسمان وإما أن أحدهما تصحف والذى فى الصحيح هو المعتمد - انتهى (فسألهم أن
يناولوه) أى يعطوه (سوطه، فأبوا) العدم جواز المعاونة (فتناوله) أى أخذه بيده، وفى رواية أبى حازم عند البخارى
فى الهبة ((فأبصروا حمارا وحشيا وأنا مشغول أخصف فعلى فلم يؤذنونى به وأحبوا لو أنى أبصرته فالتفت فأبصرته فقمت
إلى الفرس فأسرجته ثم ركبت ونسيت السوط والرمح فقلت لهم ناولونى السوط والرمح فقالوا : لا واقه لا نعينك عليه
بشئى فغضبت فنزلت فأخذتهما ثم ركبت، وفى رواية «وكنت نسيت سوطى فقلت لهم: ناولونى سوطى، فقالوا: لا
فعينك عليه فنزلت فأخذته)، (فحمل عليه) أى وجه الفرس نحوه فأدركه (فعقره) أى قتله، وأصل العقر الجرح، وفى
رواية «فشددت على الخمار فقرته ثم جئت به وقد مات)) وفى أخرى «حتى عقرته فأتيت إليهم فقلت لهم قوموا فاحتملوا
فقالوا لانغمسه فحملته حتى جئتهم به» (ثم) أى بعد طبخه (أكل) أى أبو قتادة منه (فأكلوا) تبعا له (فندموا) لظنهم
أنه لا يجوز للمحرم أكل الصيد مطلقا، وفى رواية لمسلم «فأ كل منه بعض أصحاب رسول الله مزبتكے وأبى بعضهم، وفى
رواية للشيخين ((فأتيت به أصحابى فقال بعضهم: كلوا، وقال بعضهم: لا تأكلوا، قال الحافظ: قد تقدم من عدة
أوجه أنهم أكلوا ، والظاهر أنهم أ كلوا أول ما أتاهم ثم طرأ عليهم الشك كما فى لفظ عثمان بن موهب عن عبد الله بن
أبي قتادة عند البخارى («فأ كلنا من لحمها ثم قلنا: أنأكل من لحم صيد ونحن محرمون؟، وأصرح من ذلك رواية
أبي حازم عند البخارى فى الهبة بلفظ «ثم جئت به فوقوا فيه بأ كلون، ثم إنهم شكوا فى أكلهم إياه وهم حرم؟
(فلما أدركوا رسول اللّه ◌َبثية) أى لحقوه وقد تقدمهم إلى السقيا، قال الحافظ: فى الحديث من الفوائد أن عقر الصيد
ذكاته وجواز الاجتهاد فى زمن النبي مَثك، قال ابن العربى: هو اجتهاد بالقرب من التي تََّ لا فى حضرته، وفيه
العمل بما أدى إليه الاجتهاد ولو تضاد المجتهدان، ولا يعاب واحد منهما على ذلك لقوله: فلم يعب ذلك علينا. وكأن
الآكل تمسك بأصل الاياحة والممتنع نظر إلى الأمر الطارئ، وفيه الرجوع إلى النص عند تعارض الأدلة يعنى
لأن الصحابة بعد ما أكلوا من الحمار الوحشى مجتهدين وحصل لهم شك فى جواز أكلهم رجعوا فى تحقيق ذلك إلى
التي تَُّ (سألوه) أى عن ذلك هل يجوز أكله أم لا؟ وفى رواية عند البخارى ((فأتيت التي تَنَ وهو أمامنا
٣٩٦

مرجة القائيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
قال: هل معكم منه شئى؟ قالوا: معنا رجله نأخذها التى ترفع نأكلها.
فسألته، فقال: كلوه حلال» (قال) أى التي تزيل بعد ما سألهم عن إشارتهم ودلالتهم وقتلهم (هل معكم منه شئى؟
كلوا معنارجة) وفى رواية أبى حازم عند البخارى فى الهبة ((فرحنا وخبأت العضد معى)) وفيه ((فقال معكم منه شئى؟
فناولته العضد نا كلها حتى تعرتها)، وفى رواية المطلب عند سعيد بن منصور ((قد رفعنا لك الذراع فأكل منها) وجمع
بأنه أكل من كليهما (فأخذها) أى رجله (فأكلها) إشارة إلى أن الجواب بالفعل أقوى من القول. قال الحافظ: فيه
الاستيهاب من الأصدقاء وقبول الهدية من الصديق، وقال عياض: عندى أن النبى تُؤثّن طلب من أبى قتادة ذلك قطيبا
لقلب من أكل منه، بيانا الجواز بالقول والفعل لا زالة الشبهة التى حصلت لهم - انتهى. والحديث دليل على جواز أكل
الحمار الوحشى وأنه من الصيد بخلاف الحمار الأهلى فإنه رجس، وأن تمنى المحرم أن يقع من الحلال الصيد ليأكل
المحرم منه لا يقدح فى إحرامه، وأنه يجوز للحرم الأ كل من صيد الحلال إذا لم يصده لأجله ، وهذا یقوى من حمل
الصيد فى قوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر) على الاصطياد، تنبيه: روى أحمد (ج ٥: ص ٣٠٤) وابن ماجه
وعبد الرزاق في مصنفه (ج ٤: ص ٤٣٠) والدار قطنى وإسحاق بن راهويه وابن خزيمة والبيهقى (ج ٥: ص ١٩٠)
من طريق معمر عى يحى بن أبى كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه، قال: خرجت مع رسول اللّه مثله زمن
الحديبية فأحرم أصحابي ولم أحرم أنا فرأيت حمار وحش فحملت عليه فاصطدته، فذكرت شأنه لرسول الله مر ئي وقات
له: إنما اصطدته لك فأمر التي تُّ أصحابه فأكلوه ولم يأكل منه حين أخبرته أنى اصطدته له. قال ابن خزيمة
وأبو بكر النيسابورى والدارقطنى والجوزقى تفرد بهذه الزيادة معمر، قال ابن خزيمة: إن كانت هذه الزيادة محفوظة
احتمل أن يكون وت أكل من لحم ذلك الحمار قبل أن يعلمه أبو قتادة أنه اصطاده من أجله فلما أعلمه امتنع - انتهى.
قال الحافظ: وفيه نظر لأنه لو كان حراما ما أقر التى تؤثّ على الأكل منه إلى أن أعلمه أبو قتادة بأنه ساده
لأجله، ويحتمل أن يكون ذلك لبيان الجوازفإن الذى يحرم على المحرم إنما هو الذى يعلم أنه صيد من أجله، وأما إذا أتى
بلحم لا يدرى ألحم صيد أو لا فحمله على أصل الإباحة فأكل منه لم يكن ذلك حرأما على الآكل. وعندى بعد ذلك فيه
وقفة، فإن الروايات المتقدمة ظاهرة فى أن الذى تأخر هو العضد وأنه مؤتمر أكلها حتى تعرفها أى لم يبق منها إلا العظم
ووقع عند البخارى فى الهبة حتى تقدما أى فرغها ، فأى شئى يبقى منها حينئذ حتى يأمر أصحابه بأكله، لكن رواية
أبى محمد فى الصيد عند البخارى (١٠ بقى معكم شئ منه؟ قلت نعم قال كلوا فهو طعمة أطعمكموها الله)) فأشعر بأنه بقى منها غير
السند والله أعلم - انتهى. وقال الزيلى: قال صاحب التنقيح: والظاهر أن هذا اللفظ الذى تفرد به معمر غلط فإن فى
الصحيحين ((أن النبي ) أكل منه) وفى لفظ لأحمد (ج ٥: ص ٣٠٦) «قلت: هذه الععندقد شويتها وأنضجتها فأخذها
٣٩٧

مرجة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
متفق عليه، وفى رواية لها: فلما أتوا رسول اللّه وَثم قال: أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو
أشار إليها؟ قالوا: لا. قال: فكلوا ما بقى من لحمها.
فنهشها وَفّ وهو حرام حتى فرغ منها) - انتهى. وقال الشيخ محمد عابد السندى فى المواهب اللطيفة: والأولى أن يقال
إن رواية معمر شاذة مخالفته الثقات الأثبات فلا عبرة بها والله أعلم - انتهى. قلت: معمر ثقة لا يضر تفرده وقد تقدم
وجه الجمع بين الروايتين فى كلام ابن خزيمة ، ويشهد الزيادة المذكورة فى رواية معمر حديث جابر الآتى فى الفصل
الثانى (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الجهاد والأطعمة والهبة والحج والمغازى والصيد، ومسلم فى الحج،
واللفظ المذكور للبخارى فى الجهاد، والحديث أخرجه أيضا أحمد (ج .: ص ٣٠١، ٣٠٢، ٣٠٦، ٣٠٧، ٣٠٨)
ومالك وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه، والحميدى (ج ١: ص ٢٠٤) والبيهقى (ج ٥: ص ١٨٧، ١٨٨، ١٨٩)
والدار قطنى وابن الجارود (ص ١٥٣، ١٥٤) والشافعى والطحاوى وغيرهم.ّ(وفى رواية لحما) أى الشيخين المعلوم من
متفق عليه، واللفظ الآتى البخارى فى الحج، ولفظ مسلم «فقال هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشئى؟)) وفى رواية
أخرى له «قال: أشرتم أو أعنتم أو اصدتم، (أ منكم أحد أمره) أى بالصريح أو الدلالة (أن يحمل عليها) قال القارى:
أى على الحمار أو الصيد وتأنيئه باعتبار الدابة، قلت: الضمير راجع إلى الأنان لأنه لا يطلق إلا على الأثى وهى مذكورة
فى رواية البخارى التى هذه تتمتها، وقد ذكرنا لفظها (أو أشار إليها؟) عطف على ((أمره» قال القارى: والفرق بين
الدلالة والإشارة أن الأولى باللسان والثانية باليد، وقيل الأولى فى الغائب والثانية فى الحضور، وقيل كلتاهما بمعنى
واحد - انتهى. وفيه دليل على أن مجرد الأمر من المحرم للصائد بأن يحمل على الصيد، والإشارة منه مما يوجب عدم
لحل لمشاركته للصائد (فكلوا ما يقى من لحمها) قال الحافظ: صيغة الأمر هنا للإباحة لا الوجوب لأنها وقعت جوابا
عن سؤالهم عن الجواز لا عن الوجوب فوقعت الصيغة على مقتضى السؤال ولم يذكر فى هذه الرواية أنه يزفت أكل من
لحمها، وذكره فى الروايات الأخرى كما تقدم، وفى الحديث أنه لا يجوز للحرم الاصطياد ولا الإعانة عليه بدلالة أو
إشارة أو مناولة سلاح أو غير ذلك مما يعين على قتله أو صيده، وفيه جواز أكل المحرم مما صاده الحلال إذا لم يكن من
المحرم إعانة أو إشارة أو دلالة، وهو إجماع إذا لم يصد لأجله فإن صيد لأجله فكذلك عند الجمهور منهم الأئمة الثلاثة
مالك والشافعى وأحمد خلافا للحنفية إذ قالوا يجوز له أكل ما صيد لأجله، وقد تقدم فى أول الباب ذكر الخلاف فى
المسئلة وأن حديث أبي قتادة هذا من مستدلات الحنفية ، فإن ظاهره أنه صادہ لأجل رفتهم الحرمین ، قال القاری فی
شرح النقابة: الأولى فى الاستدلال على المطلوب حديث أبي قتادة فإنهم لما سألوه مَثم لم يجب لله لهم حتى سألهم عن
موانع الحل أ كانت موجودة أم لا، فقال ◌َّ: أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا.
٣٩٨
۔
٠

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
٢٧٢٣ - (٣) وعن ابن عمر، عن النبى صلى الله عليه وسلم،
فقال: فكلوا إذا. فلو كان من الموانع أن يصاد لهم لنظمه فى سلك ما يستل عنه منها فى التفحص عن الموانع ليجيب
بالحكم عند خلوه عنها، وهذا المعنى كالصريح فى نفى كون الاصطياد لهم مانعا - انتهى كلام القارى. وهو مأخوذ من تقرير
ابن الحمام، وذكر بعض الحنفية كلام ابن الحمام وزاد عليه أن العادة قاضية بأن مثل هذا الحيوان أى الحمار الوحشى
فى عظم جته وكثرة لحمه لا يصيده الصائد لأن يأكله هو وحده، وكان أبو قتادة إذ ذاك فى السفر ولم يكن معه إلا
وفقته المحرمون فيغلب على الظن - والله أعلم - أنه كان نوى تشريكهم فى أكله ولا سيما بعد ما علم بقرائن الحال من
تمنيهم اصطياده کما يدل عليه قوله فى بعض الروايات «فلم يؤذنونی به وأحبوا لو أنى أبصرته، انتهى. وأجيب عن
ذلك بأن رواية معمر عند أحمد وابن ماجه وابن خزيمة وغيرهم صريحة فى أنه تمَّه لم يأكل منه حينما أخبره أبو قتادة
بأنه إنما اصطاده لأجله وَل، وهذا يقتضى أن أبا قنادة لم يصده لأجل رفقته وأن الاصطياد لأجل المحرم من موانع
الأكل ولذا امتنع التى تَثّ من أكله وأذن لرفقته فيه، وأما استبعاد أن يصيد أبو قتادة الحمار الوحشى لأجله فقط
دون رفقته فقد أجاب عنه صاحب تيسير العلام بما نصه: قد يستبعد أن يصيد أبو قتادة الحمار الوحفى لأجله وحده
دون رفقته وهو إشكال فى موضعه ، والذى يزيل هذا الإشكال هو أن نفهم أن الصيد عند العرب هواية محببة لديهم
وظرف يتعشقه ملوكهم وكبارهم ، فلا يبعد أن أبا قتادة لما رأى حمر الوحش شاقه طرادها قبل أن يفكر فى أنه سيصيدها
يأكل لحمها هو وأصحابه، وهذا شتى علمناه من أنفسنا فلقد تعبنا فى طراد الصيد وأنفقنا فى سبيله الوقت والمال لذة
وشوقا فإذا ظفرنا به رخص لدينا وذهب خطره من قلوبنا ، والله أعلم.
٢٧٢٣ - قوله (وعن ابن عمر عن النبي ◌َّثَّ) كذا فى رواية مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر عند الشيخين،
وهكذا وقع فى رواية ابن عيينة عن الزهرى عن سالم عن أبيه عند مسلم ، ووقع عند البخارى من رواية أبى
عوانة عن زيد بن جبير قال: سمعت ابن عمر يقول حدثنى إحدى نسوة النبيِ وَع عن النبي مَتي، وعند الشيخين من
رواية يونس عن الزهرى عن سالم قال: قال عبد الله بن عمر قالت حفصة: قال رسول اللّه وَ لَّل: خمس من الدواب-
الحديث. قال الحافظ: هذا والذى قبله قد يوهم أن عبد الله بن عمر ما سمع هذا الحديث من النبي مزثم ولكن وقع
فى بعض طرق نافع عنه («سمعت النبي مَثّل، أخرجه مسلم من طريق ابن جريج، قال: أخبر نى نافع، وقال مسلم بعده؛
. لم يقل أحد عن نافع عن ابن عمر «سمعت، إلا ابن جريج، وتابعه محمد بن إسحاق ثم ساقه من طريق ابن إسحاق عن نافع
كذلك، فالظاهر أن ابن عمر سمعه من أخته حفصة عن النبي ◌َّة، وسمعه أيضا من النبي تَّ يحدث به حين سئل عنه
فقد وقع عند أحمد من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: نادى رجل، ولأبى عوانة فى المستخرج من هذا
٣٩٩

مرجاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد
قال: خمس لا جناح على من قتلهن فى الحرم والإحرام:
الوجه ((أن أعرابيا نادى رسول اللّه وين ما نقتل من الدواب إذا أحرمنا؟، والظاهر أن المبهمة فى رواية زيد بن
جير هى حفصة ، ويحتمل أن تكون عائشة، وقد رواه ابن عيينة عن ابن شهاب فأسقط حفصة من الإسناد، والصواب
إثباتها فى رواية سالم - انتهى. وقال الولى العراقى بعد ذكر اختلاف الروايات فى الصحابى الذى روى هذا الحديث
عن النبي ◌َّى: ولا يضر هذا الاختلاف، فالحديث مقبول سواء كان من رواية ابن عمر عن التى تَّ أو بواسطة
حفصة أو غيرها من أمهات المؤمنين رضى الله عنهن. وقد تقدم من حديث ابن جريج فى صحيح مسلم بسماع ابن عمر
له من النبي ◌َّ (خمس) أى من الدواب، كما فى رواية عند الشيخين، وهى بتشديد الموحدة جمع دابة وهى فى الأصل
ما يدب على وجه الأرض، والهاء البالغة، تقع على المذكر والمؤنث. قال الحافظ: الدواب جمع دابة وهو ما دب من
الحيوان، وقد أخرج بعضهم منها الاير لقوله تعالى (وما من دابة فى الأرض ولا طائر يطير بجناحيه - الأنعام: الآية
٣٨) وحديث الباب يرد عليه فإنه ذكر فى الدواب الخمس الغراب والحدأة، ويدل على دخول الطير أيضا عموم قوله
تعالى ﴿ وما من دابة فى الأرض إلا على الله رزقها - سورة هود: الآية ٧) وقوله تعالى (وكاً بين من دابة لا تحمل
رزقها - العنكبوت: الآية ٦٠) وفى حديث أبى هريرة عند مسلم فى صفة بدء الخلق ((وخاق الدواب يوم الخميس)، ولم
يفرد الطير بذكر، وقد تصرف أهل العرف فى الدابة فمنهم من يخصها بالحمار ومنهم من يخصها بالفرس، وفائدة ذلك
تظهر فى الحلف - انتهى. وقال العينى: الدابة فى الأصل لكل ما يدب على وجه الأرض، ثم نقله العرف العام إلى
ذوات القوائم الأربع من الخيل والبغال والحمير، ويسمى هذا منقولا عرفيا، فإن قلت: فى أحاديث الباب الغراب
والحدأة وليسًا من الدواب، ولو قال من الحيوان لكان أصوب، قلت: أكثر ما ذكر فى أحاديث الباب الدواب فنظر
إلى هذا الجانب - انتهى. وكلمة ((خمس) مرفوع على الابتداء لتخصصها بالصفة وهى قوله ((لا جناح على من قتلهن))
والخبر قوله ((الفارة والغراب)) إلخ، وأما على ما وقع فى الرواية الأخرى بلفظ «خمس من الدواب، فالصفة المخصصة
هى قوله ((من الدواب)) والخبر قوله (لا جناح على من قتاهن) بضم الجيم أى لا إثم ولاجزاء والمعنى لا حرج (فى الحرم)
أى فى أرضه، بفتح الحاء والراء المهملتين وهو الحرم المشهور أى حرم مكة (والإحرام) أى فى حاله، ولفظ الكتاب
لمسلم، أخرجه من رواية ابن عيينة عن الزهرى عن سالم عن أبيه، واللفظ المتفق عليه (خمس من الدواب ليس على المحرم
فى قتلهن جناح، أخرجاه من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر. قال الحافظ: وتؤخذ من الحديث جواز قتلمن
الحلال، وفى الحل من باب الأولى، وقد وقع ذكر الحل صريحا عند مسلم من طريق معمر عن الزهرى عن عروة عن
عائشة بلفظ «يقتلن فى الحل والحرم)، ويعرف حكم الحلال بكونه لم يقم به مانع وهو الاحرام فهو بالجواز أولى - انتهى.
٤٠٠