Indexed OCR Text

Pages 281-300

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٩ - باب
وقد اعترف بذلك بعض الحنفية حيث قال: يلزم على ما قررنا القول بوجوب الترتيب فى الأعمال الأربعة من الرمى
والنحر والحلق والطواف، وكلام أصحابنا صريح فى نفى وجوبه مطلقا فى الطواف دون سائر الأعمال، ولم أجد إلى الآن
مع البحث الشديد فى الفرق بين الطواف وبين الأفعال الثلاثة وجها شافيا، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا - انتهى.
وقد تعرض الزرقانى للجواب عن التعقب المذكور فقال: إن مالكا خص من العموم تقديم الحلق على الرمى
فأوجب فيه الفدية لعلة أخرى وهى إلقاء التفث قبل فعل شئى من التحال وقد أوجب الله ورسوله الفدية على المريض أو
من برأسه أذى إذا حلق قبل المحل مع جوازذلك له لضرورته فكيف بالجاهل والناسى، وخص منه أيضا تقديم الإفاضة على
الرمى لئلا يكون وسيلة إلى النساء والصيد قبل الرمى، ولأنه خلاف الواقع منه صلى الله عليه وسلم ولم يثبت عنده
زيادة ذلك فلا يلزمه زيادة غيره، وهو أثبت الناس فى ابن شهاب، ومحل قبول زيادة الثقة ما لم يكن من
لم يزدها أوثق منه. وابن أبى حفصة الذى روى ذلك عن ابن شهاب وإن كان صدوقا وروى له الشيخان
لكنه يخطئى بل ضعفه النسائى، واختلف قول ابن معين فى تضعيفه ، وكان يحيى بن سعيد
يتكلم فيه - انتهى. وحاصل هذا الجواب أن المراد فى أحاديث الباب بنفى الحرج هو ففى الاثم فقط، وأما وجوب
الدم فى بعض الصورفإنما أو جهمالك أو غيره لدلائل أخرى. قلت : لم يثبت بحديث مرفوع صحيح أو ضعيف وجوب
الدم فى شئ من التقديم والتأخير، وأما ما يذكر فيه من قول ابن عباس أو غيره فسيأتى الجواب عنه، وزيادة الثقة
مقبولة إذا لم يعارض لرواية من هو أوثق منه، ولا معارضة ههنا بين الروايات فيجب قبولها، وقال ابن دقيق العيد:
من قال بوجوب الدم فى العمد والنسيان عند تقديم الحلق على الرمى فإنه يجمل قوله عليه السلام لا حرج على نفى الاثم
ولا يلزم من ففى الاثم نفى وجوب الدم، وادعى بعض الشارجين أن قوله عليه السلام لا حرج ظاهر فى أنه لا شئ
عليه، وعنى بذلك ففى الاثم والدم معا، وفيما ادعاه من الظهور نظر وقد ينازعه خصومه فيه بالنسبة إلى الاستعمال العرفى
فانه قد استعمل «لا حرج، کثیرا فی نفی الاثم وإن كان من حيث الوضع اللغوى يقتضی ننى الضيق، نعم من أوجب
الدم وحمل نفى الحرج على نفى الاثم يشكل عليه تأخير بيان وجوب الدم ، فإن الحاجة تدعو إلى بيان هذا الحكم فلا يؤخر
عنها بيانه، ويمكن أن يقال: إن ترك ذكره فى الرواية لا يلزم منه ترك ذكره فى نفس الأمر - انتهى. قلت: ذكر
هذا الإشكال الحافظ أيضا فقال: تعقب بأن وجوب الفدية يحتاج إلى دليل، ولو كان واجبا لبينه مَّ حينئذ لأنه وقت
الحاجة ولا يجوز تأخيره، وأجاب العينى عن هذا التعقب فقال: لا ثم دليل أقوى من قوله تعالى ﴿ ولا تحلقوا
رؤسكم حتى يبلغ الهدى محله - ٢: ١٩٦) ) وبه احتج النخعى فقال: فمن حلق قبل الذبح اهراق دما ، رواه ابن أبي شيبة
عنه بسند صحيح - انتهى. وقد رد الحافظ هذا الاحتجاج بأن المراد ببلوغ مجله وصوله إلى الموضع الذى يحل ذيجه
1
٢٨١
٠٠٠

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٩٠ - أب
فيه وقد حصل ، وإنما يتم ما أراد أن لو قال: ولا تحلقوا حتى تنحروا - انتهى. وقال ابن حزم. أما قول إبراهيم فى
أن من حلق قبل الذبح والتحر فعليه دم واحتجاجه بقول الله تعالى ﴿ولا تحلقوا رؤسكم)) فغفظة منه، لأن محل الهدى
هو يوم النحر بمنى ذبح أو تحر أو لم يذبح ولا تحر ، إذا دخل يوم النحر والهدى بمنى أو بمكة فقد بلغ محله فحل الحلق
ولم يقل تعالى: حتى تنحروا أو تذبحوا، وبين رسول اللّه مَيفل أن كل ذلك مباح ولا حجة فى قول أحد سواه عليه
السلام - انتهى. وأجاب عن هذا العينى بأنه ليس المراد الكلى مجرد البلوغ إلى المحل الذى يذبح فيه، بل المقصد
الكلى الذبح ، ولذا لو بلغ ولم يذبح يجب عليه الفدية - انتهى. وأجاب بعض الحنفية عن الإشكال المذكور بأنه قد
يترك البيان فى مثل تلك الحالة اعتمادا على القواعد العامة المعلومة من الشرع، ويحسب أن فيها غنية عن بيان المسئلة فى ذلك
الوقت بخصوصه، قال: ونظيره ما رواه البخارى فى صحيحه من طريق هشام بن عروة عن فاطمة عن أسماء بنت أبى بكر
قالت أفطرنا على عهد النبي ◌َّى يوم غيم، ثم طلعت الشمس، قيل لهشام: فأمروا بالقضاء؟ قال: بد من قضاء. وقال معمر:
سمعت هشاما يقول: لا أدرى أقضوا أم لا . قال الحافظ : جزم هشام بالقضاء محمول على أنه استند فيه إلى دليل آخر ،
وأما حديث أسماء فلا يحفظ فيه إثبات القضاء ولا نفيه - انتهى. قال هذا البعض: فالقضاء واجب فى تلك الصورة عند
جمهور الأمة ولكن لم يبينه ، ێه فى ذلك الوقت مع احتياج الناس إليه ، ولو بينه لنقل إلينا ، وهكذا هو فى حديث الباب
قلت: لم يعرف عن النبي ◌َّ قبل ذلك بان قاعدة عامة أو خاصة تدل على وجوب الدم فى مثل تلك الحالة ، وتغنى عن
البيان فى ذلك الوقت أى فى ابتداء الإسلام حينما كان الناس محتاجين إلى تقرير قواعد الحج فسكوته مَثم عن البيان
حين ذاك دليل على عدم وجوب الفدية على من خالف الترتيب ، وأما تنظير ذلك بما رواه البخارى من حديث أسماء
فليس فى محله ، فإنه ليس فيه إثبات قضاء الصوم ولا نفيه، وإنما رجح الجمهور إيجاب القضاء فيه خلافا لمجاهد والحسن
وإسحاق وأحمد في رواية وابن خزيمة بأنه لو غم هلال رمضان فأصبحوا مفطرين ثم تبين أن ذلك اليوم من رمضان
فالقضاء واجب بالاتفاق فكذلك هذا ، وأما ما نحن فيه فقد بین النبي ژێے حكم ذلك بقوله («لا حرج» وهو يدل دلالة
لا لبس فيها على أن من قدم أو أخر لا شئى عليه من إثم ولا فدية ، لأنه نكرة فى سياق النفى ركبت مع لا فبقيت على
الفتح والنكرة إذا كانت كذلك فهى صريح فى العموم ، فالأحاديث إذن نص صريح فى عموم النفى لجميع أنواع الحرج
من إثم وفدية. قلت: واستدل بعضهم على كون المرادبنفى الحرج فى الحديث فى الاثم فقط لا غيره بما وقع فى حديث
أسامة بن شريك الآتى من الاستثناء بقوله: إلا على رجل افترض عرض رجل مسلم وهو ظالم، فذلك الذى حرج وهلك
قالوا : فيه دلالة ظاهرة على أن الحرج المنفى فى الحديث هو الاثم والفساد فقط لا الفدية ونحوها. ويمكن أن يحاب
عن ذلك بأن هذا الاستدلال إنما يتم إذا كان الاستثناء فى هذا الحديث متصلا، وأما إذا كان منقطعا فلا كما لا يخفى فافهم.
٢٨٢

مرعاة المفاتيح ج!
١٠ - كتاب المناسك
٩ - باب
واحتج بعضهم لذلك أیضا بأن ابن عباس رویمثل حديثعبد الله بن عمرو كما سيأتى ، وأوجب الدم ،فقد روى الطحاوى
بسنده عنه أنه قال: من قدم شيئا من حجه أو أخره فظيهرق لذلك دما، فلولا أنه فهم أن المراد بنفى الحرج ففى الاثم فقط دون الفدية لما
أمر بخلافه ، و فیہ أنه قد روى عن ابن عباس مرفوعا ما يعارضه فقدروى البيهقى (ج٥: ص ١٤٣) عن أبى الحسن العلوى
عن عبد الله بن محمد بن شعيب البزمهرانى عن أحمد بن حفص بن عبد الله عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان عن خالد الحذاء
عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: سأل رجل رسول اللّه عَّة - الحديث. وفيه («فما علمته سئل عن شئى يومئذ إلا قال لا
حرج ولم يأمر بشئى من الكفارة» قال البيهقى: هذا إسناد صحيح، وروى البيهقى أيضا (ج ٥: ص ١٤٣، ١٤٤) بسنده
عن ابن عباس قال قال النبي مَثم من قدم من نسكه شيئا أو أخر فلا شئى عليه، قال الشيخ محمد عابد السندى فى المواهب
اللطيفة بعد ذكره: هذا مرفوع مقدم على موقوفه - انتهى. وأجاب ابن التركمانى عن الرواية الأولى بأن الزيادة
المذكورة وهى قوله «ولم يأمر بشئ من الكفارة، غريبة جدا لم أجدها فى شئ من الكتب المتداولة بين أهل العلم، وشيخ
البيهقى وشيخ شيخه لم أعرف حالهما بعد الكشف والتبع إلى آخر ما قال. وأجاب بعضهم عن الرواية الثانية بأنه أى
شئى يزيد فيه على حديثه المرفوع الذى سيأتى بلفظ لا حرج؟ فقوله ((لا شئى عليه)) أيضا يحمل على ما حملنا عليه قوله ((لا حرج)) أى لا
شئ عليه من الأثم وإعادة فعل فعله على غير الترتيب. قال: والظاهر أن حديث البيهقى مختصر من حديث الباب ، قد اختصره
بعض الرواة ورواه بالمعنى - انتهى، ومن الوجوه التى اعتذروا بها عن أحاديث الباب أن فتوى الراوى إذا كان
مخالفا لروايته يعمل بفتواه ، وهذا ابن عباس الراوى لحديث الباب قدافتى بوجوب الدم كما تقدم ، وتعقب بأن الطريق
بذلك إلى ابن عباس فيها ضعف، وأيضا قدروى عنه ما يعارض فتواه صريحا كما تقدم أيضا وأيضا قد روى البيهقى بسنده
عن مقاتل أنهم سألوا أنس بن مالك عن قوم حلقوا من قبل أن يذبحوا، قال: أخطأتم السنة ولا شئ عليكم. وهذا كما
ترى مخالف لفتوى ابن عباس وموافق لحديثه المرفوع، وأيضا نحن متعبدون بما بلغ إلينا من الحديث ولم تتعيد برأى
الراوى أو بما فهمه كما بسطه ابن القيم فى الإعلام والعلامة القنوجى فى حصول المأمول، ومنها أن أحاديث الباب
معارضة لدلالة آية الأذى فإن الله تعالى إذ أوجب الفدية لعذر الأذى فكيف بدون العذر. قال ابن رشد فى البداية:
وعمدة مالك أن رسول اللّه ◌َيّ حكم على من حلق قبل محله من ضرورة بالفدية فكيف من غير ضرورة - انتهى.
و تعقبه ابن الهام فقال : أما الاستدلال بدلالة قوله تعالى (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه - ٢: ١٩٦)
الآية. فإن إيجاب الفدية للحلق قبل أوانه حالة العذر يوجب الجزاء مع عدم العذر بطريق أولى، فمتوقف على أن ذلك
التأقيت الصادر عنه مَّة بالقول كان لتعيينه لا لاستنانه ـ انتهى. وأما ما قال مالك فى باب الحلاق من موطأه: الأمر
الذی لا اختلاف فیه عندنا أن أحدا لا یحاق رأسه ولا یأخذ من شعره حتی ینحر ھدیا إن كان معه ولا يحل من شئ حرم
٢٨٣٠

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠- كتاب المناسك
٩ - باب
عليه حتى يحل بمنى يوم النحرذلك أن الله تعالى قال ( ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدى محله)) فهو محمول على كرامة
التنزيه والسنة والاستحباب على ما هو المشهور من مذهب مالك، ومنها ما قال ابن الهمام أن قول القائل: لم أشعر ففعلت ،
ما يفيد أنه ظهر له بعد فعله أنه منوع من ذلك فلذا قدم اعتذاره على سؤاله وإلا لم يسأل أو لم يعتذر، لكن
قد يقال: يحتمل أن الذى ظهر له مخالفة ترتيبه لترتيب رسول اللّه مؤهل فظن أن ذلك الترتيب متعين فقدم ذلك الاعتذار
وسأل عما يلزمه به فبين عليه الصلاة والسلام فى الجواب عدم تعينه عليه بنفى الحرج وأن ذلك الترتيب مسنون لا واجب،
والحق أنه يحتمل أن يكون كذلك، وأن يكون الذى ظهر له كان هو الواقع إلا أنه صلى الله عليه وسلم عذرهم للجهل
وأمرهم أن يتعدوا مناسكهم ، وإنما عذرهم بالجهل لأن الحال إذ ذاك كان فى ابتداءه، وإذا احتمل كلا منهما فالاحتياط
اعتبار التعيين والأخذ به واجب فى مقام الاضطراب-انتهى. ومنها أن قوله ((ولا حرج، يحتمل أن يراد به نفى الإثم
والفدية معا عن هؤلاء السائلين الذين جهلوا الحكم الشرعى بأعيانهم لكون الجهل عذرا مقبولا فى حقهم إذ ذاك ، وإن
لم يكن عذرا اليوم لشيوع الأحكام الشرعية وقدم العهد بها. روى الطحاوى عن أبى سعيد الخدرى قال: سئل رسول
اللّه مَثّ وهو بين الجمرتين عن رجل حلق قبل أن يرمى، قال: لا حرج، وعن رجل ذبح قبل أن يرمى، قال: لا
حرج، ثم قال: عباد الله! وضع الله عز وجل الضيق والحرج، وتعلموا مناسككم فإنها من دينكم. قال العينى: فدل
ذلك على أن الحرج الذى رفعه الله عنهم إنما كان لجهلهم بأمر المناسك لا لغير ذلك، وذلك لأن السائلين كانوا أناسا
أعرابا لاعلم لهم بالمناسك فأجابهم رسول اللّه مَّ بقوله لا حرج يعنى فيما فعلتم بالجهل لا أنه أباح لهم ذلك فيما بعد -
انتهى. وقال الطحاوى بعد رواية الحديث أفلا ترى أنه أمرهم بتعلم مناسكهم لأنهم كانوا لا يحسنونها فدل ذلك أن
الحرج والضيق الذى رفعه الله عنهم هو لجهلهم بأمر مناسكهم لا لغير ذلك، وفيه أن حاصل هذا الاعتذار أن رفع
الاثم والفدية عن السائلين الأعراب كان لجهلهم ويرجع ذلك إلى أن يكون الحكم المذكور خاصا بهم ولا يخفى ما فيه،
ومنها ما تقدم فى كلام الباجى وابن التين أن ذلك لا يقتضى رفع الحرج فى تقديم شئ ولا تأخيره غير المسألتين
المنصوص عليهما یعنی المذكورتین فی رواية مالك، لأنا لا ندری عن أى شئى غيرهما سئل فى ذلك اليوم ، وجوابه إنما
كان عن سؤال السائل فلا يدخل فيه غيره ـ انتهى. وتعقبه الحافظ فقال: كمأنه غفل عن قوله فى بقية الحديث:
فما سئل عن شئی قدم ولا أخر. و کأنه حمل ما أبهم فيه على ما ذكر لکن قوله فى رواية ابن جريج وأشباه ذلك يرد
عليه، وتقدم فيما حررناه من مجموع الأحاديث عدة صور - انتهى. وأجاب عنه الزرقانى بأن مالكا أوجب الدم فى تقديم
الإفاضة على الرمى لأنه لم يقع فى روايته حديث الباب ولا يلزم بزيادة غيره، لأنه أثبت الناس فى ابن شهاب، وأوجب
الفدية فى تقديم الحلق على الرمى لوقوعه قبل شئى من التحلل - انتهى، وفيه أن الإمام مالكا معذور لكونه لم يبلغه ما
٢٨٤

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٩- باب
منفق عليه. وفى رواية مسلم: أتاه رجل، فقال: حلقت قبل أن أرمى. قال: ارم ولا حرج.
وأناه آخر، فقال: أفضت إلى البيت قبل أن أرمى. قال: ارم ولا حرج.
٢٦٨٠ - (٢) وعن ابن عباس، قال: كان النبى معَّثم يسأل يوم النحر بمنى، فيقول: لا حرج.
فسأله رجل فقال: رميت بعد ما أمسيت. فقال: لا حرج.
وقع عند غيره من أصحاب الزهرى، وأما المالكية ومن وافقهم فلا عذر لهم فى ترك القول والعمل بما رواه غيره من
الرواة الثقات الأثبات عن الزهرى زيادة على رواية مالك ، وأما ما ذكر من التعليل لا يجاب الدم فى تقديم الحلق على
الرمى فهو مما لا يلتفت إليه بعد وروده فصا فى الحديث لكونه فى مقابلة النص، وأيضا إذا كان الحلق نسكا كان هو
من أسباب التحلل (متفق عليه) أخرجه البخارى فى العلم والحج والنذور ومسلم فى الحج بألفاظ مختلفة المذكور ههنا
أحدها، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢: ص ١٦٠، ٢٠٢،١٩٢، ٢١٠) ومالك والترمذى وأبو داود والنسائي وابن ماجه
والطحاوى وابن الجارود (ص ١٧٥،١٧٤) والدارمى والبيهقى (ج ٥: ص ١٤٢٠١٤١) (وفى رواية لمسلم) رواها من طريق
محمد بن أبى حفصة عن الزهرى وكذا أخرجه من طريقه أحمد (ج ٢: ص ٢١٠) وابن أبى حفصة هذا من رجال الصحيحين
ومن أصحاب الزهرى المشهورين، وثقه ابن معين وأبو داود وقال على بن المدينى: ليس به باس، وذكره ابن حبان فى
الثقات وقال: يخطئى. وقال النسائى: ضعيف، وهذا جرح مبهم على أن النسائى متعنت فلا يلتفت إلى تضعيفه (أتاه رجل
فقال: حلقت قبل أن أرمى، قال: ارم ولا حرج، وأناه آخر فقال: أفضت إلى البيت قبل أن أرمى، قال ارم ولا حرج)
قد تقدم أن الترتيب بين الرمى والذبح والحلق للقارن والمتمتع وبين الرمى والحلق للفرد واجب عند الحنفية ، وأما
الترتيب بين الرمى والطواف وبين الحلق والطواف فليس بواجب عندهم، ففرقوا بين الطواف وبين الأشياء الثلاثة فى
ذلك من أنه وقع فى جملة الروايات السؤال عن جميع هذه الصور وورد الجواب فى كلها بلفظ «لا حرج)) وقد تقدم
ما قال بعضهم أنه لم يجد مع البحث الشديد للفرق بين الطواف وبين الأفعال الثلاثة وجها شافيا، ورواية مسلم هذه
صريحة فى الرد على المالكية إذ نفى فيها الحرج فى تقديم الحلق والإفاضة على الرمى، وقد سبق ما أجاب به الزرقانى عنها .
٢٦٨٠ - قوله ( كان النبي مَث يسئل يوم النحر بمنى) أى عن التقديم والتأخير (فيقول: لا حرج، فسأله
رجل فقال: رميت بعد ما أمسيت. فقال: لا حرج) قد تقدم فى شرح حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال
الحافظ بعد ذكر رواية ابن عباس هذه: إنها تدل على أن هذه القصة كانت بعد الزوال لأن المساء يطلق على ما بعد
الزوال، وكأن السائل على أن السنة للحاج أن يرمى الجمرة أول ما يقدم ضحى، فلما أخرها إلى بعد الزوال سأل عن ذلك.
انتهى. وقال الشوكانى: قوله «رميت بعد ما أمسيت)، فيه دليل على أن من رمى بعد دخول وقت المساء وهو الزوال
صح رميه ولا حرج عليه فى ذلك. قلت: وقد تقدم فى شرح حديث ابن عباس فى الفصل الثانى من باب الدفع من
٢٨٥

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٩- باب
رواه البخارى
( الفصل الثانى ).
٢٦٨١ - (٣) عن على، قال: أتاه رجل، فقال: يا رسول الله! إنى أفضت قبل أن أحلق. قال:
احلق أو قصر ولا حرج. وجاء آخر، فقال: ذبحت قبل أن أرمى. قال: ارم ولا حرج.
عرفة أنهم اختلفوا فيمن فاته يوم النحر ولم يرم الجمرة حتى غربت الشمس، فمن قائل يرميها ليلا وهو أبو حنيفة ومالك
ومن وافقهما . ومن قائل لا يرميها ليلا ولكن يؤخر رميها حتى تزول الشمس من الغد وهو الإمام أحمد ، ومن ذهب
إلى جواز الرمى ليلا استدل بحديث ابن عباس هذا، قال: لأن اسم المساء يصدق بجزء من الليل، بل قال بعضهم: إن
المساء من بعد الغروب. قال القارى: قوله ((أمسيت)) ضد ((أصبحت)) على ما فى القاموس، فظاهره أنه بعد الغروب،
وأجاب الذين ذهبوا إلى عدم جوازالرمى ليلا بأن قوله «يوم النحر، فى هذا الحديث يدل على أن السؤال وقع فى النهار،
والرمى بعد الامساء وقع فى النهار، لأن المساء يطلق لغة على ما بعد وقت الظهر إلى الليل، قالوا: فالحديث صريح فى
أن المراد بالإمساء فيه آخر النهار بعد الزوال لا الليل وإذن فلا حجة فيه الرمى ليلا (رواه البخارى) فى باب الذيخ
قبل الحلق من طريق عبد الأعلى عن خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس. وفى باب ((إذا رمى بعد ما أمسى)) من
طريق يزيد بن زريع عن خالد عن عكرمة ، وكذا رواه أبو داود والنسائى وابن ماجه والدار قطنى والطحاوى والبيهقى
(ج ٥: ص ١٤٣) وزاد البيهقى فى روايته «ولم يأمر بشتى من الكفارة)، وقد ذكرناها قبل ذلك مع ما أجاب به عنها
ابن التركمانى ، ولحديث ابن عباس فى السؤال عن التقديم والتأخير طرق وألفاظ عند الشيخين ، من شاء الوقوف عليها
وجع إلى جامع الأصول (ج ٤: ص ١١١،١١٠) وقد أخرجه أيضا الدار قطنى وأحمد بألفاظ مختلفة مختصرا ومطولا
(ج ١ : ص ٢١٦، ٢٥٨، ٣٠٠،٢٩١،٢٦٩، ٣١٦،٣١١)
٢٦٨١ - قوله (أتاه) أى النبي مَثيمٍ (إنى أفضت) أى طفت طواف الإفاضة (قبل أن أحلق، قال: احلق
أوقصر) ((أو)) للتخيير (ولا حرج) أى إلاإإثم ولا فدية (وجاء آخر فقال: ذبحت (قبل أن أومى، قال: ارم ولا حرج)
قال القارى: أى لا إثم ولا فدية على المفرد، وأما القارن والمتمتع فليس عليهما الاثم إذا لم يكن عن عمد لكن عليهما
الكفارة - انتهى. قلت: إنما فسر القارى بذلك لأنه لا ذبح على المفرد ولا يجب الترتيب عليه عند الحنفية إلا فى
الرمى والحلق فقط، وأما القارن والمتمتع فيجب عليهما الترتيب فى الرمى والذبحاو الحلق. قال الخطابي: وتأول بعض
من ذهب إلى هذا القول (أى وجوب الدم: في التقديم والتأخير) من أصحاب الرأى قوله «اوم ولا حرج، على أنه أراد
رفع الحرج فى الاثم دون الفدية، قال: وقد يجوز أن يكون هذا السائل مفردا فلا يلزمه دم، وإذا كان متطوعا بالدم
٢٨٦
1

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٩ - باب
رواه الترمذى .
( الفصل الثالث )؟
حاجا ، فكان الناس
٢٦٨٢ - (٤) عن أسامة بن شريك، قال: خرجت مع رسول الله
يأتونه، فمن قائل: يا رسول الله! سعيت قبل أن أطوف، أو أخرت شيئا أو قدمت شيئا. فكان
يقول: لا حرج، إلا على رجل
لم يلزمه فى تقديمه وتأخيره شتى. قلت (قاتله الخطابى): قوله ((لا حرج، ينتظم الأمرين جميعا الإثم والفدية لأنه كلام
عام، وكان أصحاب رسول الله تَّى إما متمتعين أو قارنين على ما دلت عليه الأخبار، والدم على القارن والمتمتع واجب،
على أن السائل عن هذا الحكم لم يكن رجلا واحدا فقط، إنما كانوا جماعة، ألا تراه يقول (فى حديث أسامة بن شريك):
فمن قائل أخرت شيئا أو قدمت شيئا، وهؤلاء لا يتفق أن يكونوا كلهم مفردين، فكان هذا الاعتراض غير لازم -انتهى.
(رواه الترمذى) فى حديث طويل فى صفة الحج فى «باب أن عرفة كلها موقف، وأشار إليه فى «باب من حلق قبل أن
يذبح أو تحر قبل أن يرمى، حيث قال بعد إيراد حديث عبد الله بن عمرو: وفى الباب عن على، إلخ. والحديث قد
صححه الترمذى ورواه أيضا الطحاوى (ج ١، ص ٤٢٣) بهذا اللفظ وأحمد (ج ١ : ص ٧٥، ٧٦) باختلاف يسير ،
ورواه عبد الله بن أحمد من غير طريق أبيه (ج ١: ص ٧٦) «ثم أناه رجل فقال: إنى رميت الجمرة وأفضت ولبست
ولم أحلق ، قال فلا حرج فاحلق، ثم أناه رجل آخر فقال: إنى رميت وحلقت ولبست ولم أتحر فقال: لا حرج فانحر،
وهكذا أخرجه الطحاوى أيضا (ج ١: ص ٤٢٤).
٢٦٨٢ - قوله (عن أسامة بن شريك) الثعلى بالمثلثة والمهملة من بنى ثعلبة بن سعد، وقيل من ثعلبة بن يربوع،
وقيل من ثعلبة بن بكر بن وائل ، والأول أصح، صحابى عداده فى أهل الكوفة ، روى عنه زياد بن علاقة وعلى بن
الأقمر، وقال الأزدى وسعيد بن السكن والحاكم وغيرهم: لم يرو عنه غير زياد ، وقال الحافظ فى التقريب: تفرد
بالرواية عنه زياد بن علاقة على الصحيح. قال الخزرجى: له ثمانية أحاديث (خرجت مع رسول الله مرثية حاجا) أى مريدا
للحج (سعيت) أى للحج عقيب الا حرام بعد طواف قدوم الآفاقى أو طواف تغل للكى (قبل أن أطوف) أى طواف الإفاضة.
قال القارى: وهو بظاهره يشمل الآفاقى والمكى وهو مذهبنا على اختلاف فى أفضلية التقديم والتأخير، خلافا الشافعى
حیث قيده بالآفاقی (أو أخرت شيئا أو قدمت شيئا) أی فی أفعال أیام منی (فكان يقول : لا حرج) کذا فى جميع نسخ
المشكاة وهكذا ذكره الجزرى فى جامع الأصول ، والذی فی سنن أبي داود ((لا حرج، لا حرج، أى مرتين. قال
القارى: أى لا إثم (إلا على رجل) قال القارى: الاستثناء يؤيد أن معنى الحرج هو الإثم، وقد تقدم الكلام على هذا
٢٨٧

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
اقترض عرض مسلم وهو ظالم، فذلك الذى حرج وهلك. رواه أبو داود.
(١٠) باب خطبة يوم النحر، ورمى أيام التشريق، والتوديع
( الفصل الأول )!
٢٦٨٣ - (١) عن أبى بكرة، قال: خطبنا النبي صلى اللّه عليه وسلم يوم النحر،
وعلى مسئلة تقديم السعى على الطواف (اقترض) بالقاف والضاد المعجمة ، أى اقتطع افتعال من القرض، وهو القطع ،
وسمى المقراض لأنه يقطع، وقرض الفار قطع (عرض مسلم) كذا فى جميع النسخ، والذی فی سنن أبي داود «عرض
رجل مسلم، والعرض بكسر العين المهملة وسكون الراء يعنى نال منه وعابه وقطعه بالغيبة ونحوها (وهو) أى والحال أن
ذلك الرجل (ظالم) فيخرج جرح الرواة والشهود فإنه مباح (فذلك الذى) أى الرجل الموصوف (حرج) بكسر الراء
أى وقع منه حرج (وهلك) أى بالإثم، والعطف تفسيرى (رواه أبو داود) وسكت عنه هو والمنذرى وأخرجه أيضا
الطحاوى (ج ١: ص ٢٢٣، ٢٢٤) والدار قطنى (ص ٢٦٨) والبيهقى (ج ٥: ص ١٤٦).
(باب خطبة يوم النحر) بضم الخاء المعجمة ، مصدر خطب يخطب خطابة وخطبة ، أى وعظ ، ويطلق على
الكلام الذى يخطب به، كذا فى القاموس. وفى عرف الشرع عبارة عن كلام يشتمل على الذكر والتشهد والصلاة
والوعظ (ورمى أيام التشريق) عطف على خطبة، وأيام التشريق هى ثلاثة أيام بعد يوم النحر ، أولها اليوم الحادى عشر
من ذى الحجة ، وسميت هذه الأيام أيام التشريق لكثرة تشريق اللحم فى الشمس فيها بعد تقطيعه وتقديده ، وقيل:
لأن الهدايا والضحايا تقع فيها وابتداؤها من يوم النحر بعد شروق الشمس، فانسحب عليها اسم التشريق ، وهذا
القول اختاره أبو عبيد القاسم بن سلام. واليوم الأول من هذه الأيام الثلاثة يقال له: يوم القر، لأن الناس يستقرون
فيه بمنى ، وسمى يوم الرؤس أيضا لأن الناس يأكلون فيه رؤس ذباتحهم يوم النحر. واليوم الثانى سعى يوم النفر
الأول ويقال له: يوم الأكارع، واليوم الثالث يقال له: يوم النفر الآخر، ذكره الطبرى. وقال الجزرى: وإنما
سميت بذلك لأنهم كانوا يشرقون فيها لحوم الأضاحى أى يقطعونها ويقددونها، وتشريق اللحم تقديده، وقيل سميت بذلك
لقولهم: أشرق ثبير كيما فغير. وقيل: سميت بذلك لأن الهدى لا يذبح ولا ينحر حتى تشرق الشمس - انتهى. وفى
اللسان: لأن لحم الأضاحى يشرق فيها الشمس (والتوديع) عطف على رمى أو خطبة، قال فى القاموس: ودعه كوضعه
وودعه (بتشديد الدال) بمعنى، والاسم الوداع، يقال: ودع المسافر القوم وودعهم أى خلفهم خافضين ، وقال فى
العناية: الوداع - بفتح الواو - اسم التوديع كسلام وكلام.
٢٦٨٣ - قوله (عن أبى بكرة) الثقفى الصحابى اسمه نفيع بن الحارث (خطبنا النبي مَث يوم النحر) فيه دليل
٢٨٨

مرعاة المفاتيح ج٩
١
١٠ - كتاب المناسك ١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
على مشروعية الخطبة يوم النحر. ويدل عليه أيضا حديث ابن عمر عند البخارى قال: وقف رسول اللّه مَث يوم النحر
بين الجمرات فى حجة الوداع فقال: أى يوم هذا - الحديث ، وحديث ابن عباس عند البخارى وغيره أن رسول الله
خطب الناس يوم النحر فقال: يا أيها الناس أى يوم هذا؟ وحديث جابر عند أحمد، قال: خطبنا رسول اللّه مَّ يوم
التحر فقال أى يوم أعظم حرمة؟ وحديث الهرماس بن زياد الباهلى قال رأيت رسول اللّه مَ ◌ّه يخطب الناس على ناقته
العضباء يوم الأضحى بمنى. أخرجه أحمد (ج ٣: ص٤٨٥، وج ٥: ص٧) وأبوداود . وحديث أبى أمامة عند أبى داود
قال: سمعت خطبة النبي ◌َّهُ بمنى يوم النحر، وحديث رافع بن عمرو المزنى الآتى فى الفصل الثانى من هذا الباب قال:
رأيت رسول الله مَّ فى حجة الوداع يوم النحر يخطب على بغلة شهباء، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه شهد
النبي ◌َّ يخطب يوم النحر فقام إليه رجل - الحديث. أخرجه الشيخان وغيرهما. وهذه الأحاديث نص فى مشروعية
الخطبة فى يوم النحر وهى ترد على من زعم أن يوم النحر لا خطبة فيه للحاج ، وأن المذكور فى أحاديث الباب إنما هو
من قبيل الوصايا العامة لا أنه خطبة من شعار الحج. ووجه الرد أن الرواة سموها خطبة كما سموا التى وقعت
بعرفات خطبة، وقد اتفق على مشروعية الخطبة بعرفات، ولا دليل على ذلك إلا ما روى عنه ◌َّ أنه خطب بعرفات،
والقائلون بعدم مشروعية الخطبة يوم النحر هم المالكية والحنفية، وقالوا خطب الحج ثلاث: سابع ذى الحجة ويوم
عرفة، وثانى يوم النحر، ووافقهم الشافعية إلا أنهم قالوا بدل ثانى النحر ثالثه، وزادوا خطبة رابعة وهى يوم النحر. قال
الامام الشافعى: وبالناس إليها حاجة ليتعلموا أعمال ذلك اليوم من الرمى والذبح والحلق والطواف. وتعقبه
الطحاوى بأن الخطبة المذكورة ليست من متعلقات الحج لأنه لم يذكر فيها شيئا من أعمال الحج وإنما ذكر فيها وصايا
عامة ، قال: ولم ينقل أحد أنه علمهم فيها شيئا مما يتعلق بالحج يوم النحر فعرفنا أنها لم تقصد لأجل الحج. وقال ابن
القصار: إنما فعل ذلك من أجل تبليغ ما ذكره لكثرة الجمع الذى اجتمع من أقاصى الدنيا فظن الذى رآه أنه خطب ،
قال: وأما ما ذكره الشافعى أن بالناس حاجة إلى تعليمهم أسباب التحلل المذكورة فليس بمتعين، لأن الامام يمكنه أن
يعلمهم إياها يوم عرفة - انتهى. وأجيب بأنه نبه موطئه فى الخطبة المذكورة على تعظيم يوم النحر وعلى تعظيم شهر
ذى الحجة وعلى تعظيم البلد الحرام ، وقد جزم الصحابة المذكورون بتسميتها خطبة كما تقدم، فلا يلتفت إلى تأويل غيرم،
وما ذكره من إمكان تعليم ما ذكر يوم عرفة يعكر عليه كونه يرى مشروعية الخطبة ثانى يوم النحر ، وكان يمكن أن
يعلموا يوم التروية جميع ما يأتى بعده من أعمال الحج، لكن لما كان فى كل يوم أعمال ليست فى غيره شرع تجديد التعليم
بحسب تجدد الأسباب. وقد بين الزهرى وهو عالم أهل زمانه أن الخطبة ثانى يوم النحر نقلت من خطبة يوم النحر، وأنذلك من
عمل الأمراء يعنى من بنى أمية كما أخرج ذلك ابن أبى شيبة عنه، وهذا وإن كان مرسلا لكنه معتضد بما سبق وبان به أن السنة
٢٨٩

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
١٠ - كتاب المناسك
قال: إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض،
الخطبة يوم النحر لا ثانيه. وأما قول الطحاوى أنه لم يعلمهم شيئا من أسباب التحلل فلا ينفى وقوع ذلك أو شئى منه
فى نفس الأمر، بل قد ثبت فى حديث عبد الله بن عمرو بن العاص كما تقدم أنه شهد النبى مريم يخطب يوم النحر، وذكر
فيه السؤال عن تقديم بعض المناسك على بعض فكيف ساغ الطحاوى هذا النفى المطلق مع روايته هو لحديث عبد الله بن
عمرو، وثبت أيضا فى بعض أحاديث الباب أنه تمَّثم قال للناس حينئذ: خذوا عنى مناسككم. فكانه وعظهم بما وعظهم
به وأحال فى تعليمهم على تلقى ذلك من أفعاله، أفاده الحافظ. قلت: حديث رافع بن عمرو المزنى الآتى بلفظ «رأيت
رسول اللّه ◌َ يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء، يدل على أن الخطبة المذكورة كانت وقت
الضحى يعنى قبل طواف الإفاضة وهو مشكل على مذهب الشافعية حيث قالوا: إنه يسن أن يخطب الإمام أو نائبه
الناس بعد صلاة الظهر يوم النحر بمنى بعد طواف الإفاضة ، وقد تقدم التنبيه على ذلك فى شرح حديث عبد الله بن عمرو.
فى الباب الذى قبل هذا (إن الزمان) هو اسم لقليل الوقت وكثيره، والمراد هنا السنة (قد استدار) أى دار ( كهيئته)
قال الطبى: الهيئة صورة الشئى وشكله وحالته، والكاف صفة مصدر محذوف أى استدار استدارة مثل حالته (يوم خلق الله
السموات) أى وما فيها من النيرين الذين بهما تعرف الأيام والليالى والسنة والأشهر (والأرض) قال القارى: أى عاد
ورجع إلى الموضع الذى ابتدأ منه يعنى الزمان فى انقسامه إلى الأعوام والأعوام إلى الأشهر عاد إلى أصل الحساب
والوضع الذى اختاره الله تعالى ووضعه يوم خلق السموات والأرض. وقال بعض المحققين من علمائنا (الحنفية) أى
دار على الترتيب الذى اختاره الله تعالى ووضعه يوم خلق السموات والأرض، وهو أن يكون كل عام اثنى عشر شهرا
وكل شهر ما بين تسعة وعشرين إلى ثلاثين يوما ، وكانت العرب فى جاهليتهم غيروا ذلك فجعلوا عاما اثنى عشر شهرا ،
وعاما ثلاثة عشر فإنهم كانوا ينسون الحج فى كل عامين من شهر إلى شهر آخر بعده ويجعلون الشهر الذى أنسؤه ملغى،
فتصير تلك السنة ثلاثة عشر ، وتتبدل أشهرها فيحلون الأشهر الحرم ويحرمون غيرها كما قال تعالى فى سورة التوبة (إنما
النسئى زيادة فى الكفر - الآية ٣٧) فأبطل اللّه ذلك وقرره على مداره الأصلى فالسنة التى حج فيها رسول اللّه مؤله حجة
الوداع هى السنة التى وصل ذو الحجة إلى موضعه فقال النبى مَوفية: إن الزمان قد استدار كهيئته، يعنى أمر الله أن يكون
ذو الحجة فى هذا الوقت، فاحفظوه واجعلوا الحج فى هذا الوقت ولا تبدلوا شهرا بشهر كعادة أهل الجاهلية - انتهى
وقال النووى ، قال العلماء: معناه أنهم فى الجاهلية يتمسيكون بملة إبراهيم مؤثر فى تحريم الأشهر الحرم وكان يشق عليهم
تأخير القتال ثلاثة أشهر متواليات وهى ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، فكانوا إذا احتاجوا إلى قتال أخروا تحريم
المحرم إلى الشهر الذى بعده وهو صفر، ثم يؤخرونه فى السنة الأخرى إلى شهر آخر، وهكذا يفعلون فى سنة بعد سنة
٢٩٠
٠

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب
مضر الذى بين جمادى، وشعبان.
حتى اختلط عليهم الأمر وصادفت حجة النبي مَثّ تحريمهم، وقد تطابق الشرع، وكانوا فى هذه السنة قد حرموا ذا الحجة
لموافقة الحساب الذى ذكرنا، فأخبر النبي مَثم أن الاستدارة صادفت ما حكم الله تعالى به يوم خلق السموات والأرض،
وقال أبو عبيد: كانوا ينسون أى يؤخرون، وهو الذى قال الله تعالى فيه (إنما التسمى زيادة فى الكفر) فربما احتاجوا
إلى الحرب فى المحرم فيؤخرون تحريمه إلى صفر ، ثم يؤخرون صفرا فى سنة أخرى فصادف تلك السنة رجوع المحرم
إلى موضعه - انتهى. وقال البيضاوى: كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلوه وحرموا مكانه شهرا آخر حتى
رفضوا خصوص الأشهر واعتبروا مجرد العدد - انتهى. فكان العرب كانوا مختلفين فى النسفى، والله تعالى أعلم (السنة)
إلخ، أى السنة العربية الهلالية. قال الطبي: جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى (منها أربعة حرم) قال تعالى (فلا تظلموا فيهن
أنفسكم - سورة التوبة، الآية ٣٦﴾ قال البيضاوى: أى بهتك حرمتها وارتكاب حرامها، وقال الحافظ: ﴿فلا تظلموا فيهن
أنفسكم﴾ أى فى الأربعة باستحلال القتال. وقيل: بارتكاب المعاصى (ثلاث) هو تفسير الأربعة الحرم (متواليات) أى
متابعات. قال الطيبي: اعتبر ابتداء الشهور من الليالى فحذف التاء، وقال ابن التين: الصواب ثلاثة متوالية يعنى لأن
المميز الشهر. قال: ولعله أعاده على المعنى، أى ثلاث مدد متواليات - انتهى. قال الحافظ: أو باعتبار العدة مع أن
الذی لا یذکر التمییز معه يجوز فیه التذ کیر والتأنيث (ذو القعدة) بفتح القاف و قد یکسر ، شهر کانوا یقعدون فيه عن
الأسفار (وذو الحجة) بكسر الحاء وقد تفتح (والمحرم) عطف على ذو القعدة. قال الحافظ: ذكرها من سنتين لمصلحة
التوالى بين الثلاثة ، وإلا فلو بدأ بالمحرم لفات مقصود التوالى، وفيه إشارة إلى إبطال ما كانوا يفعلونه فى الجاهلية من
تأخير بعض الأشهر الحرم فقيل كانوا يجعلون المحرم صفراو يجعلون صفرا المحرم لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر لا يتعاطون
فيها القتال فلذلك قال متواليات. وكانوا فى الجاهلية على أتجاء منهم من يسمى المحرم صفرا فيحل فيه القتال ويحرم القتال
فى صفر ويسميه المحرم، ومنهم من كان يجعل ذلك سنة هكذا وسنة هكذا، ومنهم من يجعله سنتين هكذا وستين هكذا ،
ومنهم من يؤخر صفرا إلى ربيع الأول وربيعا إلى ما يليه، وهكذا إلى أن يصير شوال ذا القعدة وذو القعدة ذا الحجة ،
ثم يعود فيعيد العدد على الأصل - انتهى (ورجب مضر) عطف على ثلاث، ومضر على وزن عمر غير منصرف قبيلة
عظيمة ، وأضاف الشهر إليها لأنها كانت تشدد فى تحريم رجب وتحافظ على ذلك أشد من محافظة سائر القبائل من
العرب ولا توافق غيرها من العرب فى استحلاله (الذی بین جمادی) بضم الجيم وفتح الدال وبعده ألف ورسمه بالياء
(وشعبان) وصفه بكونه بين جمادى وشعبان لزيادة البيان وتوكيده كما قال فى أسنان الصدقة: فإن لم تكن ابنة مخاض
٢٩١

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
وقال: أى شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس
فابن لبون ذكر. ومعلوم أن ابن اللبون لا يكون إلا ذكرا، ويحتمل أن يكون إنما قال ذلك من أجل أنهم قد كانوا
نوا رجبا وحده عن موضعه وسموه به بعض الشهور الأخر فنحلوه اسمه فبين لهم أن رجبا هو الشهر الذى بين جمادى
وشعبان لا ما كانوا يسمونه على حساب النسبى. قال النووى: قد أجمع المسلمون على أن الأشهر الحرم الأربعة هى
هذه المذكورة فى الحديث ، ولكن اختلفوا فى الأدب المستحب فى كيفية عدها، فقالت طائفة من أهل الكوفة وأسل
الأدب، يقال المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة ليكون الأربعة من سنة واحدة ، وقال علماء المدينة والبصرة
وجماهير العلماء: هى ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ثلاثة سرد وواحد فرد، وهذا هو الصحيح الذى جاءت به
الأحاديث الصحيحة منها هذا الحديث الذى نحن فى فيه، وعلى هذا الاستعمال أطبق الناس من الطوائف كلها - انتهى.
قيل الحكمة فى جعل المحرم أول السنة أن يحصل الابتداء بشهر حرام ويختم بشهر حرام وتتوسط السنة بشهر حرام
وهو رجب، وإنما توالى شهران فى الآخر لإرادة تفضيل الختام، والأعمال بالخواتيم ، قال الحافظ: أبدى بعضهم لما
استقر عليه الحال من ترتيب هذه الأشهر الحرم مناسبة لطيفة ، حاصلها أن للأشهر الحرم مزية على ما عداها ، فناسب
أن يبدأ بها العام وأن تتوسطه وأن تختم به، وإنما كان الختم بشهرين لوقوع الحج ختام الأركان الأربع لأنها تشتمل
على عمل مال محض وهو الزكاة وعمل بدن محض وذلك تارة يكون بالجوارح وهو الصلاة وتارة بالقلب وهو الصوم ،
لأنه كف عن المفطرات، وتارة عمل مركب من مال وبدن وهو الحج، فلما جمعهما ناسب أن يكون له ضعف ما لواحد
منهما فكان له من الأربعة الحرم شهران، والله أعلم (وقال: أى شهر هذا؟) أراد بهذا الاستفهام أن يقرر فى نفوسهم
جرمة الشهر والبلدة واليوم لبنى عليه ما أراده. قال القرطبي: سؤاله مَّم عن الثلاثة وسكوته بعد كل سؤال منها كان
لاستحضار فهومهم، وليقبلوا عليه بكليتهم وليستشعروا عظمة ما يخبرهم عنه. ولذلك قال بعد هذا: فإن دماءكم، إلى
آخره. مبالغة فى بيان تحريم هذه الأشياء - انهى. وقال النووى: هذا السؤال والسكوت والتفسير أراد به التفخيم
والتقرير والتنبيه على عظم مرتبة هذا الشهر والبلد واليوم (قلنا: الله ورسوله أعلم) قال التور بشتى: إحالتهم الجواب عليه
فيما استبان أمره وتحقق، نوع من الأدب بين يدى من حق عليهم التأدب بين يديه، ثم إنهم لم يأسوا من أن يكون
فى الأمر المسؤول عنه علم لم يبلغ إليهم فأحالوا العلم على علام الغيوب، ثم إلى المستأثر من البشر بنوع من ذلك العلم،
وينبئك عن هذا المعنى قولهم: حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه - انتهى. وقال الحافظ: قولهم «الله ورسوله أعلم، هذا من حسن
أدبهم لأنهم علموا أنه لا يخفى عليه ما يعرفونه من الجواب وأنه ليس مراده مطلق الاخبار بما يعرفونه، ولهذا قال: حتى
ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، ففيه إشارة إلى تفويض الأمور بالكلية إلى الشارع (فقال: أليس) أى هذا الشهر أو اسمه
٢٩٢

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
ذا الحجة؟ قلنا: بلى. قال: أى بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه
بغير اسمه، قال: أليس البلدة؟ قلنا: بلى. قال: فأى يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت
حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أ ليس يوم النحر؟ قلنا: بلى. قال:
(ذا الحجة؟ قلنا بلى. قال: أى بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال:)
بلا فاء (أليس) أى البلد (البلدة) قال الخطابي: يقال: إن البلدة اسم خاص بمكة وهى المرادة بقوله تعالى ﴿إنما أمرت
أن أعبد رب هذه البلدة - سورة النمل، الآية ٩١﴾ وقال الطبي: المطلق محمول على الكامل وهى الجامعة للخير المستجمعة
للكمال كما أن الكعبة تسمى البيت ويطلق عليها ذلك، كذا فى الفتح. وقال النور بشتى: قيل إن البلدة اسم خاص لمكة عظم
الله حرمتها ، ويؤيد ذلك هذا الحديث، ووجه تسميتها بالبلدة وهى تقع على سائر البلدان أنها البلدة الجامعة للخير
المستحقة أن تسمى بهذا الاسم لتفوقها سائر مسميات أجناسها حتى كأنها هى الحل المستحقة للإقامة بها من قولهم بلد
بالمكان أى أقام (قال: فأى يوم هذا ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم) إلخ. وفى البخارى من حديث ابن عباس أنهم قالوا:
يوم حرام. وقالوا عند سؤاله عن الشهر: شهر حرام، وعند سؤاله عن البلد: بلد حرام ، وعند البخارى أيضا من
حديث ابن عمر بنحو حديث أبى بكرة إلا أنه ليس فيه قوله ((فسكت) فى المواضع الثلاثة، قال الحافظ فى كتاب العلم بعد
ذكر حديث ابن عباس: وظاهر هما أى ظاهر حديث أبى بكرة وابن عباس التعارض ، والجمع بينهما أن الطائفة الذين
كان فيهم ابن عباس أجابوا، والطائفة الذين كان فيهم أبو بكرة لم يجيبوا بل قالوا: الله ورسوله أعلم. أو تكون رواية
ابن عباس بالمعنى ، لأن فى حديث أبى بكرة عند البخارى فى الحج وفى الفتن أنه لما قال: أليس يوم النحر؟ قالوا بلى.
فقولهم («بلى)) بمعنى قولهم يوم حرام بالاستلزام، وغايته أن أبا بكرة نقل السياق بتمامه، واختصر ابن عباس، وكان
ذلك كان بسبب قرب أبى بكرة منه لكونه كان آخذا بخطام الناقة ، وقال بعضهم: يحتمل تعدد الخطبة ، فإن أراد أنه
كررها فى يوم النحر فيحتاج لدليل، فإن فى حديث ابن عمر عند البخارى فى الحج أن ذلك كان يوم النحر بين الجمرات فى
حجته، وقال الحافظ فى كتاب الحج: قيل فى الجمع بين الحديثين: لعلهما واقعتان، قال الحافظ: وليس بشئ لأن
الخطبة يوم النحر إنما تشرع مرة واحدة ، وقد قال فى كل منهما أن ذلك كان يوم النحر ، وقيل فى الجمع بينهما أن
بعضهم بادر بالجواب وبعضهم سكت، وقيل فى الجمع أنهم فرضوا أولا كلهم بقولهم: الله ورسوله أعلم، فلما سكت
أجاب بعضهم دون بعض ، وقيل وقع السؤال فى الوقت الواحد مرتين بلفظين فلما كان فى حديث أبى بكرة فخامة ليست
فى الأول لقوله فيه «أتدرون؟)) سكتوا عن الجواب بخلاف حديث ابن عباس لخلوه عن ذلك، أشار إلى ذلك الكرمانى،
وقيل فى حديث ابن عباس اختصار بينته رواية أبى بكرة فكأنه أطلق قولهم (قالوا يوم حرام، باعتبار أنهم قرروا ذلك
٢٩٣

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
فاين دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، فى بلدكم هذا ، فى
شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدى ضلالا ، يضرب
بعضكم رقاب بعض،
وحيث قالوا بلى. قال الحافظ: وهذا جمع حسن (فإن دماءكم وأموالكم) إلخ. تقدم شرح هذه الجملة فى شرح حديث
جابر الطويل المذكور فى باب صفة الحج والمراد بهذا كله بيان توكيد غلظ تحريم الأموال والدماء والأعراض والتحذير
من ذلك (وستلقون ربكم) أى يوم القيامة (فيسألكم عن أعمالكم) أى القليلة والكثيرة (ألا) للتنبيه (فلا ترجعوا بعدي)
أى لا قصيروا بعد فراقى من موقفى هذا ، أو بعد موتى ووفاتى، وهو الأظهر، وفيه استعمال رجع كصار معنى وعملا.
قال ابن الملك: وهو ما خفى على أكثر النحويين. أى لا تصيروا بعدى (ضلالا) بضم الضاد وتشديد اللام جمع ضال
وفى رواية أخرى ((كفارا) أى كالكفار أو لا يكفر بعضكم بعضا فتستحلوا القتال، أو لاتكن أفعالكم شبيهة بأفعال الكفار
(يضرب بعضكم رقاب بعض) برفع الباء من يضرب على أنها جملة مستأنفة مبينة لقوله ((لا ترجعوا بعدي ضلالا، ويجوز
الجزم. قال أبو البقاء: على تقدير شرط مضمر أى ((إن ترجعوا بعدي يضرب)) وقال الحافظ: قوله ((يضرب)) بجزم
الباء على أنه جواب النهى، وبرفعها على الاستيناف أو يجعل حالا. وقال النووى الرواية «يضرب)) برفع الباء هذا هو
الصواب، وهكذا رواه المتقدمون والمتأخرون، وبه يصح المقصود هنا. ونقل القاضى عياض أن بعض العلماء
ضبطه بإسكان الباء. قال القاضى: وهو إحالة للعنى والصواب الضم. قال النووي: فى معنى قوله مزفي: فلا
ترجعوا بعدي كفارا ، إلخ. سبعة أقوال أحدها أن ذلك كفر فى حق المستحل بغير حق ، والثانى أن المراد كفر النعمة
وحق الإسلام ، والثالث أنه يقرب من الكفر ويؤدى إليه، والرابع أنه فعل كفعل الكفار، والخامس المراد حقيقة
الكفر ، ومعناه لا تكفروا بل دوموا مسلين، والسادس حكاه الخطابى وغيره أن المراد المتكفرون بالسلاح، يقال :
تكفر الرجل بسلاحه إذا لبسه، قال الأزهرى فى كتابه «تهذيب اللغة)) يقال للابس السلاح كافر. والسابع معناه: لا
يكفر بعضكم بعضا فتستحلوا قنال بعضكم بعضا، قاله الخطابى. قال النووى: وأظهر الأقوال الرابع وهو اختيار القاضى
عياض. وقال الحافظ: جملة ما فيه من الأقوال ثمانية، أحدها قول الخوارج أنه على ظاهره ، ثانيها هو فى
المستحلين ، ثالثها المعنى كفارا بحرمة الدماء وحرمة المسلمين وحقوق الوالدين، رابعها تفعلون فعل الكفار فى قتل بعضهم
بعضا، خامسها لابسين السلاح يقال: كفر درعه إذا لبس فوقها ثوبا، سادسها كفارا بنعمة اللّه، سابعها المراد الزجر
عن الفعل ، وليس ظاهره مرادا، ثامنها لا يكفر بعضكم بعضا كأن يقول أحد الفريقين للآخر يا كافر فيكفر أحدهما،
ثم وجدت تاسعا وهو أن المراد ستر الحق ، والكفر لغة الستر، لأن حق المسلم على المسلم أن ينصره ويعينه، فلما قاتله
٢٩٤

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٠ - باب خطبة يوم النحر ... الخ
ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى
من سامع.
كأنه غطى على حقه الثابت له عليه، وعاشرا وهو أن الفعل المذكور يفضى إلى الكفر لأن من اعتاد الهجوم على كبار
المعاصى جره شؤم ذلك إلى أشد منها فيخشى أن لا يختم له بخاتمة الإسلام. وقال الداودى: معناه لا تفعلوا بالمؤمنين ما
تفعلون بالكفار، ولا تفعلوا بهم ما لا يحل وأنتم ترونه حراما. قلت (قائله الحافظ): وهو داخل فى المعانى المتقدمة
قلت: واستشكل بعض الشراح غالب هذه الأجوبة بأن راوى الخبر وهو أبو بكرة فهم خلاف ذلك (لأنه ترك القتال فى
الفتنة) والجواب أن فهمه ذلك إنما يعرف من توقفه عن القتال واحتجاجه بهذا الحديث فيحتمل أن يكون توقفه بطريق
الاحتياط لما يحتمله ظاهر اللفظ، ولا يلزم أن يكون يعتقد حقيقة كفر من باشر ذلك، ويؤيده أنه لم يمتنع من الصلاة
خلفهم ولا امتثال أوامرهم ولا غير ذلك مايدل على أنه يعتقد فيهم حقيقته - انتهى (ألا) للتنبيه (هل بلغت؟) بتشديد
اللام، أى أعلمتكم ما أنزل إلى من ربى وما أمرنى به (اللهم اشهد) أى لى وعليهم، وإنما قال ذلك لأنه كان فرضا عليه
أن يبلغ فأشهد الله على أنه أدى ما أوجبه عليه (فليلغ) بالتشديد و يخفف أى ليخبر (الشاهد) أى الحاضر فى المجلس (الغائب)
أى الغائب عنه، والمراد إما تبليغ القول المذكور أو تبليغ جميع الأحكام، قال السندى: قوله (الشاهد» بالرفع فاعل ليبلغ،
و ((الغائب) بالنصب على أنه مفعول أول والمفعول الثانى محذوف، أى العلم الذى حضر سماعه أى لعم البلاغ الكل كما هو
مقتضى عموم الرسالة إليهم ، ولأنه قد يفهم المبلغ ما لا يفهمه الحامل من الأسرار والعلوم وهذا معنى قوله: (فرب مبلغ)
بتشديد اللام المفتوحة اسم مفعول أى من يبلغه كلامى بواسطة (أوعى) أى أحفظ لمبناه وأفهم لمعناه (من سامع) سمعه
متى مباشرة. قال الحافظ: أى رب شخص بلغه كلامى فكان أحفظ له وأفهم لمعناه من الذى نقله. قال المهلب: فيه أنه
يأتى فى آخر الزمان من يكون له من الفهم فى العلم ما ليس لمن تقدمه إلا أن ذلك يكون فى الأقل، لأن «رب)» موضوعة
التقليل. قلت (قائله الحافظ): هى فى الأصل كذلك إلا أنها استعملت فى التكثير بحيث غلبت على الاستعمال الأول،
لكن يزيد أن التقليل هنا مراد أنه وقع فى رواية للبخارى بلفظ («عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه، وقوله ((أوعى
من سامع)، فعت لمبلغ ، والذى يتعلق به رب محذوف وتقديره يوجد أو يكون ، ويجوز على مذهب الكوفيين فى أن
رب اسم أن تكون هى مبتدأ وأوعى الخبر فلا حذف ولا تقدير وفى الحديث من الفوائد الحث على تبليغ العلم
وجواز التحمل قبل كمال الأهلية وأن الفهم ليس شرطا فى الأداء. قال الحافظ: فى الحديث دلالة على جواز تحمل
الحديث لمن لم يفهم معناه ولا فقه إذا ضبط ما يحدث به، ويجوز وصفه بكونه من أهل العلم بذلك ، وفيه أيضا وجوب
تبليغ العلم على الكفاية، وقد يتعين فى حق بعض الناس، وفيه تأكيد التحريم وتغليفاه بأبلغ ممكن من تكرار ونحوه،
٢٩٥

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
متفق عليه.
٢٦٨٤ - (٢) وعن وبرة، قال: سألت ابن عمر متى أرمى الجمار؟ قال: إذا رمى إمامك فارمه.
فأعدت عليه المسئلة، فقال: كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا. رواه البخارى.
وفيه مشروعية ضرب المثل وإلحاق النظير بالنظير ليكون أوضح للسامع (متفق عليه) أخرجه البخارى فى العلم والمناسك
وبدء الخلق والمغازى (فى باب حجة الوداع) وفى تفسير براءة وفى الأضاحى والفتن والتوحيد، ومسلم فى الديات ،
وأخرجه أيضا أحمد (ج ٥: ص ٣٧، ٣٩، ٤٠، ٤٩،٤٥) وأبو داود والبيهقى (ج ٥: ص ١٤٠) وأخرجه ابن ماجه
فى السنة مختصرا جدا .
٢٦٨٤ - قوله (وعن وبرة) بفتح الواو الموحدة بعدها راء - هو ابن عبد الرحمن المسلمى بضم الميم وسكون
المهملة بعدما لام - أبو خزيمة أو أبو العباس الكوفى، ثقة تابعى، مات فى ولاية خالد بن عبد الله القسرى على الكوفة
سنة ست عشرة ومائة (متى أرمى الجمار؟) يعنى فى غير يوم الأضحىَ (إذا رمى إمامك فارمه) بها. ساكنة للسكت،
وقال القارى: بهاء الضمير أو السكت، وعلى الأول تقديره ارم موضع الجمرة أو ارم الرمى أو الحصى - انتهى.
قال الحافظ: قوله ((إذا رمى إمامك فارمه)) يعنى الأمير الذى على الحج، وكان ابن عمر خاف عليه أن يخالف الأمير
فیحصل له منه ضرر، فلما أعاد عليه المسألة لم يسعه الكتمان فأعلمه بما كانوا يفعلونه فى زمن النبی مٹے ، وقد رواه ابن
عيينة عن مسعر عن وبرة عن ابن عمر فقال فيه: فقلت له: أرأيت إن أخر إمامى؟ أى الرمى فذكر له الحديث.
أخرجه ابن أبي عمر فى مسنده عنه ومن طريقه الاسماعيلى - انتهى (فأعدت عليه المسألة) أردت تحقيق وقت رمی
الجمرة ( كنا نتحين) تفعل من الحين وهو الزمان ، أى نراقب الوقت المطلوب وهو زوال الشمس. قال الطبي: أى
نتظر دخول وقت الرمى - انتهى. وقال الطبرى: أى نطلب حينها والحين الوقت ، ومنه كانوا يتحينون وقت الصلاة
أى يطلبون حينها، ولفظ أبى داود («كنا نتحين زوال الشمس» (فإذا زالت الشمس رمينا) بلا ضمير أى الجمرة يعنى
قبل صلاة الظهر، فقد روى ابن ماجه من طريق الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن رسول اللّه مَّم كان يرمي الجمار
إذا زالت الشمس قدر ما إذا فرغ من رميه صلى الظهر. قال السندى: هذا يدل على أنه بعد الزوال يبدأ برمي الجمار
ثم يصلى أى الظهر - انتهى . وفى الحديث دليل على أن السنة أن يرمى الجمار فى غير يوم الأضحى بعد زوال الشمس،
وأنه لا يجزئى رميها قبل زوالها بل وقته بعد الزوال ، وإلى هذا ذهب الجمهور . وخالف فى ذلك عطاء وطاوس فقالا
يجوز الرمى قبل الزوال مطلقا ، ورخص الحنفية فى الرمى فى يوم النفر قبل الزوال. وقال إسحاق: إن رمی قبل الزوال
أعاد إلا فى اليوم الثالث فيجزئه، والحديث يرد على الجميع، وقد تقدم البسط فى هذه المسئلة فى شرح حديث جابر فى
الفصل الأول من باب رمى الجمار (رواه البخارى) وأخرجه أيضا أبو داود والبيهقى (ج ٥: ص ١٤٨).
٢٩٦

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
٢٦٨٥ - (٣) وعن سالم عن ابن عمر، أنه كان يرمى جمرة الدنيا بسبع خصيات، يكبر على إثر
كل حصاة، ثم يتقدم حتى يسهل، فيقوم مستقبل القبلة طويلا ، ويدعو ويرفع يديه ، ثم يرمى
الوسطى بسبع حصيات ،
٢٦٨٥ - قوله (كان يرمى جمرة الدنيا) كذا فى جميع النسخ وهكذا وقع فى المصابيح أى بإضافة الجمرة إلى الدنيا .
وفى البخارى (الجمرة الدنيا)) قال التور بشتى: الجمرة واحدة جمرات المناسك. وهى ثلاث جمرات واحد منهاذات العقبة وهى
مما يلى مكة ولا يرمى يوم النحر إلا جمرة ذات العقبة، وبعديوم النحر ير مى الثلاث، والسنة فيها ما ذكر فى الحديث، والدنيا هى
التى يبدأ بها، ووصفها بالدنيا (أى القربى) لكونها أقرب إلى منازل النازلين عند مسجد الخيف، وهنالك کان مناخ النبي
وإضافتها إلى الدنيا كإضافة المسجد إلى الجامع من إضافة الموصوف إلى الصفة ، ويحتمل أن يكون فيه حذف أى جمرة
البقعة الدنيا كقولك ((حق اليقين)) (بسبع حصيات) فى كل يوم من أيام التشريق (يكبر على إثر كل حصاة)
بكسر الهمزة وسكون المثلثة وبفتحهما أى عقيب كل واحدة من الحصى ، وظاهر هذا تأخير التكبير عن الرمى. وفى
رواية أحمد (ج ٢: ص ١٥٢) يكبر مع كل حصاة، وكذا وقع فى حديث جابر عند مسلم وغيره وحديث
ابن مسعود عند الشيخين، ويأتى فى حديث ابن عمر فى رمى جمرة العقبة ((يكبر عند كل حصاة) قال القارى: وهو أعم،
والمراد بالمعية خروج الجمرة من اليد فهو مع الرمى باعتبار الابتداء، أو أثره باعتبار الانتهاء - انتهى. وأول بعضهم
قوله «إثر كل حصاة، بأن المراد عقب إرادة الرمى بها، وإلى المعية أى مقارنة التكبير لكل حصاة ذهب أتباع الأئمة
الأربعة كما صرح به الباجى وابن قدامة والنووى ، قال الدسوقى: ظاهر المدونة أن التكبير مع كل حصاة سنة، وأشعر
قول الدردير مع رمى كل حصاة أنه لا يكبر قبل رميها ولا بعده، ويفوت المندوب بمفارقة الحصاة ليده قبل النطق
بالتكبير - انتهى. وفى الهداية «يكبر مع كل حصاة، كذا روى عن ابن مسعود وابن عمر - انتهى (ثم يتقدم)
أى يذهب قليلا من ذلك الموضع وفى رواية «ثم تقدم أمامها، (حتى يسهل) بضم أوله وسكون المهملة ، يقال: أسهل
الرجل إذا صار إلى السهل من الأرض ، قال الحافظ: أى يقصد السهل من الأرض وهو المكان المستوى الذى لا
ارتفاع فيه - انتهى. وقال القارى: أى يدخل المكان السهل وهو اللين ضد الحزن بفتح الحاء وسكون الزاى أى الصعب
(فيقوم) مرفوع عطفا على يتقدم (مستقبل القبلة) أى حال كونه مقابل الكعبة (طويلا) وفى رواية «فيقوم قياما
طويلا، (ويدعو) أى قدر سورة البقرة كما تقدم (ويرفع يديه) أى فى الدعاء (ثم يرمى الوسطى) وفى رواية «ثم يرمى
الجمرة الوسطى، أى الجمرة التى بين الأولى والأخرى. قال ابن الهمام: هل هذا الترتيب متعين أو أولى؟ مختلف فيه،
والذى يقوى عندى استنان الترتيب لا تعيينه، والله أعلم. قال القارى: والأحوط مراعاة الترتيب لأنه واجب عند الشافعى
٢٩٧

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
يكبر كلما رمى بحصاة، ثم يأخذ بذات الشمال
وغيره، ثم الظاهر أن الموالاة سنة كما فى الوضوء أو واجب وفق مذهب مالك هنالك - انتهى. وقال ابن قدامة فى
المغنى (ج ٣: ص ٤٥٢): والترتيب فى هذه الجمرات واجب على ما وقع فى حديث ابن عمر و حديث عائشة عند أبي داود،
فان نكس فبدأ بجمرة العقبة ثم الثانية ثم الأولى أو بدأ بالوسطى ورمى الثلاث لم يجزه إلا الأولى وأعاد الوسطى
والقصوى، نص عليه أحمد، وإن رمى القصوى ثم الأولى ثم الوسطى أعاد القصوى وحدها ، وبهذا قال مالك
والشافعى، وقال الحسن وعطاء: لا يجب الترتيب وهو قول أبى حنيفة، فإنه قال: إذا رمى منكسا بعيد، فإن لم يفعل
أجزأه، واحتج بعضهم بما روى عن النبي ◌َّ أنه قال: من قدم نسكا بين يدى نسك فلا حرج، ولأنها مناسك متكررة
فى أمكنة متفرقة فى وقت واحد ليس بعضها تابعا لبعض فلم يشترط الترتيب فيها كالرمى والذبح. ولنا أن النبي رؤيته
رتبها فى الرمى وقال: خذوا عنى مناسككم، ولأنه نسك متكرر فاشترط الترتيب فيه كالسعى ، وحديثهم إنما جاء فى من
يقدم نسكا على نسك لا فى تقديم بعض النسك على بعض، وقياسهم ببطل بالطواف والسعى - انتهى. وقال الشنقيطى:
اعلم أنه يجب الترتيب فى رمى الجمار أيام التشريق فيدأ بالجمرة الأولى التى تلى مسجد الخيف فيرميها بسبع حصيات يكبر
مع كل حصاة ثم ينصرف إلى الجمرة الوسطى فيرميها كالتى قبلها ، ثم ينصرف إلى جمرة العقبة فيرميها كذلك، وهذا
الترتيب على النحو الذى ذكرنا هو الذى فعله النبي مَّ وأمر بأخذ المناسك عنه، فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا الترتيب
المذكور ، ثم ذكر حديث ابن عمر الذى نحن فى شرحه، ثم قال: روى البخارى هذا الحديث فى ثلاثة أبواب متوالية،
وهو فص صحيح صريح فى الترتيب المذكور، وقد قال ◌َّم: لنأخذوا عنى مناسككم، فإن لم يرتب الجمرات بأن بدأ بجمرة العقبة
لم يجزئه الرمى منكسا لأنه خالف هدى النبي مؤ تم وفى الحديث: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ، وتنكيس الرمى
عمل ليس من أمرنا فيكون مردودا ، وبهذا قال مالك والشافعى وأحمد وجمهور أهل العلم. وقال أبو حنيفة: الترتيب
المذكور سنة، فإن نكس الرمى أعاده، وإن لم يعد أجزأه، وهو قول الحسن وعطاء، واحتجوا بأدلة لا تنتهض، وعلى
الصحيح الذى هو قول الجمهور: أن الترتيب شرط لوبدأ بجمرة العقبة ثم الوسطى ثم الأولى أو بدأ بالوسطى ورمى الثلاث
لم يجزه إلا الأولى لعدم الترتيب فى الوسطى والأخيرة، فعليه أن يرمى الوسطى ثم الأخيرة، ولو رمى جمرة العقبة ثم
الأولى ثم الوسطى أعاد جمرة العقبة وحدها ، هذا هو الظاهر - انتهى كلام الشنقيطى (يكبر كلما رمى بحصاة) قال
الباجى: وذلك أنه إذا كان التكبير مشروعا عند الرمى فإنه يتكرر عند كل رمية، وكذلك كل عبادة شرع فيها التكبير
فإنه يتكرر بتكرر محله كالانتقال من ركن إلى ركن فى الصلاة، وقد قال مالك يكبر مع كل حصاة ـ اتهى
والأصل فى ذلك ما روى عن النبي مَيم أنه كان يكبر مع كل حصاة - انتهى (ثم يأخذ بذات الشمال) فى
٢٩٨

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك ١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
فيسهل ، ويقوم مستقبل القبلة ، ثم يدعو ويرفع يديه ، ويقوم طويلا، ثم يرمى جمرة ذات العقبة
من بطن الوادى بسبع حصيات، يكبر عند كل حصاة، ولا يقف عندها، ثم ينصرف فيقول:
هكذا رأيت النبى معَّى يفعله. رواه البخارى.
البخارى ((ذات الشمال)) أى بدون الباء أى يمشى إلى جهة شماله (فيسهل) قال القارى: أى يذهب على شمال الجمرة
الوسطى حتى يصل إلى موضع سهل يعنى ليقف داعيا فى مكان لا يصيبه الرمى . وفى رواية «ثم ينحدر ذات الشمال ما يلى
الوادى فيقف مستقبل القبلة» (ثم يرمى جمرة ذات العقبة) بإضافة الجمرة ، قال الحافظ : هو نحو يا نساء المؤمنات،
أى يأتى الجمرة ذات العقبة، وثبت كذلك فى رواية سليمان (عن يونس عن الزهرى عن سالم) عند البخارى، وفى
رواية عثمان بن عمر (عن يونس) ثم يأتى الجمرة التى عند العقبة (ولا يقف عندها) أى للدعاء (ثم ينصرف) أى ابن عمر.
وفى الحديث مشروعية التكبير عند رمى كل حصاة ، وقد أجمعوا على أن من تركه لا يلزمه شئى إلا الثورى فقال:
يطعم وإن جبره بدم أحب إلى، وعلى الرمى بسبع وعلى استقبال القبلة والقيام طويلا عند الجمرتين أى الأولى والثانية
والتضرع عندهما ، وفيه التباعد من موضع الرمى عند القيام بالدعاء حتى لا يصيب رمى غيره ، وفيه مشروعية رفع
اليدين فى الدعاء وترك الدعاء والقيام عند جمرة العقبة. قال ابن قدامة: لا نعلم لما تضمنه حديث ابن عمر هذا مخالفا إلا ما
روى عن مالك ، من ترك رفع اليدين عند الدعاء بعد رمي الجمار ، فقال ابن المنذر: لا أعلم أحدا أنكر رفع اليدين فى
الدعاء عند الجمرة إلا ما حكاه ابن القاسم عن مالك - انتهى. قال الحافظ: ورده ابن المنير بأن الرفع لو كان هنا
سنة ثابتة ما خفى عن أهل المدينة وغفل رحمه الله تعالى عن أن الذى رواه من أعلم أهل المدينة من الصحابة فى زمانه
وابنه سالم أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة، والراوى عنه ابن شهاب عالم المدينة ثم الشام فى زمانه ، فمن علماء
المدينة إن لم يكونوا هؤلاء؟ والله المستعان - انتهى. ونقل فى المحلى عن ابن المنذر أنه قال: لا أعلم أحدا أنكر ذلك
غير مالك فاين ابن القاسم حكى عنه أنه لم يكن يعرف رفع اليدين هناك. قال واتباع السنة أفضل، وقيل يرفع، حكاه
ابن التين وابن الحاجب ـ انتهى. وحكى القسطلانى عن ابن فرحون من المالكية فى مناسكه فى رفع اليدين فى الدعاء
قولان ۔ انتهى. ولم یذکر فی الحديث حال الرمی فی المشی والركوب، وقد روى ابن أبى شيبة بإسناد صحيح أن ابن عمر
کان یمشی إلى الجمار مقبلا ومدیرا ، وعن جابر أنه كان لا يركب إلا من ضرورة ، وروى الترمذى عن ابن عمر وصححه
والبيهقى أن النبي تمثل كان إذا رمى الجمار مشى إليها ذاهبا وراجعا، وفى لفظ عنه كان يرمى الجمرة يوم النحر راكبا
وسائر ذلك ماشيا، ويخبرهم أن النبي مَثّ كان يفعل ذلك. رواه أحمد (ج ٢، ص ١١٤، ١٣٨، ١٥٦) وأبوداود
والبيهقى (رواه البخارى) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢، ص ١٥٢) والنسائى والبيهقى (ج ): ص ١٤٨).
٢٩٩

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - باب خطبة يوم النحر ... إلخ
١٠ - كتاب المناسك
٢٦٨٦ - (٤) وعن ابن عمر، قال: استأذن العباس بن عبد المطلب رسول اللّه مؤ لم أن يبيت
بمكة ليالى منى من أجل سقايته، فأذن له.
٢٦٨٦ - قوله (استأذن العباس بن عبد المطلب رسول اللّه مؤ لم أن يبيت بمكة ليالي منى) المراد بها ليلة
الحادى عشر واللتين بعده (من أجل سقايته) قال القارى: أى التى بالمسجد الحرام المملوءة من ماء زمزم المندوب
الشرب منها عقب طواف الإفاضة وغيره إذا لم يتيسر الشرب من البئر للخلق الكثير ، وهى الآن برکه ، وكانت حیاضا
فى يدى قصى، ثم منه لابنه عبد مناف ثم منه لابنه هاشم، ثم منه لابنه عبد المطلب ثم منه لابنه العباس ثم منه لابنه
عبد الله ثم منه لابنه على وهكذا إلى الآن، لكن لهم نواب يقومون بها. قالوا: وهى لآل عباس أبدا - انتهى.
وروى الفاكهى بسنده عن عطاء قال: سقاية الحاج زمزم. وقال الأزرقى: كان عبد مناف يحمل الماء فى الروايا والقرب
إلى مكة ويسكبه فى حياض من أدم بفناء الكعبة للحجاج ، ثم فعله ابنه هاشم بعده ، ثم عبد المطلب، فلما حفر زمزم
كان يشترى الزبيب فينبذه فى ماء زمزم ويسقى الناس. قال ابن إسحاق: لما ولى قصى بن كلاب أمر الكعبة كان إليه
الحجابة والسقاية واللواء والرفادة ودار الندوة، ثم تصالح بنوه على أن لعبد مناف السقاية والرفادة، والبقية للأخوين ،
ثم ذكر نحو ما تقدم، وزاد ثم ولى السقاية من بعد عبدالمطلب ولده العباس وهو يومئذ من أحدث إخوته سنا، فلم
نزل بيده حتى أقام الإسلام وهى بيده، فأقرها رسول اللّه مَّ معه، فهى اليوم إلى بنى العباس، كذا فى الفتح. وقال
الطبرى قال أهل التواريخ: كان أصل السقاية حياض من أدم توضع على عهد قصى بفناء الكعبة ويستقى فيها الماء الحاج،
وأصل الرفادة خرج كانت قريش تخرجه من أموالها إلى قصى يصنع به طعاما للحاج يأكله من ليس له سعة ..... وما زال
ذلك الأمر حتى قام به هاشم ثم أخوه عبد المطلب ثم عبد المطلب ثم قام به العباس (فأذن له) وفى رواية:
رخص رسول الله مؤثّم للعباس أن يبيت بمكة أيام منى من أجل سقايته، والمراد بأيام منى لياليها كما وقع فى
رواية البخارى، وهى ليلة الحادى عشر والثانى عشر والثالث عشر. والحديث دليل على مشروعية المبيت فى
منى ليالى أيام التشريق ، وعلى جواز التخلف عن المبيت فيه لأجل السقاية. واتفق العلماء على ذلك، ثم اختلفوا هل
المبيت فيه واجب أو سنة فذهب مالك وأصحابه إلى أنه واجب ولو بات ليلة واحدة منها أو جل ليلة وهو خارج
عن منی لزمه دم لأثر ابن عباس «من اسی من ذسکه شیئا أو تركه فلیہرق دما، أخرجه البيهقى، وروى
مالك فى الموطأ عن نافع عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب قال: لا يبتن أحد من الحاج ليالى منى من وراء
العقبة. ومذهب أبى حنيفة هو أن عدم المبيت بمنى ليالى من مكروه لأنه مثل بات بمنى، وعمر كان يؤدب على
ترك المقام بها ، ولو بات بغيرها متعمدا لم يلزمه شئ عند أبى حنيفة وأصحابه لأنهم يرون أن المبيت بمنى لأجل أن يسهل
٣٠٠
1