Indexed OCR Text

Pages 241-260

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
٢٦٦٦ - (١٦) وعن عبد الله بن قرط، عن النبى معَّل، قال: إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر،
ثم يوم القر. قال ثور: وهو اليوم الثانى. قال: وقرب لرسول اللّه مثل بدنات خمس أو ست،
فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ ،
٢٦٦٦ - قوله (وعن عبد الله بن قرط) بضم القاف وسكون الراء وإعمال الطاء الأزدى الثمالى بضم المثلثة
وتخفيف الميم صحابى، روى أحمد بن حنبل بإسناد حسن وأبو نعيم فى الصحابة بإسناد لا بأس به أنه كان اسمه فى
الجاهلية شيطانا فنیره التبی تُٹے وسماه عبد الله. شهد الیرموك وفتح دمشق ، وأرسله یزید بن أبى سفيان بکتابه إلى أبى
بكر الصديق رضى الله عنهم ، واستعمله أبو عبيدة على حمص فى عهد عمر مرتين ، ولم يزل عليها حتى توفى أبو عبيدة ، ثم
استعمله معاوية على حمص أيضا. قال ابن يونس: قتل عبد الله بأرض الروم شهيدا سنة ست وخمسين (إن أعظم الأيام)
أى أيام عيد الأضحى، فلا ينافى ما فى الأحاديث الصحيحة أن أفضل الأيام يوم عرفة فيكون المراد بتلك الأيام يوم النحر
وأيام التشريق. وقال الطبي: أى من أعظم الأيام ، لأن العشر (أى عشر رمضان أو عشر ذي الحجة) أفضل مما عداها
قال القارى: ولا يبعد أن يقال: الأفضلية مختلفة باعتبار الحيثية أو الإضافية والنسبية فلا يحتاج إلى تقدير (من))
التبعيضية (يوم النحر) أى أول أيام النحر لأنه العيد الأكبر ويعمل فيه أكبر أعمال الحج حتى قال تعالى فيه (يوم الحج
الأكبر) (ثم يوم القر) بفتح القاف وتشديد الراء، هو اليوم الأول من أيام التشريق، سمى بذلك لأن الناس يقرون
يومئذ فى منازلهم بمنى ولا ينفرون عنه بخلاف اليومين الأخيرين، قاله القارى. وقال فى اللمعات: سمى بذلك لأن الناس
يقرون ويسكنون فيه بمنى بعد ما تعبوا فى أداء المناسك. وقال الجزرى والخطابى: هو اليوم الذى يلى يوم النحر ، سمى
بذلك لأن الناس يقرون فيه بمنى وقد فرغوا من طواف الإفاضة والنحر فاستراحوا وقروا (قال ثور) بفتح مثلثة، أحد
رواة هذا الحديث وهو ثور بن يزيد الكلاعى ويقال الرحى أبو خالد الحصى أحد الحفاظ الأثبات العلماء. قال ابن
معين: ما رأيت شاميا أوفق منه. وقال فى التقريب: ثقة ثبت إلا أنه يرى القدر، من كبار أتباع التابعين. مات سنة
خمسين ومائة وقيل ثلاث أو خمس وخمسين (وهو) أى يوم القر هو (اليوم الثانى) أى من أيام النحر أو من أيام العيد،
فلا ينافى ما سبق من أنه أول أيام التشريق (قال) أى عبد الله (وقرب) بتشديد الراء مجهولا (بدنات خمس أو ست) شك
من الراوى أو ترديد من عبد الله، يريد تقريب الأمر أى بدنات من بدن النبى مَثّ (فطفقن) بكسر الفاء الثانية أى شرعن
(يزدلفن) أى يتقربن ويسعين (إليه بأيتين يبدأ) يعنى يقصد كل من البدنات أن يبدأ فى النحر بها. قال الطبي: أى منتظرات
بأيتهن يبدأ للتبرك بيد رسول الله مَاع فى نحوهن، ولا يخفى ما فيه من المعجزة الباهرة. قال الخطابي: قوله ((يزدافن)»
معناه يقتربن من قولك ((زلف الشئ)) إذا قرب، ومنه قوله تعالى {وأزلفنا ثم الآخرين - ٢٦: ٦٤) ومعناه والله
٢٤١

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
قال: فلما وجبت جنوبها، قال: فتكلم بكلمة خفية لم أفهمها فقلت: ما قال؟ قال، قال: من شاء
اقتطع. رواه أبو داود. وذكر حديث ابن عباس، وجابر فى باب الاضحية.
( الفصل الثالث ).
٢٦٦٧ - (١٧) عن سلمة بن الأكوع، قال: قال النبى معَّ: من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة
وفى بيته منه شئ.
أعلم القرب والدنو من الهلاك، وإنما سميت المزدلفة لاقتراب الناس فيها إلى منى بعد الإفاضة من عرفات (قال) أى
عبد الله (فلا وجبت جنوبها) أى سقطت على الأرض لأنها تنحر قائمة كماتقدم. قال الخطابي: معناه زهقت أنفسها فسقطت
على جنوبها، وأصل الوجوب السقوط (قال) أى عبد الله، وهو تأكيد، وقال الطبي: أى الراوى (فتكلم) أى التى
عَّ. قال القارى: فيلزم منه أن يقال بزيادة الفاء، وعندى أن ضمير ((قال)) راجع إليه مَثّ}، وقوله («فتكلم بكلمة خفية،
عطف تفسير لقال - انتهى. قلت: ولفظ البيهقى («فلما وجبت جنوبها تكلم بكلمة خفية لم أفهمها)، وهذا واضح لا يحتاج
إلى تأويل (لم أفهمها) قال القارى: أى خفاء لفظها (فقلت) أى للذى يلينى (ما قال) أى النبي مَّلُ (قال) أى المسؤل
(قال) أى التى تَّ (من شاء اقتطع) قال الخطابي: فيه دليل على جواز هبة المشاع، وفيه دلالة على أخذ الشار فى عقد
الأملاك، وأنه ليس من باب النبى، وإنما هو من باب الاباحة وقد كره بعض العلماء خوفا أن يدخل فيما نهى عنه من
النهى (رواه أبوداود) وأخرجه أيضا البيهقى (ج ٥: ص ٢٤١) كلاهما من طريق ثور بن يزيد عن راشد بن سعد عن
عبد الله بن عامر بن لحى عن عبد الله بن قرط. وسكت عنه أبو داود والمنذرى، وقال المنذرى: وأخرجه النسائى أى
فى الكبرى وذكره الحافظ فى الإصابة فى ترجمة عبد الله بن قرط، وعزاه لأبى داود والنسائى وابن حبان والحاكم وقال:
قال الطبرانى تفرد به ثور بن يزيد (وذكر حديث ابن عباس) وقع فى بعض النسخ ((حدثنا ابن عباس)) وهو الظاهر
ويريد بحديث ابن عباس قوله: كنا مع النبي مَّ فى سفر فعضر الأضحى فاشتركنا فى البقرة سبعة وفى الجزور عشرة
(وجابر) أى البقرة عن سبعة والجزور عن سبعة (فى باب الاضحية) الأظهر أنه اعتراض من صاحب المشكاة بأنه
حولهما عن هذا الباب، لأنهما أنسب إلى ذلك الباب، ويحتمل أن يكون اعتذارا منه بأنه أسقطهما عن تكرار، والله أعلم.
والحديثان قد تقدم البسط فى شرحهما فى باب الاضحية، وقد بينا هناك أن حديث جابر أنسب لباب الهدى .
٢٦٦٧ - قوله (من ضحى) بتشديد الحاء (فلا يصبحن) بالصاد المهملة الساكنة والموحدة المكسورة (بعد ثالثة)
من اللیالی من وقت التضحية (وفی بیته) قال القسطلانی: ولابی ذر «وبقی فی یته» (منه) أی من الذی ضحی به (شئی) من
لحمه لحرمة ادخار ثنتى من لحم الاضحية فى هذا العام لأجل القحط الذى وقع فيه حتى امتلأت المدينة من أهل البادية
٢٤٢

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٧- باب الحدى
فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله! نفعل كما فعلتا العام الماضى؟ قال: كلوا وأطعموا
فأمر أهلها بإخراج جميع ما عندهم من لحوم الأضاحى التى اعتادوا ادخار مثلها فى كل عام (فلما كان العام المقبل) أى
الآتى بعده (قالوا) أى بعض الأصحاب (نفعل) بتقدير الاستفهام (كما فعلنا العام الماضى؟) من ترك الادخار، قال ابن
المنير: وكأنهم فهموا أن النهى ذلك العام كان على سبب خاص وهو الدانة، وإذا ورد العام حاك فى النفس من عمومه
وخصوصه إشكال، فلما كان مظنة الاختصاص عاودوا السؤال فبين لهم مَّ أنه خاص بذلك السبب، ويشبه أن يستدل
بهذا من يقول: إن العام يضعف عمومه بالسبب فلا يبقى على أصالته ولا ينتهى به إلى التخصيص، ألا ترى أنهم لو اعتقدوا
بقاء العموم على أصالته لما سألوا، ولو اعتقدوا الخصوص أيضا لمنا سألوا، فسؤالهم يدل على أنه ذو شأنين ، وهذا
اختيار الامام الجوينى. وحاصل كلام ابن المنير أن وجه قولهم («هل نفعلى كما كنا نفعل، مع أن النهى يقتضى الاستمرار
لأنهم فهموا أن ذلك النهى ورد على سبب خاص فلما احتمل عندهم عموم النهى أو خصوصه من أجل السبب سألوا،
فأرشدهم إلى أنه خاص بذلك العام من أجل السبب المذكور ، واستدل به على أن العام إذا ورد على سبب خاص ضعفت
دلالة العموم حتى لا يبقى على أصالته، لكن لا يقتصر فيه على السبب، كذا فى الفتح (قال) أى التى تؤثر (كلوا)
بصيغة الأمر من الأكل. قال الحافظ: تمسك به من قال بوجوب الأكلى من الإضحية، ولا حبة فيه لأنه أمر بعد
حظر ، فيكون للإباحة. وقال النووى: يستحب الأكل من الإضحية، هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلا ما حكى عن
بعض السلف أنه أوجب الأكل منها وهو قول أبى الطيب بن سلمة من أصحابنا، حكاه عنه الماوردى لظاهر هذا الحديث
فى الأمر بالأكل مع قوله تعالى { فكلوا منها﴾ وحمل الجمهور هذا الأمر على الندب أو الإباحة ، لا سيا وقد ورد
بعد الحظر كقوله تعالى ﴿ وإذا حلتم فاصطادوا - ٢:٥) وقد اختلف الأصوليون والمتكلمون فى الأمر الوارد بعد
الحظر، فالجمهور من أصحابنا وغيرهم على أنه الوجوب، وقال جماعة منهم من أصحابنا وغيرهم: إنه للإباحة ، وسيأتى
مزيد الكلام فى ذلك (وأطعموا) بهمزة قطع وكسر العين المهملة، وفى حديث عائشة وأبى سعيد («تصدقوا، قال الخطابي:
استدل بإطلاق الأحاديث على أنه لا تقييد فى القدر الذى يجزئ من الاهتمام. ويستحب المضحى أن يأكل من
الاضحية شيئا ويطعم الباقى صدقة وهدية، وعن الشافعى يستحب قسمتها أثلاثا لقوله ((هوا وتصدقوا وأطعمواء قال
ابن عبد البر: وكان غيره يقول: يستحب أن يأكل النصف ويطعم النصف، وقد أخرج أبو الشيخ فى كتاب الأضاحى
(وأحمد) من طريق عطاء بن يسار عن أبى هريرة رفعه ((من ضحى فليأ كل من إضحيته)) ورجاله ثقات لكن قال أبو حاتم
الرازى: الصواب عن عطاء مرسل، قال النووى: مذهب الجمهور أنه لا يجب الأكل من الاضحية، وإنما الأمر فيه
للاذن. وذهب بعض السلف إلى الأخذ بظاهر الأمر، وحكاه الماوردى عن أبي الطيب بن سلمة من الشافعية، وأما
٢٤٣
:

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
الصدقة منها فالصحيح أنه يجب التصدق من الاضحية بما يقع عليه الاسم ، والأكمل أن يتصدق بمعظمها ، ولنا وجه أنه
لا تجب الصدقة بشئى منها، كذا فى الفتح. وقال ابن حزم فى المحلى: فرض على كل مضح أن يأكل من إضحيته ولابه
ولولقمة، وفرض عليه أن يتصدق أيضا منها بما شاء قل أو كثرولابد، ومباح له أن يطعم منها الغنى والكافروأن يهدى منها
إن شاء ذلك - انتهى. وقال ابن قدامة فى المغنى (ج ٨: ص ٦٣٢): قال أحمد نحن نذهب إلى حديث عبد الله« يأكل
هو الثلث ويطعم من أراد الثلث ويتصدق على المساكين بالثلث)) قال علقمة: بعث معى عبد الله بهدية فأمرنى أن آكل ثلثا وأن
أرسل إلى أهل أخيه عتبة بثلث وأن أتصدق بثلث. وعن ابن عمر قال: الضحايا والهدايا ثلث لك وثلث لأهلك وثلث
للمساكين. وهذا قول إسحاق وأحد قولى الشافعى. وقال فى الآخر: يجعلها نصفين، يأكل نصفا ويتصدق بنصف لقول الله
تعالى ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير -٢٢: ٢٨ ) وقال أصحاب الرأى: ما كثر من الصدقة فهو أفضل لأن النبي وتؤثير
أهدى مائة بدنة وأمر من كل بدنة ببضعة فجعلت فى قدر فأكل هو وعلى من لحمها وحسيا من مرتها ونحر خمس بدنات أو
ست بدنات وقال من شاء فليقتطع ولم يأكل منهن شيئًا. ولنا ما روى عن ابن عباس فى صفة إضحية الني تروج، قال: ويطعم
أهل بيته الثلث ويطعم فقراء جيرانه الثلث ، ويتصدق على السؤال بالثلث. رواه للحافظ أبو موسى الأصفهانى فى
الوظائف وقال: حديث حسن، ولأنه قول ابن مسعود وابن عمر ، ولم نعرف لهما مخالفا فى الصحابة ، فكان إجماعا ،
ولأن الله تعالى قال (فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر) والقانع السائل يقال: قنع قنوعا إذا سأل، وقفع قناعة إذا
رضى، والمعتر الذى يعتريك أى يتعرض لك لتطعمه فلا يسأل، فذكر ثلاثة أصناف، فينبغى أن يقسم بينهم أثلاثا ،
قال: والأمر فى هذا واسع، فلو تصدق بها كلها أو بأكثرها جاز، وإن أكلها كلها إلا أوقية تصدق بها جاز، وقال
أصحاب الشافعى: يجوز أكلها كلها. ولنا أن الله تعالى قال: (فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر﴾ وقال (وأطعموا
البائس الفقير) والأمر يقتضى الوجوب. وقال بعض أهل العلم: يجب الأكل منها ولا تجوز الصدقة
بجميعها للأمر بالأكل منها - انتهى مختصرا. وقال فى الدر المختار: يأكل من لحم الاضحية ويؤكل غنيا ويدخر،
وندب أن لا ينقص التصدق عن الثلث وندب تركه لذى عيال توسعة عليهم ، وفى البدائع «يستحب أن يأكل من
إضحيته والأفضل أن يتصدق بالثلث ويتخذ الثلث ضيافة لأقربائه وأصدقائه ويدخر الثلث ، وله أن يهبه جميعا،
ولو تصدق بالكل جاز، ولو حبس لنفسه الكل جاز؛ لأن القربة بالدم والتصدق باللحم قطوع)) - انتهى ملخصا. قلت:
اختلفوا فى قوله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾ وفى قوله: ﴿فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر) أن
حكم الأكل المأمور به فى الآيتين هل هو الوجوب لظاهر صيغة الأمر أو الندب والاستحباب؟ جمهور أهل العلم على أن
الأمر بالأكل فيهما للاستحباب لا الوجوب ، والقرينة الصارفة عن الوجوب هى ما زعموا من أن المشركين كانوا لا
٢٤٤

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
وادخروا ، فإن ذلك العام
يأكلون هداياهم فرخص للمسلمين فى ذلك، وعليه فالمعنى: فكلوا إن شئتم ولا تحرموا الأكل على أنفسكم كما يفعله
المشركون. وقال ابن كثير فى تفسيره: إن القول بوجوب الأكل غريب وعزا للأكثرين أن
الأمر للاستحباب. قال: وهو اختيار ابن جرير فى تفسيره. وقال القرطبى فى تفسيره («فكلوا منها، أمر معناه الندب
عند الجمهور، ويستحب الرجل أن يأكل من هديه وإضحيته وأن يتصدق بالأكثر مع تجويزهم الصدقة بالكل وأكل
الكل. وشذت طائفة فأوجبت الأكل والإطعام بظاهر الآية، ولقوله موبايل: فكلوا وادخروا وتصدقوا - انتهى كلام
القرطي، ورجح الشنقيعلى الوجوب حيث قال: أقوى القولين دليلا وجوب الأكل والإطعام من الهدايا.
والضحايا، لأن الله تعالى قال: (فكلوا منها) فى موضعين، فأمر بالأكل من الذبائح مرتین، ولم يقم دليل يجب الرجوع
إليه صارف عن الوجوب، وكذلك الإطعام هذا هو الظاهر بحسب الصناعة الأصولية. قال: ومما يزيد أن الأمر فى
الآية يدل على وجوب الأكل وتأكيده أن النبي ◌َّمِ نحر مائة من الايل فأمر بقطعة من لحم من كل واحدة منها فأكل
منها وشرب من مرقها، وهو دليل واضح على أنه أراد أن لا تبقى واحدة من تلك الابل الكثيرة إلا وقد أكل منها أو
شرب من مرقها. وهذا يدل على أن الأمر فى قوله ( فكلوا منها) ليس لمجرد الاستحباب والتخيير إذ لو كان كذلك
لا کتفى بالأ کل من بعضها وشرب مرقه دون بعض. و کذلك الاطعام، فالأظهر فيه الوجوب ۔ انتهى. وقال أبو حيان
فى البحر المحيط: والظاهر وجوب الأكل والإطعام، وقيل باستحبابهما. وقيل باستحباب الأكل ووجوب الاطعام،
والأظهر أنه لا تحديد القدر الذى يأ كله، والقدر الذى يتصدق به ، فیأ كل ما شاء ويتصدق بما شاء، وقد قال بعض أهل
العلم: يتصدق بالنصف ويأكل النصف. واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير) قال فجرأها
نصفين ، نصف له ونصف للفقراء، وقال بعضهم: يجعلها ثلاثة أجزاء، يأكل الثلث ويتصدق بالثلث ويهدى الثلث ،
واستدل بقوله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر﴾﴾ فجزأها ثلاثة أجزاء، ثلث له وثاث للقانع وثاث للعتر.
هكذا قالوا، وأظهرما الأول ، والعلم عند الله تعالى (وادخروا) بتشديد الدال المهملة وأصله من ذخر بالمعجمة ،
دخلت عليها تاء الافتعال ثم أدغمت، ومنه قوله تعالى: ﴿واذكر بعد أمة - ١٢: ٤٥﴾ أى اجعلوا ذخيرة، وهو أمر
إباحة. قال الحافظ: يؤخذ من الإذن فى الادخار الجواز خلافا لمن كرهه. وقد ورد فى الادخار ((كان يدخر لأهله
قوت سنة، وفی رواية «کان لا يدخر الغد، والأول فى الصحیحین ، والثانى فى مسلم، والجمع بينهما أنه كان لا يدخر لنفسه
ويدخر لعياله، أو أن ذلك كان لاختلاف الحال فيتركه عند حاجة الناس إليه ويفعله عند عدم الحاجة - انتهى.
(فإن ذلك العام) أى الواقع فيه النهى علة لتحريم الادخار السابق وإيماء إلى أن الحكم يدور مع العلة وجوداً وعدما
٢٤٥

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
كان بالناس جهد، فأردت أن تعينوا فيهم. متفق عليه.
عن لحوم
نهيناكم
کنا
٢٦٦٨ - (١٨) وعن نبيشة، قال: قال رسول الله
فوق ثلاث لكى تسعكم، جاء اللّه بالسعة
تا كلوها
مها أن
(كان بالناس جهد) بفتح الجيم أى مشقة من جهة قحط السنة (فأردت) أى بالنهى عن الادخار (أن تعينوا فيهم) بالعين
المهملة من الإعانة . قال الطيبي: أى توقعوا الإعانة فيهم - انتهى. قال القارى: فجعله من باب التضمين كقول الشاعر:
يجرح فى عراقيها نصلى
ومنه قوله تعالى حكاية: ﴿وأصلح لى فى ذريتي - ٤٦: ١٥ ) ويمكن أن يكون التقدير: أن تعينونى فى حقهم فإن فقرم
كان صعبا عليه وَّة. قلت: قوله ((أن تعينوا فيهم، هكذا وقع فى جميع نسخ المشكاة ، وكذا ذكره الجزرى فى جامع
الأصول (ج ٤: ص ١٥٦) وهو خطأ، والصواب ((أن تعينوا فيها، كما وقع فى البخارى، يعنى تعينوا الفقراء فى المشقة،
والضمير فى ((تعينوا فيها)) الشفة المفهومة من الجهد. قال الحافظ: قوله ((أن تعينوا فيها)) كذا هنا من الامانة وفى
رواية مسلم عن محمد بن المثنى عن أبي عاصم شيخ البخارى فيه «فأردت أن يفشو فيهم، أى بالفاء والشين، وللإسماعيلى
عن أبي يعلى عن أبى خيثمة عن أبى عاصم: فأردت أن تقسموا فيهم كلوا وأطعموا وادخروا. قال عياض: الضمير فى
قعينوا فيها الشقة المفهومة من الجهد أو من الشدة أو من السنة لأنها سبب الجهد، وفى «يفشو فيهم، أى فى الناس يعنى
يشيع لحم الأضاحى فى الناس المحتاجين إليها. قال فى المشارق: ورواية البخارى أوجه. وقال فى شرح مسلم:
ورواية مسلم أشبه. قال الحافظ: قد عرفت أن مخرج الحديث واحد، ومداره على أبي عاصم وأنه تارة قال هذا
وتارة قال هذا، والمعنى فى كل صحيح فلا وجه الترجيح - انتهى (متفق عليه) أخرجاه فى الأضاحى، وهو الحديث
الثامن عشر من ثلاثيات الامام البخارى رواه عن أبي عاصم عن يزيد بن أبى عيد عن سلمة بن الأكوع. قال القارى:
لا يظهر وجه إيراد المصنف هذا الحديث فى هذا الباب كما لا يخفى، ولعله أراد به تفسيرا لحديث جابر فى آخر الفصل
الأول. والحديث أخرجه البيهقى فى الأضاحى (ج ٩، ص ٢٩٢).
٢٦٦٨ - قوله (وعن نبيشة) بضم النون وفتح الموحدة، وهو نيشة الخير الهذلى، تقدم ترجمته (إنا كنا نهناكم
عن لحومها) أى الأضاحى أو الهدايا، فيظهر وجه المناسبة للباب، قاله القارى. قلت: وقع فى رواية لأحمد «إنى كنت
نهيتكم عن لحوم الأضاحى، (أن تأكلوما) بدل اشتمال (فوق ثلاث) أى ليال (لكى تسعكم) من الوسع أى ليصيب
لحومہا کلکم من ضحی ومن لم یضح (جاء الله) وفی بعض نسخ أبى داود «فقد جاء الله، وهكذا وقع فى مسند أحمد
(بالسعة) بفتح السين، ومنه قوله تعالى: ﴿لينفق ذوسعة من سعته - ٦٥: ٧) استئناف مبين لتغيير الحكم، أى أتى الله
٢٤٦

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
فكلوا وادخروا وانتجروا، ألا وإن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله. رواه أبوداود.
بالخصب وسعة الخير وأتى بالرخاء وكثرة اللحم، فإذا كان الأمر كذلك (فكلوا وادخروا وانتجروا) افتعال من
الأجر أى اطلبوا الأجر بالتصدق، قال المنذرى: افتعلوا من الأجر يريد الصدقة التى يتبعها أجرها وثوابها، وليس
من باب التجارة، لأن البيع فى الضحايا فاسد. قلت: وقع فى بعض نسخ أبى داود ((واتجروا، بتشديد التاء، وكان
أصله انتجروا، ثم أدغم كما فى ((اتخذ، قال الخطابي: ((واتجرواء أصله ابتجروا على وزن افتعلوا، يريد الصدقة التى
يبتغى أجرها وثوابها، ثم قبل اتجروا كما قيل اتخذت الشئ، وأصله اتخذته، وهو من الأخذ، فهو من الأجر،، وليس من
باب التجارة، لأن البيع فى الضحايا فاسد، إنما تؤكل ويتصدق منها - انتهى (ألا) للتنبيه (وإن هذه الأيام) أى أيام
منى وهى أربعة، قاله القارى (أيام أكل وشرب) بضم الشين وفتحها فيحرم الصيام فيها، وقد علل ذلك على رضى الله
عنه بأن القوم زاروا الله وهم فى ضيافته فى هذه الأيام وليس للضيف أن يصوم دون إذن من أضافه، رواه البيهقى بسند
مقبول ، ومن ثم قال جمع: سر ذلك أنه تعالى دعا عباده إلى زيارة بيته، فأجابوه وقد أهدى كل على قدر وسعه ، وذبحوا
هديهم فقبله منهم وجعل لهم ضيافة وهى ثلاثة أيام ، فأوسع زواره طعاما وشرابا ثلاثة أيام، وسنة الملوك إذا أضافوا
أطعموا من على الباب كما يطعمون من فى الدار، والكعبة هى الدار، وسائر الأقطار باب الدار، فعم الله الكل بضيافته
فمنع صيامها، ذكره الزرقانى (ذكر الله) أى كثرة ذكره تعالى لقوله تعالى: ﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم
آباءكم أو أشد ذكرا - ٢: ٢٠٠) ولقوله عز وجل: ﴿واذكروا الله فى أيام معدودات - ٢٠٣:٢﴾ قال الزرقانى:
وعقب الأكل والشرب بقوله ((وذكر الله) لئلا يستغرق العبد فى حظوظ نفسه وينسى حقوق الله تعالى. قال الطيبي: هذا
من باب التميم، فإنه لما أضاف الأكل والشرب إلى الأيام أوهم أنها لا تصلح إلا لهما، لأن الناس أضياف الله فيها،
فتدارك بقوله «وذكر الله)) لئلا يستغرقوا أوقاتهم بالذات النفسانية فينوا نصيبهم من الروحانية، ونظيره فى التنعيم
الصيانة أى الاحتراس قول الشاعر :
فسقى ديارك غير مفسدها
صوب الربيع وديمة تھمی
قال الخطابي: قوله ((هذه الأيام أيام أكل وشرب)) فيه دليل على أن صوم أيام التشريق غير جائز لأنه قد وسمها بالأكل
والشرب كما وسم يوم العيد بالفطر ثم لم يجز صيامه فكذلك أيام التشريق، وسواء كان ذلك تطوعا من الصائم أو نذرا
أو صامها الحاج عن التمتع - انتهى. قلت: رواه مسلم فى كتاب الصوم بلفظ ((أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله))
وقد ذكره المصنف فى باب صيام التطوع، وتقدم هناك الكلام فى صيام أيام التشريق مفصلا (رواه أبو داود) فى الأضاحى
وسکت عليه. قال المنذری: وأخرجه النسائی بتمامه ، وأخرجه ابن ماجه مختصرا على الإذن فى الادخار فوق ثلاث،
وأخرج مسلم الفصل الثانى فى ذكر الأكل والشرب والذكر - انتهى. قلت: وأخرجه أيضا مطولا أحمد (ج ٥: ص ٧٥،
٧٦) والبيهقى (ج ٩: ص ٢٩٢).
٢٤٧

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٨ - باب الحلق
(٨) باب الحلق
(باب الحلق) أی والقصر ، وا کتفى بأفضلهما ، والكلام ههنا فى ستة أمور بسطها الباجی فی شرح «باب ما جاء فى
الحلاق)، من الموطأ، الأول: فى حكم الحلق، الثانى: فى صفته. الثالث: فى موضعه، الرابع: فى وقته، الخامس: فيما
يتعلق به من الأحكام ، السادس: فى أنه هل هو نسك أو تحلل، قال العينى: قال شيخنا زين الدين العـراقى فى شرح
الترمذى: إن الحلق نسك، قاله النووى. وهو قول أكثر أهل العلم، وهو القول الصحيح الشافعى، وفيه خمسة أوجه
أصمها أنه ركن لا يصح الحج والعمرة إلا به، والثانى أنه واجب، والثالث أنه مستحب، والرابع أنه استباحة محظور،
والخامس أنه ركن فى الحج واجب فى العمرة، وإليه ذهب الشيخ أبو حامد وغير واحد من الشافعية - انتهى. وصحح
النووى فى مناسكه أنه نسك وأنه ركن لا يصح الحج إلا به ولا يجبر بدم. وقال فى شرح مسلم: مذهبنا المشهور أن
الحلق أو التقصير نسك من مناسك الحج والعمرة وركن من أركانهما لا يحصل واحد منهما إلا به، وبهذا قال العلماء
كافة، والشافعى قول شاذ ضعيف أنه استباحة محظور كالطيب واللباس وليس بنسك، والصواب الأول - انتهى.
وبوب البخارى فى صحيحه («باب الحلق والتقصير عند الإحلال، قال ابن المنير فى الحاشية: أفهم البخارى بهذه الترجمة
أن الحلق نسك لقوله ((عند الإحلال)، وليس هو نفس التحلل، وكأنه استدل على ذلك بدعائه مرثية لفاعله، والدعاء
يشعر بالثواب، والثواب لا يكون إلا على العبادة لا على المباحات، وكذلك تفضيله الحلق على التقصير يشعر بذلك،
لأن المباحات لاتتفاضل، والقول بأن الحلق نسك قول الجمهور إلا رواية مضعفة عن الشافعى أنه استباحة محظور، وقد
أوهم كلام ابن المنذر أن الشافعی تفرد بها ، لکن حکیت أيضا عن عطاء وعن أبی یوسف ، وهی روایة عن أحمد وعن
بعض المالكية، كذا فى الفتح، وقال الباجى: وعندنا أنه نسك وهو أحد قولى الشافعى ، والدليل على أنه نسك یئاب
صاحبه على فعله قوله تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام - ٤٨: ٢٧ ) الآية. فوصف دخول المسجد على هذه الصفة
فيما وعدهم به، ولو لم يكن نسكا مقصودا لما وصف دخولهم به كما لم يصف دخولهم بلبسهم الثياب. ووجه ثان أنه كناية
عن الحج أو العمرة، ولو لم يكن من النسك لما كنى به عنه، ودليلنا من جهة السنة حديث ابن عمر فى الدعاء للمحلقين، فلو لم
يكن فعلا يثاب عليه فاعله لما دعا له، وايضا إنه عليه السلام أظهر تفضيل الحلاق على التقصير ولو لم يكن نسكا له فضيلة
لما كان أفضل من التقصير كما أنه ليس لبس نوع من الثياب أفضل من أس غير ذلك ـ انتهى. وقال ابن قدامة
(ج ٣: ص ٤٣٥): الحلق والتقصير نسك فى الحج والعمرة فى ظاهر مذهب أحمد وقول الخرق ، وهو قول مالك وأبى
حنيفة والشافعى ، وعن أحمد أنه ليس بنسك، وإنما هو إطلاق من محظور كان محرما عليه بالإحرام ، فأطلق فيه عند
الخل كاللباس والطيب وسائر محظورات الإحرام، فعلى هذه الرواية لا شتی علی تارکه ، ويحصل الحل بدونه، ووجها
أن الني وزّ أمر بالحل من العمرة قبله فروى أبو موسى قال قدمت على رسول اللّه وَ بيه فقال لى: بم أهللت؟ قلت:
٢٤٨

مرعاة المفاتيح ج 1
١٠ - كتاب المناسك
٨ - باب الحلق
( الفصل الأول )!
٢٦٦٩ - (١) عن ابن عمر، أن رسول اللّه مَي حلق رأسه فى حجة الوداع، وأناس من أصحابه،
وقصر بعضهم.
ليك بإهلال كاملال رسول اللّه مربع. قال: أحسنت، فأمرنى فطفت بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم قال لى: أحل،
متفق عليه. وعن جابر، أن النبي تَث لما سعى بين الصفا والمروة قال من كان معه هدى فليحل وليجعلها عمرة. رواه
مسلم. وعن سراقة أن النبي مَثم قال: إذا قدمتم فمن تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حل إلا من كان معه هدى
رواه أبو إسحاق الجوزجاني، والرواية الأولى أصح، فإن النبي ◌َّم أمر به فروى ابن عمر أن النبي ◌َّ قال: من لم
يكن معه هدى فيطف بالبيت وبين الصفا والمروة وليقصر وليلل. وعن جابر، أن النبي تؤثم قال: أحلوا إحرامكم
بطواف بالبيت (والصفا والمروة) وقصروا. وأمره يقتضى الوجوب. ولأن الله تعالى وصفهم به بقوله سبحانه:
( محلقين رؤسكم ومقصرين - ٤٨: ٢٧) ولو لم يكن من المناسك لما وصفهم به كالبس وقتل الصيد، ولأن النبى مَّ
ترحم على المحلقين ثلاثا وعلى المقصرين مرة. ولو لم يكن من المناسك لما دخله التفضيل كالمباحات، ولأن النبي:
وأصحابه فعلوه فى جميع حبهم وعمرهم ولم يخلوا به، ولو لم يكن نسكا لما داوموا عليه بل لم يفعلوه، لأنه لم يكن من
عادتهم فيفعلوه عادة، ولا فيه فضل فيفعلوه لفضله، وأما أمره بالحل فإنما معناه - والله أعلم - الحل بفعله، لأن
ذلك كان مشهورا عندهم ، فاستغنى عن ذكره، ولا يمتنع الحل من العبادة بما كان محرما فيها كالسلام من الصلاة -
انتهى. قال الولى العراقى فى شرح التقريب: القائلون بأنه نسك اختلفوا فى أنه ركن الحج لا يتم إلا بفعله ولا يجبر بدم
أو واجب، فذهب إلى الأول أكثر الشافعية. وقال إمام الحرمين: إنه متفق عليه، وقال النووى: إنه الصواب، وذهب
الداركى والشيخ أبو إسحاق الشيرازى إلى أنه واجب، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، وذهب الشيخ أبو حامد الإسفرائينى
وجماعة إلى أنه ركن فى العمرة واجب فى الحج.
٢٦٦٩ - قوله (حلق رأسه) بتشديد اللام وتخفيفها أى أمر بحلقه (فى حجة الوداع وأناس من أصحابه) أى
حلقوا لإدراك شرف متابعته وفضيلة الحلق التى بينه بالدعاء للمحلقين مرات (وقصر) بتشديد الصاد (بعضهم) أى بعض
أصحابه أخذا بالرخصة بعددعائه القصرين فى المرة الأخيرة بالتماسهم. قال القارى: ويمكن أن يكون المراد من قوله ((وقصر
بعضهم، أى بعد عمرتهم قبل حجتهم - انتهى. واللفظ المذكور البخارى فى المغازى، أخرجه من طريق موسى بن عقبة
عن نافع عن عبد الله بن عمر، وأخرج مسلم من طريق الليث بن سعد عن نافع أن عبد الله قال: حلق رسول الله
وحلق طائفة من أصحابه وقصر بعضهم، قال عبد الله: إن رسول الله يزبل قال: رحم الله المحلقين. مرة أو مرتين
٢٤٩

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٨ - باب الحلق
متفق عليه.
٢٦٧٠ - (٢) وعن ابن عباس، قال: قال لى معاوية: إنى قصرت من رأس النى مَّ عند المروة
بمشقص.
(الشك من الليث) ثم قال «والمقصرين، ومجموع الروايتين يدل على أن الحلق والدعاء للمحلقين كان فى حجة الوداع،
وسيأتى الكلام فيه مفصلا. تنبيه: أفاد ابن خزيمة فى صحيحه من الوجه الذى أخرجه البخارى منه فى المغازى
من طريق موسى بن عقبة عن نافع متصلا بالمتن المذكور ، قال: وزعموا أن الذى حلقه معمر بن عبد الله بن فضلة ،
وبين أبو مسعود فى الأطراف أن قائل ((وزعموا)) ابن جريج الراوى له عن موسى بن عقبة، كذا فى الفتح، وقال النووى:
اختلفوا فى اسم الحالق فالصحيح أنه معمر بن عبد اللّه (العدوى) كما ذكر البخارى. وقيل هو خراش بن أمية، وهو
بمعجمتين (الأولى مكسورة) انتهى. قال الحافظ: والصحيح أن خراشا كان الحالق بالحديبية، والله أعلم. قلت: وقد
بينه ابن عبد البر فقال فى ترجمة خراش بن أمية بن الفضل الكعبى الخزاعى: وهو الذى حاق رأس رسول اللّه تمثيل يوم
الحديبية - انتهى. ولمعمر بن عبد الله الذى حلقه فى حجة الوداع قصة رواها أحمد والطبرانى فى الكبير كما فى مجمع
الزوائد، والبخارى فى تاريخه الكبير كما حكاها العينى (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الحج وفى المغازى، ومسلم فى الحج،
واللفظ المذكور للبخارى فى المغازى، وأخرجه أيضا الترمذى والبيهقى (ج ٥: ص ١٠٣، ١٣٤).
٢٦٧٠ - قوله (قال لى معاوية) أى ابن أبى سفيان (إنى قصرت من رأس النبى مؤثر) أى من شعر رأسه،
واستدل به من ذهب إلى اجتزاء تقصير بعض شعر الرأس كالحاق لأن ظاهر حرف («من» للتبعيض. ووقع عند أحمد (ج ٤:
ص ٩٢) والنسائى من طريق عطاء أن معاوية حدث أنه أخذ من أطراف شعر رسول الله وروبي فى أيام العشر - الحديث.
قال : لو ثبت هذا لكفى فى تقدير الحلق والقصر ببعض الرأس - انتهى. قلت: اختلفت ألفاظ الرواية، وفى بعضها ((قال
قصرت عن رسول الله مرثية، وهذا كما ترى مجمل، وأما ما وقع فى بعض الروايات من قوله ((قصرت من رأسه)) أو
((أخذ من أطراف شعره، فالظاهر أن المراد به فنى المبالغة فى التقصير بحيث يبلغ إلى أصل الشعر لا الاجتزاء بأخذ بض
الرأس وترك بعضه على أن حمل فعله على المتفق عليه أولى من حمله على المختلف فيه بل هو المتعين، والله أعلم. قال
النووى: فى هذا الحديث جواز الاقتصار على التقصير وإن كان الحلق أفضل، وسواء فى ذلك الحاج والمعتمر إلا أنه
يستحب التمتع أن يقصر فى العمرة ويحلق فى الحج ليقع الحاق فى أكمل العبادتين، وقد سبقت الأحاديث فى هذا - انتهى
(عند المروة) فيه أنه يستحب أن يكون عصير ا .. أو حلقه عند المروة لأنها موضع تحالله كما يستحب للجاج أن يكون
حلقه أو تقصيره فى منى لأنها موضع تحلله، وحيث حلقا أو قصرا من الحرم كله جاز (بمشقص) بكسر الميم وإسكان
٢٥٠

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٨ - باب الحلق
الشين المعجمة وفتح القاف وآخره صاد مهملة أى نصل طويل عريض أو غير عريض له حدة ، وقيل المراد به المقص
وهو الأشبه فى هذا المحل، قاله القارى. وقال فى اللعات: مشقص كمنبر، وهو نصل عريض أوسهم فيه ذلك، وقيل المراد به
الجلم بالجيم بفتحتين وهو الذى يجز به الشعر والصوف وهو أشبه. ثم اعلم أن فى الحديث إشكالا وهو أنه لا
يدرى أن تقصير رأسه وَل الذى أخبر به معاوية كان فى الحج أو فى العمرة؟ ولا يصح الحمل على الأول، لأن الحلق
والتقصير من الحاج يكون بمنى لا عند المروة. وأيضاً قد ثبت حلق رأسه فى الحج فتعين أن يكون فى العمرة ، ثم فى أى
عمرة من عمره كان؟ لا يجوز أن يكون فى العمرة الحكمية التى كانت بالحديبية لأنه حلق يومئذ فيها ولم يدخل مكة ولم
يسلم معاوية يومئذ، ولا يصح أن يحمل على عمرة القضاء لأنه قد ثبت عن أهل العلم بالسير أن معاوية إنما أسلم عام الفتح،
نعم قد ينقل عنه نفسه أنه كان يقول: أسلمت عام القضية ، لكن الصحيح أنه أسلم عام الفتح. وفى هذا النقل وهن ، أو
يحمل على عمرة الجعرانة وكان فى ذى القعدة عام الفتح، وذلك أيضا لا يصح لأنه قد جاء فى بعض ألفاظ الصحيح
((وذلك فى حجته)) وفى رواية النسائى بإسناد صحيح ((وذلك فى أيام العشر، وهذا إنما يكون فى حجة الوداع، كذافى
المواهب فتعين حمله على عمرة حجة الوداع، وقد ثبت أنه ميثية لم يحل يومئذ ولا من كان معه هدى، وإنما أمر في
من لم يسق الهدى، نعم قد توهم بعض الناس أنه تمَّثم حج متمتعا حل فيه من إحرامه ثم أحرم يوم التروية بالحج مع
سوق الهدى، وتمسكوا بهذا الحديث من معاوية لكن الصواب أنه تَئي لم يحل يومئذ. وقد قالوا: إن الصحابة أنكررا
هذا القول على معاوية وغلطوه فيه كما أنكروا على ابن عمر فى قوله ((إن إحدى عمره من كان فى رجب» قال التور بشتى
الوجه فيه أن تقول: نسى معاوية أنه كان فى حجة الوداع، ولا يستبعد ذلك فى من شغلته الشواغل ونازعته الدهور
والأعصار فى سمعه وأبصاره وذهنه، وكان قد جاوز الثمانين وعاش بعد حجة الوداع خمسين سنة - انتهى. حينئذ
يحمل ذلك على عمرة الجعرانة، ويكون. ذكر الحجة وأيام العشر سهواً والله أعلم - انتهى ما فى اللعات. وقال ابن
الحمام: حديث معاوية (أى فى إحلاله ◌َّ بالتقصير عند المروة) إما هو خط أو محمول على عمرة الجعرانة فإنه قد كان
أسلم إذ ذاك وهى عمرة خفيت على بعض الناس لأنها كانت ليلا على ما فى الترمذى والنسائى، وعلى هذا فيجب الحكم
على الزيادة انتى فى النسائى وهو قوله ((فى أيام العشر) بالخطأ ولو كانت بسند صحيح إما للنسيان من معاوية أو من بعض
الرواة، كذا فى المرقاة. وقال الحافظ بعد ذكر رواية الباب: هذا يحتمل أن يكون فى عمرة القضية أو الجراءة
لكن وقع عند مسلم والنسائى ما يدل على أن ابن عباس حمل ذلك على وقوعه فى حجة الوداع لقوله لمعاوية: إن هذه
حجة عليك إذ لو كان فى العمرة لما كان فيه على معاوية حبة، وأصرح منه ما وقع عند أحمد (ج ٤: ص ٩٢)
من طريق قيس بن سعد عن عطاء أن معاوية حدث أنه أخذ من أطراف شعر رسول اللّه وَيم فى أيام العشر بمشقص
٢٥١

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٨ - باب الحلق
معى وهو محرم، وفى كونه فى حجة الوداع نظر لأن النبي تؤثّة لم يحل حتى بلغ الهدى محله فكيف يقصر عنه على المروة
وقد بالغ النووى هنا فى الرد على من زعم أن ذلك كان فى حجة الوداع فقال: هذا الحديث محمول على أن معاوية
قصر عن النبي ◌َُّ فى عمرة الجعرانة، لأن النبي تَيثير فى حجة الوداع كان قارنا وثبت أنه حلق بمنى ، وفرق أبو طلحة
شعره بين الناس فلا يصح حمل تقصير معاوية على حجة الوداع ولا يصح حمله أيضا على عمرة القضاء الواقعة سنة سبع،
لأن معاوية لم يكن يومئذ مسلما، إنما أسلم يوم الفتح سنة ثمان، هذا هو الصحيح المشهور، ولا يصح قول من حمله على حجة
الوداع، وزعم أن النبي ◌َّ كان متمتعا، لأن هذا غلط فاحش ، فقد تظاهرت الأحاديث فى مسلم وغيره أن النبي
وَّ قيل له: ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: إنى لبدت رأسى وقلدت حدى فلا أجل
حتى أنحر. قلت (قائله الحافظ): ولم يذكر الشيخ هنا ما مر فى عمرة القضية والذى رجحه من كون معاوية إنما أسلم
يوم الفتح صحيح من حيث السند لكن يمكن الجمع بأنه كان أسلم خفية وكان يكتم إسلامه، ولم يتمكن من إظهاره إلا
يوم الفتح. وقد أخرج ابن عساكر فى تاريخ دمشق من ترجمة معاوية تصريح معاوية بأنه أسلم بين الحديبية والقضية، وأنه كان يخفى
إسلامه خوفا من أبويه، وكان النبي يؤثّم لما دخل فى عمرة القضية مكة خرج أكثر أهلها عنها حتى لا ينظرونه وأصحابه
يطوفون بالبيت ، فلعل معاوية كان ممن تخلف بمكة بسبب اقتضاه. ولا يعارضه أيضا قول سعد بن أبى وقاص
فيما أخرجه مسلم وغيره: فعلناها يعنى العمرة فى أشهر الحج، وهذا يومئذ كافر بالعرش - بضمتين - يعنى بيوت
مكة ، يشير إلى معاوية، لأنه يحمل على أنه أخبر بما استصحبه من حاله ولم يطلع على إسلامه لكونه كان يخفيه.
ويعكر على ما جوزوه أن تقصيره كان فى عمرة الجعرانة أن النبي ومؤثّم ركب من الجعرانة بعد أن أحرم بعمرة ولم
يستصحب أحدا معه إلا بعض أصحابه المهاجرين فقدم مكة فطاف وسعى وحلق ورجع إلى الجعرانة فأصبح بها كبائت،
نففيت عمرته على كثير من الناس، كذا أخرجه الترمذى وغيره، ولم يعدوا معاوية فيمن كان صحبه حينئذ ولا كان
معاوية فيمن تخلف عنه بمكة فى غزوة حنين حتى يقال لعله وجده بمكة ، بل كان مع القوم وأعطاه مثل ما أعطى أباه
من الغنيمة مع جملة المؤلفة، وأخرج الحاكم فى الاكليل فى آخر قصة غزوة حنين أن الذى حلق رأسه مزبيل فى
عمرته التى اعتمرما من الجعرانة أبو هند عبد بنى بساضة. فإن ثبت هذا وثبت أن معاوية كان حينئذ معه وكان بمكد
نقصر عنه بالمروة أمكن الجمع بأن يكون معاوية قصر عنه أولا وكان الحلاق غائبا فى بعض حاجته ثم حضر فأمره
أن يكل إزالة الشعر بالحلق لأنه أفضل ففعل، وإن ثبت أن ذلك كان فى عمرة القضية، وثبت أنه مزيج حلق فيها جاء
هذا الاحتمال بعينه وحصل التوفيق بين الأخبار كلها ، وهذا ما فتح الله على به فى هذا الفتح ولله الحمد ثم لله الحمد أبدا.
قال صاحب الهدى: الأحاديث الصحيحة المستفيضة تدل على أنه ورث لم يحل من إحرامه إلى يوم النحر كما أخبر عن
٢٥٢

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٨ - باب الحلق
متفق عليه .
٢٦٧١ - (٣) وعن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فى حجة الوداع:
نفسه بقوله ((فلا أحل حتى أنحر)، وهو خبر لا يدخله الوهم بخلاف خبر غيره، ثم قال: فلعل معاوية قصر عنه فى عمرة
الجعرانة فنسى بعد ذلك وظن أنه كان فى حجته - انتهى. ولا يعكر على هذا إلا رواية قيس بن سعد المتقدمة لتصريحه
فيها بكون ذلك فى أيام العشرة إلا أنها شاذة. وقد قال قيس بن سعد عقبها: والناس ينكرون ذلك على معاوية - انتهى.
وأظن قيسا رواها بالمعنى ثم حدث بها فوقع له ذلك. وقد أشار النووى إلى ترجيح كونه فى الجعرانة وصوبه
المحب الطبرى وابن القيم وفيه نظر لأنه جاء أنه حلق فى الجعرانة واستبعاد بعضهم أن معاوية قصر عنه فى عمرة
الحديبية لكونه لم يكن أسلم ليس بعيد - انتهى كلام الحافظ. قلت : لا إشكال فى رواية الشيخين فإنها تحمل على عمرة
من عمره كما وقع التصريح بذلك فى رواية النسائى. والمراد بها عمرة الجعرانة ، كما قال النووى والمحب الطبري وابن
القيم وغيرهم، وأما ما وقع فى رواية الحاكم فى الاكليل ورواية الملا فى سيرته على ما حكاه الطبرى من أنه حاق فى
عمرة الجعرانة فقد تقدم وجه الجمع بينه وبين روايات ((أنه قصر عنه، والمشكل إنما هو رواية أبى داود بلفظ (( قصرت
عنه على المروة بحجته، ورواية أحمد والنسائى بلفظ ((أخذ من أطراف شعر النبى نزَّن فى أيام العشر)، وأول المنذرى
رواية أبى داود بأن قوله «لحجته)) يعنى لعمرته، قال: وقد أخرجه النسائي أيضا، وفيه («فى عمرة على المروة، وتسمى
العمرة حجا، لأن معناها القصد، وقد قالت حفصة: ما بال الناس حلوا ، ولم تحلل أنت من عمرتك؟ قيل: إنما تعنى
من حجتك - انتهى. وأما رواية أحمد والنسائى فهى محمولة على الخطأ والنسيان والوهم كما قال التور بشتى وابن القيم
وابن الحمام والطبي والحافظ، والله أعلم (متفق عليه) واللفظ لمسلم، وقوله («عند المروة)، مما تفرد به مسلم دون البخارى،
والحديث أخرجه أيضا أحمد (ج ٤: ص ٩٥، ٩٧،٩٦، ٩٨، ١٠٢) وأبو داود فى باب الأقران، والنسائى والبيهقى
(ج ٥: ص ١٠٢).
٢٦٧١ - قوله (قال فى حجة الوداع) هكذا فى جميع نسخ المشكاة والمصابيح وهو خطأ من المصنف والبغوى،
فإن الحديث رواه مالك فى الموطأ عن نافع عن ابن عمر ومن طريق مالك رواه أحمد (ج ٢: ص ٧٩) والبخارى
ومسلم وأبو داود وليس عندهم قوله «فى حجة الوداع، وقد اختلف المتكلمون على هذا الحديث فى الوقت الذى
قال فيه رسول الله مَث ذلك فقال ابن عبد البر: كونه فى الحديبية هو المحفوظ. وقال النووى: الصحيح المشهور أنه
كان فى حجة الوداع. قال القاضى عياض: لا يبعد أن النبي ◌َّم قاله فى الموضعين. قال العينى: ما قاله القاضى هو
الصواب جمعا بين الأحاديث ، وهو الذى اختاره الحافظ حيث قال: قال ابن عبد البر: لم يذكر أحد من رواة نافع عن
٢٥٣

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٨ - باب الحلق
ابن عمر أن ذلك كان يوم الحديبية ، وهو تقصير وحذف، وإنما جرى ذلك يوم الحديبية حين صد عن البيت، وهذا
محفوظ مشهور من حديث ابن عمر وابن عباس وأبي سعيد وأبي هريرة وحشی پن جنادة وغيرهم ، ثم أخرج حدیث
أبى سعيد بلفظ سمعت رسول الله ميثم يستغفر لأهل الحديبية للحلقين ثلاثا والقصرين مرة، وحديث ابن عباس بلفظ
(«حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون فقال رسول اللّه تَوثي: رحم الله المحلقين)) الحديث. وحديث أبى هريرة
من طريق محمد بن فضيل الذى أخرجه البخارى بلفظ «قال رسول الله مرثية: اللهم اغفر الحلقين، قالوا: والمقصرين، قال:
اللهم اغفر للحلقين. قالوا: والمقصرين؟ قالها ثلاثا. قال: والقصرين. ولم يسق ابن عبد البر لفظه بل قال: نذكر
معناه وتجوز فى ذلك فإنه ليس فى رواية أبى هريرة تعيين الموضع، ولم يقع فى شتى من طرقه التصريح بسماعه لذلك من
النبى ◌َّ، ولو وقع لقطعنا بأنه كان فى حجة الوداع لأنه شهدها، ولم يشهد الحديبية ، ولم يسق ابن عبد البر عن ابن
عمر فى هذا شيئًا ولم أقف على تعين الحديبية فى شتى من الطريق عنه، وقد قدمت فى صدر الباب (أى باب الحلق
والتقصير عند الا حلال) أنه مخرج من مجموع الأحاديث عنه أن ذلك كان فى حجة الوداع كما يؤمثى إليه صنيع البخارى،
وحديث أبى سعيد الذى أخرجه ابن عبد البر أخرجه أيضا الطحاوى من طريق الأوزاعى ، وأحمد وابن أبى شيبة وأبو
داود الطيالسى من طريق هشام الدستوائى كلاهما عن يحيى بن أبي كثير عن أبى إبراهيم الأنصارى عن أبى سعيد، وزاد
فيه أبو داود (وأحمد) أن الصحابة حلقوا يوم الحديبية إلا عثمان وأبا قتادة، وأما حديث ابن عباس فأخرجه ابن ماجه
من طريق ابن إسحاق حدثنى ابن أبي نجيح عن مجاهد عنه وهو عند ابن إسحاق فى المغازى بهذا الإسناد وأن ذلك كان
بالحديبية، و كذلك أخرجه أحمد وغيره من طريقه، وأما حديث حبشی بن جنادة فأخرجه ابن أبى شيبة من طريق أبي
إسحاق عنه ولم يعين المكان ، وأخرجه أحمد من هذا الوجه (ج ٤: ص ١٦٥،١٦٤) وزاد فى سياقه «عن حبشى
وكان من شهد حجة الوداع، فذكر هذا الحديث ، وهذا يشعر بأنه كان فى حجة الوداع ، وأما قول ابن عبد البر فرهم،
فقد ورد تعبين الحديبية من حديث جابر عند أبى قرة فى السنن ، ومن طريق الطبرانى فى الأوسط ، ومن حديث المسور
ابن مخرمة عند ابن إسحاق فى المغازى، وورد تعبين حجة الوداع من حديث أبى مريم السلولى عند أحمد وابن أبى
شيبة ، ومن حديث أم الحصين عند مسلم ، ومن حديث قارب بن الأسود الثقفى عند أحمد وابن أبى شيبة، ومن حديث
أم عمارة عند الحارث. فالأحاديث التى فيها تعيين حجة الوداع أكثر عددا وأصح إسنادا (لأن بعضها فى صحيح مسلم
بخلاف الحديبية) ولهذا قال النووى عقب أحاديث ابن عمر وأبى هريرة وابن الحصين : هذه الأحاديث تدل على أن
هذه الواقعة كانت فى حجة الوداع. قال: وهو الصحيح المشهور ، وقيل : كان فى الحديبية ، وجزم بأن ذلك كان فى
الحديبية إمام الحرمين فى النهاية. ثم قال النووى: لا يعد أن يكون وقع فى الموضعين - انتهى. وقال عياض: كان
٢٥٤
.

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٨ - باب الحاق
اللهم ارحم المحلقين.
فى الموضعين. وقال ابن دقيق العيد: إنه الأقرب. قلت (قائله الحافظ): بل هو المتعين لتظافر الروايات بذلك فى
الموضعين كما قدمناه إلا أن السبب فى الموضعين مختلف. فالذى فى الحديبية كان بسبب توقف من توقف من الصحابة
عن الإحلال لما دخل عليهم من الحزن لكونهم منعوا من الوصول إلى البيت مع اقتدارهم فى أنفسهم على ذلك فخالفهم
الفي مَثّ وصالح قريشا على أن يرجع من العام المقبل، والقصة مشهورة، فلما أمرهم النبي مَثّم بالإحلال توقفوا ،
فأشارت أم سلمة أن يحل هو ترثم قبلهم ففعل فتبعوه، فحلق بعضهم وقصر بعض، وكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى
امتثال الأمر من اقتصر على التقصير وقد وقع التصريح بهذا السبب فى حديث ابن عباس المشار إليه قبل ، فإن فى آخره
عند ابن ماجه وغيره أنهم قالوا: يا رسول الله ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالرحمة؟ قال لأنهم لم يشكوا (فى أن ما فعلته
أحسن مما قام فى أنفسهم، أو معناه أى ما عاملوا معاملة من يشك فى أن الاتباع أحسن، وأما من قصر فقد عامل معاملة
الشاك فى ذلك حيث ترك فله متى) وأما السبب فى تكرير الدعاء للحلقين فى حجة الوداع فقال ابن الأثير فى النهاية:
كان أكثر من حج مع رسول اللّه مَ ثل لم يسق الهدى، فلما أمرهم أن يفسخوا الحج ثم يتحللوا منها ويحلقوا رؤسهم
شق عليهم، ثم لما لم يكن لهم بد من الطاعة كان التقصير فى أنفسهم أخف من الحلق ففعله أكثرهم، فرجح التي مؤ لّة
فعل من حاق لكونه أبين فى امتثال الأمر - انتهى. قال الحافظ: وفيما قاله نظر ، وإن تابعه عليه غير واحد ، لأن
المتمتع يستحب فى حقه أن يقصر فى العمرة ويحلق فى الحج إذا كان ما بين التسكين متقاربا ، وقد كان ذلك فى حقهم
كذلك، فالأولى ما قاله الخطابى وغيره أن عادة العرب أنها كانت تحب توفير الشعر والتزين به وكان الحلق فيهم قليلا
وربما كانوا يرونه من الشهرة، ومن زى الأعاجم، فلذلك كرهوا الحلق واقتصروا على التقصير، قلت: ما حكاه الحافظ
عن الخطابى يأبى عنه كلام الخطابى فى المعالم (ج ٢: ص ٤١٨) حيث قال فى شرح حديث ابن عمر: قلت كان أكثر
من أحرم مع رسول اللّه ◌ُٹے من الصحابة لیس معهم هدى ، وكان بُّے قد ساق الهدى ، ومن كان معه هدی فانه لا
يحاق حتى ينحر هديه، فلما أمر من ليس معه هدى أن يحل وجدوا من ذلك فى أنفسهم وأحبوا أن يأذن لهم فى المقام
على إحرامهم حتى يكملوا الحج، وكان طاعة رسول اللّه وَثّل أولى بهم، فلما لم يكن لهم بد من الاجلال كان التقصير فى
نفوسهم أحب من الحلق، فمالوا إلى التقصير، فلما رأى ذلك رسول الله مؤثّم منهم أخرهم فى الدعاء وقدم عليهم من حلق
وبادر إلى الطاعة وقصر بمن تهيبه وحاد عنه، ثم جمعهم فى الدعوة وعمهم بالرحمة - انتهى. وهذا كما ترى مو عين ما
قاله ابن الأثير فى النهاية (اللهم ارحم المحلقين) حيث عملوا بالأفضل لأن العمل بما بدأ الله تعالى فى قوله ( محلقين
رؤسكم ومقصرين - ٢٧:٤٨) أكمل. وقضاء التفث المأمور به فى قوله عز وجل ﴿ثم ليقضوا تفتهم - ٢٢: ٢٩)
٢٥٥

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٨ - باب الحلق
قالوا: والمقصرين يا رسول الله. قال: اللهم ارحم المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله. قال:
والمقصرين.
يكون به أجمل، ويكون فى ميزان العمل أثقل، وفيه دليل على الترحم على الحى وعدم اختصاصه بالميت (قالوا) أى
الصحابة ، قال الحافظ : لم أقف فى شتى من الطرق على الذى تولى السؤال فى ذلك بعد البحث الشديد (والمقصرين یا.
رسول الله) قال الحافظ: الواو معطوفة على شتى محذوف تقديره ((قل: والمقصرين، أو قل: وأرحم المقصرين)) وهو
يسمى العطف التلقينى كقوله تعالى ﴿ ومن ذريتي) بعد قوله ﴿إنى جاعلك للناس إماما - ٢: ١٢٤) قال الألوسى:
﴿ ومن ذريتي﴾ عطف على كاف (جاعلك) يقال: سأكرمك، فتقول: وزيدا، أى وتكرم زيدا ، تريد تلقينه بذلك،
قال ﴿ ومن ذريتي) فى معنى بعض ذريتى، فكانه قال: «وجاعل بعض ذريتى)) وهو من قبيل عطف التلقين فيكون خبرا فى
معنى الطلب، وكأن أصله واجعل بعض ذريتى، لكنه عدل إلى المنزل لما فيه من البلاغة من حيث جعله من تتمة كلام المتكلم
كأنه مستحق مثل المعطوف عليه وجعل نفسه كالنائب عن المتكلم، والعدول من صيغة الأمر المبالغة فى الثبوت ومراعاة
الأدب فى التفادى عن صورة الأمر، وفيه من الاختصار الواقع موقعه ما يروق كل ناظر، قلت: ومن هذا القبيل قوله
تعالى ﴿قال: ومن كفر) بعد قوله {وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر - ٢: ١٢٦) فإنه يصح
التقدير: وارزق من كفر بصيغة الأمر ، فالطلب بمعنى الخبر على عكس .ومن ذريتي) وفائدة العدول تعليم تعميم دعاء
الرزق وأن لا يحجر فى طلب اللطف، أو التقدير وأرزق من كفر، بصيغة المتكلم ، وقال الألوسى: ولك أن تجعل
العطف على محذوف أى أرزق من آمن ومن كفر (قال: اللهم ارحم المحلقين) تنبيها على أنه مز له لم يكتف على
المحلقين أولا لعدم الالتفات إلى المقصرين بل دعى لهم قصدا وكرر الدعاء لهم خاصة لإظهار فضيلة التحليق (قالوا
والمقصرين يا رسول الله) تأكيد لاستدعاء الرحمة للمقصرين. قال القارى: هل هو قول المحلقين أو المقصرين أو قولهما
جميعا؟ احتمالات ثلاث، أظهرها بعض الكل من النوعين (قال: والمقصرين) قال الحافظ: فيه إعطاء المعطوف حكم
المعطوف عليه ولو تخلل بينهما السكوت بلا عذر، ثم هو هكذا فى معظم الروايات عن مالك الدعاء للحلقين مرتين ،
وعطف المقصرين عليهم فى المرة الثالثة ، وانفرد يحيى بن بكير دون رواة الموطأ بإعادة ذلك ثلاث مرات ، نبه عليه
ابن عبد البر فى النقصى وأغفله فى التمهيد ، بل قال فيه: إنهم لم يختلفوا على مالك فى ذلك، وقد راجعت أهل سماعى من
موطأ يحيى بن بكير فوجدته كما قال فى النقصى. وفى رواية الليث عن نافع عند مسلم وعلقها البخارى (( رحم الله المحلقين
مرة أو مرتين، قالوا: والمقصرين، قال ((والمقصرين، والشك فيه من الليث وإلا فأكثرهم موافق لما رواه مالك،
ولمسلم أيضا وعلقه البخارى من رواية عبيد الله - بالتصغير - العمرى عن نافع، قال فى الرابعة ((والمقصرين)) ولمسلم من
٢٥٦

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٨ - باب الحاق
وجه آخر عن عبيد الله بلفظ مالك سواء، قال الحافظ: وبيان كونها فى الرابعة أن قوله والمقصرين معطوف على مقدر ،
تقديره ((يرحم الله المحلقين)) وإنما قال ذلك بعد أن دعا للمحلقين ثلاثا صريحا فيكون دعاؤه للقصرين فى الرابعة، وقد
رواه أبو عوانة فى مستخرجه من طريق الثورى عن عبيد الله بلفظ ((قال فى الثالثة: والمقصرين)) والجمع بينهما واضح
بأن من قال ((فى الرابعة)) فعلى ما شرحناه، ومن قال ((فى الثالثة) أراد أن قوله ((والمقصرين، معطوف على الدعوة الثالثة
أو أراد بالثالثة مسئلة السائلين فى ذلك، وكان ◌َّ لا يراجع بعد ثلاث كما ثبت، ولو لم يدع لهم بعد ثالث مسألة ما
سألوه فى ذلك، وأخرجه أحمد (ج ٢: ص ٣٤) من طريق أيوب عن نافع بلفظ «اللهم اغفر للحلقين، قالوا: ولالقصرين
حتى قالها ثلاثا أو أربعا، ثم قال والمقصرين)، ورواية من جزم مقدمة على من شك - انتهى. وروى البخارى بسنده
عن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه ◌َبيل: اللهم اغفر لحلقين، قالوا: والمقصرين. قال اللهم اغفر للمحلقين . قالوا
والمقصرين، قالها ثلاثا. قال: والمقصرين. قال الحافظ: قوله ((قالها ثلاثا) أى قوله اللهم اغفر للمحلقين، وهذه
الرواية شاهدة لأن عبيد الله العمرى حفظ الزيادة - انتهى. واستدل بقوله ((المحلقين)) على مشروعية حلق جميع
الرأس لأنه الذى تقتضيه الصيغة (إذ لا يقال لمن حلق بعض رأسه أنه حلقه إلا بجازا) وقال بوجوب حلق
جميعه مالك وأحمد، واستحبه الكوفيون والشافعى ويجزئى البعض عندهم، واختلفوا فيه فعن الحنفية الربع
إلا أبا يوسف فقال النصف. وقال الشافعى: أقل ما يجب حلق ثلاث شعرات، وفى وجه لبعض أصحابه شعرة
واحدة، والتقصير كالحلق فالأفضل أن يقصر من جميع شعر رأسه، ويستحب أن لا ينقص عن قدر الأنملة، وإن اقتصر
على دونها أجزأ. هذا الشافعية، وهو مرتب عند غيرهم على الحلق، وهذا كله فى حق الرجال ، كذا فى الفتح . وقال
ابن قدامة (ج ٣: ص ٣٩٣): يلزم التقصير أو الحلق من جميع شعره ، وكذلك المرأة، نص عليه أحمد، وبه قال مالك:
وعن أحمد يجزئه البعض مبنيا على المسح فى الطهارة ، وكذلك قال ابن حامد ، وقال الشافعى: يجزئه التقصير من ثلاث
شعرات، واختار ابن المنذر أنه يجزئه ما يقع عليه اسم التقصير لتناول اللفظ له، ولنا قول الله تعالى: ﴿معلقين رؤسكم)
وهذا عام فى جميعه، ولأن النبي ◌َّ حلق جميع رأسه تفسيرا لمطلق الأمر به، فيجب الرجوع إليه، ولأنه
فسك تعلق بالرأس فوجب استيعابه به كالمسح - انتهى. واختار ابن الهام قول مالك فى وجوب استيعاب الرأس
بالحلق والتقصير ، وقال بعد بسط الكلام فيه : فكان مقتضى الدليل فى الحلق وجوب الاستيعاب كما هو قول مالك ، وهو
الذى أدين الله به. قال: وقياسه على المسح قياس مع الفارق. وقال الشنقيطى بعد ذكر مذاهب الأئمة فى ذلك: أظهر
الأقوال عندى أنه يلزم حلق جميع الرأس أو تقصير جميعه، ولا يلزم تتبع كل شعرة فى التقصير، لأن فيه مشقة كبيرة.
بل يكفى تقصير جميع جوانب الرأس مجموعة أو مفرقة، وأنه لا يكفى الربع ولا ثلاث شعرات خلافا للحنفية والشافعية ،
٢٥٧

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٨ - باب الحلق
لأن الله تعالى يقول: (محلقين رؤسكم﴾ ولم يقل: بعض رؤسكم ﴿ومقصرين) أى رؤسكم لدلالة ما ذكر قبله عليه ،
وظاهره حلق الجميع أو تقصيره، ولا يجوز العدول عن ظاهر النص إلا لدليل يجب الرجوع إليه، ولأن النبي مَ ليه
يقول: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فمن حلق الجميع أو قصره ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، ومن اقتصر على ثلاث
شعرات أو على ربع الرأس لم يدع ما يريبه، إذ لا دليل يجب الرجوع إليه من كتاب ولا سنة على الاكتفاء بواحد منهما،
ولأن النبي تَّ لما حلق فى حجة الوداع حلق جميع رأسه وأعطى شعر رأسه لأبى طلحة ليفرقه على الناس، وفعله فى
الحلق بيان للنصوص الدالة على الحلق كقوله: (محلقين رؤسكم) الآية، وقوله: ﴿ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدى
محله - ٢: ١٩٦) وقد قدمنا أن فعله تَّة إذا كان بيانا لنص مجمل يقتضى وجوب حكم أن ذلك الفعل المبين لذلك النص
المجمل واجب، ولا خلاف فى ذلك بين من يعتد به من أهل الأصول - انتهى. قال الحافظ : وفى الحديث من
الفوائد أن التقصير يجزى عن الحلق وهو مجمع عليه إلا ما روى عن الحسن البصرى أن الحلق یتعین فی أول حجة . حكاه
ابن المنذر بصيغة التمريض، وقد ثبت عن الحسن خلافه. قال ابن أبى شيبة: حدثنا عبد الأعلى عن هشام عن الحسن
فى الذى لم يحج قط، فإن شاء حلق وإن شاء قصر، نعم روى ابن أبى شيبة عن إبراهيم النخعى قال: إذا حج الرجل أول
حجة حلق، فإن حج أخرى فإن شاء حاق وإن شاء قصر ، ثم روى عنه أنه قال: كانوا يحبون أن يحلقوا فى أول حجة
وأول عمرة - انتهى. وهذا يدل على أن ذلك الاستحباب لاالزوم. نعم عند المالكية والحنابلة أن محل تعيين الحلق.
والتقصير أن لا يكون المحرم لبد شعره أو ضفره أو عقصه، وهو قول الثوری والشافعى فى القديم والجمهور. وقال فى
الجديد وفاقا للحنفية: لا يتعين إلا إن نذره أو كان شعره خفيفا لا يمكن تقصيره أو لم يكن له شعر فيمر الموسى على
رأسه، وأغرب الخطابى فاستدل بهذا الحديث لتعين الحلق لمن لد، ولا حجة فيه - انتهى. وقال ابن قدامة (ج ٣:
ص ٤٣٤): وهو أى المحرم خير بين الحلق والتقصير أيهما فعل أجزأه فى قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: أجمع
أهل العلم على أن التقصير يجزئى، يعنى فى حق من لم يوجد منه معنى يقتضى وجوب الحلق عليه، إلا أنه يروى عن الحسن
أنه كان يوجب الحلق فى أول حجة حجها ولا يصح هذا، لأن الله تعالى قال (محلقين رؤسكم ومقصرين - ٢٧:٤٨)
ولم يفرق الني مَثل إذ قال: رحم الله المحلقين والمقصرين. وقد كان مع النبي مَثّ من قصر فلم يعب عليه، ولو لم يكن
مجزيا لأنكر عليه، واختلف أهل العلم فيمن لبد أو عقص أو ضفر، فقال أحمد: من فعل ذلك فليحلق وهو قول النخعى
ومالك والشافعى وإسحاق، وكان ابن عباس يقول: من لد أو ضفر أو عقد أو قتل أو عقص فهو على ما نوى ، يعنى
إن نوى الحلق فليحلق وإلا فلا يلزمه، وقال أصحاب الرأى: هو مخير على كل حال لأن ما ذكر ناه يقتضى التخيير على
العموم، ولم يثبت فى خلاف ذلك دليل، واحتج من نصر القول الأول بأنه روى عن النبي وَّن أنه قال: من لبد
٢٥٨

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٨ - باب الحلق
متفق عليه .
فليحلق، وثبت عن عمر وابنه أنهما أمرا من لبد رأسه أن يحلقه، وثبت أن النبى موثية لبد رأسه وأنه حلقه، والصحيح
أُنه مخیر إلا أن يثبت الخبر عن النبي ◌ُٹے ، وقول عمر وابنه قد خالفهما فیہ ابن عباس، وفعل النبي ◌ُیٹے له لا يدل على
وجوبه بعد ما بين لهم جواز الأمرين - انتهى. وقال النووى فى مناسكه: إذا فرغ من النحر حلق رأسه أو قصر وأيهما
فعل أجزأ، والحلق أفضل. هذا فى من لم ينذر الحلق، أما من نذر الحلق فى وقته فيلزمه حلق الجميع ، ولا يجزئه
التقصير ، ولو لبد رأسه عند الإحرام لم يكن ملتزما للحلق على المذهب الصحيح، والشافعى قول قديم أن التليد كنذر
الحلق - انتهى. وقال الدردير: والتقصير مجزئ لمن له الحلق أفضل، قال الدسوقى: أى إن لم يكن لد شعره وإلا تعين
الحلق، ونص المدونة: من ضفر أو عقص أو لبد فعليه الحلاق، ومثله فى الموطأ، وعلله ابن الحاجب تبعا لابن شاس.
بعدم إمكان التقصير ، ورده فى التوضيح بأنه يمكن أن يغسله ثم يقصر، وإنما علل علماؤنا تعين الحلق فى حق هؤلاء
بالسنة - انتهى. ومذهب الحنفية أنه لو تعذر الحلق لعارض تعين التقصير أو التقصير لعارض تعين الحلق كان لبده
بصمغ فلا يعمل فيه المقراض ، ومتى نقض تناثر بعض شعره وذلك لا يجوز للمحرم قبل الحلق كذا فى العالمكيرية .
وقال فى الدر المختار: ومتى تعذر أحدهما لعارض تعين الآخر ، فلو لبد بصمغ بحيث تعذر التقصير تعين الحلق ، قال
ابن عابدين: مثال لتعذر التقصير ومثله ما لو كان الشعر قصيرا قيتعين الحلق، وكذا لو كان معقوصا أو مضفوراكما
عزى إلى المبسوط، ووجه أنه إذا نقضه تناثر بعض الشعر فيكون جناية على إحرامه، لكن قد يقال: إن هذا التناثر
غير جنابة لأنه فى وقت جواز إزالة الشعر بحلق أو غيره، ولو نتفا منه أو من غيره ، فبقى ما فى المبسوط مشكلا ، تأمل.
ومثال تعذر الحلق مع إمكان التقصير أن يفقد آلة الحلق أو من يحلقه أو يضره الحلق بنحو صداع أو قروح برأسه،
وتقدم مثال تعذرهما جميعا فى الأقرع وذى قروح شعره قصير - انتهى. وفى الحديث أيضا أن الحلق أفضل من
التقصير ووجهه مع قطع النظر عن سببه الوارد فى الحديبية وحجة الوداع أنه أبلغ فى العبادة وأبين للخضوع والذلة
وأدل على صدق النية ، والذى يقصر يبقى على نفسه شيئا ما يتزين به بخلاف الحالق فإنه يشعر بأنه ترك ذلك لله تعالى،
وأما قول النووى تبعا لغيره فى تعليل ذلك بأن المقصر يقى على نفسه الشعر الذى هو زينة والحاج مأمور بترك الزينة بل
هو أشعث أغبر ، ففيه نظر، لأن الحلق إنما يقع بعد انقضاء زمن الأمر للتقشف فإنه يحل له عقبه كل شئ إلا النساء فى
الحج خاصة، وفيه أيضا مشروعية الدعاء لمن فعل ما شرع له وتكرار الدعاء لى فعل الراجح من الأمرين المغير
فيهما ، والتنبيه بالتكرار على الرجحان وطلب الدعاء لمن فعل الجائز وإن كان مرجوحا، هذا. وقد بسط الكلام فى
فوائد الحديث ومباحثه الولى العراقى فى طرح التثريب (ج ٥: ص ١١٠ إلى ص ١١٨) فارجع إليه إن شنت
(متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢: ص ٧٩) وأبوداود والبيهقى (ج ٥: ص ١٠٣) وغيرهم.
٢٥٩

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٨ - باب الخلق
٢٦٧٢ - (٤) وعن يحيى بن الحصين، عن جدته، أنها سمعت التى تؤثر فى حجة الوداع، دعا للحلقين
ثلاثا ، والقصرين مرة واحدة. رواه مسلم.
٢٦٧٣ - (٥) وعن أنس، أن النبى تَّم أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى، ونحو
نسكه، ثم دعا بالحلاق، وناول الحالق شقه الأيمن
٢٦٧٢ - قوله (وعن يحيى بن الحصين) بمهملتين مصغرا الأحمسى البجلى الكونى ثقة، قال الحافظ: يحيى بن
الحصین الأحسی البجلی عن جدته أم الحصین ولها صحبة، وعن طارق بن شهاب وعنه أبو إسحاق السبیعی وزید بن
أبى أنيسة وشعبة، قال ابن معين والنسائى: ثقة. وزاد أبو حاتم ((صدوق)) وذكره ابن حبان فى الثقات . وقال العجلى
((كوفى ثقة)) (عن جدته) أى أم الحصين بنت إسحاق الأحمسية الصحابية لم تسم. قال ابن عبد البر: أم الحصين بنعه
إسحاق الأحمسية روى عنها ابن ابنها يحيي بن الحصين والعيزار بن حريث شهدت حجة الوداع. قال الحافظ: سمى
ابن عبد البر أباها اسحاق ولم أرما لغيره ورواية العيزار بن حريث عنها عند ابن مندة (وأحمد ج ٦: ص ٤٠٢) من
طريق يونس بن أبى إسحاق عن العيزار بن حريث، قال: سمعت الأحمسية يعنى أم الحصين تقول رأيت على رسول الله
مَّ بردا قد النحف به من تحت إبطه - الحديث (أنها سمعت النبي مَلّم فى حجة الوداع) هذا نص فى شهود أم الحصين
حجة الوداع وأن الدعاء المذكور كان فى حجة الوداع، وتقدم الكلام فى هذا (مرة واحدة) مكذا فى جميع النسخ ،
وكذا وقع فى جامع الأصول (ج ٤: ص ١٠٨) وطرح التثريب (ج ٥: ص ١١١) والذى فى صحيح مسلم (مرة))
أى بدون لفظة «واحدة، وهكذا فى المصابيح والسنن البيهقى والقرى (ص٤١٢) للحب الطبرى، ولفظ أحمد فى رواية:
أنها سمعت النبي تُوفّ بمنى دعا للحلقين ثلاث مرات، فقيل له «والمقصرين، فقال فى الثالثة (أى عقب الثالثة فتكون رابعة
اتفق مع الرواية الآتية) وفى لفظ له قالت سمعت في اللّه مَّ بعرفات (فى الطريق الأولى ((بمنى، فيحتمل أنه مل فتة
كرر الدعاء فى خطبته بعرفات ثم فى خطبته بمثى فسمعتهنه فى الموضعين) يقول: غفر الله الحلقين ، ثلاث مرار، قالوا:
والمقصرين، فقال: والمقصرين، فى الرابعة (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد (ج.٢٦ ص ٣٠٢، ٤٠٣) والبيهقى
(ج ٥: ص ١٠٣).
٢٦٧٣ - قوله (فأتى الجمرة) أى جمرة العقبة (فرماها ثم أتى منزله بمنى) فيه أنه يستحب إذا قدم منى أن لا يعرج
على شئى قبل الرمى، بل يأتى الجمرة الكبرى جمرة العقبة راكبا كما هو فيرميها ثم يذهب فينزل حيث شاء من مى
(ونحر نسكه) بسكون السين ويضم جمع نسيكة وهى الذبيحة، والمراد بدنو ◌َفيه، وقد نحريده ثلاثا وستين وأمر عليا
أن ينحر بقية المائة، وفيه استحباب نحر الهدى بمنى، ويجوز حيث شاء من بقاع الحرم لقول رسول اللّه مثل: كل منى
منحر وكل فجاج مكة منحر (ثم دعا بالحلاق) هو معمر بن عبد اللّه العدوى (وناول الحالق شقه) أى جانبه (الأيمن)
٢٦٠