Indexed OCR Text

Pages 181-200

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٦ - باب رمى الجمار
(مع الكراهة التنزيهية) وقال: إن رمى فى اليوم الأول أو الثاني قبل الزوال أعاد وفى الثالث يجزئه. وقال عطاء وطاوس:
يجوز فى الثلاثة قبل الزوال - انتهى. وقال ابن الهمام: أفاد حديث جابر أن وقت الرمى فى اليوم الثانى لا يدخل إلا
بعد ذلك ، وكذا فى اليوم الثالث، وفى رواية غیر مشهورة عن أبى حنيفة قال: أحب إلى أن لا یرمی فى اليوم الثانى
والثالث حتى تزول الشمس، فإن رمى قبل ذلك أجزأه، وحمل المروى من فعله عليه الصلاة والسلام على اختيار الأفضل
وجه الظاهر اتباع المنقول لعدم المعقولية، كذا فى المرقاة. وروى البخارى عن ابن عمر كما سيأتى فى باب خطبة يوم
التحرَ: قال كنا نتحين (أى نراقب الوقت) فإذا زالت الشمس رمينا. قال الحافظ: فيه دليل على أن السنة أن يرمى
الجمار فى غير يوم الأضحى بعد الزوال ، وبه قال الجمهور ، وخالف فيه عطاء وطاوس فقالا: يجوز قبل الزوال مطلقا ،
ورخص الحنفية فى الرمى فى يوم النفر قبل الزوال. وقال إسحاق: إن رمى قبل الزوال أعاد إلا فى اليوم الثالث
فيجزئه - انتهى. قال شيخنا فى شرح الترمذى بعد ذكر كلام الحافظ: لا دليل على ما ذهب إليه عطاء وطاؤس لا من
فعل النبيِ مَُّ ولا من قوله. وأما ترخيص الحنفية فى الرمى فى يوم الفر قبل الزوال فاستدلوا عليه بأثر ابن عباس
الآتى وهو ضعيف ، فالمعتمد ما قال به الجمهور. قال فى الهداية: إن قدم الرمى فى اليوم الرابع قبل الزوال بعد طلوع
الفجر جاز عند أبى حنيفة، وهذا استحسان. وقالا: لا يجوز اعتبارا بسائر الأيام، وإنما التفاوت فى رخصة النفر،
فإذا لم يترخص التحق بها. ومذهبه مروى عن ابن عباس - انتهى. قال ابن الهمام: أخرج البيهقى عنه: إذا انتفخ
التهار من يوم النفر فقد حل الرمى والصدر، والانتفاخ الارتفاع، وفى سنده طلحة بن عمرو ضعفه البيهقى. قال ابن
الهمام: ولا شك أن المعتمد فى تعيين الوقت للرمى فى الأول من أول النهار وفيما بعده من بعد الزوال ليس إلا فعله
كذلك مع أنه غير معقول (أى لا مدخل للعقل فيه) ولا يدخل وقته قبل الوقت الذى فعله فيه عليه الصلاة والسلام كما
لا يفعل فى غير ذلك المكان الذى رمى فيه عليه الصلاة والسلام، وإنما رمى عليه الصلاة والسلام فى الرابع بعد الزوال
فلا يرمى قبله - انتهى. وذكر الشنقيطى فى أضواء البيان حديث جابر الذى نحن فى شرحه وحديث ابن عمر المتقدم
وحديث عائشة عند أحمد وأبي داود بلفظ «أفاض رسول الله مرّ آخر يوم حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها
ليالى أيام التشريق يرمى الجمرة إذا زالت الشمس، الحديث، وحديث ابن عباس عند أحمد (ج ١: ص ٢٤٨، ٢٩٠،
٣٢٨) والترمذى وابن ماجه بلفظ «رمى رسول اللّه ◌َبّ الجمار حين زالت الشمس، ثم قال: وبهذه النصوص الثابتة عن
التى تَّى تعلم أن قول عطاء وطاوس بجواز الرمى فى أيام التشريق قبل الزوال، وترخيص أبى حنيفة فى الرمى يوم
النفر قبل الزوال، وقول إسحاق: إن رمى قبل الزوال فى اليوم الثالث أجزأه كل ذلك خلاف التحقيق، لأنه مخالف
فل النبي ◌َّث الثابت عنه المعتضد بقوله (تأخذوا عنى مناسككم، ولذلك خالف أبا حنيفة فى ترخيصه المذكور صاحباه
محمد وأبو يوسف، ولم يرد فى كتاب الله ولا سنة فيه مَائى شى يخالف ذلك، فالقول بالرمى قبل الزوال أيام التشريق
١٨١

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٦- باب رمى الجمار
متفق عليه.
٢٦٤٥ - (٤) وعن عبد الله بن مسعود، أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى، تجعل البيت عن يساره،
ومنی عن يمينه ،
لا مستند له البتة مع مخالفته للسنة الثابتة عنه مَته، فلا بذفى لأحد أن يفعله، والعلم عند الله تعالى (متفق عليه) أخرجه
البخارى فى باب رمى الجمار معلقا مجزوما ومسلم موصولا، وكذا أخرجه موصولا أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى
وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان وإسحاق بن راهويه والدارمى والبيهقى (ج ٥: ص ١٣١، ١٤٩).
٢٦٤٥ - قوله (انهى) أى، وصل (إلى الجمرة الكبرى) أى جمرة العقبة، ووهم الطبي فقال: أى الجمرة التى
عند مسجد الخيف. قال الحافظ: وتمتاز جمرة العقبة عن الجمرتين الأخريين بأربعة أشياء: اختصاصها ييوم النحر، وأن
لا يوقف عندها، وترمى ضحى، ومن أسفلها استحبابا. قال: وجمرة العقبة هى الجمرة الكبرى وليست من منى بل هى حدمنى
من جهة مكة وهى التى بايع النبي ◌َّم الأنصار عندها على الهجرة (لجعل البيت) أى الكعبة (عن يساره ومنى عن يمينه) فيه أنه
يستحب لمن وقف عند جمرة العقبة أن يجعل مكة عن يساره ومنى على جهة يمينه ويستقبل الجمرة بوجهه ، وروى أحمد
(ج ١: ص ٤٣٠، ٤٣٢) والترمذى وابن ماجه حديث ابن مسعود هذا بلفظ «لما أتى عبد الله جمرة العقبة استبطن الوادى
(أى قصد بطن الوادى ليقوم فيه للرمى) واستقبل القبلة، قال الحافظ بعد ذكره: وما رواه البخارى هو الصحيح، وهذا (أى
ما رواه أحمد والترمذى وابن ماجه) شاذ، فى إسناده المسعودى، وقد اختلط، وبالأول قال الجمهور، وجزم الرافعى
من الشافعية بأنه يستقبل الجمرة ويستدبر القبلة ، وقيل يستقبل القبلة ويجعل الجمرة عن يمينه، وقد أجمعوا على أنه من
حيث رماها جاز سواء استقبلها أو جعلها عن يمينه أو يساره أو من فوقها أو من أسفلها أو وسطها ، والاختلاف فى
الأفضل - انتهى. فالأفضل عند الجمهور الكيفية التى وردت فى حديث ابن مسعود عند الشيخين وغيرهما. قال النووى
فى شرح مسلم : فى حديث ابن مسعود استحباب كون الرمى من بطن الوادى فيستحب أن يقف تحتها فى بطن الوادى
فيجعل مكة عن يساره ومن عن يمينه ويستقبل جمرة العقبة ويرميها بالحصيات السبع ، وهذا هو الصحيح فى مذهبنا،
وبه قال جمهور العلماء. وقال بعض أصحابنا: يستحب أن يقف مستقبل الجمرة مستدبرا مكة. وقال بعض أصحابنا:
يستحب أن يقف مستقبل الكعبة وتكون الجمرة عن يمينه والصحيح الأول - انتهى. وقال ابن بطال: رمى جمرة العقبة
من حيث تيسر من العقبة من أسفلها أو أعلاها أو وسطها ، كل ذلك واسع، والموضع الذى يختار بها بطن الوادى من
أجل حديث ابن مسعود، وكان جابر بن عبد الله يرميها من بطن الوادى، وبه قال عطاء وسالم وهو قول الثوري
والشافعى وأحمد وإسحاق. وقال مالك: « ١ من أسفلها أحب إلى. وقد روى عن عمر رضى الله عنه أنه جاء والزحام
١٨٢

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٦- باب رمى الجمار
ورمى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة،
عند الجمرة فصعد فرماها من فوقها، ذكره العينى (ج ١٠: ص ٨٧) وأما الجمرة الأولى (أى الجمرة الدنيا - بضم
الدال وبكسرها - أى القريبة إلى جهة مسجد الخيف) والثانية فيرمى مستقبل القبلة عندهم جميعا ندبا لا وجوبا
(ورمى بسبع حصيات) بفتح الصاد والياء جمع حصاة، وفيه دليل على أن رمى الجمرة يكون بسبع حصيات، وقد ترجم
البخارى لحديث ابن مسعود هذا «باب رمى الجمار بسبع حصيات، قال الحافظ: أشار فى الترجمة إلى رد ما رواه قتادة
عن ابن عمر ، قال: ما أبالى رميت الجمار بست أو سبع، وقد أنكر ذلك ابن عباس، وقتادة لم يسمع من ابن عمر،
أخرجه ابن أبى شيبة من طريق قنادة ، وروى من طريق مجاهد: من رمى بست فلا شئ عليه. ومن طـريق طاوس
يتصدق بشئى، وعن مالك والأوزاعى: من رمى بأقل من سبع وفاته التدارك يجبره بدم، وعن الشافعية فى ترك حصاة مد،
وفى ترك حصاتين مدان، وفى ثلاثة فأكثر دم. وعن الحنفية إن ترك أقل من نصف الجمرات الثلاث فنصف صاع
وإلا قدم - انتهى. وقال العينى: يستفاد من حديث ابن مسعود أن رمى الجمرة لابد أن يكون بسبع حصيات وهو
قول أ کثر العلماء ، وذهب عطاء إلى أنه إن رمی بخمس أجزاء. وقال مجاهد: إن رمی بست فلا شئی علیه، وبه قال
أحمد وإسحاق، واحتج من قال بذلك بما رواه النسائى من حديث سعد بن مالك رضى الله عنه قال: رجعنا فى الحجة
مع النبي مَث وبعضنا يقول: رميت بست حصيات، وبعضنا يقول: رميت بسبع ، فلم يعب بعضنا على بعض. وروى
أبو داود والنسائى أيضا من رواية أبى مجلز قال: سألت ابن عباس رضى الله تعالى عنهما عن شئى من أمر الجمار فقال:
ما أدرى رماها رسول الله تَع بست أو سبع. والصحيح الذى عليه الجمهور أن الواجب سبع كما صح من حديث
ابن مسعود وجابر وابن عباس وابن عمر وغيرهم. وأجيب عن حديث سعد بأنه ليس بمسند ، وعن حديث ابن عباس
أنه ورد على الشك من ابن عباس ، وشك الشاك لا يقدح فى جزم الجازم ، ومن رماها بأقل من سبع حصيات فذهب
الجمهور فيما حكاه القاضى عياض إلى أن عليه دما، وهو قول مالك والأوزاعى. وذهب الشافعى وأبو ثور إلى أن على
تارك حصاة مدا من طعام وفى اثنتين مدين وفى ثلاث فأكثر دما. والشافعى قول آخر أن فى الحصاة ثلاث دم،
وله قول آخرأن فى الحصاة درهما. وذهب أبو حنيفة وصاحباه إلى أنه إن ترك أكثر من نصف الجمرات الثلاث فعليه
دم، وإن ترك أقل من نصفها ففى كل حصاة نصف صاع ـ انتهى (يكبر مع كل حصاة) فيه أنه يستحب التكبير عند
ومى حصى الجمار. قال النووى: استحباب التكبير مع كل حصاة هو مذهبنا ومذهب مالك والعلماء كافة. قال القاضى
عياض: وأجمعوا على أنه لو ترك التكبير لا شئى عليه. وقال الحافظ: قد أجمعوا على أن من تر که لا يلزمه شئ إلا
الثورى فقال: يطعم، وإن جبره بدم أحب إلى - انتهى. وذكر الطيرى عن بعضهم أنه لو ترك رمى جميعهن بعد أن
يكبر عند كل جمرة سبع تكبيرات أجزأه. قال: وإنما جعل الرمى فى ذلك بالحصى سببا لحفظ التكيرات السبع كما جعل
١٨٣

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٦- باب رمى الجمار
عقد الأصابع بالتسبيح سبا لحفظ العدد، وذكر عن يحيى بن سعيد أنه سئل عن الخرز والنوى يسبح به قال: حسن قد كانت
عائشة تقول: إنما الحصى الجمار ليحفظ به التكبيرات - انتهى. واستدل بهذا الحديث على اشتراط رمى الجمار
واحدة واحدة لقوله ((بكبر مع كل حصاة)) وقد قال صلى الله عليه وسلم: خذوا عنى مناسككم، وخالف فى ذلك عطاء
وصاحبه أبو حنيفة فقالا: لمرمى السبع دفعة واحدة أجزأه، كذا ذكره الحافظ. وقال ابن قدامة: وإن رمى
الحصاة دفعة واحدة لم يجزه إلا عن واحدة، فص عليه أحمد، وهو قول مالك والشافعى وأصحاب الرأى، وقال
عطاء يجزئه ويكبر لكل حصاة - انتهى. وما ذكره الحافظ من موافقة أبى حنيفة لعطاء فى إجراء رمى السبع دفعة
واحدة لعله أخذه عن صاحب التوضيح من الشافعية كما سيأتى فى كلام العينى أو عن الكرمانى، فإنه ذهب
إلى ذلك حيث قال: إذا وقعت السبع متفرقة على مواضع الجمرات جاز، كما لو جمع بين أسواط الحد بضربة
واحدة وإن وقعت على مكان واحد لا يجوز، وليس هذا مشهورا فى مذهب الحنفية ، بل المصرح فى فروعهم عدم
الاجزاء مطلقا كما هو قول الأئمة الثلاثة، ففى الهداية: لورمى بسبع حصيات جملة فهذه الجملة واحدة، لأن المنصوص
عليه تفرق الأفعال، قال العينى فى البناية: أى لأن المنصوص هو فعل الرمى بسبع حصيات متفرقات لا عين الحصيات -
انتهى. وفى الغنية: الخامس (من الشرائط) تفريق الرميات، فلو رمى بسبع حصيات أو أكثر جملة واحدة لا يجزئه
إلا عن واحدة ولو متفرقة عند الأربعة خلافا لما فى الكرمانى أنها إذا وقعت متفرقة جاز، وتمامه فى المنحة - انتهى. وفى
الباب: الرابع: تفريق الرميات، فلو رمى بسبع حصيات جملة واحدة لم يجزه إلا عن حصاة واحدة. قال القارى: لأن
المنصوص عليه تفريق الأفعال لا عين الحصيات، فإذا أتى بفعل واحد لا يكون إلا عن حصاة واحدة لاندراجها فى
ضمن الجملة، إلى آخر ما قال. وقال العينى: اختلفوا فى من رمى سبع حصيات مرة واحدة فقال مالك والشافعى: لا يجزئه إلا
عن حصاة واحدة ويرمى بعدها سنا، وقال عطاء تجزئه عن السبع وهو قول أبي حنيفة، وهذا الذى ذكر عن أبى حنيفة ذكره
صاحب التوضيح، وذكر فى المحيط: ولو رمى إحدى الجمار بسبع حصيات رمية واحدة فهى بمنزلة حصاة وكان عليه أن يرمى
ست مرات. قال العينى: العمدة فى النقل عن صاحب مذهب من المذاهب على نقل صاحب من أصحاب ذلك المذهب -
انتهى. فائدة : قال الحافظ: زاد محمد بن عبد الرحمن بن يزيد النخعى عن أبيه فى هذا الحديث (عند أحمد ج ١ ، ص
٤٢٧) عن ابن مسعود أنه لما فرغ من رمى جمرة العقبة قال: اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا - انتهى. وروى
البيهقى فى السنن (ج ): ص ١٢٩) عن سالم بن عبد الله بن عمر أنه استبان الوادى ثم رمى الجمرة بسبع حصيات يكبر
مع كل حصاة: الله أكبر الله أكبر، اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا منفوراً وعملا مشكورا. وقال: حدثنى أبى أن
التى تَّى كان يرمى الجمرة فى هذا المكان ويقول كلما رمى بحصاة مثل ما قلت. قال البيهقى: عبد الله بن حكيم بن الأزهر
١٨٤

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٦ - باب رمى الجمار
ثم قال: هكذا رمى الذى أنزلت عليه سورة البقرة. متفق عليه.
٢٦٤٦ - (٥) وعن جابر، قال: قال رسول اللّه مَّي: الاستجمار تو، ورمي الجمار تو، والسعى بين
الصفا والمروة تو، والطواف تو، وإذا استجمر أحدكم فليستجمر بتو.
ضعيف. وروى حنبل فى المناسك عن زيد بن أسلم عن سالم بن عبد الله مثل ذلك كما فى المغنى (ثم قال) أى ابن مسعود
(هكذا رمى) بصيغة الفعل (الذى أنزلت عليه سورة البقرة) قال ابن المنير: خص عبد الله سورة البقرة بالذكر لأنها التى
ذكر الله فيها الرمى فأشار إلى أن فعله مَّ مبين لمراد كتاب الله تعالى. قال الحافظ: ولم أعرف موضع ذكر الرمى
من سورة البقرة، والظاهر أنه أراد أن يقول إن كثيرا من أفعال الحج مذكور فيها ، فكأنه قال: هكذا ومى الذى
أنزلت عليه أحكام المناسك منها بذلك على أن أفعال الحج توقيفية. وقيل خص البقرة بذلك لطولها وعظم قدرها
وكثرة ما فيها من الأحكام - انتهى. وقال فى اللعات بعد ذكر كلام الحافظ «ولم أعرف موضع ذكر الرمى فيها،
قلت: لعل الإشارة إلى ذكر الرمى فى قوله تعالى: ﴿واذكروا الله فى أيام معدودات فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه
ومن تأخر فلا إثم عليه - ٢: ٢٠٣) فإن الرمى فى تلك الأيام، وينبتى عنه أول حديثى عائشة فى الفصل الثانى - انتهى
(متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد مختصرا ومطولا مرارا (ج ١: ص ٣٧٤، ٤٠٨، ٤١٥، ٤٢٧،٤٢٢، ١٤٣٦
٤٥٨،٤٥٧) وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه والبيهقى (ج ٥: ص ١٢٩، ١٤٨).
٢٦٤٦ - قوله (الاستجمار) أى الاستنجاء بالأحجار (تو) بفتح المثناة الفوقية وتشديد الواو، أى فرد ، قال
النووى: التو - بفتح التاء المثناة فوق وتشديد الواو - هو الوتر، والمراد بالاستجمار الإستنجاء - انتهى. والايتار
والفردية هنا بالثلاثة، وفى البواقى بالسبعة بدليل الأحاديث المصرحة بذلك. وقد تقدم فى باب آداب الخلاء أن
الايتار بالثلاثة فى الاستنجاء واجب (ورمي الجمار) فى الحج (تو) أى سبع حصيات وكلها واجبة (والسعى بين الصفا
والمروة تو) أى سبع وكلها واجبة (والطواف تو) أى سبعة أشواط وكلها فرائض عند الجمهور، وعند الحنفية أربعة
أشواط فرض والباقى واجب. قال الجزرى فى النهاية: يريد أنه يرمى الجمار فى الحج فردا وهى سبع حصيات ويطوف
سبعا ويسعى سبعا. وقيل أراد بفردية الطواف والسعى أن الواجب منهما مرة واحدة لاتثنى ولا تكرر سواء كان المحرم
مفردا أو قارنا (وإذا استجمر أحدكم فليستجمر بتو) قال المناوى: ليس هذا تكرارا بل المراد بالأول الفعل وبالثانى عدد
الأحجار، وفيه وجوب قعدد الحجر لضرورة تصحيح الايتار بما يتقدمه من الشفع، إذ لا قائل بتعيين الايتار بحجر
واحد - انتهى. وقال القارى: الظاهر أن المراد بالاستجمار هنا أى فى قوله ((إذا استجمر أحدكم، إلخ. هو التبخر، فإنه
يكون بوضع العود على جمرة النار فيرتفع التكرار وهو أولى من قول القاضى عياض وتبعه الطبى أن المراد بالأولى
١٨٥

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٦- باب رمی الجمار
رواه مسلم.
الفصل الثانى )!
٢٦٤٧ - (٦) عن قدامة بن عبد الله بن عمار، قال: رأيت النبى معَّ يرمى الجمرة يوم النحر على
ناقة صهباء، ليس ضرب ولا طرد، وليس قيل: إليك، إليك. رواه الشافعى، والترمذى، والنسائى،
وابن ماجه، والدارمى.
٢٦٤٨ - (٧) وعن عائشة، عن النبى معَّه، قال: إنما جعل رمى الجمار، والسعى بين الصفا
والمروة، لإقامة ذكر الله.
الفعل وبالثانى عدد الأحجار - انتهى. وقال السندى فى حاشية مسلم: يحتمل عندى فى وجوه التكرير أن يحمل
الاستجمار فى هذا الحديث فى أحد الموضعين على الاستنجاء وفى الموضع الآخر على التبخر كتبخر أكفان الميت ونحوه
والله تعالى أعلم (رواه مسلم) هذا الحديث من أفراد مسلم لم يخرجه البخارى ولا أصحاب السنن، وخرج منه البخارى
الاستجمار خاصة من حديث أبى هريرة والحديث ذكره المحب الطبرى فى القرى وقال: أخرجاه. وهو وهم منه.
٢٦٤٧ - قوله (عن قدامة) بضم القاف وتخفيف الدال المهملة (بن عبد الله بن عمار) بفتح المهملة وتشديد الميم
(رأيت النبيِ مَّ) وفى بعض النسخ ((رسول اللّه مَّ) (يرمى الجمرة) أى جمرة العقبة (على ناقة صهباء) بفتح الصاد
المهملة وسكون الهاء، هى التى يخالط بياضها حمرة، وذلك بأن يحمر أعلى الوبر وتبيض أجوافه، وقال الطبي: الصهبة
كالشقرة. وقال الجزرى: المعروف أن الصهبة مختصة بالشعر وهى حمرة يعلوها سواد (ليس) أى هناك (ضرب) أى
منع بالعنف (ولا طرد) أى دفع باللطف، (وليس) أى ثمة (قيل) بكسر القاف ورفع اللام مضافا إلى (إليك إليك) أى
قول « إليك)) أى تنح وتبعد. قال ابن حجر تبعا للطبي: والتكرير التأكيد، قال القارى: وهذا إنما يصح
لو قيل لواحد إليك إليك، والظاهر أن المعنى أنه ما كان يقال الناس ((إليك إليك)) وهو اسم فعل بمعنى تنح عن
الطريق، فلا يحتاج إلى تقرير متعلق كما نقله الطبي بقوله: ضم إليك ثوبك وتنح عن الطريق، انتهى. والمقصود
والغرض من هذا الحديث أنه يؤثر على سجيته المتواضعة كان يرمى من غير أن يكون هناك ضرب الناقة أو طرد الناس
أو قول إليك ، فلا فعل صدر للضرب والطرد ولا قول ظهر للتبعيد والتنحية. والحديث يدل على رمى جمرة العقبة يوم
النحر راكبا (رواه الشافعى) إلخ. وأخرجه أيضا أحمد (ج ٦: ص ٤١٢) وابن حبان والبيهقى (ج ٥: ص ١٣٠)
والحاكم (ج ١: ص ٤٦٦) وصححه الترمذى، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخارى وأقره الذهبي.
٢٦٤٨ - قوله (إنما جعل رمى الجمار والسعى بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله) يعنى إنما شرع ذلك لإقامة
١٨٦

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٦- باب رمی الجمار
رواه الترمذى، والدارمى، وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح.
٢٦٤٩ - (٨) وعنها، قالت: قلنا يا رسول الله! ألا نبنى لك بناء يظلك بمنى؟ قال: لا،
شعار النسك، قاله المناوى، وقال القارى: أى لأن يذكر الله فى هذه المواضع المتبركة ، فالحذر الحذر من الغفلة. وإنما
خصا بالذكر مع أن المقصود من جميع العبادات هو ذكر الله تعالى لأن ظاهرهما فعل لا تظهر فيهما العبادة، وإنما
فيهما التعبد للعبودية بخلاف الطواف حول بيت الله، والوقوف للدعاء فإن أثر العبادة لائحة فيهما. وقيل إنما جعل
رمى الجمار والسعى بين الصفا والمروة سنة لإقامة ذكر الله، يعنى التكبير مع كل حجر والدعوات المذكورة فى السعى
سنة ، ولا يعد أن يكون لكل من الرمى والسعى حكمة ظاهرة ونكتة باهرة غير مجرد التعبد وإظهار المعجزة، ثم أطال
القارى الكلام فى ذلك نقلا عن الطبي والغزالى، من شاء الوقوف على ذلك رجع إلى المرقاة وأضواء البيان (ج ٥: ص
٣١٥) للشنقيطى، وقد تقدم شئ من الكلام على ذلك فى شرح حديث جابر الطويل، واللفظ المذكور فى الكتاب
الترمذى، ورواه أحمد وأبو داود والدارمى والحاكم بلفظ ((إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار
لإقامة ذكر الله)) زاد الحاكم ((لا لغيره)، وفى الحديث حث على المحافظة على سنن الحج من ذكر الطواف ونحوه، وقال
العزيزى: لعل المراد بالحديث الحث على الذكر فى الطواف وتأليه - انتهى (رواه الترمذى) إلخ، وأخرجه أيضا
أحمد وأبو داود فى باب الرمل ، وابن الجارود والحاكم (ج ١: ص ٤٥٩) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ووافته
الذهبى وسكت عنه أبو داود ، ونقل المنذرى تصحيح الترمذى وأقره ، وقال النووى فى شرح المهذب بعد ذكر الحديث
عن أبى داود بسنده ما لفظه: هذا الإسناد كله صحيح إلا عبيد الله فضعفه أكثرهم ضعفا يسيرا، ولم يضعف أبو داود
هذا الحديث فهو حسن عنده. ورواه الترمذى من رواية عبيد الله هذا، وقال: هو حديث حسن، وفى بعض النسخ
(حسن صحيح)) فلعله اعتضد برواية أخرى - انتهى. قال الشنقيطى: عبيد الله بن أبى زياد المذكور هو القداح أبو الحمين
المكى، وقد وثقه جماعة وضعفه آخرون، وحديثه معناه صحيح بلا شك، ويشهد لصحة معناه قوله تعالى: (واذكروا
اله فی أیام معدودات - ٢: ٢٠٣) لأنه يدخل فى الذ کر المأمور به رمی الجار بدلیل قوله بعده { فمن تعجل فی یومین
فلا إثم عليه) الآية. وذلك يدل على أن الرمى شرع لإقامة ذكر الله كما هو واضح - انتهى.
٢٦٤٩ - قوله (قالت قلنا) أى معشر الصحابة، وهذا لفظ الترمذى، وفى أبى داود والدارمى وابن ماجه
(قالت قلت)) وفى السنن البيهقى والمستدرك الحاكم (قالت: قيل، (ألا نبنى) بصيغة المتكلم (بناء) وفى ابن ماجه ((يتا)»
وفى أبى داود «يتا أو بناء» (یظلك) زاد فى أبى داود «من الشمس» (قال : لا) أی لا تبنوا لی بناء منى لأنه ليس مختصا
بأحد، إنما هو موضع العبادة من الربى وذبح الهدى والحلق. ونحوها، فلو أجيز البناء فيه لكثرت الأبنية وتضيق المكان
١٨٧

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٦- باب رمى الجمار
منى مناخ من سبق. رواه الترمذى، وابن ماجه، والدارمى.
(منى) مبتدأ و(مناخ من سبق) خبره، والمناخ بضم الميم، موضع إناخة الايل، والمعنى أن الاختصاص فيه بالسبق
لا بالبناء فيه. قال الطبى: أى أتأذن أن نبنى لك بيتا فى منى لتسكن فيه فمنع وعلل بأن منى موضع لأداء النسك من النحر
ورمي الجمار والحلق يشترك فيه الناس فلو بنى فيها لأدى إلى كثرة الأبنية تأسيا به فتضيق على الناس وكذلك حكم
الشوارع ومقاعد الأسواق، وعند أبى حنيفة رحمه الله أرض الحرم موقوفة لأن رسول اللّه وزيع فتح مكة قهرا وجمل.
أرض الحرم موقوفة فلا يجوز أن يتملكها أحد - انتهى. وقال الخطابى فى معالم السنن: قد يحتج بهذا من لا يرى دور
مكة ملوكة لأهلها ولا يرى بيعها وعقد الإجارة عليها جائزا، وقد قيل: إن هذا خاص النبي ◌َّ والمها جرين من أهل
مكة فإنها دار تركوها لله تعالى فلم ير أن يعودوا فيها فيتخذوما وطا أو ينوا فيها بناء، والله أعلم - انتهى. قال القارى:
وفيه أن هذا التعليل يخالف تعليله مَ ثل مع أن منى ليست دارا هاجروا منها - انتهى. قلت: عدم جواز بيع أرض
الحرم وبيوت مكة وإجارتها هو مذهب أبى حنيفة ومحمد والثورى، وإليه ذهب عطاء ومجاهد ومالك وإسحاق وأبو
عبيد، وذهب أبو يوسف والشافعى وأحمد وطاوس وعمرو بن دينار وابن المنذر إلى الجواز، واحتج الأولون بحديث
عائشة هذا، وما أجيب به من اختصاص ذلك بالنبى مَيئة والمهاجرين فلا يخفى ما فيه فإن الخصوصية لا تثبت بالادعاء،
وقال المحب الطبرى فى القرى (ص ٤٣٨) بعد ما حكى نحو كلام الخطابى: ويحتمل أن يكون ذلك مخصوصا بمنى لمكان
اشتراك الناس فى الفسك المنعلق بها فلم ير ◌َ لأحد اقتطاع موضع منها ببناء وغيره بل الناس فيها سواء، والسابق حق
السبق وكذلك الحكم فى عرفة ومزدلفة إلحاقا بها - انتهى. هذا وقد أطال الكلام فى بيان حكم بيع دور مكة وإجارتها
وحكم البناء بمنى التقى الفاسى فى شفاء الغرام (ج١: ص ٢٦، ٣٢، ٣٢٠، ٣٢١) فعليك أن ترجع إليه (رواه الترمذى)
إلخ، وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود فى باب تحريم مكة ، والحاكم (ج ١: ص ٣٦٧) واليق (ج ٥: ص ١٣٩) وابن
عساكر كلهم من طريق يوسف بن ماهك عن أمه مسيكة عن عائشة، والحديث حسنه الترمذى. وسكت عنه
أبو داود، ونقل المنذرى تحسين الترمذى وأقره، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وقرره الذهبي فى
تلخيصه. وقال ابن القيم: قال ابن القطان: وعندى أن الحديث ضعيف لأنه من رواية يوسف بن ماهك عن أمه
مسيكة وهى مجهولة لا نعرف روى عنها غير ابنها - انتهى. قلت: مدار هذا الحديث على مسيكة وهى مجهولة. قال
الحافظ فى التقريب: مسيكة المكبة لا يعرف حالها، من الثالثة، وذكرها الذهبي فى المجهولات من النساء، وفى تهذيب
التهذيب ((قال ابن خزيمة، لا أحفظ عنها راويا غير ابنها ولا أعرفها بعدالة ولا جرح)) ــ انتهى. وقيل: الصواب
تحسين الحديث فإن أم يوسف بن مالك تابعية قد سمعت عائشة ولم يعلم فيها جرح، ومثل هذا الحديث حسن عند أهل
العلم بالحديث، ولذلك سكت عليه أبو داود وحسنه الترمذى وقرره المذرى وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
١٨٨

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٦- باب رمي الجمار
﴿﴿ الفصل الثالث )!
٢٦٥٠ - (٩) عن نافع، قال: إن ابن عمر كان يقف عند الجمرتين الأوليين وقوفا طويلا، يكبر الله
٢٦٥٠ - قوله (عن نافع) أى مولى ابن عمر (كان يقف) أى بعد الرمى (عند الجمرتين الأوليين) أى الأولى
والوسطى ففيه تغليب، والمراد بالأولى التى تقرب من مسجد الخيف بمنى وهى التى يقال لها الجمرة الدنيا ، وهى أول
الجمرات التى ترمى من ثانى يوم النحر ، والثانية الجمرة الوسطى (وقوفا طويلا) مقدار ما يقرأ سورة البقرة ،کما رواه
ابن أبى شيبة بسند صحيح عن عطاء عن ابن عمر، قال ابن قدامة فى المغنى: قال الأثرم : سمعت أبا عبد الله يسئل أ يقوم
الرجل عند الجمرتين إذا رمى؟ قال: إى لعمرى شديدا، ويطيل القيام أيضا. قيل: فإلى أين يتوجه فى قيامه؟ قال إلى
القبلة ويرميها فى بطن الوادى، والأصل فى هذا ماروت عائشة قالت: أفاض رسول اللّه مَثّم من آخر يومه حين صلى
الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالى أيام التشريق، يرمى الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل
حصاة ويقف عند الأولى والثانية فيطيل القيام ويتضرع، ويرمى الثالثة ولا يقف عندها، رواه أبو داود - انتهى. وقد
ورد القيام عند الجمرتين بعد رميهما فى حديث سالم عن ابن عمر عند البخارى كما سيأتى. وذكر ابن قدامة الإجماع على
جميع ما ذكر فيه ، وصرح أصحاب الفروع من المذاهب الأربعة باستحباب القيام الطويل بعد رمى الجمرتين الأولين،
منهم النووى وابن حجر من الشافعية والدردير من المالكية والقارى وغيره من الحنفية، ثم قال ابن قدامة (ج ٣:
ص ٤٥٣): وإن ترك الوقوف عندها والدعاء ترك السنة ولا شئ عليه، وبذلك قال الشافعى وأبو حنيفة وإسحاق و
أبو ثور، ولا نعلم فيه مخالفا إلا الثورى قال: يطعم شيئا، وإن أراق دما أحب إلى، لأن النبي ◌ُّم فعله فيكون نسكا ۔
اتھی (یکبر اته) فى هذا الوقوف الطويل الذى بعد الرمی بسبع حصیات كما هو ظاهر السیاق، وإلیه نحی الباجی حیث
قال: بين عبد الله أن وقوفه عند الجمرتين إنما هو التكبير والتسبيح والدعاء - انتهى. وقال النووى: ثم ينحرف قليلا
ويستقبل القبلة ويحمد الله ويكبر ويهلل ويسبح ويدعو، إلخ. وقال القارى فى شرح اللباب: فيقف بعد تمام الرمى لا
عند كل حصاة مستقبل القبلة فيحمد الله ويكبر ويهلل ويسبح ويصلى على النبى محمدثم ويدعو - انتهى. ويحتمل على بعد
التكبير عند كل حصاة كما هو مؤدى رواية سالم عن أبيه عند البخارى بلفظ «كان يرمى الجمرة الدنيا بسبع حصيات،
يكبر على أثر كل حصاة ثم يتقدم فيسهل، الحديث. وإليه مال الزرقانى إذ قال: قوله («يكبر اللّه) زاد سالم («على أثر كل
حصاة، أى من السبح، ففيه مشروعية التكبير عند كل حصاة، وأجمعوا على أن من تركه لاشئى عليه إلا الثورى فقال
يطعم وإن جبره بدم أحب إلى - انتهى. والحاصل أن التكبير مشروع فى كلا الموضعين عند الرمى بكل حصاة ، وبعد
الرمی فی الوقوف الطویل بعد الجمر ثین الأولین لکن ظاهر أثر ابن عمر هذا هو الثانى، ویأتی یان الأول فى حديث
١٨٩

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٦- باب رمى الجمار
ويسبحه ويحمده ويدعو الله، ولا يقف عند جمرة العقبة.
سالم عن ابن عمر فى باب خطبة يوم النحر وسنذكر لفظه (ويحمده) من الحمد أو من التحميد (ويدعو الله) قال ابن
قدامة (ج ٤٣ ص ٤٥١): روى أبو داود أن ابن عمر كان يدعو بدعائه الذى دعى به بعرفة ويزيد «وأصلح وأتم لنا
مناسكنا)، وقال ابن المنذر: كان ابن عمر وابن مسعود يقولان عند الرمى: اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا
(ولا يقف عند جمرة العقبة) بعد الرمى للدعاء، وجمرة العقبة هى التى يبدأ بها فى الرمى فى أول يوم ، ويقتصر عليها، ثم
تصير أخيرة فى كل يوم بعد ذلك ، ولفظ البخارى فيما رواه عن سالم عن عبد الله بن عمر أنه كان يرمى الجمرة الدنيا
بسبع حصيات يكبر على أثر كل حصاة ثم يتقدم فيسهل فيقوم مستقبل القبلة قياما طويلا فيدعو ويرفع يديه، ثم يرمى
الجمرة الوسطى كذلك فيأخذ ذات الشمال فيسهل ويقوم مستقبل القبلة قياما طويلا فيدعو ويرفع يديه ثم يرمي الجمرة
ذات العقبة من بطن الوادى ولا يقف عندها ثم ينصرف ويقول هكذا رأيت النبى مؤلم يفعله. قال الحافظ قال ابن
عدائية: لا نعلم لما قضمته حديث ابن عمر هذا مخالفا إلا ما روى عن مالك من ترك رفع اليدين عند الدعاء بعد رمى
الجمار، وأما ترك الوقوف عند جمرة العقبة فهو مجمع عليه، حكى الاجماع على ذلك فى المحلى شرح الموطأ. وقال
الحافظ فى الفتح: لا نعرف فيه خلافا. وقال ابن قدامة (ج ٣: ص ٤٢٧): ولا يسن الوقوف عندها لأن ابن عمر
وابن عباس رويا أن رسول الله وَاللّه كان إذا رمى جمرة العقبة انصرف ولم يقف. رواه ابن ماجه - انتهى. وأخرج
أبو داود وغيره من رواية سليمان بن عمرو عن أمه وهى أم جندب الأزدية أنه مَثيه لم يقم عندها أى لم يقف عند جمرة
العقبة. وتقدم حديث عائشة من رواية أبى داود بلفظ: يقف عند الأولى والثانية فيطيل القيام ويتضرع ويرمى الثالثة
ولا يقف عندها. واختلف فى تعليل ذلك على أقوال: ففى المحلى: السر فى الوقوف والدعاء بعد الأوليين دون العقبة أن
يقع الدعاء فى وسط العبادة. وقيل إنها وقعت فى ممر الناس ، فكان فى الوقوف هناك قطع للسبيل على الناس - انتهى.
وعامة أهل العلم على الثانى. قال القارى فى شرح اللباب: إذا فرغ من الرمى لا يقف للدعاء عند هذه الجمرة فى الأيام
كلها بل ينصرف داعيا، ولعل وجه عدم الوقوف للدعاء ههنا على طبق سائر الجمرات تضيق المكان . وقال
النووى: ولا يقف عندها للدعاء . قال ابن حجر؛ أى لا فى يوم النحر ولا فى ما بعده لضيق محلها فيضر بغيره، لكن
هذا باعتبار ما كان على أنه لو علل بالتفاؤل بالقبول مقارنا لفراغه منها لم يعد - انتهى. وقال الباجى: شرع الوقوف
عند الأولى والوسطى ولم يشرع عند الآخرة، ويحتمل أن يكون ذلك - والله أعلم - من جهة المعنى أن موضع الجمرتين
الأوليين فيه سعة للقيام للدعاء ولمن يرمى ، وأما جمرة العقبة فوضعها ضيق للوقوف عندها للدعاء لامتناع الرمى على من
يريد الرمى، ولذلك الذى يرميها لا ينصرف على طريقه، وإنما ينصرف من أعلى الجمرة، ولو انصرف من طريقه ذلك
١٩٠

منعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٠ ٧ - باب الهدى
رواه مالك.
(٧) باب الهدى
لمنع من يأتى بالرمى - انتهى. وأما التعليل بوقوع الدعاء فى وسط العبادة فأصله من صاحب الهداية، إذ قال: الأصل أن
كل رمى بعده رمى يقف بعده لأنه فى وسط العبادة فيأتى بالدعاء فيه، وكل رمى ليس بعده رمى لا يقف لأن العبادة قد
انتهت، ولذا لا يقف بعد العقبة فى يوم النحر أيضا -انتهى. وقد ظهر من هذا كله أن ترك الوقوف للدعاء بعد العقبة ثابت
بالأحاديث المرفوعة وآثار الصحابة، ومجمع عليه عند الأئمة الأربعة وغيرهم، وإنما الاختلاف فى تعليله فقيل وقوع الدعاء فى
الوسط ، وقيل ضيق المكان ، وقيل التفاؤل بالقبول. وقريب من هذا الأخير ما ذكره الشيخ الدهلوى قال: لما تشرفت بهذه
العبادة ألقى فى روعى بلا سابقة فكر وتأمل بطريق الإلهام نكتة فى عدم الوقوف عند هذه الجمرة وأرجو أن يكون
صوابا، وهو أن فى عدم وقوفه عندها إشارة من الرب الرحيم ورسوله الكريم إلى أن العبد لما بلغ الجهد فى العبادة وسعى
فى طريق المجاهدة والرياضة ووقف على باب الرحمة فدعا وسأل وأدى حق الخدمة والطاعة فى الجمرتين الأولين سهل
الله تعالى عليه الأمر وأباح عليه الدعة والراحة بفضله وكرمه وأفاض عليه آثار رحمته وعفوه ومغفرته ولا سيما فى هذه
العبادة التى هى الحج المثمر لغاية آثار الرحمة والمغفرة، فكأنه قال: يا عبادى قد أتعبتم أنفسكم وجاهد تم حق الجهاد
اربعوا على أنفسكم فقد غفرت لكم. وعرضت هذه النكتة على أكابر علماء مكة الذين كانوا حاضرين فى ذلك المقام
قبلوه واستحسنوه (رواه مالك) فى باب رمى الجمار عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقف، إلخ. وهو مِن أصح
الأسانيد، وأخرجه أيضا البيهقى (ج ٥: ص ١٤٩) من طريق مالك، وأصله فى صحيح البخارى مرفوعاكما تقدم.
(باب الهدى) بفتح الهاء وإسكان الدال وكسرها مع تشديد الياء لغتان، والأول أفصح، اسم لما يهدى إلى
الحرم من النعم شاة كانت أو بقرة أو بعيرا ليتقرب بإراقة دمه فى الحرم. قيل: والواحدة هدية. قال الجوهرى:
الهدىُ ما يهدى إلى الحرم من النعم، والهدىّ على فعيل مثله، وقرى (حتى يبلغ الهدى محله - ٢: ١٩٦) بالتخفيف
والتشديد، الواحدة هدية وهديّة. قال ابن رشد : إن النظر فى الهدى يشتمل على معرفة وجوبه وعلى معرفة جنسه وعلى
معرفة حسنه وكيفية سوقه ومن أين يساق؟ وإلى أين ينتهى بسوقه؟ وهو موضع نحره وحكم لحمه بعد النحر ، فنقول:
إنهم أجمعوا على أن الهدى المسوق فى هذه العبادة منه واجب ومنه قطوع، فالواجب منه ما هو واجب بالنذر ومنه ما هو
واجب فى بعض أنواع هذه العبادة. قال: فأما جنس الهدى فإن العلماء متفقون على أنه لا يكون الهدى إلا من
الأزواج الثانية التى نص الله تعالى عليها، وأن الأفضل فى الهدايا هى الايل ثم البقر ثم التنم، وإنما اختلفوا فى الضحايا
وأما الأسنان فانهم أجمعوا أن التى فما فوقه يجزئى منها وأنه لا يجزئى الجذع من المعز فى الضحايا والهدايا، واختلفوا فى
١,

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
( الفصل الأول ):
٢٦٥١ - (١) عن ابن عباس، قال: صلى رسول اللّه ◌َفي الظهر بذى الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها
الجذع من الضان قال: وليس فى عدد الهدى حد معلوم، وكان هدى رسول اللّه مؤ ثّم فى حجة الوداع مائة، وأما كيفية
سوق الهدى فهو التقليد والإشعار وإذا كان الهدى من الإبل والبقر فلا خلاف أنه يقلد فعلا أو فعلين ، واختلفوا فى
تقليد الغنم فقال مالك وأبو حنيفة لا تقلد الغنم، وقال الشافعى وأحمد: تقلد (إلى آخر ما قال).
٢٦٥١ - قوله (صلى رسول الله مواقع الظهر بذى الحليفة) أى ركعتين لكونه مسافرا، واكتفى بهما عوضا عن
وكعتى الإحرام، أو صلى ركعتين أخريين سنة الإحرام، قاله القارى. وقال الأبى: صلاته الظهر بذى الحليفة لا
ينافى أن يكون إحرامه أثر نافلة (ثم دعا بناقته) قيل لعلها كانت من جملة رواحله فأضافها إليه. وقال الطبى: أى بناقته
التى أراد أن يجعلها هديا، فاختصر الكلام. يعنى فالإضافة جنسية (فأشعرها) أى طعنها، من الإشعار وهو فى اللغة
الإعلام، مأخوذ من الشعور وهو العلم بالشئى من شعر يشعر كنصر ينصر، قاله العينى. وقال الراغب: الشعر معروف
قال تعالى ﴿ ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها - ١٦: ٨٠) الآية. ومنه استغير شعرت كذا أى علمت علما فى الدقة
كإصابة الشعر، وسمى الشاعر شاعرا لفطنته ودقة معرفته ﴿لا تحلوا شعائر الله - ٢:٥) أى ما يهدى إلى بيت الله،
سمى بذلك لأنها تشعر أى تعلم بأن تدمى بشعيرة أى حديدة - انتهى. وفى الشرع هو أن يشق أحد سنامى البدن ويطعن
فيه حتى يسيل دمها ليعرف أنها هدى وتتميز إن خلطت وتعرف إن ضلت ويرتدع عنها السراق ويأكلها الفقراء إذا ذبحت
فى الطريق لخوف الهلاك. والحديث يدل على أن الإشعار سنة، وبه قال الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة ، وروى
عن أبى حنيفة أن الإشعار بدعة مكروه لأنه مثلة وتعذيب الحيوان وهو حرام، وإنما فعله مية لأن المشركين لا يمتنعون
عن تعرضه إلا بالإشعار. وقال الجمهور: القول بكراهته مخالف الأحاديث الصحيحة الواردة بالإشعار وليس هو
مثلة بل هو كالفصد والحجامة الختان والكى للصلحة ، وأيضا تعرض المشركين فى ذلك الوقت بعيد لقوة الإسلام. وقد
قيل إن كرامة أبى حنيفة الإشعار إنما كان من أهل زمانه فإنهم كانوا يبالغون فيه بحيث يخاف سراية الجراحة وفساد
العضو، كذا فى اللعات. وقال الحافظ فى شرح حديث المسور بن مخرمة فى إشعار النبى مؤتم الهدى زمن الحديبية
وحديث عائشة فى إشعاره عند بعثه إلى مكة ما لفظه «فيه مشروعية الإشعار وهو أن يكشط جلد البدنة حتى يسيل دم
ثم يسله فيكون ذلك علامة على كونها مديا وقال أيضاً: وفائدته الإعلام بأنها صارت هديا ليتبعها من يحتاج إلى
ذلك، وحتى لو اختلطت بغيرها تميزت أو ضلت عرفت أو عطبت عرفها المساكين بالعلامة فأكلوها مع ما فى ذلك من
تنظيم شعار الشرع وحث الغير عليه. وقال الشاه ولى الله الدهلوى: السر فى الإشعار التنويه بشعائر الله وأحكام
١٩٢

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
الملة الحنيفية يرى ذلك منه الأقاصى والأدانى، وأن يكون فعل القلب منضبطا بفعل ظاهر - انتهى. قال الحافظ:
وبمشروعيته قال الجمهور من السلف والخلف، وذكر الطحاوى فى اختلاف العلماء كراهته عن أبى حنيفة ، وذهب غيره
إلى استحبابه للاتباع حتى صاحباه أبو يوسف ومحمد فقالا هو حسن. قال وقال مالك: يختص الإشعار بمن لها سنام.
قال الطحاوى ثبت عن عائشة وابن عباس التخيير فى الإشعار وتركه فدل على أنه ليس بنسك ، لكنه غير مكروه ثبوت
فعله عن النبي مَ ئِ. قال الحافظ: وأبعد من منع الإشعار واعتل باحتمال أنه كان مشروعا قبل النهى عن المثلة ، فإن
النسخ لا يصار إليه بالاحتمال، بل وقع الإشعار فى حجة الوداع وذلك بعد النهى عن المثلة بزمان. وقال الخطابى
وغيره: اعتلال من كره الإشعار بأنه مز المثلة مردود بل هو باب آخر كالكى وشق أذن الحيوان ليصير علامة وغير
ذلك من الوسم وكالختان والحجامة. وشفقة الإنسان على المال عادة فلا يخشى ما توهموه من سريان الجرح حتى يفضى
إلى الهلاك، ولو كان ذلك هو الملحوظ لقيده الذى كرهه به كأن يقول: الإ شعار الذى يفضى بالجرح إلى السراية حتى تهلك
البدنة مكروه فكان قريبا، قال الحافظ: وقد كثر تشنيع المتقدمين على أبى حنيفة فى إطلاقه كرامة الإشعار وانتصر
له الطحاوى فى المعانى فقال: لم يكره أبو حنيفة أصل الإشعار وإنما كره ما يفعل على وجه يخاف منه هلاك البدن كسراية
الجرح لا ــ مع الطعن بالشفرة فأراد سد الباب عن العامة، لأنهم لا يراعون الحد فى ذلك، وأما من كان عارفا بالسنة
فى ذلك فلا. وروى عن إبراهيم النخعى أيضا أنه كره الا شعار،ذكر ذلك الترمذى، قال سمعت أبا السائب يقول: كنا عند
وكيع فقال لرجل من ينظر فى الرأى: أشعر رسول الله مَّف ويقول أبو حنيفة: هو مثلة. قال الرجل فإنه قدروى عن إبراهيم
النخعى أنه قال: الإ شعار مثلة. قال: فرأيت وكيعا غضب غضبا شديدا وقال: أقول لك: قال رسول الله تعويم وتقول قال
إبراهيم ما أحقك أن تحبس ثم لا تخرج حتى تنزع عن قولك هذا -انتهى. قال الحافظ: وفى هذا تعقب على الخطابى حيث قال:
لا أعلم أحدا من أهل العلم أنكر الإشعار غير أبى حنيفة وخالفه صاحباه وقالا فى ذلك بقول عامة أهل العلم - انتهى.
وفيه أيضا تعقب على ابن حزم فى زعمه أنه ليس لأبى حنيفة فى ذلك سلف، وقد بالغ ابن حزم فى هذا الموضع ، ويتعين
الرجوع إلى ما قال الطحاوى فإنه أعلم من غيره بأقوال أصحابه - انتهى كلام الحافظ. وقال ابن عابدين: جرى
(صاحب الدر انختار) على ما قاله الطحاوى والشيخ أبو منصور الماتريدى من أن أبا حنيفة لم يكره أصل الإشعار،
وكيف يكرهه مع ما اشتهر فيه من الأخبار، وإنما كره إشعار أهل زمانه الذى يخاف منه الهلاك خصوصاً فى حر
الحجاز فرأى الصواب حينئذ سد هذا الباب على العامة فأما من وقف على الحد بأن قطع الجلد دون اللحم فلا بأس بذلك.
قال الكرمانى (فى المناسك): وهذا هو الأصح وهو اختيار قوام الدين وابن الهام، فهو مستحب لمن أحسنه. قال فى
النهر: وبه يستغنى عن كون العمل على قولهها بأنه حسن - انتهى. قلت: ما روى عن أبى حنيفة من القول بكراهة
١٩٣

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
الإشعار لا شك أنه مخالف الأحاديث الصحيحة ومنابذ للسنة، واضطربت الحنفية فى الجواب عنها فقال بعضهم: إنما
أفكر أبو حنيفة الإشعار لأنه يجهد البدنة، وفيه ما لا يخفى من أذية الحیوان وتعذيبه وقد نهى عن ذلك ورأى أنه من
المثلة وهو منهى عنه. وعند التعارض الترجيح للحرم، قالوا: وقد روى عن ابن عباس التخير فيه والرخصة ، وعن
عائشة تركه، فرجح أبو حنيفة الترك لأنه جهة المثلة وهى حرام وترك الندب أولى من اقتحام التحريم. وأجاب
الخطابى عن ذلك بأن المثلة إنما هو أن يقطع عضو من البهيمة يراد به التعذيب أو تبان قطعة منها للأ كل كما كانوا يفعلون
ذلك من قطعهم أسنمة الايل وآليات الشساء يبينونها والبهيمة حية فتعذب بذلك، وإنما سبيل الإشعار سبيل ما أبيح من
الكى والتبزيغ والتوديج فى البهائم، وسبيل الختان والفصاد والحجامة فى الآدميين، وإذا جاز الكى واللدغ بالميسم
ليعرف بذلك ملك صاحبه جاز الإشعار ليعلم أنه بدنة نفسك وتصان فلا يعرض لها حتى تبلغ المحل - انتهى. قال الشوكانى
بعد ذكرد: على أنه لوكان من المثلة لكان ما فيه من الأحاديث مخصصا له من عموم النهى عنها. وقال ابن حجر فى شرح
مناسك النووى: وإنما لم يكن الإشعار منهيا عنه، لأن أخبار النهى عن المثلة عامة وأخباره خاصة فقدمت. وقال الشيخ
عبد الحى اللكنوى فى حاشية الهداية: مذهب الإمام مهنا وقع مخالفا للأحاديث المروية فى باب الطعن والإشعار
رواما مسلم والبخارى ومالك وغيرهم، وما ذكروه من التعارض بين أحاديث الإشعار وبين النهى عن المثلة فغير
صحيح لوجهين أحدهما أن التعارض إنما يكون عند الجهل بالتاريخ، ومعلوم أن إشعاره كان فى حجة الوداع، والنهى عن
المثلة كان فى غزوة خيبر كما هو مصرح فى بعض الروايات فأتى التعارض ، بل يكون عمل الإشعار متأخرا فليعمل به،
وثانيهما وهو أقواهما أن الإشعار ليس بمثلة إذ ليس كل جرح مثلة بل هو ما يكون تشوبها كقطع الأنف والأذن ونحو
ذلك فلا يقال لكل جرح أنه مثلة فلا تعارض بين النهى عن المثلة وبين خبر الإشعار، وقال بعضهم: معنى قول
الراوى (أن النبي ◌َّ أشعر بدته، أعلها بعلامة ويمكن أن يكون ذلك سوى الجرح، لأن الإشعار هو الإعلام، كذا.
ذكره الامام المحبوبی حكاه فى البناية عن الاسجانى ، وهذا الجواب یغنی حكايته عن رده ، کیف وقد ورد فى بعض
الروايات أنه طعن، وهو صريح فى الجرح، وقال بعضهم: حديث الإشعار منسوخ بأحاديث النهى عن المثلة ، وقد
تقدم الجواب عن هذا فى كلام الحافظ وغيره، وقال بعضهم: الذى اشتهر عن أبى حنيفة من منع الإشعار فهو منع لما
ارتكبه أهل زمانه من المبالغة فيه لا أصل الإشعار، أو هو ردع للعوام مطلقا إبقاء على الهدايا وخوفا عما يول الأمر
إليه من المبالغة فيه والوقوع فى المنهى عنه طلبا لما هو مندوب فقط. وهذا قريب مما قاله الطحاوى. وقال بعضهم:
إنما كره أبو حنيفة إيثار الإشعار على التقليد يعنى أن الأولى عنده التقليد وإختيار الإشعار عليه مكروه، ولا يخفى
ما فيه من التمحل، فإنه مخالف لما اشتهر عن أبى حنيفة من كرامة الإشعار مطلقا وفيه أيضا أنه لا يحصل الغرض
١٩٤

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
المذكور بالتقليد، لأنه يحتمل أن ينحل ويذهب بخلاف الإشعار فإنه ألزم، وقال بعضهم: إن إشعاره تربية كان لصيانة
الهدى، لأن المشركين لا يمتنعون عن تعرضه إلا به قال فى فتح القدير متعقبا على هذا: قد يقال هذا يتم فى إشعار
الحديبية وهو مفرد بالعمرة، لا فى إشعار هدايا حجة الوداع ـ انتهى. وقد تقدم نحو هذا عن صاحب اللعات ، وقال
الشيخ اللكتوى فى حاشية الهداية: لوسلمنا أن إشعاره كان لأن المشركين كانوا لا يمتنعون إلا به، لكن إزالة السبب
لا تقتضى إزالة المسبب، أما ترى إلى الرمل أنه بقى سنة مع زوال سببه فلا جرم يقى الإشعار سنة أيضا وإن زال
سببه ، قال: والأحسن فى تأويل قول أبى حنيفة ما ذكره الطحاوى أنه إنما كره إشعار أهل زمانه، وهذا توجه جيد
يجب صرف مذهبه إليه ثلا يكون مخالفا للأحاديث الصريحة، ومع قطع النظر عن هذا التأويل لا طعن على أبى حنيفة
فى هذا الباب لاحتمال عدم وصول أحاديث الاشعار إليه بطريق الصحة، والإمام إذا لم يصل إليه الحديث فعمل
بالقياس فهو معذور. وقال فى تعليقه على موطأ محمد: وحمله الطحاوى على أنه كره المبالغة فيه بحيث يؤدى إلى السراية
وهو محمل حسن، ولولاه لكان قول أبى حنيفة مخالفا الثابت بالأحاديث الصحيحة الصريحة صريحا ، والقوم فى توجيه
ما روى عنه كلمات قد فرغنا عن دفعها فى تعليقاتى على الهداية فلا نضيع الوقت بذكرها - انتهى. تنبيه: اتفق من قال
بالإ شعار بالمحاق البقر فى ذلك بالايل إلا سعيد بن جبير، واتفقوا على أن الغنم لا تشعر اضعفها ولكون صونها أو شعرها يستر
موضع الإشعار، وأما على مانقل عن مالك فظكونها ليست ذات أسنعة، والله أعلم كذا فى الفتح. قلت: اختلف أصحاب
المذاهب الأربعة فى إشعار الايل والبقر بعدما اتفقوا على أن الغنم لا تشعر، فذهب الشافعية والحنابلة إلى استنان الاشعار
فى الايل والبقر مطلقا أى ولو لم يكن لها سنام ، قال القسطلانى: إن لم يكن لها سنام أشعر موضعه هذا مذهب الثانية
وهو ظاهر المدونة. وقال القسطلانى فى موضع آخر: مذهب الشافعى وموافقيه أنه يستحب تقليد البقر وإشعارها. وفى
مناسك النووى: إن كانت بدنة أو بقرة استحب أن يقلدها وأن يشعرها أيضا، وهو أن يضرب صفحة سنامها اليمنى.
قال ابن حجر فى شرحه: قوله ((صفحة سنامها)) هو فى الايل واضح، وأما البقر فلا سنام لها فيضربها فى محله لو كان لها
أخذا ما فى المجموع عن النص. وقال ابن قدامة: ويسن إشعار الإبل والبقر، وقال مالك: إن كانت البقرة ذات
سنام فلا بأس بإشعارها وإلا فلا. ثم قال ابن قدامة: وتشعر البقرة لأنها من البدن فتشعر كذات السنام، وأما النتم
فلا يسن إشعارها لأنها ضعيفة وصونها وشعرها يستر موضع إشعارها - انتهى. وأما عند المالكية فنى الايل قولان،
المرجع الإشعار مطلقا أى ولو لم يكن لها سنام، والثانى التقيد بالسنام. وفى البقر ثلاثة أقوال: الأول الإثبات مطلقا.
والثانى النفي مطلقا، والثالث إشعار ذات السنام وهو المرجح عندهم كما يظهر من كلام الباجى والدردير والدسوقى
والمدونة. وأما عند الحنفية فلا إشعار فى البقر مطلقا. قال فى شرح اللباب: الإبل تقلد وتجلل وقشعر، والبقد
١٩٥

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
فى صفحة سنامها الأيمن،
لا تشعر بل تجلل وتقلد والغنم لا يفعل بها شئى من الثلاثة - انتهى (فى صفحة سنامها) بفتح السين والصفحة الجانب والسنام
أعلى ظهر البعير (الأيمن) صفة صفحة وذكره لمجاورته لسنام، وهو مذكر، أو على تأويل صفحة بجانب. وبه جزم
النووى حيث قال: وصف لمعنى صفحة لا للفظها. ثم قال: أما محل الاشعار فذهبنا ومذهب جماهير العلماء من السلف
والخف أنه يستحب الإشعار فى صفحة السنام اليمنى. وقال مالك فى اليسرى. وهذا الحديث يرد عليه - انتهى. قلت:
اختلف العلماء فى أن الإشعار فى الأيمن أفضل أو فى الأيسر ، ولمالکیة فی ذلك أربعة أقوال کما فى الدسوقى والاکال
حيث قالا: وفى أولويته فى الشق الأيمن أو الأيسر، ثالثها إنما السنة فى الأيسر، ورابعها إنهما سواء - انتهى. لكن
مشهور مذهب مالك الأيسر كما فى الاكمال ، ولذا اقتصر عليه عامة نقلة المذاهب كالنووى والحافظ والعين وغيرهم ، وبه
قال صاحبا أبى حنيفة كما فى العينى وغيره. وقال محمد فى موطأه بعد رواية أثر ابن عمر: أنه كان يشعر بدتته فى الشق
الأيسر إلا أن تكون صعابا، فإذا لم يستطع أن يدخل بينها أشعر من الشق الأيمن. قال محمد: وبهذا نأخذ الإشعار
من الجانب الأيسر إلا أن تكون صعابا مقرنة لا يستطيع أن يدخل بينهما فيشعرها من الجانب الأيسر والأيمن. (الواو
بمعنى أو) أنهى. وهو أى الإشعار فى الشق الأيسر رواية لأحمد، وفى أخرى له المشهورة عنه أنه يشعر فى الأيمن
وبه قال الشافعى ، وهو رواية عن أبى يوسف وفى الدر المختار: الإشعار هو شق سنامها من الأيسر أو الأيمن. وفى
الهداية: صفته أن يشق سنامها من الجانب الأيمن أو الأيسر، قالوا: والأشبه هو الأيسر، لأن النبي ◌َّ طعن فى جانب
اليسار مقصودا، وفى جانب الأيمن اتفاقا. قال ابن الهمام: قالوا لأنها كانت تساق إليه وهو يستقبلها فيدخل من قبل
رؤسها والحربة بيمينه لا محالة ، والطعن حينئذ إلى جهة اليسار أمكن وهو طبع هذه الحركة فيقع الطعن كذلك مقصودا
ثم يعطف طاعنا إلى جهة يمينه بيمينه وهو متكلف بخلافه إلى جهة الأولى - انتهى. وهذا مبنى على أنه مَثل أشعر فى
الأيمن والأيسر. أما الأول فهو مذكور فى حديث ابن عباس عند مسلم الذى نحن فى شرحه، وأما الثانى أى الطعن فى
الأيسر فقال ابن عبد البر فى كتاب التمهيد: رأيت فى ((كتاب ابن علية، عن أبيه عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن
أبى حسان الأعرج عن ابن عباس أن رسول اللّه مزلل أشعر بدنه من الجانب الأيسر ثم سلت الدم عنها. قال ابن
عبد البر: هذا عندى منكر فى حديث ابن عباس، والمعروف ما رواه مسلم وغيره فى الجانب الأيمن لا يصح فى غير
ذلك إلا أن ابن عمر كان يشعر بدنه من الجانب الأيسر - انتهى. وقد صمح ابن القطان كلامه هذا. قال: وأنا أخاف
أن يكون تصحف فيه الأيمن بالأيسر - انتهى. لكن قال الزيلعى فى نصب الراية (ج ٣: ص ١١٦): قد روى هذا
الحديث من غير طريق ابن علية ، فرواه أبو يعلى الموصلى فى مسنده حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا شعبة بن الحجاج عن
١٩٦

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
وسلت الدم عنها، وقلدها نعلين ،
قتادة عن أبى حسان عن ابن عباس أن رسول الله مطلع لما أتى ذا الحليفة أشعر بدنته فى شقها الأيسر ثم سلت الدم
بإصبعه، فلما علت به راحلته البيداء لبی - انتهى. وقد سكت عليه الزيلعى والحافظ فى الدراية. قيل: ويؤيده أثر ابن
عمر عند مالك، كما سيأتى. قلت: لم أجد رواية صحيحة أو ضعيفة تدل على أنه معروفلل طعن فى بعض البدنة فى الشق الأيسر،
وفى البعض الآخر فى الشق الأيمن. وأما رواية أبي يعلى الموصلى فهى معارضة لما رواه الجماعة إلا البخارى عن ابن
عباس فى الإشعار فى الشق الأيمن فيقدم هذا ويرجح على رواية أبي يعلى. وأما تأويل الباجى لحديث ابن عباس عند
مسلم بأنه كان ذلك لصعوبتها أو لیری الجواز، فلا يخفى ما فيه، لأنه احتمال ناشئی من غير دليل. قال ابن قدامة
(ج ٣: ص ٥٤٨): السنة الإشعار فى صفحتها اليمنى، وبهذا قال الشافعى وأبو ثور، وقال مالك وأبو يوسف: بل
تشعر فى صفحتها اليسرى. وعن أحمد مثله لأن ابن عمر فعله. ولنا ما روى ابن عباس أن النبي ◌َّ صلى بذى الحليفة
ثم دعا بدنة وأشعرها من صفحة سنامها الأيمن - الحديث. رواه مسلم. وأما ابن عمر فقد روى عنه كذهبنا رواه
البخارى (معلقا) ثم فعل النبي ◌َّل أولى من قول ابن عمر وفعله بلا خلاف، ولأن النبي ◌ُّ كان يعجبه التيمن فى شأنه
كله - انتهى. وقال البخارى فى صدر «باب من أشعر بذى الحليفة ثم أحرم)»: وقال نافع كان ابن عمر إذا أهدى من
المدينة قلده وأشعره بذى الحليفة يطعن فى شق سنامه الأيمن بالشفرة ووجها قبل القبلة باركة. قال الحافظ: وصله
مالك فى الموطأ، قال: عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا أهدى هديا من المدينة قلده وأشعره بذى الحليفة،
يقلده قبل أن يشعره وذلك فى مكان واحد وهو موجه للقبلة ، يقلده بنعلين ويشعره من الشق الأيسر ثم يساق معه حتى
يوقف به مع الناس بعرفة ثم يدفع به معهم إذا دفعوا ، فإذا قدم منى غداة النحر نحره. وعن نافع عن ابن عمر كان إذا
طعن فى سنام هدیه وهو يشعره قال : بسم الله والله أ کبر. وأخرج البيهقى(ج ٥: ص ٢٣٢) من طريق ابن وهب عن
مالك وعبد الله بن عمر عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يشعر بدنه من الشق الأيسر إلا أن تكون صعابا، فإذا لم يستطع
أن يدخل بينها أشعر من الشق الأيمن، وإذا أراد أن يشعرها وجهها إلى القبلة، وتبين بهذا أن ابن عمر كان يطعن فى الأيمن
تارة وفى الأيسر أخرى بحسب ما يتهيأ له ذلك - انتهى كلام الحافظ (وسلت) بمهملة ولام ثم مثناة (الدم) أى مسحه
وأماطه وأزاله (عنها) أى عن صفحة سنامها، زاد عند أبى داود («بيده)» وفى أخرى عنده أيضا ((بإصبعه)) قال الخطابي:
سلت الدم بيده، أى أماطه بإصبعه، وأصل السلت القطع، يقال سلت اللّه أنف فلان أى جدعه (وقلدها) تشديد
اللام (فعلين) فيه دليل على استنان تقليد الابل بنعلين، وقد وقع الإجماع على استنان تقليد الهدى. قال ابن قدامة:
يسن تقليد الهدى وهو أن يجعل فى أعناقها النعال وآذان القرب وعراها أو علاقة إداوة سواء كانت إبلا أو بقسرا أو
١٩٧
1

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
غنما. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يسن تقليد الغنم ـ انتهى. وفى مناسك النووى: إن كانت بدنة أو بقرة استحب له
أن يقلدها فعلين وليكن لهما قيمة ليتصدق بهما. ومن ساق غنما استحب أن يقلدها خرب القرب وهى عراها وآذانها ولا
يقلدها النعل لأنها ضعيفة. وقال الدردير: سن فى هدايا الايل إشعار وتقليد أى تعليق قلادة أى حبل فى عنقها ، وندب
فعلان يعلقهما بنبات الأرض، أى بحبل من نبات الأرض لا من صوف أو وبر ، وقال العينى: قال أصحابنا: لو قلد
عروة مزادة أو لحى شجرة أو شبه ذلك جاز لحصول العلامة. وذهب الشافعى والثورى إلى أنها تقلد بنعلين، وهو
قول ابن عمر. وقال الزهرى ومالك: يجزئ واحدة، وعن الثورى يجزئ فم القربة ونعلان أفضل لمن وجدهما -
انتهى. قال الحافظ: قيل الحكمة فى تقليد النعل أن فيه إشارة إلى السفر والجد به فعلى هذا يتعين أى النعل، والله أعلم.
وقال ابن المنير فى الحاشية: الحكمة فيه أن العرب تعتد النعل مركوبة لكونها تقى عن صاحبها وتحمل عنه وعر الطريق،
وقد كنى بعض الشعراءعنها بالناقة ، فكان الذى أهدى خرج عن مركوبه لله تعالى حيوانا وغيره كما خرج حين أحرم
عن ملبوسه ، ومن ثم استحب تقليد فعلين لا واحدة - انتهى. وفى شرح اللباب: يسن تقليد بدن الشكر دون بدن الجبر
وهو أن يربط فى عنق بدنة أو بقرة قطعة فعل كاملة أو ناقصة أو قطعة مزادة أو لحاء شجرة أو نحوه من شراك فعل
وغير ذلك مما يكون علامة على أنه هدى ولا يسن فى الغنم مطلقا لكن لو قلده جاز ولا بأس به - انتهى. والحديث
دليل على أنه يسن تقليد أحدى وإشعاره من الميقات حيث قلد رسول اللّه مَ ◌ّ هديه وأشعره بذى الحليفة ميقات أهل
المدينة ، وقد صرح أهل الفروع من أتباع الأئمة الأربعة باستحباب التقليد والإشعار من الميقات. قال ابن قدامة:
وإذا ساق الهدى من قبل الميقات استحب إشعاره وتقليده من الميقات لحديث ابن عباس، وإن ترك الإشعار والتقليد
فلا بأس به ، لأن ذلك غير واجب - انتهى. وفى مناسك النووى: الأفضل أن يكون هديه معه من الميقات مشعرا
مقلدا. وقال الدردير: ثالث السنن لمريد الاحرام تقليد هدى إن كان معه، ثم إشعاره إن كان مما يشعر. وقال فى
اللباب من مناسك الحنفية: فإذا أحرم بالتلبية ساق هديه ويقلد البدنة ، إلى آخر ما بسط الكلام فى حكم الإشعار وكيفيته
واختلفوا هل الأفضل تقديم الإشعار على التقليد أو تقديم التقليد على الاشعار. قال القسطلانی: صح فى الأول
خبر فى صحيح مسلم وصح فى الثانى فعل ابن عمر وهو المنصوص ، وزاد فى المجموع أن الماوردى حكى الأول عن أصحابنا
كلهم ولم يذكر فيه خلافا - انتهى. وقال النووى فى مناسكه: هل الأفضل أن يقدم الإشعار على التقليد فيه وجهان:
أحدهما يقدم الاشعار فقد ثبت ذلك فى صحيح مسلم من حديث ابن عمر مرفوعا، والثانى وهو نص الشافعى
تقديم التقليد، وقد صح ذلك عن ابن عمر من فعله، والأمر فيه قريب - انتهى. وقد تقدم قول الدردير أن
ثالث السنن لمريد الإحرام تقليد مدى إن كان معه ثم إشعاره. وقال فى موضع آخر: الأولى تقديم التقليد
١٩٨

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج. رواه مسلم.
٢٦٥٢ - (٢) وعن عائشة، قالت: أهدى النبى صلى اللّه عليه وسلم مرة إلى البيت غنما، فقلدها.
على الإشعار لأنه السنة. قال الدسوقى: السنة تقديم التقليد فعلا خوفا من نقارها لو أشعرت أولا. قال
الباجى: وقد قال ابن القاسم فى المدونة: وكل ذلك واسع، يريد أن الترتيب المذكور ليس بواجب - أنتهى
(ثم ركب راحلته) أى غير التى أشعرها (أهل بالحج) أى لبى به وكذا بالعمرة لما فى الصحيحين عن أنس قال
سمعت رسول اللّه تَّ يلي بالحج والعمرة يقول: لبيك عمرة وحجا - انتهى. ومن حفظ حجة على من لم يحفظ،
مع أنه يمكن أن الراوى اقتصر على ذكر الحج لأنه الأصل أو لأن مقصوده بيان وقت الإحرام والتلية أو لعدم
سماعه أولا أو لنسيانه آخرا، قاله القارى. وقد تقدم نقل الخلاف فى كيفية إحرامه مريضة وطريق الجمع بين المختلف
فيه فليراجع (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد (ج ١: ص ٢١٦، ٢٥٤) والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه
والدارمى والبيهقى وابن الجارود ، وقال الزيلعي : رواه الجماعة إلا البخارى.
٢٦٥٢ - قوله (أهدى النبي ◌َّ مرة إلى البيت) أى بيت الله (غنما) أى قطعة من الغنم، ومعنى الحديث أنه ماله
كان يبعث بهديه قبل حجة الوداع مع من يحج وهو مُؤثّم مقيم بالمدينة لا يحج، وأنه بعث مرة غنما. وفى قولها ((مرة))
إشعار بأنه مح كان يهدى بالبدن لكونها أفضل، وأهدى مرة بالغنم لبيان الجواز، وقد ثبت إهداؤه بالبدن فى حديث
آخر لعائشة أيضا كما سيأتى (فقلدها) فى الحديث دليل على جواز أن يكون الهدى من الغنم وأنها تقلد ، وإلى
ذلك ذهب جمهور العلماء وخالف فى ذلك الحنفية والمالكية فقالوا: إن الغنم لا تقلد. والحديث يرد عليهما. قال
السندى فى حاشية النسائى: الحديث صريح فى جواز تقليد الغنم فلا وجه لمنع من منع ذلك. وقال النووى: فيه
دلالة لمذهبنا ومذهب الكثرين أنه يستحب تقليد الغنم. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يستحب بل خصا التقليد بالايل
والبقر، وهذا الحديث صريح فى الدلالة عليهما - انتهى. وحديث عائشة هذا هو من رواية الأسود عنها، والفظ
المذكور لمسلم، ولفظ البخارى ((قالت أهدى النبي ◌َّم مرة غنما)، وفى رواية له ((قالت: كنت أقل القلائد للنبي مز ◌ّ}.
فيقلد الغنم، وفى لفظ له ((كنت أقتل قلائد الغنم للنبي ◌َّ فيبعث بها، الحديث. وبوب البخارى على هذه الروايات
(تقليد الغنم، قال الحافظ تحت هذه الترجمة: قال ابن المنذر: أنكر مالك وأصحاب الرأى تقليد الغنم، زاد غيره وكأنهم
- لم يلتهم الحديث، ولم نجد لهم حجة إلا قول بعضهم أنها تضعف عن التقليد وهى حجة ضعيفة، لأن المقصود من التقليد
العلامة ، وقد اتفقوا على أنها لا تشعر، لأنها تضعف عنه فتقلد بما لا يضعفها. ثم ساق ابن المنذر من طريق عطاء
وعبيد الله بن أبي يزيد وأبى جعفر محمد بن على وغيرهم قالوا: رأينا الغنم تقدم مقلدة. ولابن أبى شيبة عن ابن عباس
١٩٩

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٧ - باب الهدى
تموه، والمراد بذلك الرد على من ادعى الاجماع على ترك إهداء الغنم وتقليدها وأعل بعض المخالفين حديث الباب بأن
الأسود تفرد عن عائشة بتقليد الغنم دون بقية الرواة عنها من أهل بيتها وغيرهم. قال المذرى وغيره: وليست هذه بعلة
لأنه حافظ ثقة لا يضره التفرد - أنهى. وقال العراقى فى طرح التثريب: اختلفوا فى استحباب تقليد الغنم فقال به
الشافعى وأحمد، ورواه ابن أبى شيبة عن عائشة وعن ابن عباس: لقد رأيت الغنم يؤتى بها مقلدة. وعن أبى جعفر:
رأيت الكباش مقلدة. وعن عبد الله بن عبيد بن عمير أن الشاة كانت تقلد. وعن عطاء: رأيت أناسا من أصحاب
التي نے يسوقون الغنم مقلدة. وحكام ابن المنذر عن إسحاق وأبى ثور قال: وبه أقول، وإليه ذهب ابن حبيب من
المالكية. وذهب آخرون إلى أنها لا تقلد كما أنها لا تشعر، وهو مذهب أبى حنيفة ومالك. وحكاه ابن المنذر عن
أصحاب الرأى، ورواه ابن أبى شيبة عن ابن عمر وسعيد بن جبير ويوافقه كلام البخارى فإنه بوب على هذا الحديث
(أى حديث عروة وعمرة عن عائشة: قالت كان رسول الله عزَّ يهدى من المدينة فأقتل قلائد هديه ثم لا يجتنب شيئًا ما
يجتنب المحرم) (باب فتل القلائد للبدن والبقر) فحمل الحديث عليهما ولم يذكر الغنم ـ انتهى. قلت: ورد عليه الحافظ
فقال: تنبيه: أخذ بعض المتأخرين من اقتصار البخارى فى هذه الترجمة على الإبل والبقر أنه موافق لمالك وأبي حنيفة فى
أن الغنم لا تقلد وغفل هذا المتأخر عن أن البخارى أفرد ترجمة لتقليد الغنم بعد أبواب يسيرة كعادته فى تفريق الأحكام فى
التراجم - انتهى. ثم قال العراقى: وظاهر حديث عروة عن عائشة المذكور موافق للجمهور لأنها لم تخص بذلك هدیا
دون هدى، وقد صرحت بالغنم فى رواية الأسود عنها كما تقدم. وقال العينى: مذهب الحنفية أن التقليد فى البدنة
والغتم ليست من البدنة فلا تقلد لعدم التعارف بتقليدها، ولو كان تقليدها سنة لما تركوها. وقالوا فى الحديث المذكور:
قفرد به الأسود ولم يذكره غيره، وادعى صاحب المبسوط أنه أثر شاذ. فإن قلت كيف يقال: تركوها، وقد ذكر ابن
أبي شيبة فى مصنفه أن ابن عباس قال: لقد رأيت الغنم يؤتى بها مقلدة؟ وعن أبى جعفر «رأيت الكباش مقلدة)) وعن
عبد الله بن عبيد بن عمير ((أن الشاة كانت تقلد)) وعن عطاء «رأيت أناسا من الصحابة يسوقون الغنم مقلدة)) قلت: ليس فى
ذلك كله أن التقليد كان فى الغنم التى سيقت فى الإحرام، وأن أصحابها كانوا محرمين، على أنا نقول إنهم ما منعوا
الجواز وإنما قالوا بأن التقليد فى الغنم ليس بسنة - انتهى. قلت: الآثار المذكورة نص فى تقليد الغنم وظاهر فى أنه كان فى
الغنم التى سبقت إلى الحرم ونص أيضا فى أن تقليد الغنم من الهدى كان معتادا متعارفا معمولا به فى ما بين الصحابة
والتابعين، وحملها على غير ذلك ادعاء محض فلا يلتفت إليه، وكذا اعتذار صاحب المبسوط وغيره عن حديث الأسود
عن عائشة عند الشيخين وغيرهما بادعاء أنه شاذ لم يتابعه عليه أحد، ليس مما يصغى إليه. قال ابن قدامة (ج ٣:
ص ٥٤٩): وقال مالك وأبو حنيفة: لا يسن تقليد الغنم لأنه لو كان سنة لنقل كما نقل عن الابل، ولنا أن عائشة قالت:
٢٠٠