Indexed OCR Text

Pages 141-160

ـرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٤ - باب الوقوف بعرفة
وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك ، وله الحمد،
وهو على كل شئى قدير. رواه الترمذى.
٢٦٢٣ - (٨) وروى مالك عن طلحة بن عبيد اللّه إلى قوله ((لا شريك له)).
الدعاء، على حذف المضاف، ويدل عليه الحديث الآخر، فإنه قال: أفضل الدعاء أن أقول لا إله إلا الله وحده لا
شريك له ، إلى آخره، ودعا بعد ذلك بقوله اللهم اجعل فى قلبي نورا، إلخ. الثالث: معناه أفضل ما يستبدل به عن
الدعاء يوم عرفة لا إله إلا الله، إلى آخره، والأول أوجه ـ انتهى (وخير ما قلت) قال الشيخ الدهلوى فى اللعات: أى
دعوت ، والدعاء هو لا إله إلا الله وحده، إلخ. وتسميته دعاء إما لأن الثناء على الكريم تعريض بالدعاء والسوال،
وإما لحديث ((من شغله ذكرى عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين، هكذا قالوا، ولا يخفى أن عبارة هذا
الحديث لا تقتضى أن يكون الدعاء قوله لا إله إلا الله. إلخ. بل المراد أن خير الدعاء ما يكون يوم عرفة أى دعاء كان،
وقوله ((خير ما قلت)، إشارة إلى ذكر غير الدعاء فلا حاجة إلى جعل ما قلت بمعنى ما دعوت ، ويمكن أن يكون هذا
الذكر توطئة لتلك الأدعية لما يستحب من الثناء على الله قبل الدعاء - انتهى. وقال القارى: لا يبعد أن يقال: خير ما قلت
من الذكر فيكون عطف مغاير، والتقدير: أفضل الدعاء دعاء فى يوم عرفة بأى شئى كان ، وخير ما قلت من الذكر فيه
وفى غيره أنا والنبيون من قبلى: لا إله إلا الله - انتهى. قلت: لكن لا يلائمه رواية الطبرانى بلفظ «أفضل ما قلت أنا
والنبيون قبلى عشية عرفة: لا إله إلا الله)). وكذا رواية أحمد. كان أكثر دعاء رسول الله مُ ئل يوم عرفة لا إله إلا الله)
(له الملك وله الحمد) زاد فى حديث أبى هريرة عند البيهقى «يحيى ويميت بيده الخير)، (رواه الترمذى) فى الدعوات من طريق
حماد بن حميد عن عمرو بن شعيب وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وحماد بن أبي حميد هو محمد بن أبي حميد
وليس هو بالقوى عند أهل الحديث ، وأخرجه أحمد من هذا الطريق (ج٢: ص ٢١٠) بلفظ «كان أكثر دعاء رسول
الله مَّ يوم عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شئ قدير، أورده
الهيشمی فی مجمع الزوائد وقال: رواه أحمد ورجاله موثقون - انتهى. ولا يخفى ما فيه.
٢٦٢٣ - قوله (ورویمالك) فى آخر کتابالصلاةوفى أواخر الحجعنزياد بن أییزیاد مولی عبد الله بن عياش
ابن أبى ربيعة المخزومى (عن طلحة بن عبيد الله) أى مرسلا مرفوعا، وطلحة هذا هو طلحة بن عبيد الله (مصغرا) ابن
كريز - بفتح الكاف وكسر الراء المهملة وسكون الياء وزاى معجمة - الخزاعى المدنى أبو المطرف ثقة من أوساط
التابعين، مات بالشام سنة ثمان عشرة ومائة. قال العراقى: وهم من ظنه أحد العشرة، أى لأنه تيمى واسم جده عثمان وهذا
خزاعى وجده کریز فحديثه مرسل (إلی قوله ((لا شريك له)) وكذا أخرجه البيهقى فى كتاب الدعوات الكبيروالسننالكبرى
۔
١٤١

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٤ - باب الوقوف بعرفة
٢٦٢٤ - (٩) وعن طلحة بن عبيد الله بن كريز، أن رسول اللّه عنه قال: ما رؤى الشيطان يوما هو
فيه أصغر
(ج٥: ص١١٧) مرسلا مبتورا. قال ابن عبدالبر: لا خلاف عن مالك فى إرساله ولا أحفظ بهذا الإسناد مسندا من وجه يحتج
به وأحاديث الفضائل لا تحتاج إلى محتج به ، وقد جاء مسندا من حديث على وابن عمر ثم أخرج حديث على من طريق
ابن أبى شيبة وجاء أيضا عن أبى هريرة، أخرجه البيهقى. وقال الحافظ فى التلخيص (ص ٢١٥) بعد ذكر هذا الحديث: مالك
فى الموطأ من حديث طلحة بن عبيد الله بن كريز مرسلا (لأن طلحة تابعى) وروى عن مالك موصولا، ذكره البيهقى وضعفه،
وكذا ابن عبد البر فى التمهيد، وله طريق أخرى موصولة رواه أحمد والترمذى من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده بلفظ ((خير الدعاء دعاء يوم عرفة، الحديث. وفى إسناده حماد بن أبي حميد وهو ضعيف، ورواه العقيلى فى الضعفاء
من حديث نافع عن ابن عمر بلفظ «أفضل دعائى ودعاء الأنبياء قبلى عشية عرفة لا إله إلا الله، الحديث. وفى إسناده فرج بن
فضالة وهو ضعيف جدا. قال البخارى: منكر الحديث ، ورواه الطبرانى فى المناسك من حديث على نحو هذا، وفى
إسناده قيس بن الربيع، وأخرجه البيهقى (ج ٥: ص ١١٧) وإسحاق بن راهويه كما فى المطالب العالية (ج ١:
ص ٢٤٥) عنه بزيادة «اللهم اجعل فى قلبي نورا، إلخ. وفى إسناده موسى بن عبدة الربذى وهو ضعيف و تفرد به عن
أخيه عبد الله عن على. قال البيهقى: ولم يدرك عبد الله عليا - انتهى. وأحاديث الباب تدل على مشروعية الاستكثار
من الدعاء المذكور يوم عرفة وأنه خير ما يقال فى ذلك اليوم. تنبيه: قال الزرقانى: وقع فى تجريد الصحاح لرزين
ابن معاوية الأندلسى زبادة فى أول هذا الحديث وهى: أفضل الأيام يوم عرفة وافق يوم جمعة، وهو أفضل من سبعين
حجة فى غير يوم الجمعة ، وأفضل الدعاء، إلخ. وتعقبه الحافظ فقال: حديث لا أعرف حاله لأنه لم يذكر صحابيه ولا
من خرجه بل أدرجه فى حديث الموطأ هذا وليست هذه الزيادة فى شئ من الموطآت ، فإن كان له أصل احتمل أن
يراد بالسبعين التحديد أو المبالغة فى الكثرة، وعلى كل حال منهما ثبتت المزية - انتهى. وفى الهدى لابن القيم. ما
استفاض على ألسنة العوام أن وقفة الجمعة تعدل ثنتين وسبعين حجة فباطل لا أصل له عن رسول اللّه مَّثم ولا عن أحد
من الصحابة والتابعين - انتهى .
٢٦٢٤ - قوله (وعن طلحة بن عبيد الله) بضم العين مصغرا (بن كريز) بفتح الكاف مكبرا ، الخزاعى التابعى
المتقدم ذكره آنفا، فالحديث مرسل (أن رسول الله مؤلل قال: ما رؤى) بالبناء للمجهول (يوما) أى فى يوم (هو فيه
أصغر) الجملة صفة يوما أى أذل وأحقر، مأخوذ من الصغار بفتح الصاد المهملة وهو الهوان والذل ، قاله القارى.
وهكذا فسر الزرقانى وصاحب المحلى وغيرهم من الشراح. وقال الباجى: يحتمل وجهين، أن يريد الصغار والخزى
١٤٢

مرحاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٤ - باب الوقوف بعرفة
ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه فى يوم عرفه ، وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة، وتجاوز
الله عن الذنوب العظام، إلا ما رؤى يوم بدر. فقيل ما رؤى يوم بدر؟
والذل، ويحتمل أن يريد به تضاؤله وصغر جسمه وأن ذلك يصيبه عند نزول الملائكة وإغضاب نزولها له - انتهى (ولا
أدحر) بسكون الدال وفتح الحاء وبالراء مهملات، اسم تفضيل من الدحر وهو الطرد والابعاد أى أبعد عن الخير
ومنه قوله تعالى: ﴿من كل جانب دحورا - ٣٧: ٩) وقوله تعالى: ﴿أخرج منها مذوما مدحورا - ٧: ١٨} وقال
الطبرى: الدحر الدفع بعنف على سبيل الإهانة والاذلال، ومنه: ﴿فتاقى فى جهنم ملوما مدحورا - ١٧: ٣٩) أى
مبعدا من رحمة الله (ولا أحقر) أى أسوأ حالا، قاله القارى. وقال الزرقانى: أى أذل وأهون عند نفسه لأنه عند
الناس حقير أبدا. وقال الباجى: يحتمل الوجهين المتقدمين فى أصغر (ولا أغيظ) أى أشد غيظا محيطا بكبده وهو أشد
الحق (منه) أى من الشيطان نفسه (فى يوم عرفة) وفى المصابيح (يوم عرفة)) قال شارحه: نصب ظرفا لأصغر أو
لأغيظ أى الشيطان فى عرفة ابعد مرادا منه فى سائر الأيام وتكرار المنفيات المبالغة فى المقام ، قاله القارى (وما ذاك) أى
وليس ما ذكر له (إلا لما يرى) كذا فى جميع النسخ من المشكاة موافقا لما فى المصابيح. وكذا ذكره المنذرى فى الترغيب
والطبرى فى القرى، وفى الموطأ ((إلا لما رأى)) أى بصيغة الماضى المعلوم، قال القارى: لما يرى أى لأجل ما يعلم، قيل:
ويحتمل رؤية العين كما يجنى (من تنزل الرحمة) أى على الخاص والعام بحسب المراتب (وتجاوز اللّه عن الذنوب العظام)
قال القارى: فيه إيماء إلى غفران الكبائر - انتهى. قال الزرقانى: (قوله ((إلا لما رأى من تنزل الرحمة) أى الملائكة النازلين
بها على الواقفين بعرفة وهو لعنه الله، لا يحب ذلك، وليس المراد أنه يرى الرحمة نفسها، ولعله رأى الملائكة تبسط
أجنحتها بالدعاء للحاج، ويحتمل أنه سمع الملائكة تقول: غفر لهؤلاء أو نحو ذلك فعلم أنهم نزلوا بالرحمة ، ورؤيته
الملائكة للغيظ لا للاكرام ، قاله أبو عبد الملك البونى، وقال الباجى: يحتمل أنه يرى الملائكة ينزلون على أهل عرفة وقد
عرف الشيطان أنهم لا ينزلون إلا عند الرحمة لمن ينزلون عليه، ولعل الملائكة يذكرون ذلك إما على وجه الذكر بينهم
أو على وجه الإغاظة للشيطان ، ويخلق الله للشيطان إدرا كا يدرك به نزولهم ويدرك به ذكرهم لذلك، ولعله يسمع منهم
إخبارهم بأن الله تعالى قد تجاوز لأهل الموقف عن جميع ذنوبهم وعما يوصف بالعظم منها ، ويحتمل أن ينص على ذلك،
ويحتمل أن يخبر به عنه بخبر يفهم المعنى وإن لم ينص على نفس المعصية سترا من الله تعالى على عباده المغفور لهم - انتهى (إلا ما
رؤى) ببناء المجهول (يوم بدر) قال الطبى: أى ما رؤى الشيطان فى يوم أسوأ حالا منه فى ما عدا يوم بدر أول غزوة
وقع فيها القتال وكانت فى ثانية الهجرة، وفى المصابيح ((إلا ما كان من يوم بدر)، (فقيل: ما رؤى؟) كذا فى بعض النسخ
بصيغة المجهول، وفى بعضها ((ما رأى)) أى ببناء المعلوم كما فى الموطأ والمصابيح، أى قالت الصحابة: وما رأى الشيطان يوم.
١٤٣
.

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٤ - باب الوقوف بعرفة
قال : فإنه قد رأى جبريل يزع الملائكة. رواه مالك مرسلا ، وفى شرح السنة بلفظ المصابيح.
٢٦٢٥ - (١٠) وعن جابر، قال: قال رسول اللّه مَله: إذا كان يوم عرفة إن اللّه ينزل إلى السماء
الدنيا، فيباهى بهم الملائكة، فيقول انظروا إلى عبادی أتونى شعثا
بدر حتى صار لأجله أسوأ حالا؟ (قال) أى رسول الله عَ ليه (فإنه) أى الشيطان، وفى الموطأ ((أما إنه)) (قد رأى
جبريل) عليه السلام أى يوم بدر (يزع) بفتح الياء والزاى المعجمة فعين مهملة ، وأصله يوزع من الوزع، أى يصف
(الملائكة) للقتال ويمنعهم أن يخرج بعضهم عن بعض فى الصف. قال الجزرى: وزعه يزعه وزعا فهو وازع إذا كفه
ومنعه، ومنه حديث ((إن إبليس رأى جبريل عليه السلام يوم بدر يزع الملائكة)) أى يرتبهم ويسويهم ويصفهم للحرب
فكأنه يكفهم عن التفرق والانتشار - انتهى. وقال الطبي: يزعهم أى يكفهم فيحبس أولهم على آخرهم، ومنه الوازع
وهو الذى يتقدم الصف فيصلحه ويقدم فى الجيش ويؤخره ، ومنه قوله تعالى ﴿فهم يوزعون - ٢٧: ١٧، ٨٣) أى
يرتبهم ويسويهم ويكفهم عن الانتشار ويصفهم للحرب - انتهى. وفيه فضل الحج وشهود عرفة، وفضل يوم بدر وسعة
فضل الله على المذنبين (رواه مالك) فى أواخر الحج عن إبراهيم بن أبى عبلة (من ثقات التابعين) عن طلحة بن عبيد الله
ابن كريز (مرسلا) حديث طلحة هذا ذكره المنذرى فى الترغيب (ج ٢: ص ٧٣) وقال: رواه مالك والبيهقى من
طريقه وغيرهما وهو مرسل ، وقال ابن عبد البر فى النقصى: هو مرسل عند جماعة رواة الموطأ . وقال فى التمهيد : هكذا
الحديث فى الموطأ عند جماعة الرواة عن مالك، ورواه أبو النصر إسماعيل بن إبراهيم العجلى عن مالك عن إبراهيم بن
أبى عبلة عن طلحة بن عبيد الله بن كريز عن أبيه، ولم يقل فى هذا الحديث ((عن أبيه)) غيره، وليس بشئى - انتهى. قلت:
عبيد الله بن كريز هذا لم يذكر فى التهذيب ولا فى الجرح والتعديل، وإنما ذكره ابن حبان فى (ج ٢) من الثقات،
وذكره أيضا البخارى فى التاريخ الكبير (ق ١/ج ٣/ ص ٣٩٧) فقال: عبيد الله بن كريز الخزاعى سمع عبد الله بن
معقّل، رواه عنه ابنه طلحة فى البصريين - انتهى. وهذا كما ترى لم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا. وقال الزرقانى:
حديث طلحة هذا مرسل ، وزعم ابن الحذاء أن الحديث من الغرائب التى لم يوجد لها إسناد ولا نعلم أحدا أسنده، من
قصوره الشديد، فقد وصله الحاكم فى المستدرك عن أبى الدرداء، وقال القارى: رواه الديلمى متصلا والبيهقى مرسلا
ومتصلا (وفى شرح السنة) البغوى (بلفظ المصابيح) المغاير لبعض ما هنا، وقد تقدم التنبيه على ذلك.
٢٦٢٥ - قوله (إلى السماء الدنيا) قال القارى: لعل وجه التخصيص زيادة اطلاع أهلها لأهل الدنيا (فيباهى بهم)
أى بالواقفين بعرفة (الملائكة) أى ملائكة سماء الدنيا أو الملائكة المقربين أو جميع الملائكة، قاله القارى (فيقول انظروا)
أى نظر اعتبار (إلى عبادى) الإضافة للتشريف (أتونى) قال القارى: أى جاؤا مكان أمرى (شعنا) بضم الشين
١٤٤

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٤ - باب الوقوف بعرفة
غبرا ضاجين من كل فج عميق ، أشهدكم أنى قد غفرت لهم، فيقول الملائكة: يا رب! فلان كان
يرهق وفلان وفلانة. قال: يقول الله عز وجل: قد غفرت لهم. قال رسول اللّه عليه: فما من
يوم أكثر عتيقا من النار من يوم عرفة . رواه فى شرح السنة .
المعجمة وسكون العين المهملة ، جمع أشعث وهو المتفرق الشعر (غبرا) جمع أغير وهو الذى التصق الغبار بأعضائه،
وهما حالان (ضاجين) بتشديد الجيم من ضج إذا رفع صوته أى رافعين أصواتهم بالتلبية . قال القارى : وفى نسخة يعنى
من المشكاة بتخفيف الحاء المهملة، وفى المشارق: أى أصابهم حر الشمس. وفى القاموس: ضحى برز للشمس وكسعى
ورضى أصابته الشمس. وذكر المنذرى حديث جابر هذا من رواية ابن حبان بلفظ ضاحين ، وقال: هو بالضاد المعجمة
والحاء المهملة أى بارزين للشمس غير مستقرين منها، يقال لكل من برز للشمس من غير شئى يظله ويكنه: إنه لضاح (من كل
فج عميق) متعلق بأتوا أى من كل طريق بعيد (أشهدكم) أى أظهرلكم (فلان كان يرهق) بتشديد الهاء وفتحه ويخفف أى
يتهم بالسوء وينسب إلى غشيان المحارم، ولفظ البيهقى «فتقول الملائكة: إن فيهم فلانا مرهقاء قال المنذرى: المرهق هو
الذى يغشى المحارم ويرتكب المفاسد (وفلان وفلانة) أى كذا وكذا يعنى عاص وفاسق. وقال القارى: أى كذلك
يفعلان المعاصى ، وإنما قالوا ذلك تعجبا منهم بعظم الجريمة واستبعادا لدخول صاحب مثل هذه الكبيرة فى عداد
المغفورين. وقال التوربشتى: قول الملائكة هذا على سبيل الاستعلام ليعلموا هل دخل ذلك المرهق فى جملتهم أم لا،
كانهم قالوا: إن فيهم فلانا ومن شأنه كيت وكيت، فاذا صنعت به، أو يكون سؤالهم هذا من طريق التعجب، وفيه
من الأدب عدم التصريح بالمعائب وعلى هذا النحو من المعنى يحمل قوله مؤثّه فى غير هذا الحديث: إن فبهم فلانا الخطاء.
ولا يصح حمله على غير ذلك فانهم أعلم بالله من أن يسبق عنهم مثل هذا القول على سبيل الاعلام والاعتراض (قد غفرت
لهم) أى لهؤلاء أيضا، وقد غفرت لهم جميعا وهؤلاء منهم وهم قوم لا يشقى جليسهم، قال الطيبي: فإن الحج يهدم ما كان
قبله (فا من يوم) قال الطبي: جزاء شرط محذوف (أكثر) بالنصب خبر ما بمعنى ليس ، وقيل بالرفع على اللغة التميمية
(عنيقا) تمييز (من النار) متعلق بعتيق (من يوم عرفة) متعلق بأكثر (رواه) أى البغوى (فى شرح السنة) أى بسنده
وأخرجه أيضا ابن حبان وابن خزيمة فى صحيحيهما والاسماعيلى فى معجمه وأبو يعلى والبزار وابن منيع وعبد الرزاق وسعيد
ابن منصور وابن عساكر وقاسم بن أصبع فى مسنده والحاكم والبيهقى وابن أبى الدنيا بألفاظ متقاربة مختصرا ومطولا
وأورده الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ٣: ص ٢٥٣) من رواية أبي يعلى والبزار بزيادة فضل عشر ذي الحجة فى أوله ،
وقال: فيه محمد بن مروان العقيلى وثقه ابن معين وابن حبان، وفيه بعض كلام، وبقية رجاله رجال الصحيح - انتهى . وفى
الباب عن أبى هريرة وابن عمر وأنس وعبد الله بن عمرو بن العاص ذكر أحاديثهم المنذرى فى الترغيب والطبرى فى
القرى وعلى المتقی فی الکنز والهیشمی فی مجمع الزوائد.
١٤٥

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٤ - باب الوقوف بعرفة
الفصل الثالث ).؟
٢٦٢٦ - (١١) عن عائشة، قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون
الخمس، وكان سائر العرب يقفون بعرفة، فلما جاء الإسلام أمر الله تعالى نبيه ◌َّفي أن يأتى عرفات،
فيقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله عز وجل (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس).
٢٦٢٦ - قوله (کانت قریش ومن دان دینها) أی اتبعھم فی دینهم ووافقهم علیه واتخذ دینهم له دينا (يقفون-
بالمزدلفة) أى حين يقف الناس بعرفة. قال سفيان بن عيينة: وكان الشيطان قد استهواهم فقال لهم: إنكم إن عظمتم غير
حرمکم استخف الناس بحرمكم فكانوا لا يخرجون من الحرم. رواه الحمیدی فی مسنده (ج ١، ص ٢٥٥) (وكانوا)
أى قريش (يسمون الخمس) بضم الحاء المهملة وسكون الميم بعدها سين مهملة جمع أحمس من الحماسة بمعنى الشدة .
روى إبراهيم الحربى فى غريب الحديث عن مجاهد قال: الحمس قريش ومن كان يأخذ مأخذها من القبائل كالأوس
والخزرج وخزاعة وثقيف وغزوان وبنى عامر وبنى صعصعة وبنى كنانة إلا بنى بكر ، والأحمس فى كلام العرب الشديد
وسموا بذلك لما شددوا على أنفسهم ، وكانوا إذا أهلوا بحج أو عمرة لا يأكلون لحما ولا يضربون وبرا ولا شعرا،
وإذا قدموا مكة وضعوا ثيابهم التى كانت عليهم، وروى إبراهيم أيضا من طريق عبد العزيز بن عمران المدنى قال:
سموا حمسا بالكعبة لأنها حمساء فى لونها، حجرها أبيض يضرب إلى السواد - انتهى. والأول أشهر وأكثر وأنه من
التحمس وهو التشدد. قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: تحمس تشدد ، ومنه حمس الوغى إذا اشتد. قال: كانت قريش
إذا خطب إليهم الغريب اشترطوا عليه أن ولدها على دينهم فدخل فى الخمس من غير قريش ثقيف وليث بن بكر وخزاعة
وبنو عامر بن صعصعة يعنى وغيرهم، وعرف بهذا أن المراد بهذه القبائل من كانت له من أمهاته قرشية لا جميع القبائل
المذكورة، كذا فى الفتح. وقيل سموا حمسا لشجاعتهم، والحماسة الشجاعة ، وفيه إشارة إلى أنهم كانوا يفتخرون
بشجاعتهم وجلادتهم مميزين أنفسهم عن جماعتهم وأهل جلدتهم (وكان سائر العرب) يعنى بقيتهم (يقفون بعرفة) على
العادة القديمة والطريقة المستقيمة (أن يأتى عرفات) هى علم للموقف والتاء ليست للتأنيث قاله الزمخشرى. وقال الكرمانى:
التنوين عوض من النون فى الزيدين يعنى أن التنوين للمقابلة لا للتمكن أى جتى به فى مقابلة النون فى جمع المذكر السالم،
وقد قيل كل بقعة فيها تسمى عرفة فهى جمع حقيقة (ثم يفيض منها) قال الطبى: الإفاضة الزحف والدفع فى السير
وأصلها الصب (من أفضت الماء إذا صبته بكثرة) فاستعير للدفع فى السير، وأصله أفاض نفسه أو راحلته ثم ترك
المفعول رأسا حتى صار كاللازم (فذلك قوله عز وجل: ثم أفيضوا) أى ادفعوا وارجعوا (من حيث أفاض الناس) أى
عامتهم وهو عرفة. قال الترمذى: معنى هذا الحديث أن أهل مكة كانوا لا يخرجون من الحرم، وعرفات خارج من
١٤٦

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٤ - باب الوقوف بعرفة
متفق عليه .
الحرم فأهل مكة كانوا يقفون بالمزدلفة ويقولون نحن قطين الله يعنى سكان (بيت) الله، ومن سوى أهل مكة كانوا
يقفون بعرفات فأنزل الله تعالى ﴿ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس - ٢: ١٩٩) والحمس هم أهل الحرم - انتهى.
قال السندى: قوله ﴿ثم أفيضوا﴾ أى أيها القريش {من حيث أفاض الناس﴾ أى غيركم وهو عرفات والمقصود أى
ارجعوا من ذلك المكان ، ولا شك أن الرجوع من ذلك المكان يستلزم الوقوف فيه، لأنه مسبوق به فظزم من ذلك
الأمر بالوقوف من حيث وقف الناس وهو عرفة. قال الحافظ: دل هذا الحديث على أن المراد بقوله تعالى ﴿ثم
أفيضوا) الإفاضة من عرفة، وظاهر سياق الآية أنها الإفاضة من مزدلفة لأنها ذكرت بلفظة ثم بعد ذكر الأمر بالذكر
عند المشعر الحرام ، وأجاب بعض المفسرين بأن الأمر بالذكر عند المشعر الحرام بعد الإفاضة من عرفات التى سبقت
بلفظ الخبر تنبيها على المكان الذى تشرع الإفاضة منه، فالتقدير: فإذا أفضتم اذكروا ثم لتكن إناضتكم من حيث أفاض
الناس لا من حيث كان الحمس يفيضون، أو التقدير: فإذا أفضتم من عرفات إلى المشعر الحرام فاذكروا الله عنده،
ولتكن إفاضتكم من المكان الذى يفيض فيه الناس غير الحمس، ثم قال الحافظ: وأما الاتيان فى الآية بقوله ثم نقيل هى
بمعنى الواو وهذا اختيار الطحاوى، وقيل لقصد التأكيد لا لمحض الترتيب، والمعنى فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا
الله عند المشعر الحرام، ثم اجعلوا الإفاضة التي تفيضونها من حيث أفاض الناس لا من حيث كنتم تفيضون. قال
الزمخشرى: وموقع ثم ههنا موقعها من قولك: أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم ، فتأتى ثم لتفاوت ما بين
الإحسان إلى الكريم والإحسان إلى غيره فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات بين لهم مكان الإفاضة
فقال «ثم أفيضوا)، لتفاوت ما بين الإفاضتين وأن إحداهما صواب والأخرى خطأ. قال الخطابي: تضمن قوله تعالى
﴿ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس - ٢: ١٩٩﴾ الأمر بالوقوف بعرفة، لأن الإفاضة إنما تكون عند اجتماع قبله،
وكذا قال ابن بطال وزاد: وبين الشارع مبتدأ الوقوف بعرفة ومنتهاه - انتهى. وروى البخارى من حديث عروة عن
عائشة قالت: إن هذه الآية نزلت فى الحمس ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) قالت: كانوا (أى الحمس)
يفيضون من جمع فدفعوا إلى عرفات. قال الحافظ: المعنى أنهم أمروا أن يتوجهوا إلى عرفات ليقفوا بها ثم يفيضُوا
منها. قال: وعرف برواية عائشة أن المخاطب بقوله تعالى ﴿أفيضوا﴾ النبي ◌َّ، والمراد به من كان لا يقف بعرفة من
قريش وغيرهم. وروى ابن أبى حاتم وغيره عن الضحاك أن المراد بالناس هنا إبراهيم الخليل عليه السلام وعنه المراد
به الإمام وعن غيره آدم، وقرئ فى الشواذ الناسى بكسر السين بوزن القاضى والأول أصح، نعم الوقوف بعرفة موروث
عن إبراهيم كما روى الترمذى وغيره من طريق يزيد بن شيبان قال: كنا وقوفا بعرفة فأتى ابن مربع - الحديث، وقد تقدم.
ولا يلزم من ذلك أن يكون هو المراد خاصة بقوله (من حيث أفاض الناس)، بل هو الأعم من ذلك والسبب فيه ما حكته
عائشة رضى الله عنها (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الحج وفى تفسير سورة البقرة، ومسلم فى الحج وأخرجه أيضا فيه
١٤٧

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٤ - باب الوقوف بعرفة
٢٦٢٧ - (١٢) وعن عباس بن مرداس، أن رسول اللّه مؤ تم دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة فأجيب:
أنى قد غفرت لهم ما خلا المظالم، فإنى آخذ للظلوم منه. قال: أى رب! إن شئت أعطيت المظلوم من
الجنة وغفرت للظالم. فلم يجب عشيته، فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء، فأجيب إلى ما سأل. قال: فضحك
رسول الله عَّ، أو قال: تبسم. فقال له أبو بكر وعمر: بأبى أنت وأمى إن هذه الساعة ما كنت تضحك في!
الترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه. قال البوصيرى فى الزوائد: الحديث موقوف ولكن حكمه الرفع لأنه فى
شأن نزوله.
٢٦٢٧ - قوله (وعن عباس بن مرداس) بكسر الميم هو العباس بن مرداس بن أبى عامر ابو الهيثم ويقال أبو الفضل
السلمى الشاعر الصحابى المشهور ، أسلم قبل فتح مكة بيسير ، وقيل: أسلم بعد يوم الأحزاب ، وعداده فى المؤلفة قلوبهم
وحسن إسلامه، وشهد فتح مكة وحنينا ، وكان من حرم الخمر فى الجاهلية ونزل ناحية البصرة . قال الحافظ فى تهذيب
التهذيب: روى عن النبي ◌َّهُ وعنه ابنه كنانة وعبد الرحمن بن أنس السلمى، روى له أبو داود وابن ماجه حديثا واحدا فى
فضل يوم عرفة - انتهى (أن رسول اللّه عَّ دعا لأمته) قال القارى: الظاهر لأمته الحاجين معه مطلقا، لا مطلق الأمة
فتأمل. وقال السندى: قوله ((لأمته)) أى لمن معه فى حجه ذلك أو لمن حج من أمته إلى يوم القيامة أو لأمته مطلقا من حج أو
لم يحج (عشية عرفة) أى وقت الوقفة (بالمغفرة) أى التامة العامة (فأجيب أنى) أى بأنى. قال السندى: بفتح الهمزة أى أجابه
الله بأنى قد غفرت أو بكسرها أى أجابه قائلا: إنى قد غفرت (ما خلا المظالم) أى ما عدا حقوق الناس جمع مظلمة بكسر اللام
وفتحها وهى ما تطلبه من عند الظالم ما أخذه منك بغير حق، وهى فى الأصل مصدر بمعنى الظلم، وقيل جمع مظلم بكسر اللام
والمظالم أعم من أن تكون مالية وعرضية (فإنى آخذ) بصيغة المتكلم أو الفاعل (للالوم منه) أى من الظالم إما بالعذاب وإما
بأخذ الثواب إظهارا للعدل (أعطيت) أى من عندك (المظلوم من الجنة) أى ما يرضيه منها أو بعض مراتبها العلية. وقال
السندى: ظاهره أنه سأل مغفرة مظالم المؤمنين بخلاف مظالم أهل الذمة إلا أن يقال: قوله (من الجنة)) أى مثلا أو تخفيف
العذاب والله تعالى أعلم بالصواب (وغفرت الظالم) فضلا (فلم يجب) بصيغة المجهول والضمير لرسول الله مؤتم (عشيته)
أى فى عشية عرفة، والتذكير باعتبار الزمان أو المكان. ويمكن أن يكون الضمير راجعا إليه رؤية، فالإضافة لأدنى ملابسة ،
قاله القارى (فلما أصبح بالمزدلفة) أى ووقف بها (أعاد الدعاء) أى المذكور (فأجيب إلى ما سأل) أى إلى ما طلبه على
وجه العموم. قيل إلى بمعنى اللام ويمكن أن يكون لتضمين معنى الرجوع والوصول. قال القارى: وكان العباس سمع هذه
الأمور منه مَّ فرواما كانه عليها (قال) أى العباس (فضحك رسول اللّه ◌َيَّةٍ أو قال تبسم) أو للشك من الراوى
عن العباس لقوله قال (ما كنت تضحك فيها) أى من شأنها أن لا تضحك فيها ، أو المراد فى مثلها ما تبكى وتتضرع فيه
١٤٨

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٤ - باب الوقوف بعرفة
فما الذى أضحكك، أضحك الله سنك. قال: إن عدو الله إبليس لما على أن الله عز وجل قد استجاب
دعائى وغفر لأمتى، أخذ التراب جعل يحثوه على رأسه، ويدعو بالويل والثبور، فأضحكنى ما رأيت
من جزعه.
وإلا لم ير رسول اللّه مَّ فى هذه الساعة قبل، لأنه لم يحج إلا أول حجها، وإن قيل إنه مَثُّ قد حج قبل عهد الإسلام
فأبو بكر وعمر لم يرياه، كذا فى اللعات (أضحك الله سنك) أى أدام الله لك السرور الذى سبب ضحكك (فجعل يحثوه
على رأسه) أى يلقى التراب بكفيه على رأسه (ويدعو بالويل) أى العذاب (والثبور) بضم الثاء أى الهلاك يعنى يقول:
واويلاه ويا ثبوراه. قال الطيبي: كل من وقع فى تهلكة دعا بالويل والثبور أى يا ملاكى وعذابى أحضر فهذا أوانك
وقال الطبرى : الويل الحزن والهلاك والمشقة وکل من وقع فى ملكة دعا بالويل ، ومعنى النداء فیه یا حزنی ویا عذابى
ويا هلا كى أحضر فهذا وقتك ، فكأنه نادى الوبل أن يحضره بما عرض له، والثبور هو الهلاك، وقد ثبر يثير ثبورا إذا
هلك (فأضحكنى ما رأيت من جزعه) أى مما صدر من فضل ربى على رغمه. قال القارى: وظاهر الحديث عموم المغفرة
وشمولها حق الله وحق العباد إلا أنه قابل للتقييدبمن كان معه وريثة فى تلك السنة (يعنى أن المراد من الأمة هم الواقفون
معه مَّ بعرفة) أو بمن قبل حجه بأن لم يرفث ولم يفسق. ومن جملة الفسق الإصرار على المعصية وعدم التوبة،
ومن شرطها أداء حقوق الله الفائتة كالصلاة والزكاة وغيرهما وقضاء حقوق العباد المالية والبدنية والعرضية اللهم إلا أن
يحمل على حقوق لم يكن عالما بها أو يكون عاجزا عن أدائها. قال: ولا تغتر بكون هذا الحديث مجملا مع اعتقاد أن
فضل الله واسع، وقد قال تعالى {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء - ٤: ١١٦،٤٨) ولذا قال
عليه الصلاة والسلام: أى رب إن شئت، فما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن ولا يسئل عما يفعل وهم يستلون. ثم قال
القارى بعد ذكر الكلام فى هذا الحديث وما ورد فى معناه من الروايات: قال بعضهم إذا تأملت ذلك كله علمت أنه ليس
فى هذه الأحاديث ما يصلح متمسكا لمن زعم أن الحج يكفر التبعات لأن الحديث ضعيف، على أنه ليس نصا فى المدعى
لاحتماله ومن ثمة قال البيهقى: يحتمل أن تكون الاجابة إلى المغفرة بعد أن يذيقهم شيئا من العذاب دون ما يستحقه
فيكون الخبر خاصا فى وقت دون وقت يعنى ففائدة الحج حينئذ التخفيف من عذاب التبعات فى بعض الأوقات دون
النجاة بالكلية، ويحتمل أن يكون عاما ونص الكتاب يدل على أنه مفوض إلى مشيئته تعالى. وحاصل هذا الأخير أنه
بفرض عمومه محمول على أن تحمله تعالى التبعات من قبيل ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) وهذا لا تكفير فيه وإنما
يكون فاعله تحت المشيئة فشتان ما بين الحكم بتكفير الذنب وتوقفه على المشيئة ولذا قال البيهقى: فلا ينبغى لمسلم أن يغر
نفسه بأن الحج يكفر التبعات فإن المعصية شؤم، وخلاف الجبار فى أوامره ونواهيه عظيم. قال: وهذا لا ينافى
١٤٩

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٤ - باب الوقوف بعرفة
رواه ابن ماجه، وروى البيهقى فى كتاب البعث والنشور نحوه.
قول ابن المنذر فيمن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه: إن هذا عام يرجى أن يغفر له جميع ذنوبه
صغائرها وكبائرها، وإنما الكلام فى الوعد الذى لا يخلف - انتهى (رواه ابن ماجه) أى بهذا اللفظ من طريق عبد القاهر
ابن السرى السلمى عن عبد الله بن كنانة (بكسر كاف وبنونين بينهما ألف وأولاهما خفيفة) بن عباس بن مرداس السلمی
عن أبيه كنانة عن جده عباس (وروى البيهقى فى كتاب البعث والنشور نحوه) أى بمعناه، وكذا رواه فى شعب الايمان
وفى السنن الكبرى (ج ٥: ص ١١٨) ورواه أيضا عبد الله بن أحمد فى زوائد المسند لأبيه (ج ٤: ص ١٤) والطبرانى
فی الکیر وأخرج أبوداود فی کتاب الأدب من سنته طرفا منه من الوجه الذى رواه ابن ماجه لكنهم قالوا حدثی ابن
لكنانة بن العباس ولم يسموه عن أبيه عن جده عباس، وعبد الله بن كنانة وأبوه كنانة بن عباس، قال الحافظ فى التقريب
فى كليهما إنه مجهول. وذكر فى تهذيب التهذيب فى ترجمتهما عن البخارى أنه قال لم يصح حديثه، وقال فى ترجمة كنانة بعد ذكر
كلام البخارى هذا: وذكره ابن حبان فى الثقات، وذكره أيضا فى كتاب الضعفاء قال حديثه منكر جدا لا أدرى التخليط
منه أو من ابنه ومن أيهما کان فهوساقط الاحتجاج به ۔ انتهى. وقال البوصیری فی الزوائد : فى إسناده عبد الله بن كنانة
قال البخارى: لم يصح حديثه - انتهى. ولم أر من تكلم فيه بجرح ولا توثيق - انتهى. والحديث سكت عنه أبو داود بعد
رواية طرف منه من الوجه المذكور، ونقل المنذرى فى مختصر السنن (٩٧/٨) كلام ابن حبان وزاد «لعظم ما أتى من
المنا كير عن المشاهير)، وقد ظهر بهذا كله أن حديث عباس هذا ضعيف لكن له شواهد يبلغ بها إلى درجة الحسن. قال
فى المواهب اللدنية بعد ذکر حدیث عباس بن مرداس من رواية ابن ماجه: ورواه أبو داود من الوجه الذی رواه ابن
ماجه ولم يضعفه. قال الزرقانى: أى سكت عليه فهو عنده صالح للحجة، وقد أخرجه الحافظ ضياء الدين المقدسى فى
الأحاديث المختارة مما ليس فى الصحيحين من طرق وقد صنف الحافظ ابن حجر فيه كراسا سماه «قوة الحجاج فى عموم
المغفرة للحجاج، قال فى أوله: إنه سئل عن حال هذا الحديث هل هو صحيح أو حسن أو ضعيف أو منكر أو موضوع؟
قال: فأجبت بأنه جاء من طرق أشهرها حديث العباس بن مرداس فإنه مخرج فى مسند أحمد، وأخرج أبو داود
طرفا منه وسكت عليه، فهو عنده صالح. وعلى رأى ابن الصلاح ومن تبعه حسن، وعلى رأى الجمهور كذلك،
لكن باعتبار انضمام الطرق الأخرى إليه، ثم قال الحافظ أثناء كلامه: حديث العباس بمفرده يدخل فى حد الحسن على
وأى الترمذى ولا سيما بالنظر إلى مجموع هذه الطرق لطرق ذكرها، قال: وأورده ابن الجوزى فى الموضوعات من حديث
ابن مرداس، وقال: فيه كنانة منكر الحديث جدا لا أدرى التخليط منه أو من ولده. وهذا لا ينتهض دليلا على أنه
موضوع فقد اختلف قول ابن حبان فى كنانة فذكره فى الثقات وفى الضعفاء، وذكر ابن مندة أنه قيل إن له رؤية منه
١٥٠

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٤ - باب الوقوف بعرفة
زي ، وأما ولده عبد الله بن كنانة ففيه كلام لابن حبان أيضا وكل ذلك لا يقتضى وضعه بل غايته أن يكون ضعيفاً
وينتضد بكثرة طرقه، وأورد حديث ابن عمر فى الموضوعات أيضا وقال: فیه عبد العزیز بن أبى رواد تفرد به نافع عن
ابن عمر ، قال ابن حبان: كان يحدث على التوهم والحسبان فيطل الاحتجاج به وهو مردود فإنه لا يقتضى أنه موضوع
مع أنه لم ينفرد به بل له متابع عندابن حبان فى كتاب الضعفاء، هذا كلام الحافظ ملخصا وهو كلام متقن إمام فى الفن
فلا عليك من أطلق عليه اسم الضعيف الذى لا يحتج به. وقال الطبرى بعد روايته حديث ابن عمر: إنه محمول بالنسبة
إلى المظالم علی من تاب وعجز عن وفاتها مع العزم على أنه یونی إذا قدر ما يمكن توفيته. وقد رواه أی حدیث العباس
ابن مرداس البيهقى فى السنن الكبرى بنحو رواية ابن ماجه وكذا الطبرانى فى الكبير وعبد الله بن أحمد فى زوائد المسند
لأبيه وابن عدى وصححه الضياء كما مر. وقد قالوا إن تصحيحه أعلى من تصحيح الحاكم. وقال البيهقى بعد أن أخرجه
فى كتاب البعث: هذا الحديث له شواهد كثيرة، فأخرجه عبد الرزاق والطبرانى من حديث عبادة بن الصامت وأبو
یعلی وابن منيع من حديث أنس وابن جرير وأبو نعيم وابن حبان من حديث ابن عمر والدار قطنى وابن حبان من حديث
أبى هريرة وابن مندة من حديث عبد الله بن زيد (ذكر رواياتهم الحافظ فى مؤلفه بنحو حديث عباس بن مرداس)
وارجع إلى تنزيه الشريعة لابن عراق (ج ٢: ص ١٦٩، ١٧٠) والقول المسدد (ص ٣٧ - ٤٠) فإن صح بشواهده
ففيه الحجة وإن لم يصح فنحن فى غنية عن تصحيحه فقد قال الله تعالى ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)) وظلم بعضهم بعضا
دون الشرك فيدخل فى الآية - انتهى. وهو حسن، وفى الحديث الصحيح: من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته
أمه، وهو مخصوص بالمعاصى المتعلقة بالحقوق ولا تسقط الحقوق أنفسها، فمن كان عليه صلاة أو صيام أو زكاة أو كفارة
ونحوها من حقوق الله أو شئى من حقوق العباد لا تسقط عنه لأنها حقوق لا ذنوب، إنما الذنب تأخيرها فنفس التأخير يسقط
بالحج لا هى نفسها، فلوأخره بعد الحج تجدد إثم آخر، فالحج المبرور يسقط إثم المخالفة لا الحقوق، ولا يسقط حق الآدمى
بالحج إجماعا والله أعلم، كذا فى شرح المواهب، وقال ابن عابدين: قد يقال بسقوط نفس الحق إذا مات قبل القدرة
على أدائه سواء كان حق الله تعالى أو حق عباده وليس فى تركته ما يفى به لأنه إذا سقط إثم التأخير ولم يتحقق منه إثم بعده
فلا مانع من سقوط نفس الحق، أما حق اللّه تعالى فظاهر، وأما حق العبد فالله تعالى يرضى خصمه عنه كما مر فى الحديث.
ثم قال: اعلم أن تجويزهم تكفير الكبائر بالهجرة والحج مناف لنقل عياض الاجماع على أنه لا يكفرما إلا التوبة،
ولا سيما على القول بتكفير المظالم أيضا ، بل القول بتكفير إثم المطل وتأخير الصلاة ينافيه لأنه كبيرة، وقد كفرها الحج
بلا توبة، وكذا ينافيه عموم قوله تعالى ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) وهو اعتقاد أهل الحق أن من مات مصراً على
الكبائر كلها سوى الكفر فإنه قد يعفى بشفاعة أو بمحض الفضل، والحاصل كما فى البحر أن المسئلة ظنية فلا يقطع بتكفير
الحج الكبائر من حقوقه تعالى فضلا عن حقوق العباد والله تعالى أعلم - انتهى. وقال القارى بعد ذكر كلام البيهقى:
١٥١

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٥ - باب الدفع من عرفة والمزدلعة
(٥) باب الدفع من عرفة والمزدلفة
( الفصل الأول )
٢٦٢٨ - (١) عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: سئل أسامة بن زيد كيف كان رسول الله
يسير فى حجة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العنق فإذا وجد نجوة
ولا يخفى أن الأحاديث الصحيحة الصريحة لا تكون إلا ظنية فما بالك بالأحاديث الضعيفة؟ ولا شك أن المسائل
الاعتقادية لا تثبت إلا بالأدلة القطعية رواية ودراية، فعم يغلب على الظن رجاء عموم المغفرة لمن حج حجا مبرورا،
وأين من يجزم بذلك فى نفسه أو غيره وإن كان عالما أو صالحا فى على مقامه هنالك ، فمن المعلوم أن غير المعصوم يجب
أن یکون بین الخوف والرجاء ۔ انتهى.
(باب الدفع من عرفة) أى الرجوع منها (والمزدلفة) عطف على الدفع، أى والنزول فيها ، وفى بعض النسخ
(إلى المزدلفة)) ويجوز عطفه على عرفة أى وباب الدفع من المزدلفة ويؤيده نسخة ((ومن المزدلفة إلى منى)).
٢٦٢٨ - قوله (عن هشام بن عروة) هو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام أبو المنذر القرشى الأسدى المدنى
أحد تابعى المدينة المشهورين المكثرين من الحديث المعدودين فى أكابر العلماء وجلة التابعين ، ثقة ثبت حجة إمام فقيه،
رأى ابن عمر ومسح رأسه ودعا له ، وسهل بن سعد وجابرا وأنسا، وروى عن أبيه وعمه عبد الله بن الزبير وأخويه
عبد الله وعثمان وامرأته فاطمة بنت المنذر بن الزبير وخلق، وروى عنه خلق كثير منهم شعبة ومالك بن أنس والسفيانان
والحادان. ولد سنة إحدى وستين ومائة، ومات بغداد سنة خمس أو ست وأربعين ومائة، وله سبع وثمانون سنة
(عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوام الأسدى أحد الفقهاء السبعة وأحد علماء التابعين تقدم ترجمته (سئل أسامة بن زيد)
ابن حارثة بن شراحيل الكلبى الصحابى المشهور، حب رسول الله ميل ومولاه وابن حبه زيد بن حارثة، تقدم ترجمته،
وخص بالسؤال لأنه كان رديفه مَّ من عرفة إلى المزدلفة، وزاد فى رواية مالك والبخارى وأبي داود وغيرهم «وأنا
جالس معه)، ولمسلم «سئل أسامة وأنا شاهد أو قال: سألت أسامة بن زيد» ولم يتعرض أحد من الشراح لتسمية السائل
(حين دفع) أى حين انصرف من عرفة إلى المزدلفة ، سمى دفعا لازدحامهم إذا انصرفوا فيدفع بعضهم بعضا (قال)
أى أسامة (كان يسير العنق) بفتح المهملة والنون آخره قاف هو السير الذى بين الايطاء والإسراع، قال فى المشارق:
هو سير سهل فى سرعة ، وقال القزاز: العنق سير سريع، وقيل المشى الذى يتحرك به عنق الدابة، وفى الفائق العنق الخطو
الفسيح، وانتصب على المصدر المؤكد من لفظ الفعل كذا فى الفتح، وقال السيوطى: نصبه على المصدر النوعى كرجعت
القهقرى. وقال القارى: اقتصابه على المصدرية انتصاب القهقرى أو الوصفية أى يسير السير العنق (فإذا وجد فجوة)
١٥٢

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٥ - باب الدفع من عرفة والمزدلفة
نص. متفق عليه.
٢٦٢٩ - (٢) وعن ابن عباس، أنه دفع مع النبى وَي يوم عرفة، فسمع النبى مَّ وراءه زجرا
شدیدا وضربا للایل ، فأشار بسوطه إليهم،
بفتح الفاء وسكون الجيم فواو مفتوحة، المكان المتسع بين الشيئين والجمع فجوات بفتحتين وفجاء بكسر الفاء والمد، ورواه
بعض الرواة فى الموطأ بلفظ «فرجة) بضم الفاء وسكون الواو وهو بمعنى الفجوة (نص) بفتح النون وتشديد الصاد المهملة
فعل ماض وفاعله النبي ◌َّثه، أى أسرع، قال أبو عبيد: النص تحريك الدابة حتى يستخرج به أقصى ما عندها ، وأصل
النص منتهى الأشياء وغايتها ومبلغ أقصاها، ومنه نصصت الشئى رفعته. قال الشاعر:
فإن الوثيقة فى نصه
ونص الحديث إلى أهله
أى أرفعه إليهم وأنسبه، ثم استعمل فى ضرب سريع من السير، وقال هشام بن عروة راوى الحديث كما فى رواية
البخارى وغيره: النص فوق العنق أى أرفع منه فى السرعة. قال النووي: هما نوعان من إسراع السير وفى العنق
نوع من الرفق. قال الطبرى: وفى هذا دلالة على أن السكينة المأموربها فى الحديث بعده إنما هى من أجل الرفق
بالناس، فإن لم يكن زحام سار كيف شاء، وذكر العينى عن الطبرى أنه قال: الصواب فى السير فى الافاضتين جميعا
ما صحت به الآثار إلا فى وادى محسر فإنه يوضع لصحة الحديث بذلك فلو أوضع أحد فى مواضع العنق أو العكس لم
يلزمه شئى لاجماع الجميع على ذلك غير أنه يكون مخطئا طريق الصواب. وقال ابن خزيمة: فى هذا الحديث دليل
على أن الحديث الذى رواه ابن عباس عن أسامة (عند أبى داود وغيره) أنه قال: فما رأيت ناقته رافعة يديها حتى أتى
جمعا. محمول على حال الزحام دون غيره، ذكره الحافظ. وقال ابن عبد البر: ليس فى هذا الحديث أكثر من معرفة كيفية
السير فى الدفع من عرفة إلى المزدلفة وهو مما يلزم أتمّة الحاج فمن دونهم قبله لأجل الاستعجال للصلاة لأن المغرب
لا تصلى إلا مع العشاء بالمزدلفة أى فيجمع بين المصلحتين من الوقار والسكينة عند الزحمة ومن الإسراع عند عدمها
لأجل الصلاة، فيه أن السلف كانوا يحرصون على السؤال عن كيفية أحواله مَّه فى جميع حركاته وسكونه ليقتدوا به فى
ذلك (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الحج وفى الجهاد وفى المغازى ومسلم فى الحج، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٥:
ص ٢١٠،٢٠٥) ومالك وأبو داود والنسائى وابن ماجه والحميدى (ج ١: ص ٢٤٨) والدارمى وأبو داود الطيالسی
وابن خزيمة فى صحيحه وأبو عوانة وابن جرير والبيهقى (ج ٥: ص ١١٩).
٢٦٢٩ - قوله (دفع مع النبي ◌َّة) أى أفاض معه (يوم عرفة) أى من عرفة إلى المزدلفة (زجرا) بفتح الزاى
وسكون الجيم بعدها راء أى صياحا لحث الابل وسوقا لها برفع الأصوات (فأشار بسوطه إليهم) ليتوجهوا إليه ويسمعوا
١٥٣

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٥ - باب الدفع من عرفة والمزدلفة
وقال: أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بالايضاع. رواه البخارى.
٢٦٣٠ - (٣) وعنه، أن أسامة بن زيد كان ردف النبي ◌َّ من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف
الفضل من المزدلفة إلى منى، فكلاهما قال: لم يزل النبى وبين يلى حتى رمى جمرة العقبة.
قوله (عليكم بالسكينة) أى فى السير، والمراد السير بالرفق وعدم المزاحمة، يعنى لازموا الطمأنينة والرفق وعدم المزاحمة
فى السير، وعلل ذلك بقوله (فإن البر) أى الخير (ليس بالايضاع) الايضاع الإسراع وحمل الخيل والركاب على سرعة
السير، يعنى الإسراع ليس من البر إذا كثر الناس فى الطريق، فإن الإسراع فى مثل هذه الحالة أى عند ازدحام الناس فى
الطريق يؤذيهم بصدمة الدواب والرجال، ولا خير فى هذا بل الخير فى الذهاب على السكون فى مثل هذه الحالة. وقال
الحافظ: قوله ((فإن البر ليس بالايضاع)) أى السير السريع، ويقال هو سير مثل الخبب فبين ري أن تكلف الاسراع
فى السير ليس من البر أى مما يتقرب به، ومن هذا أخذ عمر بن عبد العزيز قوله لما خطب بعرفة: ليس السابق من سبق
بسيره وفرسه ولكن السابق من غفر له. وقال المهلب: إنما نهاهم عن الإسراع إبقاء عليهم لتلا يصحفوا بأنفسهم مع بعد
المسافة. وقيل: إنما قال رَّ ذلك أى قوله ((عليكم بالسكينة، فى ذلك الوقت الذى لم يجد فجوة فلا ينافى الحديث
السابق. وقال القارى: حاصل ما قال ترفّع أن المسارعة إلى الخيرات والمبادرة إلى المبرات مطلوبة لكن لا على وجه
يجر إلى المكروهات وما يترتب عليه من الأذيات، فلا تنافى بينه وبين الحديث السابق (رواه البخارى) وكذا البيهقى
(ج ٥: ص ١١٩) وأخرجه أيضا أحمد (ج١: ص ٢٥١، ٢٦٩، ٣٥٣) وأبو داود والبيهقى بنحوه.
٢٦٣٠ - قوله (وعنه) أى عن ابن عباس (أن أسامة بن زيد كان ردف النبي مثل) بكسر الراء وسكون الدال
وهو الراكب خلف الراكب كالرديف والمرتدف (ثم أردف الفضل) أى ابن عباس يعنى جعله رديفه (فكلاهما) كذا
فى جميع النسخ من المشكاة، وفى البخارى ((قال (أى ابن عباس) فكلاهما، أى الفضل بن عباس وأسامة بن زيد (قال)
الضمير راجع الفظ فإن (كلا)) مفرد لفظا ومثنى معنى وهو أفصح من أن يقال فكلاهما قالا، قال تعالى ( كلتا الجنتين
آنت أكلها - ١٨: ٣٣) أو المعنى كل واحد منهما قال (لم يزل النبى مَث يلي حتى رمى جمرة العقبة) أى شرع فى رمى
الجمرة أو فرغ منه قولان ، ويزيد الثانى ما وقع فى رواية ابن خزيمة كما سيأتى: فلم يزل يلي حتى رمى جمرة العقبة ، يكبر
مع كل حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة. ويؤيد الأول ما رواه البيهقى بإسناده عن عبد الله قال ((رمقت التي زبي}
فلم يزل يلي حتى رمى جمرة العقبة بأول حصاة، قال الحافظ: زاد ابن أبى شيبة من طريق على بن الحسين عن ابن عباس
عن الفضل فى هذا الحديث ((فرما ما سبع حصيات يكبر مع كل حصاة، قال الحافظ: وفى هذا الحديث يعنى حديث ابن عباس
الذى تحمن فى شرحه أن التلبية تستمر إلى رمى الجمرة يوم النحر وبعدها يشرع الحاج فى التحلل، وروى ابن المنذر بإسناد صحيح
أنه كان يقول: التلبية شعار الحج فإن كنت حاجا غلب حتى بدأ حلك، وبدء حلك أن ترمى جمرة العقبة. وروى سعيد بن
١٥٤

مرجاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٥ - باب الدفع من عرة والمزدلفة
منصور من طريق ابن عباس قال حججت مع عمر إحدى عشرة حجة وكان يلبي حتى يرمى الجمرة ، وباستمرارها
قال الشافعى وأبو حنيفة والثورى وأحمد وإسحاق وأتباعهم، وقالت طائفة: يقطع المحرم التلية إذا دخل الحرم وهو
مذهب ابن عمر لكن كان يعاود التلية إذا خرج من مكة إلى عرفة، وقالت طائفة: يقطعها إذا راح إلى الموقف،
رواه ابن المنذر وسعید بن منصور بأسانید صحیحة عن عائشة وسعدبن أبى وقاص وعلى ، وبه قال مالك وقيده بزوال
الشمس يوم عرفة، وهو قول الأوزاعى والليث، وعن الحسن البصرى مثله لكن قال إذا صلى الغداة يوم عرفة وهو
بمعنى الأول، وقد روى الطحاوى بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن يزيد قال حججت مع عبد الله فلما أفاض إلى جمع
جعل على فقال رجل: أعرابى هذا؟ فقال عبد الله: أنسى الناس أم ضلوا؟ وأشار الطحاوى إلى أن كل من روى عنه
ترك التلبية من يوم عرفة أنه تركها للاشتغال بغيرها من الذكر لا على أنها لا تشرع، وجمع بذلك بين ما اختلف من
الآثار، والله أعلم. واختلفوا أبى الأولون: هل يقطع التلية مع رمى أول حصاة أو عند تمام الرمى؟ فذهب إلى
الأول الجمهور، وإلى الثانى أحمد وبعض أصحاب الشافعى، ويدل لهم ما روى ابن خزيمة من طريق جعفر بن محمد عن أيه
عن على بن الحسين عن ابن عباس عن الفضل قال: أفضت مع النبى معَّ من عرفات ظلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة
يكبر مع كل حصاة ثم قطع التلية مع آخر حصاة ، قال ابن خزيمة: هذا حديث صحيح مفسر لما أبهم فى الروايات
الأخرى. وأن المراد بقوله حتى ربى جمرة العقبة أى أنم رميها - انتهى كلام الحافظ. قال الشوكانى: والأمر كما قال
ابن خزيمة، فإن هذه الزيادة مقبولة خارجة من مخرج صحيح غير منافية المزيد وقبولها متفق عليه - انتهى. قلت:
لكن قال البيهقى فى السنن الكبرى (ج ٥: ص ١٣٧) بعد ذكر رواية جابر بلفظ «فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل
حصاة منها، تكبيره مع كل حصاة كالدلالة على قطعه التلبية بأول حصاة، وكذا قال فى معرفة السنن. قال: وقوله
•يلي حتى رمى الجمرة، أراد به حتى أخذ فى رمى الجمرة وأما ما فى رواية الفضل من الزيادة فإنها غريبة أوردها ابن خزيمة
واختارها وليست فى الروايات المشهورة عن ابن عباس عن الفضل بن عباس - انتهى. واعترض عليه ابن التركمانى
فقال: الغريب إذا صح سنده يعمل به وقد أخرج ابن حزم هذا الحديث فى كتاب حجة الوداع بسند جيد من حديث
أبي الزبير عن أبى معبد مولى ابن عباس١ عن الفضل، ولفظه هولم يزل عليه السلام يلي حتى أتم رمى جمرة العقبة)، وهذا
صرح وهو يقوى الرواية التى رواها ابن خزيمة واختارها. ويدل على أنها ليست بغريبة، والعجب من اليهق كيف
يترك هذا الصريح ويستدل بقوله «يكبر، على قطع التلبية لأول حصاة مع أن التكبير لا يمنع التلبية، إذ الحاج له أن
يكبر ويلي ويهال، وقد بين ذلك ابن مسعود بقوله «فما ترك التلبية حتى ومى الجمرة إلا أن يخلطها بتكبير أو تهلل». وقال
أبو عمر فى التمهيد: قال أحمد وإسحاق وطائفة من أهل النظر والأثر: لا يقطع التلبية حتى يرمى جمرة العقبة بأسرها.
(١) كذا وكانه سقط معن ابن حباس»
١٥٥

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٥ - باب الدفع من عرفة والمزدلفة
متفق عليه.
٢٦٣١ - (٤) وعن ابن عمر، قال: جمع النبي صلى الله عليه وسلم المغرب والعشاء بجمع، كل واحدة
منهما بإقامة ،
قالوا: وهو ظاهر الحديث أن رسول اللّه تَّي لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة، ولم يقل أحد من رواة هذا الحديث ((حتى
ومى بعضها، على أنه قد قال بعضهم فى حديث عائشة: ثم قطع التلبية فى آخر حصاة . وفى الإشراف لابن المنذر: وروى
بعض أصحابنا من یقول بظاهر الأخبار خبر ابن عباس، ثم قال: قطع التلبية مع آخر حصاة۔امهىكلام ابنالتر كمانى، وقال
الشنقيطى: الأظهر أنه يقطع التلبية عند الشروع فى رمى العقبة وأن قوله «حتى رمى جمرة العقبة) يراد به الشروع فى رميها لا
الانتهاء منه، ومن القرائن الدالة على ذلك ما ثبت فى الروايات الصحيحة من التكبير مع كل حصاة، فظرف الرمى لا يستغرق
غير التكبير مع الحصاة لتابع رمى الحصيات، وقال بعد ذكر قول ابن خزيمة المتقدم: وعلى تقدير صحة الزيادة المذكورة
لا ينبغى العدول عنها. تنبيه: ما حكى الحافظ وابن عبد البر وغيرهما من الشراح ونقلة المذاهب كالنووى والعينى عن
الإمام أحمد من قطع التلبية عند انتهاء الرمى والفراغ منه هى رواية عنه مرجوحة ، لأن عامة فروعه مصرحة بقطعها مع
أول حصاة موافقا للجمهور، ففى نيل المآرب: قسن التلبية من حين الإحرام إلى أول الرمى أى رمى جمرة العقبة -
انتهى. وقريب منه ما فى الروض المربع. وقال فى العدة شرح العمدة: ويقطعها عند أول حصاة يرميها لأنه قد روى
فى بعض ألفاظ حديث ابن عباس .فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة قطع عند أول حصاة، رواه حبل فى المناسك -
انتهى. وفى المغنى والشرح الكبير تحت قول الخرقى: ويقطع التلية عند ابتداء الرمى، ومن قال يلبي حتى يرمى الجمرة
ابن مسعود وابن عباس وميمونة ، وبه قال عطاء وطاوس وسعيد بن جبير والنخعى والثورى والشافعى وأصحاب الرأى
لرواية الفضل بن عباس: أن النبى مَ ثّه لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة وكان رديفه يومئذ، وهو أعلم بحاله من غيره،
وفعل التى تَّ مقدم على ما خالفه. ويستحب قطع التلبية عند أول حصاة للخبر، وفى بعض ألفاظه ((حتى رمى جمرة
العقبة، قطع عند أول حصاة، رواه حنبل فى المناسك. وهذا بيان يتعين الأخذ به. وفى رواية من روى ((أن النبى حز ◌ّ
كان يكبر مع كل حصاة، دليل على أنه لم يكن يلبي - انتهى مختصرا (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد (ج ١: ص ٢١٤)
ورواه هو مرارا وأبو داود والترمذى والنسائى بألفاظ مختصراو مطولا وارجع إلى جامع الأصول (ج ٤: ص ٨٨).
٢٦٣١ - قوله (جمع التى تَثة المغرب والعشاء مجمع) أى بالمزدلفة فى وقت العشاء (كل واحدة منهما) بالرفع
على الجملة الحالية وبالنصب على البدلية (بإقامة) قال القارى: أى على حدة، وبه قال زفر، واختاره الطحاوى وغيره
من علمائنا. قلت: ورجحه ابن الهمام وقال الطحاوى بعد اختياره هذا القول: وهو خلاف قول أبى حنيفة وأبى يوسف
١٥٦

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٥ - باب الدفع من عرفة والمزدلفة
ولم يسبح بينهما ولا على إثر كل واحدة منهما. رواه البخارى.
٢٦٣٢ - (٥) وعن عبد الله بن مسعود، قال: ما رأيت رسول اللّه مخيم صلى صلاة إلا لميقاتها،
إلا صلاتين: صلاة المغرب والعشاء بجمع،
ومحمد، وذلك أنهم يذهبون فى الجمع بين الصلاتين بمز دلفة إلى أن يجعلوا ذلك بأذان وإقامة واحدة - انتهى. ولم يذكر
فى حديث ابن عمر هذا الأذان وهو ثابت فى حديث جابر وفى حديث ابن مسعود فلابد من القول به وقد تقدم البسط
فى ذلك فى شرح حديث جابر الطويل (ولم يسبح بينهما) أى لم يتفل بين صلاة المغرب والعشاء (ولا على إثر كل واحدة
منهما) بكسر الهمزة وسكون المثلثة بمعنى أثر بفتحتين أى ولاعقب كل واحدة منهما، لا عقب الأولى ولا عقب الثانية ،
وهذا تأكيد بالنظر إلى الأولى تأسيس بالنظر إلى الثانية فليتأمل قاله السندى (رواه البخارى) وكذا النسائى والبيهقى
(ج ٥: ص ١٢٠) وأخرج مسلم معناه، ولذا ذكره الحافظ عبد الغنى فى عمدته فى ما اتفق عليه الشيخان، فالحديث
متفق عليه .
٢٦٣٢ - قوله (ما رأيت رسول الله محمد صلى صلاة إلا لميقاتها) أى فى وقتها، وفى رواية «ما رأيت النبي
مَُّ صلى صلاة لغير ميقاتها، (إلا صلاتين صلاة المغرب) نصبه على البدلية أو بتقدير أعنى أى أعنى بهما صلاة المغرب
(والعشاء بجمع) قال القارى: أى صلاة المغرب فى وقت العشاء أى وصلاة الظهر والعصر بعرفة فإنه صلى العصر فى وقت
الظهر ولعله روى هذا الحديث بمزدانة، ولذا اكتفى عن ذكر الظهر والعصر ، فلابد من تقديرهما أو ترك ذكرهما
لظهورهما عند كل أحد، إذ وقع ذلك الجمع فى مجمع عظيم فى النهار على رؤس الأشهاد فلا يحتاج إلى ذكره فى
الاستشهاد بخلاف جمع المزدلفة، فإنه بالليل، فاختص بمعرفته بعض الأصحاب، والله تعالى أعلم. والحاصل أن فى
العبارة مسامحة وإلا فلا يصح قوله ((إلا الصلاتين، المراد بهما المغرب والعشاء سواء اتصل الاستثناء كما هو ظاهر الأداة
أو انقطع كما بنى عليه ابن حجر البناء، فإن صلاة العشاء فى ميقاتها المقدر شرعا إجماعا - انتهى كلام القارى. وقال
الولی العراقی: قوله «صلاة المغرب والعشاء مجمع، أی و کذا بعرفات أیضا فى الظهرین کما عند النسائى (أی فی باب الجمع
بين الظهر والعصر بعرفة) عن ابن مسعود «ما رأيت النبي مَّ صلى صلاة إلا لوقتها إلا بجمع وعرفات)) فلم يحفظ
راوى هذه الرواية ذكر عرفات وحفظه غيره، والحافظ حجة على الناسى - انتهى. وحينئذ فالمراد بقوله ((إلا صلاتين))
المغرب بمزدلفة فانها أخرت والعصر بعرفة فانها قدمت ، فهاتان الصلاتان قد وقع فيهما التحويل عن وقتى أدائهما
المعهودين فى غير هذا اليوم حقيقة ثم استطرد بذكر الفجر لأنه متحولا أيضا عن وقته المستحب المعتاد فى سائر الأيام
وإن كان لم يتجول عن وقته الأصلى. وقال السندى فى حاشية النسائى: هذا الحديث من مشكلات الأحاديث وقد
١٥٧

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٥ - باب الدفع من عرفة والمزدلفة
تكلمت عليه فى حاشية صحيح البخارى (فى باب من يصلى الفجر بجمع) والصحيح فى معناه أن مراده ما رأيته م فضّه صلى
صلاة لغير وقتها المعتاد لقصد تحويلها عن وقتها المعتاد وتقريرها فى غير وقتها المعتاد لما فى صحيح البخارى من روايته
رضى الله عنه أن رسول اللّه ◌َو ◌ِلّه قال: إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما فى هذا المكان. وهذا معنى وجيه، ويحمل
قوله «قبل ميقاتها، على هذا على الميقات المعتاد، ويقال إنه غلس تغليسا شديدا يخالف التغليس المعتاد، لا أنه صلى قبل أن
يطلع الفجر فقد جاء فى حديثه وحديث غيره أنه صلى بعد طلوع الفجر ، وعلى هذا المعنى لا يرد شئى سوى الجمع بعرفة،
ولعله كان يرى ذلك للسفر، والله أعلم - انتهى. واستدل الحنفية بحديث ابن مسعود هذا على ترك الجمع بين
الصلاتين فى غير يوم عرفة وجمع ، وأجاب المجوزون بأن من حفظ حجة على من لم يحفظ ، وقد ثبت الجمع بين
الصلاتين من حديث ابن عمر وابن عباس وغيرهم وتقدم فى موضعه بما فيه كفاية، وأيضا فالاستدلال به إنما هو من
طريق المفهوم وهم لا يقولون به. وأما من قال به فشرطه أن لا يعارضه منطوق ، وأيضا فالحصر فيه ليس على ظاهره
لاجماعهم على مشروعية الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، كذا فى الفتح. وقال النووى: قد يحتج أصحاب أبي حنيفة بهذا
الحديث على منع الجمع بين الصلاتين فى السفر، لأن ابن مسعود من ملازمى النبي ◌َّم، وقد أخبر أنه ما رآه يجمع إلا
فى هذه الليلة، ومذهب الجمهور جواز الجمع فى جميع الأسفار المباحة التى يجوز فيها القصر. والجواب عن هذا الحديث
أنه مفهوم وهم لا يقولون به ونحن نقول بالمفهوم ولكن إذا عارضه منطوق قدمناه على المفهوم ، وقد تظاهرت الأحاديث
الصحيحة بجواز الجمع ثم هو متروك الظاهر بالإجماع فى صلاتى الظهر والعصر بعرفات - انتهى. وقال السندى فى
حاشية البخارى (ج ١: ص ٢٠١): قد استدل به من ينفى جمع السفر كعلمائنا الحنفية، ورده النووى بأنه مفهوم وم
لا يقولون به ونحن نقول به إذا لم يعارضه منطوق كما مهنا وتعقبه العينى فقال: لا نسلم أنهم لا يقولون بالمفهوم وإنما
لا يقولون بالمفهوم المخالف ـ انتهى. قلت: (قاتله السندى) وهذا عجيب منهما فإن استدلال الحنفية بصريح النفى
الذى هو منطوق لا بالإثبات الذى يدل عليه الاستثناء بالمفهوم ، ولو كان بالإثبات لكان الاثبات من باب المفهوم
المخالف بالاتفاق فلم يكن لقول العينى وجه ، بقى أن الاستدلال به فرع قصور معناه ومعناه ههنا لا يخلو عن خفاء، إذ
ظاهره يفيد أنه صلى الفجر قبل وقته ، وهو مخالف للاجماع وقد جاء خلافه فى روايات حديث ابن مسعود أيضا وفى
حديث جابر. أجيب بأن المراد أنه صلى قبل الوقت المعتاد بأن غلس، ورد بأن هذا يقتضى أن يكون المعتاد
الإسفار وهو خلاف ما يفيده تبع الأحاديث الصحاح الواردة فى صلاة الفجر، أجيب بأن المراد التغليس الشديد،
والحاصل أنه صلى يومئذ أول ما طلع الفجر والمعتاد أنه كان يصلى بعد ذلك بشئى، فىرد أنها صارت حينئذ لوقتها فكيف
يصح عدها لغير وقتها حتى تستثنى من قوله((ما رأيت، إلخ، أجيب بأن المراد بقوله لغير وقتها المعتاد، قلت: فيلزم من
١٥٨
:

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٥ - باب الدفع من عرفة والمزدلفة
وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها. متفق عليه.
٢٦٣٢ - (٦) وعن ابن عباس، قال: أنا ممن قدم التى مَّ ليلة المزدلفة فى ضعفة أهله.
اعتبار العموم فيه أنه مَثّ ما صلى صلاة فى غير الوقت المعتاد أبدا لا بتقديم شئى ولا بتأخيره، لا سفرا ولا حضرا
سوى هاتين الصلاتين بل كان دائما يصلى فى وقت واحد ، وهذا خلاف ما يعرفه كل أحد بالبديهة وخلاف ما يفيده
تبع الأحاديث وخلاف ما أول به علماؤنا جمع السفر من الجمع فعلا فإنه لا يكون إلا بتأخير الصلاة الأولى إلى آخر
الوقت، فلزم كونها فى الوقت الغير المعتاد، ثم هو مشكل بجمع عرفة أيضا، وحينئذ فلابد من القول بخصوص هذا الكلام
بذلك السفر مثلا. ويبقى بعد جمع عرفة فيقال لعله ما حضر ذلك الجمع فما رأى. فلا ينافى قوله ما رأيت، أو يقال
لمله ما رأى صلاة خارجة عن الوقت المعتاد غير هاتين الصلاتين فأخبر حسب ما رأى ولا اعتراض عليه ولا حجة للقائلين
بنفى الجمع، والأحسن منه ما يشير إليه كلام البعض. ثم ذكر السندى ما تقدم من كلامه وتوجيهه فى حاشيته على النسانى
(وصلى الفجر يومئذ) أى بمز دلفة (قبل ميقاتها) أى قبل وقتها المعتاد فعلها فيه فى الحضر لا أنه أوقعها قبل طلوع الفجر
كما يتبادر من ظاهر اللفظ، ووقتها المعتاد أنه كان مؤيّ إذا أناه المؤذن بطلوع الفجر صلى ركعتى الفجر فى بيته ثم خرج
فصلى الصبح، وأما بمزدلفة فكان الاس مجتمعين والفجر نصب أعينهم فبادر بالصلاة أول ما بزغ حتى أن بعضهم كان لم
يتبين له طلوعه. قال النووى: المراد به قبل وقتها المعتاد لا قبل طلوع الفجر، لأن ذلك ليس بجائز بإجماع المسلمين.
والغرض أن استحباب الصلاة فى أول الوقت فى هذا اليوم أشد وآكد، ومعناه أنه مزوّ كان فى غير هذا اليوم يتأخر
عن أول طلوع الفجر إلى أن يأتيه بلال ، وفى هذا اليوم لم يتأخر لكثرة المناسك فيه فيحتاج إلى المبالغة فى التبكير ليتسع
له الوقت. قال الحافظ: ولا حجة فيه لمن منع التغليس بصلاة الصبح لأنه ثبت عن عائشة وغيرها كما تقدم فى المواقيت
التغليس بها ، بل المراد هنا أنه كان إذا أتاه المؤذن بطلوع الفجر صلى ركعتى الفجر فى بيته ثم خرج فصلى الصبح مع ذلك
بفلس ، وأما بمزدلفة فكان الناس مجتمعين والفجر نصب أعينهم فبادر بالصلاة أول ما بزغ حتى أن بعضهم كان لم يتبين
له طلوعه وهو بين فى رواية إسرائيل (عند البخارى) حيث قال: ثم صلى الفجر حين طلع الفجر قائل يقول: طلع
الفجر، وقائل يقول: لم يطلع (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد (ج ١: ص ٣٨٤، ٤٢٦) وأبو داود والنسائى
والبيهقى (ج ٥: ص ١٢٤).
٢٦٣٣ - قوله (أنا من قدم الني مَّة) أى قدمه (ليلة المزدلفة) أى إلى منى (فى ضعفة أهله) ينفتح الضاد المعجمة
والعين المهملة جمع ضغيف أى فى الضعفاء من أهله وهم النساء والصبيان والخدم والمشائخ العاجزون وأصحاب الأمراض
وقال ابن حزم: الضعفة هم الصبيان والنساء فقط والحديث يرد عليه لأنه أعم من ذلك. قال العينى: يدخل فيه المشائخ
١٥٩

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٥ - باب الدفع من عرفة والمزدلفة
متفق عليه.
٢٦٣٤ - (٧) وعنه عن الفضل بن عباس، وكان رديف النبى صلى الله عليه وسلم
العاجزون لأنه روى عن ابن عباس أن رسول اللّه مَتى قدم ضعفة بنى هاشم وصبيانهم بليل، رواه ابن حبان فى الثقات
وقوله «ضعفة بنى هاشم)، أعم من النساء والصبيان والمشائخ العاجزين وأصحاب الأمراض لأن العلة خرف الزحام عليهم -
انتهى. قلت: ويؤيده رواية الطحاوى عن عطاء عن ابن عباس قال قال رسول الله وروالم للعباس ليلة المزدلفة: اذهب
بضعفائنا ونسائنا فليصلوا الصبح بمنى ولير مواجمرة العقبة قبل أن تصيبهم دفعة الناس، قال: فكان عطاء يفعله بعد ما كبر
وضعف، ولأبى عوانة من طريق أبي الزبير عن ابن عباس كان رسول اللّه ◌َيثم يقدم العيال والضعفة إلى منى من
المزدلفة. والحديث دليل على جواز الإفاضة من مزدلفة إلى منى فى الليل قبل طلوع الفجر وقبل الوقوف بالمشعر الحرام
النساء والصبيان والضعفة من الرجال ولكن لا يجزئى فى أول الليل إجماعا. قال ابن قدامة: لا بأس بتقديم الضعفة
والنساء أى بعد نصف الليل، وممن كان يقدم ضعفة أهله عبد الرحمن بن عوف وعائشة وبه قال عطاء والثورى والشافعى
وأبو ثور وأصحاب الرأى، ولا نعلم فيه مخالفا ، ولأن فيه رفقا بهم ودفعا لمشقة الزحام عنهم واقتداء بفعل نيهم زيت -
انتهى. واعلم أن مهنا مسئلتان خلافيتان اشتبهت إحداهما بالأخرى على شراح الحديث ونقلة المذاهب، إحداهما
الوقوف بالمزدلفة بعد طلوع الفجر من صبيحة يوم النحر، والثانية المبيت بها ليلة النحر وربما أطلقت شراح الحديث
وأصحاب الفروع إحداهما على الأخرى ولا يخفى ذلك على من طالع شرحى البخارى للحافظ والعينى وشرحى مسلم النووى
والأبى، وشرحى الموطأ للباجى والزرقانى والنيل للشوكانى والمغنى لابن قدامة وشرح الهداية لابن الهمام والبداية لابن
رشد وشرح المهذب النووى وغير ذلك من كتب شروح الحديث والفقه والمناسك، وحاصل مسالك الأئمة الأربعة
وأتباعهم أن المبيت بالمزدلفة إلى ما بعد النصف الأول واجب عند الشافعى على المعتمد وأحمد وهذا لمن أدركه قبل
النصف وإلا فالحضور ساعة فى النصف الأخير كاف ، وعند مالك النزول بقدر حط الرحال واجب فى أى وقت من
الليل كان، وعند الحنفية المبيت سنة مؤكدة، وهو قول الشافعى وركن عند السبكى وابن المنذر وأبى عبد الرحمن من
الشافعية، وأما الوقوف بعد الفجر فواجب عند الحنفية وسنة عند الأئمة الثلاثة وفريضة عند ابن الماجشون وابن العربى
من المالكية وإن شئت الوقوف على تفاصيل مذاهبهم مع الأدلة فارجع إلى الفتح للحافظ والعمدة العينى والمغنى وأضواء
البيان الشنقيطى (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد مرارا وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه والبيهقى وغيرهم.
٢٦٣٤ - قوله (وعنه) أى عن ابن عباس أى عبد الله فإنه المراد به عند الإطلاق (عن الفضل بن عباس) أى
أخيه شقيقه (وكان) أى الفضل (رديف النبى) وفى بعض النسخ (رديف رسول الله، كما فى مسلم أى من المزدلفة إلى منى
١٠