Indexed OCR Text

Pages 121-140

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٣ - باب دخول مكة والطواف
ولا لشبيبة، وقيل عن صفية عن امرأة، وقيل غن صفية عن نسوة من بنى عبد الدار، وقيل عن صفية بلا واسطة ، أما
حديث صفية عن برة فرواه الواقدى فى كتاب المغازى وابن مندة كما فى الإصابة. ومن طريق الواقدى روى البيهقى
(ج ٦: ص ٩٨) وأما حديث تملك فأخرجه البيهقى فى سننه والطبرانى فى معجمه وفيه المثنى بن الصباح، وقد وثقه ابن
معين فى رواية وضعفه جماعة. وأما حديث صفية عن أم ولد لشبيبة فأخرجه ابن ماجه والبيهقى (ج ٥: ص ٩٨) وأما
حديث صفية عن امرأة فأخرجه أحمد (ج ٦: ص ٤٣٧) والنسائى ، قال الشوكانى: لعل المرأة المهمة فى حديث صفية
هى حبيبة بنت أبى تجراة، وأما حديث صفية عن نسوة فأخرجه الدار قطنى (ص ٢٧٠) ومن طريقه البيهقى (ج ٥:
ص ٩٧) وأما حديث صفية بلا واسطة فأخرجه الطبرانى فى معجمه الكبير، وفيه أيضا المثنى بن الصباح ، وحديث
صفية بنت أبى تجراة قد أعله ابن عدى فى الكامل بعبد الله بن المؤمل، وأسند تضعيفه عن أحمد والنسائى ووافقهم. وقال
الحافظ فى الفتح: وفى إسناد هذا الحديث عبد اللهابن المؤمل وفيه ضعف. ومن ثم قال ابن المنذر: إن ثبت فهو حجة
فى الوجوب. قال الحافظ: له طريق أخرى فى صحيح ابن خزيمة مختصرة ، وعند الطبرانى عن ابن عباس كالأولى، وإذا
انضمت إلى الأولى قويت - انتهى. قلت: حديث ابن عباس فى سنده المفضل بن صدقة، وهو متروك، قاله الهيشمى
(ج ٣: ص ٢٤١) وأما اختلاف الروايات فى المرأة التى روت عنها صفية المذكورة هذا الحديث فلا يضر لتصريحها
فى رواية الدار قطنى والبيهقى بأنها روت ذلك عن نسوة أدر كن النبى مَثّ، وإذن فلا مانع من أن تسمى واحدة منهن
فى رواية وتسمى غيرها منهن فى رواية أخرى كما لا يخفى. قال الحافظ: اختلف على صفية بنت شيبة فى اسم الصحابية
التى أخبرتها به، ويجوز أن تكون أخذته عن جماعة فقد وقع عند الدار قطنى عنها أخبر تنى نسوة من بنى عبد الدار فلا
يضره الاختلاف. انتهى. قلت: وطريق الدار قطنى قد حسنها النووى فى شرح المهذب حيث قال: احتج أصحابنا
بحديث صفية بنت شيبة عن نسوة م بنى عبد الدار أنهن سمعن من رسول الله مرثية، وقد استقبل الناس فى المسعى
وقال: يا أيها الناس! اسعوا فإن السعى قد كتب عليكم، رواه الدار قطنى والبيهقى بإسناد حسن - انتهى. وقال الزيلغى
فى نصب الراية (ج ٣: ص ٥٦) بعد ذكر رواية الدار قطنى المذكورة: قال صاحب التنقيح: إسناده صحيح، وقال ابن
الهمام فى فتح القدير (ج ٢: ص ٧٥١) مجيا عن إعلال ابن القطان حديث بنت أبى تجراة بابن المؤمل: وهذا لا يضر
بمتن الحديث، إذ بعد تجويد المتقنين له لا يضره تخليط بعض الرواة ، وقد ثبت من طرق عديدة منها طريق الدار قطنى
عن ابن المبارك أخبرنى معروف بن مشكان أخبرنى منصور بن عبد الرحمن عن أمه صفية قالت أخبرفى أسوة من بنى
عبد الدار اللاتى أدركن رسول اللّه تَتّى فذكر الحديث ثم قال: قال صاحب التنقيح: إسناده صحيح، ومعروف بن
مشكان صدوق، لا نعلم من تكلم فيه، ومنصور هذا ثقة مخرج له فى الصحيحين - انتهى. وقد علم ما ذكرنا أن بعض طرق
هذا الحديث لا تقل عن درجة القبول، وهو نص فى محل النزاع مع أنه معتضد بما ذكرناه من الأدلة الأخرى.
١٢١

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٣ - باب دخول مكة والطواف
٢٦٠٧ - (٢٣) وعن قدامة بن عبد الله بن عمار، قال: رأيت رسول اللّه عَ ل يسعى بين الصفا
والمروة على بعير، لا ضرب، ولا طرد، ولا إليك إليك. رواه فى شرح السنة.
٢٦٠٨ - (٢٤) وعن يعلى بن أمية، قال: إن رسول اللّه مريم طاف بالبيت مضطبعا بيرد أخضر.
٢٦٠٧ - قوله (وعن قدامة) بضم القاف وتخفيف الدال المهملة (بن عبد الله بن عمار) بفتح المهملة وتشديد الميم
ابن معاوية العامرى الكلابى يكنى أبا عبد الله، صحابى قليل الحديث، يقال أسلم قديما وسكن مكة ولم يهاجر، ولقى النبي
ٹے فی حجة الوداع وأقام برکیة فی البدو من بلاد نجد وسکنها، روى عنه أيمن بن نابل وجمید بن كلاب
(لا ضرب ولا طرد) بالفتح والرفع منونا فيهما أى لا دفع (ولا إليك إليك) أى تنح تنح، وهو اسم فعل بمعنى تنح
عن الطريق، قال الطبرى: قوله ((إليك إليك)) نحو قول القائل: الطريق الطريق: وقال الطبى: أى ما كانوا
يضربون الناس ولا يطردونهم ولا يقولون تتحوا عن الطريق كما هو عادة الملوك والجبابرة، والمقصود التعريض بالذين
كانوا يعملون ذلك - انتهى (رواه) أى البغوى (فى شرح السنة) بإسناده وأخرجه أيضا البيهقى (ج ٥: ص ١٠١) من
طريق عبيد الله بن موسى وجعفر بن عون عن أيمن بن نابل عن قدامة بن عبد الله بن عمار، قال: رأيت رسول الله
مَ يسعى بين الصفا والمروة على بعير، إلخ. ثم قال البيهقى: كذا قالا (أى عبيد الله وجعفر) ورواه جماعة (منهم روح
ابن عبادة وأبو نعيم وأبو عاصم) وموسى بن طارق ووكيع وأبو أحمد الزيرى وقران بن تمام الأسدى ومعتمر ومروان
ابن معاوية والمؤمل وسعيد بن سالم القداح، عن أيمن فقالوا: فى الحديث يرمى الجمرة يوم النحر (أى بدل يسعى بين الصفا
والمروة) ويحتمل أن يكونا صحيحين - انتهى. قلت: حديث قدامة بلفظ «يرمى الجمرة يوم النحر على ناقة ليس ضرب ولا
طرد، إلخ. أخرجه أحمد (ج ٦: ص ٤١٢) والشافعى والترمذى والنسائى وابن ماجه والدارمى وابن حبان والبيهقى
(ج ٥: ص ١٣٠) وسيأتى فى باب رمى الجمار ، وقال ابن عبد البر فى ترجمة قدامة فى الاستيعاب: روى عنه أيمن بن
نابل وحميد بن كلاب، فأما حديث أيمن عنه فإنه قال: رأيت رسول اللّه مَ لَّه يرمى الجمرة يوم النحر على ناقة صهباء لا
ضرب ولا طرد ولا إليك إليك. وأما حديث حميد بن كلاب فإنه قال عنه أنه رأى رسول اللّه مَّم يوم عرفة وعليه
حلة حبرة. لا أحفظ له غير هذين الحديثين - انتهى.
٢٦٠٨ - قوله (وعن يعلى) ڪبرضى (بن أمية) بمضمومة ثم ميم مخففة مفتوحة وتحتية مشددة، ابن أبى عبيدة
همابی مشهور، تقدم ترجمته (طاف بالبيت مضطبعا) بكسر الباء (بیرد) أی یمانی، فنی رواية لأحمد (بیرد له حضرمى))
(أخضر) أى فيه خطوط خضر، والاضطباع هو إعراء منكبه الأيمن وجمع الرداء على الأيسر، سمى بذلك لما فيه من
إبداء الضبع وهو العضد، ويسمى التأبط لأنه يجعل وسط الرداء تحت الايط ويبدى ضبعه الأيمن. قال النووي: هو
١٢٢

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٣ - باب دخول مكة والطواف
رواه الترمذى، وأبو داود ، وابن ماجه، والدارمى.
٢٦٠٩ - (٢٥) وعن ابن عباس، أن رسول اللّه مَاي وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت
ثلاثا، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى. رواه أبو داود.
افتعال من الضبع بإسكان الباء الموحدة وهو العضد، وهو أن يدخل إزاره تحت إبطه الأيمن ويرد طرفه على منكبه
الأيسر ويكون منكبه الأيمن مكشوفا، وقال الطبي: الضبع بسكون الباء وسط العضد ويطلق على الايط أيضا أى لمجاورته
له، والاضطباع أن يأخذ الإزار أو البرد فيجعل وسطه تحت الابط الأيمن ويلقى طرفيه على كتفه الأيسر من جهتى
صدره وظهره، سمى بذلك لايداه الضبعين ، قيل: إنما فعل ذلك إظهارا للتشجع كالرمل فى الطواف - انتهى. وهذه
الهيأة هى المذكورة فى حديث ابن عباس الآتى، وأول ما اضطعوا فى عمرة القضاء ليستعينوا بذلك على الرمل ليرى
المشركون قوتهم ثم صار سنة، ويضطبع فى الأشواط السبعة ، فإذا قضى طوافه سوى ثيابه، ولم يضطبع فى ركعتى
الطواف، قال الشوكانى: والحكمة فى فعله أنه يعين على إسراع المشى، وقد ذهب إلى استحبابه الجمهور سوى مالك،
قاله ابن المنذر. قال أصحاب الشافعى: وإنما يستحب الاضطباع فى طواف يسن فيه الرمل - انتهى. وقال القارى:
الاضطباع والرمل ستان فى كل طواف بعده سعى ، والاضطباع سنة فى جميع الأشواط بخلاف الرمل ، ولا يستحب
الاضطباع فى غير الطواف وما يفعله العوام من الاضطباع من ابتداء الإحرام حجا أو عمرة لا أصل له بل يكره حال الصلاة -
انتهى (رواه الترمذى) وقال: هو حديث حسن صحيح (وأبو داود) واللفظ له، وقد سكت عنه، ونقل المنذرى كلام
الترمذى وأقره (وابن ماجه والدارمى) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤: ص ٢٢٢، ٢٢٣) ورواه الشافعى بلفظ ((أن
النبي مَّ طاف مضطبعا بالبيت وبين الصفا والمروة».
٢٦٠٩ - قوله (اعتمروا من الجعرانة) تقدم ضبطه (فرملوا بالبيت ثلاثا) أى ثلاث مرات من الأشواط
السبعة (وجعلوا) أى حين أرادوا الشروع فى الطواف (أرديتهم) جمع رداء (تحت آباطهم) بالألف ممدودة جمع إبط .
قال ابن رسلان: المراد أن يجعلوما تحت عواتقهم اليمنى (ثم قذفوما) أى ألقوها وطرحوا طرفيها (على عوائقهم
اليسرى) جمع العاقق وهو المتكب أى استمروا عليه إلى أن فرغوا من الطواف. والحديث يدل على مشروعية الرمل
والاضطباع فى الطواف (رواه أبو داود) وأخرجه أيضا أحمد (ج ١: ص ٣٠٦، ٣٧١) والبيهقى (ج ٥: ص ٧٩)
وأخرجه الطبرانى نحوه، والحديث سكت عنه أبو داود والمنذرى والحافظ فى التلخيص، وقال الشوكانى: رجاله
رجال الصحيح.
١٢٣

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٣- باب دخول مكة والطواف
( الفصل الثالث )
٢٦١٠ - (٢٦) عن ابن عمر، قال: ما تركنا استلام هذين الركنين: اليمانى والحجر، فى شدة ولا
رخاء منذ رأيت رسول اللّه مي يستلمهما. متفق عليه.
٢٦١١ - (٢٧) وفى رواية لهما قال نافع: رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده، ثم قبل يده وقال:
ما تركته منذ رأيت رسول الله مؤتمر يفعله.
٢٦١٢ - (٢٨) وعن أم سلمة، قالت: شكوت إلى رسول اللّه ◌َي أنى أشتكى، فقال: طوفى من
وراء الناس
٢٦١٠ - قوله (اليمانى) بتخفيف الياء وتشديدها مجرورا (والحجر) أى الأسود (فى شدة) أى زحام
(ولا رغاء) أى خلاء، قال الحافظ: الظاهر أن ابن عمر لم ير الزحام عذرا فى ترك الاستلام. وقد روى سعيد بن منصور
من طريق القاسم بن محمد قال: رأيت ابن عمر يزاحم على الركن حتى يدمى، ومن طريق أخرى أنه قيل له فى ذلك ، فقال
هوت الأفئدة إليه فأريد أن يكون فؤادى معهم. وروى الفاكهى من طرق عن ابن عباس كراهة المزاحمة، وقال:
لا ذی ولا يؤذى (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢: ص ٣) والدارمى والبيهقى (ج ٥: ص ٧٦).
٢٦١١ - قوله (وفى رواية لهما) واللفظ لمسلم (يستلم الحجر بيده ثم قبل يده) لعل هذا فى وقت الزحام حيث
لا يقدر على تقبيل الحجر (منذ رأيت رسول اللّه مَفلم يفعله) قال القارى: أى الاستلام المطلق أو الخصوص، إذ ثبت
الاستلام والتقبيل عنه عليه الصلاة والسلام كما فى الصحيحين - انتهى. وقيل: الظاهر أن الضمير للاستلام مطلقا ،
ويجوز أن يكون للاستلام على الوجه المخصوص المذكور وهو أنه استلم الحجر بيده ثم قبل يده، والأول هو الوجه
فانهم - انتهى. قلت: الظاهر بل الأظهر عندى هو الثانى، وهذه الرواية أخرجها أيضا أحمد (ج ٢: ص ١٠٨)
والبيهتی (ج ٥ : ص ٧٥).
٢٦١٢ - قوله (وعن أم سلمة) أم المؤمنين والدة زينب بنت أبى سلمة الراوية عنها هذا الحديث (شكوت إلى
رسول اللّه ◌َبِّ) أى أوان الخروج من مكة إلى المدينة (أنى أشتكى) أى أتوجع، وهو مفعول ((شكوت)) والشكوى
والشكاية إخبار عن مكروه أصابه، وهو المراد بقولها شكوت، ويحثى بمعنى المرض وهو المراد بقولها ((آنى أشتكى، فيكون
المعنى مشكوت إليه ◌َّ أنى مريضة، ومقصودها أنها لا تستطيع الطواف ماشية لضعفها من تلك الشكوى التى كانت
بها (طوفى من وراء الناس) إنما أمرها أن قطوف من وراء الناس ليكون استرلها ولا تقطع صفوفهم ولا يتأذون
١٢٤

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٣ - باب دخول مكة والطواف
وأنت راكبة. فطفت ورسول اللّه ورفع يصلى إلى جنب البيت،
بدابتها ، ولأن سنة النساء التباعد عن الرجال فى الطواف، وقال الباجى: طواف النساء وراء الرجال لهذا الحديث ولم
يكن لأجل البعير، فقد طاف رسول اللّه تَّثهم على بعيره يستلم الركن بمحجن، وهذا يدل على اتصاله بالبيت، لكن من
طاف غيره من الرجال على بعير فيستحب له إن خاف أن يؤذى أحدا أن يبعد قليلا ، وإن لم يكن حول البيت زحام،
وأمن أن يؤذى أحدا فليقرب كما فعل النبي مؤّم. وأما المرأة فإن من سنتها أن تطوف وراء الرجال. انتهى. وفى
الحديث جواز الطواف للراكب إذا كان لعذر ويلتحق بالراكب المحمول وقد تقدم الكلام فى ذلك (وأنت راكبة) أى
على بعيرك كما فى رواية هشام عند البخارى عن عروة عن أم سلمة أن رسول اللّه مَبثم قال وهو يمكد وأراد الخروج ولم
تكن أم سلمة طافت بالبيت وأرادت الخروج فقال لها رسول اللّه تَّة: إذا أقيمت الصلاة للصبح فطوفى على بعيرك
والناس يصلون ففعلت ذلك فلم تصل حتى خرجت - انتهى. وقد علم من هذه الرواية أن القصة لطواف الوداع، ويدل
عليه أيضا رواية النسائى عنها قالت يا رسول الله: والله ما طفت طواف الخروج، فقال النبى حيث إذا أقيمت الصلاة
فطوفى. قال القارى: فيه دلالة على أن الطواف راكبا ليس من خصوصياته عليه الصلاة والسلام (خطفت) أى راكبة
من وراء الناس (ورسول اللّه ◌َوال يصلى) أى بالناس صلاة الصبح كما تدل عليه رواية البخارى المذكورة (إلى جنب البيت)
أى متصلا إلى جدار الكعبة، وفيه تنبيه على أن أصحابه موقع كانوا متحلقين حولها، وفيه دلالة على أن صلاته موروثة بأصحابه
بالجماعة كانت بفناء الكعبة وأن طوانها كان وراء المصلين ، وفيه أن من طاف راكبا يتوخى خلوة المطاف لثلا يهوش
على الطائفين ، واستدل بالحديث المالكية على طهارة بول ما يؤكل لحمه وهو المشهور عن أحمد خلافا لما ذهب إليه
الحنفية والشافعية قال ابن بطال: فى هذا الحديث جواز دخول الدواب التى يؤكل لحها المسجد إذا احتيج إلى ذلك لأن
بولها لا ينجسه بخلاف غيرها من الدواب. وتعقب بأنه ليس فى الحديث دلالة على عدم الجواز مع الحاجة أى فى
غيرها ولا على عدم الجواز مع عدم الحاجة فيها. قال الحافظ : بل ذلك دائر على التلويث وعدمه بحيث يخشى التلويث
يمتنع الدخول، وقد قيل إن ناقته مَ ه كانت منوقة أى مدربة معلمة فيؤمن منها ما يحذر من التلويث، وهى سائرة،
فيحتمل أن يكون بعير أم سلمة كان كذلك ، والله أعلم وقال النووى: هذا الحديث لا دلالة فيه (أى على طهارة بول
ما يؤكل لحمه وروثه كما هو مذهب مالك وأحمد) لأنه ليس من ضرورة أنه يبول أو يروث فى حال الطواف وإنما هو محتمل،
وعلى تقدير حصوله ينظف المسجد منه كما أنه تربية أقر إدخال الصبيان الأطفال المسجد مع أنه لا يؤمن بولهم بل قد وجد ذلك،
ولأنه لوكان ذلك محققا لنزه المسجد منه، سواء كان نجسا أو طاهرا لأنه مستقذر ـ انتهى وقال الشوكانى: ويرد ذلك
(أى استدلال أصحاب مالك وأحمد بهذا الحديث على طهارة بول مأكول اللحم وروثه) بوجوه: أما أولا فلأنه لم يكن
إذ ذاك قد حوط المسجد كما تقدم. وأما ثانيا فلأنه ليس من لازم الطواف على البعير أن يبول. وأما ثالنا فلأنه يطهر
١٢٥

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٣- باب دخول مكة والطواف
يقرأ بالطور وكتاب مسطور.
منه المسجد كما أنه مريم أقر إدخال الصبيان الأطفال المسجد مع أنه لا يؤمن بولهم. وأما رابعا فلأنه يحتمل أن تكون
راحلته عصمت من التلويث حينئذ كرامة له - انتهى (يقرأ بالطور وكتاب مسطور) أى بهذه السورة فى ركعة واحدة
كما هو عادته عليه الصلاة والسلام. والحديث قد يستنبط منه أن الجماعة فى الفريضة ليست فرضا على الأعيان إلا أن
يقال إن أم سلمة كانت شاكية فهى معذورة، أو الوجوب يختص بالرجال ، كذا فى الفتح. اعلم أنه اتفق الجمهور على
كراهة ابتداء الطواف ومنعه عند إقامة المكتوبة، وأما قطع الطواف المكتوبة أو لصلاة الجنازة أو لغيرهما من
الأعذار فاختلف العلماء فيه. قال ابن قدامة (ج ٣: ص ٣٩٥): إذا تلبس بالطواف أو بالسعى ثم أقيمت المكتوبة فإنه
يصلى مع الجماعة فى قول أكثر أهل العلم ، منهم ابن عمر وسالم وعطاء والشافعى وأبو ثور وأصحاب الرأى وروى
ذلك عنهم فى السعى. وقال مالك: يمضى فى طوافه ولا يقطعه إلا أن يخاف أن يضر بوقت الصلاة، لأن الطواف صلاة
فلا يقطعه لصلاة أخرى. ولنا قول النبي ◌َّم: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة. والطواف صلاة فيدخل
تحت عموم الخبر، وإذا ثبت ذلك فى الطواف بالبيت مع تأكده ففى السعى بين الصفا والمروة أولى مع أنه قول ابن
عمر ومن سميناه من أهل العلم ، ولم نعرف لهم فى عصرهم مخالفا. وإذا صلى بنى على طوافه وسعيه فى قول من سمينا من
أهل العلم. قال ابن المنذر: ولا نعلم أحدا خالف فى ذلك إلا الحسن، فإنه قال يستأنف. وكذلك الحكم فى الجنازة
إذا حضرت يصلى عليها ثم بينى على طوافه لأنها تفوت بالتشاغل عنها ، قال أحمد: ويكون ابتداؤه من الحجر يعنى أنه
يبتدئى الشوط الذى قطعه من الحجر حين يشرع فى البناء - انتهى. قلت: وما ذكر عن مالك من المضى فى الطواف
وعدم قطعه هو مخالف لما فى كتب فروع المالكية ، فإنهم نصوا بوجوب القطع المكتوبة، وكذا حكى عامة شراح
البخارى عن مالك قطعه المكتوبة موافقا للجمهور. وقال النووى فى مناسكه: وإذا أقيمت الجماعة للمكتوبة وهو فى
الطواف أو عرضت حاجة ماسة قطع الطواف لذلك فإذا فرغ بنى، والاستيناف أفضل، ويكره قطعه بلا سبب حتى يكره
قطع الطواف المفروض لصلاة جنازة أو صلاة نافلة - انتهى. قال ابن حجر فى شرحه: وحيث قطعه فالأولى أن يقطعه
عن وتر، وأن يكون من عند الحجر الأسود - انتهى. وقال ابن عابدين: إذا حضرت الجنازة أو المكتوبة فى أثناء
الشوط هل يتمه أولا؟ لم أر من صرح به عندنا ، وينبغى عدم الإتمام إذا خاف فوت الركعة مع الإمام. وإذا عاد
البناء هل بنى من محل انصرافه أو يبتدئى الشوط من الحجر؟ والظاهر الأول قياسا على من سبقه الحدث فى الصلاة وهو
ظاهر قول الفتح بنى على ما كان طافه - انتهى. وعد صاحب اللباب الطواف عند إقامة المكتوبة فى المكروهات. قال
القارى: فإن ابتداء الطواف حينئذ مكروه بلا شبهة، وأما إذا كان يمكنه إتمام الواجب عليه وإلحاقه بالصلاة وإدراك
الجماعة فالظاهر أنه هو الأولى من قطعه - انتهى. وقال الدردير: ابتدأ طوافه لبطلانه واجبا كان أو تطوعا انقطع
١٢٦

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٣ - باب دخول مكة والطواف
متفق عليه .
٢٦١٣ - (٢٩) وعن عابس بن ربيعة، قال: رأيت عمر يقبل الحجر ويقول: إنى لأعلم أنك حجر
ما تنفع ولا تضر، ولو لا أنى رأيت رسول اللّه مؤلم يقبل ما قبلتك.
لجنازة ولوقل الفصل ، لأنها فعل آخر غير ما هو فيه فلا يجوز القطع لها اتفاقا ما لم تتعين ، فإن تعينت وجب القطع إن
خشى تغيرها وإلا فلا يقطع ، وإذا قلنا بالقطع فالظاهر أنه بينى كالفريضة كذا قالوا. وقطعه وجوبا ولو ركنا للفريضة
أى لإ قامتها للرانب ، ودخل معه إن لم يكن صلاها أو صلاها منفردا، والمراد بالراتب إمام مقام إبراهيم على الراجح
وأما غيره فلا يقطع له لأنه جماعة غير الراتب، وندب له كمال الشوط إن أقيمت عليه أثاء، لبنى من أول الشوط ،
فإن لم يكمله ابتدأ من موضع خرج، وندب أن يبتدئى ذلك الشوط، كما قاله ابن حبيب ـ انتهى (متفق عليه) أخرجه
البخارى فى صفة الصلاة وفى الحج وفى التفسير، ومسلم فى الحج، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٦: ص ٣١٩) ومالك
وأبو داود والنسائى وابن ماجه وابن الجارود (ص ١٦١) والبيهقى (ج ٥: ص ٦٨، ١٠١).
٢٦١٣ - قوله (وعن عابس) بم وحدة فمكسورة ثم مهملة (بنربيعة) النخعى الكوفى. ثقة مخضرم من كبار التابعين
قال الحافظ: روى عن عمر وعلى وحذيفة وعائشة، وعنه أولاده عبد الرحمن وإبراهيم وأسماء وأبو إسحاق السبيعى
وإبراهيم بن جرير النخعى. قال الآجرى عن أبي داود: جاهلى سمع من عمر. وقال النسائى ثقة، وقال ابن سعد: هو
من مذحج، وكان ثقة ، وله أحاديث يسيرة - انتهى. وليس هو عابس بن ربيعة الغطيفى الصحابى الذى شهد فتح مصر.
قال الحافظ فى التقريب فى ترجمة عابس بن ربيعة الغطفى: وهم من خلطه بالذى قبله أى بعابس بن ربيعة النخعى. وقال
فى تهذيب التهذيب: فرق ابن ماكولا بين الغطينى والنخعى وهو الصواب (يقبل الحجر) أى الأسود (ويقول) مخاطبا
له ليسمع الناس (إنى لأعلم أنك حجر ما تنفع) قال القارى: وفى نسخة ((لا تنفع)) (ولا تضر) أى بذاته، وإن كان
امثال ما شرع فيه ينفع بالجزاء والثواب. فمعناه أنه لا قدرة له على نفع ولا ضر ، وأنه حجر مخلوق كباقى المخلوقات
التى لا تضر ولا تنفع (ولو لا أنى رأيت رسول الله ربثم يقبل) كذا وقع فى أكثر النسخ، وفى نسخة المرقاة (((يقبلك))
والذى فى صحيح مسلم عن عابس بن ربيعة «قال: رأيت عمر يقبل الحجر ويقول: إنى لأقبلك وأعلم أنك حجر. ولو لا أنى
رأيت رسول اللّه ◌َّ يقبلك لم أقبلك)). وفى البخارى: أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله فقال . إنى لأعلم أنك حجر
لا تضر ولا تنفع، ولو لا أنى رأيت النبي مَّ يقبلك ما قبلتك،. قال الطبي: إنما قال ذلك لئلا يغتر بعض قريى
العهد بالإسلام الذين قد ألفوا عبادة الأحجار وتعظيمها ورجاء نفعها وخوف الضرر بالتقصير فى تعظيمها فخاف أن
يراه بعضهم يقبله فيفتتن به فبين أنه لا ينفع ولا يضر وإن كان امتثال ما شرع فيه ينفع باعتبار الجزاء والثواب، وليسمع
١٢٧

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٣ - باب دخول مكة والطواف
متفق عليه .
فى الموسم فيشتهر فى البلدان المختلفة. وفيه الحث على الاقتداء برسول الله مرثية فى تقبيله وتنبيه على أنه لو لا الاقتداء لما
فعله. وقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى: إنما قال ذلك لأن الناس كانوا حديثى عهد بعبادة الأصنام فخشى عمر
أن يظن الجهال بأن استلام الحجر هو مثل ما كانت العرب تفعله فأراد عمر أن يعلم أن استلامه لا يقصد به إلا تعظيم
الله عز وجل والوقوف عند أمر نبيه مَّه وأن ذلك من شعائر الحج التى أمر الله بتعظيمها وأن استلامه مخالف الفعل
الجاهلية فى عبادتهم الأصنام لأنهم كانوا يعتقدون أنها تقربهم إلى الله زلفى، فبه عمر على مخالفة هذا الاعتقاد، وأنه
لا ينبغى أن يعبد إلا من يملك الضرر والنفع وهو الله جل جلاله. وقال المحب الطبرى: إن قول عمر «إنك حجر لا تضر
ولا تنفع، طلب منه للآثار وبحث عنها وعن معانيها ، ولما رأى أن الحجر يستلم ولا يعلم له سبب يظهر للحس ولا من جهة
العقل ترك فيه الرأى والقياس وصار إلى محض الاتباع كما صنع فى الرمل. وقال الخطابي: فى قول عمر من العلم أن
متابعة السنن واجبة وإن لم يوقف لها على علل معلومة وأسباب معقولة. وأن أعيانها حجة على من بلغته وإن لم يفقه معانيها
إلا أن معلوما فى الجملة أن تقبيل الحجر إنما هو إكرام له وإعظام لحقه، وقد فضل الله بعض الأحجار على بعض كما
فضل بعض البقاع والبلدان على بعض وكما فضل بعض الليالى والأيام والشهور على بعض ، وباب هذا كله التسليم ، وهو
أمر سائغ فى العقول جائز فيها غير ممتنع ولا مستكر. قال الحافظ فى الفتح: فى قول عمر هذا التسليم للشارع فى أمور
الدين وحسن الاتباع فيما لم يكشف عن معانيها، وهو قاعدة عظيمة فى اتباع النبي مَ فيما يفعله، ولو لم يعلم الحكمة فيه.
وفيه دفع ما وقع لبعض الجمال من أن فى الحجر الأسود خاصة ترجع إلى ذاته. وفيه بيان السنن بالقول والفعل
وأن الامام إذا خشى على أحد من فعله فساد اعتقاد أن يبادر إلى بيان الأمر ويوضح ذلك. وفيه كرامة تقبيل
ما لم يرد الشرع بتقبيله. فائدة: روى الخطيب وابن عساكر عن جابر مرفوعا ((الحجر يمين الله فى الأرض يصافح
بها عباده، وروى الديلمى فى مسند الفردوس عن أنس مرفوعا (الحجر يمین الله فمن مسحه فقد بایع الله، وروى
الطبرانى فى الأوسط عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا (الحجر يمين الله يصافح بها خلقه)) ذكره الهيثمى فى مجمع
الزوائد وقال: وفيه عبد الله بن المؤمل وثقه ابن حبان وقال يخطئى وفيه كلام، وبقية رجاله رجال الصحيح. قال
الخطابى: ومعنى (أنه يمين الله فى الأرض) أن من صافحه فى الأرض كان له عند الله عهد، فكان كالعهد تعقده الملوك
بالمصافحة لمن يريد موالاته والاختصاص به، وكما يصفق على أيدى الملوك للبيعة، وكذلك تقبيل اليد من الخدم للسادة
والكبراء فهذا كالتمثيل بذلك والتشبيه به يعنى فخاطهم بما يعهدونه. وقال المحب الطبرى: معناه أن كل ملك إذا
قدم عليه الوافد قبل يمينه ، ولما كان الحاج والمعتمر أول ما يقدمان يسن لهما تقبيله نزل منزلة يمين الملك ويده، ولله المثل
الأعلى. وكذلك من صافحه كان له عند اللّه عهد كما أن الملوك تعطى العهد بالمصافحة، والله أعلم (متفق عليه) وأخرجه
١٢٨

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٣ - باب دخول مكة والطواف
أيضا أحمد (ج ١: ص ١٦، ٢١، ٢٦، ٣٤، ٤٦، ٥١، ٥٤) وأبو داود والنسائى والترمذى والبيهقى وغيرهم. تنبيه:
ذكر بعض شراح البخارى عن بعض العلماء جواز تقبيل قبره معروفه ومنبره وقبور الصالحين لأجل التبرك بذلك قياسا على
تقبيل الحجر الأسود، ولا يوافقهم على هذا أحد من يتبع السنة ، بل ما ورد فيه نص صحيح صريح عن الشارع قبلناه
وعملنا بمقتضاه وما لا فلا ، فعم ورد أن بعض الصحابة قبل يد النبي مؤلفه وبعضهم قبل جبهته وقبل بعض التابعين يد بعض
الصحابة وعلى هذا فيجوز تقبيل يد الصالحين ومن ترجى بركتهم، قال النووى : تقبيل يد الرجل لزهده وصلاحه أو علمه
أو شرفه أو صيانته أو نحو ذلك من الأمور الدينية لا يكره بل يستحب ، فإن كان لغناه أو شوكته أو جاهه عند أهل الدنيا
فمكروه شديد الكراهة، وقال أبو سعيد المتولى: لا يجوز - انتهى. وأما تقبيل قبره مَ ◌ّم ومنبره وقبور الصالحين فلم
یرد أن أحدا من الصحابة أو التابعین فعل ذلك، بل قد ورد النھی عه. فقد روى أبو داود بسند حسن من حديث
أبى هريرة قال قال رسول اللّه مَاتٍ: لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قرى عيدا وصلوا على، فإن صلاتكم تبلغنى
حيث كنتم. وقد تقدم هذا الحديث فى باب الصلاة على النبى مر فقهم مع بيان معناه، وله شواهد من أوجه مختلفة.
واتفق الأئمة على أنه لا يتمح بقبر النبي ◌ٍَّ ولا يقبله. وهذا كله محافظة على التوحيد، فإن من أصول الشرك بالله
اتخاذ القبور مساجد كما قالت طائفة من السلف فى قوله تعالى ﴿وقالوا. لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداولا سواءا ولا يغوث
ويعوق ونسراً - ٧١: ٢٣﴾ قالوا: هؤلاء كانوا قوما صالحين فى قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا على
صورهم تماثيل ، ثم طال عليهم الأمد فعبدوها. وروى أحمد عن عائشة رضى الله عنها أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا
كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فقال رسول اللّه مَّى: إن أولائك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره
مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولائك شرار الخلق عند الله عز وجل يوم القيامة. وما جر المصائب على عوام
الناس وغرس فى أذهانهم أن الصالحين من أصحاب القبور ينفعون ويضرون حتى صاروا يشركونهم مع الله فى الدعاء
ويطلبون منهم قضاء الحوائج ودفع المصائب إلا تساهل معظم المتأخرين من العلماء، وذكر هذه البدع فى كتبهم ولا أدرى
ما الذى ألجأهم إلى ذلك وأحاديث رسول اللّه مَّ تحذر منه؟ أكان هؤلاء أعلم بسنة رسول اللّه مَّه من عمر بن الخطاب
رضى الله عنه حيث أمر بقطع الشجرة التی بوبع تحتها النبي بتے فقطعها لأن الناس کانوا یذهبون فیصلون تحتها تبركا،
وما أمر عمر رضى الله عنه بقطعها إلا خوفا من الافتتان بها. وثبت عنه رضى الله عنه أنه رأى الناس فى سفر يتبادرون
إلى مكان فسأل عن ذلك فقالوا: قد صلى فيه النبى معَّه، فقال عمر: من عرضت له الصلاة فليصل وإلا فليمض، فإنما
هلك أهل الكتاب لأنهم تتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعا. وكره الإمام مالك تتبع الأماكن التي صلى فيها
النبي مرَّة فى طريقه من المدينة إلى مكة سنة حجة الوداع والصلاة فيها تبركا بأثره الشريف إلا فى مسجد قباء، لأنه محد لتر
كان يأتيه راكبا وماشيا ، وبنى مالك مذهبه على سد الذرائع فرأى أن التساهل فى هذا وإن كان جائزا يحر إلى مفسدة
١٢٩
٠

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٣ - باب دخول مكة والطواف
٢٦١٤ - (٣٠) وعن أبى هريرة، أن النبى وَ يُ قال: وكل به سبعون ملكا يعنى الركن اليمانى، فمن
قال: اللهم إنى أسألك العفو والعافية فى الدنيا والآخرة (ربنا آتنا فى الدنيا حسنة، وفى الآخرة
حسنة، وقنا عذاب النار). قالوا: آمين. رواه ابن ماجه.
بعد تقادم العهد، فالاحتياط سد هذا الباب وعدم التساهل فيه فإن الراعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه. وحاصل
الكلام أن لا نفعل ولا نقول ولا نعتقد إلا ما دلت عليه السنة الثابتة ، ونحترز من التساهل فى ذلك مما يجر إلى ارتكاب
البدع وفساد العقيدة والعمل .
٢٦١٤ - قوله (يعنى) أى يريد بمرجع الضمير (الركن اليمانى) فهو تفسير لضمير (به)) والقائل بعض الرواة دون
أبى هريرة بطريق الاعتراض بين الكلامين، وليس هذا التفسير فى ابن ماجه. وقال السندى: قوله ((وكل به)) أى
بالتأمين لمن دها عنده، قيل: والظاهر أنه إذا كان فضل الركن اليمانى إلى هذه المرتبة كان فضل الركن الأسود أكثر وأعلى
من ذلك إلا أن يكون هذه الخاصية مخصوصة به، ويكون للحجر الأسود فضائل وخواص أخر أوفر وأعظم، والله
أعلم (اللهم إنى أسألك العفو) أى عن الذنوب (والعافية) أى عن العيوب (فى الدنيا والآخرة) ويمكن أن يكون لنا
ونشرا مشوشا (ربنا آتنا فى الدنيا حسنة) إلخ. قال القارى: لا تنافى بينه وبين ما سبق من قوله بين الركنين لأنه إذا
وصل إلى الركن اليمانى وشرع فى هذا الدعاء وهو مار فلا شك أنه يقع بينهما إذ لا يجوز الوقوف للدعاء فى الطواف كما
يفعله جهلة العوام ۔ انتهى (قالوا آمین)أی ودعاء الملائكة یرجی استجابتهمنه(رواه ابن ماجه) بسند ضعيف كما ستعرف
واعلم أن هذا الحديث والحديث الذى يليه أى قوله «من طاف بالبيت سبعا، إلخ. هما فى الأصل حديث واحد رواه ابن
ماجه باسناد واحد جعله المؤلف حدیثین وفرقهما، وهكذا فعل المجد فى المتقى. قال ابن ماجهفى باب فضل الطواف: حدثنا
هشام بن عمار ثنا إسماعيل بن عياش ثنا حمید بن أبى سوية قال: سمعت ابن هشام يسأل عطاء بن أبي رباح عن الركن اليمانى
وهو يطوف بالبيت فقال عطاء: حدثنى أبو هريرة أن النبيِ مَّم قال: وكل به سبعون ملكا فمن قال اللهم إنى أسألك العفو
والعافية، إلخ. فلما بلغ الركن الأسود قال: يا أبا محمد ما بلغك فى هذا الركن الأسود؟ فقال عطاء: حدثنى أبو هريرة
أنه سمع رسول اللّه مَّه يقول: من فاوضه (أى قابله بوجهه، قاله السندى. وقال الطبرى: أى لابس وخالط ، من
مفاوضة الشريكين) فإنما يفاوض يد الرحمن. قال له ابن هشام: يا أبا محمد فالطواف؟ قال عطاء: حدثنى أبو هريرة أنه
سمع النبي ◌َّ يقول: من طاف بالبيت سبعا ولا يتكلم إلا - الحديث. قال المنذرى فى الترغيب بعد ذكر هذا الحديث:
رواه ابن ماجه عن إسماعيل بن عياش حدثنى حميد بن أبى سوية وحسنه بعض مشائخنا - انتهى. ولم يتكلم البوصيرى
فى الزوائد على إسناده. قال السندى: وذكر الدميرى ما يدل على أنه حديث غير محفوظ - انتهى. وذكره الحافظ فى
١٣٠
٠٠

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٣ - باب دخول مكة والطواف
٢٦١٥ - (٣١) وعنه، أن النبى معَ ◌ّم قال: من طاف بالبيت سبعا، ولا يتكلم إلا بسبحان الله،
والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. محيت عنه عشر سيئات،
وكتب له عشر حسنات، ورفع له عشر درجات، ومن طاف فتكلم، وهو فى تلك الحال
التلخيص وقال: إسناده ضعيف. قلت: هشام بن عمار من رجال الستة. قال الحافظ عنه: صدوق مقرئ، كبر فصار
يتلقن فحديثه القديم أصح، وأما إسماعيل بن عياش الشامى الحمصى فهو صدوق فى روايته عن أهل بلده أى الشاميين
مخلط فى غيرهم ، وهذا الحديث من غير أهل بلده ، وهو حميد بن أبى سوية ، ويقال ابن أبى سويد المكى. قال الحافظ فى
التقريب: إنه مجهول، وقال فى تهذيب التهذيب: ذكره ابن عدى وقال: حدث عنه ابن عياش بأحاديث عن عطاء غير
محفوظات ، منها حديث فضل الدعاء عند الركن اليمانى. قال الحافظ: أخرج ابن ماجه فى الحج فى فضل الطواف وغيره
عن هشام بن عمار عن إسماعيل فقال : فی روايته حمد بن أبی سوية ، وأخرجه ابن عدى فقال : فی رواته حمد بن أبى
سويد مصغرا بدال بدل الهاء فى آخره ، وصوبه المصنف، وترجمه ابن عدى فقال: حميد بن أبى سويد مولى بنى علقمة ،
وقيل حميد بن أبى حميد حدث عنه إسماعيل بن عياش منكر الحديث، وقد ظهر بهذا كله أن الحديث ضعيف من وجهين :
لكونه من رواية ابن عياش عن غير أهل بلده، ولجهالة حميد بن أبى سوية المكى. وفى فضل الدعاء عند استلام الركن
اليمانى عن ابن عباس ، قال: قال رسول الله مزيفة: ما مررت بالركن اليمانى إلا وعنده ملك ينادى يقول: آمين ، آمين،
فإذا مررتم به فقولوا: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقناعذاب النار، أخرجه أبو ذر. قال الطبرى: ولا
تضاد بين الحديثين يعنى حديث ابن عباس وحديث أبى هريرة ، فإن السبعين موكلون به لم يكلفوا قول آمين دائما وإنما
عند سماع الدعاء، والملك كلف أن يقول آمين دائما سواء سمع دعاء أو لم يسمعه، وعن على بن أبى طالب أنه كان إذا مر
بالركن اليمانى قال: بسم الله الله أكبر، السلام على رسول اللّه مَّم ورحمة الله وبركاته، اللهم إنى أعوذ بك من الكفر
والفقر والذل ومواقف الخزى فى الدنيا والآخرة ، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وجاء
ذلك عن النبي ◌ٍَّ مرسلا لابن المسيب بإسناد ضعيف أخرجهما الأزرقى.
٢٦١٥ - قوله (من طاف بالبيت سبعا) أى سبع مرات من الأشواط (ولا يتكلم إلا بسبحان الله) هو واجب
النصب فمحله مجرور (والحمد لله) مرفوع على الحكاية (ولا حول) عن معصيته (ولا قوة) على طاعته (محيت) بته
التأنيث فى جميع النسخ وهكذا وقع فى ابن ماجه (عشر سيئات) أى بكل خطوة أو بكل كلمة أو بالمجموع (وكتب)
بالتذكير فى جميع النسخ وكذا فى المتقى أى أثبت. وفى ابن ماجه («كتبت، بالتأنيث وهكذا وقع فى الترغيب النذرى
(ورفع له) بالتذكير فى جميع النسخ وكذا فى ابن ماجه (ومن طاف فتكلم) أى بتلك الكلمات (وهو فى تلك الحال) أى
١٣١

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٤ - باب الوقوف بعرفة
خاض فى الرحمة برجليه كخائض المك برجليه. رواه ابن ماجه.
(٤) باب الوقوف بعرفة
الفصل الأول )
٢٦١٦ - (١) عن محمد بن أبى بكر الثقفى، أنه سأل أنس بن مالك،
فى حالة الطواف، وإنما كرر ((من طاف)» ليناط به غير ما نيط به أولا، وليبرز المعقول فى صورة المشاهد المحسوس
قاله الطبي. وقال الشيخ الدهلوى فى اللعات بعد ذكر كلام الطبي: ويمكن أن يكون معناه تكلم بكلام الناس دون
ما ذكر من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير مقابلا لقوله ((ولا يتكلم إلا بسبحان الله) أى لا يتكلم إلا بذكر الله فيكون
مقابله أن يتكلم بغير ذكر الله، ومع ذلك يكون له ثواب لكنه يكون كالخائض فى الرحمة برجليه وأسفل بدنه لكونه عاملا
وعابدا به ولا يبلغ الرحمة إلى أعلاه لكونه متكلما بغير ذكر الله، وإذا لم يتكلم إلا بذكر الله يستغرق فى بحر الرحمة من
قدمه إلى رأسه ومن أسفله إلى أعلاه، هكذا يختلج فى القلب معنى الحديث - انتهى. وهكذا حمل السندى وابن حجر
الهيتمى قوله ((ومن طاف فتكلم، على الكلام المباح فقال ابن حجر: أى من تكلم بغير ذلك الذكر من الكلام المباح، وفيه
الإشارة بأن الثواب الحاصل دون الأول بواسطة تكلمه فى طوافه بغير الذكر ، لأن ذلك مناف لكمال الأدب وإيقاع
العبادة بغير وجهها - انتهى. قال القارى: والأول أى كلام الطيبى أظهر لأنه قد تقدم نهيه عليه الصلاة والسلام عن
الكلام المباح بقوله فلا يتكلمن إلا بخير فيكون مكروها (إلى آخر ما قال) ثم قال: وأقول - والله تعالى أعلم - إن الظاهر
المتبادر فى معناه أن يقال ومن طاف فتكلم أى بغير هذه الكلمات كسائر الأذكار فيفيد التقييد حينئذ زيادة مثوبات هذه.
الكلمات فإنهن الباقيات الصالحات - انتهى (رواه ابن ماجه) قد تقدم أن حديث أبى هريرة هذا وحديثه الأول المذكور
هنا ساقهما ابن ماجه بإسناد واحد، وكان الأولى للمؤلف أن يقول بعد ذكر هما «رواهما ابن ماجه))، وفى ذكر الله فى
الطواف وفضل الطواف أحاديث ذكرها الشوكانى فى النيل والطبرى فى القرى والقارى فى المرقاة وغيرهم فى كتب المناسك ،
فمن شاء الوقوف رجع إليها .
(باب الوقوف) أى الحضور (بعرفة) أى ولو ساعة فى وقت الوقوف. قال الطيبي: هى اسم لبقعة معروفة -
انتهى. فالجمع فى قوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات - ٢: ١٩٨ ) باعتبار أجزائها وأماكنها وتعدد محال الوقوف
فيها، وتقدم وجه تسميتها بها، وارجع لمعرفة حدها والمسافة بينها وبين مكة إلى شفاء الغرام وغيره من الكتب المؤلفة
فی تاريخ مکد.
٢٦١٦ - قوله (عن محمد بن أبى بكر الثقفى) نسبة إلى ثقيف، بالمثلثة والقاف ، قبيلة بالطائف. وهو محمد بن
١٣٢

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٤ - باب الوقوف بعرفة
وهما غاديان من منى إلى عرفة: كيف كنتم تصنعون فى هذا اليوم مع رسول اللّه منه؟ فقال:
كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر منا فلا ينكر عليه.
أبی بکر بن عوف بن رباح الثقفى الحجازى ثقة تابعی. قال الحافظ فى تهذيب التهذيب : روی عن أنس فى التهليل
والتكبير فى الغدو من منى إلى عرفات، وعنه موسى بن عقبة ومالك وشعبة وغيرهم. قال النسائى ثقة ، وقال العجلى:
مدنى تابعى ثقة - انتهى مختصرا. وقال فى شرح البخارى: ليس لمحمد المذكور فى الصحيح عن أنس ولا غيره غير هذا الحديث
الواحد، وقد وافق أنسا على روايته عبد الله بن عمر أخرجه مسلم (وهما غاديان) جملة اسمية حالية، و ((غاديان)) بالغين
المعجمة اسم فاعل من غدا يغدو غدوا، أى ذاهبان غدوة (كيف كنتم تصنعون) أى من الذكر فى الطريق (فى هذا اليوم مع
رسول اللّه ◌َبَع) ولمسلم من طريق موسى بن عقبة عن محمد بن أبي بكر: قلت الأنس غداة عرفة: ما تقول فى التلبية فى
هذا اليوم؟ (فقال) أى أنس (كان يهل) أى يلبي (منا المهل) أى المابى أو الحرم (فلا ينكر عليه ويكبر المكبر منا فلا
ينكر عليه) قال العينى: قوله ((لا ينكر، على صيغة المعلوم فى الموضعين والضمير المرفوع فيه النبي مَّه - انتهى. وضبطه
الحافظ فى الفتح بضم أوله على البناء للمجهول، أى لا ينكر عليه أحد فيفيد التقرير منه مَّه والإجماع السكوتى من الصحابة
رضى الله عنهم. قال الحافظ: فى رواية موسى بن عقبة «فنا المكبر ومنا المهلل، ولا يعيب أحدنا على صاحبه)) وفى
حديث ابن عمر من طريق عبد الله بن أبى سلمة عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه: غدونا مع رسول الله مُؤثّم من
منى إلى عرفات منا الملي ومنا المكبر، وفى رواية له قال يعنى عبد الله بن أبى سلمة: فقلت له يعنى لعبيد الله: عجبا لكم
كيف لم تقولوا له: ماذا رأيت رسول اللّه مَّ يصنع؟ قال الحافظ: وأراد عبد الله بن أبى سلمة بذلك الوقوف على
الأفضل، لأن الحديث يدل على التخيير بين التكبير والتلبية من تقريره لهم مؤثّ على ذلك فأراد أن يعرف ما كان يصنع
هو ليعرف الأفضل من الأمرين وقد بينه ما رواه أحمد وابن أبى شيبة والطحاوى من طريق مجاهد عن أبى معمر عن
عبد الله أى ابن مسعود: خرجت مع رسول اللّه ◌َيّ فا ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة إلا أن يخلطها بتكير. قال
النووى: فى الحديث دليل على استحباب التلبية والتكبير فى الذهاب من منى إلى عرفات يوم عرفة والتلبية أفضل. وفيه رد على
من قال بقطع التلبية بعد صبح يوم عرفة. وقال الطبي: هذا رخصة ولا حرج فى التكبير بل يجوز كسائر الأذكار، ولكن
ليس التكبير فى يوم عرفة من سنة الحجاج، بل السنة لهم التلبية إلى رمى جمرة العقبة يوم النحر، وحكى المنذرى أن بعض
العلماء أخذ بظاهره لكنه لا يدل على فضل التكبير على التلبية، بل على جوازه فقط، لأن غاية ما فيه تقريره موز ع على
التكبير، وذلك لا يدل على استحبابه، فقد قام الدليل الصريح على أن التلبية حينئذ أفضل لمداومته مَ لَّم عليها. وقال
العينى: التكبير المذكور نوع من الذكر أدخله الملي فى خلال التلبية من غير ترك التلبية ، لأن المروى عن الشارع أنه
١٣٣

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٤ - باب الوقوف بعرفة
متفق عليه .
٢٦١٧ - (٢) وعن جابر، أن رسول اللّه مَّ قال: نحرت ههنا ومنى كلها منحر، فانحروا فى
رحالكم،
لم يقطع التلبية حتى رمى جمرة العقبة. وقال الخطابي: السنة المشهورة فيه أن لا يقطع التلبية حتى يرمى أول حصاة من جمرة
العقبة يوم النحر، وعليها العمل. وأما قول أنس هذا فقد يحتمل أن يكون تكبير المكبر منهم شيئا من الذكر يدخلونه فى
خلال التلبية الثابتة فى السنة من غير ترك التلبية - انتهى. قلت: حديث عبد الله بن مسعود المذكور سابقا نص فيما قاله
العينى والخطابى. وقد ترجم البخارى لحديث أنس فى العيدين («باب انتكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة، قال الحافظ:
قوله ((ويكبر المكبر فلا ينكر عليه)) هذا موضع الترجمة وهو متعلق بقوله فيها «وإذا غدا إلى عرفة)، وظاهره أن أنا
احتج به على جواز التكبير فى موضع التلبية ، ويحتمل أن يكون من كبر، أضاف التكبير إلى التلية - انتهى. قلت: بل
هذا هو المتعين لما سيأتى، ثم ترجم البخارى لحديث أنس أيضا فى الحج «باب التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفة))
قال الحافظ: أى مشروعيتهما ، وغرضه بهذه الترجمة الرد على من قال: يقطع المحرم التلبية إذا راح إلى عرفة، ثم عقد
بعد أربعة عشر بابا «باب التلبية والتكبير غداة النحر حتى يرمى)). قال الحافظ: المعتمد أنه أشار إلى ما ورد فى بعض
طرقه كما جرت به عادته ، فعند أحمد (ج ١: ص ٤١٧) وابن أبي شيبة والطحاوى من طريق مجاهد عن أبى معمر عن
عبد الله: خرجت مع رسول الله مؤ لّه فا ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة إلا أن يخلطها بتكبير (متفق عليه) أخرجه
البخارى فى العيدين وفى الحج، ومسلم فى الحج، وأخرجه أيضا مالك وأحمد والنسائي وابن ماجه والدارمى والبيهقى
(ج ٥ : ص ١١٧).
٢٦١٧ - قوله (نحرت ههنا) إشارة إلى مكان مخصوص فى منى نحر فيه، وكذا فى عرفات وجمع، والجمع على
المزدلفة، والظاهر أنه قال كلا من هذه الكلمات فى مكانه وجمعها الراوى كذا فى اللعات . وقال ابن حجر: نحرت ههنا.
أى فى محل نحره المشهور، وقد بنى عليه بناءان كل منهما يسمى مسجد النحر، أحدهما على الطريق والآخر منحرف
عنها. قيل: وهو الأقرب من الوصف الذى ذكروه بمحل نحره عليه الصلاة والسلام (ومنى) مبتدأ (كلها) أى كل
مواضعها، تأكيد (منحر) أى محل نحر، وهو خبر المبتدأ ، والمقصود أن النحر لا يختص بمنحره عليه الصلاة والسلام
وهو قريب من مسجد الخيف. قال الشوكانى: قوله «منى كلها منحر، يعنى كل بقعة منها يصح النحر فيها، وهو متفق عليه
لكن الأفضل النحر فى المكان الذى نحر فيه النبى معَثة، كذا قال الشافعى، ومنحر النبي ◌َوضع هو عند الجمرة الأولى التى
على مسجد منى، كذا قال ابن التين. وحد منى من وادى محسر إلى العقبة (فانحروا فى رحالكم) المراد بالرحال المنازل.
١٣٤

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٤ -باب الوقوف بعرفة
ووقفت ههنا وعرفة كلها موقف، ووقفت ههنا وجمع كلها موقف. رواه مسلم.
٢٦١٨ - (٣) وعن عائشة، قالت: إن رسول اللّه عَلّم قال: ما من يوم أكثر من أن يعتق الله.
فيه عبدا من النار من يوم عرفة ،
قال أهل اللغة: رحل الرجل منزله سواء كان من حجر أو مدر أو شعر أووبر، ومعنى الحديث: كل منى موضع نحر
وذمج الهدايا المتعلقة بالحج فلا تكلفوا النحر فى موضع نحرى، بل يجوز لكم النحر فى منازلكم من منى (ووقفت ههنا) أى
قرب الصخرات (وعرفة كلها موقف) أى يصح الوقوف فيها إلا بطن عرنة، وقد أجمع العلماء على أن من وقف فى أى
جزء كان من عرفات صح وقوفه، ولها أربعة حدود: حد إلى جادة طريق المشرق، والثانى إلى مسافات الجبل الذى
وراء أرضها ، والثالث إلى البساتين التى تلى قرنيها على يسار مستقبل الكعبة. والرابع وادى عرنة وليست هى ولا نمرة
من عرفات ولا من الحرم (ووقفت مهنا) أى عند المشعر الحرام بمزدلفة، وهو البناء الموجود بها الآن ، قاله القارى
(وجمع) أى المزدلفة ( كلها موقف) أى إلا وادي محسر، قال النووى: فى هذه الألفاظ بيان رفق الذي تحد ◌ّم بأمته
وشفقته عليهم فى تنبيههم على مصالح دينهم ودنياهم فإنه مَّم ذكر لهم الأكل والجائز، فالأكمل موضع نحره ووقوفه،
والجائز كل جزء من أجزاء المنحر، وجزء من أجزاء عرفات، وجزء من أجزاء المزدلفة وهى جمع - بفتح الجيم وإسكان
الميم - وقد سبق بيانها (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والبيهقى (ج ٥: ص ١١٥).
٢٦١٨ - قوله (ما من يوم) من زائدة (أكثر) بالنصب وقيل بالرفع (من) زائدة أيضا (أن يعتق الله فيه عبدا)
زاد فى رواية النسائى(أو أمة، قال السندى فى حاشية النسائى: قوله «أكثر من أن يعنق، أى أكثر من جهة الإعتاق وبملاحظته،
ليست هذه من تفضيلية وإنما التفضيلية من التى فى قوله ((من يوم عرفة)) (من النار) متعلق بعتق (من يوم عرفة) أى بعرفات.
قال الطبي: ما بمعنى ليس، واسمه (يوم)، و((من)، زائدة - انتهى. قال القارى: فتقديره: ما من يوم أكثر إعتاقا فيه الله
عبدا من النار من يوم عرفة - انتهى. وقال السندى فى حاشية ابن ماجه: ((أكثر)) جاء بالنصب على أنه خبر ما العاملة
على لغة أهل الحجاز، وبالرفع على إبطال عمل ما وعلى الوجهين ((أن يعتق، فاعل اسم التفضيل ، ويحتمل على تقدير الرفع
أن يجعل ((أن يعتق، مبتدأ خبره ((أكثر)) والجملة خبر ((ما) وتجويز فتحة ((أكثر)، على أنه صفة يوم محمول على لفظه إلا أنه
جر بالفتحة لكونه غير منصرف، وتجويز رفعه على أنه صفة له حمل له على محله أو على أنه خبر لما بعده والجملة صفة، فذاك
يجوج إلى تقدير خبر مثل موجود بلا حاجة إليه - انتهى. وقال الأبى: ما نافية وتدخل على المبتدأ والخبر، والعرب
فيها مذهبان، فالحجازيون (والتهاميون والنجديون) يرفعون بها المبتدأ الاسم وينصبون الخبر، والتميميون يرفعون بها
الاسمين. قال النووى: روينا الحديث بنصب أكثر على أن ما حجازية، وبرفعه على أنها تميمية ومن زائدة، والتقدير
١٣٥
.

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٤ - باب الوقوف بعرفة
وإنه ليدنو ثم يباهى بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟. رواه مسلم.
((ما يوم أكثر)) والمجروران بعده مبينان، فمن يوم عرفة، مبين للا كثرية مما هى، و((من أن يعتق)) مبين البين. قال:
والحديث ظاهر الدلالة فى فضل يوم عرفة وهو كذلك. ولو قال رجل ((امرأتى طالق فى أفضل الأيام، فلأ صحابنا
وجهان: أحدهما تطلق يوم الجمعة لقوله مَّ ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، والثانى وهو الأصح أنها تطلق
يوم عرفة لهذا الحديث ، ويتأول حديث يوم الجمعة على أن معناه أنه أفضل أيام الأسبوع. قيل: الحديث يدل على
فضل يوم عرفة لا على أنه أفضل لما ثبت من أن المفضول قد يختص بخاصية ليست فى الأفضل ولا يكون بسبب تلك
الخاصية أفضل، فأكثرية العنق فيه لا تدل على أنه أفضل. وأيضا فإنما دل على أنه لا يكون العتق فى غيره أكثر،
وذلك لا يدل على نفى المساواة إلا أن يضاف إلى ذلك ما يقع فيه من المباهاة ، سلمنا أن أكثرية العتق تدل على أنه
أفضل، لكن أفضل من الأيام التى يقع فيها العتق ، لا أنه أفضل الأيام مطلقا، فتأمل (وإنه) أى سبحانه وتعالى
(ليدنو) قال المازري: أى تدنو رحمته وكرامته لا دنو مسافة ومماسة، وقال القاضى: وقد يريد دنو الملائكة إلى الأرض
أو إلى السماء بما ينزل معهم من الرحمة عن أمره سبحانه وتعالى. وقال النوربشتى: أى يدنو منهم فى موقفهم بفضله ورحمته
وفى تخصيص لفظ الدنو تنبيه على كمال القرب لأن الدنو من أخص أوصاف القرب (ثم يباهى بهم) أى بالحجاج (الملائكة)
قال بعضهم : أى يظهر على الملائكة فضل الحجاج وشرفهم. وقال النوربشتى: المباهاة هو المفاخرة وهى موضوعة
للخلوقين فيما يترفعون به على أكفاءهم ، وتعالى الله الملك الحق عن التعزز بما اخترعه ثم تعبده، وإنما هو من باب المجاز
أى يحلهم من قربه وكرامته بين أولئك الملا محل الشقى المباهى به. ويحتمل أن يكون ذلك فى الحقيقة راجعا إلى أهل عرفة
أى ينزلهم من الكرامة منه منزلة يقتضى المباهاة بينهم وبين الملائكة ، وإنما أضاف العمل إلى نفسه تحقيقا لكون ذلك عن
موهبته، والله أعلم . انتهى. قلت: الحديث محمول على ظاهره من غير تأويل وتكييف كما هو مذهب السلف الصالح فى
النزول والعلو وغيرهما من الصفات من إمرارها على ظاهرها وتفويض الكيفية إلى علمه سبحانه وتعالى، فالدنو والمباهاة
معناهما معلوم ، والكيفية مجهولة، فنقول: إنه تعالى يدنو من عباده عشية عرفة بعرفات ويباهى بهم الملائكة كيف يشاء
(فيقول: ما أراد هؤلاء؟) قال القارى: أى أى شئ أراد هؤلاء حيث تركوا أملهم وأوطانهم وصرفوا أموالهم وأتعبوا
أبدانهم أى ما أرادوا إلا المغفرة والرضاء والقرب واللقاء، ومن جاء هذا الباب لا يخشى الرد ، أو التقدير: ما أراد
هؤلاء فهو حاصل لهم ودرجاتهم على قدر مراداتهم ونياتهم. أو أى شئى أراد هؤلاء؟ أى شيئا سهلا يسيرا عندنا إذ
مغفرة كف من التراب لا يتعاظم عند رب الأرباب- انتهى. قال الأبى: لما كان الاستفهام على الله تعالى محالا
تأولوه بذلك، ويحتمل أنه استنطاق (رواه مسلم) وأخرجه أيضا النسائى وابن ماجه والحاكم (ج ١: ص ٤٦٤) والبيهقى
(ج ): ص ١١٨).
١٣٦

المفاتيح ج ٩
مر عاة
١٠ - كتاب المناسك
٤ - باب الوقوف بعرفة
الفصل الثانى ):
٢٦١٩ - (٤) عن عمرو بن عبد الله بن صفوان، عن خال له يقال له: يزيد بن شيبان. قال: كنا
فى موقف لنا بعرفة يباعده عمرو من موقف الامام جدا، فأتانا ابن مربع الأنصارى، فقال: إنى رسول
رسول اللّه وَيّ إليكم، يقول لكم: قفوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم عليه السلام.
٢٦١٩ - قوله (عن عمرو بن عبد الله بن صفوان) هو عمرو بن عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحى المكى
مدوق شریف من التابعین ، روی عن یزید بن شیان و عبد الله بن السائب المخزومی وغيرهما. وروى عنه عمرو بن
دينار وغيره. قال الزبير عن بعض أصحابه: توالى خمسة فى الشرف فذكر جماعة ، عمرو فيهم، وذكره ابن حبان فى
الثقات ، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. وقال الزبير: كان له رقيق يتجرون ، فكان ذلك يعينه على مكارمه (يزيد بن
شيان) الأزدى ، ويقال الديلى، صحابى ، له عند الأربعة هذا الحديث الواحد. قال أبو حاتم : هو خال عمرو بن
عبد الله بن صفوان المذكور. وقال البخارى: له رؤية (قال) أى يزيد ( كنا فى موقف لنا) أى لآ بائنا وأسلافنا كانوا
يقفون فى الجاهلية (يباعده عمرو) أى يباعد ذاك المكان عمرو بن عبد اللّه (من موقف الامام) يعنى يجعله بعيدا فى وصفه
إياه بالبعد، والتباعد والمباعدة بمعنى التبعيد وبه ورد التنزيل (ربنا باعد بين أسفارنا - ٣٤: ١٩ ) وهذا قول الراوى
عن عمرو بن عبد الله وهو عمرو بن دينار يعنى قال عمرو: كان بين ذلك الموقف وبين موقف إمام الحاج مسافة بعيدة
(جدا) نصب على المصدر أى جد فى التبعيد جدا . وقال القارى: أى يجد جدا فى التبعيد أى بعدا كثيرا، فهو متصل بقوله
(ياعده، متأخر عن متعلقه، فإما على كونه مصدرا أى يبعده تبعيداجدا أى كثيرا أو على الحالية (فأتانا ابن مربع) بكسر الميم
وسكون الراء المهملة بعدها موحدة مفتوحة مخففة، كذا ضبطه الحافظ فى التقريب والطبرى فى القرى والمصنف فى الاكمال
والمنذرى فى مختصر السنن، ووقع فى الإصابة والاستيعاب وأسد الغابة والتجريد «ابن مريع)، أى بالياء التحتية، والظاهر أنه
خطأ من الناسخ، وهو زيد بن مربع بن قيظى - بفتح القاف وسكون التحنانية بعدها ظاء - مشالة الأنصارى الأوسى من
بنى حارثة. وقيل اسمه يزيد، وقيل عبد اللّه، والأول أكثر. قال الحافظ: صحابى، أكثر ما يجثى مبهما أى غير مسمى
عداده فى أهل الحجاز، له هذا الحديث الواحد (يقول لكم) أى رسول الله تَفي (قفوا) بكسر القاف أمر من وقف
يقف (على مشاعركم) جمع مشعر، والمراد منها ههنا مواضع النسك والعبادة من قولك: شعرت بالشئى أى علمته، ومنه
(ليت شعرى، أى لينى أعلم هل يكون كذا وكذا ويسمى كل موضع من مواضع النسك مشعرا لأنه معلم لعبادة الله . وفى
رواية ((كونوا على مشاعركم، أى اثبتوا فى مواضع نسككم ومواقفكم القديمة (فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم عليه
السلام) علة للأمر بالاستقرار والتثبت على الوقوف فى مواقفهم القديمة، علل ذلك بأن موقفهم موقف إبراهيم ورثوه
١٣٧

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٤ - باب الوقوف بعرفة
رواه الترمذى، وأبو داود، والنسائى، وابن ماجه.
٢٦٢٠ - (٥) وعن جابر، أن رسول اللّه مَّيَّى قال: كل عرفة موقف، وكل منى منحر، وكل
المزدلفة موقف، وكل جاج مكة طريق ومنحر. رواه أبو داود، والدارمى.
منه، ولم يخطئُوا فى الوقوف فيه عن سنته، فإن عرفة كلها موقف، والواقف بأى جزء منها آت بسنته ، متبع لطريقته،
وإن بعد موقفه عن موقف النبي مَّةٍ، قاله الطبي. وقال السندى: إرساله مَّ الرسول بذلك لتطبيب قلوبهم لئلا
يتحزنوا بعدهم عن موقف رسول الله تَّ ويرواذلك نقصا فى الحج، أو يظنوا أن ذلك المكان الذى هم فيه ليس بموقف
ويحتمل أن المراد بيان أن هذا خير مما كان عليه قريش من الوقوف بمزدلفة، وأنه شئ اخترعوه من أنفسهم ، والذى
أورثه إبراهيم هو الوقوف بعرفة، وقال التور بشتى: أعلم النبي مَّه من وقف بها أنهم لم يخطئوا سنة خليل الله وأنهم على
منهاجه، وأن من بعد موقفه عن موقف النبي تَّ كمن دنا، وذلك منه لمعنين أحدهما تسفيه رأى من رأى فى الخروج
عن الحرم حرجا للوقفة ، والثانى إعلامهم بأن عرفة كلها موقف لثلا يتنازعوا فى مواقفهم ولا يتوهموا أن الموقف ما
اختاره مَّة، فلا يرون الفضل فى غيره فينتهى بهم ذلك إلى التشاجر وإلى قصور الحق باطلا، ولهذا قال: وقفت ههنا.
وعرفة كلها موقف (رواه الترمذى) وقال حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث ابن عيينة عن عمرو بن دينار ، وابن
مربع اسمه يزيد ، وإنما يعرف له هذا الحديث الواحد (وأبو داود) وسكت عنه، ونقل المنذرى تحسين الترمذى
وأقره (والنسائي وابن ماجه) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤: ص ١٣٧) وابن أبى شيبة والبيهقى (ج ٥: ص ١١٥) والحاكم
(ج ١: ص ٤٦٢) وصححه ووافقه الذهبي.
٢٦٢٠ - قوله (كل عرفة) أى جميع أجزائها ومواضعها (موقف) أى موضع وقوف للحج، زاد فى رواية مالك
وابن ماجه (وارتفعوا عن بطن عرنة، (وكل من منحر) أى موضع تحر وذبح للهدايا المتعلقة بالحج (وكل المزدلفة) قال
فى اللعات: المزدلفة أيضا على موضع مخصوص كعرفة ومنى، لكن أدخل عليها الألف واللام لأن العلم المشتق يجوز فيه
إدخال اللام وتر کها كما فى الحارث والحسن مثلا (موقف) فیه دليل على أن جمیع المزدلفة موقف، کما أن عرفات كلها
موقف وزاد فى رواية مالك وابن ماجه (وارتفعوا عن بطن محسر)) (وكل فجاج مكة) بكسر الفاء جمع فج وهو الطريق
الواسع (طريق ومنحر) أى يجوز دخول مكة من جميع طرتها وإن كان الأفضل الدخول إليها من الثنية العليا أى ثنية كداء
التى دخل منها النبى تَّم، ويجوز النحر فى جميع نواحيها لأنها من الحرم. والمقصود التوسعة ونفى الحرج، ذكره
الطبي. قال القارى: ويجوز ذبح جميع الهدايا فى أرض الحرم بالاتفاق إلا أن منى أفضل لدماء الحج، ومكة ولاسيما المروة
لدماء العمرة، ولعل هذا وجه تخصيصها بالذكر (رواه أبو داود والدارمى) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٣: ص ٣٢٦)
١٣٨

مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٤ - باب الوقوف بعرفة
٢٦٢١ - (٦) وعن خالد بن هوذة، قال: رأيت النبى مام يخطب الناس يوم عرفة على بعير قائما
فی الرکابین. رواه أبو داود.
والحاكم (ج ١: ص ١٦٠) والبيهقى (ج ٥: ص ١٢٢) وابن جرير، وروى مالك مرسلا وابن ماجه نحوه. والحديث
سكت عنه أبو داود والمنذرى وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي.
٢٦٢١ - قوله (وعن خالد بن هوذة) بفتح الهاء وسكون الواو بعدها ذال معجمة ثم تاء تانيث، وقوله ((عن
خالد بن هوذة، هكذا فى جميع نسخ المشكاة ، وكذا وقع فى المصابيح وهو خطأ، والصواب عن العداء بن خالد بن هوذة
فإن الحديث من مسند العداء بن خالد لا من مسند أبيه خالد بن هوذة ، فقد رواه أبو داود عن عثمان بن أبى شيبة عن
وكيع عن عبد المجيد أبى عمرو حدثنى العداء بن خالد بن هوذة قال: رأيت رسول الله م فلم يخطب. وكذا رواه عن عباس
ابن عبد العظيم عن عثمان بن عمر عن عبد المجيد أبى عمرو، وهكذا روى أحمد عن وكيع عن عبد المجيد ، وكذا وقع فى
جامع الأصول (ج ٤: ص ٦٦) الجزرى، والقرى (ص ٣٥٥) للحب الطبرى. والعداء - بفتح عين وشدة دال مهملة
وألف فهمزة - ابن خالد بن هوذة العامرى، قال الحافظ فى التقريب فى ترجمته: صحابى أسلم هو وأبوه جميعا وتأخر
وفاته إلى بعد المائة. وقال فى الإصابة: أسلم العداء بعد حنين مع أبيه، وللعداء أحاديث، وكأنه عمر، فإن عند أحمد
أنه عاش إلى زمن خروج يزيد بن المهلب فى سنة إحدى أو اثنتين ومائة فى أيام يزيد بن عبد الملك ، عداده فى أعراب
البصرة، وكان وفد على النبي ◌َّم فأقطعه مياها كانت لبنى عامر يقال لها الرخيخ - بخائين معجمتين مصغرا - وكان ينزل
بها. وذكر أبو زكريا بن مندة أنه آخر من مات من الصحابة بالرخيخ، وذكر هشام بن الكلبى العداء ووالده فى المؤلفة
قلوبهم. والعداء هو الذى ابتاع منه رسول اللّه مَ في العبد أو الأمة وكتب له العهدة، وقد ذكر المصنف قصة البيع
فى باب المنهى عنها من البيوع. وأما خالد بن موذة والد العداء فقال الحافظ فى الإصابة: خالد بن هوذة بن ربيعة
البكائى ويقال القشيرى ، جاء ذكره فى حديث ابنه العداء، فروى البارودى من طريق عبد المجيد أبى عمرو عن العداء بن
خالد، قال خرجت مع أبى فرأيت النبي ◌َّ يخطب. وقال الأصمعى عن أبى عمرو بن العلاء: أسلم العداء وأخوه
حرملة وأبوهما وكانا سيدى قومهما وبعث النبي مَّ إلى خزاعة يشرهم بإسلامهما (يخطب الناس) أى يعظهم ويعلهم
الماسك (يوم عرفة) بعد الزوال كما فى حديث جابر فى قصة حجة الوداع (على بعير قائما فى الركابين) حالان مترادفان
أو متداخلان. وقوله ((قائما، أى واقفا لا أنه قائم على الدابة، بل معناه حال كون الرجلين داخلين فى الركابين
(رواه أبو داود) وسكت عنه هو والمنذرى، وأخرجه أحمد (ج ٥: ص ٣٠) ورواه أحمد أيضا (ج ٥: ص ٣٠)
والطبرانى فى الكبير مطولا وأورد الهيثمى فى مجمع الزوائد (ج ٢: ص ٢٥٣) الروايتين وقال: رجال الطبرانى موثقون.
١٣٩

مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٤ - باب الوقوف بعرفة
٢٦٢٢ - (٧) وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبى معَ ي قال: خير الدعاء دعاء يوم
عرفة ،
١
٢٦٢٢ - قوله (خير الدعاء دعاء يوم عرفة) قال الشوكانى: قوله ((دعاء يوم عرفة)) رجح المزى جردعاء ليكون
قوله ((لا إله إلا الله)) خبراً لخير الدعاء ولخير ما قلت أنا والنبيون، ويؤيده ما وقع فى الموطأ من حديث طلحة بلفظ
((أفضل الدعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلى، لا إله إلا الله)) وما وقع عند العقيلى من حديث ابن عمر
((أفضل دعائى ودعاء الأنبياء قبلى عشية عرفة لا إله إلا الله) - انتهى. قلت: ويؤيده أيضا ما وقع عند أحمد من حديث
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: كان أكثر دعاء النبيِ مَّه يوم عرفة ((لا إله إلا الله، إلخ، ويؤيده أيضا
حديث على عند ابن أبى شيبة بلفظ «أكثر دعائى ودعاء الأنبياء قبلى بعرفة لا إله إلا الله)). وأما حديث طلحة فلفظه فى
الموطأ(أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة) قال الزرقانى: قوله ((أفضل الدعاء)) مبتدأ خبره ((دعاء يوم عرفة)) قال الباجى: أى
أعظمه ثوابا وأقربه إجابة، ويحتمل أن يريد به اليوم، ويحتمل أن يريد به الحاج خاصة ، وقال ابن عبد البر: يريد أنه
أكثر ثوابا، ويحتمل أن يريد أفضل ما دعابه، والأول أظهر، لأنه أورده فى تفضيل الأذكار بعضها على بعض. وفى الحديث
تفضيل الدعاء بعضه على بعض وتفضيل الأيام بعضها على بعض - انتهى. قال الطيبي: الإضافة فى قوله (دعاءيوم عرفة، إما بمعنى
اللام، أى دعاء يختص به، ويكون قوله ((وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلى لا إله إلا الله) بيانا لذلك الدعاء فإن، قلت: هو ثناء،
قلت: فى الثناء تعريض بالطلب، وإما بمعنى «فى، ليعم الأدعية الواقعة فيه - انتهى. وقال الطبرى: إنما سمى هذا الذكردعاء
ثلاثة أوجه، أحدها: ما تضمنه حديث سالم بن عبد الله أنه كان يقول بالموقف ((لا إله إلا الله، إلخ. وفيه ،ثم قال حدثنى
أبى عن أبيه عمر بن الخطاب عن النبى وَ ل قال: يقول الله من شغله ذكرى عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين)).
ووجهه أنه لما كان الثناء يحصل أفضل مما يحصل الدعاء أطلق عليه لفظ الدعاء لحصول مقصوده ، ويروى عن الحسين بن
الحسن المروزى قال: سألت سفيان بن عيينة عن أفضل الدعاءيوم عرفة فقال: لا إله إلا الله، إلخ. فقلت له: هذا ثناء وليس
بدعاء، فقال: أما تعرف حديث مالك بن الحارث؟ قال: يقول الله عز وجل: إذا شغل عبدى ثناؤه على من مسئلتى
أعطيته أفضل ما أعطى السائلين. قال: وهذا تفسير قول النبيِ مَّه. ثم قال سفيان: أما علمت ما قال أمية بن أبى
الصلت حين أتى عبد الله بن جدعان يطلب نائله؟ فقلت لا. فقال ، قال أمية :
حياؤك ، إن شيمتك الحياء
أ أذكر حاجتى أم قد كفانى
لك الحسب المهذب والثناء
وعلك بالحقوق وأنت فضل
إذا أثنى عليك المرأ يوما
کفاء من تعرضه الثناء
ثم قال: يا حسين هذا مخلوق يكتفى بالثناء عليه دون مسألة فكيف بالخالق؟ الوجه الثانى: معناه أفضل ما يستفتح
١٤٠