Indexed OCR Text
Pages 41-60
مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ٢ - باب قصة حجة الوداع كان النائب مسلما، وفيه استحباب تعجيل ذبح الهدايا وإن كانت كثيرة فى يوم النحر ولا يؤخر بعضها إلى أيام التشريق قاله النووى. وقد روى أبو داود عن على لما نحر رسول اللّه مَثيم بدنه فنحر ثلاثين بيده وأمرفى فتحرت سائرها، وفيه محمد بن إسحاق وقد عنعن ، وبه أعله المنذرى. وروى أبو داود أيضا عن غرفة (بغين معجمة مفتوحة وقيل مهملة وهو وهم، وقال الخزرجى: بضم أوله وإسكان ثانيه، وقال الفتى فى المغنى: بغين وراء وفاء مفتوحات) بن الحارث الكندى: شهدت رسول اللّه مَث فى حجة الوداع وأتى بالبدن فقال: ادعو لى أبا حسن، فدعى له على ، فقال: خذ بأسفل الحربة وأخذ رسول اللّه تَّ بأعلاها، ثم طعنا بها البدن، فلما فرغا ركب بغلته وأردف عليا، وجمع الو لى العراقى باحتمال أنه ژۍ انفرد بنحر ثلاثین بدقة، وهى التى ذكرت فی حدیث على، واشترك هو وعلی فی نحر ثلاث وثلاثين بدنة ، وهى المذكورة فى حديث غرفة، وقول جابر:(نحر ثلاثا وستين)) مراده كل ما له دخل فى تحره إما منفردا به أو مع مشاركة على، وجمع الحافظ بين حديثى على وجابر بأنه مَّ نحر ثلاثين ثم أمر علميا أن ينحر فنحر سبعا وثلاثين، ثم نحر حر ثه ثلاثا وثلاثين ، قال فإن ساغ هذا وإلا فما فى الصحيح أصح أى مع مشاركة على ليلثم مع حديث غرفة وإن لم يذكره. وقال عياض: الظاهر أنه مَّ نحر البدن التى جاءت معه من المدينة وكانت ثلاثا وستين كما رواه الترمذى، وأعطى عليا. البدن التى جاءت معه من اليمن وهى تمام المائة، وقال الطبرى بعد ذكر حديث غرفة: يجوز أن يكون هذا فى غير المائة المذكورة أو يكون فى الثلاثة والستين منها، وأضيف الفعل إليه مَةٍ لأن من مسك بأعلى الحربة كان هو المتمكن من النحر دون الآخر والله أعلم. وقد روى أنس أن النبى مَّ نحر فى حجته سبع بدنات أخرجه البخارى. وذكره ابن جزم وقال فى الجمع بين الأحاديث: يخرج هذا على وجوه، أحدها: أنه مؤ لّ لم ينحريده أكثر من هذه السبع وأمر من نحر ما بعد ذلك إلى ثلاث وستين بحضرته ثم غاب وأمر عليا بنحر ما بقى إما بنفسه أو بالإشراف على ذلك. الثانى: أن يكون أفس لم يشاهد إلا نحره مَّ سبعا فقط بيده وشاهد جابر تمام نحره مَّ الباقى فأخبر كل منهما بما رأى، الثالث: أنه تحر بيده منفردا سبع بدن ثم أخذ هو وعلى الحربة فنحرا كذلك تمام ثلاث وستين كما قال غرفة ابن الحارث الكندى، ثم انفرد على بنحر الباقى من المائة كما قال جابر. قال ابن القيم: فإن قيل: فكيف تصنعون بالحديث الذى رواه أحمد وأبو داود عن على، قال: لما نحر رسول الله مَّة بدنه فنحر ثلاثين بيده وأمرنى فنحرت سائرها.؟ قلنا: هذا غلط، انقلب على الراوى فإن الذى نحر ثلاثين هو على والنبي ◌َّ نحر سبعا يده لم يشاهده على ولا جابر ، ثم نحر ثلاثا وستين أخرى فبقى من المائة ثلاثون فنحرها على فانقلب على الراوى عدد ما نحره على بما نحره النبي مثله ، فإن قيل : فا تصنعون بحديث عبد الله بن قرط، قال: قرب لرسول اللّه تَوثّ بدنات خمس فطفقن يزدلفن إليه بأيهن يبدأ، الحديث أخرجه أبو داود وغيره، قيل: نقبله وقصدقه، فإن المائة لم تقرب إليه جملة، وإنما كانت تقرب إليه أرسالا فقرب منهن ٤١ مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠- كتاب المناسك ٢ - باب قصة حجة الوداع ثم أمر من كل بدنة بضعة جعلت فى قدر فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، ثم ركب رسول اللّه مَّة، فأفاض إلى البيت، إليه خمس بدنات رسلا ، وكان ذلك الرسل يبادرن ويتقربن إليه ليبدأ بكل واحدة منهن - انتهى. وقال الطبرى بعد ذكر وجوه الجمع المذكورة عن ابن حزم: ليس فى واحد من هذه الوجوه الثلاثة جمع بين الأحاديث الثلاثة، فإن الأول والثانى يخرج منهما حديث غرفة والثالث يخرج منه حديث جابر، والأولى أن يقال نحر سبعا منفردا، ثم تمام الثلاث والستين هو وعلى، ونسب الفعل إليه ◌َيّ لما ذكرناه، ثم أمر عليا بنحر ما بقى من المائة والله أعلم (ثم أمر من كل بدنة) أى من المائة (ببضعة) بفتح الباء الثانية أى بقطعة من لحمها. قال النووى: البضعة بفتح الباء لا غير وهى القطعة من اللحم. وقال الجوهرى: هذه بالفتح وأخواتها بالكسر مثل القطعة والفلذة والقدرة والكسفة والخرقة، وفى العدد تكسر وتفتح مذكرا كان أو مؤنثا (جعلت) أى القطع (فى قدر) بكسر القاف (فأكلا من لها) قال المظهرى: الضمير المؤنث يعود إلى القدر لأنها مؤنث سماعى. قال الطبى: ويحتمل أن يعود إلى الهدايا، قال النووى: قال العلماء: لما كان الأكل من كل واحدة سنة ، وفى الأكل من كل واحدة من المائة منفردة كلفة جعلت فى قدر أى جمعت فى قدر واحدة ليكون تناوله من مرق الجميع كالأكل من جميعها. ويأكل من اللحم المجتمع فى المرق ما تيسر. وفيه استحباب الأكل من الهدى والاضحية. وأجمع العلماء على أن الأكل من الهدى والأضحية سنة ليس بواجب، وقد استدل به على جواز الأكل من هدى المتعة والقران على القول بأنه كان متمتعا أو قارنا، وقد تقدم أن الأصح عند المحققين من الشافعية أنه وَّ كان قارنا فى آخره فيرد عليهم أنه كيف أكل من هداياه وكان فيها دم القران أيضا فلم يكن إذا كلها هدايا تطوع وأضحية، ولا يجوز الأكل من الهدى الواجب كهدى التمتع والقران والنذر فى مذهب الشافعى ؟ قال الطبرى : ولا حجة فى هذا الحديث عليهم ، إذ الواجب عليه سبع بدنة ويكون الأكل من حصة التطوع - انتهى ولا يخفى ما فيه من التعسف (فأفاض إلى البيت) أى أسرع إلى بيت الله ليطوف به طواف الإفاضة، ويسمى أيضا طواف الزيارة وطواف الفرض والركن. قال الطبرى: الافاضة الدفع فى السير، وقال ابن عرفة: أفاض من المكان إذا أسرع منه لمكان آخر، وقال غيره: أصل الإفاضة الصب فاستعير للدفع فى السير، وأصله أفاض نفسه أو راحلته فرفضوا ذكر المفعول حتى أشبه غير المتعدى. وطواف الإفاضة هو الذى يكون إثر الإفاضة من منى إلى مكة ويقال له أيضا طواف الزيارة وطواف الفرض. قال النووى: طواف الإفاضة ركن من أركان الحج بإجماع المسلمين وأول وقته عندنا من نصف ليلة النحر وأفضله بعد رمى جمرة العقبة وذبح الهدى والحلق، ويكون ذلك ضحوة يوم النحر ، ويجوز فى جميع يوم النحر بلا كراهة، ويكره تأخيره عنه بلا عذر، وتأخيره عن أيام التشريق أشد كراهة ، ولا يحرم تأخيره سنين متطاولة ولا آخر لوقته بل يصح مادام الإنسان حيا وشرطه أن يكون بعد الوقوف بعرفات، حتى لو طاف للإفاضة بعد نصف ٤٢ مرعاة المفاتيح ج ! ١٠ - كتاب المناسك ٢ - باب قصة حجة الوداع فصلى بمكة الظهر ، ليلة النحر قبل الوقوف ثم أسرع إلى عرفات فوقف قبل الفجر لم يصح طوافه لأنه قدمه على الوقوف - انتهى. وعند الحنفية أول وقت طواف الإفاضة بعد طلوع الفجر يوم النحر وهو فى يوم النحر الأول أفضل، ويمتد وقته إلى آخر العمر ، فإن أخره عن أيام النحر كره تحريما ووجب دم لترك الواجب وهذا عند الامكان كذا فى الدر المختار. وقال المحب الطبرى: قد دلت الأحاديث على استحباب وقوع طواف الإفاضة فى يوم النحر وأن يكون ضحوة النهار، وأول وقته عندنا الشافعية نصف الليل من ليلة النحر بدليل حديث أم سلمة أنها رمت الجمرة قبل الفجر ليلة النحر ثم مضت إلى مكة فأفاضت. وقال أبو حنيفة: أول وقته من طلوع الفجر ولا حد لآخر وقته عندنا ولا يجب بتأخيره عن أيام التشريق دم ، وبه قال أحمد، وقال مالك: إن تطاول الزمان فعليه دم، وقال مرة لا شئى عليه. وقال أبو حنيفة: إن أخره إلى اليوم الثالث من أيام التشريق وجب عليه الدم وهو خلاف قول الكافة - انتهى. قال القارى: وأكثر العلماء ومنهم أبو حنيفة لا يجوز طواف الإفاضة بنية غيره خلافا للشافعى حيث قال: لو نوى غيره كنذر أو وداع (أو تطوع أو قدوم) وقع عن الإفاضة - انتهى. واتفق العلماء على أنه لا يشرع فى طواف الإفاضة رمل ولا اضطباع إذا كان قد رمل واضطبع فى طواف القدوم (فصلى بمكة الظهر) قال النووى: فيه محذوف تقديره فأفاض فطاف بالبيت طواف الإفاضة ثم صلى الظهر، خذف ذكر الطواف لدلالة الكلام عليه - انتهى. واختلف أين على النبى مَّ الظهر يوم النحر؟ ففى رواية جابر هذه أنه صلى بمكة ، وكذا قالت عائشة عند أبي داود وغيره ، ولفظه عند أبى داود قالت : أفاض رسول الله مَّع من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى متى فمكث بها ليالى أيام التشريق، الحديث وسيأتى فى الفصل الثانى من باب خطبة يوم النحر ورمى أيام التشريق. وفى حديث ابن عمر فى الصحيحين أنه مرئية أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى. وقد ذكره المصنف فى باب الحلق نهذا تعارض فر جح ابن حزم فى كتاب حجة الوداع له قول عائشة وجابر وتبعه على ذلك جماعة بأربعة أوجه، أحدها : أنهما اثنان وهما أولى من الواحد وثانيها : أن عائشة أخص الناس به ولها من القرب والاختصاص ما ليس لغيرها، وثالثها: أن سياق جابر لحجته مرَّة من أولها إلى آخرها أتم سياق وهو أحفظ للقصة ، وضبطها حتى ضبط جزئياتها، حتى أقر منها ما لا يتعلق بالمناسك وهو نزوله فى الطريق فبال عند الشعب وتوضأ وضوء اخفيفا، فمن ضبط هذا القدرفهو يضبط صلاته الظهر يوم النحر أولى. ورابعها : أن حجة الوداع كانت فى آذار (وهو الشهر السادس فى السنة - يونيو أو حزيران - من الشهور الرومية الشمسية على ما قال صاحب القاموس: يستوى فيه الليل والنهار ولا يكون النهار أطول من الليل ، أو هو الشهر الثالث - مارس - بين شباط (فبراثر) ونيسان (أبريل) من الشهور الرومية الشمسية على ما قال غيره، ويكون فيه الليل أطول ٤٣ مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ٢ - باب قصة حجة الوداع من النهار) قد دفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس إلى منى وخطب بها الناس وتحربها بدنه المائة وقسمها وطبخ له من لحمها وأكل منه ورمى الجمرة وحلق رأسه وقطيب ثم أفاض وشرب من ماء زمزم ووق عليهم وهم يسقون، وهذه أعمال يظهر منها أنها لا تنقضی فی مقدار يمكن معه الرجوع إلى منی بحيث يدرك وقت الظهر فی فصل آذار ، ورجحت طائفة أخرى قول ابن عمر بأمور أربعة، أحدها: أنه لا يحفظ عنه فى حجته مَّ أنه صلى الفرض بجوف مكة بل إنما كان يصلى بمنزله بالمسلمين مدة مقامه، فكان يصلى بهم أين نزلوا لا يصلى فى مكان آخر غير المنزل العام، والثانى: أن حديث ابن عمر متفق عليه أى رواه الشيخان، وحديث جابر من أفراد مسلم التى انفرد بها عن البخارى ، تحديث ابن عمر أصح، فإن رواته أحفظ وأشهر، ولا تفاق الشيخين عليه، والثالث: أن حديث عائشة قد اضطرب فى وقت طوافه فروى عنها أنه طاف نهارا، وفى رواية لأحمد وأبي داود والترمذى عنها أنه يضع أخر الطواف إلى الليل (كما سيأتى) وفى رواية عند أبى داود عنها أنه أفاض أى طاف طواف الإفاضة من آخر يومه كما تقدم. والجمع وإن أمكن بين رواياتها الثلاث بأن قولها «إلى الليل)) أى إلى قربه بدليل قولها فى الرواية الثانية من آخر يومه، وذلك بالنهار، وهو الرواية الأولى فلم تضبط فيه وقت الإفاضة ولا مكان الصلاة فتقدم رواية من ضبط، والرابع: أن حديث ابن عمر أصح منه بلانزاع لأن حديث عائشة من رواية محمد بن إسحاق عن عبدالرحمن بن القاسم ولم يصرح بالسماع بل عنعن الحديث فلا يقدم على حديث عبدالله بن عمر، لأن رواته ثقات حفاظ مشامير، وجمع النووى بين حديث جابر وابن عمر بأنه وَيَّ طاف للإفاضة قبل الزوال ثم صلى الظهر بمكة أول الوقت، ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك فيكون متفلا بالظهر الثانية التى بمنى. قال: وما ورد عن عائشة وغيرها أنه أخر الزيارة يوم النحر إلى الليل فحمول على أنه عاد للزيارة مع نسائه لا لطواف الإفاضة ، كذا فى المواهب وشرحه الزرقانى. وقد بسط. ابن القيم الكلام فى ذلك فى الهدى بأكثر من هذا، من شاء فليراجعه، تنبيه: حديث ابن عمر المذكور كما عزاه الزرقانى إلى الصحيحين عزاه أيضا إليهما المجد بن تيمية والجزرى والمنذرى والمحب الطبرى وهو وهم منهم، فإن حديث ابن عمر هذا من أفراد مسلم لم يخرجه البخارى فى صحيحه، نعم قال فى باب ((الزيارة يوم النحر)): وقال لنا أبو نعيم: ثناسفيان عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر أنه طاف طوانا واحدا، ثم يقيل ثم يأتى منى يعنى يوم النحر. وهذا كما ترى موقوف على ابن عمر من فعله، وليس فيه ذكر صلاة الظهر ، ثم قال البخارى: ورفعه عبد الرزاق قال حدثنا. فعلقه ولم يذكر لفظه ، قال العينى: وصل هذا التعليق مسلم: أنبأنا محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن النبي مؤتمر أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى، وهكذا عزى حديث ابن عمر هذا إلى مسلم فقط الزيلعى فى نصب الراية والبيهقى فى معرفة السنن والسنن الكبرى والنابلسى فى ذخائر المواريث وكل ذلك دليل على أن حديث ابن عمر من أفراد مسلم ٤٤ مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ٢ - باب قصة حجة الوداع فأتى على بنى عبد المطلب يسقون مثل حديث جابر وعلى هذا فلا يصح ترجيح حديث ابن عمر على حديث جابر بأنه اتفق عليه الشيخان وهو الوجه الثانى من وجوه ترجيح حديث ابن عمر الأربعة المذكورة، هذا ، وقد تعقب القارى على ما جمع به النووى بين حديثى جابر وابن عمر بأنه لا يحمل فعله مريض على القول المختلف فى جوازه فيأول بأنه مزيفة صلى بمكة ركعتى الطواف وقت الظهر ورجع إلى منى فصلى الظهر بأصحابه، أو يقال: الروايتان حيث تعارضنا فقد تساقطتنا فتترجح صلاته بمكة لكونها فيها أفضل ، ثم قال متعقبا على التأويل الذى أول النووى به حديث عائشة أنه أخر الزيارة إلى الليل بأنه لا دلالة على التأويل المذكور لا لفظا ولا معنى، ولا حقيقة ولا مجازا مع الغرابة فى عرض كلامه إلى أنه عاد للزيارة فالأحسن أن يقال: معناه جوز تأخير الزيارة مطلقا إلى الليل أو أمر بتأخير زيارة نسائه إلى الليل - انتهى. وأجيب أيضا عن حديث عائشة فى تأخير ظواف الزيارة إلى الليل بأن أحاديث طواف الإفاضة يوم النحرنهارا أصح وأثبت فإنها مروية فى الصحيحين فترجح على ما يخالفها ، وبأن تحمل الأحاديث الدالة على الطواف نهارا على الطواف يوم النحر ، وحديث عائشة على الطواف فى بقية أيام النحر، وبما قال ابن حبان من أنه مر له رمى جمرة العقبة وتحر ثم تطيب للزيارة ثم أفاض فطاف بالبيت طواف الزيارة ثم رجع إلى منى فصلى الظهربها والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة بها، ثم ر کب إلى البيت ثانياً وطاف به طوافا آخر بالليل، فعلى هذا ما رواه أحمد عن عائشة أن رسول اللّه مَّم زار ليلا، إما أن يكون المراد به طواف الوداع أو طواف تطوع وزيارة محضة نافلة وقدروى البيهقى: أن رسول الله يؤتيه كان يزور البيت كل ليلة من ليالى منى، وروى الطبرانى أيضا نحوه وسيأتى مزيد الكلام فى حديث عائشة فى باب خطبة يوم النحر ورمى أيام التشريق حیث ذكره المصنف من رواية عائشة وابن عباس رضى الله عنهما ، وقیل أی فی وجه الجمع بين حديث جابر وابن عمر: يحتمل أنه مَّفتح صلى بمنى أيضا مقتديا خلف رجل من أصحابه وقال المحب الطبرى: الجمع بين الروايات كلها ممكن إذ يحتمل أن يكون صلى منفردا فى أحد الموضعين ثم مع جماعة فى الآخر أو صلى بأصحابه بمنى ثم أفاض فوجد قوما لم يصلوا فصلى بهم، ثم لما رجع وجد قوما آخرين لم يصلوا فصلى بهم لأنه مَ ئي لا يتقدمه أحد فى الصلاة، أو كرر الصلاة بمكة ومنى ليين جواز الأمرين فى هذا اليوم توسعة على الأمة ، ويجوز أن يكون أذن فى الصلاة فى أحد الموضعین نسب إليه وله نظائر - انتهى. والراجح عندنا فى الجمع بين حديثيهما هو ما ذكره النووى بأنه مر ئي طاف طواف الإفاضة قبل الزوال ثم صلى الظهر بمكة فى أول وقتها ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك فيكون متفلا بالظهر الثانية التى بمنى، وسيأتى شئى من الكلام فى ذلك فى شرح حديث ابن عمر فى باب الحلق (فأتى) أى بعد فراغه من طواف الإفاضة (على بنى عبد المطلب) هم أولاد العباس وجماعته لأن سقاية الحاج كانت وظيفته (يسقون) أى مر ٤٥ 1 مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ٢ - باب قصة حجة الوداع على زمزم، فقال: انزعوا بنى عبد المطلب، فلو لا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم. فناولوه دلوا فشرب منه . عليهم وهم ينزعون الماء من بئر زمزم ويسقون الناس (على زمزم) قال النووى: معنى قوله ((يسقون على زمزم)) أى يغرفون بالدلاء ويصبونه فى الحياض ونحوها ويسبلونه للناس وأما («زمزم» فهى البتر المشهورة فى المسجد الحرام بينها وبين الكعبة ثمان وثلاثون ذراعا، قيل سميت زمزم الكفرة مائها ، يقال ماء زمروم وزمزم وزمازم إذا كان كثيرا. وقيل لضم هاجر رضى الله عنها لمائها حين انفجرت وزمها إياه ، وقيل: لزمزمة جبريل عليه السلام وكلامه عند بجره إياها. وقيل إنها غير مشتقة ولها أسماء أخر ذكرتها فى تهذيب اللغات مع نفائس أخرى تتعلق بها، منها أن عليا رضى الله عنه قال خير بثر فى الأرض زمزم ، وشر بثر فى الأرض برهوت. قلت: أخرج الطبرانى فى الكبير من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام الطعم وشفاء السقم، وشر ماء على وجه الأرض ماء بوادى برهوت بقبة حضرموت كرجل الجراد من الهوام تصبح تتدفق وتمسى لا بلال فيها. "قال الهيشمى بعد عزوه للطبرانى: ورجاله ثقات وصححه ابن حبان. وبرهوت - بفتح الباء الموحدة والراء المهملة وضم الهاء وآخره تاء مثناة - بئر عتيقة بحضر موت لا يستطاع النزول إلى قعرها، ويقال: ((برهوت)) بضم الباء وسكون الراء (انزعوا) بكسر الزاى من النزع وهو الاستقاء. قال النووى: معناه: استقوا بالدلاء وانزعوها بالرشاء (بنى عبد المطلب) يعنى العباس ومتعلقيه بحذف حرف النداء. وفى حديث ابن عباس عند الشيخين ((أتى زمزم وهم يسقون عليها فقال: اعملوا فإنكم على عمل صالح» (فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم) قال النووي: معناه: لولا خوفى أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحج ويزد حمون عليه بحيث يغلبونكم ويدفعونكم عن الاستقاء لاستقيت معكم لكثرة فضيلة هذا الاستقاء - انتهى. وقيل: قال ذلك شفقة على أمته من الحرج والمشقة، والأول أظهر، وفيه بقاء هذه التكرمة لبنى العباس كبقاء الحجابة لبنى شيبة (فنا ولوه) أى أعطوه (فشرب منه) أى من الذلو أو من الماء. وفيه دليل على استحباب الشرب للناسك من ماء زمزم والإكثار منه. وذكر الواقدى أنه لما شرب صب على رأسه، وذكر أبو ذر فى منسكه عن على أن النبي ميزبين لما أفاض دعا بسجل من زمزم فتوضأ وأخرجه أحمد أيضا ، وقال: فدعا بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ، وأخرجه أيضا من حديث ابن عباس وفى رواية عنده أنهم لما نزعوا الدلو غسل منه وجهه وتمضمض فيه ثم أعادوه فيها ، وكذلك أخرجه سعيد بن منصور. قيل: ويستحب أن يشرب قائما ، واستدل لذلك بما روى البخارى من طريق عاصم عن الشعبي أن ابن عباس حدثهم قال: سقيت رسول اللّه تَثْ من زمزم فشرب وهو قائم. قال عاصم خلف عكرمة ما كان يومئذ إلا على بعير. وفى ٤٦ مرعاة المفاتيح ج٩ ١٠ - كتاب المناسك ٢ - باب قصة حجة الوداع رواه مسلم. الاستدلال بذلك على استحباب شرب ماء زمزم قائما نظر، لأنه يجوز أن يكون الأمر فيه على ما حلف عليه عكرمة، وهو أنه شرب وهو على الراحلة ، ويطلق عليه «قائم، ويكون ذلك مراد ابن عباسمن قوله «قائما، فلا یکون پنه وبین النهى عن الشرب قائما تضاد، ويجوز أن يحمل على ظاهره ويكون دليلا على إباحة الشرب قائما، يعنى أنه عليه الصلاة والسلام شربه قائما لبيان الجواز. وقبل أو لعذر به فى ذلك المقام من الطين أو الازدحام والله أعلم. فوائد: الأولى: أخرج أحمد وابن ماجه من حديث جابر مرفوعا (ماء زمزم لما شرب له)) وأخرجه الدار قطنى وزاد ((إن شربته تستشفى به شفاك الله، وإن شربته ليشبعك اشبعك الله، وإن شربته لقطع ظمئك قطعه الله، وهى هزمة جبريل وسقيا الله إسماعيل» وزوى أبو داود الطيالسى من حديث أبى ذر مرفوعا «إنها مباركة، إنها طعام طعم وشفاء سقم) وقد شربه جماعة من العلماء لمآرب فوجدوها ونالوها. الثانية: روى عن عائشة رضى الله عنها أنها كانت تحمل من ماء زمزم وتخبر عن النبي تُثل أنه كان يحمله، أخرجه الترمذى، وقال: حديث حسن غريب، والبيهقى والحاكموصححه، قال الشوكانى: فيه دليل على استحباب حمل ماء زمزم إلى المواطن الخارجة عن مكد. وأخرج الأزرقى عن ابن أبى حسين قال: بعث رسول الله مربّع إلى سهيل بن عمرو يستهديه من ماء زمزم فبعث إليه براويتين وجعل عليهما كرا غوطيا، قبل الكر جنس من الثياب الغلاظ ، وعن ابن عباس أن النبي مَثّ استهدى سهيل بن عمرو من ماء زمزم. ذكره الهيشمى وقال: رواه الطبرانى فى الكبير والأوسط ، وفيه عبد الله بن المؤمل المخزومى وثقه ابن سعد وابن حبان وقال يخطئى، وضعفه جماعة. الثالثة: عن ابن عباس أنه قال: إذا شربت من ماء زمزم فاستقبل القبلة، واذكر اسم الله تعالى، وتنفس وتضلع منها، فإذا فرغت فاحمد الله، فإن رسول الله مؤ ثى قال إن بيننا وبين الناس أى المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم، وعن عكرمة، قال: كان ابن عباس إذا شرب من زمزم قال: اللهم إنى أسألك علما نافعا ورزقا واسعا وشفاء من كل داء. أخرجهما الدار قطنى وابن ماجه. والتضلع الامتلاء حتى تمتد أضلاعه. وفى هذين الأمرين يان آداب شرب ماء زمزم (رواه مسلم) أى بطوله، وأخرجه أيضا أبو نعيم فى المستخرج على صحيح مسلم وأبو داود والدارمى وابن ماجه وابن الجارود فى المنتقى (رقم ٤٦٥ و ٤٦٩) والبيهقي (ج٥: ص ٧-٩) كلهم من طريق جعفر ابن محمد الصادق عن أبيه محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب، أبى جعفر الباقر، قال: دخلنا على جابر بن عبد الله فسأل عن القوم حتى انتهى إلى فقلت: أنا محمد بن على بن حسين فأهوى يده إلى رأسى فنزع زرى الأعلى ثم نزرع زرى الأسفل ثم وضع كفه بين ثديى وأنا يؤمئذ غلام شاب، فقال مرحبا بك يا ابن أخى، سل عم شئت، فسألته وهو أعمى وحضر وقت الصلاة فقام فى نساجة ملتحقا بها، كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه على المشجب، فصلى بنا، فقلت: أخبرنى عن حجة رسول اللّه تمثل فقال يده فعقد تسعا، فقال: إن ٤٧ مرعاة المفاتيح ج.٩ ١٠ - كتاب المناسك ٢ - باب قصة حجة الوداع. ٢٥٨٠ (٢) وعن عائشة، قالت: خرجنا مع النبى معَم فى حجة الوداع ، فنا من أهل بعمرة، ومنامن أهل بحج، فلما قدمنا مكة قال رسول اللّه مَّي: من أهل بعمرة ولم يهد فليحلل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما . رسول اللّه ◌ُؤثّ مكث تسع سنين لم يحج، الحديث. وأخرج القسم الأكبر منه أبو داود الطيالسى فى مسنده (رقم ١٦٦٨) وأحمد (ج ٣: ص ٣٢٠-٣٢١) وعبد بن حميد وابن أبى شيبة والبزار. وروى قطعا متفرقة منه مسلم وأبو داود والنسائى والترمذى والدارمى وابن ماجه، ومالك فى موطئه، ومن طريقه محمد فى موطئه، والشافعى والطحاوى فى شرح المعانى وفى مشكل الآثار، والطبرانى فى الصغير، والدار قطنى فى سننه، والحاكم فى المستدرك، والبيهقى، وأحمد فى مسنده ، وابن سعد فى الطبقات، وأبو نعيم فى الخلية . ٢٥٨٠ - قوله (وعن عائشة، قالت خرجنا) أى معاشر الصحابة (مع النبي تَّم فى حجة الوداع) وفى مسلم ((مع رسول اللّه ◌ُ حجة الوداع» والذى فى المشكاة موافق لما ذكره الجزرى فى جامع الأصول (فمنا من أهل بعمرة) أى مفردة، والمعنى: أحرم بها أو لي بها مقرونة بالنية (ومنا من أهل بحج) أى مفرد أو مقرون بعمرة (فلما قدمنا) أى كلنا (مكة قال رسول اللّه عَّ) وفى صحيح مسلم ((حتى قدمنا مكة فقال رسول الله مَّ، وكان قدومهم مكة صيحة الأحد رابع ذى الحجة (من أهل بعمرة ولم يهد) من الإهداء أى لم يكن معه هدى (فليحلل) بفتح الياء وكسر اللام، أى فليخرج من الاحرام بحلق أو تقصير (ومن أحرم بعمرة وأهدى) أى كان معه هدى (فليهل بالحج مع العمرة) التى أحرم بها ، والمعنى لا يحل من عمرته بل يدخل الحج فى العمرة ليكون قارنا فيه جواز إدخال الحج على العمرة (ثم لا يحل حتى يحل منهما) يعنى لا يخرج من الاحرام ولا يحل له شئى من المحظورات حتى يتم العمرة والحج جميعا. قال الولى العراقى فى شرح رواية عروة عن عائشة عند مسلم «فقال رسول الله مثل: من كان معه الهدى فليهل بالحج مع عمرته، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاء: قال المالكية والشافعية: هذه الرواية دالة على أن السبب فى بقاء من ساق الهدى على إحرامه حتى يحل من الحج كونه أدخل الحج على العمرة ، وأنه ليس السبب فى ذلك مجرد سوق الهدى فما يقوله أبو حنيفة وأحمد ومن وافقهما إن المعتمر المتمتع إذا كان معه هدى لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر وهم تمسكوا بقوله فى رواية عقيل عن الزهرى فى الصحيحين «فقال رسول الله مرثية: من أحرم بعمرة ولم يهد فليخلل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه)) الحديث. وهى ظاهرة فى الدلالة لمذهبهم، لكن تأولها أصحابنا على أن معناها: ومن أحرم بعمرة وأهدى فيهل بالحج ولا يحل حتى ينحر هديه. واستدلوا على صحة هذا التأويل برواية عروة عن عائشة المتقدمة، وقالوا: هذا التأويل متعين، لأن القضية واحدة والراوى واحد فيتعين الجمع بين الروايتين - انتهى. ٤٨ مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ٢ - باب قصة حجة الوداع وفى رواية: فلا يحل حتى يحل بنحر هديه. وذكر نحو ذلك الزرقانى فى شرح الموطأ فى شرح باب دخول الحائض مكة ، وقال المحب الطبرى (ص ٨٥) فى شرح حديث ابن عمر عند الشيخين بلفظ «فلما قدم النبي مَّم مكة قال للناس: من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شئى حرم عليه حتى يقضى حجته، ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت وبين الصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد، الحديث. قال الطبرى: قد تعلق أبو حنيفة بهذا الحديث واستدل له على ما ذهب إليه من أن المعتمر فى أشهر الحج، المرید الحج إذا كان معه الهدى، فلا يحل من عمرته ويبقى على إحرامه حتی يحج، ولا دلالة فيه، إذ يكون المراد به من جمع بين الحج والعمرة ويدل عليه ما سيأتى فى الفصل بعده - انتهى. يشير بذلك إلى ما روى عن عائشة قالت: وأما من ساق الهدى منهم فأدخل الحج على عمرته ولم يحل، أخرجه ابن حبان، وقال الشوكانى: استدل بما فى البخارى من حديث عائشة (من أحرم بعمرة فأهدى فلا يحل حتى ينحر، على أن من اعتمر فساق هديا لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر ، وتأول ذلك المالكية والشافعية على أن معناه: من أحرم بعمرة فأهدى فأهل بالحج، فلا يحل حتى ينحر هديه، ولا يخفى ما فيه من التعسف - انتهى. (وفى رواية) أى بدل قوله ثم لا يحل حتى يحل منهما (فلا يحل) بالنفى ويحتمل النهى (حتى يحل بنحر هديه) أى يوم النحر، فإنه لا يجوز له نحر الهدى قبله، وقوله ((حتى يحل بنحر هديه)) كذا فى المشكاة والمصابيح، وفى مسلم ((حتى ينحر هديه)) وفى جامع الأصول ((حتى يحل نحر هديه)) اعلم أن ههنا روايتين أوردهما مسلم فى صحيحه، الأولى: رواية عقيل عن ابن شهاب الزهرى عن عروة عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ◌ََّّ حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج حتى قدمنا مكة فقال رسول الله مؤثّم: من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه، ومن أهل بحج فليتم بحجه، قالت عائشة : فحضت ، .إلخ. والرواية الثانية: من طريق معمر عن الزهرى عن عروة عن عائشة قالت خرجنا مع النبي ميثة عام حجة الوداع فأحللت بعمرة ولم أكن سقت الهدى فقال النبي تَّم: من كان معه هدى فليهل بالحمج مع عمرته ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا، قالت فحضت، إلخ. وقد ظهر بهذا ما وقع فى سياق المشكاة تبعا للبغوى من الخلل. قال الطبي: قوله ((ومن أحرم بعمرة وأهدى، مع قوله «وفى رواية حتى يحل بنحر هديه)، دل على أن من أحرم بعمرة وأهدى لا يحل حتى يحل بتحر هديه (وبه قال أبو حنيفة وأحمد) وقال مالك والشافعى: يحل إذا طاف وسعى وحلق. والرواية الأولى أعنى قوله «فليل بالحج مع العمرة)) دلت على أنه أمر المعتمر بأن يقرن الحج بالعمرة فلا يحل إلا بنحر هذا الهدى فوجب حل هذه الرواية الثانية على الأخرى ، لأن القصة واحدة ـ انتهى. وقال النووى: قوله (أى فى رواية عقيل عن الزهرى عن عروة): من أحرم بعمرة وأهدى فلا يجل حتى ينحر هديه، هذا الحديث ظاهر فى الدلالة لمذهب أبى حنيفة وأحمد ٤٩ مرعاة المفاتيح ج٩ ١٠ - كتاب المناسك ٢ - باب قصة حجة الوداع ومن أهل بحج فليتم حجه. قالت: خضت، ولم أطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، وموافقيهما فى أن المعتمر المتمتع إذا كان معه هدى لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر. ومذهب مالك والشافعى وموافقيهما أنه إذا طاف وسعى وحلق حل من عمرته وحل له كل شئ فى الحال سواء كان ساق هديا أم لا . واحتجوا بالقياس على من لم يسق الهدى وبأنه تحلل من نسكه فوجب أن يحل له كل شتى كما لو تحلل المحرم بالحج، وأجابوا عن هذه الرواية بأنها مختصرة من الروايات التى ذكرها مسلم بعدها والتى ذكرها قبلها عن عائشة قالت ((خرجنا مع رسول الله مَثّ عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول اللّه تَّى: من كان معه هدى فليهلل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا، فهذه الرواية مفسرة للحذوف من الرواية التى احتج بها أبو حنيفة وتقديرها ((ومن أحرم بعمرة وأهدى فظيهلل بالحج ولا يحل حتى ينحر هديه، ولابد من هذا التأويل لأن القضية واحدة ، والراوى أى المخرج وهو عائشة واحد، فيتعين الجمع بين الروايتين على ما ذكرناه، والله أعلم - انتهى. وقد اتضح بهذا وبما ذكرنا قبل ذلك من كلام الولى العراقى أن السبب فى بقاء المعتمر الذى ساق الهدى على إحرامه عند الشافعية والمالكية هو إدخال الحج على العمرة لا مجرد سوق الهدى، واستدلوا لذلك برواية معمر ومن وافقه عن الزهرى عن عروة عن عائشة، وعند الحنفية والحنابلة مدار الحكم هو مجرد سوق الهدى ومستندهم رواية عقيل عن الزهرى، والراجح عندنا هو قول الحنابلة ومن وافتهم ظافر الروايات الصحيحة الصريحة بذلك، والله أعلم (ومن أهل بحج فليتم حجه) هذا بظاهره يقتضى أنه ما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة مع أن الصحيح الثابت برواية أربعة عشر من الصحابة هو أنه أمر لمن لم يسق الهدى بفسخ الحج وجعله عمرة حينئذ لابد من حمل هذا الحديث على من ساق الهدى، والأمر بالفسخ لمن لم يسق الهدى فلا منافاة، قاله السندى فى حاشية مسلم. وقد ذكرنا فى شرح حديث عائشة المتقدم فى باب الإحرام والتلبية أن قوله ((من أهل بحج، معناه أى وأهدى فظيتم حجه لثلا يخالف هذا الحديث لأحاديث فسخ الحج إلى العمرة (قالت فحضت) أى بسرف قبل دخول مکا کما صح عنها ، واتفقوا على أن ابتداء حيضها کان بسرف وذلك يوم السبت ثلاث خلون من ذى الحجة ، واختلفوا فى موضع طهرها، وسيأتى بان الاختلاف فيه (ولم أطف بالبيت) أى للعمرة، لأن الطهارة شرط للطواف أو واجب، ولأن الطواف فى المسجد والحائض ممنوع من الدخول فيه (ولا بين الصفا والمروة) أى ولم أسع بينهما. قال الطيبي: قوله (ولا بين الصفا والمروة)) عطف على المنفى قبله على تقدير ((ولم أسع)، نحو «علفتها تبنا وماء باردا، ويجوز أن يقدر ((ولم أطف» على المجاز لما فى الحديث (وطاف بين الصفا والمروة سبعة أشواط)) وإنما ذهب إلى التقدير دون الانسحاب لئلا يلزم استعمال الفظ الواحد حقيقة ومجازا فى حالة واحدة - انتهى. أى لأن حقيقة الطواف الشرعى لم توجد لأنها الطواف بالبيت، وأجيب أيضا بأنه سمى السعى طوانا على حقيقته اللغوية، فالطواف لغة المشى، قاله الزرقانى. وإنما لم تسع عائشة بين الصفا والمروة لأنه لا يصح السعى إلا بعد الطواف وإلا فالحيض لا يمنع السعى. مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ٢ - باب قصة حجة الوداع فلم أزل حائضا حتى كان يوم عرفة، قال ابن قدامة فى المغنى (ج ٢: ص ٣٩٤): أكثر أهل العلم يرون أن لا تشترط الطهارة للسعى بين الصفا والمروة. وممن قال ذلك عطاء ومالك والشافعى وأبو ثور وأصحاب الرأى. وكان الحسن يقول: إن ذكر قبل أن يحل فظيعد الطواف، وإن ذكر بعد ما حل فلا شئ عليه. ولنا قول النبى مَثّ لعائشة حين حاضت: اقضى ما يقضى الحاج غير أن لا تطوفى بالبيت. ولأن ذلك عبادة لا تتعلق بالبيت فأشبهت الوقوف. قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: إذا طافت المرأة بالبيت ثم حاضت سعت بين الصفا والمروة ثم نفرت، وروى عن عائشة وأم سلمة أنهما قالا: إذا طافت المرأة بالبيت وصلت ركعتين ثم حاضت فلتطف بالصفا والمروة. رواه الأثرم. والمستحب مع ذلك لمن قدر على الطهارة أن لا يسعى إلا متطهراً، وكذلك يستحب أن يكون ظاهرا فى جميع مناسكه. ولا يشترط أيضا الطهارة من النجاسة والستارة للسعى ، لأنه إذا لم تشترط الطهارة من الحدث وهى آ كد فغيره أولى. وقد ذكر بعض أصحابنا رواية عن أحمد: أن الطهارة فى السعى كالطهارة فى الطواف، ولا يعول عليه - انتهى. قال الباجى: إن السعى إنما يكون بأثر الطواف بالبيت فإذا لم يمكن الحائض الطواف بالبيت لم يمكنها السعى بين الصفا والمروة وإن لم تكن من شرطه الطهارة ، لأنه عبادة لا تعلق لها بالبيت ولو طرأ على المرأة الحيض بعد كمال الطواف يصح سعيها - انتهى. وقال ابن قدامة: السعى تبع للطواف لا يصح إلا أن يتقدمه طواف، فإن سعى قبله لم يصح، وبذلك قال مالك والشافعى وأصحاب الرأى. وقال عطاء يجزئه، وعن أحمد يجزئه إن كان ناسيا، وإن عمدا لم يجزئه سعيه لأن التى تؤئع لما سئل عن التقديم والتأخير فى حال الجهل والنسيان قال لا حرج، ووجه الأول أن النبي ◌َّ إنما سعى بعد طوافه وقد قال «لتأخذوا عنى مناسككم، فعلى هذا إن سعى بعد طوافه ثم علم أنه طاف بغير طهارة لم يعتد بسعيه ذلك - انتهى. وقال الحافظ: حكى ابن المنذر عن عطاء قولين فيمن بدأ بالسعى قبل الطواف بالبيت، وبالاجزاء قال بعض أهل الحديث، واحتج بحديث أسامة ابن شريك (الآتى فى الباب الذى بعد باب الحلق) أن رجلا سأل النبي مَثّ فقال: سعيت قبل أن أطوف؟ قال: طف ولا حرج. وقال الجمهور: لا يجزئه، وأولوا حديث أسامة على من سعى بعد طواف القدوم وقبل طواف الإفاضة انتهى. وقال ابن القيم: قوله ((سعيت قبل أن أطوف) فى هذا الحديث ليس بمحفوظ، والمحفوظ تقديم الرمى والنحر والحلق بعضها على بعض. وفى التمهيد : اختلف العلماء فيمن قدم السعی على الطواف فقال عطاء بن أبي رباح يجزيه ولا یعید السعى ولا شتیعلیه،و کذلكقالالأوزاعى وطائفةمن أهل الحديث. واختلففىذلك عن الثوری فروى عنه مثل قول الأوزاعى وعطاء وروى عنه أنه يعيد السعى. وقال مالك والشافعى وأبو حنيفة وأصحابهم: لا يجزيه وعليه أن يعيد إلا أن مالكا قال: يعيد الطواف والسعى جميعا. وقال الشافعى: يعيد السعى وحده ليكون بعد الطواف ولا شئى عليه-انتهى مختصرا (فلم أزل حائضا حتى كان يوم عرفة) اختلف فى موضع طهرها بعد الاتفاق على أنها حاضت بسرف. قال الزرقانى: وفى ٥١ مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ٢ - باب قصة حجة الوداع ولم أملل إلا بعمرة، فأمرفى النبى صلى الله عليه وسلم: أن أنقض رأسى وأمتشط، وأهل بالحج، وأترك العمرة. مسلم عن مجاهد عنها أنها تطهرت بعرفة، وعن القاسم عنها ((وطهرت صبيحة ليلة عرفة حين قد منا منى) وله عنه أيضا(( فخرجت فى حجتى حتى نزلنا منى فتطهرت، ثم طفنا بالبيت، فاتفقت الروايات كلها على أنها طافت طواف الإفاضة يوم النحر، وجمع بين رواية مجاهد والقاسم بأنه انقطع الدم عنها بعرفة وما رأت الطهر إلا بعد أن نزلت منى. وقول ابن حزم ((حاضت يوم السبت ثلاث خلون من ذى الحجة وطهرت يوم السبت عاشره، إنما أخذه من روايات مسلم المذكورة - انتهى. وقال ابن القيم فى الهدى: أما موضع حيضها فهو بسرف بلا ريب وموضع طهرها قد اختلف فيه فقيل بعرفة هكذا روى مجاهد عنها . وروى عروة عنها أنها أظلها يوم عرفة وهى حائض ، ولا تنافى بينهما ، والحديثان صحيحان، وقد حملهما ابن حزم على معنين ، فطهر عرفة هو الاغتسال للوقوف عنده. قال: لأنها قالت: تطهرت بعرفة. والتطهر غير الطهر. قال: وقد ذكر القاسم يوم طهرها أنه يوم النحر ، وحديثه فى صحيح مسلم . قال: وقد اتفق القاسم وعروة على أنها كانت يوم عرفة حائضا وهما أقرب الناس منها. وقد روى أبو داود حدثنا محمد بن إسماعيل ثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أيه عنها خرجنا مع رسول اللّه مَّ موافين هلال ذي الحجة، فذكرت الحديث وفيه («فلما كانت ليلة البطحاء طهرت عائشة)، وهذا إسناد صحيح لكن قال ابن حزم: إنه حديث منكر مخالف لما روى هؤلاء كلهم عنها وهو قوله («إنها طهرت ليلة البطحاء، وليلة البطحاء كانت بعد يوم النحر بأربع ليال، وهذا محال إلا أننا لما تدبرنا وجدنا هذه اللفظة ليست من كلام عائشة فسقط التعاق بها لأنها هى ما دون عائشة وهى أعلم بنفسها . قال: وقد روى حديث حماد بن سلمة هذا وهيب ابن خالد وحماد بن زيد فلم يذكرا هذه اللفظة. قلت. بتعين تقديم حديث حماد بن زيد ومن معه على حديث حماد بن سلمة لوجوه، أحدها: أنه أحفظ وأثبت من حماد بن سلمة، الثانى: أن حديثهم فيه إخبارها عن نفسها، وحديثه فيه الاخبارعنها. الثالث: أن الزهرى روى عن عروة عنها الحديث، وفيه («فلم أزل حائضا حتى كان يوم عرفة)) وهذه الغاية هى التى بينها مجاهد والقاسم عنها لكن قال عنها ((فتطهرت بعرفة) والقاسم قال ((يوم النحر، انتهى كلام ابن القيم (ولم أهلل) أى لم أحرم أولا (إلا بعمرة) هذا نص فى أن عائشة لم تحرم إلا بعمرة وأنها كانت معتمرة ابتداء (فأمرفى النبي مؤفق أن أنقض) بضم القاف (رأسى) أى أحل ضفر شعره (وأمشط) أى أسرحه بالمشط وقيل أو بالأصابع (وأهل بالحج) أى أمرنى أن أحرم بالحج (وأترك العمرة) وفى رواية «فقال انقضى رأسك وامتشطى وأهلى بالحج ودعى العمرة)، وفى رواية ((أمسكى عن عمرتك)) وفى أخرى ((ارفضى عمرتك)) قال الخفية: معنى الحديث: أمرنى أن أخرج من إحرام العمرة وأتركها باستباحة المحظورات من التمشيط وغيره لعدم القدرة على الإتيان بأفعالها بسبب الحيض. واستدلوا ٥٢ مرعاة المفاتيح ج٩ ١٠ - كتاب المناسك ٢ - باب قصة حجة الوداع بذلك على أن المرأة إذا أهلت بالعمرة متمتعة خاضت قبل أن قطوف واستمر حيضها حتى جاء يوم عرفة تركت العمرة وأهلت بالحج مفردة، فإذا فرغت من الحج أحرمت بالعمرة قضاء ويلزمها دم لرفض العمرة. وقال الجمهور فى معنى الحديث: أى أمرنى أن أترك العمل للعمرة من الطواف والسعى وتقصير شعر الرأس وأرفض إتمام أفعالها، وأمرنى أن أدخل الحج على العمرة فأكون قارنة، فليس المراد هنا بترك العمرة إسقاطها جملة أى إبطالها ، وإنما المراد ترك أفعالها وإرداف الحج عليها حتى تصير قارنة وتندرج أفعالها فى أفعال الحج. قال ابن قدامة: المتمتعة إذا حاضت قبل الطواف للعمرة لم يكن لها أن تطوف بالبيت لأنها ممنوعة من دخول المسجد ولا يمكنها أن تحل من عمرتها ما لم تطف بالبيت، فإن خشيت فوات الحج أحرمت بالحج مع عمرتها وتصير قارنة ، وهذا قول مالك والأوزاعى والشافعى وكثير من أهل العلم. وقال أبو حنيفة: ترفض العمرة وتهل بالحج. قال أحمد: ما قال هذا أحد غير أبى حنيفة، واحتج بما روى عروة عن عائشة قالت: أهللنا بعمرة - الحديث. وفيه ((فقال: انقضى راسك وامتشعلى وأهلى بالحمج ودعى العمرة، قالت: ففعلت، فلما قضينا الحج أرسلنى رسول اللّه مَ التّيه مع عبد الرحمن بن أبى بكر إلى التنعيم فاعتمرت معه، فقال: هذه عمرة مكان عمرتك)) متفق عليه. وهذا يدل على أنها رفضت عمرتها وأحرمت بحج من وجوه ثلاثة، أحدها : قوله ((دعى عمرتك)، والثانى: قوله ((وامتشطى، والثالث: قوله ((هذه عمرة مكان عمرتك)) ولنا ما روى جابر قال: أقبلت عائشة بعمرة حتى إذا كانت بسرف عركت - الحديث. وفيه «قال فاغتسلى ثم أهلى بالحج ففعلت ووقفت المواقف كلها ثم قال: قد حللت من حجك وعمرتك، وروى طاوس عن عائشة أنها قالت: أهللت بعمرة فقدمت ولم أطف حتى حضت ، ونسكت المناسك كلها وقد أهللت بالحج، فقال لها النبى تَّ يوم النفر: يسعك طوافك لحجك وعمرتك. رواهما مسلم. وهما يدلان على ما ذكرنا جميعه، ولأن إدخال الحج على العمرة جائز بالإجماع من غير خشبة الفوات فمع خشية الفوات أولى. قال ابن المنذر: أجمع كل من تحفظ عنه من أهل العلم أن لمن أهل بعمرة أن يدخل عليها الحج ما لم يفتح الطواف بالبيت، وقد أمر النبي ◌َّ من كان معه هدى فى حجة الوداع أن يهل بالحج مع العمرة ومع إمكان الحج مع بقاء العمرة لا يجوز رفضها لقول الله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله - ٢: ١٩٦) ولأنها متمكنة من إتمام عمرتها بلا ضرر فلم يجز رفضها كغير الحائض. ثم أجاب ابن قدامة عن رواية عروة بأن قوله («انقضى رأسك وامتشطى ودعى العمرة، قد انفرد به عروة وخالف به سائر من روى عن عائشة حين حاضت ، وقد روى طاوس والقاسم والأسود وعمرة عن عائشة ولم يذكروا ذلك. وحديث جابر وطاوس مخالفان لهذه الزيادة ولا يخفى ما فى هذا الجواب من التعسف. ثم قال ابن قدامة: ويحتمل أن قوله ((دعى العمرة)) أى دعيها بحالها وأهلى بالحج معها، أو دعى أفعال العمرة فإنها تدخل فى أفعال الحج - انتهى. وقال الخطابي: استشكل بعض أهل العلم أمره لها بنقض رأسها ثم ٥٣ مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ٢ - باب قصة حجة الوداع بالامتشاط. وكان الشافعى يتأوله على أنه أمرها أن تدع العمل للعمرة وتدخل عليها الحج فتصير قارنة ، قال: وهذا لا يشاكل القصة. وقيل: إن مذهبها أن المعتمر إذا دخل مكة استباح ما يستبيحه الحاج إذا رمى الجمرة. قال: وهذا لا يعلم وجهه. وقيل كانت مضطرة إلى ذلك. قال: ويحتمل أن يكون نقض رأسها كان لأجل الغسل لنهل بالحج لا سيما إن كانت ملبدة فتحتاج إلى نقض الصفر، وأما الامتشاط فلعل المراد به تسريحها شعرها بأصابعها برفق حتى لا يسقط منه شئ ثم تضفره كما كان، ذكره الحافظ . وقال ابن القيم بعد ذكر مسلك الجمهور وتقويته: أما قوله (وانقضى راسك وامتشطى، فهذا مما أعضل على الناس ولهم فيها أربعة مسالك، أحدها: أنه دليل على رفض العمرة كما قالت الخفية. المسلك الثانى: أنه دليل على أنه يجوز للحرم أن يمشط رأسه، ولا دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع على منعه من ذلك ولا تحريمه، وهذا قول ابن حزم وغيره. المسلك الثالث: تعليل هذه اللفظة وردها بأن عروة انفرد بها وخالف بها سائر الرواة، وقد روى حديثها طاوس والقاسم والأسود وغيرهم فلم يذكر أحد منهم هذه اللفظة. المسلك الرابع: أن قوله ((دعى العمرة)) أى دعيها بحالها لا تخرجى منها، وليس المراد تركها. قالوا: ويدل عليه وجهان، أحدهما: قوله ((يسعك طوافك لحجك وعمرتك، الثانى: قوله ((كونى فى عمرتك)) قالوا: وهذا أولى من حمله على رفضها لسلامته من التناقض - انتهى . وقال الزرقانى: وأجاب جماعة منهم الشافعى باحتمال أن معنى «دعى عمرتك، اتركى التحلل منها وأدخلى عليها الحج فتصير قارنة، ويؤيده قوله فى رواية مسلم ((وأمسكى عن العمرة)) أى عن أعمالها، وإنما قالت ((وأرجع بحجة)) لاعتقادما أن إفراد العمرة بالعمل أفضل كما وقع لغيرها من أمهات المؤمنين. قال الحافظ: واستبعد هذا التأويل لقولها فى رواية عطاء عنها «وأرجع أنا بحجة ليس معها عمرة، أخرجه أحمد. وهذا يقوى قول الكوفيين أن عائشة تركت العمرة وحجت مفردة، لكن فى رواية عطاء عنها ضعف. وأجاب الحنفية عن ذلك بأن ضعف رواية عطاء منجبر برواية البخارى ((يصدرون بنسكين وأصدر بنسك)) وفى رواية «قالت: يا رسول اللّه اعتمرتم ولم اعتمر، قال الحافظ: والرافع للاشكال فى ذلك ما رواه مسلم من حديث جابر «أن عائشة أهلت بعمرة حتى إذا كانت بسرف حاضت فقال لها النبي ◌َّ: أهلى بالحج حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وسعت فقال قد حللت من حجك وعمرتك)، ولمسلم من طريق طاوس عنها «فقال عزَّ: طوافك يسعك لحجك وعمرتك)، فهذا صريح فى أنها كانت قارنة. قال الزرقانى: وتعقب بأن قوله «انقضى رأسك وامتشطى) ظاهر فى إبطال العمرة، لأن المحرم لا يفعل مثل ذلك لتأديته إلى نتف الشعر، وأجيب بجوازهما للحرم حيث لا يؤدى إلى تلف الشعر مع الكراهة بغير عذر أو كان ذلك لأذى يرأسها فأباح لها ذلك كما أباح لكعب ابن عجرة الحلاق لأذى برأسه، أو نقض رأسها لأجل الغسل لتهل بالحج ولا سيما إن كانت تلبدت فتحتاج إلى نقض الضفر، ولعل المراد بالامتشاط تسريح شعرها بأصابعها برفق حتى لا يسقط منه شئ ثم تضفره كما كان، أو أعادت ٥٤ مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ٢ - باب قصة حجة الوداع ففعلت ، حتى قضيت حجى بعث معى الشكوى بعد رمى جمرة العقبة فأباح لها الامتشاظ حينئذ. قال المازري: هو تعسف بعيد من لفظ الحديث، أو كان مذهبها أن المعتمر إذا دخل مكة استباح ما يستبيحه الحاج إذا رمى الجمرة. قال الخطابي: وهذا لا يعلم وجهه - انتهى. وقال ابن دقيق العيد فى شرح العمدة: لما حمل أصحاب الشافعى ومالك أمره عليه السلام بترك العمرة على ترك المضى فى أعمالها لا على رفضها بالخروج منها وأنها أهلت بالحج مع بقاء العمرة وكانت قارنة اقتضى ذلك أن يكون قد حصل لها عمرة، وأشكل حينئذ قولها «ينطلقون بحج وعمرة وأنطلق بحج)) إذ هى أيضا قد حصل لها حج وعمرة لما تقرر من كونها صارت قارنة فاحتاجوا إلى تأويل هذا اللفظ فأولوا قولها «ينطلقون بحج وعمرة وأنطلق بحج)، على أن المراد ينطلقون بحمج مفرد عن عمرة وعمرة منفردة عن حج وأنطلق بحج غير مفرد عن عمرة، فأمرها النبى مؤثّ بالعمرة ليحصل لها قصدها فى عمرة مفردة عن حج، هذا حاصل ما قيل فى هذا مع أن الظاهر خلافه بالنسبة إلى هذا الحديث ، لكن الجمع بين الروايات ألجأهم إلى مثل هذا - انتهى. وإنما أعمرها من التنعيم قطيبا لقلبها لكونها لم تطف بالبيت لما دخلت معتمرة وقد وقع فى رواية لمسلم من حديث جابر وكان النبي تَّ رجلا سهلا إذا هويت الشئى تابعها عليه، وأما ما قاله محرّه لها بعد ما اعتمرت من التنعيم فقال: هذه مكان عمرتك ، فمعناه العمرة المنفردة التى حصل لغيرها التحلل منها بمكة ثم أنشأوا الحج منفردا، فعلى هذا فقد حصل لعائشة عمرتان. قال النووي: قوله محرَّم: «يسعك طوافك لحجك وعمرتك» تصريح بأن عمرتها باقية صحيحة مجزية وأنها لم تلفها ولم تخرج منها، فيتعين تأويل ((ار فضى عمرتك)) و((دعى عمرتك، على ما ذكرناه من رفض العمل فيها وإتمام أضعالها والله أعلم. وأما قوله مَّم فى الرواية الأخرى لما مضت مع أخيها عبد الرحمن ليعمرها من التنعيم ((هذه مكان عمرتك)) فمعناه أنها أرادت أن يكون لها عمرة منفردة عن الحج كما حصل لسائر أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابة الذين فسخوا الحج إلى العمرة وأتموا العمرة وتحللوا منها قبل يوم التروية ، ثم أحرموا بالحج من مكة يوم التروية، حصل لهم عمرة منفردة وحجة منفردة وأما عائشة فإنما حصل لها عمرة مندرجة فى حجة بالقرآن، فقال لها الني تَّى يوم النفر ٠يسعك طوافك لحجك وعمرتك)) أى وقد تما وحسبًا لك جميعا فأبت وأرادت عمرة منفردة كما حصل لباقى الناس، فلما اعتمرت عمرة منفردة قال لها النبى مؤثّم: هذه مكان عمرتك، أى التى كنت تريدين حصولها منفردة غير مندرجة فنعك الحيض من ذلك ، وهكذا يقال فى قولها «يرجع الناس بحج وعمرة وأرجع بحج)، أى يرجعون بحج منفرد وعمرة منفردة وأرجع أنا وليس لى عمرة منفردة، وإنما حرصت على ذلك لتكثير أفعالها- انتهى (ففعلت) بسكون اللام على صيغة المتكلم، أى ما أمرها التى مَثّم من النقض والامتشاط وترك العمرة والإهلال بالحج (حتى قضيت حجى) أى أديته وأتممته فالقضاء بمعنى الأداء (بعث معى) قيل جملة استئنافية ذكره الطبي. وفى مسلم ((قالت: ففعلت ذلك حتى إذا قضيت حجى بعث)) إلخ. وكان إرسالها مع أخيها عبد الرحمن ليلة البطحاء أو الحصبة مر عاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ٢ - باب قصة حجة الوداع عبد الرحمن بن أبى بكر، وأمرنى أن اعتمر مكان عمرتى من التنعيم . وهى ليلة الأربعاء رابع عشرة ذى الحجة (عبد الرحمن بن أبى بكر) الصديق القرشى التيمى يكنى أبا عبد الله ، وقيل بل يكنى أبا محمد ، وقيل أبا عثمان، أمه أم رومان والدة عائشة فهو شقيقها، وكان اسمه فى الجاهلية عبد الكعبة، وقيل عبد العزى، فغيره النبي ◌َّ، وتأخر إسلامه إلى أيام الهدنة، فأسلم وحسن إسلامه. وقيل: إنما أسلم يوم الفتح هو ومعاوية فى وقت واحد. ويقال: إنه شهد بدرامع المشركين ودعا إلى البراز فقام إليه أبوه ليارزه فذكر أن رسول اللّه ◌َيّ قال له: متعنا بنفسك، ثم أسلم وحسن إسلامه، وصحب التي تُثم فى هدنة الحديبية، وكان أسن ولد أبى بكر. قال الزبير بن بكار: كان رجلا صالحا وكانت فيه دعابة. وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب فى حديث ذكره أن عبد الرحمن بن أبى بكر لم يجرب عليه كذبة قط. وقال ابن عبد البر: كان من أشجع رجال قريش وأرماهم بسهم، وحضر اليمامة مع خالد بن الوليد فقتل سبعة من كبارهم منهم محكم اليمامة ابن طفيل، رماه بسهم فى نحره فقتله. وأخرج الزبير عن عبد الله بن نافع قال: خطب معاوية فدعا الناس إلى بيعة يزيد فكلمه الحسين ابن على وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبى بكر ، فقال له عبد الرحمن: أ هرقلية كلما مات قيصر كان قيصر مكانه؟ لا نفعل والله أبداً ، وبعث إليه معاوية بعد ذلك بمائة ألف درهم فردها ؛ وقال : لا أبيع دینی بدنیای وخرج إلى مكة فات بها قبل أن تتم البيعة ليزيد ، وكان موته بجاءة من نومة نامها بمكان على عشرة أميال من مكة. وقيل : توفى بحشى ، وهو على اثنى عشر ميلا من مكة فحمل إلى مكة فدفن بها. ولما بلغ عائشة خبره خرجت حاجة فوقفت على قبره وأنشدت أيات متمم بن نويرة فى أخيه مالك : من الدهر حتى قيل لن يتصدعا وكنا كندمانى جذيمة حقبة بطول اجتماع لم نبت ليلة معا فلا تفرقنا كاتى ومالكا ثم قالت: لو حضرتك دفتك حيث مت. روى عبد الرحمن عن النبي مُؤثّ أحاديث، منها فى الصحيح، وعن أيه وروى عنه ابنه عبد الله وحفصة وابن أخيه القاسم بن محمد وغيرهم. قال الخزرجى: له ثمانية أحاديث اتفقا على ثلاثة، مات سنة ثلاث وخمسين ، قاله ابن سعد. وقيل بعد ذلك (وأمرنى أن اعتمر مكان عمرتى) أى بدلها، نصب على المصدر قاله ابن الملك. أى عمرتى التى تركتها (من التنعيم) متعلق بأعتمر، وزاد فى رواية عند الشيخين وغيرهما ((فاعتمرت فقال هذه (أى العمرة) مكان عمرتك)) قال الزرقانى: بالرفع على الخبرية وبالنصب على الظرفية وعامله محذوف وهو الخبر أى كائنة أو مجعولة مكان عمرتك. قال عياض: والرفع أوجه عندى إذ لم يرد به الظرف، إنما أراد عوض عمرتك فمن قال : كانت قارنة قال مكان عمرتك التى أردت أن تأتى بها مفردة وحينئذ فتكون عمرتها من التنعيم قطوعا لا عن فرض لكنه أراد تطبيب نفسها بذلك. ومن قال كانت مفردة قال مكان عمرتك التى نسخت الحج إليها ولم مرعاة المفاتيح ج٩ ١٠ - كتاب المناسك ٢ - باب قصة حجة الوداع تمكنى من الإتيان بها للحيض. وقال السهيلى: الوجه النصب على الظرف لأن العمرة ليست بمكان لعمرة أخرى لكن إن جعلت مكان بمعنى عوضٍ أو بدل مجازاً أى هذه بدل عمرتك جاز الرفع حينئذ - انتهى. والتنعيم تفعيل بفتح المثناة الفوقية وسكون النون وكسر العين المهملة، موضع على ثلاثة أميال أو أربعة من مكة أقرب أطراف الحل إلى البيت، سمى به لأن على يمينه جبل نعيم (بضم النون) وعلى يساره جبل ناعم، والوادى اسمه نعمان (بفتح النون) قاله فى القاموس . قال الحب الطبرى: هو أمام أدنى الحل وليس بطرف الحل، ومن فسره بذلك فقد تجوز وأطلق اسم الشئى على ما قرب منه، ذكره القسطلانى. وقال الحافظ : مكان خارج مكة على أربعة أميال منها إلى جهة المدينة كما نقله الفاكهى. وقال المحب الطبرى: التنعيم أبعد من أدنى الحل إلى مكة بقليل وليس بطرف الحل بل بينهما نحو ميل، ومن أطلق عليه طرف الحل فهو تجوز. قال الحافظ: أو أراد بالنسبة إلى بقية الجهات. واختلف فى موضع إحرام عائشة فروى الأزرقى عن ابن جريج قال: رأيت عطاء يصف الموضع الذى أحرمت منه عائشة فأشار إلى الموضع الذى وراء الأكمة وهو المسجد الخرب (بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء المهملة) ونقل الفاكهى عن ابن جريج وغيره أن ثم مسجدين يزعم أهل مكة أن الخرب الأدنى من الحرم هو الذى أحرمت منه عائشة، وقيل: هو المسجد الأبعد عن الأكمة الحمراء، ورجحه المحب الطبرى (ص ٥٧٦) وقال الفا كهى: لا أعلم ذلك إلا أنى سمعت ابن أبي عمير يذكر عن أشياخه أن الأول هو الصحيح عندهم، والحديث يدل على أن إعمارها من التنعيم كان بأمر النبى مزيثم وأصرح منه ما أخرجه أبو داود من طريق حفصة بنت عبد الرحمن بن أبى بكر عن أبيها أن رسول اللّه مزيفة قال يا عبد الرحمن أردف أختك عائشة فأعمرها من التنعيم - الحديث. ونحوه رواية الأسود عن عائشة عند البخارى ((قال فاذهبى مع أخيك إلى التنعيم)، وفى رواية عن الأسود والقاسم جميعا عنها بلفظ «فاخرجى إلى التنعيم، وهو صريح بأن ذلك كان عن أمر النبي مَّ، وكل ذلك يفسر قوله فى رواية القاسم عنها بلفظ «اخرج بأختك من الحرم، وأما ما رواه أحمد من طريق ابن أبي مليكة عنها فى هذا الحديث ((قال: ثم أرسل إلى عبد الرحمن بن أبى بكر فقال: احملها خلفك حتى تخرج من الحرم، فو الله ما قال فتخرجها إلى الجعرانة ولا إلى التنعيم، فهى رواية ضعيفة لضعف أبي عامر الخراز الراوى له عن ابن أبي مليكة، ويحتمل أن يكون قوله ((فو الله)) إلخ. من كلام من دون عائشة، قاله متمسكا لإطلاق قوله ((فأخرجها من الحرم، لكن الروايات المقيدة بالتنعيم مقدمة على المطلقة فهو أولى ولا سيما مع صحة أسانيدها، كذا فى الفتح، وعقد البخارى فى صحيحه لحديث عبد الرحمن بن أبى بكر فى أمره مَّ إياه إعمارها من التنعيم «باب عمرة التنعيم، قال الحافظ: يعنى هل تعين لمن كان يمكة أم لا؟ وإذا لم تعين هل لها فضل على الاعتمار من غيره١ من جهات الحل أو لا؟ قال صاحب الهدى: لم ينقل أنه ت اعتمر مدة إقامته بمكة قبل الهجرة ولا اعتمر بعد الهجرة إلا داخلا إلى مكة، ولم يعتمر قط خارجا من مكة إلى ٥٧ مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ٢ - باب قصة حجة الوداع قالت: فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا، ثم طافوا طوافا بعد أن رجعوا من مى، الحل ثم دخل مكة بعمرة كما يفعل الناس اليوم ، ولا ثبت عن أحد من الصحابة أنه فعل ذلك فى حياته إلا عائشة وحدها. قال الحافظ: وبعد أن فعلته عائشة بأمره دل على مشروعيته. واختلف السلف فى جواز الاعتمار فى السنة أكثر من مرة فكرهه مالك وخالفه مطرف وطائفة من أتباعه وهو قول الجمهور. واستثنى أبو حنيفة يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق ، ووافقه أبو يوسف إلا فى يوم عرفة ، واستثنى الشافعى البائت بمنى لرمى أيام التشريق، وفيه وجه اختاره بعض الشافعية فقال بالجواز مطلقا کقول الجمهور، والله أعلم. وقد تقدم شئ من الكلام فى ذلك فی شرح حديث أبى هريرة «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما)) قال الحافظ: واختلفوا أيضا هل يتعين التنعيم لمن اعتمر من مكة، وتقدم الكلام فيه أيضا فى شرح حديث ابن عباس فى المواقيت. قال الحافظ: واستدل بحديث عبد الرحمن بن أبى بكر فى إعمار عائشة من التنعيم على تعين الخروج إلى الحل لمن أراد العمرة ممن كان بمكة، وهو أحد قولى العلماء والثانى تصح العمرة ويجب عليه دم لترك الميقات. وليس فى حديث الباب ما يدفع ذلك. واستدل به أيضا على أن أفضل جهات الحل التنعيم. وتعقب بأن إحرام عائشة من التنعيم إنما وقع لكونه أقرب جهة الحل إلى الحرم لا لأنه الأفضل. وقال فى باب «أجر العمرة على قدر التعب، بعد ذكر ما روى الدار قطنى والحاكم من حديث عائشة أن النبي تُؤثّم قال لها فى عمرتها ((إنما أجرك فى عمرتك على قدر نفقتك)، استدل به على أن الاعتمار لمن كان بمكة من جهة الحل القريبة أقل أجرا من الاعتمار من جهة الحل البعيدة، وهو ظاهر هذا الحديث. وقال الشافعى فى الاملاء أفضل بقاع الحل للاعتمار الجعرانة، لأن النبي مؤ ثّه. أحرم منها ، ثم التنعيم لأنه أذن لعائشة منها . قال: وإذا تنحى عن هذين الموضعين فأين أبعد حتى يكون أكثر لسفره كان أحب إلى. وحكى الموفق فى المغنى عن أحمد أن المكى كلما تباعد فى العمرة كان أعظم أجره. وقال الحنفية : أفضل بقاع الحل للاعتمار التنعيم ووافقهم بعض الشافعية والحنابلة. ووجه ما قدمناه أنه لم ينقل أن أحدا من الصحابة فى عهد التى مَوَّ خرج من مكة إلى الحل ليحرم بالعمرة غير عائشة، وأما اعتماره مرثية من الجعرانة فكان حين رجع من الطائف مجتازا إلى المدينة ، ولكن لا يلزم من ذلك تعين التنعيم للفضل لما دل عليه هذا الخبر أن الفضل فى زيادة التعب والنفقة، وإنما يكون التنعيم أفضل من جهة أخرى تساويه إلى الحل لا من جهة أبعد منه - انتهى (فطاف) أى طواف العمرة (الذين كانوا أهلوا بالعمرة) وحدما يعنى الذين أفردوا العمرة عن الحج (بالبيت) متعلق بطاف أى عند دخولهم مكة (وبين الصفا والمروة) أى وسعوا بينهما. وقال القارى: الطواف يراد به الدور الذى يشمل السعى نصح العطف ولم يحتج إلى تقدير عامل وجعله نظير «علفتها تبنا وماء باردا) (ثم حلوا) أى خرجوا من العمرة بالحلق أو التقصير ثم أحرموا بالحج من مكة (ثم طافوا طوافا) أى للحج يوم النحر، وهو طواف الإفاضة (بعد أن رجعوا من من) أى إلى ٥٨ مرعاة المفاتيح ج٩ ١٠ - كتاب المناسك ٢ - باب قصة حجة الوداع مكة ، وقد سقط عنهم طواف القدوم إجماعا لأنهم صاروا فى حكم أهل مكة، والمكى لا طواف عليه للقدوم إلا ما حكى عن الإمام أحمد أن المتمتع يطوف يوم النحر أولا للقدوم ثم يطوف طوافا آخر للحج، قال الخرقى: إن كان متمتعا فيطوف بالبيت سبعا وبالصفا والمروة سبعا كما فعل بالعمرة ثم يعود فيطوف طوافا ينوى به الزيارة. قال ابن قدامة: أما الطواف الأول الذى ذكره الخرقى مهنا فهو طواف القدوم، لأن المتمتع لم يأت به قبل ذلك والطواف الذى طافه فى العمرة كان طوانها. ونص أحمد على أنه مسنون للتمتع فى رواية الأثرم، قال: قلتِ لأبى عبد الله رحمه الله: فإذا رجع أعنى المتمتع كم يطوف ويسعى؟ قال: يطوف ويسعى لحجه ويطوف طوافا آخر للزيارة ، عاودنا. فى هذا غير مرة فثبت عليه. وكذلك الحكم فى القارن والمفرد إذا لم يكونا أتيا مكة قبل يوم النحر ولا طافا للقدوم فإنهما يبدآن بطواف القدوم قل طواف الزيارة نص عليه أحمد أيضا ، واحتج بما روت عائشة قالت: فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفاوالمروة ثم حلو افطافواطوانا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا ، فحمل أحمد قول عائشة على أن طوانهم لحجهم هو طواف القدوم، ولأنه قد ثبت أن طواف القدوم مشروع، فلم يكن تعين طواف الزيارة مسقطا له كتحية المسجد عند دخوله قبل التلبس بصلاة الفرض، ولم أعلم أحدا وافق أبا عبد الله على هذا الطواف الذى ذكره الخرقى، بل المشروع طواف واحد للزيارة كمن دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة فإنه يكتفى بها عن تحية المسجد، ولأنه لم ينقل عن اثني ومؤله ولا عن أصحابه الذين تمتعوا معه فى حجة الوداع ولا أمر به النبي ◌َّ أحدا، وحديث عائشة دليل على هذا فإنها قالت: طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم ، وهذا هو طواف الزيارة ولم تذكر طوانا آخر، ولو كان هذا الذى ذكرته طواف القدوم لكانت قد أخلت بذكر طواف الزيارة الذى هو ركن الحج لا يتم الحج إلا به، وذكرت ما يستغنى عنه، وعلى كل حال فما ذكرت إلا طوافا واحدا، فمن أين يستدل به على طوافين؟ وأيضا فإنها لما حاضت قرنت الحج إلى العمرة بأمر النبي ◌َّه ولم تكن طافت للقدوم ولا أمرها به النبي ◌َّهُ، وقد ذكر الخرقى فى موضع آخر فى المرأة إذا حاضت لخشيت فوات الحج: أهلت بالحج وكانت قارنة، ولم يكن عليها قضاء طواف القدوم، ولأن طواف القدوم لولم يسقط بالطواف الواجب لشرع فى حق المعتمر طواف القدوم مع طواف العمرة، لأنه أول قدومه إلى البيت فهو به أولى من المتمتع الذى يعود إلى البيت بعد رويته وطوافه به، وفى الجملة إن هذا الطواف المختلف فيه ليس بواجب، وإنما الواجب طواف واحد وهو طواف الزيارة، وهو فى حق المتمتع كهو فى حق القارن والمفرد فى أنه ركن الحج لا يتم إلا به. انتهى كلام ابن قدامة. واختار الشيخ تقي الدين ابن تيمية ما رجحه ابن قدامة وصححه الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن وجب. قال ابن القيم بعد ما حكى كلام ابن قدامة المتقدم: لم يرفع كلام أبي محمد يعنى ابن قدامة الإشكال، وإن كان ٥٩ مرعاة المفاتيح ج ٩ ١٠ - كتاب المناسك ٢ - باب قصة حجة الوداع وأما الذين جمعوا الحج والعمرة ، فإنما طافوا طوافا واحدا. الذى أنكره أى من تكرار الطواف يوم النحر بعد الوقوف للتمتع هو الحق كما أنكره، والصواب فى إنكاره، فإن أحدا لم يقل إن الصحابة لما رجعوا من عرفة طافوا للقدوم وسعوا، ثم طافوا للإفاضة بعده ولا النبى معَة، هذا لم يقع قطعا ولكن كان منشأ الإشكال أن أم المؤمنين فرقت بين المتمتع والقارن فأخبرت أن القارنين طافوا طوافا واحدا وأن الذين أهلوا بالعمرة طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وهذا غير طواف الزيارة قطعا فإنه يشترك فيه القارن والمتمتع فلا فرق بينهما فيه، ولكن الشيخ أبو محمد لما رأى قولها فى المتمتعين ((أنهم طافوا طوانا آخر بعد أن رجعوا من منى، قال: ليس فى هذا ما يدل على أنهم طافوا طوانين، والذى قاله حق ولكن لم يرفع الاشكال، فقالت طائفة: هذه الزيادة من كلام عروة أو ابنه هشام أدرجت فى الحديث وهذا لا يتبين، ولو كان فغايته أنه مرسل ولم يرتفع الإشكال عنه بالإرسال فالصواب أن الطواف الذى أخبرت به عائشة وفرقت به بين المتمتع والقارن هو الطواف بين الصفا والمروة لا الطواف بالبيت، وزال الإشكال جملة فأخبرت عن القارنين أنهم اكتفوا بطواف واحد ينهما لم يضيفوا إليه طوافا آخر يوم النحر، وهذا هو الحق ، وأخبرت عن المتمتعين أنهم طافوا بينهما طوانا آخر بعد الرجوع من منى للحج، وذلك الأول كان للعمرة، وهذا هو قول الجمهور - انتهى (وأما الذين جمعوا الحج والعمرة) أى ابتداء أو إدخالا لأحدهما فى الآخر. وفى رواية «وأما الذين كانوا أهلوا بالحج (أى مفردا) أو جمعوا الحج والعمرة، (أى قارنوا) (فإنما طافوا طوافا واحدا) أى بعد الوقوف بعرفة يوم النحر للحج والعمرة جميعا. قال الزرقانى: لأن القارن يكفيه طواف واحد وسعى واحد، لأن أفعال العمرة تندرج فى أفعال الحج، وإلى هذا ذهب مالك والشافعى وأحمد والجمهور. وقال الحنفية: لابد للقارن من طوافين وسعيين - انتهى. وقال العينى: فى الحديث يعنى حديث عائشة حجة لمن قال الطواف الواحد والسعى الواحد يكفيان القارن، وهو مذهب عطاء والحسن وطاوس وبه قال مالك وأحمد والشافعى وإسحاق وأبو ثور وداود إلى آخر ما قال. قلت: هكذا صرح غير واحد من شراح الحديث من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم بأن الحديث حجة للأئمة الثلاثة فى وحدة الطواف للقارن خلافا للحنفية القائلين بالطوافين له، قيل: والحديث بظاهره مشكل على الجميع لأنه يدل على إكتفاءهم بطواف واحد، وقد ثبت بالأحاديث الصحيحة أنهم طافوا ثلاثة أطوفة: الأول طواف القدوم ، والثانى طواف الإفاضة، والثالث طواف الوداع، ولذلك اتفق الجميع على أن القارن يطوف ثلاثة أطوفة، طواف القدوم والركن والوداع، وزادت الحنفية على ذلك طواف العمرة فصارت أربعة. قال ابن قدامة: الأطوفة المشروعة فى الحج ثلاثة : طواف الزيارة وهو ركن الحج لا يتم إلا به بغير خلاف ، وطواف ٦٠