Indexed OCR Text
Pages 1-20
◌ِ اللهِ العَ العَهُ
(٢) باب قصة حجة الوداع
® (الفصل الأول )
٢٥٧٩ - (١) عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
(باب قصة حجة الوداع) وبوب أبو داود لحديث جابر بـ «باب صفة حجة النبي مَّ))
والنووى فى شرح مسلم بـ ((باب حجة النبي ◌َّ)، قال القارى: الوداع بفتح الواو مصدر ودع
توديعا، كسلم سلاما وكلم كلاما، وقيل بكسر الواو فيكون مصدرا لموادعة وهو أوداعه الناس فى تلك
الحجة، وهى بفتح الحاء وكسرها. قال الشمنى: لم يسمع فى حاء ذى الحجة إلا الكسر، قال صاحب
الصحاح: الحجة المرء الواحدة، وهو من الشواذ، لأن القياس بالفتح - انتهى. وعلى القياس روى
سيبويه ((قالوا: حجة واحدةٍ يعنى بالفتح يريدون عمل سنة واحدة)).
٢٥٧٩ - قوله (عن جابر بن عبد الله أن رسول الله مثله) إلخ، حديث جابر هذا أصل
كبير وأجمع حديث فى الباب، قال النووى: هو أى جابر أحسن الصحابة سياقة لرواية حديث حجة
الوداع فإنه ذكرها من حين خروج النبى معَّ من المدينة إلى آخرما فهو أضبط لها من غيره ، وقال:
وهو حديث عظيم مشتمل على جمل من الفوائد ومهمات من مهمات القواعد، وهو من أفراد مسلم،
لم يروه البخارى فى صحيحه، ورواه أبو داود كرواية مسلم. قال عياض: وقد تكلم الناس على ما
فيه من الفقه وأكثروا. وصنف فيه أبو بكر بن المنذر جزءا كبيرا وخرج فيه من الفقه مائة ونيفا
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠- كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
مكث بالمدينة تسع سنين لم يحج، ثم أذن فى الناس فى العاشر أن رسول اللّه مؤلفة حاج،
وخمسين نوعا ولو تقصى لزيد على هذا القدر قريب منه - انتهى. ونوه به الحافظ الذهبي فى ترجمة
جابر، فقال: وله منسك صغير فى الحج، أخرجه مسلم، وعقد له الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية
فصلا خاصا قال فيه: وهو وحده منسك مستقل. ثم ساقه (ج ٥: ص ١٤٦ - ١٤٩) وقال الأبى:
حديث جابر هذا عظيم القدر، قد اشتمل على قواعد كثيرة من الدين بينها مَّ عند خروجه من
الدنيا وانتقاله إلى ما أعد الله سبحانه له من الكرامة، ولم يبق ◌َثم بعد حجته هذه إلا قليلا بعد
أن أشرقت الأرض بنوره وعلت كلمة الايمان ( مكث) بضم الكاف وفتحها أى لبث (بالمدينة ) كذا
فى جميع النسخ مطابقا للمصابيح وليس هو عند مسلم بل هو النسائى والشافعى وابن الجارود وأحمد فهو
من الزيارات على رواية مسلم (تسع سنين لم يحج) بعد الهجرة أى لكنه اعتمر، قال الألباني: اتفق
العلماء على أن النبى معَ ◌ّه لم يحج بعد هجرته إلى المدينة سوى حجة واحدة وهى حجة الوداع هذه،
وعلى أنها كانت سنة عشر، واختلفوا فى وقت ابتداء فرضه على أقوال، أقربها إلى الصواب أنه سنة
تسع أو عشر، وهو قول غير واحد من السلف، واستدل له ابن القيم فى ((زاد المعاد، بأدلة قوية
فإيراجعها من شاء، وعلى هذا فقد بادر رسول الله مثل إلى الحج فورا من غير تأخير، بخلاف
الأقوال الأخرى فيلزم منها أنه تأخر بأداء الفريضة، ولذا اضطر القائلون بها إلى الاعتذار
ولا حاجة بنا نحن إلى ذلك - انتهى. وقد سبق الكلام فى ذلك مفصلا (ثم أذن.) بضم الهمزة وكسر
الذال المشددة مبنى للمجهول أى نادى مناد بإذنه، ويجوز بناؤه للعلوم أى أمر بأن ينادى بيتهم ،
وقال السندى: قوله ((ثم أذن)) من التأذين والإيذان أى نادى وأعلم، والمراد أمر بالنداء فنادى
المنادى، ويحتمل على بعد أن يقرأ على بناء المفعول - انتهى. وعلى كلا الاحتمالين فالمراد إعلام الناس
بحجه وَّ وإشاعته بينهم ليتأهبوا للحج معه ويتعلموا المناسك والأحكام ويشاهدوا أفعاله وأقواله
ويوصيهم ليبلغ الشاهد الغائب وتشيع دعوة الإسلام وتبلغ الرسالة القريب والبعيد ، وفيه أنه يستحب
للإمام إيذان الناس بالأمور المهمة ليتأهبوا لها لا سيما فى هذه الفريضة الكثيرة الأحكام المفروضة
ابتداء (فى العاشرة) أى السنة العاشرة من الهجرة (أن) أى بأن (رسول اللّه ◌َ ل حاج) أى خارج
٢
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
فقدم المدينة بشر كثير ، فرجنا معه، حتى إذا أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن
أبى بكر، فأرسلت إلى رسول الله مؤلّة
إلى الجمج ومريد له وقاصده، قال القارى: وفى بعض النسخ أى من المشكاة ((إن)) بالكسر فيكون
من جملة المقول - انتهى. وزاد فى رواية أحمد والنسائى وابن الجارود ((هذا العام)) (فقدم المدينة
إثر كثير) قال القسارى: تحقيقا لقوله تعالى: ﴿ يأتوك رجالا﴾ أى مشاة (وعلى كل ضامر) أى
راكبين على كل بير ضعيف (يأتين من كل فج عميق) أى طريق بعيد ( ليشهدوا منافع لهم - ٢٢:
٢٨،٢٧) أى ليحضروا منافع دينية ودنيوية وأخروبة - انتهى. وتقدم الكلام فى عدد الذين كانوا
معه ◌َّ فى حجة الوداع، وفى رواية مسلم بعد هذا «كلهم يلتمس أن بأتم يرسول اللّه مزيج ويعمل
مثل عمله، وفى رواية النسائى ((فلم يبق أحد يقدر أن يأتى راكبا أو راجلا إلا قدم فدارك الناس
ليخرجوا معه)) (خرجنا معه) أى خمس بقين من ذى القعدة كما رواه النسائي وابن الجارود والبيهقى
أى بين الظهر والعصر. وروى الترمذى وابن ماجه عن أنس والطبرانى عن ابن عباس أن حجه
عليه الصلاة والسلام كان على رحل رث يساوى أربعة دراهم (حتى إذا أتينا) كذا فى جميع النسخ من
المشكاة وهكذا فى المصابيح وفى صحيح مسلم ((حتى أتينا)) أى بسقوط لفظة ((إذا)) وكذا وقع عند
أبى داود وغيره (فولدت أسماء بنت عميس) بمهملتين مصغرا، الخثعمية، صحابية فاضلة، كانت أولا تحت
جعفر بن أبى طالب ثم تزوجها أبو بكر بعد قتل جعفر ثم على بن أبى طالب وولدت لهم، وهى
أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين لأمها ، هاجرت إلى الحبشة مع زوجها جعفر. قال الحافظ :
كان عمر يسألها عن تعبير الرؤيا، ماتت بعد على (محمد بن أبى بكر) الصديق وهو من أصغر الصحابة، ولاه
على بن أبى طالب مصر وكان ربيبه، قتله أصحاب معاوية بمصر سنة ثمان وثلاثين. وقال الحافظ: له رؤية
وكان على يثنى عليه وبفضله لأنه كانت له عبادة واجتهاد، وكان على رجالة على يوم صفين، قتل سنة ثمان
وثلاثين ( فأرسلت إلى رسول اللّه ◌َح) الظاهر أنها أرسلت زوجها الصديق، وبدل له ما رواه مالك
فى موطأ، عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن أسماء بنت عميس أنها ولدت محمد بن أبى بكر فذكر ذلك أبو بكر
لرسول الله له ويدل عليه أيضا ما رواه النسائى من حديث أبى بكر فأتى أبو بكر النبى يؤثر فأخبره فأمره أن
٣
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
كيف أصنع؟ قال: اغتسلى واستثفرى بثوب وأحرمى. فصلى رسول اللّه مؤثر فى المسجد،
يأمرها أن تغتسل (كيف أصنع؟) أى فى باب الإحرام، وقال الباجى فى شرح رواية الموطأ: يحتمل أن أبا بكر سأل
أن النفاس الذى يمنع صحة الصلاة والصوم يمنع صحة الحج فبين مَثم أنه لا ينافى الحج؛ ويحتمل أنه سأل عن اغتسالها
للإحرام إن على أن إحرامها بالحج يصح تخاف أن النفاس يمنع الاغتسال الذى يوجب حكم الطهر (قال اغتسلى)
فيه غسل النفساء للإحرام وإن لم تطهر، وفى حكمها الحائض فهو النظافة لا للطهارة. قال القارى: ولذا
لا ينوبه التيمم ويظهر من كلام الخطابى أن العلة عنده التشبه بالظاهرات حيث قال فى معالم السنن: فى الحديث
استحباب التشبه من أهل التقصير بأهل الفضل والكمال والاقتداء بأفعالهم طمعا فى درك مراتبهم ورجاء لمشاركتهم
فى نيل المثوبة، ومعلوم أن اغتسال الحائض والنفساء قبل أوان الطهر لا يطهرهما ولا يخرجهما عن حكم الحدث وإنما هو
لفضيلة المكان والوقت. قال الولى العراقى: هذا يدل على أن العلة عنده فى اغتسالهما النشبه بأهل الكمال وهن الطاهرات،.
والظاهر أنه إنما هو اشحول المعنى الذى شرع الغسل لأجله وهو التنظيف وقطع الرائحة الكريهة لدفع أذاما عن الناس عند
اجتماعهم، وبذلك عاله الراضى ولا يرد عليه التيمم عند العجز، لأن التنظيف هو أصل مشروعيته للاحرام فلا ينافيه
قيام التراب مقامه، لأنه يقوم مقام الغسل الواجب فأولى المسنون وبعد استمرار الحكم قد لا توجد علته فى بعض
المحال - انتهى. قلت: وهذا عند من قال بمشروعية التيمم وإجزائه عند العجز. وأما الذى لم يقل به فلا إيراد عليه،
وقد تقدم الكلام فى ذلك فى شرح حديث زيد بن ثابت فى الفصل الثانى من باب الاحرام والتلبية ، قال الخطابي: وفى
أمره وَّة الحائض والنفساء بالاغتسال دليل على أن الطاهر أولى بذلك. وقال الزرقانى: وفيه الاغتسال للاحرام
مطلقا لأن النفساء إذا أمرت به مع أنها غير قابلة للطهارة كالحائض فغيرهما أولى (واستثفرى) بالثاء المثلثة بعد الفوقية
أمر من الاستثفاروهو أن تحتشى المرأة قطنا وتشد فى وسطها شيئا وتأخذ خرقة عريضة تجعلها على محل الدم وتشد طر فيها من
قدامها ومن ورائها فى ذلك المشدود فى وسطها، والمقصود أن تجعل هناك ما يمنع من سيلان الدم تنزيها أن تظهر النجاسة
عليها، إذ لا تقدر على أكثر من ذلك، قال النووى: فيه أمر الحائض والنفساء والمستحاضة بالاستثمار وهو أن
تشد فى وسطها شيئا وتأخذ خرقة عبريضة تجعلها على محل الدم وتشد طرفيها من قدامها ومن ورائها فى ذلك
المشدود فى وسطها، وهو شبيه بثفر الدابة بفتح الفاء (وأحرمى) أى بالنية والتلبية، قاله القارى. وفيه صحة
إحرام النفساء ومثلها الحائض× وأولى منهما الجنب لأنهما شاركتاه فى شمول اسم الحدث وزادنا عليه بسيلان الدم
وهو مجمع عليه (فصلى رسول الله مرثية) أى ركعتين الظهر، وقيل: سنة الإحرام (فى المسجد) أى فى مسجد ذى الحليفة
قال ابن العجمى فى منسكه: ينبغى إن كان فى الميقات مسجد أن يصلى ركعتى الإحرام فيه ولو صلاهما فى غير المسجد
فلا بأس، ولو أحرم بغير صلاة جاز، ولا يصلى فى الأوقات المكروهة ، وتجزئى المكتوبة عنهما كتحية المسجد. وقيل
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهل؟ بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، ليك لا
شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. قال جابر: لسنا ننوى إلا الحج،
صلى الظهر. وقد قال ابن القيم: ولم ينقل أنه عليه الصلاة والسلام صلى للاحرام ركعتين غير فرض الظهر، كذا فى
المرقاة . وقد تقدم الكلام فى ذلك فى شرح حديث ابن عمر فى الفصل الثانى من باب الاحرام والتلبية (ثم ركب القصواء)
بفتح القاف وبالمد، اسم ناقته مَ ولها أسماء أخرى مثل العضباء والجدعاء، وقيل: هى أسماء لنوق له مزفي ، فقال
القاضى: قال ابن قنية: كانت للنبي مُؤْثّ نوق: القصواء، والجدعاء، والعضباء، قال أبو عبيد: العضباء اسم لناقة النبي
عزَّ ولم تسم بذلك لشئى أصابها. قال القاضى: قد ذكر هنا أنه ركب القصواء، وفى آخر هذا الحديث «خطب على
القصواء)، وفى غير مسلم ((خطب على ناقته الجدعاء، وفى حديث آخر («على ناقة خرماء، وفى آخر («العضباء) وفى حديث آخر
• كانت له ناقة لا تسبق)) وفى آخر («تسمى مخضرمة)) وهذا كله يدل على أنها ناقة واحدة خلاف ما قاله ابن قتيبة وأن هذا
كان اسمها أو وصفها لهذا الذى بها خلاف ما قال أبو عبيد. لكن يأتى فى كتاب النذر أن القصواء غير العضباء كما
سنبينه هناك. قال الحربى: العضب والجدع والخرم والقصو والخضرمة فى الآذان، قال ابن الأعرابى:
القصواء التى قطع طرف أذنها والجدع أكثر منه. وقال الأصمعى: والقصو مثله. قال: وكل قطع فى الأذن
جدع، فإن جاوز الربع فهى عضباء، والمخضرم مقطوع الأذنين، فإن اصطلمتا فهى صلماء، وقال أبو عيد :
القصواء المقطوعة الأذن عرضا، والمخضرمة المستأصلة والمقطوعة النصف فا فوقه. وقال الخليل: المخضرمة
مقطوعة الواحدة والعضباء مشقوقة الأذن ، قال الحربى: فالحديث يدل على أن العضباء اسم لها وإن كانت عضباء الأذن
فقد جعل اسمها، هذا آخر كلام القاضى. وقال محمد بن إبراهيم التيمى التابعى: إن العضباء والقصواء والجدعاء اسم لناقة
واحدة كانت لرسول اللّه مَيه (حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهل) وفى صحيح مسلم ((حتى إذا استوت به ناقته على
البيداء نظرت إلى مد بصرى بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذاك، ومن خلفه مثل ذلك ،
ورسول الله مَّ بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله، وما عمل من شتى عملنا به ، فأهل يعنى رفع صوته»
واللفظ المذكور فى الكتاب هو لابن الجارود (بالتوحيد) يعنى قوله: لبيك لا شريك لك. وفيه إشارة إلى مخالفة ما كانت
الجاهلية تزيده بعد قوله ((لا شريك لك)) فقد كانوا يقولون ((إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك، كما تقدم (لبيك اللهم لبيك)
إلخ. وفى رواية مسلم بعد ذكر التلبية ((وأهل الناس بهذا الذى يهلون به فلم يرد رسول الله مَثيم عليهم شيئا منه، ولزم
رسول الله ◌َّم تلبيته)) وفى رواية أحمد وابن الجارود ((ولي الناس والناس يزيدون ((ذا المعارج)) ونحوه من
الكلام، والنبي مَثّ يسمع فلا يقول لهم شيئا» (قال جابر: لسنا ننوى إلا الحج) أى لسنا ننوى شيئا من النيات إلا نية
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن
الحج. قال السندى: قوله ((لا ننوى إلا الحج، أى أول الأمر ووقت الخروج من البيوت وإلا فقد أحرم بعض بالعمرة
أو هو خبر عما كان عليه حال غالبهم، أو المراد أنن المقصد الأصلى من الخروج كان الحج وإن نوى بعض العمرة -
انتهى (لسنا نعرف العمرة) هو تأكيد للحصر السابق قبل. قال القاضى: أى لا نرى العمرة فى أشهر الحج استصحابا
لما كان من معتقدات أهل الجاهلية، فإنهم كانوا يرون العمرة محظورة فى أشهر الحج ويعتمرون بعد مضيها. وقيل:
معناه «ما قصدناها ولم تكن فى ذكرنا، وقد تقدم شتى من الكلام فى هذا فى شرح حديث عائشة الذى فيه ذكر انقسام
الناس بین مفرد ومتمتع وقارن (حتى إذا أتينا البیت معه) أی وصلناه بعد ما نزل بذی طوی وبات بها واغتسل فيها
ودخل مكة من الثنية العليا صبيحة الأحد رابع ذى الحجة وقصد المسجد من شق باب السلام ولم يصل تحية المسجد لأن
تحية البيت المقصود منه هو الطواف، فمن ثم استمر رؤية على مروره فى ذلك المقام حتى (استلم الركن) أى الركن الأسود
وإليه ينصرف الركن عند الإطلاق ، وفى رواية أحمد وابن الجارود (الحجر الأسود)) والاستلام افتعال من السلام
بمعنى التحية، وأهل اليمن يسمون الركن بالمحيا لأن الناس يحيونه بالسلام، وقيل من السلام بكسر السين ، وهى الحجارة ،
واحدتها سلمة بكسر اللام، يقال: استلم الحجر إذا لثمه وتناوله، والمعنى: وضع يديه عليه وقبله، واستلم النبي مَّه
الركن اليمانى أيضا فى هذا الطواف كما فى حديث ابن عمر ولم يقبله، وإنما قبل الحجر الأسود وذلك فى كل طوفة.
قلت: والسنة فى الحجر الأسود تقبيله إن تيسر ذلك ، فإن شق التقبيل استلمه بيده وقبلها، وإلا استلمه بنحو عصا وقبلها
وإلا أشار إليه، ولا يقبل ما يشير به ولا يشرع شئى من هذا فى الأركان الأخرى إلا الركن اليمانى فإنه يحسن استلامه
أى لمسه فقط، وفى المواهب وشرحه للزرقانى: واعلم أن للبيت أربعة أركان، الأول له فضيلتان، كون الحجر الأسود
فيه وكونه على قواعد إبراهيم أى أساس بنائه، والثانى وهو الركن اليمانى الثانية فقط، وليس للآخرين شئ منهما
فلذلك يقبل الأول كما فى الصحيحين عن ابن عمر: أنه مؤفقة قبل الحجر الأسود. وفى البخارى عن ابن عمر: رأيت
رسول الله وَ الله يستلمه ويقبله. ويستلم الثانى فقط لما فى الصحيح عن ابن عمر: أنه مُؤثّه كان لا يستلم إلا الحجر والركن
اليمانى. ولا يقبل الآخران ولا يستمان اتباعا للفعل النبوى لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم ، هذا على قول الجمهور.
واستحب بعضهم تقبيل اليمانى أيضا، وأجاب الشافعى عن قول من قال كمعاوية «وقد قبل الأربعة ليس شئ من البيت
مهجورا، فرد عليه ابن عباس فقال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، بأنا لم ندع استلامهما هجرا للبيت، وكيف
يهجره وهو يطوف به، ولكنا نتبع السنة فعلا أو تركا، ولو كان ترك استلامهما هجرا لها لكان ترك استلام ما بين
الأركان هجرا لها، ولا قائل به، وروى الشافعى عن ابن عمر قال: استقبل رسول اللّه مَبة الحجر الأسود فاستلمه أى
مسح يده عليه ثم وضع شفتيه عليه طويلا يقبله. ومفاده استحباب الجمع بينهما - انتهى. ويسن التكبير عند الركن
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
فطاف سبعا، فرمل ثلاثا، ومشى أربعا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم، فقرأ (واتخذوا من مقام إبراهيم
مصلى) فصلى ركعتين ، فجعل المقام بينه وبين البيت. وفى رواية أنه قرأ فى الركعتين (قل هو الله
أحد) و﴿قل يا أيها الكافرون)
الأسود فى كل طوفة لحديث ابن عباس الآتى فى باب الطواف: قال طاف التى مرؤثّ بالبيت على بعيره كلما أتى الركن
أشار إليه بشئى كان عنده وكبر ، رواه البخارى. قال الألبانى: وأما التسمية ظم أرها فى حديث مرفوع، وإنما صح عن
ابن عمر أنه كان إذا استلم الحجر قال: بسم الله والله أكبر. أخرجه البيهقى (ج ٥: ص ٧٩) وغيره بسند صحيح كما
قال النووى والعسقلانى. ووهم ابن القيم فذكره من رواية الطبرانى مرفوعا، وإنما رواه موقوفا كالبيهقى كما ذكر الحافظ فى
التلخيص - انتهى (فطاف سبعا) كذا فى جميع النسخ من المشكاة، وهكذا وقع فى المصابيح، وفى رواية مختصرة عند
النسائى والترمذى وليس هو عند مسلم (فرمل) أى مشى بسرعة مع تقارب الخطى وهز كتفيه، وفى رواية لمسلم ،ثم مشى
على يمينه فرمل، (ثلاثا) أى ثلاث مرات من الأشواط السبعة، زاد فى رواية لأحمد «حتى عاد إليه)) (ومشى) أى على
السكون والهيئة (أربعا) أى فى أربع مرات، وكان مضطبعا فى جميعها، والاضطباع أن يجعل وسط الرداء تحت منكبه
الأيمن ويجعل طرفيه على عاتقه الأيسر ويكون منكبه الأيمن منكشفا والأيسر مستورا. قال النووى: فى الحديث أن
المحرم إذا دخل مكة قبل الوقوف بعرفات يسن له طواف القدوم وهو مجمع عليه، وفيه أن الطواف سبعة أشواط . وفيه
أن السنة الرمل فى الثلاث الأول ويمشى على عادته فى الأربع الأخيرة (ثم تقدم) قال القارى: وفى نسخة صحيحة من
فسخ مسلم ((نفذ) بالنون والفاء والذال المعجمة، أى توجه، قلت: وكذا وقع فى رواية لابن الجارود (إلى مقام إبراهيم)
بفتح الميم أى موضع قيامه، وهو الحجر الذى قام عليه عند بناء البيت، وفيه أثر قدميه، موضوع قبالة البيت
(فقرأ: واتخذوا) بكسر الخاء على الأمر وبفتحها على الخبر (من مقام إبراهيم) أى بعض حواليه (مصلى) بالتنوين أى.
موضع صلاة الطواف (فصلى ركعتين) كذا فى جميع النسخ الحاضرة عندنا، وهكذا وقع فى المصابيح، وفى السنن للنسائى
والترمذى، وليس هو عند مسلم، ووقع عند أحمد وابن الجارود «حتى إذا فرغ، أى من الطواف «عمد إلى مقام إبراهيم.
فصلى خلفه ركعتين)، (فجعل المقام بينه وبين البيت) أى صلى خلفه يانا للأفضل وإن جاز فى أى موضع شاء (وفى رواية).
وفى المصابيح ((ويروى)) وفى صحيح مسلم («فكان أبى أى محمد بن على بن الحسين يقول ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي ◌َّ كان
يقرأ فى الركعتين، إلخ (أنه قرأ فى الركعتين) أى بعد الفاتحة (قل هو الله أحد) أى إلى آخرها فى إحداهما (وقل يا أيها
الكافرون) أى بتمامها فى الأخرى. والواو لمطلق الجمع فلا إشكال. قال الطبى: كذا فى صحيح مسلم وشرح السنة فى.
إحدى الروايتين ، وكان من الظاهر تقديم سورة الكافرون كما فى رواية المصابيح. وقال النووى: معناه قرأ
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ ﴿إن الصفا
والمروة من شعائر الله) أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا، فرقى عليه حتى رأى البيت، فاستقبل
القبلة فوحد الله وكبره وقال: لا إله إلا اللّه
فى الركعة الأولى بعد الفاتحة ((قل يا أيها الكافرون)) وفى الثانية بعد الفاتحة ((قل هو الله أحد)، وقد ذكر البيهقى (ج ):
ص ٩١) بإسناد صحيح على شرط مسلم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن التى تَّ طاف بالبيت فرمل من
الحجر الأسود ثلاثا ثم صلى ركعتين قرأ فيهما (قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد، كذا فى المرقاة. قلت: وفى رواية
النسائى ((فصلى ركعتين فقرأ فاتحة الكتاب، وقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد، وفى رواية للترمذى ((قرأ فى
وكعتى الطواف بسورتى الإخلاص: ((قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد)). وفى الحديث دليل لما أجمع عليه العلماء
أنه يتبنى لكل طائف إذا فرغ من طوافه أن يصلى خلف المقام ركعتى الطواف، واختلفوا هل هما واجبتان أم سنتان؟
وسيأتى ذكر الخلاف فى باب الطواف إن شاء الله (ثم رجع إلى الركن فاستلمه) قال النووى: فيه دلالة لما قاله الشافعى
وغيره من العلماء أنه يستحب للطائف طواف القدوم إذا فرغ من الطواف وصلاته خلف المقام أن يعود إلى الحجر
الأسود فيستلمه ثم يخرج من باب الصفا ليسعى، واتفقوا على أن هذا الاستلام ليس بواجب وإنما هو سنة لو تركه لم
يلزمه دم ـ انتهى. وعند الحنفية العود إلى الحجر إنما يستحب لمن أراد السعى بعده وإلا فلا، كما فى البحر وغيره (ثم خرج
من الباب) أى باب الصفا (إلى الصفا) أى إلى جانبه، قال فى الهداية: إن خروجه عليه الصلاة والسلام من باب الصفا
لأنه كان أقرب الأبواب إلى الصفالا أنه سنة. والصفا والمروة علما جلين بمكة ومن مشاعرها (فلما دنا) أى قرب
(قرأ: إن الصفا والمروة من شعائر الله) أى من أعلام مناسكه. قال القارئ: جمع شعيرة وهى العلامة التى جعلت
الطاعات المأمور بها فى الحج عندها كالوقوف والرمى والطواف والسعى (أبدأ) بصيغة المتكلم أى وقال أبدأ (بما بدأ الله به)
يعنى أبتدأ بالصفا لأن الله بدأ بذكره فى كلامه، فالترتيب الذكرى له اعتبار فى الأمر الشرعى إما وجوبا أو استحبابا وإن
كانت الواو لمطلق الجمع فى الآية. قال السندى: هذا يفيد أن بداءة اللّه تعالى ذكرا تقتضى البداءة عملا، والظاهر أنه
يقتضى ندب البداءة عملا لا وجوبا، والوجوب فيما نحن فيه من دليل آخر (فبدأ) أى فى سعيه (فرقى) بكسر القاف أى
صعد (عليه) أى على جبل الصفا (حتى رأى البيت) أى إلى أن رآه (فاستقبل القبلة) وضع الظاهر موضع الضمير تنصيصا
على أن البيت قبلة وتنبيها على أن المقصود بالذات هو التوجه إلى القبلة لا خصوص روية البيت ، قاله القارى. وقال فى
المعات: وكان إذ ذاك يرى من الصفا، والآن حجبها بناء الحرم (وقال: لا إله إلا الله) قال الطبي: إنه قول آخر غير
التوحيد والتكبير، ويحتمل أن يكون كالتفسير له والبيان، والتكبير وإن لم يكن ملفوظا به لكن معناه مستفاد من هذا
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز
وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم
نزل ومشى إلى المروة،
القول، أى لأن معنى التكبير التعظيم. قال القارى: والأظهر أنه قول آخر (وحده) حال مؤكدة أى منفردا بالألوهية
أو متوحدا بالذات (لا شريك له) فى الألوهية فيكون تأ كيدا، أو فى الصفات فيكون تأسيسا وهو الأولى (له الملك وله
الحمد) زاد فى رواية أبى داود والنسائى والدارمى وابن ماجه والبيهقى والشافعى «يحيى ويميت، (أنجز وعده) أى وفى
بما وعده بإظهاره عز وجل الدين (ونصر عبده) أى عبده الخاص نصرا عزيزا، وعند أحمد ((صدق عبده)) بدل ((قصر))
ومعنى تصديق الله تعالى لعبده تأيده بالمعجزات والله تعالى أعلم (وهزم) وفى رواية «وغَلب)) (الأحزاب وحده) أى
هزمهم بغير قتال من الآدميين ولا بسبب من جهتهم. قال تعالى ﴿فأرسلنا عليهم ريحا وجنود المتروها - ٩:٢٣ ) والمراد
بالأحزاب الذين تجزبوا على رسول الله وروائي يوم الخندق، وكان ذلك فى شوال سنة أربع من الهجرة ، وقيل سنة خمس
ويمكن أن يكون المراد بالأحزاب أنواع الكفار الذين تحزبوا لحرب رسول الله مزي وغلبوا بالهزيمة والفرار (ثم)
مجرد الترتيب دون التراخى (دعا بين ذلك) أى بين مرات هذا الذكر بما شاء (قال مثل هذا) أى الذكر
(ثلاث مرات) قال الطبي: كلمة ((ثم)، تقتضى التراخى وأن يكون الدعاء بعد الذكر، و«بين)) تقتضى التعدد والتوسط بين
الذكر بأن يدعو بعد قوله ((على كل شئى قدير، الدعاء، فتمحل من قال: لما فرغ من قوله ((وهزم الأحزاب وحده، دعا
بما شاء، ثم قال مرة أخرى هذا الذكر ثم دعا ، حتى فعل ذلك ثلاثا، فهذ إنما يستقيم على التقديم والتأخير بأن يذكر قوله
وثم دعا بين ذلك)) بعد قوله ((قال مثل هذا ثلاث مرات)) وتكون (ثم)) للتراخى فى الإخار لا تأخر زمان الدعاء عن
الذكر ، ويلزم أن يكون الدعاء مرتين - انتهى. وقال السندى: يقول الذكر ثلاث مرات ويدعو بعد كل مرة. قال
النووى: قوله «أبدأ بما بدأ الله به)) إلخ. فى هذا أنواع من المناسك: منها أن السعى يشترط فيه أن يبدأ من الصفا وبه
قال الشافعى ومالك والجمهور. وقد ثبت فى رواية النسائى فى هذا الحديث بإسناد صحيح أن النبي مزثم قال: ابدأوا بما
بدأ الله به. هكذا بصيغة الجمع. ومنها أنه ينبغى أن يرقى على الصفا والمروة، وفى هذا الرقی خلاف، قال جمهور
أصحابنا: هو سنة ليس بشرط ولا واجب، فلو تركه صح سعيه، لكن فاتته الفضيلة. قال أصحابنا: يستحب أن يرقى.
على الصفا والمروة حتى يرى البيت إن أمكنه. ومنها أنه يسن أن يقف على الصفا مستقبل الكعبة ويذكر الله تعالى
بهذا الذكر المذكور ويدعو ويكرر الذكر والدعاء ثلاث مرات، هذا هو المشهور عند أصحابنا. وقال جماعة من أصحابنا
يكرر الذكر ثلاثا والدعاء مرتين فقط والصواب الأول - انتهى (ثم نزل ومشى إلى المروة) كذا فى جميع النسخ ،
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
حتى انصبت قدماه فى بطن الوادى، ثم سعى حتى إذا صعدتا مشى، حتى أتى المروة، ففعل على
المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طواف على المروة، نادى وهو على المروة والناس تحته،
وهكذا فى المصابيح، وفى مسلم («ثم نزل إلى المروة)) وفى رواية للنسائى ((ثم نزل ماشياء أى إلى المروة (حتى انصبت)
بتشديد الباء (قدماه) أى اتحدرنا بالسهولة، ومنه «إذا مشى كأنه ينحط فى صبب) أى موضع منحدر، وهو مجاز من
قولهم («صببت الماء فانصب، أى سكبته فانسكب (فى بطن الوادي) أى المسعى، وفى رواية للنسائى ((فى بطن المسيل)» يعنى
اتحدرنا بالسهولة حتى وصلتا إلى بطن الوادى، والمراد به المنخفض منه (ثم سعى) وفى رواية لأحمد «رمل)، يعنى أسرع
فى المشى مع تقارب الخطى فى بطن الوادى (حتى إذا صعدتا) بكسر العين ، أى ارتفعت قدماه عن بطن الوادى وخرجتا
منه إلى طرفه الأعلى. قال الطيبي: معناه ارتفعتا عن بطن الوادى إلى المكان العالى لأنه فى مقابلة ((انصبت قدماه، أى
دخلنا فى الحدور (مشى) أى سار على السكون ، يعنى إذا بلغ المرتفع من الوادى مشى باقى المسافة إلى المروة على عادة
مشيه. قال النووى: فيه استحباب السعى الشديد فى بطن الوادى حتى يصعد ثم يمشى باقى المسافة إلى المروة على عادة
مشيه، وهذا السعى مستحب فى كل مرة من المرات السبع فى هذا الموضع، والمشى مستحب فیما قبل الوادى وبعده ، ولو
مشى فى الجميع أو سى فى الجميع أجزأه وفاتته الفضيلة، هذا مذهب الشافعى وموافقيه. وعن مالك فيمن ترك
السعى الشديد فى موضعه روايتان: إحداهما كما ذكر، والثانية تجب عليه إعادته - انتهى. وقال فى اللباب: ويستحب
أن يكون السعى بين الميلين فوق الرمل دون العدو، وهو فى كل شوط ، أى بخلاف الرمل فى الطواف فإنه مختص
بالثلاثة الأول خلافا لمن جعله مثله، فلو تركه أو هرول فى جميع السعى، فقد أساء ولا شئ عليه ، وإن عجز عنه صبر
حتى يجد فرجة، وإلا تشبه بالساعی فی حر کته، وإن کان على دابة حر کھا من غير أن یؤدی أحدا ۔ اتھی (حتى أتى
المروة) زاد فى رواية أحمد «فرقى عليها حتى نظر إلى البيت)) (ففعل على المروة كما فعل) أى مثل فعله (على الصفا) من
الرقى واستقبال القبلة والذكر والدعاء. قال النووى: فيه أنه يسن عليها من الذكر والدعاء والرقى مثل ما يسن على الصفا،
وهذا متفق عليه (حتى إذا كان) قامة أى وجد ( آخر طواف) أى سعى (على المروة) متعلق بكان وفى رواية لأحمد وابن
الجارود («فلما كان السابع عند المروة)، قال النووى: قوله ((حتى إذا كان آخر طواف على المروة) فيه دلالة لمذهب
الشافعى والجمهور أن الذهاب من الصفا إلى المروة يحسب مرة ، والرجوع إلى الصفا ثانية ، والرجوع إلى المروة ثالثة
وهكذا فيكون ابتداء السبع من الصفا وآخرها بالمروة. وقال ابن بنت الشافعى وأبو بكر الصيرفى من أصحابنا: يحسب الذهاب
إلى المروة والرجوع إلى الصفا مرة واحدة فيقع آخر السبع فى الصفا، وهذا الحديث الصحيح يرد عليهما. وكذلك
عمل المسلمين على تعاقب الأزمان، والله أعلم - انتهى (نادى وهو على المروة والناس تحته) كذا فى جميع النسخ
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
فقال: لو أنى استقبلت من أمرى ما استدبرت، لم أسق الهدى، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس
معه هدى، فليحل وليجعلها عمرة.
الحاضرة عندنا ، وهكذا فى المصابيح، وليست هذه الجملة فى صحيح مسلم (فقال) وفى بعض النسخ ((قال)) أى بدون الفاء،
قال الطبي: هو جواب إذا، قال القارى: وفى نسخة صحيحة أى من المشكاة ((فقال)) بزيادة الفاء، وأما ما فى بعض
النسخ ((نادى وهو على المروة والناس تحته فقال)) فلا أصل له، وزاد فى رواية لأحمد وابن الجارود بعد قوله ((قال،
(يا أيها الناس» (لو أنى استقبلت) أى لو علمت فى قبل (من أمرى ما استدبرت) أى ما علمته فى دبر منه، والمعنى لو ظهر.
لى هذا الرأى الذى رأيته الآن لأمرتكم به فى أول أمرى وابتداء خروجى و(لم أسق الهدى) بضم السين ، يعنى لما جعلت
على هديا وأشعرته وقادته وسقته بين يدى فإنه إذا ساق الهدى لا يحل حتى ينحر ولا ينحر إلا يوم النحر ، فلا يصح له
فسخ الحج بعمرة بخلاف من لم يسق، إذ يجوز له فسخ الحج، وهذا صريح فى أنه مَّه لم يكن متمتعا. قال الخطابي:
إنما قال هذا استطابة لنفوس أصحابه لئلا يجدوا فى أنفسهم أنه أمرهم بخلاف ما يفعله فى نفسه. وقد يستدل بهذا الحديث
من يجعل التمتع أفضل (وجعلتها) أى الحجة (عمرة) يعنى كنت متمتعا من أول الأمر من غير سوق الهدى ، وقال
القارى: أى جعلت إحرامى بالحج مصروفا إلى العمرة كما أمرتكم به موافقة. قال ابن القيم فى شرح قوله مزيّ هلو أنى
استقبلت من أمرى ما استدبرت، إلخ: يعنى أنه لو كان هذا الوقت الذى تكلم فيه هو وقت إحرامه لكان أحرم بعمرة ولم
يسق الهدى، لأن الذى استدبره هو الذى فعله ومضى فصار خلفه والذى استقبله هو الذى لم يفعله بعد، بل هو أمامه،
فقتضاه أنه لو كان كذلك لأحرم بالعمرة دون هدى. وقال الزرقانى فى شرحه: أى لو عن لى هذا الرأى الذى رأيته
آخرا وأمرتكم به فى أول أمرى لما سقت الهدى، أى لما جعلت على هديا وسقته بين يدى، فإن من ساقه لا يحل حتى
ینحرهوإِنما ینحره يوم النحر ، فلا يصح له فسخ الحج بعمرة، ومن لا هدی معه يجوز له فسخه۔انتھی. قال النووي: وفى الحديث
دليل على جواز قول ((لو) فى التأسف على فوات أمور الدين ومصالح الشرع، وأما الحديث الصحيح فى أن ((و)، تفتح
عمل الشيطان ، فمحمول على التأسف على حظوظ الدنيا ونحوها وقد کثرت الأحاديث الصحيحة فى استعمال «أو» فی غیر
حظوظ الدنيا ونحوها ، فيجمع بين الأحاديث بما ذكرناه، والله أعلم (فمن كان منكم) الفاء جواب شرط محذوف،
أى إذا كان الأمر ما ذكرت من أنى سقت الهدى فمن كان منكم (ليس معه هدى) بإسكان الدال وكسرها وتشدد الياء
مع الكسرة وتخفف مع الفتح ، قاله النووى (فليحل) بكسر الحاء ، وفى رواية عند أحمد «فليحلل، بسكون الحاء، أى
ليصر حلالا وليخرج من إحرامه بعد فراغه من أفعال العمرة (وليجعلها) أى الحجة (عمرة) إذ قد أبيح له ما حرم عليه
بسبب الاحرام حتى يستأنف الاحرام للحج، والواو لمطلق الجمع إذ الجعل مقدم على الخروج، لأن المراد من الجعل
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
فقام سراقة بن مالك بن جعشم، فقال: يا رسول الله! ألعامنا هذا أم لأبد؟ فشبك رسول الله
ريّ أصابعه واحدة فى الأخرى، وقال: دخلت العمرة فى الحج. مرتين، لا بل لأبد أبد.
الفسخ، وهو أن يفسخ نية الحج ويقطع أفعاله ويجعل إحرامه وأفعاله للعمرة ، أو الواو للعطف التفسيرى قاله القارى.
وفى رواية عطاء عن جابر عند البخارى ومسلم ((فقال: أحلوا من إحرامكم، (أى اجعلوا حجكم عمرة وتحللوا منها
بالطواف والسعى) فطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة وقصروا وأقيموا حلالا حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج،
واجعلوا التى قدمتم بها متعة. قال الحافظ: أى اجعلوا الحجة المفردة التى أمللتم بها عمرة تتحللوا منها فتصيروا متمتعين،
فأطلق على العمرة متعة مجازا ، والعلاقة بنهما ظاهرة ۔ انتهى (فقام سراقة بن مالك بن جعشم) زاد فى رواية أحمد وابن
الجارود ((وهو فى أسفل المروة)) وسراقة بضم السين وتخفيف الراء وقاف، وهو الكنانى المدلجى، وقد ينسب إلى جده ،
يكنى أبا سفيان، وهو الذى ساخت فرسه فى قصة الهجرة، وأسلم يوم الفتح. قال أبو عمر: مات فى خلافة عثمان سنة
أربع وعشرين ، وقيل بعد عثمان. وجده جعثم بضم الجيم وسكون المهملة وضم المعجمة وفتحها لغة حكاما الجوهرى
(ألعامنا هذا أم لابد؟) معناه هل جواز فسخ الحج إلى العمرة (كما هو الظاهر من سياق الحديث) أو الإتيان بالعمرة
فى أشهر الحج أو مع الحج يختص بهذه السنة أم للأبد؟ أى من الحال والاستقبال، وفى رواية للنسائى وابن ماجه
والبيهقى ((أرأيت عمرتنا)، وفى لفظ ((متعتنا، ألعامنا هذا أم للا بد؟ (واحدة فى الأخرى) أى جعل واحدة من الأصابع فى
الأخرى، فواحدة منصوب بعامل مضمروالحال مؤكدة (وقال دخلت العمرة فى الحج) زادفى رواية ابن الجارود وأحمد
«إلى يوم القيامة)) (مرتين) أى قالها مرتين (لا) أى ليس لعامنا هذا فقط (بل لأبد أبد) بإضافة الأول إلى الثانى، والأبد
الدهر، أى هذا الآخر الدهر، أو بغير الإضافة وكرره للتأكيد، وزادفى رواية ابن الجارود وأحمد «ثلاث مرات، يعنى أن ذلك
جائز فى كل عام لا يختص بعام دون آخر إلى يوم القيامة، وكرر ذلك ثلاثا للتأكيد «وشبك بين أصابعه)) إشارة إلى اشتراك
كل الأعوام فى ذلك بدون اختصاص أحدها، وقد اختلف العلماء فى سؤال سراقة، فقال بعضهم المراد منه الاتيان
بالعمرة فى أشهر الحج. وذهب فريق إلى أن المراد بذلك القران ، يعنى اقتران الحج بالعمرة ، وقال آخرون: المراد منه
فسخ الحج إلى العمرة، فعلى الأول يكون معنى قوله مَّى (دخلت العمرة فى الحج، أى حلت العمرة فى أشهر الحج وصحت
والمقصود إبطال ما زعمه أهل الجاهلية من أن العمرة لا تجوز فى أشهر الحج، وعليه الجمهور. وعلى الثانى دخلت العمرة
فى الحج أى اقترنت به لا تنفك عنه لمن نواهما معا، وتندرج أفعال العمرة فى أفعال الحج حتى يتحلل منهما معا. قيل:
ويدل عليه تشبيك الأصابع ، وفيه أنه حينئذ لا مناسبة بين السؤال والجواب فتدبر، وعلى الثالث أى دخلت نية العمرة
فى نية الحج بحيث أن من نوى الحج صح له الفراغ منه بالعمرة ، قال النووى: وهو ضعيف. وقال القارى بعد ذكره:
١٢
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠- كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
أقول هذا هو الظاهر من سياق الحديث وسباقه ، والله تعالى أعلم. وقال الحافظ: وتعقب أى كلام النووی بأن سياق
السؤال يقوى هذا التأويل، بل الظاهر أن السؤال وقع عن الفسخ، والجواب وقع عما هو أعم من ذلك حتى يتناول
التأويلات المذكورة -انتهى. وقيل: معنى دخولها فى الحج سقوط وجوب العمرة بوجوب الحج. قال النووي: وسياق الحديث
يقتضى بطلان هذا التأويل. قلت: حديث جابر هذا صريح فى أن سؤال سراقة عن فسخ الحج إلى العمرة وجواب
النبي يُفّ له يدل على تأيد مشروعيته كما ترى، لأن الجواب مطابق للسؤال، ومعنى فسخ الحج إلى العمرة أن من أحرم
بالحج مفردا أو قارنا ولم يسق الهدى وطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة قبل الوقوف بعرفة، له أن يفسخ نيته بالحج
وينوى عمرة مفردة فيقصر ويحل من إحرامه ليصير متمتعا ، وقد اختلف العلماء فى هذا الفسخ هل هو خاص
بالصحابة تلك السنة خاصة أم باق ولغيرهم إلى يوم القيامة؟ فقال أحمد والظاهرية وعامة أهل الحديث: ليس خاصا بل
هوباق إلى يوم القيامة، فيجوز لكل من أحرم بحج مفردا أو قارنا وليس معه هدى أن يقلب إحرامه عمرة، ويتحلل بأعمالها .
وقال مالك والشافعى وأبو حنيفة وجماهير العلماء من السلف والخلف: هو مختص بهم فى تلك السنة لا يجوز بعدها، وإنما
أمروا به تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة فى أشهر الحج، واستدل للجمهور بحديث أبي ذر
عند مسلم .قال كانت المتعة فى الحج لأصحاب محمد مَّل خاصة)، وفى رواية ((قال كانت لنا رخصة)) يعنى المتعة فى الحج. ومراد
أبى ذر بالمتعة المذكورة المتعة التى أمر النبي مَثَه بها أصحابه، وهى فسخ الحج إلى العمرة، واستدلوا على أن الفسخ المذكور
هو مراد أبى ذررضى الله عنه بما رواه أبو داود بسنده أن أبا ذر كان يقول فى من حج ثم فسخها بعمرة لم يكن ذلك إلا للركب
الذين كانوا مع رسول اللّه مَّة، قالوا فهذه الرواية فيها التصريح من أبى ذر بفسخ الحج فى العمرة، وهى تفسر مراده
بالمتعة فىرواية مسلم، و ضعفت رواية أبى داود هذه بأن فى سنده محمد بن إسحاق وهو مدلس، وقد رواه عن
عبد الرحمن بن الأسود بالعنعنة، وعنعنة المدلس لا تقبل عند أهل الحديث حتى يصح السماع عن طريق أخرى، وأجيب
عن تضعيف هذه الرواية بوجهين، الأول: أن مشهور مذهب مالك وأحمد و أبى حنيفة صحة الاحتجاج بالمرسل، ومعلوم أن من
يحتج بالمرسل يحتج بعنعنة المداس من باب أولى، والثانى أن المقصود من رواية أبى داود المذكورة بيان المراد برواية مسلم، والبيان
يقع بكل ما يزيل الابهام ولو قرينة أو غيرها كما هو مقرر فى الأصول، واستدل أيضا للجمهور القائلين بأن الفسخ المذكور خاص
بذلك الركب وتلك السنة بما رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارمى من طريق ربيعة بن أبى عبدالرحمن عن الحارث
ابن بلال بن الحارث عن أبيه قال: قلت يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة؟ قال بل لكم خاصة، ورد.
المجوزون للفسخ استدلال الجمهور بالحديثين المذكورين من جهتين: الأولى تضعيف الحديثين المذكورين، قالوا: حديث
بلال بن الحارث فيه ابنه الحارث بن بلال وهو مجهول. وقال أحمد : حديث بلال بن الحارث عندى ليس يثبت ولا
١٣
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
أقول به ولا يعرف هذا الرجل يعنى الحارث بن بلال. قال: وقد روى فسخ الحج إلى العمرة أحد عشر صحابيا ، أين
يقع الحارث بن بلال منهم؟ قالوا : وحديث أبي ذر عند مسلم موقوف عليه وليس بمرفوع، وإذا كان الأول فى سنده
مجهول والثانى موقوفا فيما هو مسرح للاجتهاد تبين عدم صلاحيتهما للاحتجاج ، والثانية من جهتى رد الحديثين المذكورين
هى أنهما معارضان بأقوى منهما وهو حديث جابر الذى نحن فى شرحه وأجاب الجمهور عن تضعيف الحديثين
المذكورين بأن حديث بلال المذكور سكت عليه أبو داود ، ومعلوم من عادته أنه لا يسكت إلا عن حديث صالح
للاحتجاج ولم يثبت فى الحارث بن بلال جرح. وقد قال الحافظ فى التقريب فيه «هو مقبول، قالوا واعتضد حديثه بما
رواه مسلم وأبو داود عن أبى ذر كما تقدم، وأما حديث أبى ذر فإن قلنا إن الخصوصية التى ذكرها أبو ذر بذلك
الركب مما لا مجال للرأى فيه فهو حديث صحيح له حكم الرفع، وقائله اطلع على زيادة علم خفيت على غيره، وإن قلنا إنه
مما للرأى فيه مجال وحكمنا بأنه موقوف على أبى ذر فصدق لهجة أبى ذر المعروف وتقاه وبعده من الكذب يدلنا على أنه
ما جزم بالخصوصية المذكورة إلا وهو عارف صحة ذلك، قالوا: ورد حديث الحارث بن بلال بأنه مخالف لحديث جابر
فى سؤال سراقة المدلجى النبى مَثّ وإجابته له بقوله «بل للأبد، لا يستقيم، لأنه لا معارضة بين الحديثين لا مكان الجمع
بينهما ، والمقرر فى علم الأصول وعلم الحديث أنه إذا أمكن الجمع بين الحديثين وجب الجمع بينهما إجماعا ولا يرد غير
الأقوى منهما بالأقوى لأنهما صادقان وليسا بمتعارضين ، وإنما أجمع أهل العلم على وجوب الجمع بين الدليلين إن
أمكن ، لأن إعمال الدليلين معا أولى من إلغاء أحدهما كما لا يخفى، ووجه الجمع بين الحديثين المذكورين أن حديثى بلال
ابن الحارث المزنى وأبى ذر رضى الله عنهما محمولان على أن معنى الخصوصية المذكورة التحتم والوجوب فتحتم فسخ الحج
فى العمرة ووجوبه خاص بذلك الركب لأمره ريت لهم بذلك، ولا ينافى ذلك بقاء جوازه ومشروعيته إلى أبد الأبد. وقوله
فى حديث جابر «بل للا بدء محمول على الجواز وبقاء المشروعية إلى الأبد فاتفق الحديثان، كذا حقق الشيخ الشنقيطى
فى ((أضواء البيان، ثم قال: الذى يظهر لنا صوابه فى حديث «بل للأبد، وحديث الخصوصية بذلك الركب المذكورين هو
ما اختاره العلامة الشيخ تقى الدين أبو العباس بن تيمية، وهو الجمع المذكور بين الأحاديث بحمل الخصوصية المذكورة
على الوجوب والنحتم وحمل التأبيد المذكور على المشروعية والجواز أو السنة، ولا شك أن هذا هو مقتضى الصناعة
الأصولية والمصطلحية كما لا يخفى. وقال أيضا: والصواب هو ما ذكرنا من الجمع بين الأدلة، ووجهه ظاهر لا إشكال
فيه . وقال النووى فى شرح المهذب فى الجواب عن قول الإمام أحمد «أین یقع الحارث بن بلال من أحد عشر صحابيا
رووا الفسخ عنه مَّ، ما نصه: قلت: لا معارضة بينهم وبينه حتى يقدموا عليه لأنهم أثبتوا الفسخ للصحابة ولم يذكروا
حكم غيرهم ، وقد وافقهم الحارث فى إثبات الفسخ للصحابة، ولكنه زاد زيادة لا تخالفهم وهى اختصاص الفسخ بهم -
١٤
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
انتهى. قلت: وقد اختلف القائلون بالفسخ فى حكمه هل هو واجب أو مستحب، فذهب الإمام أحمد إلى أنه مستحب،
ومال فريق إلى الوجوب، منهم ابن حزم وابن القيم. قال ابن حزم: وهو قول ابن عباس وعطاء ومجاهد وإسحاق.
قلت: واستدل لهم بما رواه أحمد وابن ماجه وأبو يعلى من حديث البراء بن عازب، قال: خرج رسول اللّه مَثـ
وأصحابه، قال : فأحرمنا بالحج، فلما قدمنا مکة قال : اجعلوا حجكم عمرة ، قال : فقال الناس : یا رسول الله قد احرمنا
بالحج فكيف نجعلها عمرة؟ قال: انظروا ما آمركم به فافعلوا فردوا عليه القول فنضب ثم انطلق حتى دخل على عائشة
غضبان فرأت الغضب فى وجه فقالت: من أغضبك أغضبه الله، قال: وما لى لا أغضب وأنا آمر بالأمر فلا أتبع. قال
ابن القيم بعد ذكر حديث البراء: ونحن نشهد الله علينا أنا لو أحرمنا بحمج لرأينا فرضا علينا فسخه إلى عمرة تفاديا من
غضب رسول الله ،ٹے واتباعا لأمره، فو الله ما نسخ هذا فی حیاته ولا بعده ولا صح حرف واحد يعارضه ولا خص
به أصحابه دون من بعدهم بل أجری الله علی لسانسراقة ان سأله مل ذلك مختص بهم فأجابه بأن ذلك كان لابد الأبد فما
تدرى ما يقدم على هذه الأحاديث (يعنى التى تدل على جواز فسخ الحج إلى العمرة) وهذا الأمر المؤكد الذى غضب
رسول اللّه ◌َّ على من خالفه - انتهى. قال الشوكانى: استدل بقول البراء ((فتضب) من قال بوجوب الفسخ لأن الأمر
لو كان أمر ندب لكان المأمور مخيرا بين فعله وتركه، ولما كان يغضب رسول الله مرثيةم عند مخالفته لأنه لا ينضب إلا
لانتهاك حرمة من حرمات الدين لا مجرد مخالفة ما أرشد إليه على جهة الندب ولا سيما وقد قالوا له: قد أحرمنا بالحج
فكيف نجعلها عمرة؟ فقال لهم: انظروا ما آمركم به فافعلوا، فإن ظاهر هذا أن ذلك أمر حتم لأن النبي مؤثّ لو كان
أمره ذلك لبيان الأفضل أو لقصد الترخيص لهم بين لهم بعد هذه المراجعة أن ما أمرتكم به هو الأفضل، أو قال لهم إنى
أردت الترخيص لكم والتخفيف عنكم (قال) وقد أطال ابن القيم فى الهدى الكلام على الفسخ ورجح وجوبه وبين بطلان
ما احتج به المانعون منه، فمن أحب الوقوف على جميع ذيول هذه المسئلة فليراجعه، وإذا كان الموقع فى مثل هذا المضيق
هو إفراد الحج فالحازم المتحرى لدينه الواقف عند مشتبهات الشريعة ينبغى له أن يجعل حجه من الابتداء متمتعا أو قرانا
مما هو مظنة البأس إلى ما لا بأس به، فإن وقع فى ذلك فالسنة أحق بالاتباع، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل - انتهى.
قلت: القول الراجح عندنا هو ما ذهب إليه أحمد ومن وافقه من أن نسخ الحج إلى العمرة ليس خاصا للصحابة فى تلك
السنة بل يجوز أويسن ويستحب لكل من أحرم بحج وليس معه هدى أن يقلب إحرامه عمرة ويتحلل بأعمالها ليصير منمتها
وأما حديث أبى ذر وبلال بن الحارث فمحمولان على الوجوب يعنى أن وجوب فسخ الحج إلى العمرة خاص بذلك.
الركب فى تلك السنة ، وأما الجواز والاستحباب فهو باق للأمة إلى يوم القيامة ، وهو محمل حديث جابر وغيره من
أحاديث الفسخ، ولا منافاة بين اختصاص الوجوب بالصحابة وبين بقاء المشروعية والاستحباب إلى أبد الأبد، وعلى ذلك
١٥
1
مرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
وقدم على من اليمن بدن النبى معَّة، فقال: ماذا قلت حين فرضت الحج؟ قال قلت: اللهم إنى
أهل بما أهل به رسولك.
حمل الإمام ابن تيمية تلك الأحاديث كما تقدم وهو محمل حسن، والله تعالى أعلم (وقدم على من اليمن) لأنه تَّ كان بعثه
إليها ، وقال ابن إسحاق: حدثنى عبد الله بن أبي نجيح أن رسول اللّه مَّه كان بعث عليا إلى نجران فلقيه بمكة ، وقد أحرم،
وفى رواية عطاء عن جابر كما سيأتى ((قال: فقدم على من سعادته، قال القاضى: أى من عمله فى السعى فى الصدقات. قال:
وقال بعض علمائنا: الذى فى غير هذا الحديث ((أن عليا إنما بعث أميرا لا عاملا على الصدقات، إذ لا يجوز استعمال بنى
هاشم على الصدقات، لقوله ◌َّ الفضل بن عباس وعبد المطلب بن ربيعة حين سألاه ذلك: إن الصدقة لا تحل لمحمد
ولا لآل محمد، ولم يستعملهما. قال القاضى: يحتمل أن عليا ولى الصدقات وغيرها احتسابا، أو أعطى عمالته عليها من
غير الصدقة. قال: وهذا أشبه لقوله (من سعادته)) والسعاية تختص بالصدقة. واستحسنه النووى إلا أنه ذهب إلى أن السعاية
لا تختص بالصدقة بل تستعمل فى مطلق الولاية وإن كان أكثر استعمالها فى الولاية على الصدقة ، واستدل لذلك بما فى
حديث حذيفة فى رفع الأمانة، قال ولقد اتیعلی زمان ولا أبالی أیکےبايعت، لئن كان مسلما ليردنه على دينه و لْن کان نصرانيا
أو يهوديا ليردنه على ساعيه يعنى الوالى عليه - انتهى (يدن النبي (مُشيع) بضم الياء وسكون الدال جمع بدنة بفتح الباء والدال، والبدنة
واحدة الايل سميت به لعظمها وسمنها، وتقع على الجمل والناقة وقد تطلق على البقرة. ونسبت لرسول اللّه مَّ لأن عليا
رضى الله عنه اشتراها له، لا أنها من السعاية على الصدقة كما يتبادر إلى الذهن، وكان عددها سبعا وثلاثين بدنة، وكان عدد
الهدى الذى ساقه النبى مَ ◌ّ معه من المدينة ثلاثا وستين بدنة كما جاء فى رواية الترمذى، وأعطى عليا البدن التى جاءت معه
من اليمن وهى تمام المائة. قال الزرقانى: ظاهر قوله «قدم على من اليمن يدن النبى معَثة) أن البدن للمصطفى. وفى النسائى
(ومسند أحمد والمنتقى لابن الجارود) ((قدم على من اليمن بهدى وساق النبى مَ يّهم من المدينة هديا» وظاهره أن الهدى
كان لعلى رضى الله عنه، فيحتمل أن عليا قدم من اليمن بهدى لنفسه وهدى النبي مزوّم فذكر كل راو واحدا منهما - انتهى.
وسيأتى مزيد الكلام فى هذا عند ذكر نحر هذه البدن إن شاء الله تعالى. ووقع عند مسلم وغيره بعد هذا («فوجد
(أى على) فاطمة ممن حل وليست ثيابا صيغا واكتحلت فأنكر ذلك عليها (ظنا أنه لا يجوز) فقالت إن أبى أمرنى بهذا ،
قال (أى جعفر بن محمد عن أبيه) فكان على يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله مرثية محرشا على فاطمة للذى صنعت
مستفتيا لرسول اللّه مَّه فيما ذكرت عنه، فأخبرته أنى أنكرت ذلك عليها فقال: صدقت، صدقت)) (فقال) أى التى ◌َّةُ
(ماذا قلت حين فرضت الحج؟) أى ألزمته على نفسك بالنية والتلبية ، وفى رواية أحمد وابن الجارود «وقال لعلى: بم
أملات؟، أى بأى شئى نويت حين أحرمت بحج أو عمرة أو بهما؟ (قال قلت: اللهم إنى أهل بما أهل به رسولك) فيه
١
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
قال: فإن معى الهدى، فلا تحل. قال: فكان جماعة الهدى الذى قدم به على من اليمن والذى أتى
به النبى معَّف مائة. قال: لحل الناس كلهم وقصروا، إلا النبى معَّم ومن كان معه هدى، فلما كان
يوم التروية
أنه يصح الإحرام معلقا وهو أن يحرم إحراما كاحرام فلان، فينعقد إحرامه ويصير محرما بما أحرم به فلان. قال
النووى: فى هذا الحديث دلالة لمذهب الشافعى وموافقيه أنه يصح الاحرام معلقا بأن ينوى إحراما كاحرام زيد فيصير
هذا المعلق کزید ، فإن كان زيد محرما بحج کانهذا بالحج أيضا، وإن کان بعمرة فعمرة ، وإن كان بهما فهما، وإن كان
زيد أحرم مطلقا صار هذا محرما إحراما مطلقا فيصرفه إلى ماشاء من حج أو عمرة ، ولا يلزمه موافقة زيد فى الصرف -
انتهى. ومذهب الحنفية فى ذلك أن الإحرام المعلق حكمه حكم الاحرام المبهم. أى يصح عندهم ولكن لا يلزمه موافقة من
أحرم على إحرامه (قال) أى النبيِ مَّ (فإن معى) بسكون الياءوفتحها، قال القارى: أى إذا علقت إحرامك بإحرامى
فإنى أحرمت بالعمرة ومعى (الهدى) ولا أقدر أن أخرج من العمرة بالتحلل (فلا تحل) نهى أو نفى، أى لا تحل أنت
بالخروج من الاحرام كما لا أحل حتى تفرغ من العمرة والحج. وفى رواية «فأهد وامكث حراما كما أنت» (قال) أى
جابر (فكان جماعة الهدى) أى من الايل ، والهدى - بالتشديد والتخفيف - ما يهدى إلى البيت الحرام من النعم لتنحر قاله
الجزرى (الذى قدم به) أى بذلك الهدى (على من اليمن) أى له مَّن (والذى أتى به النبي ◌َّة) زاد فى رواية النسائى
وأبى داود وابن ماجه وابن الجارود والبيهقى (من المدينة)) (مائة) أى من الهدى، وفى رواية الدارمى (مائة بدنة))
(فعل الناس) أى خرج من الاحرام من لم يكن معه هدى بعد الفراغ من العمرة (كلهم) أى أكثرهم. قال النووى:
فيه إطلاق اللفظ العام وإرادة الخصوص لأن عائشة لم تحل ولم تكن من ساق الهدى ، والمراد بقوله ((حل الناس كلهم،
أى معظمهم (وقصروا) قال الطيبي: وإنما قصروا مع أن الحلق أفضل لأن يبقى لهم بقية من الشعر حتى يحلق فى الحج -
انتهى. وليكونوا داخلين فى المقصرين والمحلقين جامعين بين العمل بالرخصة والعزيمة، كذا فى المرقاة. قال المحب
الطبرى: فيه دليل على استحباب التقصير للتمتع وتوفير الشعر للحلق فى الحج، ويشبه أن يكون ذلك عن أمره ،ێ إذ
عنه يأخذون مناسكهم وبه يقتدون، وبذلك أمرهم فقال خذوا عنى مناسككم (إلا النبى مَثّة) استثناء من ضمير ((حلوا»
(ومن كان معه هدى) عطف على المستثنى (فلما كان يوم التروية) بفتح التاء وسكون الراء المهملة وكسر الواو وتخفيف
الياء، وهو اليوم الثامن من ذى الحجة، سعى بذلك لأن الحجاج كانوايرتوون فيه من الماء لما بعده أى يستقون ويسقون إبلهم فيه
استعدادا للوقوف يوم عرفة، إذ لم يكن فى عرفات ماءجار كزماننا. وقيل: لأن قريشا كانت تحمل الماء من مكة إلى منى
الحاج تسقيهم وقطعمهم فيروون منه، وقيل لأن الامام يروى فيه الناس من أمر المناسك، وقيل لأن إبراهيم عليه السلام
١٧
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، وركب النبى مؤلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر،
ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة،
تروى فيه أى تفكر فى ذبح ولده وأنه كيف يصنع، تنبيه: لستة أيام متوالية من أيام ذى الحجة أسماء، فاليوم الثامن:
يوم التروية، واليوم التاسع: عرفة، والعاشر: النحر، والحادى عشر: القر - بفتح القاف وتشديد الراء - لأنهم يقرون فيه
بمنى، والثانى عشر: يوم النفر الأول، والثالث عشر: النفر الثانى (توجهوا) أى أرادوا التوجه (إلى منى) ينون وقيل لا ينون
فيكتب بالألف، سميت به لأنه يمنى الدماء فى أيامها أى يراق ويسفك، أو لأنه يعطى الحجاج مناهم لا كمال أفعال الحج فيها
(فأهلوا بالحج) أى من البطحاء كما فى رواية لأحمد والشيخين والطحاوى والبيهقى، يعنى أحرم به من كان خرج عن إحرامه
بعد الفراغ من العمرة، وفى رواية لأحمد ((حتى إذا كان يوم التروية وأرادوا التوجه إلى منى أهلوا بالحج، قال المحب الطبرى:
فيه بيان وقت إهلال أهل مكة والمتمتعين. وفيه إشارة إلى أن المحرم من مكة لا يقدم طوافه وسعيه لأنه إذا اشتغل بذلك
لا يسمى متوجها. قال النووى: والأفضل عند الشافعى وموافقيه أن من كان بمكة وأراد الاحرام بالحج أحرم يوم
التروية عملا بهذا الحديث. وفيه بيان أن السنة أن لا يتقدم أحد إلى منى قبل يوم التروية. وقد كره مالك ذلك.
وقال بعض السلف: لا بأس به. ومذهبنا أنه خلاف السنة - انتهى (وركب النبي ◌َّة) أى حين طلوع الشمس من يوم
التروية وسار من مكة إلى منى (فصلى بها) أى بمنى فى موضع مسجد الخيف (الظهر والعصر) إلخ. كل صلاة لوقتها
(ثم مكث) أى لبث بعد أداء الفجر (قليلا حتى طلعت الشمس) فيه أن السنة أن لا يخرجوا من منى حتى تطلع الشمس.
وهذا متفق عليه ومبيته مَّه بمنى وصلاته تلك الصلوات بها دليل على استحباب ذلك، وهذا المبيت أجمع أهل العلم على
الفرق بينه وبين مبيت ليالى من فأوجبوا على تارك ذلك ما أوجبوا ولم يوجبوا على تارك المبيت بمنى ليلة عرفة أى ليلة
التاسع من ذى الحجة شيئًا، قاله ابن المنذر. وقال النووى: هذا المبيت سنة ليس بركن ولا واجب فلو تركه فلا دم
عليه بالاجماع ـ انتهى (وأمر بقبة) عطف على مركب، أو حال، أى وقد أمر بضرب خيمة بنمرة قبل قدومه إليها
(من شعر) بفتح العين وسكونها (تضرب له) بصيغة المجهول (بنمرة) بفتح النون وكسر الميم وفتح الراء المهملة، وهو
غير منصرف، موضع على يمين الخارج من المازمين إذا أراد الموقف. وقال الطبي: هو موضع بجنب عرفات وليس
من عرفات. وقال فى اللعات: اسم موضع قريب عرفات، وهى منتهى أرض الحرم وكان بين الحل والحرم ـ انتهى.
قال الأبى: لما أراد ◌َّ أن يظهر مخالفة الجاهلية أراد أن يظهر ذلك ابتداء ليتأهبوا لذلك. وقال النووى: فى هذا
الحديث جواز الاستظلال للحرم بقبة وغيرها ، ولا خلاف فى جوازه للنازل. واختلفوا فى جوازه للراكب ، فمذهبنا
جوازه، وبه قال كثيرون وكرهه مالك وأحمد، وفيه جواز اتخاذ القباب وجوازها من شعر - انتهى. وقال المحب
١٨
مرعاة المفاتيح ج ٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
فسار رسول اللّه وزي، ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع
فى الجاهلية، فأجاز رسول اللّه مَ لى، حتى أتى عرفة،
الطبرى: وفى أمره تَّ بضرب القبة فى نمرة دليل على الرخصة فى حجز المواضع من الصحارى وأشباهها حيث لا ضرر
على أحد فى ذلك فى الغزو والحج وسائر الأسفار ، وقال النووى أيضا: فيه استحباب النزول بنمرة إذا ذهبوا من منى ،
لأن السنة أن لا يدخلوا عرفات إلا بعد زوال الشمس وبعد صلاتى الظهر والعصر جمعا، فالسنة أن ينزلوا بنمرة، فمن
كان له قبة ضربها ويغتسلون للوقوف قبل الزوال، فإذا زالت الشمس سار بهم الامام إلى مسجد إبراهيم عليه السلام
وخطب لهم خطبتين خفيفتين، ويخفف الثانية جدا ، فإذا فرغ منها صلى بهم الظهر والعصر جامعا بينهما ، فإذا فرغ من
الصلاة سار إلى الموقف - انتهى (فسار رسول اللّه ◌َي) أى من منى إليها (ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند
المشعر الحرام) قال الزرقانى فى شرح المواهب: ظاهره أنه ليس لقريش شك فى شئ إلا فى وقوفه عند المشعر فإنهم
يشكون فيه، وليس المراد ذلك بل عكسه، وهو أهم لا يشكون فى أنه مَّم سيقف عند المشعر الحرام على ما كانت عادتهم
من وقوفهم به، ويقف سائر الناس بعرفة، فقال الأبى: الأظهر فى ((إلا، أنها زائدة و ((أن)) فى موضع النصب على إسقاط
الجار، أى ولا يشك قريش فى أنه واقف عند المشعر - انتهى. وقيل الشك مهنا بمعنى الظن أى لا تظن قريش إلا أنه
يقف عند المشعر لأنه من مواقف الحمس وأهل حرم الله. وقال الطبى: أى ولم يشكوا فى أنه يخالفهم فى المناسك بل
تيقنوا بها إلا فى الوقوف فإنهم جزموا بأنه يوافقهم فيه ، فإن أهل الحرم كانوا يقفون عند المشعر الحرام وهو جبل فى
المزدلفة ، يقال له قزح ، وعليه جمهور المفسرين والمحدثين، وقيل إنه كل المزدلفة وهو بفتح العين وقيل بكسرها ، ذكره
النووى (كما كانت قريش تصنع فى الجاهلية) معناه أن قريشا كانت فى الجاهلية تقف بالمشعر الحرام وكان سائر العرب
يتجاوزون المزدلفة ويقفون بعرفات فظنت قريش أن النبى مؤتم يقف فى المشعر الحرام على عادتهم ولا يتجاوزه ، فتجاوزه
مرَّة إلى عرفات لأن الله تعالى أمره بذلك فى قوله {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس - ٢: ١٩٩﴾ أى سائر العرب غير
قريش وإنما كانت قريش تقف بالمزدلفة لأنها من الحرم، وكانوا يقولون: نحن أهل حرم الله فلا تخرج منه. وقد يتوهم أنه
مزيج كان يوافقهم قبل البعثة، وليس كذلك لما جاء فى بعض الأحاديث الصحيحة صريحا أنه كان يقف مع عامة الناس
قبل النبوة أيضا (فأجاز رسول الله عَزيز) قال النووى: معناه جاوز المزدلفة ولم يقف بها بل توجه إلى عرفات (حتى أتى
عرفة) أى قاربها، لأنه فسره بقوله «وجد القبة قد ضربت بنمرة فنزل بها، وقد سبق أن نمرة ليست من عرفات، وقد
قدمنا أن دخول عرفات قبل صلاتى الظهر والعصرجمعا خلاف السنة. وقال الطبرى: الظاهر أن المراد بإتيان عرفة
القرب منها ، فإن نمرة دونها، وسميت عرفة بذلك لتعريف جبرئيل إبراهيم المناسك، وقيل لمعرفة آدم حواء هناك، أو
١٩
ـرعاة المفاتيح ج٩
١٠ - كتاب المناسك
٢ - باب قصة حجة الوداع
فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس، أمر بالقصواء فرحلت له،
فأتى بطن الوادى، فخطب الناس، وقال: إن دماءكم وأموالكم
تعارف الناس، أو لاعترافهم بذنوبهم أو لصبر الناس، والعرفة الصبر. وقيل: إن إبراهيم رأى ليلة التروية ذمح ولده
فتروى يومه، وعرف فى الثانى ونحر فى الثالث ، فسميت الأيام بذلك، وقوله («فأجاز)) قيل هى لغة وجاز وأجاز بمعنى.
وقيل جاز الموضع سلكه وسار فيه، وأجازه خلفه وقطعه. قال الأصمعى: جاز مشى فيه، وأجازه قطعه (قد ضربت)
أى بنيت (فنزل بها) أى بالقبة. وهذا يدل على جواز استظلال المحرم بالخيمة ونحوها (حتى إذا زاغت) أى نزل بها
واستمر فيها حتى إذا مالت الشمس وزالت عن كبد السماء من جانب الشرق إلى جانب الغرب (أمر بالقصواء) أى
باحضارها، وقد تقدم ضبطها وشرحها فى أول شرح الحديث (فرحلت له) على بناء المجهول مخففا أى شد على ظهرها
الرحل ليركبها النبي ◌َّة (فأتى) أى فركبها فأتى (بطن الوادى) هو وادى عرنة بضم العين وفتح الراء المهملتين بعدها
نون وليست من عرفات (فخطب الناس) أى وعظهم وخطب خطبتين الأولى لتعريفهم المناسك والحث على كثرة الذكر
والدعاء بعرفة ، والثانية قصيرة جدا لمجرد الدعاء، قاله القارى. وفيه دليل على أن الخطبة كانت على الراحلة ، وفى معناها
المواضع المرتفعة. قال الزرقانى: فى الحديث أنه يستحب للإمام أن يخطب يوم عرفة فى هذا الموضع، وبه قال الجمهور
والمدنيون والمغاربة من المالكية وهو المشهور، فقول النووى ((خالف فيها المالكية) فيه نظر، إنما هو قول العراقيين
منهم، والمشهور خلافه. واتفق الشافعية أيضا على استحبابها خلافا لما توهمه عياض والقرطى - انتهى. قال النووى:
ومذهب الشافعى أن فى الحج أربع خطب مسنونة: إحداها يوم السابع من ذى الحجة يخطب عند الكعبة بعد صلاة
الظهر، والثانية هذه التى ببطن عرنة يوم عرفات، والثالثة يوم النحر، والرابعة يوم النفسر الأول وهو اليوم الثانى من
أيام التشريق ، قال أصحابنا : وكل هذه الخطب أفراد وبعد صلاة الظهر إلا التى يوم عرفات فإنها خطبتان وقبل الصلاة ،
قال أصحابنا: ويعلمهم فى كل خطبة من هذه ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى، والله أعلم - انتهى كلام النووى. وارجع
لمزيد التفصيل إلى («القرى لقاصد أم القرى)) لمحب الدين الطبرى (ص ٣٣٨، ٣٣٩، ٤٩١، ٤٩٣) والفتح الربانى (ج ١٢:
ص ٢١٦،٢١٥،١٣٣) وفتح البارى (ج ٧: ص ١٦٦) وعند الحنفية فى الحج ثلاث خطب أولاها وثانيتها ما ذكره
النووى، وثالثتها بمنى فى اليوم الحادى عشر فيفصل بين كل خطبتين بيوم وكلها سنة. والراجح عندنا فى تعيين أيام
الخطبة هو ما ذهب إليه الشافعية، وسيأتى مزيد الكلام فى ذلك (إن دماءكم وأموالكم) زاد فى حديث ابن عباس عند أحمد
والبخارى والترمذى والبيهقى وفى حديث ابن عمر عند البخارى ((وأعراضكم، والعرض بكسر العين موضع المدح والذم
من الإنسان سواء كان فى نفسه أو فى سلفه. قال الحافظ: هذا الكلام على حذف المضاف أى سفك دمائكم وأخذ أموالكم
٢٠