Indexed OCR Text
Pages 281-300
مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
اللهم إنى أسألك علما نافعا، وعملا متقبلا، ورزقا طيبا. رواه أحمد وابن ماجه والبيهقى فى
الدعوات الكبير.
٢٥٢٣ - (١٨) وعن أبى هريرة قال: دعاء حفظته من رسول اللّه ◌َّ لا أدعه: اللهم اجعلنى
أعظم شكرك ،
فى الكتب التى أخرجه أصحابها ولا فى جامع الأصول (علما ناضا) أى بالعمل به فيكون حجة لى لا على. وقال فى الحرز
أى شرعيا أعمل به (وعملا متقبلا) بفتح الموحدة أى مقبولا بأن يكون مقرونا بالإخلاص (ورزقا طيا) أى حلالا
ملائما للقوة معينا على الطاعة، فى مختصر الطبي: فإنه أص لهما ولا يعتد بهما دونه. قال الشوكانى: إنما قيد العلم بالنافع
والرزق بالطيب والعمل بالمنقبل لأن كل علم لا ينفع فليس من عمل الآخرة وربما كان ذرائع الشقاوة ولهذا كان
حَّ يتعوذ من علم لا ينفع، وكل رزق غير طيب موقع فى ورطة العقاب وكل عمل غير متقبل إتعاب النفس - انتهى.
وقوله «اللهم إنى أسألك على ناضاء إلخ. كذا وقع بتقديم العلم والعمل على الرزق عند أحمد (ج ٦: ص ٣١٩،٢٩٤)
وهكذا عند ابن السنى، ووقع عند أحمد أيضا (ج ٦: ص ٣٠٥، ٣٢٢) وابن ماجه بتقديم الرزق على العمل وتأخيره
عن العلم ، وعند الطبرانى فى الصغير بتقديم الرزق على العلم والعمل وهذا الترتيب هو الظاهر، وأما ما وقع فى الروايات
الأخرى فلعله من تصرف الرواة ، والحديث دليل صريح على مشروعية الدعاء بعد السلام من الصلاة المكتوبة
(رواه أحمد) (ج ٦: ص ٢٩٤، ٣٠٥، ٣٢٢،٣١٩) (وابن ماجه) فى الصلاة (والبيهقى فى الدعوات الكبير)
وأخرجه أيضا ابن السنى (ص ٣٨) وابن أبى شيبة كما فى النيل (ج ٢: ص ٢٠٤) كلهم من رواية موسى بن أبى عائشة
عن مولى لأم سلمة عن أم سلمة. قال الشوكانى: رجاله ثقات لو لا جهالة مولى أم سلمة. ونقل السندى عن البوصيرى
أنه قال فى الزوائد: رجال إسناده ثقات خلا مولى أم سلمة فإنه لم يعرف ولم أر أحدا من صنف فى المهمات ذكره ولا
أدرى ما حاله - انتهى. ورواه الطبرانى فى معجمه الصغير (ص ١٥٢) من طريق عامر بن إبراهيم بن واقد الأصبهافى
عن النعمان بن عبد السلام عن الثورى عن منصور عن الشعبي عن أم سامة وهذا سند جيد. قال الهيشمى بعد ذكر
الحديث (ج ١٠: ص ١١١): رواه الطبرانى فى الصغير ورجاله ثقات.
٢٥٢٣ - قوله (دعاء) مبتدأ (حفظته من رسول اللّه مَّ) صفة للبتدأ مسوغ وخبره قوله (لا أدعه) أى
لا أتركه لنفاسته، ولأحمد (ج ٢: ص ٣١١): دعوات سمعتها من رسول اللّه مٍَّ لا أتركها ما عشت حيا سمعته يقول
اللهم، إلخ (اللهم اجعلنى أعظم) بالتخفيف والتشديد ورفع الميم وهو مفعول ثان بتقدير أن أو بغيره أى معظما (شكرك)
أى وفقنى لإكثاره والدوام على استحضاره لأكون قائما بما وجب على من شكر نعمائك التى لا تحصى. قال الطبي:
٢٨١
مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
.......
٩ - باب جامع الدعاء
وأكثر ذكرك ، وأتبع نصحك ، وأحفظ وصيتك. رواه الترمذى.
٢٥٢٤ - (١٩) وعن عبد الله بن عمرو قال: كان رسول الله مؤثر يقول: اللهم إنى أسألك
الصحة ، والعفة ،
اجعلنى بمعنى صيرنى ولذلك أتى بالمفعول الثانى فعلا لأن صار من دواخل المبتدأ والخبر (وأكثر) مخففا ومشددا
(ذكرك) أى لسانا وجنانا وهو يحتمل أن يكون تخصيصا بعد تعميم وقيل إن بينهما عموما وخصوصا من وجه (وأتبع)
بتشديد التاء وكسر الموحدة من الاتباع وبسكون الأولى وفتح الثانية (نصحك) بضم النون كذا وقع فى جميع النسخ من
المشكاة وهكذا فى جامع الأصول، والذى فى الترمذى والمسند («نصيحتك)، أى بامتثال ما يقربنى إلى رضاك ويبعدنى عن
غضبك. وقال شيخنا: النصيحة هى الخلوص وإرادة الخير النصوح له، والإضافة يحتمل أن يكون إلى الفاعل وإلى
المفعول والأول أظهر (وأحفظ وصيتك) بملازمة فعل المأمورات وتجنب المنهيات أو المذكورة فى قوله تعالى ﴿ولقد
وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإيا كم أن اتقوا الله - ٤: ١٣١) فإنها الأولين والآخرين وهى التقوى، أو
بالتسليم الله العظيم فى جميع الأمور والرضا بالمقدور على مر الدهور. وقال الطبى: النصيحة هى إرادة الخير النصوخ له
فيراد بها حقوق العباد وبالوصية متابعة الأمر والنهى من حقوق الله تعالى والله أعلم (رواه الترمذى) فى الدعوات من
طريق الفرج بن فضالة عن أبى سعيد المقبرى عن أبى هريرة ، وقال حديث غريب، وأخرجه أيضا أحمد (ج٢، ص٣١١)
من رواية الفرج عن أبى سعيد المدينى عن أبى هريرة ، قال الشيخ أحمد شاكر فى شرح المسند: إسناده ضعيف جدا
الفرج بن فضالة ضعيف منكر الحديث ، وأبو سعيد المدينى ذكر الحافظ ابن كثير فى جامع المسانيد والسنن أنه «مولى
عبد الله بن عامر بن كريز)) وقد يكون هو وقد يكون غيره من اضطراب الفرج بن فضالة، فإن الحديث سيأتى أى فى
المسند عن وكيع عن الفرج بن فضالة عن «أبى سعيد الحمصى، وكذلك ذكره الحافظ ابن كثير فى ترجمة أبى سعيد الحمصى
دون أن يبين من هو، ورواية وكيع أيضاً فى الترمذى وفيها («عن أبى سعيد المقبرى)) وعندنا أن هذا كله تخليط من
الفرج بن فضالة وذكره الهيشى فى مجمع الزوائد (ج ١٠: ص ١٧٢) وقال: رواه أحمد من طريق أبي يزيد المدينى، وفى
رواية ((عن أبى سعيد الحمصى ولم أعرفهما، وبقية رجالهما ثقات)) هكذا قال الهيشمى، فأما أولا فإن الحديث ليس من الزوائد
على الكتب الستة، وقد رواه الترمذى، وثانيا ليس فى المسند ((عن أبى يزيد المدينى)) بل هو كما ترى ((حدثنا أبو سعيد
المدينى، فإما أن يكون الهيشى سها، وإما أن يكون خطأ فى النسخة التى كانت معه من المسند، وثالثا ليس بقية رجالهما ثقات
وفى الاسنادين الفرج بن فضالة وهو ضعيف - انتهى.
٢٥٢٤ - قوله. (وعن عبد الله بن عمرو) بالواو (اللهم إنى أسألك الصحة) أى العافية من الأمراض، والعاهات
وقال القارى: أى صحة البدن من سيتى الأسقام أو صحة الأحوال والأقوال والأعمال (والعفة) هى بمعنى العفاف
٢٨٢
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
والأمانة ، وحسن الخلق، والرضى بالقدر.
٢٥٢٥ -- (٢٠) وعن أم معبد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
والعفاف هو التنزه عما لا يباح والكف عنه، وقال المناوى: أى عن المحرمات والمكروهات وما يخل بكمال المروءة
(والأمانة) عند الخيانة والمراد حفظ ما ائتمنت عليه من حقوق الله تعالى وحقوق عباده (وحسن الخلق) بضم اللام
وسكونها أى مع الخلق بالصبر على أذاهم وكف الأذى عنهم والتلطف بهم. وقال القارى: أى حسن المعاشرة مع أهل
الإسلام (والرضى بالقدر) أى بما قدرته على فى الأزل، وهذا تعليم لأمته وتمرين للنفس على الرضاء بالقضاء وذلك
لأمرين الأول أن يتفرغ العبد للعبادة لأنه إذا لم يرض بالقضاء يكون مهموما مشغول القلب أبدا بأنه لم كان كذا؟ ولماذا
لا يكون كذا؟ فإذا اشتغل القلب بشئى من هذه الهموم كيف يتفرغ للعبادة إذ ليس له إلا قلب واحد وقد امتلأ
من الهموم وما كان وما يكون فأى محل فيه لذكر العبادة وفكر الآخرة ولقد صدق شقيق فى قوله: حسرة الأمور
الماضية وتدبير الآتية ذهبت ببركة الساعات. الثانى خطر ما فى السخط من مقت اللّه وغضبه مع أنه لا فائدة لذلك، إذ
القضاء نافذ و لابد منه رضى العبد أم سخط. والحديث ذكره الهيشمی فی مجمع الزوائد (ج ١٠ : ص ١٧٣) وقال رواه
الطبرانى (فى الكبير) والبزار (فى مسنده) وقال أسألك العصمة بدل الصحة، وفيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وهو
ضعيف الحديث وقد وثق وبقية رجال أحد الاسنادين رجال الصحيح.
٢٥٢٥ - قوله (وعن أم معبد) بفتح الميم والموحدة - قال الحافظ فى الإصابة (ج ٤: ص ٤٧٦): أم معبد غير
منسوبة، وقيل إنها أنصارية روى حديثها عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن مولى لأم معبد عن أم معبد أن الني مَع
كان يدعو ويقول اللهم طهر قلبي من النفاق، إلخ. أخرجه أبو نعيم وأفردها عن أم معبد الخراعية الكمية عاتكة بنت
خالد التى نزل عليها الني وتن لما هاجر إلى المدينة وتبع أبا نعيم أبو موسى، وأما ابن السكن فذكر الحديث فى ترجمة
الخزاعة فى الأسماء فى عاتكة فقال روى عن مولى لأم معبد عن أم معبد حديث فى الدعاء فذكره ، ثم قال فى الكنى : أم
معد الأنصارية وليست صاحبة الخيمتين يعنى الخزاعية، ثم ساق الحديث عن شيخ آخر بالسند والمتن بعينه ، ثم قال:
لم أجد لأم معبد هذه حديثا غير هذا وفى إسناده نظر وهو كما قال، ثم قال: وقد روى عن ابن الحارث عن أم معبد
مولاة قرظة حديث فى الظروف ولست أدرى هى هذه أو غيرها فتناقض فى ذلك مع جلالته فى الحفظ وإتقانه ــ انتهى
وقال ابن عبد البر: أم معد الأنصارية روى عنها مولاها عن النبي مَثَن حديثها فى الدعاء وهى غير التى قبلها يعنى بها أم
معد زوجة كعب بن مالك الأنصارى السلمى التى روت عن النبي مزيج فى الخليطين وروت ((البذاذة من الايمان، وقال
الجزرى فى أسد الغابة (ج ٥: ص ٦٢٠): أم معبد غير منسوبة قاله أبو نعيم، وقال أبو عمر: أنصارية ، ثم روى
٢٨٣
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
اللهم طهر قلبي من النفاق ، وعملى من الرياء ، ولسانى من الكذب، وعينى من الخيانة، فإنك تعلم
خائنة الأعين وما تخفي الصدور. رواهما البيهقى فى الدعوات الكبير.
٢٥٢٦ - (٢١) وعن أنس، أن رسول اللّه مريم عاد رجلا من المسلمين قد خفت، فصار مثل
الفرخ، فقال له رسول الله مي: هل كنت تدعو الله بشتى أو
الجزرى هذا الحديث من طريق أبي نعيم ثم قال أخرجها أبو نعيم وأبو عمر وأبو موسى - انتهى. وتحمل من هذا
كله أن أم معبد راوية حديث الدعاء المذكور صحابة أخرى غير الخزاعية وغير زوجة كعب بن مالك راوية حديث
الخليطين وغير مولاة قرظة بن كعب راوية حديث الظروف (اللهم طهر قلبي من النفاق) أى بتحصيل اليقين فى الدين
وقسوة السر والعلانية بين المسلمين، قاله القارى. وقال العزيزى: أى من إظهار خلاف ما فى الباطن وهذا وما بعده
قاله تعليما لأمته كيف تدعو وإلا فهو معصوم من ذلك كله (وعملى من الرياء) بمثناة تحتية أى حب اطلاع الناس على
عملى، وقيل أى من الرياء والسمعة بتوفيق الاخلاص (ولسانى من الكذب) أى ونحوه من الغيبة والنميمة. وقال
القارى : الكذب بفتح الكاف وكسر الذال ويجوز بكسر الكاف وسكون الذال وخص من معاصى اللسان لأنه أعظمها
وأقبحها عند الله وعند الخلق (وعينى) بالتثنية والافراد قاله المناوى (من الخيانة) أى بأن ينظر بها إلى ما لا يجوز النظر إليه
أو يشير بها إلى ما يترتب الفساد عليه (فإنك تعلم خائنة الأعين) مصدر بمعنى الخيانة أى الرمز بها أو النظرة إلى المحرم
بعد النظرة أو مسارقة النظر إلى ما نهى عنه، أو هو من إضافة الصفة إلى الموصوف أى الأعين الخائنة (وما تخفى
الصدور) أى القلوب الحالة فى الصدور من الوسوسة أو ما تضمر من أمانة أو خيانة (رواهما) أى الحديثين السابقين
(البيهقى فى الدعوات الكبير) قد تقدم تخريج حديث عبد الله بن عمرو وأما حديث أم معبد فذكره السيوطى فى الجامع
الصغير وعزاه الحكيم الترمذى فى النوادر (ص ٢٠٢) والخطيب فى التاريخ وقد تقدم أنه رواه أيضا أبو نعيم وأبو
موسى وابن السكن وقال: فى إسناده نظر، قال الحافظ: وهو كما قال فإنه من رواية فرج بن فضالة عن ابن أنعم وهما
ضعيفان - انتهى. وفيه أيضا مولى أم معبد وهو مجهول وقال الحافظ العراقى فى تخريج الإحياء: سنده ضعيف.
٢٥٢٦ -- قوله (عاد) من العيادة (رجلا) أى مريضا (قد خفت) بفتح الفاء من باب نصر أى ضعف من خفت
الصوت إذا ضعف وسكن. وفى الترمذى ((قد جهد)) وهو بصيغة المجهول. قال فى القاموس: جهد المرض فلانا هزله
(مثل الفرخ) بفتح الفاء وسكون الراء، ولد الطير عند خروجه من البيضة، يعنى أضعفه المرض حتى صار ضعيفا مثل
الفرخ لضعفه وكثرة نحافته، وفى الأدب المفرد «دخل على رجل قد جهد من المرض فکانه فرخ متوف، أى ولد
الطائر الذى استوصل ريشه، وفى شرح السنة («عاد رجلا قد صار مثل الفرخ المنتوف، (هل كنت تدعو اله بشئ أو
٢٨٤
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٩- باب جامع الدعاء
تسأله إياه؟ قال: نعم، كنت أقول: اللهم ماكنت معاقى به فى الآخرة فجله لى فى الدنيا. فقال
رسول اللّه عَ: سبحان الله لا تطيقه ولا تستطيعه، أفلا قلت: اللهم آتنا فى الدنيا حسنة وفى
الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؟ قال: فدعا الله به فشفاه الله. رواه مسلم.
٢٥٢٧ - (٢٢) وعن حذيفة، قال: قال رسول اللّه مَّم: لا ينبغى للمؤمن أن يذل نفسه. قالوا
وکیف یذل نفسه؟ قال: يتعرض
تسأله إياه ؟) قيل هو شك من الراوى. وقال الطيبي: والظاهر أنه من كلامه مريم أى هل كنت تدعو الله بشئى من
الأدعية التى يسئل فيها مكروه ؟ أو هل سألت الله البلاء الذى أنت فيه؟ وعلى هذا فالضمير المنصوب عائد إلى البلاء الذى
دل عليه الحال، وينبئى عنه ((خفت)) فيكون قد عم أولا وخص ثانيا، وفى الترمذى: أما كنت تدعو، أما كنت تسأل
ربك العافية ؟ (قال نعم) فيه دلالة على أن أو الشك من الراوى لا للترديد منه مٍَّ، قاله القارى (ما كنت معاقبى به)
ما شرطية أو موصولة (فعجله لى فى الدنيا) يعنى فاستجاب الله دعاءه وابتلاه بالمرض حتى ضعف وصار مثل الفرخ كما
تقدم (سبحان الله) تعجب من الداعى فى هذا المطلب (لا تطيقه) أى فى الدنيا (ولا تستطيعه) أى فى العقبى أو كرر
للتأكيد، قاله القارى، قلت: كذا فى جميع النسخ من المشكاة أى بواو العطف وهكذا وقع فى مسند الإمام أحمد وفى
جامع الأصول وجمع الفوائد ، والذى فى مسلم والترمذى وشرح السنة ((لا تطيقه أو لا تستطيعه)) أى بأو الشك من
الراوى ، والظاهر أن ما فى المشكاة سهو من الناسخ أو تبع المؤلف فى ذلك صاحب جامع الأصول (أفلا قلت) أى بدل
ما قلت (اللهم آتنا فى الدنيا حسنة) إلخ، معناه أنه لو قال ذلك لغفر الله له ذنوبه وعافاه من المرض (قال) أى أنس
(فدعا الله به) أى دعا الرجل بهذا الدعاء الجامع (فشفاه الله) وفى مسلم ((قال فدعا الله له فشفاه)، قال النووي: فى هذا
الحديث النهى عن الدعاء بتعجيل العقوبة، وفيه فضل الدعاء باللهم آتنا فى الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب
النار ، وفيه جواز التعجب بقول سبحان الله، وقد سبقت نظائره، وفيه استحباب عيادة المريض والدعاء له، وفيه كرامة
تمنى البلاء لئلا يتضجر منه ويسخطه وربما شكا. وأظهر الأقوال فى تفسير الحسنة فى الدنيا أنها العبادة والعافية، وفى
الآخرة الجنة والمغفرة، وقيل الحسنة نعم الدنيا والآخرة (رواه مسلم) فى الدعوات وأخرجه أيضا أحمد (ج ص )
والبخارى فى الأدب المفرد (ج ٢: ص ١٩١) والترمذى فى الدعوات، والبغوى (ج ٥: ص ١٨١، ١٨٢) وانتهت
روايتهما عند قوله ((عذاب النار)).
٢٥٢٧ - قوله (لا ينبغى المؤمن) أى لا يجوز له (أن يذل) بضم الياء وكسر الذال المعجمة من الإذلال
(قالوا وكيف يذل نفسه ؟) وجه استبعادهم أن الإنسان مجبول على حب إعزاز نفسه، قاله القارى (قال يتعرض) أى
: ٢٨٥
مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
من البلاء لما لا يطيق. رواه الترمذى وابن ماجه والبيهقى فى شعب الإيمان، وقال الترمذى: هذا
حديث حسن غريب.
٢٥٢٨ - (٢٣) وعن عمر رضى الله عنه قال: علمنى رسول اللّه ◌َي قال، قل: اللهم اجعل سريرى
خيرا من علانيتى، واجعل علانيتى صالحة ، اللهم إنى أسألك من صالح ما تؤتى الناس من الأهل ،
والمال، والولد غير الضال ولا المضل. رواه الترمذى.
يتصدى (من البلاء) إما بالدعاء على نفسه به أو بأن يأتى بأسبابه العادية، وهو بيان مقدم لقوله ((لما لا يطيقٍ)) (رواه
الترمذى وابن ماجه) كلاهما فى الفتن (والبيهقي في شعب الإيمان) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٥: ص ٤٠٥)
(وقال الترمذى: هذا حديث حسن غريب) فى سنده عندهم على بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، وإنما حسن حديثه
الترمذى لأنه صدوق عنده .
٢٥٢٨ - قوله (علنى رسول اللّه مزيج) أى دعاء (قال) بيان لقوله علنى (اللهم اجعل سريرقى) هى والسر بمعنى
وهو ما يكتم (خيرا من علانيتى) بالتخفيف (واجعل علانيتى صالحة) طلب أولا سريرة خيرا من العلانية ثم عقب بطلب
علانية صالحة لدفع توهم أن السريرة ربما تكون خيرا من علانية غير صالحة (اللهم إنى أسألك من صالح ما تؤقى الناس)
قيل من زائدة كما هو مذهب الأخفش وقوله (من الأهل والمال والولد) لبيان ما ويجوز أن تكون للتبعيض، وقوله ((من
الأهل والمال، كذا فى جميع النسخ من المشكاة وهكذا فى جامع الأصول، ووقع فى الترمذى ((من المال والأهل، أى
بتقديم المال على الأهل (غير الضال) أى بنفسه (ولا المضل) أى لغيره. قال الطبى: مجرور بدل من كل واحد من
الأهل والمال والولد، ويجوز أن يكون الضال بمعنى النسبة أى غير ذى ضلال (رواه الترمذى) فى الدعوات عن محمد بن
حميد عن على بن أبى بكر عن الجراح بن الضحاك عن أبى شيبة عن عبد الله بن عكيم عن عمر ، وقال : هذا حديث غريب
لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده بالقوى-انتهى. قلت: محمد بن حميد بن حيان ضعيف، وأبو شيبة قال فى التقريب:
أبو شيبة عن عبد الله بن عكيم يحتمل أن يكون أحد هؤلاء وإلا فمجهول من السادسة. والمراد بهؤلاء المكنون بأبى شيبة
المذكورون قبله وفيهم ثقات وضعفاء ولا يدرى من هذا منهم ، ولذلك ضعف الترمذى هذا الحديث.
٢٨٦
١
مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
(١٠) كتاب المناسك
(كتاب المناسك) أى مناسك الحج وهكذا عقد النسائى فى سننه والطحاوى فى شرح معانى الآثار، وهو جمع
المنسك بفتح السين وكسرها وقرى بهما فى السبعة قوله تعالى ﴿ لكل أمة جعلنا منسكا - ٢٢: ٣٤) وهو مصدر ميمى من نسك
ينسك إذا تعبد ثم سميت أفعال الحج كلها مناسك، قاله القارى. وقال ابن جرير: أصل المنسك فى كلام العرب الموضع
المعتاد الذى يعتاده الرجل ويالفه خير أو شر، يقال: إن لفلان منسكا يعتاده، وإنما سميت مناسك الحج بذلك لتردد الناس إلى
الأماكن التى نعمل فيها أعمال الحج والعمرة ، وقال العينى: المناسك جمع منسك بفتح السين وكسرها وهو المتعبد ويقع
على المصدر والزمان والمكان ، ثم سميت أمور الحج كلها مناسك، والمنسك المذبح، وقد نسك ينسك نسكا إذا ذبح
والفسيكة الذبيحة وجمعها نسك ، والفسك أيضا الطاعة والعبادة وكل ما تقرب به إلى الله عز وجل، والفسك ما أمرت به
الشريعة والورع وما نهت عنه، والناسك العابد وسئل ثعلب عن الناسك ما هو فقال: هو مأخوذ من الفسيكة وهى سبيكة
الفضة المصفاة كأن الناسك صفى نفسه لله تعالى - انتهى. والحج بفتح الحاء وكسرها لغتان قرئى بهما قوله تعالى
{ولله على الناس حج البيت - ٣: ٩٧) فى السبع وأكثر السبعة على الفتح، وفى أمالى الهجرى أكثر العرب يكسرون
الحاء فقط ، ونقل الطبرى أن الفتح لغة أهل تجد والكسر لغيرهم والحجة فيها لغتان أيضا فتح الحاء وكسرها فمعناه على
الفتح الفعلة من الحج أى المرة وعلى الكسر الحالة والهيئة كالتلبية والإجابة وقال الجوهرى: والحجة بالكسر المرة الواحدة
وهو من الشواذ لأن القياس بالفتح وهو مبنى على اختياره أنه بالفتح الاسم ومعنى الحج فى اللغة القصد هكذا أطلقه
أئمة اللغة، وقيده بعضهم بكثرة القصد إلى معظم ، واستدل بقول المخبل السعدى:
يحجون سب الزبرقان المزعفرا
وأشهد من عوف حلولا كثيرة
يقول يأتونه مرة بعد أخرى لسؤدده وارجع لشرح البيت إلى هامش القرى لقاصد أم القرى (ص ٣٥) وقيل هو إطالة
الاختلاف إلى الشئى، واختاره ابن جرير، وقال الحافظ: أصل الحج فى اللغة القصد. وقال الخليل: كثرة القصد إلى
معظم، وفرق بعضهم بين فتح الحاء وكسرها فنقل الطبرى عن حسين الجعفى أن الفتح الاسم والكسر المصدر. وعن غيره
عكسه. وقال النووى: الحج بالفتح هو المصدر وبالفتح والكسر جميعا الاسم منه. وقال سيويه المكسور مصدر
واسم للفعل والمفتوح مصدر فقط، وقال ابن السكيت بفتح الحاء القصد وبالكسر القوم الحجاج والحاج الذى يحج
وربما يظهرون التضعيف فى ضرورة الشعر قال :
بكل شيخ عامر أو حاجج
ويجمع على حجاج وحجيج وحجج بضم الحاء كبازل وبزل ونازل ونزل وعائذ وعوذ ومعناه فى عرف الشرع القصد
إلى زيارة البيت الحرام على وجه التعظيم فى وقت مخصوص بأفعال مخصوصة كالطواف والسعى والوقوف بعرفة وغيرها
٢٨٧
مرجاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
بإحرام، وقيل: هو زيارة مكان مخصوص وهو البيت العتيق فى زمان مخصوص وهو أشهر الحج لعمل مخصوص وهو
الطواف والسعى والوقوف محرما وهو فرض بالكتاب والسنة والإجماع وجاحده كافر عند الكل بلا نزاع ، قال
الحافظ: وجوب الحج معلوم من الدين بالضرورة، وقال ابن قدامة: والأصل فى وجوبه الكتاب والسنة والإجماع
وأما سبب الحج فهو البيت لأنه يضاف إليه ولذا لا يجب فى العمر إلا مرة واحدة لعدم تكرار السبب، قال الحافظ:
أجمعوا على أنه لا يتكرر إلا لعارض كالنذر - انتهى. وفى شرح الإقناع: وكالقضاء عند إفساد التطوع، وأما ما رواه
عبد الرزاق وابن أبى شيبة فى مصنفيهما وأبو يعلى فى مسنده وابن جان فى صحيحه والطبرانى فى الأوسط والبيهقى فى سننه
من حديث أبى سعيد الخدرى مرفوعا «يقول الله تبارك وتعالى: إن عبدا صححت له جسمه وأوسعت له فى رزقه يأتى عليه
خمس سنين لا يفد إلى محروم، فهو محمول على الندب يدل على ذلك حديث ابن عباس الآتى فى الفصل الثانى: الحج مرة
فن زاد فهو قطوع واختلف مل مو على الفور أو التراخى فقال بالأول مالك وأحمد وأبو يوسف والمزنى من أصحاب
الشافعى، وقال بالثانى الشافعى والثورى والأوزاعى ومحمد بن الحسن ونقله الماوردى عن ابن عباس وأنس وجابر
وعطاء وطاوس، واختلفت الرواية فيه عن أبى حنيفة قال ابن قدامة: من وجب عليه الحج وأمكنه فعله وجب عليه
على الفور ولم يجز له تأخيره أى فيأثم إن أخره بلا عذر وبهذا قال أبو حنيفة ومالك، وقال الشافعى يجب الحج وجوبا
موسعا وله تأخيره لأن التى تَّ أمر أبا بكر على الحج وتخلف بالمدينة لا محاربا ولا مشغولا بشئ وتخلف أكثر الناس
قادرين على الحج، ولأنه إذا أخره ثم فعله فى السنة الأخرى لم يكن قاضيا له دل على أن وجوبه على التراخى، ثم بسط
ابن قدامة فى الاستدلال على وجوبه على الفور ، والجواب عما استدل به القائلون بالتراخى، وقال النووى فى مناسكه:
إذا وجدت شرائط الوجوب وجب على التراخى فله تأخيره ما لم يخش العضب فإن خشيه حرم عليه التأخير على الأصح،
) : اختلف فيه
وإذا أخر فمات تبين أنه مات عاصيا على الأصح لتفريطه، وقال الزيدى فى شرح الاحياء (ص
عند أصحابنا فقال أبو يوسف: هو فى أول أوقات الامكان فمن أخره عن العام الأول أثم ، وهو أصح الروايتين عن
أبى حنيفة كما فى المحيط والخانية وشرح المجمع، وفى الفنية أنه المختار. قال القدورى: وهو قول مشائخنا وبالتراخى قال
محمد. لكن جوازه مشروط بأن لا يفوته حتى لو مات ولم يحمج أتم عنده أيضا، ووقت الحج عند الأصوليين يسمى
مشكلا لوجهين، الوجه الأول أنه يشبه المعيار لأنه لا يصح فى عام واحد إلا حج واحد، ويشبه الظرف لأن أفعاله
لا تستغرق أوقاته، والوجه الثانى أن أبا يوسف لما قال بتعيين أشهر الحج من العام الأول جعله كالمعيار ومحمد لما قال بعدمه
جعله كالظرف ولم يجزم كل منهما بما قال فإن أبا يوسف لو جزم بكونه معيارا لقال من أخره عن العام الأول يكون
قضاء لا أداء مع أنه لا يقول به بل يقول إنه يكون أداء ولقال إن التطوع فى العام الأول لا يجوز مع أنه لا يقول به
بل يقول إنه يجوز، وإن محمدا لوجزم بكونه ظرفا لقال إن من أخره عن العام الأول لا يأثم أصلا لا فى مدة حياته ولا
٢٨٨
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
فى آخر عمره مع أنه لا يقول به بل يقول إن مات ولم يحج أثم فى آخر عمره حصل الإشكال، ثم إن القائل
بالفور لا يجزم بالمعيارية ، والقائل بالتراخى لم يجزم بالظرفية بل كل منهما يجوز الجهتين لكن القائل بالفور يرجح جهة
المعيارية ويوجب أداءه فى العام الأول حتى لو أخره عنه بلا عذر أتم لتركه الواجب لكن لو أداء فى العام الثانى كان
أداء لا قضاء، والقائل بالتراخى يرجح جهة الظرفية حتى لو أداه بعد العام الأول لا يأثم بالتأخير لكن لو أخره فمات
ولم يحج أثم فى آخر عمره ، وقال بعض أصحابنا المتأخرين: والمعتمد أن الخلاف فى هذه المسئلة ابتدائى فأبو يوسف عمل
بالاحتياط لأن الموت فى سنته غير نادر فيأثم، ومحمد حكم بالتوسع لظاهر الحال فى بقاء الإنسان ـ انتهى. قال الشوكانى
فى السيل الجرار (ج ٢: ص ١٥٩): أما الخلاف فى كون الحج على الفور أو التراخى فمرجعه ما وقع فى الأصول من
الخلاف فى صيغة الايجاب هل هى للفور أو التراخى، وقد دل على الفور عند الاستطاعة الأحاديث الواردة فى الوعيد
لمن وجد زادا ولم يحج وهى وإن كان فيها مقال فمجموع طرقها منترض. واستدل القائلون بالتراخى بما وقع منه مد ته
من تأخير حجه إلى سنة عشر مع كون فرض الحج نزل فى سنة خمس أو ست على خلاف فى ذلك - انتهى. قلت:
استدل لأحمد ومالك ومن وافقهما بقوله تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة لله - ٢: ١٩٦ ) والأمر يقتضى الفور، وبقوله مد بلج
تعجالوا الحج يعنى الفريضة فإن أحدكم لا يدرى ما يعرض له. أخرجه أحمد والبيهقى من حديث ابن عباس، وبما سيأتى فى
الفصل الثانى من حديث ابن عباس (من أراد الحج فليعجل)) ومن حديث على ((فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا)) وفى
الفصل الثالث من حديث أبي أمامة (من لم يمنعه من الحج حاجة ظاهرة، إلخ، وبقوله صلى الله عليه وسلم ((حجوا قبل أن
لا تحجوا، الحديث أخرجه الدار قطنى من حديث أبى هريرة، وارجع للجواب عن ذلك إلى القرى لقاصد أم القرى
(ص ٣٧) وإلى الفتح الربانى (ج ١١: ص ٢١) وكيف ما كان الأمر التسارع إلى أدائه مطلوب والأحوط
هو التعجيل للمستطيع بقدر الإمكان لأن الأجل غير معلوم وحيئذ يشكل تأخير النبي مؤثر فى حجه إلى العاشرة مع
فرضيته قبل ذلك سنة خمس أو ست أو سبع أو ثمان على اختلاف فى ذلك والقائلون بالفور أشد احتياجا إلى الاعتذار
ء
عن ذلك، والتخلص من هذا الإشكال وقد أجيب بأنه اختلف فى الوقت الذى فرض فيه الحج على أقوال ومن
جملتها أنه فرض سنة تسع حكاه النووى فى الروضة وصححه القاضى عياض والقرطبي، ومنها أنه تأخر نزوله إلى أواخر
قسع أو إلى سنة عشر حكاه العينى عن إمام الحرمين، وبه جزم ابن القيم فى الهدى (ج ١: ص ١٨٠) وعلى هذا فلا
تأخير لأنه لما فرض الحج بقوله تعالى {ولله على الناس حج البيت - ٣: ٩٧﴾ فى أواخر السنة التاسعة وهى سنة الوفود
أو فى العاشرة بادر النبي ◌َّ إلى الحج من غير تأخير، وأما قوله تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة لله - ٢: ١٩٦ ) فإنه
وإن نزل سنة ست عام الحديبية فليس فيه فريضة الحج وإنمافيه الأمر بإتمامه وإتمام العمرة بعد الشروع فيها وذلك لا يقتضى
٢٨٩
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
وجوب الابتداء ولو سلم أنه فرض قبل العاشرة سنة خمس لما وقع فى قصة ضمام بن ثعلبة من ذكر الأمر بالحج وكان
قدومه على ما ذکر الواقدى ومحمد بن حبيب سنة خمس، أو فرض سنة ست کما هو المشهور عند الجمهور بناء على أنها نزل فيها
قوله تعالى { وأتموا الحج والعمرة لله) وأن المراد بالاتمام ابتداء الفرض لما ورد فى قراءة علقمة ومسروق وإبراهيم
النخعى بلفظ «وأقيموا، أخرجه الطبرى بأسانيد صحيحة عنهم فكان تراخيه مَثّ لعذر مع علمه بقاء حياته ليكمل التبليغ،
وسيأتى بيان العذر فى ذلك والاشكال إنما هو فى التراخى مع عدم العذر. قال ابن الحمام: إن تأخيره عليه الصلاة
والسلام ليس يتحقق فيه تعريض الفوات وهو الموجب للفور لأنه كان يعلم أنه يعيش حتى يحمج ويعلم الناس مناسكهم
تكميلا للتبليغ. قال القارى: والأظهر أنه عليه الصلاة والسلام أخره عن سنة خمس أو ست لعدم فتح مكة ، وأما
تأخيره عن سنة ثمان فلأجل النسفى، وأما تأخيره عن سنة تسع فا ذكرنا فى رسالة مسماة بالتحقيق فى موقف الصديق
وقال ابن رشد فى مقدماته: أما قول من قال إن حجة أبى بكر كانت تطوعا لأنه حج فى ذى القعدة قبل وقت الحج على
النسى وإنه ◌َّ إنما أخر إلى عام عشرليوقعه فى وقته فليس ذلك عندى بصحيح بل حج أبى بكر فى ذى القعدة هو. وقته
حينئذ شرعا ودينا قبل أن ينسخ الفسعى ثم حج النبى معروفة فى ذى الحجة من العام المقبل وأنزل الله ﴿إنما الفسمى زيادة فى
الکفر - ٣٧:٩﴾ فسخ ذلكالنسٹی ولو کان الحج فرض فى ذى الحجةونسخ النسئی عند فرض الحج قبل حج أبى بكر لما
حج أبو بكر فى ذلك العام إلا فى ذى الحجة ولا مكن رسول اللّه وَ ◌ّ ذلك فى ذلك العام لو شاء فيه فالصحيح أنه إنما أخر
الحج فى ذلك العام للعراة الذين كانوا يطوفون بالبيت من المشركين حتى يعهد إليهم فى ذلك ما جاء فى الحديث لا ليوقعه
فى ذى الحجة إذ كان قادرا على أن يوقعه فى ذلك العام فى ذى الحجة - انتهى. وقال التور بشتى فى شرح المصابيح: قد
ذهب قوم إلى أن تأخير الحج بعد الفتح إنما كان للنسمى المذكور فى كتاب الله وهو تأخير الأشهر عن مواضعها حتى عاد
الحساب فى الأشهر إلى أصله الموضع الذى بدأ الله به فى أمر الزمان يوم خلق السموات والأرض وإليه أشار الني وزّ
بقوله: إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض. وهذا التأويل فى سنة عتاب بن أسيد (أى فى سنة
ثمان بعد الفتح) محتمل، وفى العام الذى بعث أبا بكر أميرا على أهل الموسم غير محتمل لأن النبي مؤثّه لم يكن ليأمر بالحج
فى غير وقته المعلوم ، وقد ذكر بعض أهل العلم بالسير أن الحج عام الفتح وقع فى ذى القعدة على الحساب الذى ابتدعوه
وكانوا ينسأون فى كل عامين من شهر إلى شهر وكان الحج عام حجة أبى بكر الصديق رضى الله عنه فى ذى الحجة على
الحساب القويم وإنما وجه استيناته بالحج إلى السنة العاشرة - والله أعلم - هو أن لم ير أن يحضر الموسم وأهل الشرك
حضور هناك، لأنه لو تركهم على ما يتدينون به من هديهم المخالف لدين الحق لكان ذلك وهنا فى الدين ، ولو منعهم
لأفضى ذلك إلى التشاغل إلى ما أرادوه من الفسك بالقتال ثم إلى استحلال حرمة الحرم، وقد كان أخبر يوم الفتح أن
حرمتها عادت إلى ما كانت عليه، وأنه لم يحل له إلا ساعة من النهار فرأى أن يبعث الناس إلى الحج وينادى فى أهل
٢
١
١
مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
الموسم أن لا يحمج بعد العام مشرك ليكون حجه خاليا عن العوارض التى ذكرناها ، وقد ذكرنا لذلك وجوها غيرها فى
كتاب المناسك واكتفينا ههنا بالقول الوجيز إيثارا للاختيار - انتهى. قال الأبى المالكى فى شرح صحيح مسلم: والقول
بالتراخى إنما هو ما لم يخف الفوات وخوفه يكون بعلو السن وخوف تعاهد الأمراض، وعلى السن حده ابن رشد
بالستين، والله أعلم. واختلف فى أن الحج كان واجبا على الأمم قبلا أم وجوبه مختص بنا؟ قال القارى: الأظهر الثانى،
واختار ابن حجر الأول مستدلا بقوله ((ما من نى إلا وحج)) فهو من الشرائع القديمة، وجاء أن آدم عليه السلام حج
أربعين سنة من الهند ماشيا، قال القارى: وهذا كما ترى لا دلالة فيه على إثباته ولا على نفيه وإنما يدل على أنه مشروع
فيما بين الأنبياء ولا يلزم من كونه مشروعا أن يكون واجبا مع أن الكلام إنما هو فى الأمم قلنا، ولا يبعد أن يكون
واجبا على الأنبياء دون أمهم ، وقد صح أنه عليه الصلاة والسلام لما بلغ عسفان فى حجة الوداع قال لقد مر به هود
وصالح على بكرين أحمرين خطمهما الليف وأزرهم العباء وأرديتهم المار يلون يحجون البيت العتيق رواه أحمد - انتهى.
وأما فضل الحج فشهور قد وردت فيه النصوص الحديثية الكثيرة الصحيحة وسيأتى بعضها فى الكتاب وأما حكمه
وأسراره وفوائده ومصالحه المرعية فيه فهى أكثر من أن تحصى ولا يوفيها بيانا إلا التصانيف المستقلة وقد نوه بها
حكماء الإسلام وأشادوا بها فى مؤلفاتهم ولنلم بنيذة منها ليقف القارئ على قُلّ من كثر من أسرار شريعته الرشيدة
وأهدافها الحميدة فيرى أن له دينا يهدف بعباداته إلى صلاح الدين والدنيا. قال صاحب تيسير العلام شرح عمدة
الأحكام: هذا المؤتمر الاسلامى العظيم وهذا الاجتماع الحاشد فيه من المنافع الدينية والدنيوية والثقافية والاجتماعية والسياسية
ما يفوت الحصر والعد، أما الدينية فما يقوم به الحاج من هذه العبادة الجليلة التى تشتمل على أنواع من الثذلل
والخضوع بين يدى الله تعالى فمنها تقحم الأسفار وإنفاق الأموال والخروج من ملاذ الحياة بخلع الثياب واستبدالها بإزار
ورداء حاسر الرأس وترك الطيب والنساء وترك الترفه بأخذ الشعور والأظفار ثم التنقل بينهذه المشاعر . كل هذا بقلوب
خاشعة وأعين دامعة وألسنة مكبرة ملبية قد حدابهم الشوق إلى بيت ربهم ناسين فى سبيل ذلك الأهل والأوطان والأموال
والنفس النفيس. وأما الثقافية فقد أمر الله بالسير فى الأرض للاستبصار والاعتبار ففيه من معرفة أحوال الناس
والاتصال بهم والتعرف على شئون الوفود التى تمثل أصقاع العالم كله ما يزيد الإنسان بصيرة وعلما إذا تحاك بعلماتهم
واتصل بنهاتهم فيجد لكل علم وفن طائفة تمثله، وأما الاجتماعية والسياسية فإن الحج مؤتمر عظيم يضم وفودا
متنوعة العلوم مختلفة الثقافات متباينة الاتجاهات والنزعات فإذا كل حزب بحزبه وطائفة بشبيهتها ومثلوا ((لجان الحكومة
الواحدة، ودرسوا وضعهم الغابر والحاضر والمستقبل . ورأوا ما الذى أخرهم وما الذى يقدمهم وما هى أسباب الفرقة
بينهم، وما أسباب الائتلاف والاجتماع وتوحيد الكلمة؟ وبحثوا شئونهم الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية
٢٩١
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
على أساس المحبة والوئام، وبروح الوحدة والالتئام ، أصبحوا يدا واحدة ضد عدوهم ، وقوة مرهوبة فى وجه المعتدى
عليهم ، وبهذا يصير لهم كيان مستقل خاص، له مميزاته وأهدافه ومقاصده، يسمع صوته ويصغى إلى كلمته، ويحسب له
ألف حساب، وبهذا يعود المسلمين عزهم ، ويرجع إليهم سؤددهم، ويبنون دولة إسلامية دستورها كتاب الله وسنة
رسوله، وشعارها العدل والمساواة ، وهدفها الصالح العام، وغايتها الأمن والسلام، حينئذ تجه إليهم أنظار الدنيا ،
وتسلم الزمام بأيديهم ، فيقوضون مجالس بنيت على الظلم والبغى ويبنون على أنقاضها العدل والإحسان، وبهذا
يقر السلام، ويستب الأمن، وتتجه المصانع النهوج التى تصنع للوت الذريع أسلحة الدمار والخراب
إلى أن تخترع المعدات التى تساعد على التثمير والتصنيع، وإخراج خيرات الأرض، فتحقق حكمة الله بخلقه
حيث يحل الخصب والرخاء والأمن والسلام مكان الجدب والغلاء والخوف والدماء، وإذا علم المسلم المؤمن ثمرات
هذه الاجتماعات الإسلامية فهم جيدا أن له دينا عظيما جليل القدر يقصد منها بعد عبادة الله صلاح الكون واتساقه،
لأن الاجتماع هو أعظم وسيلة لجمع الأمة وتوحيد الكلمة، ولذا فإنه عنى بالاجتماعات عناية عظيمة تحقيقا لمقاصد
الكريمة ، ففرض على أهل المحلة الاجتماع فى مسجدهم كل يوم خمس مرات، وفرض على أهل البلد عامة الاجتماع الجمعة
فى كل أسبوع، وفرض على المسلمين الاجتماع فى كل عام - انتهى. وقال الشيخ مصطفى السقاء فى مقدمته على القرى
القاصد أم القرى: الفريضة الحج من الفضائل النفسية والاجتماعية ما لا يخفى على المتأمل ثمن أول تلك الفضائل تعظيم ذلك
البيت المقدس وعمارته إذ هو الرمز الباقى لقيام ديانة التوحيد فى الأرض، وخلاص الإنسان من فوضى الوثنية والنحل
الزائغة الضالة (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين - ٣: ٩٦) ومن ذلك تعمير الأرض
المقدسة التى حضنت ذلك الدين الجديد دين التوحيد إلى أن ترعرع وقوى، ونما وانتشر، وقضى على الأوثان
والأصنام فى جزيرة العرب أولا، فلو لا هذه البيئة البعيدة عن معترك الحياة الصاخبة بتيارات المدنيات وغطرسة الملوك
والجبابرة لم يتح لهذا الدين أن ينمو ويذيع، وحسبنا دليلا على هذا ما لقيه إبراهيم من اضطهاد بين قومه وعشيرته حتى
اضطروه إلى الهجرة بدينه من بلاده، والآية الكريمة { ربنا إنى أسكنت من ذريتي بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم
وبنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون - ١٤: ٣٧) مفصحة
بهذا المعنى أى إفصاح. ثم بسط فى ذكر المنافع السياسية والاجتماعية بنحو ما تقدم، ثم قال أما الفائدة التهذيبية التى
يجنيها الحاج من رحلته فهى رياضة النفس وتذليلها فإن أعمال الحج منذ يشرع الحاج فى توجيه النية والنطق بالتلبية تدخل
فى نفسه شعورا قلبيا بالقرب من الله ولا يزال هذا الشعور ينمو ويزيد كلما اقترب من الأماكن المقدسة حتى إذا حل
تلك الرحاب النضرة والساحات المطهرة وانغمس فى أداء الأعمال شعر بسمو روحى وفيض إلهى يدب فى نفسه وينتقل
٢٩٢
١
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
به من حال إلى حال حتى ينتهى إلى احتقار سلطان المادة وتأثيره فى النفس، وهذا الفيض الشعورى تمتزج فيه العناصر
الروحية بعضها ببعض وتتجاوب فى النفس وتتبين آثارها فى الارادة والعمل من تعظيم للدين وحب شديد الرسول
الأكرم مَّ والسلف الصالح من الأمة وغيرة على المجتمع الإسلامى ورغبة فى إسعاده، ومن ندم على ما سبق من
التفريط فى جنب الله ورغبة فى استدراك ما فات فى أزمان الغفلة وغرة الشباب من الطاعات والقربات وهذه الرياضة
النفسية هى ثمرة الحج الكبرى حتى إذا انتهت أعماله وعاد الحاج إلى وطنه وأهله لم يفارقه ذلك الشعور الربانى ولا ريب أن
كثيرا من حجوا مخلصين لله تتأثر حياتهم بذلك الشعور الفياض الذى كسبوه فى أثناء ار تحالهم فى الأراضى المقدسة وتلمح فى
أخلاقهم الاستقامة والإقلاع عن كثير من المساوى التى كانت تشوب حياتهم قبل الحج ومثل هذا يسمى الحج المبرور الذى
يتقبله الله ويعظم الثواب عليه، كما جاء فى الحديث. ثم ذكر ما يحصل فى هذا السفر الطويل الشاق من فائدة تعويد المسافر
خلال تلك الرحلة احتمال كثير من المشقات بالتنقل المستمر لأداء المناسك ونقل الأمتعة والأزواد ونصب الخيام أو تقويضها
وإعداد الرواحل أو السيارات وغير ذلك من الأعمال الشاقة، ثم قال: وبعض الحجاج يلتمسون مع أداء فريضة الحج
فى هذا الموسم ضروبا من النفع المادى فينقلون المناجرمن شتى البلاد إلى الحجاز ويبيعونها هناك ويتزودون لبلادهم و
أهليهم من طرائف الحجاز وما يحمله إليه الناس من سائر البقاع والأصقاع، وليس هذا العمل محرما فى الدين تقول الآية
الكريمة (ليس عليكم جناح أن تبتغوافضلا من ربكم-٢: ١٩٨) وتقول آية أخرى (وأذن فى الناس بالحج يأتوك رجالا
وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق لشهدوا منافع لهم - ٢٢: ٢٧، ٢٨) ومن هذه المنافع التجارة التى يقوم عليها
الموسم ويمكن أن تجعل البلاد المقدسة سوقا إسلامية للتجارة (بدل أن تكون سوقا تجارية لمصنوعات أوربا وروسيا
وأميركا واليابان والصين وغير ذلك من بلاد الشرق والغرب) كما كانت فى القرون الإسلامية الأولى سوقا من
أعظم الأسواق بين الممالك الإسلامية الشرقية والغربية ومن أعظم الأسباب لنشر الحضارة والثقافة فى أحقاب طويلة ،
فقد كان النجار يتحينون موسم الحج لينقلوا حاصلات بلادهم وثمرات اجتهادهم إلى مكة والمدينة حيث يجتمع العديد
الأكبر فيقبل الناس على اقتناء الطرف والنفائس من الثياب والحلى والطنافس والأوانى النحاسية وأنواع الطيب ونحو ذلك
ويتخذون منها الهدايا للأهل والأصحاب، وكان العلماء وأصحاب الفنون يلتقون فى الموسم فيأخذ بعضهم عن بعض
ويتبادلون الكتب والآثار العلمية والفنية وخاصة علماء الحديث الذين يجدون فى هذا الموسم أحسن الفرص للرواية
والإجازة وكان هذا التبادل التجارى والثقافى فى جميع مظاهره من أحسن الوسائل لتعميم الحضارة وبعث روح التنافس
الجدى بين المسلمين فى الممالك والأقطار المختلفة - انتهى. وقال الشاه ولى الله الدهلوى فى حجة الله البالغة (ج ٢:
ص ٤٢): المصالح المرعية فى الحج أمور منها تعظيم البيت فإنه من شعائر الله وتعظيمه هو تعظيم الله تعالى ومنها
تحقيق معنى العرضة فإن لكل دولة أو ملة اجتماعا يتوارده الأقاصى والأدانى ليعرف فيه بعضهم بعضا ويستفيدوا أحكام
٢٩٣
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
الملة ويعظموا شعائرها، والحج عرضة المسلمين وظهور شوكتهم واجتماع جنودهم وتنويه ملتهم وهو قوله تعالى
﴿وإذ جعلنا البيت مثابة الناس وأمنا - ٢: ١٢٥ ) ومنها موافقة ما توارث الناس عن سيدنا إبراهيم وإسماعيل
عليهما السلام فإنهما إماما الملة الحنيفية ومشرعاها للعرب، والنبى معَو ◌ِّم بعث لتظهر به الملة الحنيفية وتعلو به كلمتها وهو
قوله تعالى ﴿ملة أبيكم إبراهيم -٢٢: ٧٨ ) فمن الواجب المحافظة على ما استفاضر عن إماميها كخصال الفطرة ومناسك الحج
وهو قوله تَّ: قفوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم ومنها الاصطلاح على حال يتحقق بها الرفق
لعامتهم وخاصتهم كنزول منى والمبيت بمز دلفة فإنه لو لم يصطلح على مثل هذا الشق عليهم ولو لم يسجل عليه لم تجتمع كلمتهم
عليه مع كثرتهم وانتشارهم. ومنها الأعمال التى تعلن بأن صاحبها موحد تابع للحق متدين بالملة الحنيفية شاكر
فقه على ما أنعم على أوائل هذه الملة كالسعى بين الصفا والمروة ، ومنها أن أهل الجاهلية كانوا يحجون وكان الحج أصل
دينهم ولكنهم خلطوا أعمالا ما هي مأثورة عن إبراهيم عليه السلام وإنما هى اختلاق منهم وفيها إشراك لغير الله
كتعظيم أساف ونائلة وكالاهلال لمناة الطاغية وكقولهم فى التلبية: لا شريك لك إلا شريكا هو لك، ومن حق هذه.
الأعمال أن ینھی عنها ويؤ کد فى ذاك، وأعمالا انتحاوما فخرا وعجبا کقول حمس: نحن قطان الله فلا تخرج من حرم
الله، فنزل (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس - ٢: ١٩٩) ومنها أنهم ابتدعوا قياسات فاسدة هى من باب
التعمق فى الدين ، وفيها حرج الناس، ومن حقها أن تنسخ وتهجر كقولهم: يحتنب المحرم دخول البيوت من أبوابها،
وكانوا يتسورون من ظهورها ظنا منهم أن الدخول من الباب ارتفاق ينافى هيئة الاحرام فنزل {وليس البر بأن تأتوا
البيوت من ظهورها - ٢: ١٨٩﴾ وككراهيتهم فى التجارة موسم الحج ظنا منهم أنها تخل بإخلاص العمل لله فنزل
(ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم - ٢: ١٩٨﴾ وكاستحبابهم أن يحجوا بلا زاد ويقولون: نحن المتوكلون،
وكانوا يضيقون على الناس ويعتدون فنزل ﴿ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى - ٢: ١٩٧﴾ انتهى باختصار يسير. قلت:
شرع الحج لجميع هذه الفوائد والمصالح المذكورة وغيرها مما نعلم منها الكثيرونجهل منها الكثير، وربما كان ما نجهله وتتمتع
به أكثر مما نعرفه فقد قال الله تعالى: ﴿ليشهدوا منافع لهم - ٢٢: ٢٨) فأطلق المنافع ونكرها وأبهمها، ودل هذا التعبير
البليغ على كثرتها وتنوعها وتجددها فى كل زمان ، وأنها أكثر من أن يأتى عليها الإحصاء والاستقصاء ويحيطها المحيطون
ولكن من أوضح ملامح الحج والروح المسيطرة على جميع أعماله ومناسكه هو الحب والهام والوله والتفانى وإعطاء
زمام الجسم والفكر للقلب والعاطفة وتقليد العشاق والمحبين إمامهم وزعيمهم إبراهيم الخليل ، فينا طواف الحب
والهيام حول البيت الحرام وحينا تقبيل الحجر الأسود والاستلام وحينا سعى بين غايتين وتقليد ومحاكاة
الأم الحنون حتى فى تؤدتها ووقارها وفى جريها وهرولتها. ثم قصد لمنى فى يوم معين هو يوم التروية، ثم قصد
٢٩٤
1
1
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
:﴿ الفصل الأول ):
٢٥٢٩ - (١) عن أبى هريرة، قال: خطبنا رسول اللّه عَّم فقال: يا أيها الناس قد فرض عليكم
الحج فيجوا، فقال رجل: أ كل عام يا رسول الله؟
إلى عرفات ووقوف بساحتها ودعاء وابتهال ثم بيتوتة فى المزدلفة وعودة إلى منى فرمى ونحر وحلق اقتداء بسنة إبراهيم ومحمد
صلى الله عليهما وسلم قلت: وزعم بعض المتنورين أن الحج مؤتمر سياسى ثقافى فحسب وليس كذلك فإنه لو كانت هذه
هى الحكمة التى شرع لها الحج لكان فى الحج استقرار وساده جو من الهدوء يساعد على ذلك ولكنه اضطراب وانتقال
من مكان إلى مكان ومن نسك إلى نسك، ولكانت دعوة مقصورة على العلماء والزعماء والأذكياء والنبهاء وعلى الخاصة
من المسلمين، إنها لا شك ثمرة من ثمرات الحج ولكن ليست هى الغاية التى شرعت لها هذه الفريضة العظيمة وفرضت على
المسلمين فقال: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا، ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين - ٣: ٩٧)
وقال رسول اللّه عَّه: من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا. ولكان
له وضع غير هذا الوضع ومكان غير هذا المكان القاحل النائى، إنه عبادة ونسك، وطاعة وانقياد وحب وهيام
واتصال بمؤسس هذه الملة وتجديد العهد بالمركز الروحى والمنبع الأصيل وتقليد الحبين وتمثيل لما جرى لهم وتذکیر
الرحيل من دار الفناء إلى دار القرار والبقاء ويتبع ذلك فوائد وحكم وأسرار لا يحصيها إلا الله، وقد تقدمت الإشارة
إلی شئی منها .
١
٢٥٢٩ - قوله (خطبنا رسول اللّه مَيتي) أى خطب لنا عام فرض الحج فيه أو ذكر لنا أثناء خطبة له. قال
الأبى: يمنع أن تكون هذه الخطبة فى الحج لأنه مَّ إنما حج فى العاشرة وفرض الحج كان سابقا ، قيل سنة خمس وقيل
تسع إلا أن يكون قاله أيضا فى حجة الوداع (قد فرض) بصيغة المجهول (حجوا) بضم الحاء المهملة صيغة الأمر
(فقال رجل) هو الأقرع بن حابس كما فى حديث ابن عباس أول أحاديث الفصل الثانى (أكل عام؟) بالنصب لمقدر أى
أنأمرنا أن نحمج كل عام؟ أو أ فرض علينا أن نحج كل عام؟ وفى النسائى: فقال رجل: فى كل عام؟ أى هو مفروض على
كل إنسان مكلف فى كل سنة أو هو مفروض عليه مرة واحدة؟ قال النووى: واختلف الأصوليون فى أن الأمر هل
يقتضى التكرار؟ والصحيح عند أصحابنا لا يقتضيه، والثانى يقتضيه، والثالث يتوقف فيما زاد على مرة على البيان فلا يحكم
باقتضاءه ولا بمنعه، وهذا الحديث قد يستدل به من يقول بالتوقف لأنه سأل فقال أكل عام؟ ولو كان مطلقه يقتضى
التكرار أو عدمه لم يسأل ولقال له النبي ◌َّ: لا حاجة إلى السؤال بل مطلقه محمول على كذا وقد يجيب الآخرون عنه
بأنه سأل استظهارا واحتياطا، وقوله: ذرونى ما تركتكم، ظاهر فى أنه لا يقتضى التكرار. قال المازري: ويحتمل أنه
٢٩٥
مرعاة المفاتيح ج٨
١٠ - كتاب المناسك
فسكت حى قالها ثلاثا، فقال: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم. ثم قال: ذرونى ما تركتكم
إنما احتمل التكرار عنده من وجه آخر، لأن الحج فى اللغة قصد فيه تكرار فاحتمل عنده التكرار من جهة الاشتقاق لا
من مطلق الأمر - انتهى. قال القارى بعد ذكر هذا الاحتمال بلفظة قيل: والأظهر أن مبنى السؤال قياسه على سائر
الأعمال من الصلاة والصوم وزكاة الأموال ولم يدر أن تكراره كل عام بالنسبة إلى جميع المكلفين من جملة المحال كما
لا يخفى (فسكت) أى عن جوابه (حتى قالها) أى قال الرجل السائل الكلمة التى تكلمها (ثلاثا) قال التور بشتى: إنما
سكت زجرا له عن السؤال الذى كان السكوت عنه أولى لأن الرسول مَ ◌ّه إنما بعث لبيان الشريعة فلم يكن ليسكت عن
بيان أمر على أن بالأمة حاجة إلى الكشف عنه، فالسؤال عن مثله تقدم بين يدى رسول الله من فضله وقد نهوا عنه،
والإقدام عليه ضرب من الجهل وشر فيه احتمال أن يعاقبوا بزيادة التكليف، وإليه أشار مريم بقوله («لو قلت نعم
لوجبت، قال القارى: ثم لما رآه ◌َّ لا ينزجر ولا يقنع إلا بالجواب الصريح صرح به (فقال لو قلت نعم) أى فرضا
وتقديرا ، ولا يبعد أن يكون سكوته عليه الصلاة والسلام انتظارا للوحى أو الإلهام. وقال السندى: وهذا بظاهره
يقتضى أن أمر افتراض الحج كل عام كان مفوضا إليه حتى لو قال نعم لحصل وليس بمستبعد إذ يجوز أن يأمر الله تعالى
بالا طلاق ويفوض أمر التقيد إلى الذى فوض إليه البيان، فهو إن أراد أن يبقيه على الإطلاق يبقيه عليه وإن أراد أن
يقيده بكل عام يقيده به ، ثم فيه إشارة إلى كرامة السؤال فى النصوص المطلقة والتفتيش عن قيودها بل ينبغى العمل على
إطلاقها حتى يظهر فيها قيد، وقد جاء القرآن موافقا لهذه الكراهة - انتهى. وقال الحافظ: استدل به على أن الني وز فيه
كان له أن يجتهد فى الأحكام لقوله «لو قلت نعم لو جبت)، ولا يشترط فى حكمه أن يكون بوحى، وأجاب من منع
باحتمال أن يكون أوحى إليه ذلك فى الحال (لوجبت) أى هذه العبادة أو فريضة الحج المدلول عليها بقوله فرض ، أو
الحجة كل عام أو حجج كثيرة على كل أحد (ولما استطعتم) أى وما قدرتم كلكم إتيان الحج فى كل عام ، ولا يكلف
الله نفسا إلا وسعها (ذرونى) وفى رواية البخارى ((دعونى، قال السندى: أى اتركونى من السؤال عن القيود فى
المطلقات. قال فى القاموس : ذره أى دعه، يذره تركا ولا تقل وذرا، وأصله وذره يذره كوسعه يسعه لكن
ما نطقوا بماضيه ولا بمصدره ولا باسم الفاعل، أو قيل وذرته شاذا (ما تركتكم) أى لأنى مبعوث ليان الشرائع
وتبليغ الأحكام، فما كان مشروعا أبينه لكم لا محالة ولا حاجة إلى السؤال، قال السندى: ما مصدرية ظرفية، أى مدة
تركى إياكم عن التكليف بالقيود فيها، وليس المراد لا تطلبوا منى العلم ما دام لا أبين لكم بنفسى - انتهى. وقال الحافظ:
قوله ((ما تركتكم، أى مدة تركى إيا كم بغير أمر بشئ ولا نهى عن شتى وإنما غاير بين اللفظين لأنهم أماتوا الماضى واسم
الفاعل منهما واسم مفعولهما وأثبتوا الفعل المضارع وهو يذر، وفعل الأمر وهو ذر ومثله دع ويدع ولكن سمع ودع.
كما قرى به فى الشاذ فى قوله تعالى ثرما ودعك ربك وما قلى - ٩٣: ٣) وقال الشاعر:
٢٩٦
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم
فرائس أطراف المثقفة السمر
ونحن ودعنا آل عمرو بن عامر
ويحتمل أن يكون ذكر ذلك على سبيل التفنن فى العبارة وإلا لقال: اتركونى. قال: والمراد بهذا الأمر ترك السؤال
عن شئ لم يقع خشية أن ينزل به وجوبه أو تحريمه وعن كثرة السؤال لما فيه غالبا من التعنت وخشية أن تقع الاجابة
بأمر يستثقل فقد يؤدى لترك الامتثبال فتقع المخالفة. قال ابن فرج: معنى قوله «ذرونى ما تركتكم، لا تكثروا من
الاستغسال عن المواضع التى تكون مفيدة لوجه ما ظهر ولو كانت صالحة لغيره ، کما أن قوله ((حجوا، وإن كان صالحا
التكرار فينبغى أن يكتفى بما يصدق عليه اللفظ وهو المرة فإن الأصل عدم الزيادة ولا تكثروا التنقيب عن ذلك لأنه قد
يفضى إلى مثل ما وقع لبنى إسرائيل إذ أمروا أن يذبحوا البقرة فظو ذبحوا أى بقرة كانت لامثلوا ولكنهم شددوا فشدد
عليهم وبهذا تظهر مناسبة قوله «فاينما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، بقوله «ذرونى ماتر کتکم، قال النووى : وهو دليل
على أن لا حكم قبل ورود الشرع، وأن الأصل فى الأشياء عدم الوجوب وهذا هو الصحيح عند محقق الأصوليين.
(فإنما هلك من كان قبلكم) أى من اليهود والنصارى (بكثرة سؤالهم) كسؤال الرؤية والكلام وقضية البقرة. قال
الأبى: وفيه مرجوحية كثرة السؤال، ومنه ما اتفق لأسد بن الفرات مع مالك حين أكثر السؤال بقوله: فإن كان كذا ،
فإن كان كذا؟ فقال له مالك: هذه سلسلة بنت أخرى، إن أردت هذا فعليك بأهل العراق ، إلا أن يقال لا يلزم
من المنع هنا المنع فى غيره لما أشار إليه ◌َ ئى من أنه فى مقام التشريع يخاف الافتراض فيما يشق ولا يقدر عليه -
انتهى. وقال الحافظ: استدل به على النهى عن كثرة المسائل والتعمق فى ذلك. قال البغوى فى شرح السنة: المسائل
على وجهين : أحدهما ما كان على وجه التعليم لما يحتاج إليه من أمر الدين فهو جائز بل مأمور به لقوله تعالى ﴿ فاستلوا
أهل الذكر - ١٦: ٤٥، و٦:٢١) الآية، وعلى ذلك تنزل أسئلة الصحابة عن الأنفال والكلالة وغيرهما ، ثانيهما ما
كان على وجه التعنت والتكلف وهو المراد فى هذا الحديث والله أعلم. ويؤيده ورود الزجر فى الحديث عن ذلك وذم
السلف، فعند أحمد من حديث معاوية أن النبى مَثّ نهى عن الأغلوطات. قال الأوزاعى: هى شداد المسائل ، وقال
الأوزاعى أيضا: إن الله إذا أراد أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه المغاليط فلقد رأيتهم أقل الناس علما. وقال
ابن وهب: سمعت مالكا يقول: المراء فى العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل. وقال ابن العربي: كان النهى عن السؤال
فى العهد النبوى خشية أن ينزل ما يشق عليهم فأما بعد فقد أمن ذلك لكن أكثر النقل عن الساف بكراهة الكلام فى
المسائل التى لم تقع ، قال: وإنه لمكروه إن لم يكن حراما إلا للعلماء فإنهم فرعوا ومهدوا فنفع الله من بعدهم بذلك ولا
سيما مع ذهاب العلماء ودروس العلم - انتهى ملخصا ، وينبغى أن يكون محل الكراهة للعالم إذا شغله ذلك عما هو أهم منه ،
وكان ينبغى تلخيص ما يكثر وقوعه مجردا عما يندرولا سيما فى المختصرات ليسهل تناوله والله المستعان - انتهى كلام الحافظ
٢٩٧
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشى فأتوا منه ما استطعتم ،
(واختلافهم) عطف على كثرة السؤال لا السؤال، إذ الاختلاف وإن قل يؤدى إلى الهلاك، ويحتمل أنه عطف على
سؤالهم فهو إخبار عمن تقدم بأنه كثر اختلافهم فى الواقع فأداهم إلى الهلاك وهو لا ينافى أن القليل من الاختلاف مؤد
إلى الفساد ، قاله السندى (على أنبيائهم) يعنى إذا أمرهم الأنبياء بعد السؤال أو قبله اختلفوا عليهم فهلكوا واستحقوا
الإهلاك. قال الأبى: قوله ((واختلافهم على أنبيائهم، هو زيادة على ما وقع فإن الذى وقع إنما هو إلحاح فى السؤال لا
الاخلاف (فإذا أمرتكم بشئى) أى من الفرائض وفى رواية بأمر (فأتوا منه ما استطعتم) أى افعلوا قدر استطاعتكم.
قال السندى: يريد أن الأمر المطلق لا يقتضى دوام الفعل وإنما يقتضى جنس المأمور به وأنه طاعة مطلوبة ينبغى أن يأتى
كل إنسان منه على قدر طاقته، وأما النهى فيقتضى دوام الترك - انتهى. وقال فى العات: قوله «فأتوا منه ما استطعتم»
يجوز أن يكون تأكيدا ومبالغة فى إتيان ما أمر به وبذل الطاقة فيه، وأن يكون إشارة إلى التيسير ورفع الحرج كما فى
الصلاة وأركانها وشرائطها إذا عجز عن بعضها أتى بما استطاع، وهذا فى الأمر وأما فى النهى فينبغى أن يحتاط فى تركه
ويبذل المجهود بالغا ما بلغ. وقال النووى: هذا من قواعد الإسلام المهمة ومن جوامع الكلم التى أعطيها ومَثيه،.
·يدخل فيه ما لا يحصى من الأحكام كالصلاة بأنواعها ، فإذا عجز عن بعض أركانها أو بعض شروطها أتى بالباقى، وإذا
عجز عن بعض أعضاء الوضوء أو الغسل غسل الممكن، وإذا وجد بعض ما يكفيه من الماء اطهارته أو لغسل النجاسة فعل
الممكن ، وأشباه هذا غير منحصرة، وأما قوله «وإذا نهيتكم عن شئ فدعوه، فهو على إطلاقه، فإن وجد عذر يبيحه
كأكل الميتة عند الضرورة أو شرب الخمر عند الإكراه أو التلفظ بكلمة الكفر إذا أكره ونحو ذلك، فهذا ليس منهيا
عنه فى هذا الحال. قال: وهذا الحديث موافق لقول الله تعالى ﴿فاتقوا الله ما استطعتم - ٦٤: ١٦) وأما قوله تعالى
﴿حق تقاته) ففيها مذهبان أحدهما أنها منسوخة بقوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) والثانى وهو الصحيح أو
الصواب وبه جزم المحققون أنها ليست منسوخة بل قوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) مفسرة لها ومبينة للراد بها. قالوا:
و((حق تقاته) هو امتثال أمره واجتناب نهيه أى مع القدرة لا مع العجز ولم يامر الله تعالى إلا بالمستطاع. قال تعالى
﴿ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها - ٢: ٢٨٦) انتهى. قال الحافظ: فى الحديث إشارة إلى الاشتغال بالأهم المحتاج
إليه عاجلا عما لا يحتاج إليه فى الحال فكأنه قال: عليكم بفعل الأوامر واجتاب النواهى فاجعلوا اشتغالكم بها
عوضا عن الاشتغال بالسؤال عما لم يقع فينبغى السلم أن يبحث عما جاء عن الله ورسوله ثم يجتهد فى تفهم
ذلك والوقوف على المراد به ثم يتشاغل بالعمل به، فإن كان من العلميات يتشاغل بتصديقه واعتقاد
حقيته، وإن كان من العمليات بذل وسعه فى القيام به فعلا وتركا فإن وجد وقنا زائدا على ذلك
فلا بأس أن يصرفه فى الاشتغال بتعرف حكم ما سيقع على قصد العمل به إن لو وقع، فأما إن كانت
٢٩٨
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
وإذا نهيتكم عن شئى فدعوه. رواه مسلم.
٢٥٣٠ - (٢) وعنه، قال: سئل رسول اللّه مَمل أى العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله.
الهمة مصروفة عند سماع الأمر والنهى إلى فرض أمور قد تقع وقد لا تقع مع الإعراض عن القيام بمقتضى ما سمع فإن
هذا ما يدخل فى النهى فالتفقه فى الدین إما يحمد إذا كان للعمل لا للراء والجدل وسیأتی بسط ذلك قریبا أی فی باب ما
يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه من كتاب الاعتصام - انتهى (وإذا نهيتكم عن شئى) أى من المحرمات
(فدعوه) أى اتركوه كله، قال الحافظ : استدل بهذا الحديث على أن اعتناء الشرع بالمنهيات فوق اعتناءه بالمأمورات
لأنه أطلق الاجتتاب فى المنهيات ولو مع المشقة فى الترك، وقيد فى المأمورات بقدر الطاقة، وهذا منقول عن الامام
أحمد ، فإن قيل: إن الاستطاعة معتبرة فى النهى أيضا إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها بجوابه أن الاستطاعة تطلق
باعتبارين كذا قيل، والذى يظهر أن التقييد فى الأمر بالاستطاعة لا يدل على المدعى من الاعتناء به بل هو من جهة
الكف إذ كل أحد قادر على الكف لو لا داعية الشهوة مثلا ، فلا يتصور عدم الاستطاعة عن الکف بل كل مكلف
قادر على الترك بخلاف الفعل، فإن العجز عن تعاطيه محسوس ، فمن ثم قيد فى الأمر بالاستطاعة دون النهى ، وادعى
بعضهم أن قوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) يتناول امتثال المأمور واجتناب المنهى، وقد قيد بالاستطاعة واستويا
فيفئذ يكون الحكمة فى تقييد الحديث بالاستطاعة فى جانب الأمر دون النهى أن العجز يكثر تصوره فى الأمر بخلاف
النهى فإن تصور العجز فيه محصور فى الاضطرار - انتهى (رواه مسلم) فى الحج من طريق محمد بن زياد عن أبى هريرة ،
وكذا النسائى وأحمد وابن حبان والطبرى والبيهقى (ج ٤: ص ٣٢٦) والدار قطنى ، وفى الباب عن ابن عباس، وسيأتى
فى الفصل الثانى، وعن على عند الترمذى، وعن أبى أمامة عند الطبرى، وعن أنس عند ابن ماجه، والحديث رواه البخارى
من طريق آخر مختصرا أى من غير ذكر السبب فى باب الاقتداء بسنن رسول اللّه مَثّ من كتاب الاعتصام ومسلم أيضا
فى الفضائل وأحمد (ج ٢: ص ٣١٢) والترمذى فى العلم وابن ماجه فى السنة.
٢٥٣٠ - قوله (سئل) بالبناء للمفعول ، أبهم السائل وهو أبو ذر الغفارى وحديثه فى العتق عند البخارى
(أى العمل) وفى رواية أى الأعمال وهو مبتدأ خبره (أفضل) أى أكثر ثوابا عند الله تعالى (قال) أى رسول الله مُ
هو (إيمان بالله ورسوله) ذكر الايمان ليشعر بالتعظيم والتفخيم أى التصديق المقارن بالاخلاص المستبع للأعمال الصالحة.
قال النووى: فيه تصريح بأن العمل يطلق على الايمان والمراد به - والله أعلم - الإيمان الذى يدخل به فى ملة الاسلام
وهو التصديق بقلبه والنطق بالشهادتين، فالتصديق عمل القلب والنطق عمل اللسان ولا يدخل فى الايمان منا الأعمال
بسائر الجوارح كالصوم والصلاة والحج والجهاد وغيرها لكونه جعل قسيما للجهاد والحج، ولقوله مثل: إيمان بالله
٢٩٩
مرعاة المفاتيح ج ٨
١٠ - كتاب المناسك
قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد فى سبيل الله. قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور.
ورسوله. ولا يقال هذا فى الأعمال ولا يمنع من قسمية الأعمال المذكورة إيمانا فقد قدمنا دلائله - انتهى (قيل) القائل
هو السائل فى الأول (ثم ماذا؟) كلمة ثم للعطف مع الترتيب الذكرى، وما مبتدأ وذا خبره والمعنى ثم أى شئى أفضل
بعد الايمان بالله ورسوله؟ (قال الجهاد فى سبيل الله) أى قتال الكفار لإ علاء كلمة الله (قيل ثم ماذا ؟) أفضل
(قال حج مبرور) أى مقبول من البر وهو القبول ومن علامات القبول أن يزداد بعده خيرا أى يكون حاله بعد
الرجوع خيرا بما قبله ولا يعاود المعاصى، وهو مفعول من بر المتعدى يقال برالله حجه أى قبله ويبنى للمفعول فيقال برحجه
فهو مبرور ويستعمل لازما فيقال بر حجه ويقال أيضا أبر اللّه حجه إبرارا قال الجزرى: يقال برحجه وبرحجه وبر الله
حجه وأبره برا بالكسر فى الجميع وإبرارا وقيل المبرور المقابل بالبر وهو الثواب وقيل هو الذى لا رياء فيه ولا
سمعة وقيل الذى لا يعقبه معصية وقيل هو الذى لا يخالطه شتى من المأتم مأخوذ من البر وهو الطاعة، ومنه برت
يمينه إذا سلم من الحنث وبريعه إذا سلم من الخداع ورجح هذا المعنى النووى وقال القرطبى: الأقوال التى ذكرت فى
تفسيره متقاربة المعنى ، وهى أنه الحج الذى وفيت أحكامه فوقع موقعا لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل ، ولأحمد
والحاكم من حديث جابر قالوا: يا رسول الله ما بر الحج؟ قال إطعام الطعام وإنشاء السلام، قال فى الفتح: وفى
إسناده ضعف، ولو ثبت كان هو المتعين دون غيره - انتهى. قلت: حديث جابر هذا قال الحاكم: إنه صحيح الإسناد
ولم يخرجاه لأنه لم يحتجا بأيوب بن سويد لكنه حديث له شواهد كثيرة. وقال الذهبى فى تلخيصه: صحيح. وحسن
سنده المنذرى فى الترغيب والهيشمى فى مجمع الزوائد، ولفظ الطبرانى ((إطعام الطعام وطيب الكلام. قيل المراد أن
هذه الخصال من علامات الحج المبرور وليست علاماته قاصرة على هذه، والظاهر انه مَّةٍ أجاب السائل
بذلك لكونه رأى منه التقصير فى هذه الخصال لأنه مزيفة كان يجيب كل إنسان على حسب حاله ثم
إنه عرف الجهاد باللام دون الإيمان والحج لأن المعرف بلام الجنس كالنكرة فى المعنى فيوافق تنكير قسيميه.
وقيل لأن الإيمان والحج لا يتكرر وجوبهما فناسبهما التنكير ليدل على الافراد الشخصى بخلاف الجهاد فإنه قد يتكرر
فعرف والتعريف للكمال إذ الجهاد لو أتى به مرة مع الاحتياج إلى التكرار لما كان أفضل كذا قيل، وقد تعقبه الحافظ
فى الفتح واعترضه العينى حسب عادته بما لا طائل تحته، قال الحافظ: وقع فى مسند الحارث بن أبى أسامة «ثم جهاد، أى
بالتنكير فقد ظهر من هذه الرواية أن التنكير والتعريف فيه من تصرف الرواة لأن مخرجه واحد فالإطالة فى طلب الفرق
فى مثل هذا غير طائلة ثم إنه قدم الجهاد على الحج مع أنه فرض كفاية والحج فرض عين وذلك لأنه كان أول الإسلام
ومحاربة أعداء. والجد فى إظهاره، وقيل: هو محمول على الجهاد فى وقت الزحف الملجثى والنغير العام فإنه حينئذ يجبالجهاد
٣٠٠