Indexed OCR Text

Pages 261-280

٠
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
٢٥١٨ - (١٣) وعن عمر بن الخطاب، قال: كان النبى مَّ إذا أنزل عليه الوحى سمع عند وجهه
دوى كدوى النحل، فأنزل عليه يوما فمكثنا ساعة، فسرى عنه، فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال:
اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا،
وقيل هو محمد بن ثابت بن شرحبيل، وقال فيه إنه مقبول. وفى الباب عن أنس أخرجه النسائي والحاكم (ج ١:
ص ٥١٠).
٢٥١٨ - قوله (سمع) على بناء الماضى المجهول، وهذا لفظ الترمذى، وفى المسند "يسمع)، أى بلفظ المضارع
المجهول وكذا نقله الشوكانى فى فتح القدير، وفى المستدرك وشرح السنة ((نسمع)) بصيغة المضارع المتكلم المعلوم،
ونقله الذهبى فى تلخيصه بلفظ ((يسمع)) أى كرواية المسند (عند وجهه) أى عند قرب وجهه بحذف المضاف
(دوى كدوي النحل) كذا وقع فى أكثر نسخ المشكاة وهكذا فى المسند ووقع فى بعض نسخ المشكاة «سمع عند وجهه
كدوى النحل، أى باسقاط «دوى، وهكذا عند الترمذى والبغوى وكذا نقله المناوى فى فيض القدير والشوكانى فى
تحفة الذاكرين وفتح القدير. والدوى بفتح الدال وكبير الواو وتشديد الياء وهو صوت لا يفهم منه شئى، وهذا
هو صوت جبريل عليه الصلاة والسلام يبلغ إلى رسول الله مَفي الوحى ولا يفهم الحاضرون من صوته شيئا. وقال
الطيبي: أى سمع من جانب وجهه وجهته صوت خفى كان الوحى كان يؤثر فيهم وينكشف لهم انكشافا غير تام فصاروا
كمن يسمع دوى صوت ولا يفهمه لما سمعوه من غطيطه وشدة تنفسه عند نزول الوحى - انتهى. وقال فى اللغات :
وهذا الدوى إما صوت الوحى يسمعها الصحابة ولا ينكشف لهم انكشافا تاما، أو ما كانوا يسمعونه من النی بیتے من
شدة تنفسه من ثقل الوحى، والأول أظهرلأنه قد وصف الوحی بأنه كان تارة مثل صلصلة الجرس - انتهي (فأنزل
عليه يوما) أى نهارا أو وقتا (فمكثنا) بفتح الكاف وضعها أى لبثنا (ساعة) أى زمنا يسيرا ننتظر الكشف عنه
(فسرى عنه) بصيغة المجهول من القسرية وهو الكشف والإزالة أى كشف عنه وأزيل ما اعتراه من برحاء الوحى
وشدته (اللهم زدنا) أمر من الزيادة أى من الخير والترقى أو كثرنا (ولا تنقصنا) بفتح حرف المضارعة
وضم القاف من نقص المتعدى أى لا تنقص خيرنا ومرتبتنا وعددنا وعددنا. قال القاضى والطبى عطفت هذه النوامى
على الأوامر البالغة والتأكيد وحذف ثوافى المفعولات فى بعض الألفاظ للتعميم والمبالغة كقولك فلان يعطى ويمنح
(وأكرمنا) بقضاء مآربنا فى الدنيا ورفع منازلنا فى العقبي (ولاتهنا) بضم تاء وكسرها وتشديد نون على أنه نهى من
الإهانة وأصله ولا تهوننا ، فقلت كسرة الواو إلى الهاء فالتقت ساكنة مع النون. الأولى الساكنة خذفت وأدغمت
النون الأولى فى الثانية أى لا تذلنا (وأعطنا) من الإعطاء (ولا تحرمنا) بفتح التاء وكسر الراء. وفى القاموس: حزمه
٢٦١

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا، ثم قال: أنزل على عشر آيات من أقامهن دخل
الجنة، ثم قرأ: ﴿قد أفلح المؤمنون) حتى ختم عشر آيات. رواه أحمد والترمذى.
الشئى كضربه وعلمه جرمانا بالكسر منعه حقه وأحرمه لغية أى لا تمنعنا ولا تجعلنا محرومين (وآثرنا) بالمد وكسر المثلثة
أمر من الإيثار أى اخترنا برحمتك وإكرامك وعنايتك (ولا تؤثر علينا) أى غيرنا بلطفك وحمايتك، وقيل لا تغلب
علينا أعداءنا (وأرضنا) أمر من الإرضاء أى ارضناعنك بمعنى اجعلنا راضين بما قضيت لنا أو علينا بإعطاء الصبر
وتوفيق الشكر وتحمل الطاعة والتقنع بما قسمت لنا (وارض عنا) بهمزة وصل وفتح ضاد أمر من الرضاء أى كن
راضياعنا بالطاعة اليسيرة الحقيرة التى فى جهدنا ولا تؤاخذنا بسوء أعمالنا (ثم قال انزل على) أى آنفا (من أقامهن) أى
حافظ وداوم عليهن وعمل بهن (دخل الجنة) أى دخولا أوليا ، هذا وارجع للبسط فى شرح الحديث إلى فيض القدير
(ج ٢: ص ١٠٧، ١٠٨) وتحفة الذا کرین (ص ٢٩٨) (رواه أحمد) (ج ١: ص ٣٤) عن عبد الرزاق عن يونس
ابن سليم قال أملى على يونس بن يزيد الأعلى عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد القارى عن
عمر بن الخطاب ومن هذا الطريق أخرجه البغوى (ج ١٧٧،٥) (والترمذى) فى الدعوات من طريق عبد الرزاق عن
يونس بن سليم عن الزهرى ثم رواه الترمذى من طريق عبد الرزاق أيضا عن يونس بن سليم عن يونس بن يزيد عن الزهرى
ثم قال : هذا أصح من الحديث الأول سمعت إسحاق بن منصور يقول روى أحمد بن حنبل وعلى بن المدنى وإسحاق
ابن إبراهيم عن عبد الرزاق عن يونس بن سليم عن يونس بن يزيد عن الزهرى هذا الحديث. قال أبو عيسى: ومن سمع من
عبد الرزاق قدیما فإنهم إنما یذکرون فیه عن يونس بن یزید وبعضهم لا یذکر فیه عن يونس بن یزید ومن ذکر فیه عن
يونس بن يزيد فهو أصح، وكان عبد الرزاق ربما ذكر فى هذا الحديث يونس بن يزيد وربما لم يذكره ، وإذا لم يذكر فيه
يونس فهو مرسل - انتهى. وذكر نحو هذا الكلام البغوى فى شرح السنة. والحديث نسبه السيوطى فى الدر المنثور
(ج ): ص ٢) والشوكانى فى فتح القدير (ج ٣: ص ٤٦٠) لعبد الرزاق وعبد بن حميد والنسائى وابن المنذر والعقيلى
والحاكم والبيهقى فى الدلائل والضياء فى المختارة وفى سنده عندهم جميعا يونس بن سليم الصنعانى. قال الحافظ فى التقريب
مجهول. وقال الذهبي فى الميزان فى ترجمته: حدث عنه عبد الرزاق وتكلم فيه ولم يعتمده فى الرواية ومشاه غيره. وقال
العقيلى: لا يتابع على حديثه ولا يعرف إلا به - انتهى. وقال فى تهذيب التهذيب: قال النسائى: هذا حديث منكر لا نعلم أحدا
رواه غير يونس ويونس لانعرفه، وذكره ابن حبان فى الثقات-انتهى. ورواه الحاكم (ج١: ص ٥٣٥) بإسنادين أحد هما من
طريق المسند وصححه ووافقه الذهبي فهذا موافقة من الحاكم والذهبي على توثيق يونس بن سليم وهويدل على أن توثيق ابن
حبان ليونس بن سليم صحيح ولذا حسن هذا الحديث البغوى فى شرح السنة وصححه الشيخ أحمد شاكر فى شرح المسند.
٢٦٢

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
( الفصل الثالث )
٢٥١٩ - (١٤) عن عثمان بن حنيف، قال: إن رجلا ضرير البصر أتى النبى معَّ فقال: ادع الله
أن يسافينى. فقال: إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك. قال: فادعه. قال:
فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إنى أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد فى
الرحمة ، إنى توجهت بك إلى ربی
٢٥١٩ - قوله (عن عثمان بن حنيف) بالحاء المهملة والنون مصغرا ابن واهب الأنصارى الأوسى المدنى صحابى
شهير شهد أحدا والمشاهد بعدها واستعمله عمر على مساحة سواد العراق، واستعمله على على البصرة فبقى عليها إلى أن قدمها
طلحة والزبير مع عائشة رضى الله عنهم فى نوبة وقعة الجمل فأخرجوه منها، ثم قدم على إليها فكانت وقعة الجمل فلا ظفر
بهم على استعمل على البصرة عبد الله بن عباس وسكن عثمان بن حنيف الكوفة. روى عنه ابن أخيه أبو
أمامة بن سهل بن حنيف وعمارة بن خزيمة بن ثابت وهانئ بن معاوية الصدفى وغيرهم ، مات فى خلافة معاوية
((إن رجلا ضرير البصر) أى ضعيف النظر أو أعمى، قاله القارى. قلت: فى رواية النسائى ((إن أعمى أتى النبي ٹے، وفى
رواية لأحمد «إن رجلا أتى النبي مَّم قد ذهب بصره)) والطبرانى وابن السنى («أناه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره)).
(ادع الله أن يعافيني) أى من ضررى فى نظرى (فقال) فى الترمذى («قال، أى بدون الفاء (إن شئت) أى اخترت الدعاء
(دعوت) أى لك (وإن شئت) أى أردت الصبر والرضا (فهو) أى الصبر (خير لك) فإن الله تعالى قال: إذا ابتليت
عبدى بحببتيه ثم صبر عوضته منها الجنة (قال) أى الرجل (فادعه) بالضمير أى ادع الله وأسأل العافية، ويحتمل أن
تكون الهاء للسكت، قال الطبي: أسند النبي ◌َّ الدعاء إلى نفسه وكذا طلب الرجل أن يدعوهو مَّهِ ثم أمره مَّ أن
يدعو هو أى الرجل كانه مَّه لم يرتض منه اختياره الدعاء بعد قوله «الصبر خير لك، ولذلك أمره أن يدعو هو لنفسه،
لكن فى جعله شفيعا له ووسيلة فى استجابة الدعاء ما يفهم أنه مَّم شريك فيه (قال) أى عثمان (فأمره أن يتوضأ فيحسن
وضوءه) أى يأتى بكمالاته من سننه وآدابه، وزاد فى رواية أحمد وابن ماجه والحاكم (ويصلى ركعتين، وفى رواية
للنسائى ((قال (أى التى مَّ) فانطلق فتوضأ ثم صل ركعتين)) (اللهم إنى أسألك) أى أطلب منك حاجتى وقال القارى:
أى أطلبك مقصودى، فالمفعول مقدر (وأتوجه إليك بنبك) الباء للتعدية، أو المعنى أتوجه إليك بدعاء نيك وشفاعته
(محمد في الرحمة) أى المبعوث رحمة للعالمين (إنى توجهت بك) أى استشفعت بك، والخطاب للنبي مؤ ثهم على طريق الالتفات،
فقى رواية أحمد وابن ماجه ((يا محمد إنى قد توجهت بك)) وفى رواية لأحمد أيضا والفسائى والحاكم (يا محمد أبى أتوجه
بك» وفيه إن إحضاره فى القلب وتصوره فى أثناء الدعاء، والخطاب معه فيه جائز كاحضاره فى أثناء التشهد فى
2
٢٦٣

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
ليقضى لى فى حاجتى هذه ، اللهم فشفعه فى.
الصلاة، والخطاب فيه وسيأتى الكلام فيه وفيه قصر السؤال الذى هو أصل الدعاء على الملك المتعال ولكنه توسل به
عليه الصلاة والسلام أى بدعائه كما قال عمر كنا نتوسل إليك بنبيك عليه الصلاة والسلام ، فلفظ التوسل والتوجه فى
الحديثين بمعنى واحد ولذا قال فى آخره ((اللهم فشفعه فى)) إذ شفاعته لا تكون إلا بدعاء ربه قطعا ولو كان المراد بذاته
الشريفة لم يكن لذلك التعقيب معنى، إذ التوسل بقوله ((بنبيك)). كاف فى إفادة هذا المعنى وأيضا قول الأعمى للنبي تُؤله «أدع
الله تعالى أن يعافيني، وجوابه عليه الصلاة والسلام له «إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك، وقول الأعمى
«فادعه، دليل واضح وبرهان راجح على أن التوسل كان بدعائه لا بنفس ذاته المطهرة عليه الصلاة والسلام، وقوله ((إنى
توجهت بك إلی ربی، قال الطیی : الباء فى «بك» للاستعانة أی استعنت بدعاتك إلی ربی، وسیأتی مزید توضيح ذلك إن
شاء الله تعالى فانتظر (ليقضى) بالغية أى ربى، وقيل بالخطاب أى لتوقع القضاء (لى فى حاجتى هذه) وجعلها مكانا له
على طريقة قوله (وأصلح لى فى ذريتى - ٤٦: ١٥) قال الطيبي: إن قلت ما معنى ((لى)) و((فى))؟ قلت: معنى إلى، كما فى قوله
تعالى: (رب اشرح لى صدرى - ٢٠: ٢٥) أجمل أولا ثم فصل ليكون أوقع فى النفس، ومعنى «فى، كما فى
قول الشاعر :
پجرح فى عراقيها نصلى
أى أوقع القضاء فى حاجتى واجعلها مكانا له، ونظيره قوله تعالى ﴿وأصلح لى فى ذريتى - ١٥:٤٦ ) انتهى. قلت: ولفظ
الترمذى ((إنى توجهت بك إلى ربى فى حاجتى هذه لتقضى لى)، وهو بصيغة المجهول أى لنقضى لى حاجتى بشفا عتك يعنى ليقضيها
ربي لى بشفاعتك (اللهم) التفات ثان (فشفعه) بتشديد الفاء أى اقبل شفاعته (فى) أى فى حقى. قال المناوى: والعطف
بالفاء على معطوف عليه مقدر أى اجعله شفيعا لى فشفعه فيكون قوله اللهم معترضة ، سأل الله أولا بطريق الخطاب أن
يأذن لنبيه أن يشفع له ثم أقبل على النبي مؤثر ملتمسا شفاعته له ثم كر مقبلا على ربه طالبا منه أن يقبل شفاعته فى حقه
والحديث قد استدل به على جواز التوسل والسؤال بذوات الأنبياء والصالحين والميتين لأنه يَّم أمر الضرير أن
يقول فى دعائه ((وأتوجه إليك بمحمد نبى الرحمة، إنى توجهت بك إلى ربى، وإذا جاز السؤال به جاز السؤال بذاته وحقه
وجاهه وحرمته وكرامته، وإذا جاز التوسل والسؤال بهذا كله من النبي مؤثّم جاز التوسل والسؤال بغيره من الأنبياء
والصالحين، ولا فرق. واستدل به أيضا على دعاء غير الله من الأموات والغائبين حيث أنه مَّم أمر الضرير بعد
الوضوء والصلاة أن يدعو ويقول فى دعائه: يا محمد إنى توجهت بك إلى ربى فى حاجتى هذه لنقضى . فنى قوله ((يا محمد»
جواز دعوة الغائبين لأن الرسول أمره أن يدعو بهذا الدعاء وهو عنه غائب، وإذا جاز دعاء الغائبين جاز دعاء الميتين
قال الشيخ محمد عابد السندى فى رسالته التى أفردها لمسئلة التوسل: والحديث يدل على جواز التوسل والاستشفاع بذاته
٢٦٤
١

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
المكرم فى حياته وأما بعد مماته فقد روى البيهقى والطبرانى فى الصغير (ص ١٠٣) عن عثمان بن حيف أن رجلا كان
يختلف إلى عثمان بن عفان فى حاجة له وكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر فى حاجته فلقى عثمان بن حنيف فشكا ذلك
إليه فقال له عثمان بن حنيف: انت الميضاة فتوضأً ثم انت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل: اللهم إنى أسألك وأتوجه
الك بنبينا محمد ژین فی الرحمة، یا محمد إنى أتوجه بك إلى ربی فیقضی لی حاجتى ، وتذكر حاجتك ورُح إلى حتى أروح
معك فانطلق الرجل فصنع ما قال له ثم أتى باب عثمان فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه
معه على الطنفسة وقال: ما حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها له ، ثم قال ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال:
ما كانت لك من حاجة فأتنا، ثم إن الرجل خرج من عنده فلقى عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيرا، ما كان
ینظر فی حاجتی ولا يلتفت إلى حتى كلمته فى. فقال عثمان بن حنيف: والله ما کلته ولكن شهدت رسول
أبنه ربيع وأناه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره، فذكر الحديث وزادا فيه هما وابن السنى والحاكم (فقال عثمان بن
حنيف: فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل عليه الرجل كأنه لم يكن به ضرر قط، قال الطبرانى بعد ذكر
طرق التى روى بها: والحديث صحيح وقال الشوكانى فى «تحفة الذاكرين (ص ١٣٨): وفى الحديث دليل على جواز
التوسل برسول اللّه ◌َثّ إلى الله عز وجل مع اعتقاد أن الفاعل هو الله سبحانه وتعالى وأنه المعطى المانع ما شاء كان.
وما لم يشأ لم يكن. وقال فيه أيضا (ص ٣٧) فى شرح قول صاحب العدة «ويتوسل إلى الله سبحانه بأنبياء، والصالحين،
ما قصه: ومن التوسل بالأنبياء ما أخرجه الترمذى وغيره من حديث عثمان بن حنيف أن أعمى أتى النبي ◌َّ فذكر
الحديث ثم قال: وأما التوسل بالصالحين فنه ما ثبت فى الصحيح أن الصحابة استسقوا بالعباس رضى الله عنه عم
رسول اللّه ◌َثة، وقال عمر رضى الله عنه اللهم إنا توسل إليك بعم نبينا، إلخ - انتهى. وقال العز بن عبد السلام
حينما سئل عن التوسل بالذوات الفاضلة ما لفظه: إن صح حديث الأعمى فهو مقصور على النبي متحدث ويكون من
خصوصياته. وتعقبه الجوزون بقياس غيره عليه رؤيته، ومن أدلتهم أنه قد أوجب الله تعالى تعظيم أمره وتوقيره والزم
إ كرامه وقد كانت الصحابة تتبرك بآثاره وشعره ولا شك أن حرمته موفقين بعد وفاته وتوقيره لازم كما كان حال حياته
كذا فى «جلاء العينين» (ص ٤٣٨) السيد نعمان خير الدين الشهير بابن الألوسى البغدادى وقال الشوكانى فى رسالته
«الدر النضید فى إخلاص كلمة التوحيد، لا يخفاك أنه قد ثبت التوسل به ژیثة فى حياته، و ثبت التوسل بغيره بعد موته
بإجماع الصحابة إجماعا سكوتيا لعدم إنكار أحد منهم على عمر رضى الله عنه فى توسله بالعباس رضى الله عنه، وعندى
أنه لا وجه لتخصيص جواز التوسل بالنبى تمثل كما زعمه الشيخ عز الدين بن عيد السلام لأمرين: الأول ما عرفناك به
من إجماع الصحابة رضى الله عنهم، والثانى أن التوسل إلى الله بأهل الفضل والعلم هو فى التحقيق توسل بأعمالهم الصالحة
ومزاياهم الفاضلة، إذ لا يكون الفاضل فاضلا إلا بأعماله، فإذا قال القائل اللهم إنى أتوسل إليك بالعالم الفسلافى نهو
٢٦٥

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
باعتبار ما قام به من العلم وقد ثبت فى الصحيحين وغيرهما أن النبي ◌َّة حكى عن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة أن
كل واحد منهم توسل إلى الله تعالى بأعظم عمل عمله فارتفعت الصخرة ، فلو كان التوسل بالأعمال الفاضلة غير جائز أو
كان شركا لم تحصل الاجابة لهم ولا سكت النبى مَّم عن إنكار ما فعلوه بعد حكايته عنهم - انتهى. قلت: الحق
والصواب عندنا أن التوسل بالنبى مته فى حياته بمعنى التوسل بدعاء، وشفاعته جائز وهذا هو الذى وقع فى حديث
الأعمى الذى نحن فى شرحه كما تقدم وسيأتى أيضا، وكذا التوسل بغيره مَّم من أهل الخير والصلاح فى حياتهم بمعنى
التوسل بدعائهم وشفاعتهم جائز أيضا، وأما التوسل به عمَّفتم بعد وفاته وكذا التوسل بغيره من أهل الخير والصلاح
بعد ماتهم فلا يجوز سواء كان بذواتهم أو جاههم أو حرمتهم أو ڪكرامتهم أو حقهم أو نحو ذلك من الأمور المحدثة فى
الإسلام، وكذا لا يجوز دعاء غير الله من الأموات والغائبين، وهذا هو الذى اختاره شيخ الإسلام تقى الدين أحمد
ابن تيمية فى رسالته فى التوسل والوسيلة، وقد أشبع الكلام فى تحقيقه وأجاد فعليك أن تراجعها. وحديث الأعمى هو
العمدة فى الاستدلال عند الجوزین لأن غيره من الأحاديث إما أن یکون ضعيفا لا يصلح للاستدلال کما بين ذلك حديثا
حديثا العلامة السهوانى فى ((صيانة الإنسان)) والعلامة السويدى الشافعى فى ((العقد الثمين)) وذكره ملخصا العلامة ابن
الآلوسی فی «جلاء العینین، أو أنه دلیل علی المجوزین لا لهم کحدیث استسقاء عمر بالعباس رضی الله عنهما ، وقد ذكرنا
فى (ص ٣٣٩) من الجزء الثانى وجه فساد الاستدلال بذلك على جواز التوسل بذاته موضة وسيأتى أيضا وكقصة
أصحاب الغار التى ذكرها الشوكانى فى أثناء الاستدلال لذلك فإن فيها توسل الإنسان بعمل نفسه لا بعمل غيره أو بذات
غيره ، لأن أصحاب الغار إنما توسلوا بأعمالهم لا بأعمال غيرهم فلا يتم التقريب بل توسل الإنسان بعبادة غيره ومزاياه
غير مشروع ولا مأثور ولا معقول، وتوسل الإنسان بعمل نفسه مما لا ينكره أحد من الأمة وفيه أيضا ما
قال العلامة السهوانى فى ((صيانة الإنسان)): إنا لا نسلم أن الفاضل إذا كان فضله بالأعمال كان التوسل به توسلا
بأعمال الصالحة لم لا يجوز أن يكون التوسل به توسلا بذاته بل هو الظاهر فإن حقيقة التوسل بالشئ التوسل بذاته
والتوسل بالأعمال أمر خارج زائد على الحقيقة ولا يصرف عن الحقيقة إلى المجاز إلا لمانع. قال صاحب المنار: إن المعلوم
من حال هؤلاء المتوسلين بالأشخاص أنهم يتوسلون بذواتهم الممتازة بصفاتهم وأعمالهم المعروفة عنهم لاعتقاد أن لهم
تأثيرا فى حصول المطلوب بالتوسل إما بفعل اللّه تعالى لأجلهم وإما بفعلهم أنفسهم مما يعدونه كرامة لهم وقد سمعنا
الأمرين منهم ومن يدافع عنهم وكل من الأمرين باطل وفيه أيضا أنه لو سلم أن مراد القائل اللهم إنى أتوسل إليك
بالعالم الفلانى هو التوسل بأعماله لا التوسل بذاته فاللفظ محتمل التوسل بالذات أيضا وهذا مما لا شك فيه وقد نهانا الله
تعالى عن استعمال لفظ موهم لأمر غير جائز فقال فى سورة البقرة ( يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا
واسمعوا، والكافرين عذاب أليم - ٢: ١٠٤) قال الإمام العلامة القنوحى البوفالى فى تفسيره («فتح البيان»: وفى ذلك
٢٦٦

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
رواه الترمذى، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
دليل على أنه ينبغى تجنب الألفاظ المحتملة للسب والنقص وإن لم يقصد المتكلم بها هذا المعنى المفيد للشتم سدا للذريعة
وقطعا لمادة المفسدة والتطرق إليه - انتهى. وقال العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدى القصيمى فى تفسيره
(ج ١: ص ٥٨): فيه الأدب واستعمال الألفاظ التى لا تحتمل إلا الحسن وعدم الفحش وترك الألفاظ القبيحة أو
التى فيها نوع تشويش واحتمال لأمر غير لائق ـ انتهى. قلت: وكذلك ما قال بعض الحنفية من أن المراد به التوسل
بصفة من صفات اللّه تعالى مثل أن يراد به التوسل بمحبة الله تعالى لعباده الكاملين التامة المستدعية عدم رده وأن يراد به
التوسل برحمته الخاصة الشاملة لهم لأجل أعمالهم الفاضلة ولا شك فى جواز التوسل بصفة اللّه تعالى هذا أيضا مخدوش
ومحل نظر فإن إرجاع ذلك إلى التوسل بصفة من صفاته تعالى ، فيه تكلف وتعسف جدا ولذلك لا يستشعر بذلك عامة
المتوسلين بالأشخاص كما لا يخفى، ولو سلم فاللفظ محتمل للتوسل بالذات أيضا، واستعمال الألفاظ المحتملة للأمر الغير
المشروع منهى عنه بدليل الآية المتقدمة وأما حديث الأعمى فالجواب عنه من ناحيتين: ناحية الإسناد وناحبة
المعنى ، فإذا صح الإسناد أو حسن وكان المعنى فى منسه ولفظه ما ذكره المجوزون قامت حجتهم ونهضت دعواه.
وإلا فلا ، ونحن سنورد ما نستطيع الكلام فى الناحيتين إن شاء الله تعالى (رواه الترمذى) فى ((أحاديث شتی» من أبواب
الدعوات وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤: ص ١٣٨) وزاد ((ففعل الرجل فبرأ، والنسائى فى الكبرى وزاد ((فرجع وقد
كشف الله عن بصره)) وابن ماجه فى ((صلاة الحاجة)، وابن السنى (ص ٢٠٢) وابن خزيمة فى صحيحه والحاكم (ج ١:
ص ٥١٩،٣١٣، ٥٢٦) والبيهقى فى دلائل النبوة وابن أبي خيثمة فى تاريخه والطبرانى فى الصغير (ص ١٠٣)
(وقال هذا حديث حسن صحيح غريب) فى الترمذى بعد هذا «لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبى جعفر وهو
غير الخطمى، انتهى. قلت: وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخارى ووافقه الذهبي وصححه أيضا
الطبرانى كما تقدم ، وأبو عبد الله المقدسى كما فى التوسل والوسيلة (ص ٨١) وفى تصحيحهم للحديث عندى نظر
والراجح أنه حديث ضعيف لا يبلغ درجة الحسن فضلا أن يكون صحيحا فإن إسناد هذا الحديث فى جميع
طرقه عند جميع رواته قد انفرد به راو واحد، هذا الراوى هو أبو جعفر الذى رواه عنه شعبة عند أحمدوالترمذى
والنسائي وابن ماجه والحاكم (ج ١: ص ٣١٣، ٥١٩) والبيهقى وابن أبى خيثمة، والذى رواه عند هؤلاء
السبعة عن عمارة بن خزيمة بن ثابت ، وقد قال الترمذى كما تقدم بعد رواية الحديث: غريب لا نعرفه إلا من حديث
أبى جعفر، أما الذين رووه عن أبى جعفر هذا شعبة عند هؤلاء السبعة، وروح بن القاسم عند ابن السنى (ص ٢٠٢)
والحاكم (ج ١: ص ٥٢٦) والبيهقى أيضا والطبرانى فى الصغير (ص ١٠٣) وحماد بن سلمة عندابن أبى خيثمة، وهشام الدستوائى عند
ابن السنى على ما ذكر الإمام ابن تيمية فى رسالته (ص ٧٨) والحديث إلى أبى جعفر هذا صحيح السند لا بأس به وهذا
٢٦٧

من عام المفاتيح ج ٨
٩- كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
ظاهر لمن تفحص عن رجاله بين أبى جعفر وبين من أخرج هذا الحديث فلا كلام للناقد فى إسناده حتى يصل أبا جعفر
الذى قيل إنه الخطى وقيل إنه عير الخطمى، وروى أبو جعفر هذا عند السبعة عن عمارة بن خزيمة عن عثمان بن
حنيف الصحابى شاهدا لقصة وعمارة هذا ثقة لا كلام فيه وعثمان بن حنيف صحابي جليل لا كلام فيه أيضا ، وقد تابع
عمارة بن خزيمة فى روايته عن ابن حنیف أبو أمامة واسمه أسعد بن سهل بن حنیف ابن أخى عثمان بن چنيف رواه عن
محمد عثمان عند البيهقى وابن السنى والحاكم والطبرانى فيكون أبو جعفر هذا رواه عن عمارة بن خزيمة وعن أبى أمامة بن
سهل بن حنيف ، فالحديث إذا لا يكون غریا إلا عند أبى جعفر المذكور، ولا ينفرد به سواء وسوى الصحابى عثمان بن،
حتيف، أما ما بين ذلك فالرواة متعددون وانفراد عثمان بن حنيف لا يضير الخبر لأنه صحابي جليل ، فالكلام هنا يجب
أن يقصر على أبى جعفر هذا، والترمذى كما تقدم يقول: إنه غير الخطمى. وسائر العلماء يقولون: إنه الخطمى،
والغرب أن اسمه لم يقع مصرحا به فى واحدة من الروايات فمن الخطمى إذا كان هو إياه ومن هو إذا كان سواه؟ أما
أبو جعفر الخطمی نهو عمیر ین یزید بن عمير بن حبيب الأنصارى المدنی ثم البصرى وهو ثقة من رجال الأربعة ، روی
عن أبيه وعمارة بن خزيمة وآخرين، وعنه هشام الدستوائى وشعبة وروح بن القاسم وحماد بن سلمة ويحمى القطان
وآخرون ، قال الحافظ فى تهذيب التهذيب: وثقه ابن معين والنسائى وابن نمير والعجلى والطبرانى وذكره ابن حبان فى
الثقات وأثنى عليه ابن مهدى. قال الحافظ وقال أبو الحسن المدينى: هو مدنى، قدم البصرة وليس لأهل المدينة عنه
أثر ولا يعرفونه - انتهى. فأبو جعفر هذا إن كان هو الخطمى كما ظنه غير الترمذى فالحديث فى درجة متوسطة فى الصحة
والجودة لا يبلغ مكانة أحاديث الصحيحين ولا ينزل إلى أن يكون ضعيفا باطلا مردودا وإنما هو كالأحاديث التى
يصححها أمثال الترمذى وابن خزيمة وابن حبان والحاكم ونحوهم من عندهم نحو تساهل فى التصحيح ونقد الأخبار ،
هذا إن كان أبو جعفر هذا هو الخطمى، ولكن وقع اختلاف كما تقدم، فالترمذى يقول فى جامعه إنه غير الخطمى،
والحافظ ابن حجر يميل فى التقريب إلى أنه غير الخطمى كالترمذى ويرجح أنه أبو جعفر عيسى بن ماهان الرازى التميمى.
قال الحافظ فى الكنى من التقريب : أبو جعفر عن عمارة بن خزيمة قال الترمذى: ليس هو الخطمى فلعله الذى بعده يريد
به أبا جعفر عيسى بن مامان الرازى التميمى الذى قال الحافظ فيه: إنه صدوق سيئى الحفظ. وفى تهذيب التهذيب
أيضا ما يدل على أنه يرجع كونه غير الخطمى، وذلك أنه قال فى الكنى من التهذيب (ج ١٢: ص ٥٨) أبو جعفر عن
عمارة بن خزيمة وعنه شعبة، قال الترمذى: ليس هو الخطمى ولم يزد على ذلك ولم ينكر على الترمذى ما حكاه عنه فكأنه يميل إلى
الأخذ بقوله وعند ما ذكر ترجمة الخطمى من التهذيب لم يتعرض لذلك الخلاف ولم يقل إنه الذى روى ذلك الخبر عن عمارة
مع أنه معروف التنقيب على ما يراه يستحق ذلك، فالظاهر من مجموع ذلك أنه يميل إلى موافقة الترمذى فى القول بأنه
غير الخطمى. هذا قول الترمذى ومن فى جانبه، وأما الأكثرون فقد ذكروا أنه الخطمى بعينه وقد وقع ذلك فى كثير
٢٦٨
١
١

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
من الكتب التى روى الحديث فيها، وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك الرأى الأخير، إذا فالخلاف قائم بين أهل
الحديث فى أبى جعفر راوى الحديث وقد يقول قائل إنه يجب إسقاط خلاف الترمذى ومن معه فى هذا الخلاف
لأنه قائم على الظن والتوهم فلا حجة فيه وإنما الحجة فى قول سواهم وهم الذين صرحوا بأنه هو الخطمى كما وقع مصرا به
عندابن أبى خيثمة فى التاريخ وعند الطبرانى فى المعجم الصغير وعند الحاكم فى المستدرك وعندابن السنى فى عمل اليوم والليلة،
فإن هؤلاء قد صرحوا بأن راوى الحديث هو الخطمى عينه وهم ما قالوا ذلك إلا لأنهم علموا أو حدثوا أنه هو نصا
لا توهما، وذلك يقتضى ترجيح رأيهم على رأى الترمذى فيجب المصير إليه علما وبحثا وتحقيقا قيل فى الجواب كلا إنه
لا يجب بل لا يجوز اطراح قول الترمذى اعتباطا ولا الذهاب إلى تخطئته جزافا إذ لوصح لنا أن نقول إنه ظن محض بلا
دليل لصح لنا أن نقول إن هؤلاء الذين صرحوا فى كتبهم أنه هو الخطمى نفسه ليس لهم دليل أيضا سوى التوهم والظن وهذا
قريب جدا وذلك أنهم وجدوا أبا جعفر فى الإسناد مجردا مطلقا مما يمكن أن يعينه فوثب إلى توهمهم وأوهامهم أنه
الخطمى فصرحوا بما توهموه لا بما علموه. وهذا يحتمل فى الترمذى كما يحتمل فى الآخرين المخالفين له وإن كان
يدوا التأمل جيدا تقديم ما ذهب إليه الترمذى وترجيحه وذلك أنه يبعد جدا أن يصرح عالم بالحديث مثله بأن هذا ليس
هو الخطمى بمجرد الظن المحض لأنه إذا لم يكن لديه سوى التوهم كانت منطقة السكوت أرحب وأوسع وما أبعد أن يقع
اسم أو كنية بين يدى ناقد بصير مثل الترمذى فيقول مبادرا إن صاحب ذلك الاسم أو تلك الكنية ليس هو فلاما من
يسمون ذلك الاسم بلا حجة ولا برهان سوى الظن البحث ، أما من قالوا إنه الخطمى فمن القريب للغاية أن يسمعوا
الراوى يقول حدثنى أبو جعفر فينساق بسرعة إلى أذهانهم أنه هو الخطمى أو غيره ممن يكنون تلك الكنية ، وإذا لا
يسوغ لنا شد المعرفة والحقيقة أن يبادر إلى الحكم بتخطئة الترمذى زاعما أنه الخطمى قولا واحدا بل يجب على الأقل
التريث والتوقف ما لم ينبثق له فى تلك الظلمة شعاع من نورولا سيما أن ذلك الراوى المختلف فيه لم يتابعه أحد على روايته
الحديث عن عمارة بن خزيمة وعن أبى أمامة بن سهل بن حنيف بل انفرد به فى جميع الأسانيد والروايات وهذا ما يزيد
الباحث الحريص على الحقيقة والمعرفة توقفا وتريثا ولا سيما والحديث وارد فى مسألة كهذه لها من الخطوره ما لها وإذ
وصلنا إلى ذلك الدور من التحقيق وجدنا أمامنا أمرين لا مندوحة لنا من اختيار أحدهما الأول أن نذهب قولا واحدا
إلى أن ذلك الراوى ليس هو الخطمى كما قال الترمذى وكما رجح الحافظ ابن حجر على ما سبق، الثانى أن نلتزم التوقف
وتجويز كلا الاحتمالين والقولين ريما يقدر لنا قبس من نور فى تلك الدجنة تلمس به حقيقة ما غم علينا وعلى الباحثين
وعلى الاحتمالين والقولين لا يصح لنا أن نبادر إلى القول بصحة الحديث وإلى الأخذ به حتى نأمن من أن يكون ذلك
الراوى راويا ضعيفا متروكا أو من لا يحتج به إذا انفرد برواية الحديث ، وما دمنا جوزنا أن يكون الخطمى وأن يكون
سواه فلا سبيل إلى الضمان من أن يكون ضعيفا حتى نعلم أن جميع من يكنون تلك الكنية من هم فى تلك الطبقة ثقات
٢٦٩

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
أثبات أما إذا ذهبنا إلى القطع بأنه غير الخطعى فقد يحتمل أن يكون راو ياضعيفا وكذلك إذا جوزنا أن يكون إياه وأن يكون
سواه لأنه لا سبيل إلى القطع بأنه هوقولا واحدا إلا لمن كان متسرعا إلى ما يجب التأنى والبطء فيه، وما دام ذلك الاحتمال
موجودا فلا شك أن العمل بالحديث غير جائز، ومن ثم ذهب المحدثون إلى أن رواية المجهول مردودة لاحتمال أن
يكون ضعيفا وأجمعوا على أنه إذا جاءت رواية باسم مشترك بين ثقات وضعفاء فاحتمل أن تكون الرواية رواية ضعيف،
واحتمل أن تكون رواية ثقة وجب طرح تلك الرواية والتوقف فى العمل بها، ثم نقول إن أبا جعفر هذا إذا لم يكن
الخطمى فيحتمل أن يكون هو أبا جعفر عيسى بن ماهان الرازى التميمى، وقد تقدم أنه سيتى الحفظ ، وقد تفرد برواية
هذا الحديث لم يتابعه أحد ولا شاهد له فلا يصح الاحتجاج بروايته، واعترض على هذا النجويز والاحتمال بأنه وقع
فى بعض الروايات نسبة أبى جعفر هذا إلى المدينة لجاء فى سنن ابن ماجه عن أبى جعفر المدنى وكذا جاء فى مسند أحمد
وعند البيهقى والحاكم والطبرانى وابن السنى وهذا فى الظاهر يأبى احتمال أن يكون أبو جعفرهذا هو عيسى بن ما هان الرازى
لأنه ليس مدنيا بل مروزى الأصل سكن الرىّ وقيل أصله من البصرة ومتجره إلى الرى فنسب إليها كذا فى تهذيب التهذيب
وهناك رواة آخرون يكنون تلك الكنية منهم الثقات ومهم الضعفاء ويجوز أن يكون أبو جعفر الذى فى الخبر أحدهم ويجوز
العكس وأن يكون رجلا مجهولا ليس له إلا ذلك الحديث ولم يرو عنه شعبة وروح بن القاسم سواء ولم يروه عن
عمارة غيره، وقد يفهم هذا من صنع الحافظ ابن حجر ، وذلك أنه قال فيمن يكنون بأبى جعفر أبو جعفر عن
عمارة بن خزيمة وعنه شعبة، قال الترمذى ليس هو الخطمى - انتهى. وقد يشهد لهذا أيضا قول الترمذى أنه غير
الخطعى ولم يزد على ذلك القول شيئا فلم يسمه ولم يصفه ولم ينسبه فكأنه ما يعرف عنه شيئا وإنما صحح حديثه
اعتمادا على رواية شعبة عنه لأن شعبة لا يروى إلا عن الثقات غالبا وإلا فقد روى عن غير الثقات ، علا
أن الترمذى معروف بالتساهل واللين فى التحسين والتصحيح وقد اتضح بدأ البيان النصف أن حديث الأعمى
ليس من الصحاح ولا الحسان وأنه لا يسوغ من لا يرضى لنفسه وعقيدته إلا الصحة واليقين أن يعمل به ، أو
إلزام الناس به فإن أبا جعفر المنفرد بروايته رجل مجهول لا نعرف حاله ولا يدرى مكانه من الصحة والقوة
والضعف على وجه اليقين فيجب التوقف فى روايته بل يجب ردها ، وأما تصحيح من صححوه فليس بحجة وفى سنده ما
ذكرناه من النقد والقدح، والذين مصححوه كلهم من المتساهاين فى التصحيح أمثال الترمذى والحاكم. وأما رواية ابن
خزيمة فى صحيحه فلا تقتضى الصحة مطلقا كما بينه الأمير اليمانى فى توضيح الأفكار (ج ١ ص ٦٤) ويحتمل أن يكون
الذين محوه اعتمدوا فى ذلك على رواية شعبة بن الحجاج له عن أبى جعفر المختلف فيه ، وذلك أن شعبة قد عهد منه
كثيرا اجتناب الضعفاء واجتناب حديثهم والرواية عنهم ولكن هذا ليس بلازم فقد روى شعبة عن قوم ضعفاء،
ولعلهم أيضا صححوه حاسبين أن أبا جعفر الراوى هو الخطمى لأن الخطمى ثقة ولم يعدوا أنه سواء كما على الترمذى
٢٧

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
فكان التصحيح قائم على هذا الوهم الذى فطن إليه الترمذى فرده ، ومنشأ هذا الوهم والظن اتفاق الكنى وتحصل من
هذا كله أن حديث الأعمى هذا ضعيف لا يحل الاحتجاج به أما أولا فلجهالة أبى جعفر المنفرد به عن عمارة بن
خزيمة وعن أبى أمامة بن سهل، واختلاف الناس فيه، إذ زعم فريق أنه الخطمى وزعم فريق آخر أنه سواه، ولم يظهر لنا أصح
القولین فوجدنا أن التوقف فى ذلك هو المصير الصحيح وأما ثانیا فلتفردذلك الراوى المجهول المختلف فيه به دون غيره من
أقرانه ومن هم أكثر منه حديثا وتحديثا وأكثر اجتماعا بعمارة وبأبى أمامة وقد كان المظنون أن يرويه سواه إذا كان صحيحا
وأما ثالثا فلغرابة معنى الحديث وشذوذه عما عرفه الخاص والعام من أصول الإسلام وفروعه وعما علم بالضرورة
منه فإن سؤال الله بخلقه كان يقال يا الله أسألك بفلان أو أتوجه إليك بعدك فلان أو بنبيك فلان ونحو ذلك لم يعهد مثله
فى كتاب الله أو فى سنة رسوله مرّ ولا عن أحد من الصحابة أو الأئمة وما نقل شئى من هذا النوع إلا ماجاء فى الأخبار
الواهية الباطلة ، ومثل تلك الروايات لا يحل بها حكم من أحكام المياه والوضوء والطهارة فضلا عن أن يثبت بها قاعدة
من قواعد الإسلام ومناجاة الله وسؤاله، أما الروايات الصحيحة فلم يجثى فى شئ منهاشتى من ذلك ، هذا وأما الكلام
على الحديث من جهة المعنى على افتراض كونه حسنا أو صحيحا فيقال إنه دليل جلى على بطلان ما ذهب إليه المجوزون وذلك
أن المراد بقوله أتوجه إليك بنبيك التوجه بدعاء الرسول مَ ◌ّم لا بذاته ولا بشخصه، والدليل على ذلك أن أصل المسئلة
كان فى الدعاء وفى طلبه من النبي مَّ ولم يكن أصلها فى سؤال الله بجاهه أو بذاته حتى يصح ما زعمه المجوزون. ومن
الدليل عليه أيضا قوله فى خاتمة الحديث ((اللهم شفعه فى) فالأمر إذا أمر شفاعة. ومن الدليل عليه قوله أيضا «وإن شئت
دعوت)) وقد شاء بلا خلاف، ولا شك فقد دعا أيضا بلا خلاف، ولاشك لأنه قد علق الدعاء بالمشيئة والمشيئة قد وقعت
فالدعاء كذلك قد وقع وهو مثل حديث الاستسقاء بالعباس. ومثل قول الفاروق رضى الله عنه: اللهم كناتوسل إليك بنبينا فسقينا
وإنا توسل إليك بعم نبينا فاسقنا. وهم كانوا يتوسلون بدعاء النبي مَ ◌ّم وشفاعته لا بذاته وشخصه، وهذا ظاهر فى الشرع
وفى اللسان إلا عمن حجب الله بصيرته فإن قيل إن هذا عدول عن ظاهر الخبر وهو لا يجوز الذهاب إليه إلا بدليل
ملجى ولا دليل على هذا العدول قلنا إن من الكذب القول بأن ما ذهب إليه المجوزون هو ظاهر الخبر بل الظاهر هوما ذهب.
إليه المانعون وهو مقتضى اللغة العربية فإنه لا يفهم من قوله عليه الصلاة والسلام فى تعليمه الدعاء«اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك
بنيك)) وقوله (توجهت بك) إلا التوجه بالعمل لا بالذات والعمل هنا هو الدعاء والشفاعة بلا ريب فإن قيل: إن هذا يقضى
بأن يكون فى الحديث كلمة محذوفة وهى كلمة الدعاء والشفاعة التى تزعمون أن التوجه والسؤال بها لا بالذات فيقدر فى قوله
((أتوجه إليك بتبيك)) بدعاء نبيك، وفى قوله ((توجهت بك)) بدعاءك، وهذا تقدير وادعاء فى الحديث لا دليل عليه ولا
ـلجنى إليه أجيب أن التقدير فى الحديث يجب على قول المجوزين وقول المانعين وعلى كل قول فالمجوزون يقولون
التقدير: اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بذات نبيك أو بحرمته أو بجاهه أو بكرامته عليه أو مكانته لديك ونحو ذلك من
٢٧١

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩- كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
المحذوفات، ولا دليل فى الحديث على واحد منها ، وأما المانعون فهم يقدرون الدعاء فقط والدعاء مذكور فيه مدلول
عليه بأول الخبر وآخره فكان تقديره سائنا بل واجبا بل هو فى حكم المذكور المنصوص عليه فالعلم به لا يحتاج إلى تفكير
ولا إلى دلالة ولا إلى شئ غير الفهم والإنصاف بل هذا ما يتبادر إلى فهم كل قارئ له ماعدا أهل الهوى والجدل والعناد
وإنا نتحدى المجوزين ونطلب إليهم جميعا أن يذكروا كلمة واحدة فى الشرع وفى اللسان جاء استعمالها كاستعمال الحديث
وكان التفسير لها كما ذكروا ، فإن جاؤا بشئى من ذلك قلنا صدقوا وإلا فلا مهرب لهم من اقتحام الحقيقة والرضاء بالأمر
الواقع والحق الذى لا غضاضة على قابله، قال الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية فى رسالته (ص ٥٠): حديث الأعمى لا
حجة لهم أى لمجوزى التوسل بالنبى وَّل فيه فإنه صريح فى أنه إنما توسل بدعاء النبي تؤئي وشفاعته وهو طلب من
النبى مَّ الدعاء وقد أمره النبي ◌ٍَّ أن يقول ((اللهم شفعه فى، ولهذا رد الله عليه بصره لما دعا له التي تبث}. وكان ذلك
يعد من آيات النبي ◌َّ ودعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فى الاستسقاء المشهور بين المهاجرين والأنصار، وقوله:
اللهم إنا كنا إذا أجدبنا تتوسل إليك بنبينا فسقينا وإنا تتوسل إليك بعم نبينا. يدل على أن التوسل المشروع عندهم هو
التوسل بدعائه وشفاعته لا السؤال بذاته إذ لو كان هذا مشروعا لم يعدل عمر والمهاجرون والأنصار عن السؤال
بالرسول إلى السؤال بالعباس - انتهى. وأما رواية الطبرانى التى استدلوا بها على جواز التوسل به وَم بعد مماته
فيجاب عنها بما قال أيضا شيخ الإسلام (ص ٨٣) من أنه لا حجة فيها إذ الاعتبار بما رواه الصحابى لا بما فهمه إذا
كان اللفظ الذى رواه لا يدل على ما فهمه بل على خلافه، ومعلوم أن الواحد بعد موته إذا قال ((اللهم فشفعه فى وشفعنى
فيه، مع أن النبي ◌َّ لم يدع له كان هذا كلاما باطلا مع أن عثمان بن حنيف لم يأمره أن يسأل النبي ◌َّ شيئًا ولا
أن يقول ((فشفعه فى) ولم يأمره بالدعاء على وجهه وإنما أمره ببعضه، وليس هناك من النبي ◌َّثم شفاعة ولا ما يظن أنه
شفاعة، فلو قال بعد موته «فشفعه فى، لكان كلاما لا معنى له ، ولهذا لم يأمر به عثمان، والدعاء المأثور عن النبي مزوَّةَ
لم يأمر به، والذى أمر به ليس مأثورا عن النبي مَثّة، ومثل هذا لا تثبت به شريعة كسائر ما ينقل عن آحاد الصحابة
فى حسن العبادات أو الأياحات أو الايجابات أو التحريمات إذا لم يوافقه غيره من الصحابة عله، وكان ما ثبت
عن النبي ◌َّ يخالفه لا يوافقه لم يكن فعله سنة يجب على المسلمين اتباعها، بل غايته أن يكون ذلك مما يسوغ فيه
الاجتهاد وما تنازعت فيه الأمة فيجب رده إلى الله والرسول، ولهذا نظائر كثيرة، ثم ذكرها، ثم قال (ص ٨٦):
يجب فيما تنازع فيه الصحابة الرد إلى الله والرسول فلا يكون شريعة للأمة إلا ما شرعه رسول الله مؤتم، ومن قال
من العلماء ، إن قول الصحابى حجة)، فإنما قاله إذا لم يخالفه غيره من الصحابة ولا عرف نص يخالفه، ثم إذا اشتهر ولم
ينكروه كان إقرارا على القول فقد يقال هذا إجماع إقرارى إذا عرف أنهم أقروه ولم ينكزه أحد منهم وهم لا يقرون
على باطل، وأما إذا لم يشتهر فهذا إن عرف أن غيره لم يخالفه فقد يقال هو حجة، وأما إذا عرف أنه خالفه فليس بجبهة
٢٧٢

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
بالاتفاق ، وأما إذا لم يعرف هل وافقه غيره أو خالفه لم يجزم بأحدهما، ومتى كانت السنة تدل على خلافه كانت الحجة
فى سنة رسول اللّه يؤثّم لا فيما يخالفها بلا ريب عند أهل العلم، وإذا كان كذلك فمعلوم أنه إذا ثبت عن عثمان بن
حنيف أو غيره أنه جعل من المشروع المستحب أن يتوسل بالنبى موثّة بعد موته من غير أن يكون النبى مر فقة داعيا له
ولا ثانعا فيه فقد علمنا أن عمر وأكابر الصحابة لم يروا هذا مشروعا بعد ماته کما کان یشرع فى حياته بل كانوا فى
الاستسقاء فى حياته يتوسلون به فلما مات لم يتوسلوا به بل قال عمر فى دعائه الصحيح المشهور الثابت باتفاق أهل العلم
بمحضر من المهاجرين والأنصار فى عام الرمادة المشهورة لما اشتدت بهم الجدب حتى حلف عمر لا يأكل سمنا حتى
يحسب الناس، ثم لما استسقى بالناس قال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا تتوسل إليك بنينا فتسقينا وإنا توسل إليك بعم نبينا
فاسقنا. فيسقون، وهذا دعاء أقره عليه جميع الصحابة، لم ينكره أحد مع شهرته، وهو من أظهر الإجماعات
الإقرارية، ودعا بمثله معاوية بن أبى سفيان فى خلافته لما استسقى بالناس فلو كان توسلهم بالنبي محمد له بعد مماته كتوساهم
فى حياته لقالوا كيف تتوسل بمثل العباس ويزيد بن الأسود ونحوهما؟ ونعدل عن النبي ◌َّم الذى هو أفضل الخلائق
وهو أفضل الوسائل وأعظمها عند الله، فلما لم يقل ذلك أحد منهم وقد علم أنهم فى حياته إنما توسلوا بدعائه وشفاعته
وبعد ماته توسلوا بدعاء غيره وشفاعة غيره على أن المشروع عندهم التوسل بدعاء المتوسل به لا بذاته ، وحديث الأعمى
حجة لعمر وعامة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فإنه إنما أمر الأعمى أن يتوسل إلى الله بشفاعة النبي مؤفيه، ودعائه
لا بذاته، وقال له فى الدعاء قل (اللهم نشفعه فى)). وإذا قدر أن بعض الصحابة أمر غيره أن يتوسل بذاته لا بشفاعته
يأمر بالدعاء المشروع بل بعضه وترك سائره المتضمن التوسل بشفاعته كان ما فعله عمر بن الخطاب هو الموافق لسنة
رسول اللّه مربع وكان المخالف محجوجا بسنة رسول الله ورؤية، وكان الحديث الذى رواه عن النبى مرة حجة عليه لااه
والله اعلم. وقال فى (ص ٧٤): وليس مجرد كون الدعاء حصل به المقصود ما يدل على أنه سائغ فى الشريعة فإن
كثيرا من الناس يدعون من دون الله من الكوا كب والمخلوقين ويحصل ما يحصل من غرضهم، وبعض الناس يقصد
الدعاء عند الأوثان والكنائس وغير ذلك ويدعى التماثيل التى فى الكنائس ويحصل ما يحصل من غرضه وبعض الناس
يدعو بأدعية محرمة باتفاق المسلمين ويحصل ما يحصل من غرضه. وقال فى (ص ١٠٩): حديث الأعمى فيه التوسل
بالنبي ◌َّةِ إلى الله فى الدعاء فمن الناس من يقول هذا يقتضى جواز التوسل به مطلقا حيا وميتا وهذا يحتج به من يتوسل
بذاته بعد موته وفى مغيه ويظن هؤلاء أن توسل الأعمى والصحابة فى حياته كان بمعنى الإقسام به على الله أو بمعنى أنهم
سألوا الله بذاته أن يقضى حوائجهم ويظنون أن التوسل به لا يحتاج إلى أن يدعوهولهم ولا إلى أن يطيعوه فسواء عند
هؤلاء دعا الرسول لهم أو لم يدع، الجميع عندهم توسل به، وسواء أطاعوه أو لم يطيعوه، ويظنون أن الله تعالى يقضى
حاجة هذا الذى توسل به بزعمهم ولم يدع له الرسول كما يقضى حاجة هذا الذى توسل بدعائه ودعا له الرسول ملي إذ
٢٧٣

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
كلاهما متوسل به عندهم ويظنون أن كل من سأل الله بالنبي مَّ فقد توسل به كما توسل به ذلك الأعمى، وأن ما أمر به
الأعمى مشروع لهم وقول هؤلاء باطل شرعا وقدرا، فلا هم موافقون لشرع الله ولا ما يقولونه مطابق لخلق الله. ومن
الناس من يقولون هذه قضية عين يثبت الحكم فى نظائرها التى تشبهها فى مناط الحكم لا يثبت الحكم بها فيما هو مخالف لما لا مائل
لها . والفرق ثابت شرعا وقدرا بين من دعا له النبي ◌َّه وبين من لم يدع له ولا يجوز أن يجعل أحدهما كالآخر وهذا الأعمى
شفع له النبي ◌َّ فلهذا قال فى دعاته «اللهم فشفعه فى، فعلم أنه شفيع فيه ولفظه ((إن شئت صبرت وإن شئت دعوت لك،
فقال ادع لى)، فهو طلب من النبي ◌َّه أن يدعو له فأمره النبى تؤثّ أن يصلى وأن يدعو هو أيضا لنفسه ويقول فى دعائه
«اللهم فشفعه فى، فدل ذلك على أن معنى قوله ((أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد، أى بدعائه وشفاعته كما قال عمر ((اللهم
إنا كنا إذا أجدبنا تتوسل إليك بقينا فتسقينا، فالحديثان معناهما واحد فهو ڑے علم رجلا أن يتوسل به فى حياته كما ذكر
عمر أنهم کانوا یتوسلون به إذا أجدبوا ، ثم إنهم بعد موته إنما کانوا یتوسلون بغيره بدلا عنه، فلو كان التوسل به حیا
وميتا سواء والمتوسل به الذى دعا له الرسول كمن لم يدع له الرسول لم يعدلوا عن التوسل به وهو أفضل الخلق وأكرمهم على ربه
وأقربهم إليه وسيلة إلى أن يتوسلوا بغيره ممن ليس مثله، وكذلك لو كان أعمى توسل به ولم يدع له الرسول بمنزلة ذلك الأعمى
لكان عميان الصحابة أو بعضهم يفعلون مثل ما فعل الأعمى، فعدولهم عن هذا إلى هذا مع أنهم السابقون المهاجرون والأنصار
والذين اتبعوهم بإحسان فإنهم أعلم منا بالله ورسوله وبحقوق الله ورسوله وما يشرع من الدعاء وينفع ومالم يشرع ولا ينفع
وما يكون أنفع من غيره وهم فى وقت ضرورة ومخمصة وجدب يطلبون تفريج الكربات وتيسير العسير وإنزال الغيث
بكل طريق يمكن دليل على أن المشروع ما سألوه دون ما تركوه، وذلك أن التوسل به حيا هو من جنس مسألته أن يدعو لهم
وهذا مشروع، فما زال المسلمون يسألون رسول اللّه وَ له فى حياته أن يدعو لهم ، وأما بعد موته فلم يكن الصحابة يطلبون
منه الدعاء لا عند قبره ولا عند غير قبره كما يفعله كثير من الناس عند قبور الصالحين، يسأل أحدهم حاجته أو يقسم على
الله به ، ونحو ذلك وإن كان روى فى ذلك حكايات عن بعض المتأخرين - انتهى. وأما ما استدل بالحديث على جواز
دعاء غير الله ونداءه من الأموات والغائبين فيجاب عنه بعد افتراض كون الحديث حسنا بما قال الطيبي من أن قوله
(إنى توجهت بك إلى ربى)) بعد قوله ((أتوجه إليك بنبيك)) فيه معنى قوله تعالى (من ذا الذي يشفع عنده إلا
بإذنه - ٢: ٢٥٥) فيكون خطابا لحاضر معاين فى قلبه مرتبط بما توجه به عند ربه من سؤال نبيه عليه الصلاة والسلام
الذى هو غين شفاعته ولذلك أتى بالصيغة الماضوية بعد الصيغة المضارعية المفيد كل ذلك أن هذا الداعى قد توسل بشفاعة
نبيه عليه الصلاة والسلام فكأنه استحضر وقت نداءه ومثل ذلك كثير فى المقامات الخطابية والقرائن الاعتبارية كما
يقول المصلى فى تشهده «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)) ونقل السويدى عن اقتضاء الصراط المستقيم الشيخ
الإسلام ابن تيمية أن الإنسان يفعل مثل هذا كثيرا يخاطب من يتصوره فى نفسه وإن لم يكن فى الخارج من يسمع
٢٧٤

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
٢٥٢٠ - (١٥) وعن أبى الدرداء، قال: قال رسول اللّه ◌ُّ: كان من دعاء داود يقول: اللهم إنى
أسألك حبك، وحب من يحبك، والعمل الذى يبلغنى حبك، اللهم اجعل حبك أحب إلى من
نفسى ومالى وأهلى، ومن الماء البارد، قال: وكان رسول اللّه ◌َ ليّ إذا ذكر داود يحدث عنه يقول:
كان أعبد البشر.
الخطاب وقد تقدم بسط ذلك فى شرح حديث ابن مسعود (ج٢: ص ٤٧٢، ٤٧٣) فتذكر، وقد علم بما ذكرنا أن
النداء المذكور ليس مما يدعيه ويفعله أهل البدع من دعاء الأنبياء وندائهم وخطابهم معتقدين حضورهم فى الخارج
للاستعانة والاستغاثة بهم فى تفريج الكرب وقضاء الحوائج ، وهذا ظاهر جلى إلا لأهل الجدل والعناد.
٢٥٢٠ - قوله (يقول) اسم كان بحذف أن أى قوله (اللهم إنى أسألك حبك) من إضافة المصدر إلى الفاعل أو
المفعول أى حبك إياى أو حبى إياك والأول أظهر إذ فيه تلميح إلى قوله تعالى (يحبهم ويجونه - ٥: ٥٤) قاله القارى
(وحب من يحبك) كما سبق، أما الإضافة إلى المفعول فهو ظاهر كمحبتك للعلماء والصلحاء، وأما الإضافة إلى الفاعل فهو
مطلوب أيضا كما ورد فى الدعاء ((حببنا إلى أهلها وحبب صالحى أهلها إلينا)) (والعمل) بالنصب عطف على المفعول الثانى
ويحتمل للجر عطفا على من يحبك اى وحب العمل من إضافة المصدر إلى مفعوله فقط ، ويؤيده حديث معاذ بن جبل
عند الترمذى فى تفسير ص بلفظ: وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقرب إلى حبك (الذى يبلغنى) بتشديد اللام
أى يوصلنى ويحصل لى (حك) يحتمل الاحتمالين (اللهم اجعل حبك) أى حبي إياك (أحب إلى من نفسى ومالى)
أى من حبهما حتى أوثره عليهما (وأهلى) كذا وقع فى نسخ المشكاة الحاضرة عندنا ((من نفسى ومالى وأهلى، وهكذا فى
جامع الأصول (ج٥: ص ١١٠) وجمع الفوائد (ج ٢: ص ٦٥٨) وفى الترمذى(من نفسى وأملى)) أى بدون لفظة «ومالى)، وهكذا
عند الحاكم (ج٢: ص ٤٣٣) وكذا ذكرابن الجزرى فى الحصن. قال فى اللعات قوله ((من نفسى)) أى من حب نفسى، والمراد اجعل
حب نفسك أحب إلى من نفسى لكنه لم يقل كذلك وإن جاز إطلاقه عليه مشا كلة لغاية التأدب-انتهى. قلت: وقع إطلاقه عليه فى
الحديث من غير مشاكلة أيضا ((أنت كما أثنيت على نفسك)، (ومن الماء البارد) أعاد «من، ههنا ليدل على استقلال الماء البارد
فى كونه محبوبا وذلك فى بعض الأحيان فإنه يعدل بالروح. قال فى اللعات: فيه مبالغة لأن حب الماء البارد طبيعى لا
اختيار فيه ففيه إشارة إلى سراية المحبة إلى الطبيعة أيضا وذلك أكمل مراتب المحبة (قال) أى أبو الدرداء (إذا ذكر) أى
هو (داود يحدث عنه) أى يحكى (يقول) بدل من يحدث ذكره الطيبي. قال القارى: والأظهر أنه حال من الضمير فى
يحدث، وفى الترمذى ((قال)) مكان (يقول)) وفى المستدرك ((وكان إذا ذكر داود وحدث عنه قال، وهذا يدل على أن
قوله ((يحدث)) فى رواية الترمذى حال من الضمير فى ((ذكر)، وقوله ((يقول) أو ((قال)) جزاء للشرط، وعلى قول الطبي
والقارى يكون ((يحدث)) جزاء للشرط ولا يخفى ما فيه (كان) أى داود (أعبد البشر) أى أكثرهم عبادة فى زمانه كذا
قيد الطبي. قال القارى: وعلى تقدير الإطلاق لا محذور فيه إذ لا يلزم من الأعدية الأعلمية فضلا عن الأفضلية.
٢٧٥

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
رواه الترمذى، وقال: هذا حديث حسن غريب.
٢٥٢١ - (١٦) وعن عطاء بن السائب عن أبيه ، قال: صلى بنا عمار بن ياسر صلاة فأوجز فيها ،
فقال له بعض القوم: لقد خففت وأوجزت
وقيل أى أشكر شكرا ، قال تعالى ﴿اعملوا آل داود شكرا - ١٣:٣٤) أى بالغ فى شكرى وابذل وسعك فيه كذا
ذكره الطبي وتعقبه القارى (رواه الترمذى) فى جامع الدعوات وأخرجه أيضا الحاكم فى تفسير سورة ص (ج ٢:
(ص ٤٣٣) كلاهما من رواية محمد بن سعد الأنصارى عن عبد الله بن ربيعة الدمشقى عن عائذ الله أبي إدريس الخولانى
عن أبى الدرداء (وقال هذا حديث حسن غريب) وقال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه فرده الذهبى بأن عبد الله هذا
قال أحمد أحاديثه موضوعة - انتهى. وقال الحافظ فى التقريب: عبد الله بن ربيعة بن يزيد الدمشقى، وقيل ابن يزيد
ابن ربيعة مجهول، وروى البخارى قوله: كان النبي مَّ إذا ذكر داود قال: كان أعبد البشر، من هذا الطريق فى
التاريخ الكبير (٢٢٨/٣/١) فى ترجمة عبد الله بن يزيد بن ربيعة الدمشقى ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وذكره ابن
جبان فى الثقات كما يظهر من التهذيب (ج .: ص ٢٠٨) وعلى كل حال لا يخلو تحسين الترمذى وتصحيح الحاكم لهذا
الحديث عن النظر
٢٥٢١ - قوله (وعن عطاء بن السائب) الثقفى الكوفى يكنى أبا محمد، وقيل أبا السائب. قال الحافظ فى
تقريب: صدوق اختاط، مات سنة ست وثلاثين ومائة. قلت: من سمع منه قديما فهو صحيح الحديث منهم الثورى
وشعبة وزائدة وحماد بن زيد ، فأما من سمع منه بآخره ففى حديثهم نظر، ومنهم جرير وهشيم وابن علية، واختلف فى
حماد بن سلمة فقيل سمع منه قبل الاختلاط وقيل بعده. قال الحافظ فى تهذيب التهذيب (ج ٧: ص ٢٠٧) بعد ذكر
أقوال أئمة الجرح والتعديل فى ذلك فيحصل لنا من مجموع كلامهم أن سفيان الثورى وشعبة وزهيرا وزائدة وحماد بن
زيد وأيوب عنه صحيح، ومن عداهم يتوقف فيه إلا حماد بن سلمة فاختلف قولهم والظاهر أنه سمع منه مرتين مرة مع
أيوب كما يؤمى إليه كلام الدار قطنى حيث قال: دخل عطاء البصرة مرتين فسماع أيوب وحماد بن سلمة فى الرحلة الأولى
صحيح - انتهى. ومرة بعد ذلك لما دخل إليهم البصرة وسمع منه مع جرير وذويه، والله أعلم (عن أيه) أى السائب بن
مالك أو ابن زيد أو ابن يزيد أبى يحى ويقال أبو كثير ويقال أبو عطاء الثقفى الكوفى ثقة من كبار التابعين، روى عن على وسعد
وعمار بن ياسر وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم وعنه ابنه عطاء وأبو إسحاق السبيعى وأبو البخترى (فأوجز) أى
اقصر (فيها) أى مع إتمام أركانها وسننها (فقال له بعض القوم) أى من حضرها (لقد خففت) بالتشديد، قال القارى :
أى الأركان بأن فعلت ما يطلق عليها الركن (وأوجزت) أى اقتصرت بأن أتيت بأقل ما يؤدى به السنن، وقوله
٢٧٦
١

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
الصلاة ، فقال: أما على ذلك، لقد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول اللّه مَّثة، فلما قام تبعه
رجل من القوم
(الصلاة) تنازع فيه الفعلان. قلت: قوله ((وأوجزت، كذا وقع فى جميع نسخ المشكاة أى بواو العطف، والذى فى
النسائى ((أو أوجزت)) أى بأو بدل الواو. قال فى اللغات: قوله ((وأوجزت الصلاة)) يشبه أن يكون بتخفيف الدعاء فيه
كما ينظر إليه سياق الحديث، ويحتمل أن يكون بإيجاز القراءة ويكون المعنى وإن أوجزت الصلاة بتخفيف القراءة فيها
لكنى دعوت بدعوات تجبر النقصان كما قيل إن النوافل تكمل الفرائض - انتهى. ولأحمد والنسائى من طريق أبى
مجلز عن عطاء قال صلى بنا عمار صلاة فأوجز فيها فأنكروا ذلك فقال ألم أتم الركوع والسجود؟ قالوا بلى. قال
الشوكانى: قوله . فأوجز فيها)، لعله لم يصاحب هذا الايجاز تمام الصلاة على الصفة التى عهدوا عليها رسول الله مريم وإلا
لم يكن للإنكار عليه وجه، فقد ثبت من حديث أنس فى مسلم وغيره أنه قال: ما صليت خلف أحد أوجز صلاة من رسول
اللّه ◌َفّ فى تمام. وقوله ((فأنكروا ذلك)) فيه جواز الإنكار على من أخف الصلاة من دون استكمال، وقوله ((ألم أتم
الركوع والسجود؟ قالوا بلى، فيه إشعار بأنه لم يتم غيرهما ولذلك أنكروا عليه (فقال أما) بالتخفيف (على) بالتشديد
(ذلك) وجه الطبى هذه العبارة بثلاثة وجوه: أحدها أن الهمزة يحتمل أن تكون الإنكار كأنه قال أ تقول هذا وتتكر
على؟ وما على ضرر من ذلك ، قال الشيخ الدهلوى: يعنى قوله ((ما على ذلك)) جملة حالية والواو مقدرة ولا حاجة إلى
تقديرها فقد يقع حالا بدون الواو نحو كلمته فوه إلى فى، وكان تقديره الوأو إشارة إلى كونها حالا ، وقوله («ضرر من
ذلك)) بيان لحاصل المعنى. وثانيها أن يكون الهمزة لنداء القريب، والمنادى محذوف أى يا فلان ليس على ضرر من
ذلك. وثالثها أن يكون أما للتنبيه، ثم قال على بيان ذلك فتدبر - انتهى. وفى المستدرك ((ما على فى ذلك)) أى
بدون الهمزة وبزيادة فى قبل ذلك (لقد دعوت) كذا فى جميع النسخ ((والنسائى ((أما على ذلك فقد دعوت)) قال
السندى: أى أما مع التخفيف والايجاز فقددعوت، إلخ. أو أما على تقدير اعتراضكم بالتخفيف فأقول قد دعوت، إلخ.
والظاهر أن أما هذه لمجرد التأكيد وليس لها عديل فى الكلام كاما الواقع فى أوائل الخطب فى الكتب بعد ذكر الحمد
والصلاة من قولهم أما بعد فكذا (فيها) أى فى أواخرها أو سجودها ، قاله القارى. ومال النسائى إلى الأول حيث أورد
هذا الحديث فى أثناء أبواب الدعاء بعد التشهد والصلاة على النبى تؤتى (بدعوات) قال السندى: جمع الدعوات باعتبار أن
كل كلمة دعوة بفتح الدال أى مرة من الدعاء فإن الدعوة للمرة كالجلسة (سمعتهن من رسول الله مرثية) قال القارى: أى
داخلها أو خارجها، وفی المسند و کذا فی روایة للنسائى ((أما إنى قد دعوت فيها بدعاء كان رسول الله ےٹے يدعو به»
قال الشوكانى: يحتمل أنه كان يدعو به فى الصلاة ويكون فعل عمار قرينة تدل على ذلك ويحتمل أنه كان يدعو به من غير
تقييد بحال الصلاة كما هو الظاهر من الكلام (فلما قام) أى عمار (تبعه رجل من القوم) إلى هنا قول السائب عبر عن نفسه
٢٧٧

مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
هو أبى غير أنه كنى عن نفسه، فسأله عن الدعاء، ثم جاء فأخبر به القوم: اللهم بعلمك الغيب
وقدرتك على الخلق أحينى ما علمت الحياة خيرا لى ، وتوفنى إذا علمت الوفاة خيرا لى، اللهم
وأسألك خشيتك فى الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق فى الرضا والغضب، وأسألك القصد
برجل من القوم ولذا فسره عطاء بقوله (هو أبی) أی ذلك الرجل الذی تبع عمارا هو أبی أی السائب (غیر أنه) أی أبى
(كنى عن نفسه) أى برجل فقال تبعه رجل ولم يقل تبعته، ثم قال السائب (فسأله) أى الرجل عمارا (عن الدعاء) أى
فأخبره (ثم جاء) أى الرجل (فأخبر به) أى بالدعاء (اللهم) أى وهو هذا (بعلمك الغيب) أى المغيات عن خلقك فضلا
عن المشاهدات والباء الاستعطاف والتذلل أى أنشدك بحق علمك ما خفى على خلقك مما استأثرت به (وقدرتك على الخلق)
أى بقدرتك على خلق كل شتى تتعلق به مشيتك أو على جميع المخلوقات بأن تفعل فيهم ما تقضى إرادتك، وفيه دليل على
جواز التوسل إليه تعالى بصفات كماله وخصال جلاله (أحينى) أى أمدنى بالحياة (ما علمت الحياة) ما مصدرية ظرفية
(خيرا لى) بأن يغلب خيرى على شرى (وتوفى إذا علمت الوفاة خيرا لى) بأن تغلب سيئاتى على حسناتى أو بأن تقع الفتن
ما ظهر منها وما بطن، قاله القارى وعبر بما فى الحياة لاقصافه بالحياة حالا وبإذا الشرطية فى الوفاة لانعدامها حال
التعنى أى إذا آل الحال إلى أن تكون الوفاة بهذا الوصف فتوفى، قلت قوله ((أحينى)) إلى قوله ((خيرا لى، ثابت فى
الصحيحين من حديث أنس بلفظ ((اللهم أحينى ما كانت الحياة خيرا لى وتوفتى إذا كانت الوفاة خيرا لى)) وهو يدل على
جواز الدعاء بهذا لكن عند نزول الضرر كما وقع التقيد بذلك فى حديث أنس المذكور وقد تقدم فى (ج ٢: ص ٤٣٨)
(اللهم وأسألك) عطف على ((أنشدك)) المقدر أى وأطلب منك و ((اللهم)) معترضة. وقال القارى: والظاهر أن اللهم
عطف على الأول بحذف العاطف كما فى كثير من الدعوات الحديثية ومنه تكرار «ربنا) من غير عاطف فى الآيات القرآنية،
ولا يضره الواو فى قوله ((وأسألك)) لأنها نظيرة الواو فى قوله تعالى ((ربنا وآتنا)) (خشيتك) أى خوفك (فى الغيب والشهادة)
أى فى السر والعلانية أو فى الحالين من الخلوة والجلوة أو فى الباطن والظاهر، والمراد استيعابها فى جميع الأوقات فإن
الخشية رأس كل خير والشأن فى الخشية فى الغيب لمدحه تعالى من يخافه بالغيب ، وقال الشوكانى : أی فی مغيب الناس
وحضورهم لأن الخشية بين الناس فقط ليست من الخشية قهبل من خشية الناس (وأسألك كلمة الحق) أى النطق بالحق
(فى الرضا والغضب) أى فى حالتی رضا الخلق من وغضبهم على فيما أقوله فلا أداهن ولا أنافق، أو فى حالتى رضاى وغضبى
بحيث لا تلجتنى شدة الغضب إلى النطق بخلاف الحق ككثير من الناس إذا اشتد غضبه أخرجه من الحق إلى الباطل، والمعنى
أسألك أن أكون مستمرا على النطق بالحق فى جميع أحوالى وأوقاتى. قال الشوكانى: جمع بين الحالتين لأن الغضب ربما حال
بين الانسان وبين الصدع بالحق، وكذلك الرضا ربما قاد فى بعض الحالات إلى المداهنة وكتم كلمة الحق (القصد) أى الاقتصاد
٢٧٨
١
١
١

مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
فى الفقر والغنى، وأسألك نعيما لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضاء بعد القضاء،
وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك فى غير ضراء مضرة،
وهو التوسط بلا إفراط وتفريط (فى الفقر والغنى) لأن المختار أن الكفاف أفضل من الفقر ومن الغنى قاله فى اللعات، وقال
المناوى: القصد أى التوسط فى الفقر والغنى هو الذى ليس معه إسراف ولا تقتير فإن الغنى يبسط اليدويطغى النفس والفقريكاد
أن يكون كفرا ، فالتوسط هو المحبوب المطلوب. وقال الشوكانى: القصد فى كتب اللغة بمعنى استقامة الطريق والاعتدال
وبمعنى ضد التفريط وهو المناسب هنا لأن بطر الغنى ربما جر إلى الإفراط وعدم الصبر على الفقر ربما أوقع فى التفريط
فالقصد فيهما هو الطريقة القويمة (لا ينفد) بفتح الفاء وبالدال المهملة أى لا يفنى ولا ينقضى ولا ينقص وذلك ليس إلا نعيم
الآخرة، وأما غيره فكل نعيم لا محالة زائل (قرة عين لا تنقطع) يحتمل أن يراد الذرية التى لا تنقطع بعده بل تستمرما بقيت
الدنيا ولعله مأخوذ من قوله تعالى (ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين - ٢٥: ٧٤) وقيل أراد المداومة على
الصلاة والمحافظة عليها لقوله «وجعلت قرة عينى فى الصلاة)) أو المراد ثواب الجنة الذى لا ينقطع فيكون تأكيدا لقوله
•فعيما لا ينفد، فيكون تخصيصا بعد تعميم وقيل أراد قرة عينه أى بدوام ذكر الله وكمال محبته والأنس به (وأسألك الرضاء)
بالمد، وفى المستدرك الرضى أى بالقصر. قال الجوهرى: الرضى مقصورا مصدر محض والاسم الرضاء محدودا
(بعد القضاء) وفى رواية للنسائى الرضاء بالقضاء أى بما قدرته لى فى الأزل لأتلقاه بوجه منبسط وخاطر منشرح وأعلم
أن كل قضاء قضيته لى فلى فيه خير ، قيل فى وجه الأول كأنه طلب الرضاء بعد تحقق القضاء وتقرره (برد العيش) أى
طبيه وحسنه (بعد الموت) برفع الروح إلى منازل السعداء ومقامات المقربين، والعيش فى هذه الدار لا يبرد لأحد بل
محشو بالغصص والكدر والنكد بمحوق بالآلام الباطنة والأسقام الظاهرة (لذة النظر إلى وجهك) قال الطبي:
قيد النظر باللذة لأن النظر إلى اللّه تعالى إما نظر هيبة وجلال فى عرصات القيامة، وإما نظر لطف وجمال فى الجنة ليؤذن
بأن المراد هذا، وفيه أعظم دليل على رؤية الله تعالى فى الدار الآخرة كما هومذهب أهل السنة والجماعة (والشوق إلى لقاءك)
أى الاشتياق إلى ملاقاتك فى دار المجازاة. قال الشوكانى: إنما سأله مَّ لأنه من موجبات محبة الله تعالى للقاء عبده
لحديث ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاء)» ومحبة الله تعالى من أسباب المغفرة. وقال ابن القيم: جمع فى هذا الدعاء
بين أطيب ما فى الدنيا وهو الشوق إلى لقاءه وأطيب ما فى الآخرة وهو النظر إليه ، ولما كان كلامه موقوفا على عدم ما
يضر فى الدنيا ويفتن فى الآخرة قال (فى غير ضراء) أى شدة ، وقيل أى الحالة التى تضر وهى نقيض السراء وهما بناءان
المؤنث ولا مذكر لهما (مضرة) اسم فاعل من أضر والجار إما متعلق بقوله «والشوق إلى لقاءك، أى أسألك شوقا لا يؤثر
فى سيرى وسلوكى بحيث يمنعنى عن ذلك وأن يضرفى مضرة، وإما متعلق بأحنى، الثانى أظهر معثى والأول أقرب لفظا ،
٢٧٩

من عاء المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٩ - باب جامع الدعاء
ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان ، واجعلنا هداة مهتدين. رواه النسانى.
٢٥٢٢ - (١٧) وعن أم سلمة أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقول فى دبر الفجر:
ويزيد الثانى ما وقع عند أحمد والنسائى أيضا بلفظ أعوذ بك من ضراء مضرة، وقال الطبى: متعلق الظرف مشكل ولعله
متصل بالقرينة الأخيرة وهى («الشوق إلى لقاءك))، سأل شوقا إليه بحيث يكون فى ضراء غير مضرة أى شوقا لا يضر
فى سيرى وسلوكى وإن ضرفى مضرة ما، فإن الشوق قد يفضى إلى ذلك عند غلبة الحال وتهيج السكر وهو المراد بفتنة
مضلة، ويجوز أن يتصل بقوله أحنى إلى آخره حتى يتعلق بالكل أى أحنى متلبسا بنعمك المذكورة حال عدم كونى فى
ضراء مضرة وهى البلية لا أصبر عليها (ولا فتنة مضلة) أى موقعة فى الحيرة والضلال ومفضية إلى الهلاك، وقد وقع
عند أحمد والنسائى فى رواية وأعوذ بك من ضراء مضرة وفتنة مضلة. قال الشوكانى: إنما قيد ضراء بمضرة لأن الضراء
ربما كانت نافعة آجلا أو عاجلا فلا يليق الاستعاذة منها أى مطلقاً ووصف الفتنة بالمضلة لأن من الفتن ما يكون من
أسباب الهداية وهى بهذا الاعتبار مما لا يستعاذ منه. قال أهل اللغة: الفتنة الامتحان والاختبار (زينا) بتشديد الياء
المكسورة والنون (بزينة الإيمان) أى بثباته وتوفيق الطاعة وحلية الاحسان قال المناوى: وهى زينة الباطن ولا معول
إلا عليها لأن الزينة زيتان زينة البدن وزينة القلب وهى أعظمها قدرا وإذا حصلت حصلت زينة البدن على أكمل
وجه فى العقبى ، ولما كان كمال العبد فى كونه عالما بالحق متبعا له معلما لغيره قال (واجعلنا هداة) جمع ماد أى مادين إلى
الدين (مهتدين) أى ثابتين على الهداية وطريق اليقين. قال الطبى: وصف الهداة بالمهتدين لأن الهادى إذا لم يكن مهتديا
فى نفسه لم يصلح أن يكون ماديا لغيره لأنه يوقع الناس فى الضلال من حيث لا يشعر، قلت: ومن حيث لا يشعرون
(رواه النسائي) فى الصلاة من طريق حماد عن عطاء بن السائب عن أبيه وأخرجه أيضا الحاكم (ج ١: ص ٥٢٤) من
هذا الطريق، وسماه حماد بن زيد، وقال حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وأخرجه أحمد (ج ٤: ص ٢٦٤) من
طريق أبى ماشر عن أبى مجاز، قال: صلى بنا عمار صلاة فأوجز فيها، والنسائى أيضا من طريق أبي مجز عن قيس بن
عباد قال صلى عمار بن ياسر بالقوم صلاة أختها، وهذا يدل على أن طريق أحمد فيها انقطاع، واقه أعلم، ورواه أبو يعلى
أيضا قال الهيشمى (ج ١٠: ص ١٧٧): ورجاله ثقات إلا أن عطاء بن السائب اختلط ـ انتهى. قلت: ولا يضر
ذلك فإن الحديث رواه الحاكم من طريق حماد بن زيد وروايته عن عطاء قبل الاختلاط كما تقدم .
٢٥٢٢ - قوله (كان يقول فى دبر الفجر) أى فى دبر صلاة الفجر، ولفظ أحمد (ج ٦: ص ٣١٨) ((كان يقول
فى دبر الفجر إذا صلى، وفى رواية له ((كان يقول إذا صلى الصبح حين سلم) وفى رواية ((حين يسهم، وكذا وقع عند
ابن ماجه والطبرانى ((كان يقول بعد صلاة الفجر)، ووقع فى بعض أسخ المشكاة ((فى دبر صلاة الفجر)) ولم يرد بهذا اللفظ
٢٨٠
١
١