Indexed OCR Text
Pages 161-180
مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٧ - باب الدعوات فى الأوقات
أبدا .
أو بالثانى سائر أعوانه، كذا فى المرقاة. قلت: وقع فى رواية أحمد (ج ١: ص٢١٧) «لم يضر ذلك الولد الشيطان أبدا،
وفى أخرى له (ج ١: ص ٢٨٧) ولمسلم وابن ماجه (لم يسلط عليه الشيطان أو لم يضره، وهكذا وقع معرفا فى بعض
الروايات عند البخاري وغيره. قال الحافظ: واللام للعهد المذكور فى لفظ الدعاء، وفى مرسل الحسن عند عبد الرزاق
إذا أتى الرجل أهله فليقل بسم الله اللهم بارك لنا فيما رزقنا ولا تجعل الشيطان نصيبا فيما رزقتنا فكان يرجى إن حملت أن
يكون ولدا صالحا (أبدا) قال القارى: فيه إيماء إلى حسن خاتمة الولد ببركة ذكر الله فى ابتداء وجود نطفته فى الرحم
فالضر مختص بالكفر. وقال السندى: لم يحمل أجد حديث الباب على عموم الضرر لعموم ضرر الوسوسة للكل ، وقد
جاء كل مولود يمسه الشيطان إلا مريم وابنها، فقيل لا يضره بالاغراء والإضلال بالكفر ، وقيل بالكبائر ، وقيل
بالصرف عن التوبة إذا عصى ، وقيل إنه يأمن مما يصيب الصبيان من جهة الجان ، وقيل لا يكون للشيطان عليه سلطان
فيكون من المحفوظين قال تعالى: ﴿إن عبادى ليس لك عليهم ساطان - ١٥: ٤٢﴾ انتهى. وقال الحافظ: اختلف فى
الضرر المنفى بعد الاتفاق على ما نقل عياض على عدم الحمل على العموم فى أنواع الضرر وإن كان ظاهرا فى الحمل على
عموم الأحوال من صيغة الماضى مع التأبيد وكان سبب ذلك ما ثبت فى الصحيح أن كل بنى آدم يطعن الشيطان فى بطنه
حين يولد إلا من استثنى. فإن هذا الطعن نوع ضرر فى الجملة مع أن ذلك سبب صراخه ثم اختلفوا فقيل المعنى لم
يساط عليه من أجل بركة التسمية (بحيث لا يكون له عمل صالح) بل يكون من جملة العباد الذين قيل فيهم {إن عبادى
ليس لك عليهم سلطان-٤٣:١٥﴾ ويؤيده مرسل الحسن المذكور: وقيل المراد لم يطعنه فى بطنه وهو بعيد لمنابذته ظاهر
الحديث المتقدم، وليس تخصيصه بأولى من تخصيص هذا، وقيل المراد لم يصرعه وقيل لم يضره فى بدنه -انتهى. يعنى
أن الشيطان لا يتخبطه ولا يداخله بما يضر عقله أو بدنه ، قال العينى وهو الأقرب وقال ابن دقيق العيد: يحتمل أن
لا يضره فى دينه أيضا ولكن يبعده إنتفاء العصمة وتعقب بأن اختصاص من خص بالعصمة بطريق الوجوب لا
بطريق الجواز فلا مانع أن يوجد من لا يصدر منه معصية عمدا وإن لم يكن ذلك واجبا له وقال الداودى معنى لم
يضره أى لم يفته عن دينه إلى الكفر وليس المراد عصمته منه عن المعصية وقيل لم يضره بمشاركة أبيه فى جماع أمه كما
جاء عن مجاهد أن الذى يجامع ولا يسمى يلتف الشيطان على إحليله فيجامع معه. قال الحافظ: ولعل هذا أقرب
الأجوبة، ويتأيد الحمل على الأول بأن الكثير من يعرف هذا الفضل العظيم يذهل عنه عند إرادة المواقعة، والقليل الذى قد
يستحضره ويفعله لا يقع معه الحمل فإذا كان ذلك نادرا لم يعد وفى الحديث من الفوائد أيضا استحباب التسمية
والدعاء والمحافظة على ذلك حتى فى حالة الملاذ كالوقاع وفيه الاعتصام بذكر الله ودعاءه من الشيطان والتبرك باسمه
والاستعاذة به من جميع الأسواء وفيه الاستشعار بأنه الميسر لذلك العمل والمعين عليه وفيه إشارة إلى أن الشيطان
١٦١
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٧ - باب الدعوات فى الأوقات
متفق عليه.
٢٤٤٠ - (٢) وعنه أن رسول اللّه ◌َف كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم،
لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم.
ملازم لابن آدم لا ينطرد عنه إلا إذا ذكر الله (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الطهارة وفى صفة إبليس وفى النكاح وفى
الدعوات وفى التوحيد ومسلم فى النكاح وكذا الترمذى وأبو داود والنسائى فى عشرة النساء من الكبرى وفى عمل اليوم
والليلة، وابن ماجه وأحمد (ج ١: ص ٢١٢، ٢١٧، ٢٤٤، ٢٨٤، ٢٨٧) وابن السنى (ص ١٩٥) والبغوى فى شرح
السنة (ج ٥ : ص ١١٩).
٢٤٤٠ - قوله (كان يقول عند الكرب) أى عند حلول الکرب وهو بفتح الكاف وسكون الراء بعدها موحدة
أى الفم الذى يأخذ النفس كذا فى الصحاح وقيل الكرب أشد الفم. وقال الحافظ: هو ما يدهم المرأمما يأخذ بنفسه
فيغمه ويحزنه وفى رواية للبخارى كان يدعو عند الكرب وفى رواية لمسلم كان يدعو بهن ويقولهن عند الكرب ،وفى
أخرى له كان إذا حز به أمر أى نزل به أمرمهم. قال الحافظ: هو بفتح المهملة والزاى وبالموحدة أى هجم عليه أو غلبه،
وفى حديث على عند النسائى وصححه الحاكم («لقنى رسول اللّه تَيتم هؤلاء الكلمات وأمرفى إن نزل بي كرب أو شدة أن
أقولها) (لا إله إلا الله العظيم) الذى لا يعظم عليه شئ، وقيل أى البالغ أقصى مراتب العظمة التى لا يتصورها عقل ولا
تحيط بكنهها بصيرة فلا يعظم عليه شِئى (الحليم) هو الذى يؤخر العقوبة مع القدرة ، وقيل هو الذى لا يستفزه غضب
ولا يحمله غيظ على استعجال العقوبة والمسارعة إلى الانتقام (لا إله إلا الله رب العرش العظيم) بالجر على أنه نعت العرش
عند الجمهور، ونقل ابن التين عن الداودى أنه رواه برفع العظيم على أنه نعت الرب، وكذا برفع الكريم فى قوله «رب
العرش الكريم، وبه قرأ ابن محيصن فى آخر التوبة ، وفى آية المومنین فعتا للرب والذى ثبت فى رواية الجمهور بالجر فيهما.
على أنه نعت للعرش ووصف العُرش بالكريم أى الحسن من جهة الكيفية ووصفه بالعظيم من جهة الكمية فهو مدوح
ذاتا وصفة وخص بذكره لأنه أعظم الأجسام فيدخل تحته الجميع وقيل وصفه بالكرم لأن الرحمة تنزل منه أو لنسبة الى
أكرم الأكرمين، وبالعظيم لأنه أعظم خلق الله مطانا لأهل السماء وقبلة الدعاء قال الطيبي: صدر هذا الثناء بذكر الرب
ليناسب كشف الكرب لأنه مقتضى التربية وفيه التهليل المشتمل على التوحيد وهو أصل التنزيهات الجلالية والعظمة التى
تدل على تمام القدرة والحلم الذى يدل على العلم إذ الجاهل لا يتصور منه حل ولا كرم وهما أصل الأوصاف الإكرامية.
وقال القسطلانى أخذا عن ابن القيم: قد صدر هذا الثناء بذكر الرب ليناسب كشف الكرب لأنه مقتضى التربية ووصف
الرب تعالى بالعظمة والحلم وهما صفتان مستلزمتان لكمال القدرة والرحمة والإحسان والتجاوز ووصفه بكال ربويته
١٦٢
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٧ - باب الدعوات فى الأوقات
العالم العلوى والسفلى والعرش الذى هو سقف المخلوقات وأعظمها والربوية التامة تستلزم توحيده وإنه الذى لا تبغى
العبادة والحب والخوف والرجاء والاجلال والطاعة إلا له وعظمته المطلقة تستلزم إثبات کل کمال له وسلب كل نقص
وتمثيل عنه، وحلبه يستلزم كمال رحمته وإحسانه إلى خلقه فعلم القلب ومعرفته بذلك توجب محبته وإجلاله وتوحيده
فيحصل له من الابتهاج واللذة والسرور ما يدفع عنه ألم الكرب والهم والغم وأنت تجد المريض إذا ورد عليه ما يسره
ويفرحه ويقوى نفسه كيف تقوى الطبيعة على دفع المرض الحسى فصول هذا الشفاء للقلب أولى وأحرى فإذا قابلت بين
ضيق الكرب وسعة هذه الأوصاف التى تضمنها دعاء الكرب المذكور فى هذا الحديث وجدته فى غاية المناسبة لتفريج
هذا الضيق وخروج القلب منه إلى سعة البهجة والسرور وهذه الأمور إنما يصدق بها من أشرقت فيه أنوارها وباشر
قلبه حقائقها -انتهى، قال النووى: هذا حديث جليل ينبغى الاعتناء به والا كثار عنه عند الكرب والأمور العظيمة.
قال الطبرى: كان السلف يدعون به ويسمونه دعاء الكرب. قلت: حكى الحافظ عن ابن بطال أنه سعى بأبى بكر بن على
عند السلطان بأصبهان وكان عليه مدار الفتيا هناك فرأى أبو بكر الرازى فى المنام النبى يَؤفتهم وأنه قال له قل لأبى بكر بن
على يدعو بدعاء الكرب الذى فى صحيح البخارى حتى يفرج الله عنه، قال الرازى: فأصبحت فأخبرته فدعا به فلم يكن إلا
قليلا حتى أخرج. وأخرج ابن أبى الدنيا فى كتاب «الفرج بعد الشدة، أنه كتب الوليد بن عبد الملك إلى عثمان بن
حيان: انظر الحسن بن الحسن فاجاده مائة جلدة وأوقفه للناس قال فبعث إليه نجئ به فقام إليه على الحسين فقال يا ابن
عم تكلم بكلام الفرج يفرج الله عنك فقالها فرفع إليه عثمان رأسه فقال أرى وجه رجل كذب عليه خلوا سبيله فسأ كتب
إلى أمير المؤمنين بعذره فأطلق. وأخرج النسائى والطبرى من طريق الحسن بن الحسن بن على قال لما زوج
عبد الله بن جعفر ابنته قال لها إن نزل بك أمر فاستقبليه بأن تقولى: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش
العظيم ، الحمد لله رب العالمين. قال الحسن فأرسل إلى الحجاج فقلتهن، فقال: والله لقد أرسلت إليك وأنا أريد أن
أقتلك فلا نت اليوم أحب إلى من كذا وكذا، وفى لفظ ((فسل حاجتك، قال الطبرى معنى قول ابن عباس (فى بعض
الروايات) (يدعو)، وإنما هو تهليل وتعظيم أى ليس فيه دعاء يحتمل أمرين أحدهما أن المراد تقديم ذلك قيل الدعاء
فيستفتح بهذا الذكر الدعاء ثم يدعو بما شاء كما ورد فى مسند أبي عوانة فى آخر الحديث ثم يدعو بعد ذلك وعند عبد بن
حميد: كان إذا حز به أمر قال فذكر الذكر المأثور وزاد «ثم دعا، وفى الأدب المفرد (ج ٢: ص ١٦١) من طريق
آخر زاد فى آخره «اللهم اصرف عنى شره، قال الطبرى: ويؤيد هذا ما روى الأعمش عن إبراهيم قال كان يقال إذا
بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء استجيب وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على الرجاء ثانيهما ما أجاب به ابن عيينة عن
الحديث الذى فيه .كان أكثر ما يدعو به النبى مَّة بعرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له)) الحديث. فقال سفيان:
هو ذكر وليس فيه دعاء ولكن قال النبي ◌َّ: من شغله ذكرى عن مسئلتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين. قال:
وقال أمية بن الصلت فى مدح عبد الله بن جدعان :
١٦٣
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٧ - باب الدعوات فى الأوقات
متفق عليه.
٢٤٤١ - (٣) وعن سليمان بن صرد، قال: استب رجلان عند النبى وَيَّ ونحن عنده جلوس،
وأحدهما يسب، صاحبه مغضبا قد احمر وجهه، فقال النبى معَي: إنى لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما
يحد ((أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقالوا للرجل:
حباءك إن شيمتك الحباء
أ أُذکر عاجتی أم قد کفائې
كفاه من تعرضك الثناء
إذا أثنى عليك المرأ يوما
قال سفيان: فهذا مخلوق حين نسب إلى الكرم اكتفى بالثناء عن السؤال فكيف بالخالق - انتهى. وحاصل هذا الجواب
أن الدعاء قد يكون صريحا وقد يكون تعريضا، فإن الثناء على الكريم يتضمن الدعاء والسؤال تعريضا بألطف إيماء كمدح
السائل والشاعر. قال الحافظ : وهويد الاحتمال الثانى حديث سعد بن أبى وقاص فى دعوة ذى النون إذ دعا وهو فى بطن
الحوت ((لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، الحديث. وقد تقدم فى الفصل الثانى من كتاب أسماء الله تعالى
(ج ٣: ص ٤٤٠) قلت: ويزيد الاحتمال الأول رواية أبى عوانة والأدب المفرد (متفق عليه) أخرجه البخارى فى
الدعوات وفى التوحيد ومسلم فى الدعاء، وأخرجه أيضا أحمد (ج ١: ص ٢٢٩، ٢٥٥، ٢٦٠، ٢٦٩، ٢٨٤،٢٨١)
والبخارى فى الأدب المفرد (ج ٢: ص ١٥٧، ١٦١) وابن ماجه فى الدعاء وأبو عوانة فى صحيحه .
١
٢٤٤١ - قوله (عن سليمان بن صرد) بضم الصاد وفتح الراء بعدها دال مهملات (استب رجلان) افتعال من
السب أى تشاتما يعنى شتم أحدهما الآخر ولم يعرف الحافظ أسماء الرجلين (عند النبي مَثّة) أى بمحضر منه (وأحدهما
يسب، صاحبه) أى سبا شديدا (مغضبا) بفتح الضاد حال من فاعل يسب (قد احمر وجهه) زاد فى رواية وانتفخت
أوداجه أى من شدة غضبه ففى رواية للبخارى «فنضب أحدهما فاشتد غضبه حتى انتفخ وجهه وتغير)» وفى حديث معاذ بن
جبل عند أحمد وأصحاب السنن حتى إنه ليخيل إلى أن أنفه ليتمزع من الغضب (إنى لأعلم كلمة) أى بالمعنى اللغوى الشامل
الجملة المفيدة (أو قالها لذهب) أى زال (عنه ما يحد) أى ما يجده من الغضب ببركتها (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)
بدل من كلمة وفى البخارى ((لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، أى ذهب عنه ما يجد كما فى رواية أخرى له وفى
حديث معاذ إنى لأعلم كلمة لو يقولها هذا الغضبان لذهب عنه الغضب ((اللهم إنى أعوذ بك من الشيطان الرجيم)، والحديث
مقتبس من قوله تعالى: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم - ٧: ٢٠٠﴾ قال الطيبي: أى ولا
تفع الاستعاذة من أمتك إلا المتقين بدليل قوله تعالى: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا﴾ أى ما
أمرهم به تعالى ونهاهم عنه ﴿فإذا هم مبصرون -٧: ٢٠١﴾ الطريق السداد ودفعوا ما وسوس به إليهم (فقالوا للرجل) فى
١٦٤
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩- كتاب الدعوات
٧ - باب الدعوات فى الأوقات
لا تسمع ما يقول النبى مَّ؟ قال: إنى لست بمجنون. متفق عليه.
٢٤٤٢ - (٤) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا سمعتم صياح الديكة
رواية مسلم «فقام إلى الرجل رجل من سمع النبي مَثقة، فدلت هذه الرواية على أن الذى خاطبه من الصحابة واحد وهو
معاذ بن جبل كما بينته رواية معاذ بن جبل عند أبى داود ولفظه «قال لجعل معاذ يأمره فأبى ومك (أى لج فى الخصومة)
وجعل يزداد غضبا» (لا تسمع) وفى بعض النسخ ألا تسمع كما فى البخارى (ما يقول النبي مَّ) أى فتمثل وتقول ذلك
(قال إنى لست بمجنون) وفى رواية ((أترى بى بأسا أمجنون أنا اذهب» قال الحافظ: هو خطاب من الرجل للرجل الذى
أمره بالتعوذ، أى امض فى شغلك، واخلق بهذا المأمور أن يكون كافرا أو منافقا أو كان غلب عليه الغضب حتى أخرجه
عن الاعتدال بحيث زجر الناصح الذى دله على ما يزيل عنه ما كان به من وهج الغضب بهذا الجواب السيئى وقيل
إنه كان من جفاة الأعراب وظن أنه لا يستعيذ من الشيطان إلا من به جنون ولم يعلم أن الغضب من شر الشيطان ومسه
ولهذا يخرج به عن صورته ويزين إفساد ماله كتقطيع ثوبه وكسر آنيته أو الإقدام على من أغضبه ونحو ذلك مما يتعاطاه
من يخرج عن الاعتدال وقد أخرج أحمد وأبو داود من حديث عطية السعدى: أن الغضب من الشيطان - الحديث . أى
هو المحرك له الباعث عليه بإلقاء الوسوسة فى قلب الآدمى ليغربه، وقال النووى: قول هذا الرجل الذى اشتد غضبه «هل
ترى بى من جنون، كلام من لم يفقه فى دين الله تعالى ولم يتهذب بأنوار الشريعة وتوهم أن الاستعاذة مختصة بالجنون ولم
يعلم أن الغضب من نزغات الشيطان ولهذا يخرج الإنسان عن اعتدال حاله ويتكلم بالباطل ويفعل المذموم وينوى الحقد
والبغض وغير ذلك من القبائح المترتبة على الغضب ، ولهذا قال النی مێ للذى قال له أوصنی ((لا تغضب» فردد مرارا،
فقال لا تغضب ، فلم يزده فى الوصية على لا تنضب مع تكراره الطلب وهذا دليل ظاهر فى عظم مفسدة الغضب وما ينشأ
منه، ويحتمل أن هذا القائل كان من المنافقين أو من جفاة الأعراب - انتهى. قلت: الظاهر أن قوله هذا أيضا نشأً
من شدة غضبه وغلبة غيظه حتى أخرجه عن الاعتدال بحيث قال الناصح ما قال. قال الشوكانى: فى الحديث دليل على
أن الغضب متسبب عن عمل الشيطان ولهذا كانت الاستعاذة مذهبة للغضب فمن غضب فى غير حق ولا موعظة صدق
فليعلم أن الشيطان هو الذى يتلاعب به وأنه مسه طائف منه. وفى هذا ما يزجر عن الغضب لكل من يؤد أن لا يكون
فى يد الشيطان يصرفه كيف يشاء - انتهى. ومن أحب الوقوف على حقيقة الغضب والأسباب المهيجة له وعلاج الغضب
بعد هيجانه رجع إلى الاحياء للغزالى مع شرحه للزيدى (متفق عليه) أخرجه البخارى فى صفة إبليس وفى الأدب ومسلم
فى الأدب واللفظ للبخارى فى باب الحذر من الغضب، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٦: ص ٣٩٤) وأبو داود فى الأدب
والنسائى فى عمل اليوم والليلة والبغوى فى شرح السنة (ج.٥: ص ١٢٤).
٢٤٤٢ - قوله (إذا سمعتم صياح) بكسر الصاد (الديكة) بكسر الدال المهملة وفتح التحتانية جمع ديك، كفيلة
١٦٥
مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٧ - باب الدعوات فى الأوقات
فسلوا الله من فضله؛ فإنها رأت ملكا، وإذا سمعتم نهيق الحار فتعوذوا بالله من الشيطان؛ فإنه
رأى شيطانا.
7
جمع فيل وهو ذكر الدجاج وليس المراد حقيقة الجمع لأن سماع واحد كاف، وللديك خصيصة ليست لغيره من معرفة
الوقت الليلى فإنه يقسط أصواته فيها تقسيطا لا يكاد يتفاوث ويوالى صياحه قبل الفجر وبعده لا يكاد يخطئى سواء طال
الليل أم قصر، وزاد فى رواية أحمد (ج ٢، ص ٣٠٨) والبخارى فى الأدب المفرد وابن السنى ((فى الليل)) (فسلوا الله)
بنقل الهمزة، وروى بإثباته، أى فاطلبوا (من فضله) أى زيادة إنعامه عليكم (فإنها رأت ملكا) بفتح اللام نكره إفادة
لتعميم ، قال عياض: كان السبب فيه رجاء تأمين الملائكة على دعائه واستغفارهم له وشهادتهم له بالإخلاص. ويؤخذ
منه استحباب الدعاء عند حضور الصالحين تبركا بهم، وصمح ابن حبان وأخرجه أبو داود وأحمد من حديث زيد ين خالد
رفعه ((لا تسبوا الديك فإنه يدعو إلى الصلاة)) وفى رواية «يوقظ للصلاة)) وعند البزار من هذا الوجه سبب قوله مؤثّه
ذلك أن ديكا صرخ فلعنه رجل فقال ذلك. قال الحايمى: يؤخذ منه أن كل من استفيد منه الخير لا ينبغى أن يسب ولا
أن يستهان به بل يكرم ويحسن إليه، قال وليس معنى قوله «يدعو إلى الصلاة، أن يقول حقيقة صلوا أو حانت الصلاة بل
معناه أن العادة جرت بأنه يصرخ عند طلوع الفجر فطرة فطره الله عليها (وإذا سمعتم نهيق الحمار) أى صوته المكر وزاد
البخارى فى الأدب المفرد وابن السنى فى عمل اليوم والليلة ((من الليل، وكذا وقع فى حديث جابر عند أحمد وأبي داود
وغيره كما سيأتى فى باب تغطية الأوانى، وزاد فيه أيضا ((نباح الكلاب) قيل أطلق الأمر بالتعوذ عند نهيق الحمر فى حديث
الباب فاقتضى أنه لا فرق فى طلبه بين الليل والنهار وخصه فى رواية أخرى بالليل. فإما أن يحمل المطلق على المقيد أو يقال
خص الليل لأن انتشار الشیاطین فیه أ کثر فیکون نهیق الحمیر فیه أ کثر، فلو وقع نهارا كان كذلك. وقال الشوكانى
فى قوله فى الحديث الآخر ((من الليل، يقيد المطلق فتكون الاستعاذة إذا سمع (النهيق) والنباح ليلا لا نهارا (فتعوذوا
بالله من الشيطان) كذا فى بعض النسخ من المشكاة وهكذا وقع فى الصحيحين والمسند والترمذى وبعض نسخ أبى داود ،
وزاد فى بعض نسخ المشكاة (الرجيم)، وهكذا وقع فى المصابيح وبعض نسخ أبى داود، قال الحفنى: أى اعتصموا بالله
منه بأن يقول أحدكم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أو نحو ذلك من صيغ التعوذ. وقال المناوى: فتعوذوا أى ندبا بأى
صيغة كانت والأولى ((أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) (فإنه) أى الحمار (رأى شيطانا) فى الصحيحين والمصابيح (((فإنها
رأت شيطانا)، على تأويل الدابة ورعاية المقابلة، و وقع فى المسند والترمذى وشرح السنة كما فى المشكاة يعنى وحضور
الشيطان مظنة الوسوسة والطغيان ومعصية الرحمن فناسب التعوذ لدفع ذلك، قال عياض: وفائدة الأمر بالتعوذ لما يخشى
من شر الشيطان وشر وسوسته فيلجأ إلى الله فى رفع ذلك. وقال الطبى: لعل السرفيه أن الديك أقرب الحيوانات صوتا
إلى الذاكرين الله لأنها تحفظ غالبا أوقات الصلاة وأنكر الأصوات صوت الخير فهو أقربها صوتاً إلى من هو أبعد من
١٦٦
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٧ - باب الدعوات فى الأوقات
متفق عليه .
٢٤٤٣ - (٥) وعن ابن عمر، أن رسول اللّه عمل كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى السفر
كبر ثلاثا ثم قال: سبحان الذى سخر
رحمة الله وفيه دلالة على أن الله تعالى خلق للدیکه إدرا كا تدرك به النفوس التمدسية كما حلق للحمیر والكلاب إدراكا
تدرك به النفوس الشريرة الخبيثة ونزول الرحمة عند حضور الصلحاء ونزول الغضب عند حضور أهل المعاصى فائدة
قال الداودى: ينبغى أن يتعلم من الديك خمسة أشياء: حسن الصوت والقيام بالسحر والسخاء والغيرة وكثرة النكاح تنبيه
قيل قوله ((فإنها رأت ملكا) و(«إنه رأى شيطانا)) ليس المعنى أنها لا تصوت إلا إذا رأت ملكا أو شيطانا فإن صياح الديكة
وكذلك نهيق الحمار كثيرا ما يكون لعوارض وأسباب غير روية الملك والشيطان بل المعنى أن صوتهما قد يكون لذلك
أيضا فلا يتعين أى الأصوات لذلك وأيها لغيره فيستحب الدعوة والتعوذ عند كل تصويت منهما ليقع البعض منهما
موقعهما وإن لم يقع الكل مقام الروية مع أن زيادة الدعاء والتعوذ مطلوبة وإن لم يكن فى محل إجابة وكذلك حضور
شيطان ووجوده لا يتوقف التعوذ عليه لأن الإنسان أحوج ما يكون إليهما فكان تعميم الأمر بالدعاء والتعوذ عند كل
صياح ديك ونهيق حمار كتعميم أمر العبادة فى ليالى القدر تحريا لمظان القبول ـ انتهى. وفيه أنه روى الطبرانى وأبو
موسى الأصبهانى فى ترغبه من حديث أبي رافع رفعه «لا ينهق الحمار (ولا بن السنى ((لن ينهق الحمار))) حتى يرى شيطانا
أو يتمثل له شيطان، فإذا كان كذلك فاذكروا الله وصلوا على، وهذا يخالف ما أوّل به هذا القائل حديث الباب فتأمل
(متفق عليه) أخرجه البخارى فى أواخر بدء الخلق ومسلم فى الدعاء وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢: ص ٢٠٧) والبخارى
فى الأدب المفرد (ج ٢: ص ٢٣٧) والترمذى فى الدعوات وأبو داود فى الأدب والنسائى فى التفسير وفى عمل اليوم
والليلة وابن السنى فيه (ص ١٠٢) والبغوى فى شرح السنة (ج ٥: ص ١٢٦).
٢٤٤٣ - قوله ( كان إذا استوى على بعيره) أى استقر على ظهر مركوبه (خارجا) أى من البلد منتهيا
(إلى السفر) كذا فى جميع النسخ أى معرفا باللام وهكذا وقع فى المصابيح وشرح السنة وكذا نقله الشوكانى فى تحفة
الذاكرين والذى فى صحيح مسلم خارجا إلى سفر وهكذا وقع فى المسند (ج ٢: ص ١٥١) وأبي داود وكذا نقله فى
جامع الأصول وفى الأذكار. والترمذى والدارمى ((كان إذا سافر فركب راحلته)) (كبر ثلاثا) لعل الحكمة أن المقام
مقام على وفيه نوع عظمة فاستحضر عظمة خالقه ويزيده أن المسافر إذا صعد عاليا كبر وإذا نزل سبح ويمكن أن يكون
التكبير للتعجب من التسخير (ثم قال) أى قرأ أى قال بنية القراءة امتثالا لقوله تعالى ( وجعل لكم من الفلك والأنعام
ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا﴾: (سبحان الذى سخر) أى ذلل
١٦٧
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٧ - باب الدعوات فى الأوقات
لنا هذا وماكنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نستلك فى سفرنا هذا البر والتقوى، ومن
العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا، واطو لنا بعده، اللهم أنت الصاحب فى السفر،
(لنا هذا) أى المركوب فانقاد لأضعفنا (وماكنا له مقرنين) أى مطبقين ومقتدرين عليه من أقرن له إذا أطاقه وقوى
عليه أى ما كنا نطبق قهره واستعماله لولا تسخير الله تعالى إياه لنا { وإنا إلى ربنا لمنقلبون - ٤٣: ١٤) أى لصائرون
إليه بعد ماتنا وإليه سيرنا الأكبر واللام للتأكيد، وهذا من باب التفيه بسير الدنيا على سير الآخرة كما نبه بالزاد
الدنيوى على الزاد الأخروى فى قوله تعالى ﴿ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى - ٢: ١٩٧) ) وباللباس الدنيوى على
الأخروى فى قوله تعالى ﴿ وريشا ولباس التقوى ذلك خير - ٧: ٢٦﴾ قال البيضاوى: اتصال قوله ﴿ وإنا إلى ربنا
لمنقلبون) بما قبله لأن الركوب للقل والنقلة العظمى هو الانقلاب إلى الله تعالى فينبغى للراكب أن لا يغفل عنه
ويستعد للقاء الله يعنى من شكر هذه النعمة أن يذكر عاقبة أمره ويعلم أن استواءه على مركب الحياة كاستواءه على
ظهر ما سخر له ما لم يكن فى المبدأ مطيقا له ولا يجد فى المنتهى بدا من النزول عنه، كذا فى اللعات. وهذا الدعاء بسن عند
وكوب أى دابة كانت السفر أو غيره، فقول الراوى ((خارجا إلى السفر، حكاية للحال ودلالة على ضبط المقال (اللهم)
وفى رواية أحمد (ج ٢: ص ١٤٥) والترمذى ((ثم يقول: اللهم؛ (البر) أى الطاعة (والتقوى) أى عن المعصية أو
المراد من البر الإحسان إلى الناس أو من الله إلينا ومن التقوى امتثال الأوامر واجتناب النواهى (ومن العمل) أى
جنسه (ما ترضى) أى به عنا (اللهم هون) أمر من التهوين أى يسر (علينا سفرنا) مفعول لهّون (هذا) وفى رواية
الترمذى ((اللهم هون علينا المسير» (واطو) أمر من طوى يطوى طيا (لنا بعده) كذا فى جميع النسخ وهكذا فى المصابيح
وشرح السنة والمسند (ج ٢: ص ١٤٥) وسنن أبي داود والدارمى، والذى فى صحيح مسلم ((واطوعنا بعده)، وهكذا فى
المسند (ج ٢: ص ١٥١) وجامع الأصول والحصن، والترمذى ((واطوعنا بعد الأرض، أى قرب لنا بعد هذا السفر،
قيل هو عبارة عن تيسير السير بإعطاء القوة له ولمركوبه، وقال ابن حجر: اطولنا بعده حقيقة إذ ورد ((أن لله ملائكة
يطوون الأرض للسافر كما تطوى القراطيس، أو المراد خفف مشاقه، قلت: لا مانع من حمله على الحقيقة ففيه إشارة
إلى على المكان والزمان والمعنى ارفع عنا مشقة السفر بتقريب المسافة البعيدة لنا حسا (اللهم أنت الصاحب فى السفر) أى
الحافظ والمعين. والصاحب فى الأصل الملازم وأراد بذلك مصاحبة الله إياه بالعناية والحفظ وذلك أن الإنسان
أكثر ما يبغى الصحبة فى السفر يبتغيها للاستيناس بذلك والاستظهار به والدفاع لما ينوبه من النوائب فنبه بهذا القول
على حسن الاعتماد عليه وكمال الاكتفاء عن كل صاحب سواه. قال البغوى. قوله ( أنت الصاحب فى السفر، أى الحافظ
يقال صحبك الله أى حفظك، وقوله سبحانه وتعالى ﴿ولا هم منا يصحبون - ٢١: ٤٣) أى لا يجارون، ومن صحبه الله
١٦٨
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٧ - باب الدعوات فى الأوقات
والخليفة فى الأهل، اللهم إنى أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب فى المال
والأهل، وإذا رجع قالهن، وزاد فيهن ((آئبون تائبون عابدون لربنا حامدون)). رواه مسلم.
لم يضره شتى (والخليفة فى الأهل) الخليفة من ينوب عن المستخلف فيما يستخلفه فيه يعنى الذى يقوم مقام أحد فى إصلاح أمره
والمعنى أنت الذى أرجوه وأعتمد عليه فى غيبتى عن أهلى أن يلم شعتهم ويثقف أودهم ويداوى سقمهم ويحفظ عليهم دينهم وأماتهم
(اللهم إنى أعوذ بك من وعثاء السفر) بفتح الواو وإسكان العين المهملة وبالثاء المثلثة وبالمدأى شدته ومشقته وتعبه وأصله
من الوعث وهو الرمل والمشى فيه يشتد على صاحبه ويشق ويقال رمل أوعث ورملة وعثاء أى لما يشتد فيه السير للينه ثم
قيل للشدة والمشقة وعثاء على التمثيل. وقال التوربشتى: وعثاء السفر مشقته أخذ من الوعث وهو المكان السهل الكثير
الدهس الذى يتعب الماشى فيه ويشق عليه (وكآبة المنظر) قال الجزرى: المنظر هو ما ينظر إليه من أهله وماله وحاله ،
والكآبة بفتح الكاف وبالمد وهى تغير النفس بالانكسار من شدة الهم والحزن يقال كتب كآبة واكتب فهو مكتب
وكئيب ــ انتهى. وقال الشوكانى: الكآبة بالمد التغير والانكسار من مشقة السفر وما يحصل على المسافر من الاهتمام
بأموره - انتهى. والمنظر بفتح الظاء المعجمة مصدر ميمى أى من تغير الوجه بنحو مرض والنفس بالانكارما يعرض
لها فيما يحبه مما يورث الهم والحزن وقيل المراد منه الاستعاذة من كل منظر يعقب الكآبة عند النظر إليه (وسوء
المنقلب) بفتح اللام مصدر ميمى أى من سوء الرجوع (فى المال والأهل) أى من سوء الانقلاب إلى أهله وماله وذلك
بأن يرجع منقوصا مهموما بما يسوده، وقيل أى من أن يعود إلى وطنه فيرى فى أهله وماله ما يسوءه مثل أن يصيب
ماله آفة أو يحد أهله مرضى أو فقد بعضهم ، وقيل أى من أن يطمع ظالم أو فاجر فى المال والأهل (وإذا رجع) أى
الني مَوِّ من سفره إلى أهله (قالهن) أى الكلمات أو الجمل المذكورة وهى اللهم إنا نسألك (وزاد فيهن) أى فى جملتهن
بأن قال بعدهن ( آئبون) بهمزة مدودة بعدها همزة مكسورة اسم فاعل من آب يتوب إذا رجع ، ومن تكلم به بالياء بعد .
الهمزة الممدودة فقد أخطأ كذا قيل أى نحن راجعون من السفر بالسلامة إلى الوطن (تائبون) أى من المعصية إلى
الطاعة (عابدون لربنا حامدون) قال الطيبي: لربنا يجوز أن يتعلق بقوله عابدون لأن عمل اسم الفاعل ضعيف فيقوى به
أو بحامدون ليفيد التخصيص أى نحمد ربنا لا تحمد غيره وهذا أولى لأنه كالخاتمة للدعاء - انتهى. وفى هذا الحديث
استحباب هذا الذكر عند ابتداء الأسفار كلها وقد جاءمت فيه أذكار كثيرة (رواه مسلم) فى المناسك وأخرجه أيضا
أحمد (ج ٢: ص ١٤٥، ١٥١) والترمذى فى الدعوات وأبو داود فى الجهاد والنسائى والدارمى والبغوى فى شرح السنة
(ج ٥: ص ١٤٠) وفى رواية أحمد (ج ٢: ص ١٤٥) والدارمى والترمذى بعد قوله ((فى الأهل» («اللهم أصحبنا فى
سفرنا واخلفنا فى أهلنا)، وكان يقول إذا رجع إلى أهله «آثبون إن شاء الله تائبون عابدون لربنا حامدون، وفى رواية
أبى داود نحوه بزيادة ونقصان يسير وفى آخره «وكان النبي مَثّم وجيوشه إذا علوا الثنايا كبروا وإذا هبطوا سبحوا
فوضعت الصلاة على ذلك».
١٦٩
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٧ - باب الدعوات فى الأوقات
٢٤٤٤ - (٦) وعن عبد الله بن سرجس، قال: كان رسول اللّه مفع إذا سافر يتعوذ من وعثاء
السفر، وكآبة المنقلب، والحور بعد الكور ، ودعوة المظلوم،
٢٤٤٤ - قوله (وعن عبدالله بن سرجس) بفتح السين وكسر الجيم على وزن نرجس مصروفا
(إذا سافر يتعوذ) أى بالله (وكآبة المنقلب) بفتح الكاف وهمزة مدودة أوساكنة كرأفة ورآفة. فى القاموس الكأب
والكأبة والكآبة الغم وسوء الحال والانكسار من حزن والمنقلب بفتح اللام مصدر بمعنى الانقلاب أو اسم مكان والإضافة
ظرفية. قال الخطابي: معناه أن ينقلب إلى أهله كتيا حزينا لعدم قضاء حاجته أو إصابة آفةله أو يجدهم مرضى أو مات
منهم بعضهم. وقال الجزرى: المعنى أنه يرجع من سفره بأمر يحزنه إما أصابه فى سفره وإما قدم عليه مثل أن يعود
غير مقضى الحاجة أو أصابت ماله آفة أو يقدم على أهله فيجدهم مرضى أو قد فقد بعضهم (والحور بعد الكور)
يفتح فسكون فيها والحاء مهملة أى من الانتقاص بعد الزيادة والاستكمال يعنى من نقصان الحال والمال بعد زيادتها
وتمامهما أى من أن ينقلب حالنا من السراء إلى الضراء ومن الصحة إلى المرض وقيل من فساد الأمور بعد صلاحها،
وقيل من التفرق بعد الاجتماع، وأصل الحور نقض العمامة بعد لفها وأصل الكور من تكوير العمامة وهو
لفها وجمعها، وقيل الحور الرجوع عن الجماعة بعد أن كان فيهم، وروى مسلم فى صحيحه ((من الحور بعد الكون» بالنون
مصدر كان يكون كونا من كان التامة دون الناقصة يعنى من النقصان والتغير بعد الثبات والاستقرار. وقيل : معناه
الرجوع عن الحالة المستحسنة بعد أن كان عليها وفى كلامهم حار بعد ما كان يريد كان على حالة جميلة فحار عن ذلك أى
رجع. قال الله تعالى: {إنه ظن أن لن يحور، بلى - ٨٤: ١٤) أى لن يرجع. قال النووى فى شرح مسلم: هكذا هو
فى معظم النسخ من صحيح مسلم ((بعد الكون)) بالنون بل لا يكاد يوجد فى بلادنا إلا بالنون وكذا ضبطه الحفاظ المتقنون فى
صحيح مسلم. وقال فى الأذكار: رواية النون أكثر وهى التى في أكثر أصول صحيح مسلم بل هى المشهورة فيها. قال
الترمذى بعد ذكر الروايتين: وكلاهما له وجه، قال: يا هو الرجوع من الإيمان إلى الكفر أو من الطاعة إلى
المعصية، إنما يعنى الرجوع من شئى إلى شئ من الشر. قال النووى بعد ذكر كلام الترمذى هذا: وكذا قال غيره من
العلماء معناه بالراء والنون جميعا الرجوع من الاستقامة أو الزيادة إلى النقص. قالوا ورواية الراء مأخوذة من
تكوير العمامة وهو لفها وجمعها ورواية النون مأخوذة من الكون مصدر كان يكون كونا إذا وجد واستقر أى
أعوذ بك من النقص بعد الوجود والثبات. قال المازري فى رواية الراء: قيل أيضا أن معناه أعوذ بك من الرجوع
عن الجماعة بعد أن كنا فيها ، يقال: كار عمامته إذا لفها، وحارما إذا نقضها. وقيل نعوذ بك من أن تفسد أمورنا بعد
صلاحها كفساد العمامة بعد استقامتها على الرأس، وعلى رواية النون ، قال أبو عبيد سئل عاصم عن معناه فقال ألم
تسمع قولهم حار بعد ما كان أى إنه كان على حالة جميلة فرجع عنها - انتهى (ودعوة المظلوم) أى أعوذ بك من الظلم
١٧٠
مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٧ - باب الدعوات فى الأوقات
وسوء المنظر فى الأهل والمال. رواه مسلم.
٢٤٤٥ - (٧) وعن خولة بنت حكيم، قالت: سمعت رسول اللّه مثل يقول: من نزل منزلا فقال:
أعوذ بكلمات الله التامات
فإنه يترتب عليه دعاء المظلوم ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب ففيه التحذير من الظلم ومن التعرض لأسبابه،
قال الطيبي: فإن قلت دعوة المظلوم يحترز عنها سواء كانت فى الحضر أو السفر. قلت: كذلك الحور بعد الكور لكن
السفر مظنة البلايا والمصائب والمشقة فيه أكثر لخصت به، أو لأن دعوة المظلوم المسافر الذى لا يلقى الإعانة والإغاثة
أقرب إلى الإجابة لاجتماع الكربة والغربة وعدم الاعانة والإغاثة (وسوء المنظر) بفتح الظاء المعجمة (فى الأهل والمال)
وهو كل ما يسوء النظر إليه وسماعه فيهما. قال الباجى: يريد الاستعاذة من أن يكون فى أهله وماله ما يسوءه النظر إليه،
يقال منظر حسن ومنظر قبيح. وقال القارى: أى من أن يطمع ظالم أو فاجر فى المال والأهل. وقال السندى: المراد
بسوء المنظر كل منظر يعقب النظر إليه سوءا (رواه مسلم) فى المناسك وأخرجه أيضا أحمد (ج ٥: ص ٨٢، ٨٣)
والترمذى فى الدعوات والنسائى فى الاستعاذة وفى السير من الكبرى وفى اليوم والليلة، وابن ماجه فى الدعاء وابن
السنى (ص ١٥٧) والبغوى (ج ٥: ص ١٣٦).
٢٤٤٥ - قوله (وعن خولة) بفتح المعجمة وسكون الواو (بنت حكيم) بن أمية السلمية يقال كنيتها أم شريك
ويقال لها أيضا خريلة بالتصغير صوابية شهيرة يقال إنها كانت من اللاتى وهبن أنفسهن للبي رؤيتى وكانت قبل تحت عثمان
ابن مظعون. قال ابن عبد البر: وكانت صالحة فاضلة روت عن النبي تَّ وعنها سعد بن أبى وقاص وسعيد بن المسيب
وعروة بن الزبير وغيرهما. قال الخزرجى: لها خمسة عشر حديثا انفرد لها مسلم بحديث يعنى الذى نحن بصدد شرحه
قال القارى: وليس لها فى الكتب (أى صحيح مسلم وجامع الترمذى والسنن الكبرى للنسائى وسنن ابن ماجه والموطأ)
سوى هذا الحديث الواحد (من نزل منزلا) فى سفر أو حضر ولا وجه لتقييده بالسفر مع التنكير. قال الزرقانى:
منزلا أى مظنة للهوام والحشرات ونحوهما مما يؤذى ولو فى غير سفر (فقال) فى صحيح مسلم ((ثم قال، وهكذا فى جامع
الأصول والأذكار وكذا وقع عند الترمذى وأحمد في رواية وفى أخرى له (فقال)) وفى رواية لمسلم «إذا نزل أحدكم
منزلا فليقل)، وفى الموطأ وشرح السنة ((من نزل منزلا فليقل)) وهو أمر ندب يدل عليه رواية الكتاب، ورواية أحمد
بلفظ «لو أن أحدكم إذا نزل منزلا قال أعوذ، الحديث (أعوذ) أى اعتصم (بكلمات الله) قال الهروى وغيره الكلمات
هى القرآن وقيل أسماء وصفاته لأن كل واحد منها تامة لا نقص فيها لأنها قديمة والنقصان إنما يكون فى المحدثات.
وقيل هى جميع ما أنزله على أنياء، لأن الجمع المضاف إلى المعارف يعم أى يقتضى العموم (التامات) أى الكاملات التى
١٧١
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٧ - باب الدعوات فى الأوقات
من شر ما خلق. لم يضره شئ حتى يرتحل من منزله ذلك. رواه مسلم.
٢٤٤٦ - (٨) وعن أبى هريرة، قال: جاء رجل إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم
لا يدخل فيها نقص ولا عيب، وقيل هى النافعات الكافيات الشافيات من كل ما يتعوذ منه يعنى أنها تنفع المقولة له
و تحفظه من الآفات و تکفیه. قال الجزری : وصف كلماته بالتمامإذ لا يجوز أن یکون شتى من كلامه ناقصا ولافيه عيب
كما يكون فى كلام الآدميين. وقيل معنى التمام ههنا أن ينتفع بها المتعوذ وتحفظه من الآفات - انتهى. وقال الباجى:
وصفها بالتمام على الإطلاق يحتمل أن يريدبه أنه لا يدخلها نقص وإن كان كلمات غيره يدخلها النقص ، ويحتمل أن يريد
بذلك الفاضلة، يقال فلان تام وكامل أى فاضل، ويحتمل أن يريد به الثابت حكمها، قال تعالى { وتمت كلمة ربك
الحسنى - ٧: ١٣٧﴾ انتهى. قال الخطابي: كان الإمام أحمد يستدل به على أن كلام الله غير مخلوق لأنه مَّمه لا يستعيذ
بمخلوق (من شر ما خلق) عبر بما للتعميم (لم يضره) بفتح الراء وضمها (شئ) أى من المخلوقات. قال المناوى: الشئى
عند أهل السنة الموجود ويدخل فيه الموجودات كلها (حتى يرتحل) أى ينتقل (من منزله ذلك) قال الباجى: يريد أن
تعوذه يتناول مدة مقامه فيه. قال الزرقانى: وشرط نفع ذلك الحضور والنية وهى استحضار أنه مؤلف أرشده إلى
التحصن به وأنه الصادق المصدوق، فلو قاله أحد واتفق أنه ضره شئ فلأنه لم يقله بنية وقوة یقین وليس ذلك خاصا
بمنازل السفر بل عام فى كل موضع جلس فيه أو نام. وقال المناوى: والظاهر حصول ذلك لكل داع بقلب حاضر
وتوجه تام فلا يختص بمجاب الدعوة. قال القارى: فى الحديث رد على ما كان يفعله أهل الجاهلية من كونهم إذا نزلوا
منزلا قالوا نعوذ بسيد هذا الوادى ويعنون به كبير الجن ومنه قوله تعالى فى سورة الجن: ﴿ وأنه كان رجال من الإنس
يعوذون برجال من الجن فزادوم رهقا - ٧٢: ٦﴾ (رواه مسلم) فى الدعاء وأخرجه أيضا البخارى فى خلق أفعال العباد
وأحمد (ج ٦: ص ٤٠٩،٣٧٧) والترمذى فى الدعوات والنسائى فى الكبرى ومالك فى كتاب الجامع من الموطأ
وابن ماجه فى الطب وابن السنى (ص ١٦٨) والدارمى (ص ٣٥٩) والبغوى (ج ٥: ص ١٤٥) وابن أبى شيبة
والطبرانى وزاد البخارى والبغوى فى آخره ((إن شاء الله) وفى الباب عن عبد الرحمن بن عائش أخرجه أبو نعيم فى المعرفة
وفى اليوم والليلة كما فى الاصابة (ج ٢: ص ٤٠٦) وذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (ج ١٠: ص ١٣٣) وقال : رواه
الطبرانى ورجاله رجال الصحيح .
٢٤٤٦ - قوله (جاء رجل إلى رسول اللّه مؤثّة) وفى خلق أفعال العباد والموطأ وشرح السنة عن أبى صالح عن
أبى هريرة ((أن رجلا من أسلم قال: ما نمت هذه الليلة فقال له رسول اللّه مَ فيه من أى شئى؟ فقال لدغتنى عقرب»
الحديث. وهكذا وقع فى رواية لأحمد، وهذا ظاهر فى أن اللديغ رجل من أسلم ، وروى أبو داود عن أبي صالح عن
في بجاء رجل من أصحابه فقال يا رسول الله: لدغت الليلة فلم أنم
وجل من أسلم قال: كنت جالسا عند رسول الله
١٧٢
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٧ - باب الدعوات فى الأوقات
فقال: يا رسول الله! ما لقيت من عقرب لدغتنى البارحة، قال: أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ
بكلمات الله التامات من شر ما خلق. لم تضرك. رواه مسلم.
٢٤٤٧ - (٩) وعنه أن النبي مؤلّ كان إذا كان فى سفر وأسحر يقول: سمع سامح بحمد الله
الحديث. وأخرجه النسائى كذلك، وهذا يدل على أن اللديغ رجل آخر غير الأسلمى ويحتمل أنهما قصتان وقع القصة
مرة للرجل الأسلى وأخرى لغيره، والله تعالى أعلم (فقال يارسول الله ما لقيت) ما استفهامية للتعجب أى أى شئ لقيت
أى لقيت أمرا عظيما ووجعا شديدا أو موصولة والخبر محذوف أى الذى لقيته لا أقدر وصفه لعظم شدته (من عقرب
لدغتنى البارحة) أى الليلة الماضية (قال) أى النبي ◌َ ◌ّ (أما) بفتح الهمزة وخفة الميم (لو قلت) شرطية (من شر ما خلق)
أى من شر خلقه وهو ما يفعله المكلفون من إثم ومضارة بعض لبعض من نحو ظلم وبغى وقتل وضرب وشتم وغيرهم من
نحو لدغ ونهش وعض، وزاد ابن السنى «ثلاثاء أى لو قلت هذا التعوذ ثلاث مرات (لم تضرك) أى العقرب أن يحال
بينك وبين كمال تأثيرها بحسب كمال المتعوذ وقوته وضعفه لأن الأدوية الالهية تمنع من الداء بعد حصوله وتمنع من
وقوعه وإن وقع لم يضره. قال القرطبي: جربت ذلك فوجدته صدقا تركت ليلة فلد غتنى عقرب فتفكرت فإذا أنا نسيت
هذا التعوذ (رواه مسلم) فى الدعاء وأخرجه أيضا أحمد ومالك فى كتاب الجامع من الموطأ وأبوداود فى الطب والنسائى
فى الكبرى وابن ماجه فى الطب وابن السنى فى عمل اليوم والليلة (ص ٢٢٧) والبغوى (ج ٥: ص ١٤٦) وزاد فى آخره
«إن شاء الله، وروى أحمد (ج ٢، ص ١٩١) والترمذى والحاكم (ج ٤: ص ٤١٦) وابن حبان عن سهيل عن أبى
صالح عن أبى هريرة عن النبى مَِّ واللفظ لأحمد قال من قال إذا أمسى ثلاث مرات ((أعوذ بكلمات الله التامات من شر
ما خلق، لم يضره حمة تلك الليلة. قال (سهيل): فكان أهلنا قد تعلموها فكانوا يقولونها فلدغت جارية منهم فلم تجد لها
يوجعا، ورواه الطبرانى بلفظ: من قال إذا أمسى (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شئى. وزاد
أحمد فى آخر حديث سهيل عن أبيه عن رجل من أسلم قال سهيل فكان أبى (أى أبو صالح) إذا لدغ أحد منا يقول:
قالها ؟ فإن قالوا نعم قال : كانه يرى أنها لا تضره .
٢٤٤٧ - قوله (كان إذا كان فى سفر وأسحر) أى دخل فى وقت السحر بفتحتين وهو قبيل الصبح، وقال الزمخشرى
هو السدس الأخير من الليل (سمع سامع بحمد الله) روى سمع بفتح الميم وتشديدها من التسميع بمعنى الاسماع للغير كذا
ضبطه القاضى عياض وصاحب المطالع وأشار إلى أنه رواية أكثر رواة مسلم ، قالا ومعناه بلغ سامع قولى هذا لغيره
وقال مثله تنبيها على الذكر فى السحر والدعاء فى ذلك، وروى بكسر الميم وتخفيفها من السمع وكذا ضبطه الخطابى
وآخرون. قال الخطابي: معناه شهد شاهد وهو أمر بلفظ الخبر يريد به الإشهاد على ما يقوله وحقيقته ليسمع السامع
١٧٣
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٧ - باب الدعوات فى الأوقات
وحسن بلائه علينا، ربنا صاحبنا وأفضل علينا عائذا بالله من النار. رواه مسلم.
٢٤٤٨ - (١٠) وعن ابن عمر، قال: كان رسول اللّه مؤلّ إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة
وليشهد الشاهد حمدنا لله تعالى وحسن بلائه أى إنعامه علينا فإنا نعترف بذلك ونشهده عليه، وقال فى اللعات بعد ذكر
الروايتين: وعلى الوجهين هو خبر بمعنى الأمر فالمعنى على الأول ليبلغ سامع قولى هذا إلى غيره ليسعى إلى الحمد والذكر
والدعاء فى هذا الوقت، وعلى الثانى ليسمع كل من يأتى منه السماع وليشهد على حمدنا لله تعالى، وقال التور بشتى: الحمل على
الخبر أولى وأقوى لظاهر اللفظ، والمعنى أن من كان له سمع فقد سمع بحمدنا وحسن بلائه أى حسن إنعامه وأفضاله علينا
وأن كلا الأمرين أى حمدنا لله تعالى على نعمه وإنعامه علينا قد اشتهر واستفاض حتى لا يكاد يخفى على ذى سمع (وحسن
بلائه علينا) أى حسن إذعامه وأفضاله علينا. قال الجزرى فى جامع الأصول: حسن البلاء النعمة والبلاء الاختبار والامتحان
فالاختبار بالخير ليتبين الشكر وبالشر ليظهر الصبر. وقال التوربشتى: أراد بالبلاء النعمة واللّه سبحانه يبلو عباده تارة
بالمضار ليصبروا وطورا بالمسار ليشكروا ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون - ٢١: ٣٥) فالمحنة والمنحة جميعا
بلاء لمواقع الاختبار وكلاهما نعمة باعتبار حصول الأجر والمنحة أعظم البلائين لا سيما لذوى النفوس الكاملة لأنها
الموجبة للقيام بحقوق الشكر والقيام بها أتم وأصعب وأعلى وأفضل من القيام بحقوق الصبر (ربنا صاحبنا) بسكون
الموحدة صيغة الأمر من المصاحبة أى كن لنا صاحبا بالاعانة والإغاثة والكلاءة والحفظ. قال النووى: أى احفظنا
وحطنا واكلانا ومن صحبه الله لم يضيره شتى (وأفضل علينا) أمر من الإفضال أى أحسن إلينا وتفضل علينا بإدامة
النعمة والتوفيق للقيام بحقوقها (عائذا بالله من النار) اسم فاعل أقيم مقام المصدر كقولهم قم قائما أى قياما فالنصب على
المصدر يعنى نعوذ بالله عياذا، أو حال من فاعل يقول فيكون من كلام الراوى، ويجوز أن يكون من كلام الرسول
فيكون حالا من فاعل فعل مقدر هو أقول بصيغة المتكلم والتقدير: أقول ذلك عائذا بالله من النار، وإليه مال النووى حيث
قال: منصوب على الحال أى أقول هذا فى حال استعاذتى واستجارتى بالله من النار (رواه مسلم) فى الدعاء وأخرجه أيضا
أبو داود فى الأدب والنسائى وابن السنى (ص ١٦٤) والحاكم (ج ١: ص ٤٤٦) وأبو عوانة ، وزاد أبو داود
والحاكم بعدقوله بحمده «وفعمته)) وزاد أيضا الحاكم وأبو عوانة «يقول ذلك ثلاث مرات ويرفع بها صوته، كذا فى الحصن.
٢٤٤٨ - قوله (إذا قفل) بقاف ثم فاء أى رجع وزنه ومعناه، ومنه تسمى القافلة ، فى النهاية : قفل أى عاد من
سفره وقد يقال للسفر قفول فى الذهاب والجئ وأكثر ما يستعمل فى الرجوع (من غزو أو حج أو عمرة) كانه قصد
استيعاب أنواع سفره مَّ ببيان أنه لا يخرج عن هذه الثلاثة وإلا فظاهره اختصاص ذلك بهذه الأمور الثلاث
وليس الحكم كذلك عند الجمهور بل يشرع قول ذلك فى كل سفر إذا كان سفر طاعة كصلة الرحم وطلب العلم لما يشمل
الجميع من اسم الطاعة وقيل يتعدى أيضا إلى المباح لأن المسافر فيه لا ثواب له فلا يمتنع عليه فعل ما يحصل له الثواب
١٧٤
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ -ڪتاب الدعوات
٧ - باب الدعوات فى الأوقات
يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له،
له الملك، وله الحمد، وهو على كل شئى قدير، آثبون، تائبون ، عابدون، ساجدون لربنا حامدون،
وقيل يشرع فى سفر المعصية أيضا لأن مرتكبها أحوج إلى تحصيل الثواب من غيره، وهذا التعليل متعقب لأن الذى
يخصه بسفر الطاعة لا يمنع من سافر فى مباح ولا فى معصية من الإكثار من ذكر الله وإنما النزاع فى خصوص هذا
الذكر فى هذا الوقت الخصوص فذهب قوم إلى الاختصاص لكونها عبادات مخصوصة شرع لها ذكر مخصوص فتختص
به كالذكر المأثور عقب الأذان وعقب الصلاة وإنما اقتصر الصحابى على الثلاث لانحصار سفر النبى مؤ تم فيها (يكبر)
أى يقول الله أكبر (على كل شرف) بفتح المعجمة والراء بعدها فاء وهو المكان العالى، قال الجزرى: الشرف ما ارتفع
من الأرض. ووقع فى رواية مسلم بلفظ «إذا أو فى (أى ارتفع وعلا وأشرف واطلع) على ثنية (بمثلثة ثم نون ثم
تحتانية مشددة هى العقبة فى الجبل وقيل المرتفع من الأرض كالنشر والرابية وقيل هو طريق بين جبلين) أو فدفد))
(بفتح الفاء بعدها دال مهملة ثم فاء ثم دال والأشهر تغيره بالمكان المرتفع، وقيل هو الأرض المستوية وقيل الفلاة
الخالية من شجر وغيره وقيل غليظ الأودية ذات الحصى، وقيل الجلد من الأرض فى ارتفاع وجمعه فداند) قال الطيبي:
وجه التكبير على الأماكن العالية هو استحباب الذكر عند تجدد الأحوال والتقلبات وكان مَّم يراعى ذلك فى الزمان
والمكان لأن اختلاف أحوال العبد فى الصباح والمساء والصعود والهبوط وما أشبه ذلك مما ينبغى أن لا ينسى ربه عند
ذلك فإنه هو المتصرف فى الأشياء بقدرته المدبر لها قبل صنعه - انتهى. وقال الزين العراقى: مناسبة التكبير على المرتفع
أن الاستعلاء مجوب النفس وفيه ظهور وغلبة فينبغى التلبس به أن يذكر عنده أن الله أكبر من كل شئ ويشكر له ذلك
ويستمطر منه المزيد (ثم يقول لا إله إلا الله) إلخ. قال الحافظ: يحتمل أنه كان يأتى بهذا الذكر عقب النكبير وهو على
المكان المرتفع ويحتمل أن التكبير يختص بالمكان المرتفع وما بعده إن كان متسعا أكمل الذكر المذكور فيه وإلا فإذا
هبط سبح كما فى حديث جابر (الآتى فى أواخر الفصل الثالث من هذا الباب) ويحتمل أن يكمل الذكر مطلقا عقب التكبير
ثم يأتى بالتسبيح إذا هبط. قال القرطبي: وفى تعقيب التكبير بالتهليل إشارة إلى أنه المنفرد بإيجاد جميع الموجودات وأنه
المعبود فى جميع الأماكن ( آثبون) بالرفع خبر مبتدأ محذوف أى نحن آثبون أى راجعون وليس المراد الاخبار
بمحض الرجوع فإنه تحصيل الحاصل بل الرجوع فى حالة مخصوصة وهى تلبسهم بالعبادة المخصوصة والاتصاف
بالأوصاف المذكورة (تائبون) أى إلى ربنا من التوبة وهى الرجوع عما هو مذموم إلى ما هو محمود شرعا وفيه إشارة إلى
التقصير فى العبادة قاله رؤيته على سبيل التواضع أو تعليما لأمته أو المراد أمته وقد تستعمل التوبة لإرادة الاستمرار على
الطاعة فيكون المراد أن لا يقع منهم ذنب (عابدون ساجدون لربنا حامدون) كلها رفع بتقدير نحن والجار والمجرور
١٧٥
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٧ - باب الدعوات فى الأوقات
صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. متفق عليه.
٢٤٤٩ - (١١) وعن عبد الله بن أبى أوفى، قال: دعا رسول اللّه ◌َفّ يوم الأحزاب على المشركين
فقال :
متعلق بهامدون أو بساجدون أو بهما أو بالصفات الخمسة على طريق التنازع (صدق الله وعده) أى فيما وعد به
من إظهار دينه فى قوله ﴿ وعدكم الله مغانم كثيرة - ٤٤٨ ٢٠°) وقوله: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات
ليستخلفنهم فى الأرض - ٢٤: ٥٥) الآية. وهذا فى سفر الغزو ومناسبته السفر الحج والعمرة قوله تعالى: ﴿لتدخلن المسجد
الحرام إن شاء الله آمنين - ٤٨: ٢٧﴾ (ونصر عبده) يريد نفسه الكريمة (وهزم الأحزاب وحده) أى من غير فعل
أحد من الآدميين ، والمختلف فى المراد بالأحزاب هنا فقيل هم كفار قريش ومن وافقهم من العرب واليهود الذين تحزبوا
أى تجمعوا فى غزوة الخندق ونزلت فى شأنهم سورة الأحزاب، وقيل المراد أعم من ذلك أى أحزاب الكفار فى جميع
الأيام والمواطن. قال النووى: والمشهور الأول ، وقيل فيه نظر لأنه يتوقف على أن هذا الذكر إنما شرع من بعد
الخندق، وأجيب بأن غزوات النبي ◌ُوضع التى خرج فيها بنفسه محصورة والمطابق منها لذلك غزوة الخندق والأصل فى
الأحراب أنه جمع حزب وهو القطعة المجتمعة من الناس ، فاللام إما جنسية أى كل من تحزب من الكفار وإما عهدية
والمراد من تقدم وهو الأقرب، قاله الحافظ. وقال القارى: قوله وهزم الأحزاب أى القبائل المجتمعة من الكفار لحرب
النبي ◌ُّ وكانوا اثنى عشر ألفا توجهوا من مكة إلى المدينة واجتمعوا حولها سوى من انضم إليهم من اليهود ومضى
عليهم قريب من شهر لم يقع بينهم حرب إلا الترامى بالنبل والحجارة زعما منهم أن المؤمنين لم يطبقوا مقابلتهم فلا بد
أنهم يهربون فأرسل الله عليهم ريحا فى ليلة شاتية سفت التراب على وجوههم وأطفأت نيرانهم وقلعت أونادهم وأكفأت
قدورهم وأرسل الله ألفا من الملائكة فكبرت فى ذوائب عسکرهم نهاصت الخيل وقذف فى قلوبهم الرعب فانهزموا ونزل
قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذجاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها - ٣٣: ٩)
قال الزرقانى: وفى الحديث جواز السجع فى الدعاء والكلام بلا تكلف وإنما ينهى عن التكلف لأنه يشغل عن الإخلاص
ويقدح فى النية (متفق عليه) أخرجه البخارى فى أواخر أبواب العمرة من كتاب الحج وفى الجهاد و فى المغازى وفى الدعوات
ومسلم فى الحج، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢: ص ٦، ١١، ٢٢٠١٦، ٣٩، ٦٤، ١٠٦) ومالك فى جامع الحج من الموطأ
وأبو داود فى الجهاد والنسائى فى السير وفى اليوم والليلة وابن السنى (ص ١٦٥، ١٦٦، ١٦٩) ونسبه الجزرى فى
جامع الأصول وابن الجزرى فى الحصن والسيوطى فى الجامع الصغير للترمذى أيضا ولم يذكر المنذرى فى محمصر السنن
والنابلسى فى ذخائر المواريث والعينى فى العمدة الترمذى فى من خرج هذا الحديث.
٢٤٤٩ - قوله (دعا رسول اللّه مَ اللّه يوم الأحزاب) أى فى غزوة الخندق (فقال) تفسير لقوله دعا أودعا بمعنى
١٧٦
٠
مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٧ - باب الدعوات فى الأوقات
اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اللهم اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم. متفق عليه .
أراد الدعاء (اللهم) أى يا الله يا (منزل الكتاب) من الانزال وقيل من التنزيل والمراد بالكتاب القرآن وقيل الجنس
فيشمل سائر الكتب المنزلة على الأنبياء (سريع الحساب) يعنى يا سريع الحساب. قال الكرمانى: إما أن يراد به أنه
سريع حسابه بمجئى وقته وإما أنه سريع فى الحساب أى مسرع حساب الخلق يوم القيامة. قال السندى: قوله ((منزل
الكتاب سريع الحساب، لكونهما للفصل بين الحق والباطل يقتضيان دفع أهل الباطل وهدم بنيانهم فينبغى التوسل بهما
لذلك -انتهى. ووقع فى رواية للشيخين ((منزل الكتاب مجرى السحاب هازم الأحزاب، قيل أشار هذا الدعاء إلى وجوه النصر
عليهم فبالكتاب إلى القرآن الموعود فيه بالنصر على الكفار قال تعالى: ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزم ونصركم
عليهم - ٩: ١٤) فيكون المراد شدة الطلب للنصر كنصره هذا الكتاب بخذلان من يكفر به ويححده وبمجرى السحاب
إلى القدرة الظاهرة فى تسخير السحاب تنبيها على سرعة إجراء ما يقدره فإنه قدر جريان السحاب على أسرع حال وكأنه
يسأل بذلك سرعة النصر والظفر وبهازم الأحزاب إلى تجريد التوكل واعتقاد أن الله هو المنفرد بالفعل من غير حول منا
ولا قوة. قال القسطلانى: أو المراد التوسل إليه بنعمه فأشار بالأولى إلى نعمة الدين بإنزال الكتاب وبالثانية إلى نعمة
الدنيا وحياة النفوس بإجراء السحاب الذى جعله سببا فى نزول الغيث والأرزاق، وبالثالثة إلى أنه حصل بها حفظ
النعمتين فكأنه قال: اللهم كما أنعمت بعظيم نعمتك الأخروية والدنيوية وحفظهما فأبقهما وقد وقع هذا السجع اتفاقا من غير
قصد - انتهى. وقال الحافظ: وفيه أى فى هذا الدعاء التنبيه على عظم هذه النعم الثلاث فإن بإنزال الكتاب حصلت النعمة
الأخروية وهى الإسلام وباجراء السحاب حصلت النعمة الدنيوية وهى الرزق وبهزيمة الأحزاب حصل حفظ النعمتين
وكأنه قال اللهم كما أنعمت بعظيم النعمتين الأخروية والدنيوية وحفظها فأبقهما (اللهم اهزم الأحزاب) أى ا كسرهم
وبدد شملهم فهزمهم الله تعالى بأن أرسل عليهم ريحا وجنودا لم تروها كما ورد فى سورة الأحزاب (اللهم اهزمهم)
تأكيد وتعميم (وزلزلهم) قال النووى أى ازعجهم وحركهم بالشدائد قال أهل اللغة الزلزال والزلزلة الشدائد التي تحرك
الناس. وقال الحافظ: المراد الدعاء عليهم إذا انهزموا أن لا يستقر لهم قرار، وقال الداودى أراد أن تطيش عقولهم وترعد
أقدامهم عبد اللقاء فلا يثبتوا ، قال القسطلانى: إنما خص الدعاء عليهم بالهزيمة والزلزلة دون أن يدعو عليهم بالهلاك لأن
الهزيمة فيها سلامة نفوسهم وقد يكون ذلك رجاء أن يتوبوا من الشرك ويدخلوا فى الإسلام، والإهلاك الماحق لهم
مغوت لهذا المقصد الصحيح، وفى رواية الاسماعيلى فى هذا الحديث من وجه آخر زيادة فى هذا الدعاء وهى أنه مؤقّ.
دعا أيضا فقال: اللهم أنت ربنا وربهم ونحن عبيدك وهم عبيدك نواصينا ويواصيهم بيدك فاهزمهم وانصرنا عليهم
(متفق عليه) أخرجه البخارى فى الجهاد والمغازى والدعوات والتوحيد ومسلم فى الجهاد وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤ :
ص ٣٥٣ ، ٣٥٤، ٣٨١) والترمذى وأبو داود فى الجهاد والنسائى فى السير وفى عمل اليوم والليلة و ابن ما جه فى الجهاد
والحميدى فى مسنده (ج ٢: ص ٣١٤) والبغوى فى شرح السنة (ج ): ص ١٥٢).
١٧٧
مر عاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٧ - باب الدعوات فى الأوقات
٢٤٥٠ - (١٢) وعن عبد الله بن بسر، قال :- نزل رسول اللّه محد ◌ّ على أبى، فقربنا إليه طعاماً و
وطبة، فأكل منها ثم أتى بتمر فكان يأكله ويلقى النوى بين إصبعيه، ويجمع السبابة والوسطى،
وفى رواية
٢٤٥٠ - قوله (وعن عبد الله بن بسر) بضم الموحدة وإسكان الباء (نزل رسول اللّه تَطِيع) أى ضيفا (على أبى)
أى والدى (فقربنا إليه طعاماً ووطبة) بواو مفتوحة وطاء ساكنة فموحدة فى جميع نسخ المشكاة. قال النضر: الوطبة
الحيس يجمع بين التمر والأقط والسمن. قلت: روى هذا اللفظ فى صحيح مسلم على وجوه شتى. واختلف فى أنه أيها أصح
قال القاضى عياض فى المشارق فى حرف الواو وطيئة بفتح الواو وكسر الطاء بعدها همزة ممدودة (كسفينة) هو التمر
يخرج نواه ويعجن باللبن. وقال ابن دريد: هى عصيدة التمر. وقال ابن قتيبة هى الغرارة يكون فيها القديد والكعك
وغيره، قيل الوطيئة على وزن وثيقة هى الصحيح وهى طعام كالحيس سمى به لأنه يوطأ باليد أى يمرس وقيل هو سقاء
الابن ورد بأنه لا يؤكل منها بل يشرب إلا أن يقال بأنه غلب الأكل على الشرب وبأن قوله ثم أتى بشراب ينافيه إلا أن
يراد به الماء وروى وطئة بفتح الواو وكسر الطاء بعدها همزة غير محدودة قال النووى: ونقل القاضى عياض عن
رواية بعضهم فى صحيح مسلم وطئة بفتح الواووكسر الطاء بعدها همزة وادعى أنه الصواب وهكذا ادعاه آخرون، والوطئة
بالهمز عند أهل اللغة طعام يتخذ من التمر كالحيس وروى السمر قندى رطبة بضم الراء وفتح الطاء بعدها موحدة واحدة
الرطب وكذا ذكر الحميدى وقال هكذا جاء فيما رأينا من نسخ مسلم رطبة بالراء وهو تصحيف من الراوى وإنما هو
بالواو وهذا الذى ادعاه على نسخ مسلم هو فيما رآه وإلا فأكثرها بالواو كما قال النووى والجزرى وقال النووى: قوله
وطة بالواو وإسكان الطاء وبعدها باء موحدة وهكذا رواه النضر بن شميل هذا الحديث عن شعبة والنضر إمام من أئمة اللغة
وفسره النضر بأنه الحيس يجمع التمر البرنى والأقط المدقوق والسمن وكذا ضبطه أبو مسعود الدمشقى وأبو بكر البرقانى
وآخرون وهكذا هو عندنا فى معظم النسخ ثم ذكر النووى رواية الرطبة ووهنها قيل وعلى الروايات يحمل الطعام على الخبز
(فأكل منها) أى من الوطبة. قال القارى: وكان الظاهر أن يقال منهما أو منه بتأويل المذكور فهو من قبيل (والذين
يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله -٩: ٣٤) فى رجع الضمير إلى أقرب ما ذكر وترك الآخر للوضوح
فهو من باب الاكتفاء (ثم أتى بتمر) أى جتى به (ويلقى) بضم أوله (النوى) جنس النواة (بين إصبعيه) بتثليث الهمزة
والموحدة ففيه تسع لغات والأشهر كسر الهمزة وفتح الموحدة (ويجمع السبابة) أى المسبحة (والوسطى) قال النووى:
قوله ((ويلقى النوى بين إصبعيه)) أى يجعله بينهما لقلته ولم يلقه فى إناء التمر اثلا يختاط بالتمر، وقيل كان يجمعه على ظهر
الإصبعين ثم يرمي به. قلت: ويؤيد الثانى ما وقع فى رواية أحمد (ج ٤ ص ١٨٨) وابن السنى (ص ١٥٢) ((فكان
يأكل التمر ويضع النوى على ظهر إصبعيه ثم يرمى به، ويؤيده أيضا الرواية الآتية (وفى رواية) هذه الرواية ليست فى
١٧٨
مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٧ - باب الدعوات فى الأوقات
«فجعل يلقى النوى على ظهر إصبعيه السبابة والوسطى، ثم أتى بشراب فشربه، فقال أبى وأخذ
بلجام دابته: أدع اللّه لنا، فقال: اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، واغفرلهم، وارحمهم. رواه مسلم.
﴿ الفصل الثانى
٢٤٥١ - (١٣) عن طلحة بن عبيد اللّه، أن النبى معَّ كان إذا رأى الهلال قال: اللهم أهله
صحيح مسلم بل هى فى سنن أبي داود (جعل يلقى النوى على ظهر إصبعيه السبابة والوسطى) بالجر بدل أو بيان ويجوز
الرفع والنصب وفى رواية لأحمد وكذا الترمذى ((فكان يأكله ويلقى النوى بإصبعيه يجمع السبابة والوسطى، قال
السيوطى: لم يلق النوى فى إناء التمر لأنه مَّ نهى أن يجعل الآ كل النوى على الطبق. رواه البيهقى وعلله الترمذى بأنه
قد يخالطه الريق ورطوبة الفم فإذا خالطه ما فى الطبق عافته النفس، كذا فى فتح الودود (ثم أتى) بصيغة المجهول (بشراب)
أى بماء أو ما يقوم مقامه، وفى جميع الروايات بعد ذلك «تم ناوله الذى عن يمينه، وفيه أن الشراب ونحوه يدار على
اليمين (وأخذ) أى وقد أخذ، جملة حالية معترضة بين القول والمقول وأخذ منه أن يسن أخذ ركاب الأكابر ولجامه
والضيف تواضعا واستمالة (ادع الله لنا) إلخ، فيه أنه ينبغى للضيف أن يسأل الدعاء من الضيف ، وفيه استحباب طلب
الدعاء من الفاضل ودعاء الضيف بتوسعة الرزق والمغفرة والرحمة، وقد جمع مَيثة فى هذا الدعاء خيرات الدنيا والآخرة
قاله النووى (واغفر لهم) أى ذنوبهم (وارحمهم) بالتفضل عليهم بالواوين فيهما فى جميع نسخ المشكاة ، وهكذا وقع عند
أحمد والترمذى وأبي داود. قال الجزرى: والذى رويناه فى جميع أصول مسلم ، فاغفر لهم) بالفاء وكذلك (فارحمهم)»
فى أكثرها (رواه مسلم) فى الأشربة وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤ ص ١٨٧، ١٨٨، ١٨٩، ١٩٠) والترمذى فى
الدعوات وأبو داود فى الأشربة والنسائى فى اليوم والليلة وابن أبى شيبة وابن السنى فى اليوم والليلة (ص ١٥٢).
٢٤٥١ - قوله (عن طلحة بن عبيد الله) التيمى المدنى أحد العشرة المبشرة (كان إذا رأى الهلال) الهلال يكون
• أول ليلة والثانية والثالثة ثم هو قمر وقال فى القاموس: الهلال غرة القمر أو لليلتين أو إلى ثلاث أو إلى سبع وليلتين
من آخر الشهر ست وعشرين وسبع وعشرين وفى غير ذلك قمر - انتهى. والمشهور أنه من أول الشهر إلى ثلاث
واقتصر عليه فى المهذب ، وإنما قيل له هلال لأن الناس يرفعون أصواتهم بالاخبار عنه من الاهلال الذى هو رفع
الصوت (اللهم أهله) بفتح الهمزة وكسرالها وتشديد اللام مفتوحة دعاء بصيغة الأمر من الإهلال قال الجزرى: أهل الهلالُ
وأُهِل واستهل إذا رؤى وأبصر وأهله اللّه أطلعه وأهلته إذا أبصرته، وأصل الإهلال رفع الصوت كأنهم إذا رأوا
الهلال رفعوا أصواتهم بالتكبير ومنه الإهلال فى الإحرام وهو رفع الصوت بالتلبية، قال الطبي: أهله يروى مدغما
١٧٩
مرعاة المفاتيح ج٨
٩ - كتاب الدعوات
٧ - باب الدعوات فى الأوقات
علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام ربي وربك الله. رواه الترمذى، وقال: هذا حديث
حسن غريب .
ومفكوكا أى أطلعه (علينا) مقترنا (بالأمن) كذا فى جميع نسخ المشكاة وكذا فى المصابيح والمستدرك (ج ٤ ص٢٨٥)
وهكذا وقع فى بعض نسخ الترمذى والدارمى وابن السنى ووقع فى بعض نسخ هذه الكتب الثلاثة باليمن بالياء مضمومة
وهكذا وقع فى المسند وهو البركة ، قال الحكيم الترمذى: اليمن السعادة والايمان الطمأنينة باللّه كانه يسأل دوامهما
والسلامة والإسلام أن يدوم الإسلام ويسلم له شهره فإن لله تعالى فى كل شهر حكمة وقضاء وشأنا فى الملكوت - انتهى
(والايمان) أى بدوامه وكماله (والسلامة) أى عن كل مضرة وسوء (والا سلام) أى دوامه. قال القاضى: الإهلال
فى الأصل رفع الصوت ثم نقل إلى رؤية الهلال لأن الناس يرفعون أصواتهم إذا رأوه بالاخبار عنه ولذلك سمى الهلال
هلالا نقل منه إلى طلوعه لأنه سبب لرؤيته ومنه إلى إطلاعه، وهو فى الحديث بهذا المعنى أى أطلعه علينا وأرنا إياه
مقترنا بالأمن والإيمان أى باطنا والسلامة والإسلام أى ظاهرا ونبه بذكر الأمن والسلامة على دفع كل مضرة
وبالإيمان والإسلام على جلب كل منفعة على أبلغ وجه وأوجز عبارة (ربي وربك الله) خطاب الهلال على طريق
الالتفات ولما توسل به لطلب الأمن والايمان دل على عظم شأن الهلال فقال ملفتا إليه ربي وربك الله تنزيها للخالق أن
يشارك فى تدبير ما خلق وردا للأقاويل الداحضة فى الآثار العلوية. وفى الحديث تنبيه على أن الدعاء مستحب عند
ظهور الآيات وتقلب أحوال النيرات وعلى أن التوجه فيه إلى الرب لا إلى المربوب والالتفات فى ذلك إلى صنع الصانع
لا إلى المصنوع ، ذكره التوربشتى. وقال الشوكانى: فى الحديث مشروعية الدعاء عند رؤية الهلال بما اشتمل عليه هذا
الحديث (رواه الترمذى) فى الدعوات وأخرجه أيضا أحمد (ج ١: ص ١٦٣) والدارمى فى أول الصوم والحاكم فى
الأدب (ج :: ص ٢٨٥) والبخارى فى التاريخ الكبير (٢، ١، ١٠٩) فى ترجمة بلال بن يحى بن طاحة وابن السنى
(ص ٢٠٧) والبغوى (ج ٥: ص ١٢٨) ونسبه فى الحصن لابن حبان أيضا، قال الشوكانى : وزاد ابن حبان بعد قوله
والاسلام ((والتوفيق لما تحب وترضى)، والحديث رواه كلهم من طريق سليمان بن سفيان المدينى عن بلال بن يحيى بن طلحة
ابن عبيد اللّه عن أبيه عن جده طلحة بن عبيد الله (وقال: هذا حديث حسن غريب) وقال الشيخ أحمد شاكر فى شرح
المسند (ج ٢: ص ٣٦٥): إسناده حسن ورمز لحسنه السيوطى فى الجامع الصغير وسكت عنه الحاكم والذهبي. قلت:
سلمان بن سفيان ضعفه ابن معين وأبو حاتم والنسائى وغيرهم، وفى التهذيب (ج ٤: ص ١٩٤) عن الترمذى فى العلل
المفردة عن البخارى ((منكر الحديث)) وفيه أيضا أن ابن حبان ذكره فى الثقات وقال («كان يخطئى)) وهذا أعدل ما فيه.
قال ورواه البخارى فى الكبير فى ترجمة بلال ولم يذكر له علة ولذلك رجحنا تحسينه إلا أن البخارى لم يذكر سليمان بن
سفيان فى الضعفاء - انتهى. وقال المناوى فى فيض القدير (ج ٥: ص ١٣٦) بعد نقل تحسين الترمذى: وهو مستند.
١٨٠
1