Indexed OCR Text
Pages 1-20
◌ِ اللَّهُ العَزِ الرَّةُ
(٤) باب الاستغفار والتوبة
(باب الاستغفار) أى طلب المغفرة، وقد سبق بيان معناها عند شرح اسم الله الغفار فى حديث الأسماء
الحسنى فارجع اليه. وقال الحافظ: الاستغفار استفعال من الغفران، وأصله الغفر، وهو الباس الشىء ما يصونه
عمايدنسه وتدنيس كل شىء بحسبه ، والغفران من الله للعبد أن يصونه من العذاب - انتهى. قال القارى: الاستغفار
قد يتضمن التوبة وقد لا يتضمن ولذا قال (والتوبة) أو الاستغفار باللسان والتوبة بالجنان، وهى الرجوع من
المعصية إلى الطاعة والمغفرة منه تعالى لعبده ستره لذنبه فى الدنيا بأن يطلع عليه أحدا ، وفى الآخرة بأن لا يعاقبه
عليه. قال الطيبي : والتوبة فى الشرع ترك الذنب لقبحه والندم على ما فرط والعزيمة على ترك المعاودة وتدارك
ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالاعادة هذا كلام الراغب ، وزاد النووى وقال إن كان الذنب متعلقا بيبنى آدم
فلها شرط آخر، وهو رد المظلمة إلى صاحبها، أو تحصيل البراءة منه، وقال ابن القيم فى مدارج السالكين
(ج ١ ص ١٦٩) فى الكلام على تفسير التوبة المطلقة، وكثير من الناس إنما يفسر النوبة بالعزم على أن لا يعاود
الذنب ، وبالاقلاع عنه فى الحال، وبالندم عليه فى الماضى، وإن كان فى حق آدمى فلابد من أمر رابع وهو التحلل
منه، وهذا الذى ذكروه بعض مسمى التوبة بل شرطها، وإلى فالتوبة فى كلام الله ورسوله كما تتضمن ذلك تتضمن
العزم على فعل المأمور والتزامه، فلا يكون بمجرد الاقلاع والعزم والندم تائبا حتى يوجد منه العزم الجازم على
فعل المأمور والاتيان به، هذا حقيقة التوبة، وهى اسم مجموع الأمرين لكنها إذا قرنت بفعل المأمور كانت
عبارة عما ذكروه، فإذا أفردت تضمنت الأمرين ، وهى كلفظة التقوى التى عند أفرادها تقتضى فعل ما أمر الله
به، وترك ما نهى الله عنه، وعند اقترانها بفعل المأمور تقتضى الانتهاء عن المحظور، فان حقيقة التوبة الرجوع
إلى الله بالتزام فعل ما يحب، وترك ما يكره، فهى رجوع من مكروه إلى محبوب، فالرجوع إلى المحبوب جزء
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
مسماها ، والرجوع عن المكروه الجزء الآخر، ولهذا علق سبحانه الفلاح المطلق على فعل المأمور وترك المحظور
بها فمال ﴿ وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون - النور: ٣١) فكل تائب مفلح ولا يكون مفلحا
إلا من فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه. وقال تعالى ﴿ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون - الحجرات: ١١ ) وتارك
المأمور ظالم كما ان فاعل المحظور ظالم، وزوال اسم الظلم عنه بالتوبة الجامعة الأمرين، قال وإنما سمى التائب
تائبا لرجوعه إلى أمر الله من نهيه وإلى طاعته من معصيته كما تقدم فإذا التوبة هى حقيقة دين الاسلام والدين
كله داخل فى مسمى التوبة، وبهذا استحق النائب أن يكون حبيب الله فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين. وإنما
يحب اللّه من فعل ما أمر به وترك مانهى عنه، فإذا التوبة هى الرجوع بما يكرهه الله ظاهراً وباطنا الى ما يحبه ظاهراً
وباطناً، ويدخل فى مسماها الاسلام والايمان والاحسان وتتناول جميع المقدمات. قال ابن القيم: (مشيراً الى
الفرق بين الاستغفار والتوبة) وأما الاستغفار فهونوعان مفردومقرون بالتوبة فالمفرد كقول نوح عليه السلام
لقومه ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً - نوح: ١١،١٠) وكقول صالح عليه السلام لقومه
﴿أو لا تستغفرون الله لعلكم ترحمون - النمل: ٤٦) وكقوله تعالى ﴿واستغفروا الله إن الله غفور رحيم - المزمل:
٢٠) وقوله (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون - الأنفال: ٣٣) والمقرون.
كقوله تعالى ( وأن استغفروا ربكم ثم توبوا اليه يمتعكم مناعا حسنا إلى أجل مسمى ويوت كل ذي فضل فضله۔
هود: ٣) وقول صالح لقومه ( استغفروا ربكم ثم توبوا ، الیه إن ربی قریب مجيب - هود : ٥٢ ،٦١} وقول
شعيب ﴿واستغفروا ربكم ثم توبوا اليه إن ربى رحيم ودود .: هود٩٠) فالاستغفار المفرد كالتوبة بل هو
التوبة بعينها مع تضمنه طلب المغفرة من الله وهو محو الذنب وازالة أثره ووقاية شره، لا كما ظنه بعض
الناس إنها الستر فان الله يستر على من يغفر له، ومن لا يغفر له، ولكن الستر لازم مسماها أو جزءه، فدلالتها
عليه إما بالتضمن وإما باللزوم، وحقيقتها وقاية شر الذنب، ومنه المغفر لما يقى الراس من الأذى، والستر لازم
لهذا المعنى، وإلا فالعمامة لا تسمى مغفرا ولا القبع ونحوه مع ستره فلابد فى لفظ المنفر من الوقاية. وهذا
الاستغفار الذى يمنع العذاب فى قوله ( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون - الأنفال: ٣٣) فان الله لا يعذب
مستغفراً. وأما من أصر على الذنب وطلب من اللّه مغفرته فهذا ليس باستغفار مطلق، ولهذا لا يمنع العذاب
فالاستغفار يتضمن التوبة، والتوبة تتضمن الاستغفار، وكل منهما يدخل فى مسمى الآخر عند الاطلاق . وأما عند
اقتران إحدى اللفظتين بالأخرى فالاستغفار طلب وقاية شرما مضى، والتوبة والرجرع طلب وقاية شرما يخافه
فى المستقبل من سيآت أعماله فها هنا ذنبان. ذنب قد مضى فالاستغفار طلب وقاية شره، وذنب يخاف وقوعه
فالتوبة العزم على أن لا يفعله والرجوع إلى الله يتناول النوعين. رجوع اليه ليقيه شرما مضى، ورجوع اليه ليقيه شرما
٢
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
يستقبل من شر نفسه وسيئات أعماله، وأيضاً فإن المذنب بمنزلة من ارتكب طريقا تؤديه إلى هلاكه ولا توصله إلى
المقصود فهو مأموران يوليها ظهره ويرجع إلى الطريق التى فيها نجاته، وتوصله إلى مقصوده و فيها فلاحه نههنا
أموال لابد منهما مفارقة شئى. والرجوع إلى غيره لخصت التوبة بالرجوع والاستغفار بالمفارقة، وعند أفرادهما
يتناول الأمرين، ولهذا والله اعلم جاء الأمر بهما مرتبا بقوله ﴿ واستغفروا ربكم ثم توبوا اليه - هود: ٩٠)
فانه الرجوع إلى طريق الحق بعد مفارقة الباطل ، وأيضا فالاستغفار من باب إزالة الضرر والتوبة طلب جلب
المنفعة، فالمغفرة أن يقيه شر الذنب، والتوبة أن يحصل له بعد الوقاية ما يحبه ، وكل منهما يستلزم الآخر عند أفراده
والله أعلم وقيل فى الفرق بينهما إن التوبة لا تكون إلا لنفسه أى لما اجترحته نفسه خاصة من الآثام بخلاف
الاستغفار، فإنه يكون لنفسه ولغيره أو لغيره فقط كما قال تعالى: ﴿والذين جاء ومن بعده يقولون ربنا أغفر لنا
ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان - الحشر: ١٠) وقال تعالى حاكيا عن الملائكة (ويستغفرون الذين آمنوا
ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا - غافر: ٧) وإن التوبة هى الندم على مافرط فى الماضى، والغرم
على الامتناع منه فى المستقبل، والاستغفار طلب الغفران لما ضدو منه ولا يجب فيه الغرم فى المستقبل هذا. والتوبة
أحكام لا يليق بالعبد جهلها ذكر ابن القيم نبذا منها فى مدارج السالكين شرح منازل السائرين (ج ١ ص ١٥٠،
١٦٩) فعليك أن تطالعه وأضف إلى ذلك مطالعة كتاب التوبة من الاحياء الغزالى. وقد عقد ابن القيم فى
المدارج (ج ١ ص ١٧٢ - ١٧٣) فصلا لإيضاح الفرق بين الذنب والسيئة والتكفير والمغفرة طالعه أيضا مع
ما تعقبه وعلق عليه محشيه وقد ذكر صاحب المنازل أسرارا التوبة بسط ابن القيم الكلام فى شرح السر الأول
وتوضيحه أحببنا ايراده لغاية حسنه ولطاقته. قال صاحب المنازل: ولطائف أسرار التوبة ثلاثة أشياء أولها أن
ينظر الجناية والقضية فيعرف مراد الله فيها اذ خلاك وإتيانها، فإن الله عز وجل إنما خلى العبد والذنب المعنيين.
أحدهما أن يعرف عزته فى قضاءه وبره فى ستره وحلبه فى إمهال راكبه وكرمه فى قبول العذر منه وفضله فى
مغفرته. الثانى أن يقم على عبده حجة عدله فيعاقبه على ذنبه بحجته. قال ابن القيم فى شرح هذا الكلام ( ج١
ص ١١١) إعلم أن صاحب البصيرة إذا صدرت منه الخطيئة فله نظر إلى خمسة أمور أحدها أن ينظر الى أمر
الله ونهيه فيحدث له ذلك الاعتراف بكونها خطيئة والاقرار على نفسه بالذنب. الثانى أن ينظر الى الوعد
والوعيد فيحدث له ذلك خوفا وخشية تحمله على التوبة. الثالث أن ينظر إلى تمكين انه له منها وتخليته بينه
وبينها أو تقديرها عليه وإنه أو شاء لعصمه منها وسال بينه وبينها، فيحدث له ذلك أنواعا من المعرفة باته وأسماءه
وصفاته وحكمته ورحمته ومعرفته وعفوه وحلمه وكرمه، وتوجب هذه المعرفة عبودية بهذه الأسماء لا تحصل بدون
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
لوازمها البتة، ويعلم ارتباط الخلق والأمر والجزاء والوعد باسماءه وصفاته، وإن ذلك موجب الأسماء والصفات
وأثرها فى الوجود، وإن كل اسم وصفة مقتض لأثره وموجبه متعلق به لا بد منه، وهذا المشهد يطلعه على
رياض موفقة من المعارف والايمان وأسرار القدر والحكمة يضيق عن التعبير عنها نطاق الكام . فمن بعضها
ما ذكره الشيخ يعنى صاحب المنازل أن يعرف العبد عزته فى قضاءه وهو أنه سبحانه العزيز الذى يقضى بما يشاء
وإنه لكمال عزه حكم على العبد وقضى عليه بأن قلب قلبه وصرف إرادته على ما يشاء وحال بين العبد وقلبه وجعله
مريدا شائيا لما شاء منه العزيز الحكيم. وهذا من كمال العزة اذ لا يقدر على ذلك إلا الله، وغاية المخلوق أن
يتصرف فى بدنك وظاهرك. وأما جعلك مريدا ثنائيا لما شاءه منك ، ويريده فلا يقدر عليه إلا ذو العزة الباهرة
فاذا عرف العبد عز سيده ولا حظه بقلبه وتمكن شهوده منه كان الاشتغال به عن ذل المعصية أولى به وأنفع له
لأنه يصير مع الله لا مع نفسه ومن معرفة عزته فى قضاء، أن يعرف أنه مدبر مقهور ناصيته بيد غيره لا عصمة له،
إلا بعصمته ولا توفيق له إلا بمعونته، فهو ذليل حقير فى قبضة عزيز حميد، ومن شهود عزته أيضا فى قضاءه أن
يشهد أن الكمال والحمد والغناء التام والعزة كلها لله، وإن العبد نفسه أولى بالتقصير والذم والعيب والظلم والحاجة
وكلما ازداد شهوده لذله ونقصه وعيبه وفقره ازداد شهوده لعزة الله وكماله وعبده وغناه وكذلك بالعكس،
فنقص الذنب وذلته يطلعه على مشهد العزة ، ومنها إن العبد لا يريد معصية مولاه من حيث هى معصية فاذا شهد
جريان الحكم عليه وجعله فاعلا لما هو غير مختار له ولا مريد بإرادته ومشيئته واختياره، فكأنه مختار غير مختار
مريد غير مريد شاء غير شاء، فهذا يشهد عزة الله وعظمته وكمال قدرته. ومنها أن يعرف بره سبحانه فى ستره
عليه حال ارتكاب المعصية مع كمال رؤيته له ، ولو شاء لفضحه بين خلقه خذروه، وهذا من كمال بره ومن أسماء.
البر، وهذا البر من سيده به نفع كمال غناء عنه ، وكمال فقر العبد اليه ، فيشتغل بمطالعة هذه المنة، ومشاهدة هذا
البر والإحسان والكرم فيذهل عن ذكر الخطيئة فيبقى مع اللّه سبحانه، وذلك أنفع له من الاشتغال بحنايته
وشهود ذل معصيته، فإن الاشتغال باللّه والغفلة عما سواه هو المطلب الأعلى والمقصد الأسنى، ولا يوجب هذا
نسيان الخطيئة مطلقا بل فى هذه الحال. فإذا فقدها فليرجع إلى مطالعة الخطيئة وذكر الجناية ولكل وقت ومقام
عبودية تليق به. ومنها شهود حلم الله سبحانه وتعالى فى إمهال راكب الخطيئة ولوشاء العاجله بالعقوبة، ولكنه
الحليم الذى لا يعجل فيحدث له ذلك معرفته سبحانه باسمه الحليم ومشاهدة صفة الحلم ، والتعبد بهذا الاسم
والحكمة والمصلحة الحاصلة من ذلك بقوسط الذنب أحب إلى الله، وأصلح العبد وأنفع من فوتها ووجود الملزوم
بدون لازمه ممتنع. ومنها معرفة العبد كرم ربه فى قبول العذر منه إذا اعتذر اليه بنحو ما تقدم (ص ٩٩)
المدارج من الاعتذار لا بالقدر فانه مخاصمة ومحاجة كما تقدم (ص ٩٩) فيقبل عذره بكرمه وجوده فيوجب له
٤
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
ذلك اشتغالا بذكره وشكره ومحبة أخرى لم تكن حاصلة له قبل ذلك ، فإن محبتك لمن شكرك على احسانك
وجازاك به ثم غفر لك إساءتك ولم يؤاخذك بها اضعاف محبتك على شكر الاحسان وحده والواقع شاهد بذلك،
فعبودية التوبة بعد الذنب لون (وهذا لون) آخر يعنى إن عبودية التوبة بعد الذنب اون، وهذا الذى ذكره
أخيرا من معرفة العبد كرم ربه الخ لون آخر. ومنها أن يشهد فضله فى مغفرته فان المغفرة فضل من الله،
وإلا فلو وأخذ بالذنب لو أخذ بمحض حقه وكان عادلا محمودا. وانما عفوه بفضله لا باستحقاقك فيوجب لك
ذلك أيضا شكرا له ومحبة وإنابة اليه وفرحا وابتهاجا به ومعرفة له باسمه الغفار، ومشاهدة لهذه الصفة ، وتعبدا
بمقتضاها وذلك أكمل فى العبودية والمحبة والمعرفة، ومنها أن يكمل لعبده مراتب الذل والخضوع والانكسار
بين يديه والافتقار اليه ، فإن النفس فيها مضاها الربوبية لو قدرت لقالت كقول فرعون ولكنه قدر فاظهر وغيره
عجز فاضمر، وإنما يخلصها من هذه المضاهاة ذل العبودية وهو أربع مراتب. المرتبة الأولى مشتركة بين
الخلق وهى ذل الحاجة والفقر إلى الله فأهل السماوات والأرض محتاجون اليه فقراء اليه، وهو وحده الغنى عنهم
وكل أهل السماوات والأرض يسألونه وهو لا يسأل أحدا. المرتبه الثانية ذل الطاعة والعبودية، وهو ذل
الاختيار، وهذا خاص بأهل طاعته وهو سر العبوية. المرتبة الثالثة ذل المحبة، فإن المحب ذليل بالذات
محبوبه وعلى قدر محبته له يكون ذله ، فالمحبة أسست على الذلة للحبوب كما قيل:
حكم الهوى أنف يسأل ويعقد
أخضع وذل لمن تحب فليس فى
وقال آخر :
عليها تراب الذل بين المقابر
مساكين أهل الحب حتى قبورهم
المرتبة الرابعة ذل المعصية والجناية، فإذا اجتمعت هذه المراتب الأربع كان الذل لله والخضوع له أكمل
وأتم، أذ يذل له خوفا وخشية ومحبة وإنابة وإطاعة وفقرا وفاقة، وحقيقة ذلك هو الفقر الذى يشير اليه القوم،
وهذا المعنى أجل من أن يسمى بالفقر بل هو لب العبودية وسرها وحصوله انفع شىء للعبد، وأحب شى إلى الله
فلا بد من تقدير أوازمه من أسباب الضعف والحاجة، وأسباب العبودية والطاعة، وأسباب المحبة والانابة ،
وأسباب المعصية والمخالفة، اذ وجود الملزوم بدون لازمه ممتنع ، والغاية من تقدير عدم هذا الملزوم ولازمه
مصلحة وجوده خير من مصلحة فوته ومفسدة فوته أكبر من مفسدة وجوده، والحكمة مبناها على دفع أعظم
المفسدتين باحتمال أدناهما وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما وقد فتح لك الباب، فان كنت من أهل المعرفة
فادخل والافرد الباب وارجح بسلام. ومنها إن أسماءه الحسنى تقتضى آثارها اقتضاء الأسباب التامة لمسبباتها
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
فاسم السميع البصير يقتضى مسموعا ومبصرا. وإسم الرزاق يقتضى مرزوقا، واسم الرحيم يقتضى مرحوما
وكذلك اسم الغفور والعفو والتواب والحليم يقتضى من يغفر له ويتوب عليه ويعفو عنه ويحلم، ويستحيل
تعطيل هذه الأسماء والصفات اذ هى أسماء حسنى وصفات كمال ونعوت جلال وأفعال حكمة، واحسان وجود
فلا بد من ظهور آثارها فى العالم. وقد أشار إلى هذا أعلم الخلق باله صلوات الله وسلامه عليه حيث يقول ((لو
لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم بذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم)، وأنت اذا فرضت الحيوان بحملته معدوما
فلن يرزق الرزاق سبحانه؟ واذا فرضت المعصية والخطيئة منتفية من العالم فلن يغفر وعمن يعفو؟ وعلى من
يتوب ويحلم؟ واذا فرضت الفساقات كلها قد سدت، والعبيد أغنياء معافون فأين السؤال والتضرع والابتهال
والاجابة، وشهود الفضل والمنة والتخصيص بالانعام والاكرام؟ فسبحان من تعرف الى خلقه بجميع أنواع
التعرفات ودلهم عليه بأنواع الدلالات وفتح لهم اليه جميع الطرقات ، ثم نصب اليه الصراط المستقيم وعرفهم به
ودلهم عليه ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة وإن الله لسميع عليم - الأنفال: ٢٤) ومنها
السر الذى لا تقتحمه العبارة ولا تجسر عليه الاشارة لولا ينادى عليه منادى الايمان على رؤس الأشهاد ، فشهد به
قلوب خواص العباد فازدادت به معرفة لربها ومحبة له وطمانينة وشوقا اليه ولهجا بذكره وشهودا لبره ولطفه
وكرمه وإحسانه ومطالعة لسر العبودية وإشرافا على حقيقة الالهية وهو ما ثبت فى الصحيحين من حديث أنس
ابن مالك رضى الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله أفرح بتوبة عبده حين يتوب اليه من أحدكم
كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع فى ظلها قد
أيس من راحلته، فبينما هو كذلك اذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها . ثم قال من شدة الفرح أللهم أنت عبدى
وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح هذا لفظ مسلم. وفى الحديث من قواعد العلم إن اللفظ الذى يجرى على لسان
العبد خطأ من فرح شديد أو غيظ شديد، ونحوه لا يؤاخذ به ولهذا لم يكن هذا كافرا بقوله أنت عبدى وأنا ربك
قال. والقصد إن هذا الفرح له شأن لا ينبغى للعبد إهماله والاعراض عنه، ولا يطلع عليه إلا من له معرفة خاصة
بالله واسماءه وصفاته وما يليق بعز جلاله، وقد كان الأولى بناطى الكلام فيه إلى ما هو اللائق بافهام بنى الزمان
وعلومهم و نهاية أقدامهم من المعرفة وضعف عقولهم عن احتماله غير أنا نعلم أن الله عزوجل سيسوق هذه
البضاعة إلى تجارها ومن هو عارف بقدرها، وإن وقعت فى الطريق بيد من ليس عارنا بها فرب حامل فقه ليس
بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، فاعلم أن الله سبحانه وتعالى اختص نوع الانسان من بين خلقه
بأن كرمه وفضله وشرفه وخلقه لنفسه، وخلق كل شىء له وخصه من معرفته ومحبته وقربه وإكرامه بما لم يعطه
غيره، وسخر له فى سمواته وأرضه وما بينهما حتى ملائكته الذين هم أهل قربة استخدمهم وجعلهم حفظة له فى
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
منامه ويقظته وظعنه واقامته، وأنزل اليه وعليه كتبه وأرسله وأرسل اليه وخاطبة وكله منه اليه، واتخذ منهم
الخليل والكليم والأولياء والخواص والأحبار، وجعلهم معدن أسراره ومحل حكمته وموضع حببه، وخلق لهم
الجنة والنار، فالخلق والأمر والثواب والعقاب مداره على النوع الانسانى ، فإنه خلاصة الخلق وهو المقصود
بالأمر والنهى، وعليه الثواب والعقاب، فللانسان شأن ليس لسائر المخلوقات، وقد خلق أباء بيده ونفخ من
روحه وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شىء وأظهر فضله على الملائكة، فمن دونهم من جميع المخلوقات وطرد
إبليس عن قربه وأبعده عن بابه اذ لم يسجد له مع الساجدين ، واتخذه عدوا له فالمؤمنون من نوع الانسان خير
البرية على الاطلاق وخيرية الله على العالمين فإنه خلقه ليتم نعمته عليه وليتواتر احسانه اليه، وليخصه من كرامته
وفضله بما لم تله أمنيته ولم يخطر على باله، ولم يشعربه أيعاله من المواهب والعطايا الباطنة والظاهرة العاجلة والآجلة
التى لا تنال الا بمحبته ولا تنال محبته إلا بطاعته وإيثاره على ما سواه، فاتخذه محبوبا له وأعدله أفضل ما يعده
محب غنى قادر جواد بمحبوبه، اذ أقدم عليه وعهد اليه عهدا يقدم اليه فيه بأوامره ونواهيه وأعلبه فى عهده ما يقربه
اليه ويزيده محبة له وكرامة عليه وما يبعده منه ويسخطه عليه، ويسقطه من عينه، والحبوب عدو هو أبغض خلق
خلقه اليه قد جاهره بالعداوة، وأمر عباده أن يكون دينهم وطاعتهم وعبادتهم له دون وليهم ومعبودهم الحق،
واستقطع عباده واتخذمنهم حزبا ظاهروه ووالوه على ربهم، وكانوا أعداء له مع هذا العدو، يدعون
إلى سخطه ويطعنون فى ربوبيته وإلهيته ووحدانيته ويسبونه ويكذبونه ويفتنون أولياء، ويؤذونهم بأنواع
الأذى، ويجهدون على أعدامهم من الوجود وإقامة الدالة لهم ومحوكل ما يحبه الله ويرضاه وتبديله بكل ما يسخطه
ويكرهه، فعرفه بهذا العدو وطرائقهم وأعمالهم ومالهم وحذره موالاتهم والدخول فى زمرتهم ، والكون
معهم وأخبره فى عهده أنه أجود الأجودين وأكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، وأنه سبقت رحمته غضبه
وحلمه عقوبته وعفوه مؤاخذته، وإنه قد أفاض على خلقه النعمة وكتب على نفسه الرحمة ، وإنه يحب
الاحسان والجود والعطاء والبر، وإن الفضل كله بيده، والخير كله منه، والجود كله له، وأحب ما اليه أن
يجود على عباده ويوسعهم فضلا ويغمرهم إحسانا وجود أو يتم عليهم نعمه ويضاعف لديهم منته ويتعرف اليهم
بأوصافه وأسماءه ويتحبب اليهم بنعمه وآلاءه، فهو الجواد لذاته وجود كل جواد خلقه الله ويخلقه أبدا أقل من
ذرة بالقياس إلى جوده، فليس الجواد على الاطلاق إلا هو، وجود كل جواد فمن جوده ومحبته للجود والاعطاء
والاحسان والبر والانعام والافضال فوق ما يخطر ببال الخلق، أو يدور فى أوهامهم وفرحه بعطاء، وجوده
وأفضاله أشد من فرح الآخذ بما يعطاه أو يأخذ أحوج ما هو اليه وأعظم ما كان قدرا فإذا اجتمع شدة الحاجة
وعظم قدر العطية والنفع بها فما الظن بفرح المعطى؟ ففرح المعطى سبحانه بعطاءه أشد وأعظم من فرح هذا بما
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
يأخذه، ولله المثل الأعلى إذ هذا شأن الجواد من الخلق فإنه يحصل له من الفرح والسرور والابتهاج واللذة
بعطاءه، وجوده فوق ما يحصل لمن يعطيه ولكن الآخذ غائب بلذة أخذه عن لذة المعطى وإبتهاجه وسروره ،
هذا مع كمال حاجته إلى ما يعطيه وفقره اليه وعدم وثوقه باستخلاف مثله وخوف الحاجة اليه عندذها به والنعرض
لذل الاستعانة بنظيره ومن هو دونه ونفسه قد طبعت على الحرص والشح، فما الظن بمن تقدس وتنزه عن ذلك
كله؟ ولو أن أهل سمواته وأرضه، وأول خلقه وآخرهم وانسهم وجنهم ورطبهم ويابسهم قاموا فى صعيد واحد
فسألوه، فأعطى كلا ما سأله ما نقص ذلك مما عنده مثقال ذرة، وهو الجواد لذاته كما أنه الحى لذاته العليم
لذاته السميع البصير لذاته، بجوده العالى من لوازم ذاته، والعفو أحب اليه من الانتقام، والرحمة أحب إليه من
العقوبة ، والفضل أحب اليه من العدل والعطاء أحب اليه من المنع ، فاذا تعرض عبده ومحبوبه الذى خلقه لنفسه
وأعدله أنواع كرامته وفضله على غيره وجعله محل معرفته وأنزل اليه كتابه، وأرسل اليه رسوله واعتنى بأمره
ولم يهمله ولم يتركه سدى فتعرض لغضبه وارتكب مساخطه وما يكرهه وابق منه، ووالى عدوه وظاهره عليه
وتحيز اليه وقطع طريق نعمه وإحسانه اليه التى هى أحب شىء اليه وفتح طريق العقوبة والغضب والانتقام فقد
استدعى من الجود الكريم خلاف ما هو موصوف به من الجود والاحسان والبر ، وتعرض لاغضابه
واسخاطه وإنتقامه وأن يصير غصبه وسخطه فى موضع رضاه، وانتقامه وعقوبته فى موضع كرمه وبره
وعطاءه، فاستدعى بمعصيته من أفعاله ما سواه أحب اليه منه، وخلاف ما هو من لولزم ذاته من الجود
والاحسان، فبينما هو حبيبه المقرب المخصوص بالكرامة اذا انقلب آبقا شاردا رادا لكرامته، مائلا عنه
إلى عدوه مع شدة حاجته اليه، وعدم استغناءه عنه طرفة عين ، فبينما ذلك الحبيب مع العدو فى طاعته
وخدمته، نأسيا لسيده، منهمكا فى موافقة عدوه، قد استدعى من شيدة خلاف ما هو أهله أذ عرضت له فكرة
فتذكر برسيده وعطفه وجوده وكرمه، وعلم أنه لابد له منه وأن مصيره اليه وعرضه عليه وإنه إن لم يقدم عليه
بنفسه قدم به عليه على أسوأ الأحوال، ففر إلى سيده من بلد عدوه وجد فى الهرب اليه حتى وصل إلى بابه
فوضع خده على عتبة بابه وتوسد ثرى اعتابه متذللا متضرعا خاشعا باكيا آمنا يتملق سيده ويسترحمه ويستعطفه
ويعتذر اليه قد ألقى بيده اليه واستسلم له وأعطاه قياده وألق اليه زمانه فعلم سيده ما فى قلبه فعاد مكان الغضب عليه
رضا عنه ومكان الشدة عليه رحمة به، وأبدله بالعقوبة عفوا، وبالمنع عطاء وبالمؤاخذة حلماً فاستدعى بالتوبة
الرجوع من سيده ماهو أهله وما هو موجب أسماءه الحسنى وصفاته لعلى، فكيف يكون فرح سيده به، وقد عاد اليه
حبيبه ووليه طوعا واختيارا، وراجع ما يحبه سيده منه ويرضاه، وفتح طريق البر والاحسان والجود التى هى
أحب إلى سيده من طريق الغضب والانتقام والعقوبة؟ وهذا موضع الحكاية المشهورة عن بعض العارفين
٨
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
الفصل الأول
٢٣٤٦ - (١) عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله إنى لأستغفر الله
واتوب اليه
أنه حصل له شرود وأباق عن سيده، فرأى فى بعض السكك بابا قد فتح وخرج منه صبى يستغيث ويبكى وأمه
خلفه قطرده ، حتى خرج فأغلقت الباب فى وجهه ودخلت فذهب الصبى غير بعيد، ثم وقف مفكرا فلم يجد له
مأوى غير البيت الذى أخرج منه، ولا من يؤويه غير والدته فرجع مكسور القلب حزينا فوجدا الباب مُرتجئًا
فتوسده، ووضع خده على عتبة الباب ونام فرجت أمه، فلما رأته على تلك الحالة لم تملك إن رمت نفسها عليه
والتزمته تقبله وتبكى وتقول يا ولدى أين تذهب عنى ومن يؤويك سواى؟ ألم أقل لك لا تخالفنى ولا تحملنى
بمعصيتك لى على خلاف ما جبلت عليه من الرحمة لك والشفقة عليك وإرادفى الخير لك؟ ثم أخذته ودخلت
فتأمل قول الأم ((لا تحملنى بمعصيتك لى على خلاف ما جبلت عليه من الرحمة والشفقة)، وتأمل قوله محاد ثه
((لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها)، وأين تقع رحمة الوالدة من رحمة الله التى وسعت كل شىء ؟ فإذا أغضبه
العبد بمعصيته فقد استدعى منه صرف تلك الرحمة عنه فإذا تاب اليه فقد استدعى منه ماهو أهله وأولى به ، فهذه
نبذة يسيرة تطلعك على سر فرح الله بتوبة عبده أعظم من فرح هذا الواجد لراحلته فى الأرض المهلكة بعد الياس
منها، ووراء هذا ما تجفو عنه العبارة وتدق عن إداكه الأذهان وإياك وطريقة التعطيل والتمثيل، فإن كلا منهما
منزل ذميم ومرقع على علاته وخيم ، ولا يحل لأحدهما أن يجد روائح هذا الأمر ونفسه لأن زكام التعطيل
والتمثيل مفسد لحاسة الشم كما هو مفسد لحاسة الذوق، فلا يذوق طعم الايمان ولا يجد ريحه والمحروم كل المحروم
من عرض عليه الغنى والخير فلم يقبله، فلا مانع لما أعطى اللّه ولا معطى لما منع، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء
والله ذو الفضل العليم)، ثم بسط ابن القيم الكلام فى شرح قول صاحب المنازل ((الثانى أن يقيم على عبده حجة عدله
فيعاقبه على ذنبه)) ثم ذكر النظر الرابع من الأنظار الخمسة التى تحصل عند صدور المعصية من العبد وهو النظر
إلى محل الجناية ومصدرها أى النفس الأمارة بالسوء وشرح فى ضمنه اللطيفة الثانية من لطائف أسرار النوبة ثم
ذكر النظر الخامس وهو نظره إلى الآمر له بالمعصية المزين له فعلها الحاض له عليها وهو شيطانه المؤكل به، ثم أطال
الكلام فى شرح اللطيفة الثالثة من أحب الوقف على ذلك رجع إلى المدارج (ج ١ ص ١١٩، ١٢٦).
٢٣٤٦ - قوله (واللّه) فيه القسم على الشىء تأكيدا له وإن لم يكن عند السامع فيه شك (إنى لأستغفر
الله وأتوب اليه) يحتمل أن يكون المراد يقول هذا اللفظ بعينه ويؤيده ما أخرجه النسائى بسند جيد من طريق
٩
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
فى اليوم أكثر من سبعين مرة.
مجاهد عن ابن عمر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: استغفر الله الذى لا إله إلا هو الحى القيوم
وأتوب إليه فى المجلس قبل أن يقوم مائة مرة ، ويحتمل أنه يطلب المغفرة ويعزم على التوبة وينشئها . ويؤيده
ما سيأتى فى آخر الفصل الثانى من حديث ابن عمر قال إن كنا نعد لرسول اللّه مَيضع فى المجلس رب اغفر لى وتب
على إنك أنت التواب الغفور مائة مرة. أخرجه أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه من طريق محمد بن
سوقة عن نافع عن ابن عمر (فى اليوم) الواحد (أكثر من سبعين مرة) كذا فى رواية شعيب عن الزهرى عن
أبى سلمة عن أبي هريرة ، عند البخارى وفى رواية معمر عن الزهرى عن أبى سلمة عند الترمذى وابن السنى إنى
لأستغفر الله فى اليوم سبعين مرة، وهكذا وقع فى حديث أنس عند أبي يعلى والبزار والطبرانى، فيحتمل أن يريد
به المبالغة والتكثير. والعرب تضع السبع والسبعين والسبعمائة موضع الكثرة، ويحتمل أن يريد العدد بعينه. وقوله
فى رواية الكتاب أكثر مبهم ، فيحتمل أن يفسر بحديث ابن عمر المذكور وأنه يبلغ المائة . وقد وقع فى رواية
محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبى هريرة عند النسائى، وابن ماجه بلفظ: إنى لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم مائة
مرة، وفى حديث الاغرّ الآتى وإنى لأستغفر الله كل يوم مائة مرة. قال الشوكانى بعد ذكر الروايات الثلاث:
وينبغى الأخذ بالأكثر وهو رواية المائة فيقول فى كل يوم استغفر الله وأتوب إليه مائة مرة ، فان قال اللهم إنى
أستغفرك فاغفرلى وأتوب إليك فتب على، فقد أخذ بطر فى الطلب، والله سبحانه وتعالى (غافر الذنب وقابل
التوب - غافر: ٣) - انتهى. وقد استشكل وقوع الاستغفار من النبي صلى الله عليه وسلم وهو معصوم،
والاستغفار يستدعى وقوع المعصية. وأجيب بعدة أجوبة منها إن المراد باستغفاره صلى الله عليه وسلم
ستغفاره من العين الذى وقع فى حديث الأغر الآتى وسيأتى تفسيره وتوضيحه. ومنها قول ان الجوزى هفوات
الطباع البشرية لا يسلم منها أحد، والآنيا وإن عصموا من الكبائر فلم يعصموا من الصغائر كذا قال وهو مفرع
على خلاف المختار ، والراجع عصمتهم من الصغائر أيضاً. ومنها قول ابن بطال الأنياء أشد الناس اجتهادا
، العبادة لما أعطاهم الله تعالى من المعرفة، فهم دائبون فى شكره معترفون له بالتقصير - انتهى. ومحصله جوابه
ن الاستغفار من التقصير فى أداء الحق الذى يجب لله تعالى. ويحتمل أن يكون لاشتغاله بالأمور المباحة
ن أكل أو شرب أو جماع أو قوم أو راحة أو لمخاطبة الناس، والنظر فى مصالحهم ومحاربة عدوهم تاره
مداراته أخرى، وتأليف المؤلفة وغير ذلك مما يحجبه عن الاشتغال بذكر الله والتضرع إليه، ومشاهدته
مراقبته فيرى ذلك ذنبا بالنسبة الى المقام العلى وهو الحضور فى حظيرة القدس. ومنها إن الاستغفار تشريع
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
رواه البخارى.
٢٣٤٧ - (٢) وعن الأغر المزنى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انه لينان على قلبى.
وتعليم لأمته أو من ذنوب أمته فهو كالشفاعة لهم. وقال الغزالى فى الاحياء كان موقع دائم الترقى، فاذا ارتقى
إلى حال رأى ما قبلها دونها فاستغفر من الحالة السابقة، وهذا ·فرع على أن العدد المذكور فى استغفاره كان
مفرقا بحسب تعدد الأحوال وظاهر ألفاظ الحديث يخالف ذلك. ومنها إن استغفاره كان إظهارا للعبودية
وافقارا لكرم الربوبية (رواه البخارى) فى الدعوات وأخرجه أيضاً أحمد (ج ٢ ص ٢٨٢) والطبرانى فى
الأوسط كما فى مجمع الزوائد (ج ١٠ ص ٢٠٨).
٢٣٤٧ - قوله (وعن الأغرّ) بفتح الهمزة والغين المعجمة وتشديد الراء (المزنى) نسبة إلى قبيلة مزينة
مصغراً. قال فى التقريب: الأغر بن عبد الله المزنى، ويقال الجهنى، ومنهم من فرق بينهما صحابى. قال البخارى:
المزنى أصح. وقال فى الخلاصة: الأغر بن يسار المزنى أو الجهنى، والمزنى أصح صحابى من المهاجرين الأولين.
وقيل : اسم أبيه عبد الله. له ثلاثة أحاديث خرج له مسلم، منها فرد حديث، وروى عنه ابن عمر ومعاوية بن
قرة وأبو بردة. قلت: غاير بين الأغر المزنى والجهنى ابن منده، وكذا مال الى التفرقة بينهما ابن الأثير ،
وجزم أبو نعيم وابن عبد البر بأنهما واحد، وصوبه الحافظ فى الاصابة والتهذيب. (انه ليغان) بضم الياء
وبالغين المعجمة مبنيا للمفعول من باب ضرب من الغين وهو الغيم والغطاء لغة، والمراد هنا ما يغشى القلب
ويغطيه (على قلبى) نائب فاعل يغان أى يغشى أو يغطى قلبى. قال الجزرى: الغين الغيم وغينت السماء تغان اذا
أطبق عليها الغيم . وقيل : الغين شجره ملتف أراد ما يغشاه من السهو الذى لا يخلو منه البشر لأن قلبه أبداكان
مشغولا بالله تعالى، فان عرض له وقتاً ما عارض بشرى يشغله من أمور الأمة والملة ومصالحهما عد ذلك ذنبا
وتقصيرا فيفرغ الى الاستغفار - انتهى. وقال القارى: يقال غين عليه كذا أى غطى عليه، ((وعلى قلبي )) مر فوع
على نيابة الفاعل يعنى ليغشى على قلبه ما لا يخلو البشر عنه من سهو وإلتفات إلى حظوظ النفس من مأكول
ومنكوح ونحوهما، فانه كمجاب وغيم يطبق على قلبه فيحول بينه وبين الملأ الأعلى حيلولة ما فيستغفر تصفية
للقلب وإزاحة الغاشية، وهو إن لم يكن ذنباً لكنه من حيث أنه بالنسبة الى سائر أحواله نقص وهبوط الى حضيض
البشرية يشابه الذنب فيناسبه الاستغفار ـ انتهى. قلت: تحير العلماء فى بيان معنى هذا الحديث وتأويله حتى قال
السيوطى هذا من المتشابه الذى لا يعلم معناه، وقد وقف الأصمعى أمام اللغة على تفسيره وقال ، لو كان عن
غير قلب الرسول صلى الله عليه وسلم لتكلمت عليه وفسرته، ولكن العرب تزعم أن الغين الغيم الرقيق . وقال
١١
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
السندى: حقيقته بالنظر الى قلب النبي مؤثّ لا تدرى وإن قدره ◌َيضع أجل وأعظم مما يخطر فى كثير من الأوهام،
فالتفويض فى مثله أحسن فعم القدر المقصود بالافهام مفهوم، وهو أنه يَّ كان يحصل له حالة داعية الى
الاستغفار فيستغفر كل يوم مائة مرة فكيف غيره والله أعلم. وقال عياض: المراد بالغين الفترات والغفلات
عن الذكر الذى كان شأنه الدوام عليه ، فإذا فتر عنه أو غفل لأمر ما عد ذلك ذنبا فاستغفر منه. وقيل هو شئ.
يعترى القلوب الصافية مما يتحدث به النفس فيهوشها . وقيل هو السكينة التى تغشى قلبه ، ويكون استغفاره
إظهارا للعبودية والافتقار وملازمة الخشوع وشكرا لما أولاه. وقيل هى حالة خشية وإعظام تغشى القلب
ويكون إستغفاره شكرها كما سبق، ومن ثم قال المحاسبى: خوف المتقربين الأنبياء والملائكة خوف إجلال
وإعظام وان كانوا آمنين عذاب الله. وقال الشيخ شهاب الدين السهروردى: لا ينبغى أن يتقد أن الغين
فقص فى حاله صلوات الله عليه وسلامه، بل كمال أو تتمة كمال، وهذا سر دقيق لا ينكشف إلا بمثال، وهو أن
الجفن المسبل على حدقة البصر، وإن كان صورته صورة نقصان من حيث هو إسبال وتغطية على ما من شأنه. أن
يكون باديا مكشوفا ، فإن المقصود من خلق العين أدراك المدركات الحسية، وذلك لا يتأتى الا بانبعاث الأشعة
الحسية من داخل العين وإقصالها بالمرئيات على مذهب قوم ، وبانطباع صور المدركات فى الكرة الجليدية على
مذهب آخر ، فكيفما قدر لا يتم المقصود إلا بانكشاف العين عما يمنع من إنبعاث الاشعة، ولكن لما كان الهواء
المحيط بالأبدان الحيوانية قلما يخلو من الأغيرة السائرة بحركة الرياح، فلو كانت الحدقة دائمة الانكشاف
لاستضرت بملاقاتها وتراكمها عليها ، فاسبلت أغطية الجفون وقاية لها ومصقلة لتنصقل الحدقة باسباب الأهداب،
ورفعها لخفة حركة الجفن. فيدوم جلاؤها ويحتد نظرها، فالجفن وإن كان نقصاناً ظاهراً فهو كمال حقيقة ، فهكذا
لم تزل بصيرة النبي ◌َّ معترضة، لأن تصدأ بالأغبرة الثائرة من أنفاس الأغيار، فلا جرم دعت الحاجة إلى
إسبال جفن من الغين على حدقة بصيرته سترالها ووقاية وصقالا عن تلك الأغبرة المثارة بروية الأغيار وأنفاسها
فصح أن الغين وإن كانت صورته نقصا فمعناه كمال وصقال حقيقة. ثم قال أيضاً إن روح النبى مؤثته لم يزل
فى الترقى إلى مقامات القرب مستتبعة للقلب فى رقيها الى مركزها، وهكذا القلب كان يستتبع نفسه الزكية ولا خفاء
إن حركة الروح والقلب أسرع وأتم من نهضة النفس وحركتها، فكانت خطأ النفس تقصر عن مدى الروح
والقلب فى العروج والولوج فى حرم القرب ولحوقها بهما ، فاقتضت العواطف الربانية على الضعفاء من الأمة
إبطاء حركة القلب بإلقاء الغين عليه، لئلا يسرع القلب ويسرح فى معارج الروح ومدارجها، فنتقطع علاقة النفس
عنه لقوة الانجذاب فتبقى العباد مهملين محرومين عن الاستنارة بأنوار النبوة والاستضاءة بمشكاة مصباح الشريعة،
١٢
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
وإنى لأستغفر الله فى اليوم مائة مرة. رواه مسلم.
٢٣٤٨ - (٣) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس! توبوا إلى الله،
وحيث كان يرى مرَّ إبطاء القلب بالغين الملقى عليه وقصور النفس عن شأو ترقى الروح إلى الرفيق الأعلى كان
يفزع الى الاستغفار اذ لم تف قواها فى سرعة اللحوق لها - انتهى كلام الشيخ السهر وردى. وقد ذكر الحافظ محصله
فى الفتح فى شرح حديث أبى هريرة المتقدم. وقال التوربشتى فى شرح المصابيح: ((ونحن بالنور المقتبس من
مشكاة مشائخ الصوفية نذهب فى الوقوف عليهم مذهبين)). أحدهما أن نقول لما كان النبى مؤ خّم أتم القلوب صفاء
وأكثرها ضياء وأعرفها عرفاناً، وكان معنيا مع ذلك بتشريع الملة وتأسيس السنة ميسرا غير معسر لم يكن له بد
من النزول الى الرخص والالتفات إلى حظوظ النفس، مع ما كان ممتحناً به من احكام البشرية، وكان اذا تعاطى
شيئاً من ذلك أسرع كدورة ما الى القلب لكال رقته وفرط نورانيته، فان الشىء كلما كان أرق وأصفى كان
ورود التأثيرات علیه أبین وأهدى ، و کان یٹے اذا أحس بشىء من ذلك عده على النفس ذنباً فاستغفر منه،
ولهذا المعنى كان استغفاره عند خروجه من الخلاء فيقول غفرانك. والاخر أن تقول إن الله تعالى كما
اقتناه عن العالمين أراد أن يبقيه لهم لينتفعوا به، فانه مث لو ترك وما هو عليه، وفيه من الحضور والتجليات
الإلهية لم يكن لينفرغ لتعريف الجاهد وتعليم الجاهل، فاقتضت الحكمة الإلهية أن يرد اليهم الفينة بعد الفينة
بنوع من الحجبة والاستتار ليكمل حظهم عنه فيرى ذلك من سيئات حاله فيستغفر منه والله أعلم - انتهى. (وإنى
لأستغفر الله) جملة أخرى معطوفة (فى اليوم مائة مرة) قال المناوى: أراد بالمائة التكثير فلا ينافى رواية سبعين
(رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤ ص ٢١١، ٢٦٠) والبخارى فى تاريخه (ج ١ ق ٢ ص ٤٤)
وأبو داود فى أواخر الصلاة ، كلهم من طريق حماد عن ثابت عن أبي بردة عن الأغر المزنى ونسبه فى الحصن
والكنز للنسائى أيضاً .
٢٣٤٨ - قوله (وعنه) أى الأغر المزنى (يا أيها الناس توبوا إلى الله) فيه تلميح الى قوله تعالى:
﴿ وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون - النور: ٣١) فالتوبة واجبة على الناس جميعاً. قال النووي: هذا الأمر
بالتوبة موافق لقوله تعالى ﴿وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون) وقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا توبوا الى
اللّه توبة نصوحا - التحريم: ٨) قلت: وجوب التوبة ظاهر بحديث الأغر هذا، وبالأحاديث الآخر وبالآيتين
المذكوريتين، وهو واضح بنور البصيرة عند من شرح الله بنور الايمان صدره ، فإن من عرف أن لا سعادة
فى دار البقاء إلا فى لقاء الله تعالى، وإن كل محجوب عنه يشقى لا محالة محول بينه وبين ما يشتهى محترق بنار الفراق
١٣
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
فانى أتوب اليه فى اليوم مائة مرة. رواه مسلم.
٢٣٤٩ - (٤) وعن أبى ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فيما يروى عن اللّه تبارك
وتعالى أنه قال: يا عبادي! انى حرمت الظلم على نفسى،
ونار الجحيم، وعلم أن لا مبعد عن لقاء الله الااتباع الشهوات ولا مقرب من لقاء، إلا الاقبال على الله بدوام
ذكره، وعلم أن الذنوب سبب كونه محجوبا مبعدا عن اللّه تعالى. فلا يشك فى أن الانصراف عن طريق البعد
واجب للوصول الى القرب. وإنما يتم الانصراف بالغلم والندم والعزم، وهكذا يكون الايمان الحاصل عن
البصيرة، ومن لم يترشح لهذا المقام فيلاحظ ما ورد فى ذلك من الآيات والأحاديث وأرجع للبسط الى كتاب
التوبة من الاحياء للغزالى. قال القارى: قوله ((يا أيها الناس توبوا إلى الله)) الظاهر إن المرادبهم المؤمنون
لقوله تعالى: ﴿وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون - النور: ٣١) وفى الآية والحديث دليل
وشاهد على أن كل أحد فى مقامه وحاله يحتاج الى الرجوع لتوقية كماله، وإن كل أحد المقصر فى القيام بحق عبوديته
كما قضاء وقدر، قال تعالى ( كلا لما يقض ما أمره - عبس: ٢٣) ويدل عليه أيضا قوله (فإنى أذوب اليه) أى
أرجع رجوعا يليق به الى شهوده أو سؤاله أو إظهار الافتقار بين يديه ( فى اليوم مائة مرة) فأنتم أولى بأن
ترجعوا اليه فى ساعة ألف كرة (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد (ج ٤ ص ٢١١، ٢٦٠) كلاهما من طريق
شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي بردة، أنه سمع الأغر المزنى يحدث ابن عمر عن النى مَثّم أنه قال أيها الناس الخ
وأخرج النسائى وابن أبي شيبة والطبرانى والحكيم الترمذى بنحوه.
٢٣٤٩ - قوله (فیما یروی) هكذا فى رواية أبى أسماء عن أبيذر ، ووقع فى روايه أبي إدريس الخولانى
عن أبى ذر فيما روى أى بلفظ الماضى (إنه) قال القارى: ضبط بفتح الهمزة وكسرها فتأمل فى الفرق بينهما .
(قال يا عبادى) قال الطبى: الخطاب لنثقلين لتعاقب التقوى والفجور فيهم، ويحتمل أن يعم الملائكة فيكون
ذكرهم مدرجا فى الجن لشمول الاجتنان لهم ، وتوجه هذا الخطاب لا يتوقف على صدور الفجور ولا على
إمكانه - انتهى. قال شيخنا: والظاهر هو الاحتمال الأول (إنى حرمت) أى منعت (الظلم على نفسى) أى
تقدست عنه وتعاليت فهو فى حقى كالمحرم فى حق الناس، اذ لا يتصور فى حقه ظلم سواء قلنا إن الظلم وضع
الشى فى غير محله أو أنه التعدى فى ملك الغير أو مجاوزة الحد وهو المحمود فى كل فعال من غير فصل، لأن فعله
إما عدل وإما فضل. قال النووى قال العلماء: قوله حرمت الظلم على نفسى معناه تقدست عنه وتعاليت والظلم
مستحيل فى حق الله سبحانه وتعالى، كيف يجاوز سبحانه حدا وليس فوقه من يطيعه وكيف يتصرف فى غير
١٤
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا. با عبادى: كللكم ضال الا من هديته،
ملك، والعالم كله ملكه وسلطانه. وأصل التحريم فى اللغة المنع فسمى تقدسه عن الظلم تحريماً لمشابهته للمنوع فى أصل
عدم الشىء - انتهى. (وجعلته بينكم محرماً) أى حكمت بتحريمه فيما بينكم فاذا علتم ذلك (فلا تظالموا) بفتح التاء
وشدة الظاء للادغام وتخفيفه أصله تتظالموا حذفت إحدى التامين تخفيفاً أى لا يظلم بعضكم بعضا ، والمعنى أنه
تعالى حرم الظلم على عباده ونهاهم أن يتظالموا فيما بينهم حرام على كل عبد أن يظلم غيره (يا عبادي كلكم ضال
إلا من هديته) يعنى إن الهداية لمن حصلت إنما هى من عند الله لا من عند نفسه، وكذلك الطعام والكسوة لمن
حصل فانما هو من عند الله لا من عند نفسه، وهذا يقتضى أن جميع الخلق مفتقرون الى الله تعالى فى جلب مصالحهم
ودفع مضارهم فى أمور دينهم ودنياهم ، وإن العباد لا يملكون لأنفسهم شيئا من ذلك كله، وإن من لم يتفضل
اللّه عليه بالهدى والرزق فإنه يحرمهما فى الدنيا. قال المازري: ظاهر هذا أنهم خلقوا على الضلال إلا من هداه
الله تعالى، وفى الحديث المشهور كل مولود يولد على الفطرة قال فقد يكون المراد بالأول وصفهم بما كانوا عليه
قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم اليهم أو أنهم لو تركوا وما فى طباعهم من إيثار الشهوات والراحة وإهمال
النظر لضلوا، وهذا الثانى أظهر. وقال المناوى: كلكم ضال أى غافل عن الشرائع قبل إرسال الرسل إلا من هديته
أى وفقته للايمان أى للخروج عن مقتضى طبعه. وقال القارى: هذا لا ينافى قوله عليه الصلاة والسلام كل
مولود يولد على الفطرة، فان المراد بالفطرة التوجيد، والمراد بالضلالة جهالة تفصيل أحكام الايمان وحدود
الاسلام. ومنه قوله تعالى ﴿ ووجدك ضالا فهدى - الضحِى: ٧) - انتهى. وقال ابن رجب: قد ظن بعضهم
أن قوله كلكم ضال إلا من هديته معارض لحديث عياض بن حماد عن النبي مرَّم «يقول الله عز وجل خلقت عبادي
حنفاء، وفى رواية مسلمين فاجتالتهم الشياطين)) وليس كذلك فان الله خلق بنى آدم وفطرهم على قبول الاسلام،
والميل اليه دون غيره والتهيأ لذلك والاستعداد له بالقوة لكن لا بد للعبد من تعليم الاسلام بالفعل ، فانه قبل
التعلم جاهل لا يعلم شيئا كما قال تعالى: ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً - النحل: ٧٨ )
وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم {ووجدك ضالا فهدى﴾ والمراد ((وجدك)) غير عالم مما علمك من الكتاب
والحكمة ، كما قال تعالى ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان ولكن
جعلناه نورا نهدى به من نشاء من عبادنا - الشورى: ٥٢) فالانسان يولد مفطورا على قبول الحق فان هداه الله
تعالى سبب له من يعلمه الهدى فصار مهديا بالفعل بعد أن كان مهديا بالقوة، وإن خذ له الله قيض له من يعلمه
ما يغير فطرته كما قال صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه. وأما
سؤال المؤمن من الله الهداية. فان الهداية نوعان: هداية مجملة، وهى الهداية للإسلام والايمان وهى حاصلة
١٥
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
فاستهدونی أهدكم. يا عبادی! كلكم جائع الا من أطعمته، فاستطعمونى أطعمكم. يا عبادي! كلكم عار
الا من کسوته، فاستکسونی ا کسکم. باعبادی، انكم تخطون
المؤمن ، وهداية مفصلة وهى هداية الى معرفة تفاصيل اجزاء الايمان والاسلام وإعانته على فعل ذلك ، وهذا
يحتاج اليه كل مؤمن ليلاونهارا، ولهذا أمر الله عباده أن يقرؤا فى كل ركعة من صلاتهم قوله: ﴿إهدنا الصراط
المستقيم﴾ (فاستهدونى) أى سلونى الهدى وأطلبوه منى (أهدكم) أوفقكم الهداية (يا عبادي كلكم جائع إلا من
أطعمته ) قال العلقمى: وذلك لأن الناس عبيد لا يملكون شيئا وخزائن الرزق بيد الله عز وجل فن لا يطعمه
بفضله بقى جائما بعد له اذ ليس عليه إطعام أحد . فان قلت: كيف هذا مع قوله تعالى: ﴿ وما من دابة فى
الأرض إلا على اللّه رزقها - هود: ٦) قلت: هذا التزام منه تفضلا، لا أن الدابة حقا بالاصالة. فإن قلت كيف
ينسب الاطعام الى الله تعالى؟ ونحن نشاهد الأرزاق مرتبة على هذه الأسباب الظاهرة من الحرف والصناعات
وأنواع الاكتساب. قلت: هو القدر لتلك الأسباب الظاهرة بقدرته وحكمته الباطنة ، فالجاهل محجوب بالظاهر،
عن الباطن، والعارف محجوب بالباطن عن الظاهر، قال والعالم جماده وحيوانه مطيع الله عز وجل طاعة العبد أسيده،
فكما أن السيد يقول لعبده أعط فلانا كذا وأهد لفلان كذا وتصدق على هذا الفقير بكذا، كذلك الله عز وجل
يسخر السحاب فيسقى أرض فلان أو البلد الفلانى ويحرك قلب فلان لاعطاء فلان، ويوجه فلانا الى فلان بوجه من
الوجوه لينال منه نفعاً ونحو ذلك -انتهى. وقال القارى: إلا من أطعمته أى من أطعمته وبسطت عليه الرزق وأغنيته
فلا يشكل أن الاطعام عام للجميع فكيف يستثنى (فاستطعمونى) أى أطلبوا الطعام وتيسير القوت منى (أطعمكم)
أى أيسر لكم أسباب تحصيله (كلكم عارإلا من كسوته فاستكسونى) أى أطلبوا منى الكسوة (أكسكم) بضم السين
أى أيسر لكم ستر عوراتكم وأزيل عنكم مساوى كشف سوآتكم. قال الطيبي: فان قلت ما معنى الاستثناء
فى قوله إلا من أطعمته وكسوته اذ ليس أحد من الناس محروما منهما. قلت: الاطعام والكسوة لما كانا معبرين
عن النفع التام والبسط فى الرزق وعدمهما عن التقتير والتضييق كما قال الله تعالى ﴿ اللّه يبسط الرزق لمن يشاء
ويقدر - الرعد: ٢٦) سهل التفصى عن الجواب، فظهر من هذا أن ليس المراد من اثبات الجوع والعرى فى المستثنى
منه، ففى الشبع والكسوة بالكلية، وليس فى المستثنى اثبات الشبع والكسوة مطلقا، بل المراد بسطهما وتكثير هما
وبوضحه الحديث الرابع عشر من الفصل الثانى انه وضع قوله ((وكلكم فقراء الا من أغنيته)) فى موضعه - انتهى.
(يا عبادى أنكم تخطون) بضم أوله وكسر ثالثه من أخطأ ، وبفتحهما من خطىء يخطأ خطأ أى أذنب فهو خاطئى
قال النووى: الرواية المشهورة بضم التاء، وروى بفتحها وفتح الطاء يقال خطأ يخطأ إذا فعل ما يأثم به فهو
خاطئى، ومنه قوله تعالى ( استغفرلنا ذنوبنا أنا كنا خاطئين-يوسف: ٩٧﴾ ويقال فى الاثم أيضاً أخطأ فهما صحيحان
١٦
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفرونى أغفرلكم. يا عبادي! انكم لن تبلغوا ضري
فتضرونى، ولن تبلغوا نفعى فتنفعونى. يا عبادي! لو أن أولكم، وآخركم، وإنسكم ، وجنكم كانوا على
أتقی قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك فى ملکی شيئا. با عبادى! لو أن أولكم، وآخركم، وإنسكم،
وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكى شيئا.
(بالليل والنهار) أى وخطيئة كل بحسب مقامه (وأنا أغفر الذنوب جميعا) أى بالنوبة أو ما عدا الشرك إن شاء
وهو كقوله ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعا - الزمر: ٥٣} (فاستغفرونى) أى أطلوا منى المغفرة (إنكم
لن تبلغوا ضري) بفتح الضاد وضمه (فتضرونى) حذف نون الاعراب منه فى نصبه بأن المضمرة فى جواب النفى
وكذا قوله (فتنفعونى) يعنى أن العباد لا يقدرون أن يوصلوا الى الله نفعا ولا ضرا، فان الله تعالى فى نفسه غنى
حميد لا حاجة له بطاعات العباد ولا يعود نفعها إليه. وانما هم ينتفعون بها ولا يتضرر بمعاصيهم وإنماهم
يتضررون بها قال الله تعالى ﴿ ولا يحزنك الذين يسارعون فى الكفرانهم لن يضروا اللّه شيئاً - آل عمران: ١٧٩)
وقال حا كيا عن موسى وقال موسى (أن تكفروا انتم ومن فى الأرض جميعا فان اللّه أغنى حميد - إبراهيم: ٨)
قال القارى: أى لا يصح منكم ضرى ولا نفعى فانكم لو اجتمعتم على عبادفى أقصى ما يمكن ما نفعتمونى فى ملكى ،
ولو اجتمعتم على عصيانى أقصى ما يمكن المتضروفى بل (ان أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وأن اسأتم فلها - الاسراء:
٧) وهذا معنى قوله (لو أن أولكم) أى من الموجودين (وآخركم) من سيوجد . وقال ابن الملك: أى من
الأموات والأحياء والمراد جميعكم (وانسكم وجنكم) أى وملائكتم تعميم بعد تعميم للتأكيد أو تفصيل
وتبيين ( كانوا على ألقى قلب رجل منكم) أى لوكنتم على غاية التقوى بأن تكونوا جميعا على تقوى أتقى قلب
جل واحد منكم. وقال القاضى: أى على أتقى أحوال قلب رجل، أى كان كل واحد منكم على هذه الصفة كذا فى
المرقاة . وقال الشيخ الدهلوى فى ترجمته: « باشند بر برهيزگار ترین دل یك مرداز شما، يعنى اكر فرض كرده
شود دل يك كسى از شماكه متقى ترين دلها باشد وشماهمه برين صفت باشيد » (ما زاد ذلك) أى ما ذكر (فى
ملكى شيئا) إما مفعول به أو مصدر، وهذا راجع إلى لن تبغلوا نفعى فتنفعونى نشرا مشوشا اعتمادا على فهم
السامع ( كانوا على اخر) أى جورا فجرا وأجر أحوال (قلب رجل واحد منكم) وقال الشيخ الدهلوى فى ترجمته
((باشند بري فرمانى كننده وكناه كننده ترين دل يك مرداز شما)) (ما نقص) بالتخفيف (ذلك) أى ما ذكر
(من ملكى شيئا) قال الطبى: يجوزأن يكون مفعولابه إن قلنا إن نقص متعد، ومفعولا مطلقا إن قلنا أنه لازم أى
نقص نقصانا قليلا، والتفكير فيه للتحقير بدليل قوله فى الحديث الآتى بدله جناح بعوضة، وهذا راجع الى قوله
١٧
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
یا عبادی لو أن أولكم، وآخركم، وإنسكم، وجنكم قاموا فى صعيد واحد، فسألونى فأعطيت كل انسان
مسألته، ما نقص ذلك ما عندى الا كما ينقص الخيط اذا أدخل البحر. يا عبادى !
((لن تبلغوا ضري فتضرونى)) والمعنى أن ملكه لا يزيد بطاعة الخلق ولوكانوا كلهم بررة، اتقياء قلوبهم على ألقى قلب
رجل منهم ، ولا بنقص ملكه بمعصية العاصين، ولو كان الجن والانس كلهم عصاة جرة قلوبهم على قلب اخر رجل
منهم فإنه سبحانه الغنى بذاته عن من سواه ، وله الكمال المطلق فى ذاته وصفاته وأفعاله ، فلكه ملك كامل لا نقص
فيه بوجه من الوجوه على أى وجه كان (قاموا) أى وقفوا (فى صعيد واحد) أى فى أرض واحدة ومقام واحد
قال ابن حجر: الصعيد يطلق على التراب وعلى وجه الأرض وهو المراد هنا (فسألونى) أى كلهم اجمعون. قال
الطبى : قيد السؤال بالاجتماع فى مقام واحد، لأن تزاحم السؤال وازدحامهم بما يدهش المسئول ويهم ويعسر
عليه انجاح مآربهم واسعاف مطالبهم (فأعطيت كل انسان) وكذا كل جنى (مسألته) أى فى آن واحد ومكان
واحد (ما نقص ذلك) أى الاعطاء (ما عندى) والمراد بهذا ذكر كمال قدرته تعالى وكمال ملكه، وان ملكه
وخزائنه لا تنفد ولا تنقص بالعطاء ولو أعطى الأولين والآخرين من الجن والانس جميع ما سألوه فى مقام
واحد، وفى ذلك حث الخلق على سؤاله وانزال حوائجهم بنه (الا كما ينقص) أى كالنقص أو كالشىء الذى
ينقصه (المخيط) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الياء المثناة تحت هو ما يخلط به الثواب كالايرة ونحوها
(إذا ادخل البحر) بالنصب على أنه مفعول ثان الادخال، وذكر ذلك لتحقيق أن ما عنده لا ينقص البتة كما قال
تعالى: ﴿ما عندكم ينفد وما عند الله باق - النحل: ٩٦﴾ فان البحر اذا غمس فيه إبرة، ثم أخرجت لم ينقص
من البحر بذلك شىء قال الطيبي : لما لم يكن ما ينقصه الخيط محسوسا ولا متعدا به عند العقل ، بل كان فى حكم العدم
كان أقرب المحسوسات وأشبهها باعطاء حوائج الخلق كافة، فانه لا ينقص مما عنده شيئا. وقال النووى قال
العلماء: هذا تقريب الى الافهام، ومعناه لا ينقص شيئا أصلاكما قال فى الحديث الآخر لا يغيضها نفقة أى
لا ينقصها نفقة لأن ما عندالله لا يدخله نقص. وإنما يدخل النقص المحدود الفانى وعطاء الله تعالى من رحمته وكرمه
وهما صفتان قديمتان لا يتطرق إليهما نقصٍ ، فضرب المثل بالخيط فى البحر لأنه غاية ما يضرب فى المثل فى القلة ،
والمقصود النقريب الى الافهام بما شاهدوه فان البحر من أعظم المرئيات عيانا وأكبرها ، والابرة من أصغر
الموجودات مع أنها صقيلة لا يتعلق بها ماء - انتهى. قلت: قد تبين فى الحديث الذى أخرجه الترمذى وابن ماجه
السبب الذى لأجله لا ينقص ما عند الله بالعطاء بقوله («ذلك بانى جواد واجد ما جد أفعل ما أربد عطائى كلام
وعذابى كلام وإنما أمرى لشىء إذا أردت أن أقول له كن فيكون)) وهذا مثل قوله تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد
شيئا أن يقول له كن فيكون - يُسَ: ٨٢) فهو سبحانه اذا أراد شيئاً من عطاء أو عذاب أو غير ذلك قال له
١٨
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
انما هى أعمالكم أحصيها عليكم، ثم أوفيكم إياها. فمن وجد خيرا فليحمد الله. ومن وجد غير ذلك
فلا يلومن إلا نفسه. رواه مسلم.
كن فيكون، فكيف يتصور أن ينقص هذا، وكذلك اذا أراد أن يخلق شيئاً قال له كن فيكون (إنماهى) أى
القصة (أعمالكم احصيها) أى أحفظها وأكتبها (عليكم) قال القارى : كذا فى الأصول المعتمدة يعنى من
المشكاة بلفظ: عليكم وهو المناسب للقام. ووقع فى أصل ابن حجر لكم. وقال وفى نسخة عليكم. قات: والذى فى
صحيح مسلم لكم، وهكذا وقع فى جامع الأصول (ج ١١ ص ٣٤٩) وفى شرح الأربعين النووية لابن رجب،
وفى الجامع الصغير للسيوطى، والترغيب النذرى فهو المعتمد. قال القارى وقال الطيبي: قوله أعمالكم أى جزاء
أعمالكم تفسير للضمير المهم. وقيل: هوراجع الى ما يفهم من قوله على أتقى قلب رجل وعلى أجر قلب رجل
.وهو الأعمال الصالحة والطالحة يعنى أنه سبحانه يحصى أعمال عباده ثم يوفيهم إياها بالجزاء عليها (ثم أوفيكم
إياها) بتشديد الفاء من التوفية، وهى اعطاء الحق على التمام أى أعطيكم جزاء أعمالكم يوم القيامة وافيا تاما إن
خيرا خير وإن شرا فشر، وهذا كقوله تعالى ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره -
الزلزالی:٧-٨) وقوله ( ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحدا۔ الكهف: ٤٩} وقوله ( یوم تجد كل
نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً) وقوله (يوم يبعثهم الله
جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه) (فمن وجد خيرا) أى توفيق خير من ربه وعمل خير من نفسه
(فليحمد الله) أى على توفيقه إياه للخير لأنه الهادى (ومن وجد غير ذلك) أى شرا ولم يصرح به تحقيرا له
وتنفيراً عنه (فلا يلومن إلا نفسه) لأنه صدر من نفسه أو لأنه باق على ضلاله الذى أشير اليه بقوله كلكم ضال
قاله القارى. وقال العلقمى: ان الطاعات التى يترتب عليها الثواب والخير بتوفيق الله عزوجل فيجب حمده على
التوفيق والمعاصى التى يترتب عليها العقاب والشر، وان كانت بقدر الله وخذلانه العبد فهى كسب العبد فليلم
نفسه لتفريطه بالكسب القبيح. وقال ابن رجب: قوله ((ثم أوفيكم إياها)) الظاهر إن المراد توفيتها يوم القيامة
كما قال تعالى: ﴿وإنما توفون أجور كم يوم القيامة﴾ ويحتمل أن المراد يوفى عباده جزاء أعمالهم فى الدنيا
والآخرة. ثم بسط شرح قوله ((فمن وجد خيراً الخ، على هذين الاحتمالين من أحب الوقوف عليه رجع إلى
شرحه الأربعين النووية (رواه مسلم) فى البر والصلة من رواية سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبى
ادر یس الخولانی عن أبى ذر ، وفی آخره قال سعید بن عبد العزیز : کان أبو ادریس الخولانی اذا حدث بهذا
الحدیث جثا علی ر کیتیه، وأخرجه مسلم أيضاً من رواية قتادة عن أبى قلابة عن أبى اسماء عن أبى ذر قال قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم فيما يروى عن ربه عزو جل أنى حرمت على نفسى الظلم وعلى عبادى فلا تظالموا. قال مسلم
١٩
مرعاة المفاتيح ج ٨
٩ - كتاب الدعوات
٤ - باب الاستغفار والتوبة
٢٣٥٠ - (٥) وعن أبى سعيد الخدرى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان فى
بنى اسرائيل وجل قتل تسعة وتسعين انسانا، ثم خرج يسأل، فأتى رامباً، فسأله، فقال: أله توبة؟
قال: لا. فقتله. وجعل يسأل ،
وساق أى أبو أسماء الحديث بنحوه، وحديث أبى ادريس أتم منه - انتهى. قلت رواه أحمد (ج ٥ ص ١٦٠)
من طريق قتادة عن أبى قلابة عن أبى أسماء وساقه بلفظه، وأخرجه أحمد ( ج ٥ ص ١٥٤، ١٧٧) والترمذى
وابن ماجه والبيهقى من رواية شهر أبن حوشب عن عبد الرحمن بن غنيم عن أبى ذر ويأتى لفظه فى الفصل الثانى.
٢٣٥٠ - قوله ( كان فى بنى اسرائيل رجل) قال الحافظ: لم أقف على اسمه ولا على اسم أحد من
الرجال من ذكر فى القصة (قتل تسعة وتسعين انسانا) زاد الطبرانى من حديث أبى معاوية بن أبى سفيان كلهم
ظلما (ثم خرج يسأل) أى عن التوبة والاستغفار، وفى رواية هشام عن قتادة عند مسلم فسأل عن أعلم أهل
الأرض فدل على راهب (فأتى راهبا) الراهب واحد رهبان النصارى، وهو الخائف والمتعبد المتزل عن الخلق،
وفيه اشعار بأن ذلك وقع بعد رفع عيسى عليه السلام ، فان الرهبانية إنما ابتداعها اتباعه كما نص عليه فى القرآن
(فسأله فقال) أى القاتل (أله) أى لهذا الفعل أو لهذا الفاعل (توبة) بعد هذه الجريمة العظيمة، وقوله ((أله
توبة)، كذا فى جميع نسخ المشكاة الحاضرة عندنا. قال القارى: وفى نسخة يعنى من المشكاه كما فى نسخة المصابيح
ألى توبة. قلت: فى نسخة المصابيح الموجودة عندنا من طبعة بولاق سنة ١٢٩٤ فقال له هل لى توبة. وليس فى
البخارى الهمزة ففى أصل الحافظ فقال له توبة. قال الحافظ: بحذف أداة الاستفهام، وفيه تجريد أو التفات،
لأن حق السياق أى متقضى الظاهر أن يقول ألى توبة - انتهى. وفى أصل العينى والقسطلانى فقال له هل من توبة
قال العينى: يعنى فقال الراهب هل من توبة لى. وقال القسطلانى سقط لأبوى ذروالوقت لفظة من فتوبة رفع،
وفى رواية مسلم أنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من قوبة (قال) أى الراهب فى جوابة (لا) أى لا توبة له
أو لك بعد أن قتلت تسعة وتسعين إنسانا وأفتاء بذلك لغلبة الخشية عليه، واستبعاده إن أصح آوبته بعد قتله من
ذكر أنه قتله بغير حق (فقتله) وكمل به مائة. قال القارى: لعله لكونه أوهمه إنه لا يقبل له توبة منها وإن
رضى مستحقوه. وقيل: لأن فتياه اقتضت عنده أن لا نجاة له فينس من الرحمة ثم تداركه الله فندم على ما صنع
فرجع يسال. وفيه إشارة إلى قلة فطنة الراهب لأنه كان من حقه التحرز من اجترأ على القتل حتى صار له عادة
بأن لا يواجهه بخلاف مراده، وإن يستعمل معه المعاريض مداراة عن نفسه هذا لو كان الحكم عنده صريحا فى
عدم قبول توبة القاتل فضلا عن أن الحكم لم يكن عنده الا مظنونا (وجعل) فى البخارى فجعل (يسأل) أى من
٢٠