Indexed OCR Text

Pages 361-380

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
من قلب غافل لاء. رواه الترمذى. وقال: هذا حديث غريب.
٢٢٦٤ - (٢٠) وعن مالك بن يسار، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذا سألتم اللّه
فاستلوه بيطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها.
فكيف يكون الداعى يقين. قلنا: الداعى لا يكون محروما عن إجابة الدعاء البتة لأنه يعطى ما يسأل وإن لم يكن إجابته
مقدرا فى الأزل لا يستجاب دعاءه فيما يسأل ولكن يدفع عنه السوء مثل ما يسأل كما جاء فى الحديث أو يعطى عوض
ما يسأل يوم القيامة من الثواب والدرجة ، لأن الدعاء عبادة ومن عمل عبادة لا يجعل محروما من الثواب - انتهى.
(من قلب غافل) بالاضافة وتركها أى معرض عن اللّه أو عما يسأله (لاه) من اللهو أى لاعب بما سأله أو مشتغل
بغير الله وهذا عمدة آداب الدعاء ولهذا خص بالذكر (رواه الترمذى) وأخرجه أيضا الحاكم (ج ١ ص ٤٩٣)
وفى سندهما صالح بن بشير بن وداع البصرى القاص الزاهد المعروف بالمرى بضم الميم وتشديد الراء وهو ضعيف.
(وقال هذا حديث غريب) وقال الحاكم: حديث مستقيم الاسناد تفرد به صالح المرى وهو أحد زهاد أهل
البصرة. قال المنذرى: لا شك فى زهده لكن تركه أبو داود والنسائى - انتهى. قلت: وقال البخارى منكر
الحديث. وضعفه الجمهور. وللحديث شاهد من حديث عبد الله بن عمرو إن رسول الله مرثية قال القلوب أوعية
وبعضها أوعى من بعض فإذا سألتم الله عز وجل أيها الناس فاسألوه وأنتم موقنون بالاجابة، فإن الله لا يستجيب
لعيد دعاءه عن ظهر قلب غافل. أخرجه أحمد (ج٢ ص١٧٧) وحسن المنذرى والهيشمى اسناده، ويؤيده ما روى
الطبرانى من حديث ابن عمر بنحو ذلك. قال الهيشمى (ج ١٠ ص ١٤٨) بعد ذكره: وفيه بشير بن ميمون
الواسطى وهو مجمع على ضعفه.
٢٢٦٤ - قوله (وعن مالك بن يسار) بفتح الياء السكونى بفتح السين. قال فى التقريب : صحابى قليل
الحديث - انتهى. وقال سلمان بن عبد الحميد: شيخ أبى داود لمالك بن يسار عندنا صحبة. قال المنذرى فى مختصر
السّن والحافظ فى الاصابة: وفى نسخة من السنن ((ما)) لمالك بزيادة ((ما)) النافية وقال أبو القاسم البغوى:
لا أعلم بهذا الاسناد غير هذا الحديث ولا أدرى له صحبة أو، لا - انتهى. وقال المصنف: قد اختلف فى صحبته.
( إذا سألتم اللّه) شيئاً من جلب نفع (فاسألوه بيطون أكفكم) جمع الكف أى مع رفعها إلى السماء (ولا تسألوه
بظهورها ) قال ابن حجر : لأن اللائق لطالب شىء يناله أن يمد كفه إلى المطلوب ويبسطها متضرعا ليملأ ها من
عطاءه الكثير المؤذن به رفع اليدين اليه جميعاً، أما من سأل رفع شىء وقع به من البلاء فالسنة أن يرفع الى السماء ظهر
كفيه إتباعاً له عليه الصلاة والسلام وحكمته التفاؤل فى الأول بحصول الماءول، وفى الثانى بدفع المحظور - انتهى.
٣٦١

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
٢٢٦٥ - (٢١) وفى رواية ابن عباس، قال: سلوا الله بيطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها،
فإذا فرغتم فامسحوا بها وجومكم . رواه أبو داود .
قلت يدل على هذا الفرق ما ذكرنا فى (ج ٢ ص ٣٩٤) من حديث السائب بن خلاد عن أبيه أن النبي صلى الله
عليه وسلم كان إذا سأل جعل باطن كفيه اليه واذ استعاذ جعل ظاهرهما اليه أخرجه أحمد وفى اسناده ابن لهيعة
وفيه مقال مشهور. وقيل: جعل ظهر الكف فوق بطنها مخصوص بالاستسقاء كقلب الرداء. واستدل لذلك بما
تقدم فى الاستسقاء من حديث أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى فأشار بظهر كفيه الى السماء" رواه مسلم
وفيه إنه ليس فيه ما يدل على اختصاص ذلك بالاستسقاء وفى الباب عن أبى بكرة أخرجه الطبرانى: قال الهيشمى
(ج ١٠ ص ١٦٩) ورجاله رجال الصحيح غير عمار بن خالد الواسطى وهو ثقة.
٢٢٦٥ - قوله (وفى رواية ابن عباس الخ) أى زاد فى حديث ابن عباس بعد قوله بظهورها «فاذا فرغتم
فامسحوا بها وجوهكم)، (قال ) أى رسول الله صلى الله عليه وسلم (سلوا الله بيطون أكفكم) لأن هذه هيئة
السائل الطالب المنتظر للأخذ اذ مادة من طلب شيئاً من غيره أن يمد يده إليه ليضع ما يعطيه له فيها (فإذا فرغتم)
أى من الدعاء ( فامسحوا بها) أى بأكفكم (وجوهكم) فانها تنزل عليها آثار الرحمة فتصل بركتها اليها. قال
فى اللعات: أى تبركا بما فاض من أنوار الإجابة وإيصالها الى الوجه الذى هو أشرف الأعضاء وأقربها أولى -
انتهى. وفيه استحباب مسح اليدين بالوجه عقب الدعاء. واتفقوا على ذلك خارج الصلاة. وإما فى الصلاة
فقال البيهقى (ج ٢ ص ٢١٢) بعد رواية أثر عمر فى رفع اليدين فى القنوت . أما مسح اليدين بالوجه عند الفراغ
من الدعاء فلست أحفظه عن أحد من السلف فى دعاء القنوت وإن كان يروى عن بعضهم فى الدعاء خارج الصلاة
وقد روى فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث فيه ضعف (يشير الى حديث ابن عباس) وهو مستعمل عند
بعضهم خارج الصلاة وإما فى الصلاة فهو عمل لم يثبت بخبر صحيح ولا أثر ثابت ولا قياس. فالأولى أن يفعله
ويقتصر على ما فعله السلف رضى الله عنهم من رفع اليدين دون مسحهما بالوجه فى الصلاة - انتهى.
( رواه أبو داود) فى أواخر الصلاة. وحديث مالك بن يسار أخرجه البغوى وابن أبي عاصم وابن السكن
والمعمرى فى اليوم والليلة وابن قانع كلهم من طريق ضمضم بن زرعة الحضرمى الشامى عن شريح بن عبيد عن
أبى ظبية عن أبى بحرية عنه. وقد اقتصر أبو داود على ذكر كلام شيخه فى مالك بن يسار. ونقل المنذرى بعد
ذكره اختلاف النسخة التى أشرنا الیه وكلام البغوى، ثم قال وفی اسناده اسماعيل بن عیاش ( راوی الحديث عن
ضمضم) وقد تكلم فيه غير واحد وصمح بعضهم روايته عن الشاميين وفى إسناده أيضاً ضمضم بن زرعة الحضرمى
وهو شامى وثقه يحيى بن معين - انتهى. وحديث ابن عباس رواه أبو داود من طريق عبد الله بن يعقوب بن
٣٦٢

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
٢٢٦٦ - (٢٢) وعن سلمان، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: إن ربكم حيى كريم
يستحيى من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً.
اسحاق عمن حدثه عن محمد بن كعب القرظى عن عبد الله بن عباس. قال أبو داود: روى هذا الحديث
من غير وجه عن محمد بن كعب كلها واهية وهذا الطريق " لها وهو ضعيف أيضاً - انتهى. قلت: عبد الله بن
يعقوب بن اسحاق. قال الحافظ فى التقريب فى ترجمته: وهو مجهول الحال. وقال فى مبهماته: عبد الله بن يعقوب
عمن حدثه عن محمد بن كعب يقال هو أبو المقدام هشام بن زياد. وقال فى مبهمات التهذيب: عبد الله بن يعقوب
ابن اسحاق عن من حدثه عن محمد بن كعب القرظى عن ابن عباس الحديث مشهور برواية أبى المقدام هشام بن
زياد عن محمد بن كعب - انتهى. قلت: وأبو المقدام هشام بن زياد ضعيف متروك. والحديث رواه ابن ماجه
فى الدعاء والحاكم (ج ١ ص ٥٣٦) من طريق صالح بن حسان عن محمد بن كعب، وصالح هذا ضعيف متروك
وحديث ابن عباس وأخرجه أيضاً البيهقى فى السنن الكبرى (ج ٢ ص ٢١٢) من طريق أبي داود ثم نقل كلام
أبى داود المتقدم .
٢٢٦٦ - قوله ( إن ربكم) هذا لفظ أبى داود والترمذى والبيهقى إن الله (حي ) بكسر الياء الأولى
وتشديد الثانية فعيل من الحياء أى كثير الحياء ووصفه تعالى بالحياء يحمل على ما يليق له كسائر صفاته نؤمن بها
ولا نكيفها (كريم ) هو الذى يعطى من غير سؤال فكيف بعده. وقيل: الكريم هو الجواد المعطى الذى
لا ينفد عطاءه وهو الكريم المطلق (يستحي) عينه ولامه حرفا علة (من عبده اذا رفع يديه إليه) ولفظ الترمذى
والبيهقى يستحي اذا رفع الرجل اليه يديه (أن يردهما صفرا) بكسر الصاد المهملة وسكون الفاء أى خاليتين فارغتين
يقال صفر الشىء بكسر الفاء أى خلا، والمصدر الصفر بالتحريك ولا يدخلون فيه تاء التأنيث بل يستعملونه على
صيغته هذه فى المذكر والمؤنث والتثنية والجمع، وزاد فى رواية الترمذى والبيهقى خائبتين من الخيبة وهو الحرمان
وفى الحديث دلالة على استحباب رفع اليدين فى الدعاء ويكونان مضمومتين ، لما روى الطبرانى فى الكبير عن ابن
عباس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا دعا ضم كفيه وجعل بطونهما مما يلى وجهه ذكره ابن رسلان كذا
فى السراج المنير . وقال فى هامش تحفة الذاكرين نقلا عن عدة الحصن الحصين بعد ذكر حديث ابن عباس هذا
وسنده ضعيف - انتهى. وقد ورد فى رفع الأيدى عند الدعاء أحاديث كثيرة صحيحة صريحة كما ذكرها شيخنا فى
شرح الترمذى فى باب ما يقول اذا سلم، والحافظ فى الفتح فى باب رفع الأيدى فى الدعاء من كتاب الدعوات
والجمع بين هذه الأحاديث وبين ما تقدم من حديث أنس إنه لم يكن النبى صلى الله عليه وسلم يرفع يديه فى شى
من دعاه إلا فى الاستسقاء رواه الشيخان بأن المنفى صفة خاصة لا أصل الرفع، قال الحافظ: ما حاصله إن الرفع
٣٦٣

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
رواه الترمذى، وأبو داود، والبيهقى فى ((الداعوات الكبير))
٢٢٦٧ - (٢٣) وعن عمر، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا رفع يديه فى الدعاء لم يحطهما
حتى يمسح بهما وجهه. رواه الترمذى.
فى الاستسقاء يخالف غيره إما بالمبالغة الى أن تصير اليدان حذو الوجه مثلا وفى الدعاء الى حذو المنكبين
ولا يعكر على ذلك إنه ثبت فى كل منهما حتى يرى بياض أبطيه بل يجمع بأن تكون روية البياض فى الاستسقاء
أبلغ منها فى غيره. وأما إن الكفين فى الاستسقاء يليان الأرض وفى الدعاء يليان السماء. قال المنذري:
وبتقدير تعذر الجمع بجانب الاثبات أرجح - انتهى. (رواه الترمذى) فى الدعوات (وأبو داود) فى أواخر
الصلاة (والبيهقى فى الدعوات الكبير) وكذا فى السنن الكبرى (ج ٢ ص ٢١١) وأخرجه أيضاً أحمد (ج .
ص ٤٣٨) وابن ماجه وابن حبان والحاكم (ج ١ ص ٤٩٧ - ٥٣٥) قال الترمذى: حديث حسن غريب.
وروى بعضهم ولم يرفعه. وقال البيهقى: رفعه جعفر بن ميمون بياع الانماط عن أبى عثمان النهدى عن سلمان
هكذا، ووقفه سليمان التيمى عن أبى عثمان فى إحدى الروايتين عنه. قلت: رواه أحمد والحاكم موقوفا ومرفوعاً
وقال الحاكم: إسناد صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وسكت عنه أبو داود. وقال الحافظ فى الفتح:
سنده جيد. قال الحاكم: وله شاهد باسناد صحيح من حديث أنس بن مالك ثم رواه نحو حديث سلمان. قال
المنذرى : فى تصحيح سنده نظر . وقال الذهبى: عامر بن يساف (أحد رواة حديث أنس) ذو منا كير - انتهى.
قلت: ونسب فى الكنز ( ج ١ ص ١٦٩) حديث أنس الى: بد الرزاق وأبي يعلى أيضاً.
٢٢٦٧ - قوله (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا رفع يديه فى الدعاء) قيل: حكمة الرفع إلى
السماء إنها قبله الدماء ومهبط الرز" والوحى وموضع الرحمة والبركة (لم يحطهما) بضم الحاء المهملة ونصب الطاء
المشددة أى لم يضعهما (حتى يمسح بهما وجهه) وذلك على طريق التيمن والتفاؤل فكأنه يشير الى ان كفيه ملئتا
من البرد السماوية والأنوار الاغية فهو يفيض منها على وجه الذى هو أولى الأعضاء بالكرامة قاله التوربشتى
وقال فى السبل: فى الحديث دليل على مشروعية مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء. وقيل: وكأن المناسبة
إنه تعالى لما كان لا يردهما صفرا فكان الرحمة أصابتهما فناسب إفاضة ذلك على الوجه الذى هو أشرف الأعضاء
وأحقها بالتكريم - انتهى. (رواه الترمذى) وأخرجه أيضاً الحاكم (ج ١ ص ٥٣٦) كلاهما من طريق حماد
ابن عيسى الجهنى عن حنظلة بن أبى سفيان الجمحى عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن عمر. قال الترمذى: حديث
غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن عيسى وقد تفرد به وهو قليل الحديث. وقد حدث عنه الناس وحنظلة
٣٦٤

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
٢٢٦٨ - (٢٤) وعن عائشة، قالت: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يستحب الجوامع من
الدعاء ويدع ما سوى ذلك . رواه أبو داود.
٢٢٦٩ - (٢٥) وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أسرع
الدعاء إجابة دعوة غائب لغائب. رواه الترمذى وأبو داود.
ابن أبى سفيان ثقة وثقه يحيى القطان - انتهى. قلت: حماد هذا ضعيف ضعفه أبو حاتم وأبو داود والدار قطنى.
وقال مأكولا: ضعفوا أحاديثه كذا فى تهذيب التهذيب ، والحديث سكت عنه الحاكم والذهبي. وقال النووى فى
الأذكار ( ص ٢٩٤) فى اسناده ضعف، وأما قول الحافظ عبد الحق إن الترمذى قال فيه إنه حديث صحيح
فليس فى النسخ المعتمدة من الترمذى إنه محمیح بل قال حديث غريب - انتهى .
٢٢٦٨ - قوله (كان رسول اللّه ◌َؤثّم يستحب) أى يحب ( الجوامع من الدعاء ) أى الجامعة
لخير الدنيا والآخرة. وقيل: هى ما كان لفظه قليلا ومعناه كثيرا شاملا لأمور الدنيا والآخرة كما فى قوله تعالى
﴿ربنا آتنا فى الدنياحسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار-البقرة: ٢٠١) ومثل الدعاء بالعافية فى الدنيا والآخرة
وقيل: هى الجامعة للتحميد والصلاة وجميع آداب الدعاء. وقيل: هى ما يجمع الأغراض الصالحة والمقاصد
الصحيحة ( ويدع) أى يترك ( ما سوى ذلك) أى من الأدعية فى غالب الأحيان (رواه أبو داود) فى آخر
الصلاة وسكت عنه هو والمنذرى وأخرجه الحاكم (ج ١ ص ٥٣٩) وقال حديث صحيح الاسناد ووافقه الذهبي.
٢٢٦٩ - قوله (وعن عبد الله بن عمرو) بالواو (إن أسرع الدعاء اجابة) تمييز، وهذا لفظ أبى داود
والترمذى ما دعوة أسرع إجابة من دعوة غائب لغائب (دعوة غائب لغائب) معناه فى غيبة المدعو له أو فى سره
کأنه من وراء معرفته أو معرفة الناس. روی اخرائطی فی مکارم الأخلاق عن يوسف بن أسباط قال مكثت دهرا
وأنا أظن هذا الحديث اذا كان غائبا عن شخصه ثم نظرت فيه فإذا هو لو كان على المائدة وهو لا يسمع كان
غائبا، وخص حالة الغيبة بالذكر البعد عن الرياء والأغراض الفاسدة المنقصة من الأجر فانه فى حالة الغيبة بتمحض
الاخلاص ويصح قصد وجه الله تعالى بذلك فيوافقه الملك فيدعو له بمثل ذلك ويؤمن على دعاء، كما تقدم ودعاء.
أقرب الى الإجابة لأن الملك معصوم. وفى الحديث الحث على الدعاء للمؤمنين بظهر الغيب. (رواه الترمذى)
فى البر والصلة (وأبو داود) فى أواخر الصلاة كلاهما من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الافريقى عن
عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمرو بن العاص. قال الترمذى: هذا حديث غريب لانعرفه إلا من هذا الوجه
والافريقى يضعف فى الحديث - انتهى. وسكت عنه أبو داود ونقل المنذرى كلام الترمذى وأقره. قلت:
٣٦٥

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
٢٢٧٠ - (٢٦) وعن عمر بن الخطاب، قال: إستأذنت النبى صلى الله عليه وسلم فى العمرة أذن
لى، وقال: أشركعا يا أخى! فى دعائك ولا تنسعا. فقال كلمة ما يسرنى إن لى بها الدنيا. رواه
أبو داود والترمذى وانتهت روايته عند قوله: ولا تسنا.
والحديث أخرجه أيضاً البخارى فى الأدب المفرد والطبرانى فى الكبير، وفى الباب أحاديث كثيرة ، منها حديث
أبى الدرداء، وقد تقدم ، ومنها حديث عمران بن حصين أخرجه البزار، ومنها حديث ابن عباس الآتى فى
آخر الباب، ومنها حديث وائلة عند أبي نعيم فى الحلية .
٢٢٧٠ قوله (إستاذنت النبي صلى الله عليه وسلم فى العمرة) أى من المدينة. قال ابن حجر: فى قضاً عمرة
كان نذرما فى الجاهلية ذكره القارى (فاذن لى) أى فيها (أشركنا) يحتمل نون العظمة وأن يريد نحن وأتباعنا
(يا أخىّ) بالتصغير أو بدونه، والمراد بالتصغير الاختصاص بالتلطف والتعطف لا التحقير (فى دعائك) فيه إظهار
الخضوع والمسكنة فى مقام العبودية بالتماس الدعاء ممن عرف له الهداية وحث للأمة على الرغبة فى دعاء الصالحين
وأهل العبادة وتنبيه لهم ٣ٍ، أن لا يخصوا أنفسهم بالدعاء ولا يشاركوا فيه أقاربهم وأحباءهم لا سيما فى مظان
الإجابة وتفخيم لشأن عمر وإرشادة بذكره فى السامعين وإرشاد إلى ما يحمى دعاءه من الرد (ولا تنسنا)
تأكيد أو أراد به فى سائر أحواله (فقال) قال القارى: عطف على ((قال أشركنا)) التعقيب المبين بالمبين أى قال
عمر فقال بمعنى تكلم النبي صلى الله عليه وسلم ( كلمة) وهى أشركنا أو يا أخى! بالإضافة إلى نفسه الشريفة أو
لا تنسنا أو غير ما ذكر ولم يذكره توقيا عن التفاخر ونحوه من آفات النفوس (ما يسرنى) بضم السين (إن لى
بها الدنيا) الباء للبدلية و ((ما)، نافية وإن مع اسمه وخبره فاعل يسرفى أى لا يعجبنى ولا يفرحنى كون جميع
الدنيا لى بدلها قاله القارى. قلت: وفى رواية أحمد فقال عمر: ما أحب إن لى بها ما طلعت عليه الشمس لقوله
يا أخى (رواه أبو داود) فى أواخر الصلاة (والتر مذى) فى الدعوات وأخرجه أيضاً أحمد (ج ١ ص ٢٩)
(ج ٢ ص ٥٩) وابن ماجه فى فضل دماء الحاج من كتاب الحج ونسبه فى التنقيح لأبى داود الطيالسى والبيهقى
فى الشعب أيضاً (وانتهت روايته) أى الترمذى وكذا رواية ابن ماجه (عندقوله ولا تنسنا) والحديث صححه الترمذى
وسكت عنه أبو داود . قلت : فى سنده عندهم عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوی و هو
ضعيف. كما ستعرف. فالحديث ضعيف الاسناد. قال المنذرى بعد نقل تصحيح الترمذى: وفى اسناده عاصم بن
عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة - انتهى. قلت: ضعفه ابن معين والنسائى
٣٦٦

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
٢٢٧١ - (٢٧) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لا ترد دعوتهم:
الصائم حين يفطر، والامام العادل، ودعوة المظلوم برفعها اللّه فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء،
ويقول الرب: وعزتى لأنصرنك ولو بعد حين. رواه الترمذى.
وابن خراش وغيرهم ، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث ولا يحتج به . وقال ابن نمير وأبو حاتم والبخارى:
منكر الحديث. وقال شعبة: كان عاصم لو قيل له: من بنى مسجد البصرة لقال فلان عن فلان عن النبي مؤ ثّه
وقال الدار قطنى: مدينى يترك وهو مغفل. وقال ابن حبان: كان سيئى الحفظ كثير الوهم فاحش الخطأ فترك من
أجل كثرة خطأه كذا فى تهذيب التهذيب .
٢٢٧١ - قوله (ثلاثة) أى أشخاص أو ثلاثة رجال (الصائم) أى منهم أو أحدهم الصائم (حين يفطر)
لأنه بعد عبادة وحال تضرع ومسكنة (والامام العادل) بين رعيته (ودعوة المظلوم) كان مقتضى الظاهر أن.
يقول، والمظلوم ، ولعله لما كانت المظلومية ليست بذاتها مطلوبة عدل عنه قاله القارى. وقال الطيبي: أى دعوة
الصائم ودعوة الامام بدليل قوله ودعوة المظلوم، ويكون بدلا من دعوتهم وقوله (يرفعها، حال كذا قيل، والأولى
أن يكون أى يرفعها خبرا لقوله ودعوة المظلوم وقطع هذا القسم عن أخويه لشدة الاعتناء بشأن دعوة المظلوم
ولو فاجرا أو كافرا وينصر هذا الوجه عطف قوله ويقول الرب على قوله ويفتح فانه لا يلائم الوجه الأول
. لأن ضمير يرفعها للدعوة حينئذ لا لدعوة المظلوم كما فى الوجه الأول. قال القارى: والظاهر إن الضمير على
الوجهين لدعوة المظلوم وإنما بولغ فى حقها لأنه لما لحقته نار الظلم واحترقت أحشاءه خرج منه بالنضرع
والانكسار وحصل له حاله الاضطرار فيقبل دعاءه كما قال تعالى: ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.
النمل: ٦٢﴾ (يرفعها اللّه فوق الغمام) أى تجارز الغمام أى السحاب (ويفتح) أى اللّه (لها) أى لدعوته
(أبواب السماء) بالنصب على أن يفتح مذكر معلوم وبالرفع على أنه مؤنث مجهول. قيل: رفعها فوق الغمام وفتح
أبواب السماء لها كناية عن سرعة القبول والوصول الى مصعد الاجابة (لأنصرنك) بفتح الكاف أى أيها
المظلوم ( ولو بعد حين) الحين يستعمل لمطلق الوقت ولستة أشهر ولأربعين سنة، والمعنى لا أضيع حقك
ولا أرد دعائك ولو مضى زمان طويل لأنى حليم لا أعجل عقوبة العباد لعلهم يرجعون عن الظلم والذنوب الى
إرضاء الخصوم والتوبة، وفيبه إيماء إلى أنه تعالى يمهل الظالم ولا يهمله (رواه الترمذى) فى موضعين الأول فى
باب صفة الجنة ونعيمها من طريق حمزة الزيات عن زياد الطائى عن أبى هريرة . وقال بعد روايته : هذا حديث
ليس إسناده بذلك القوى، وليس هو عندى بمتصل ـ انتهى. قلت: زياد الطائى. قال الذهبي في الميزان: فيه
٣٦٧

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
٢٢٧٢ - (٢٨) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث دعوات مستجابات. لا شك
فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم، رواه الترمذى: وأبو داود، وابن ماجه.
لا يعرف. وقال الحافظ فى التقريب: مجهول أرسل عن أبى هريرة ، والثانى فى الدعوات فى باب بعد باب أى
الكلام أحب إلى الله من طريق سعدان القمى وهو صدوق عن أبى مجاهد سعد الطائى وهو لا بأس به عن أبى مدلة
بضم الميم وكسر المهملة وتشديد اللام وهو مقبول عن أبى هريرة: قال الترمذى، حديث حسن. ونسبه السيوطى
فى الجامع الصغير لأحمد أيضاً والشوكانى فى تحفة الذاكرين لابن خزيمة وابن حبان أيضاً .
٢٢٧٢ - قوله (ثلاث دعوات) مبتدأ خبره (مستجابات) قال الطيبي: الحديث السابق ثلاثة ، وفى هذا
ثلاث دعوات ، لأن الكلام على الأول فى شأن الداعى وتحريه فى طريق الاستجابة وما هى منوطة به من الصوم
والعدل بخلاف الوالد والمسافر اذ ليس عليهما الاجتهاد فى العمل. (لا شك فيهن) أى فى استجابتهن وهو آكد
من حديث لا ترد. وإنما أكد به لايتجاء هؤلاء الثلاثة إلى الله تعالى بصدق الطلب ورقة القلب وإنكسار الخاطر
قاله القارى. (فى عوة الوالد) أى لولده أو عليه ولم يذكر الوالدة لأن حقها آكد فدعاء ما أولى بالإجابة وقوله
((دعوة الوالد)) هذه رواية أبى داود، وكذا وقع فى رواية لأحمد ولفظ الترمذى ((دعوة الوالد على ولده))
وهكذا وقع فى أكثر روايات أحمد وفى رواية الأدب المفرد ((دعوة الوالدين على ولدهما)) وفى رواية ابن ماجه
((دعوة الوالد لولده)، وكذا وقع فى رواية أبى داود الطيالسى (ودعوة المسافر) يحتمل أن تكون دعوته ان
أحسن اليه وبالشر لمن آذاه وأساء اليه لأن دعاءه لا يخلو عن الرقة (ودعوة المظلوم) أى لمن ينصره ويعينه أو
يسليه ويهون عليه أو على من ظلمه بأى نوع من أنواع الظلم. وقال السندى: قوله ((دعوة المظلوم)) أى فى حق الظالم
وأثر الاستجابة قد لا يظهر فى الحال لكون المجيب تعالى حكيما - انتهى. قال التوربشتى: اختص هؤلاء الثلاثة
باجاية الدعوة لانقطاعهم الى الله لصدق الطلب ورقة القلب وإنكسار البال وراثة الحال. أما المسافر فلأنه
منقطع عن الوطن المألوف مفارق عما كان يستأنس به مستشعر فى سفره من طوارق الحدثان فلا يخلو ساعتئذ
عن الرقة والرجوع الى اللّه بالباطن. وأما المظلوم فإنه منقلب إلى ربه على صفة الاضطرار. وأما الوالد فإنه يدعو
لولده على نعت الحنو والرقبة وإيثار الولد على نفسه بما يستطيع فيخلص فى دعاءه مبلغ جهده. (رواه التر مذى)
فى باب دعاء الوالدين فى أوائل البر والصلة وفى باب دعوة المسافر من أبواب الدعوات . وقال : حديث حسن .
(وأبو داود) فى أواخر الصلاة وسكت عنه، ونقل المنذرى تحسين الترمذى وأقره (وابن ماجه) فى الدعاء وأخرجه
أيضاً أحمد فى مواضع، والبخارى فى الأدب المفرد وأبو داود الطيالسى، وفى الباب عن عقبة بن عامر الجهنى عند
الطبرانى بإسناد جيد.
٣٦٨

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
( الفصل الثالث )
٢٢٧٣ - (٢٩) عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ايسئل أحدكم ربه حاجته
كلها، حتى يسأل شسع فعله اذا انقطع.
٢٢٧٤ -- (٣٠) زاد فى رواية عن ثابت البنانى مرسلا، حتى بسأله الملح، وحتى يسأله شسعة اذا
انقطع. رواه الترمذى.
٢٢٧٣ - قوله (حاجته) مفعول ثان ( كلها ) تأكيد لها أى جميع مقصوداته إشعارا بالافتقار الى
الاستعانة فى كل لحظة ولحة، ولأن خزائن الجود بيده وأزمته اليه ولا معطى إلا هو (حتى يسأل) أى ربه وفى
بعض النسخ حتى يسأله (شع فعله) بكسر المعجمة وسكون المهملة، أى شراكها. قال فى المجمع: هو من سيور
النعل ما يدخل بين الاصبعين ويدخل طرفه فى الثقب الذى فى صدر النعل المشدود فى الزمام ، والزمام سير يعقد
فيه الشسع . وقال الجزرى: شسع النعل سير من سيورها التى تكون على وجهها يدخل بين الاصبعين - انتهى.
قال الطيبي: وهذا من باب التميم لأن ما قبله جتى فى المهمات وما بعده فى المتمات .
٢٢٧٤ - قوله (وزاد فى رواية) حق المصنف أن يقول وفى رواية أويقول رواه التر مذى زاد فى رواية
قاله القارى (عن ثابت) بن أسلم (البنانى) بضم الموحدة وخفة النون الأولى وكسر الثانية منسوب الى بنانة إسم
أم سعد بن لؤى، وثابت هذا من ثقات التابعين وحكى عنه قال: صحبت أنساً أربعين سنة (مرسلا) أى مرفوعا
بحذف الصحابى (حتى يسأله الملح) ونحوه من الأشياء التافهة وهذا هو القدر الزائد، وأما قوله (( حتى يسأله شع
فعله الخ، فهو موجود فى الروايتين وإنما ذكره تنبيها على موضع الزائد (حتى يسأله شسعه) فانه إن لم ييسره لم يتيسر
ودفع به وبما قبله ما قد يتوهم من أن الدقائق لا ينبغى أن تطلب منه لحقارتها (رواه الترمذى) الحديث الموصول
رواه الترمذى عن أبى داود صاحب السنن عن قطن بن نسير البصرى وهو صدوق يخطئى كما فى التقريب عن جعفر
ابن سليمان عن ثابت عن أنس. قال الترمذى : هذا حديث غريب وروى غير واحد هذا الحديث عن جعفر بن
سليمان عن ثابت البنانى عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكروا فيه عن أنس حدثنا صالح بن عبد اللّه نا جعفربن
سليمان عن ثابت البنانى إن رسول اللّه مؤهل قال: يسأل أحدكم ربه حاجته حتى يسأله الملح وحتى يسأله شع نعله
اذا انقطع، وهذا أصح من حديث قطن عن جعفر بن سليمان - انتهى . يعنى إن حديث صالح بن عبد الله عن
جعفربن سليمان مرسلا أصح من حديث قطن عن جفعر متصلا، لأن صالح بن عبد الله أوثق من قطن ومع ذلك
٣٦٩

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
٢٢٧٥ - (٣١) وعنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه فى الدعاء حتى يرى
بياض ابطيه .
قد تابع صالح بن عبد الله غير واحد. وقال الحافظ فى تهذيب التهذيب فى ترجمة قطن ما لفظه . قال ابن عدى:
حدثنا البغوى ثنا القواريرى ئنا جعفر عن ثابت بحديث ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها فقال رجل للقواريرى إن
شيخا يحدث به عن جعفر عن ثابت عن أنس. فقال القواريرى: باطل. قال ابن عدى: وهو كما قال - انتهى.
قلت: حديث أنس نسبه السيوطى وغيره لابن حبان أيضا ونسبه الهيشمى فى مجمع الزوائد ( ج ١٠ ص ١٥٠)
للبزار وفيه زيادة قوله حتى يسأله الملح. قال الهيشمى: رواه الترمذى غير قوله وحتى يسأله الملح. ورجاله أى
عند البزار رجال الصحيح غير سيار بن حاتم وهو ثقة. وفى الباب عن عائشة بلفظ سلوا الله كل شىء حتى الشسع
فان الله إن لم يسره لم يتيسره. قال الهيثمى: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عبيد الله بن
المنادى وهو ثقة .
٢٢٧٥ - قوله (وعنه) أى عن أنس ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه فى الدعاء) أى فى
مواضع مخصوصية قاله القارى. (حتى يرى) بصيغة المجهول أى يبصر (بياض ابطيه) قال القارى: لعل المراد بياض
طرفى ابطيه ولا ينافيه حديث أبى داود المسئلة أن ترفع يديك حذو منكبيك فانه يحمل على الأقل فى الرفع أو على
أكثر الأوقات، والأول على بيان الجواز وفى الاستسقاء ونحوه من شدة البلاء والمبالغة فى الدعاء - انتهى.
قلت: قد ثبت فى كل من الاستسقاء وغيره حتى يرى بياض ابطيه، أما الاستسقاء فى الصحيحين من حديث أنس
قال كان النبى صلى الله عليه وسلم لا یرفع يديه فی شتی من دعاء إلا فى الاستسقاء، وإنه يرفع يديه حتى يرى
بياض ابطيه، وأما غير فى الاستسقاء فى البخارى عن أبى موسى فى قصة قتل عمه أبى عامر الأشعرى قال: فدعا
النبي صلى الله عليه وسلم بماء فتوضع ثم رفع يديه، فقال: اللهم اغفر لعبيد أبي عامر ورأيت بياض ابطيه ، وفى
الصحيحين من حديث أبى عبيد فى قصة ابن اللتبية ثم رفع يديه حتى رأيت عفرتى ابطيه يقول : اللهم هل بلغت .
قال الحافظ: فى ذلك رد على من قال لا يرفع كذا إلا فى الاستسقاء. قلت: ويدل على رفع اليدين كذلك مطلقا ما
روى البخارى معلقا فى الاستسقاء والدعوات عن أنس أن النبى گفتے رفع يديه حتى رأيت بياض ابطيه، وما روى
مسلم من وجه آخر عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه فى الدعاء حتى يرى بياض ابطيه
ويجمع بين ذلك بأن تكون رؤية البياض فى الاستسقاء أبلغ منها فى غيره وفى الباب عن أبي برزة عند أبي يعلى
وعن عائشة عند البزار ذكرهما الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ١٠ ص ١٦٨) مع الكلام عليهما.
٣٧٠

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
٢٢٧٦ - (٣٢) وعن سهل بن سعد، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم، قال: كان يجعل اصبعيه حذاء
منکییه ، ويدعو .
٢٢٧٧ - (٣٣) وعن السائب بن يزيد، عن أبيه: أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا، فرفع
يديه مسح وجهه بيديه . رواه البيهقى الأحاديث الثلاثة فى الدعوات الكبير.
٢٢٧٦ - قوله (كان يجعل اصبيعه) أى أصابع يديه مرتفعة (حذاء منكبيه) دل الحديث على القصد
والتوسط فى رفع اليدين وهو الأكثر والحديث السابق على الزيادة وهى حالة المبالغة والالحاح فى الدعاء والمسئلة
قاله القارى (ويدعو) أى بعد ذلك.
٢٢٧٧ - قوله (وعن السائب بن يزيد) تقدم ترجمته فى باب أحكام المياه (عن أبيه) هو يزيد بن سعيد
ابن ثمامة بن الأسود الكندى والد السائب بن يزيد المعروف بابن أخت النمر صحابي أسلم يوم الفتح. قال الزهرى:
عن سعيد بن المسيب قال ما اتخذ النبى صلى الله عليه وسلم قاضيا ولا أبو بكر ولا عمر حتى كان فى وسط خلافة
عمر فانه قال ليزيد ابن أخت النمر أكفنى بعض الأمر يعنى صغارها. وقال ابن سعد: استعمله عمر على السوق
(فرفع يديه) عطف على دعا (مسح وجهه بيديه) قال ابن حجر: جواب ((إذا)) والصواب إنه خبر كان، وإذا
ظرف له . قال الطيبي: دل على أنه إذا لم يرفع يديه فى الدعاء لم يمسح وهو قيد حسن، لأنه يَّم كان يدعو كثيراً
كما فى الصلاة والطواف وغيرها من الدعوات المأثورة دبر الصلوات وعند النوم وبعد الاكل وأمثال ذلك
ولم يرفع يديه لم يمسح بهما وجهه (روى البيهقى الاحاديث الثلاثة) حديث أنس قد أخرجه أيضا البخارى
ومسلم كما تقدم. وأما حديث سهل بن سعد فأخرجه أحمد (ج ٥ ص ٣٣٧) والحاكم ( ج ١ ص ٥٣٦) من
رواية عبد الرحمن بن اسحاق عن عبد الرحمن بن معاوية عن ابن أبي ذباب عن سهل بن سعد قال: مارأيت رسول
الله تع شاهراً يديه قط يدعو على منبر ولا غيره ما كان يدعوا إلا يضع يديه حذو منكبيه وبشير باصبعه اشارة
لفظ أحمد، وفى رواية الحاكم كان يجعل اصبعيه بحذاء منكبيه ويدعو. قال الحاكم: حديث صحيح الاسناد
ووافقه الذهبي. وقال الهيشمى: (ج ١٠ ص ١٦٧) فيه عبد الرحمن بن اسحاق الزرقى المدنى وثقه ابن حبان ،
وضعفه مالك وجمهور الائمة ، وبقية رجاله ثقات - انتهى. وأما حديث السائب بن يزيد عن أبيه فأخرجه أيضاً
أبو داود فى أواخر الصلاة من طريق حفص بن هاشم بن عتبة بن أبى وقاص عن السائب بن يزيد عن أبيه . وقد
سكت عنه أبو داود . وقال المنذرى: فى اسناده عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف. وقال الحافظ فى الاصابة: (ج٣
ص ٦٥٦) فى ترجمة يزيد والد السائب بن يزيد بعد ذكر هذا الحديث من رواية أبى داود وفى السند ابن لهيم
٣٧١

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
٢٢٧٨ - (٣٤) وعن عكرمة ، عن ابن عباس، قال: المسئلة أن ترفع يديك حذو منكيك
أونحوهما، والاستغفار أن تشير باصبع واحدة، والابتهال أن تمد يديك جميعا، وفى رواية. قال :
والابتهال هكذا ورفع يديه وجعل ظهورهما مما يلى وجهه . رواه أبو داود.
٢٢٧٩ - (٣٥) وعن ابن عمر، أنه يقول: ان رفعكم أيديكم بدعة، مازاد رسول الله صلى الله عليه
وسلم على هذا - يعنى الى الصدر -
واختلف عليه فى سنده - انتهى. قلت: ذكر الحافظ هذا الاختلاف فى تهذيب التهذيب فى ترجمة حفص بن
هاشم بن عتبة من شاء الوقوف عليه رجع إلى تهذيبه وحفص هذا قال الحافظ مجهول . وقال الذهبي : لا يدرى
من هو - انتهى . ويؤيده حديث عمر المتقدم فى الفصل الثانى .
٢٢٧٨ - قوله (المسئلة) مصدر بمعنى السؤال والمضاف مقدر ليصح الحمل أى أدبها (أن ترفع يديك
حذو منكبيك أو نحوهما) أى قريبا منهما (والاستغفار) أى أدبه (أن تشير باصبع واحدة) وهى السبابة سباً
للنفس الامارة والشيطان والتعوذ منهما إلى الله تعالى وقيده بواحدة لأنه يكره الاشارة بالاصبعين قاله الطيبى
(والابتهال) أى التضرع والاجتهاد والمبالغة فى الدعاء فى دفع المكروه عن النفس أدبه (أن يمديديك جميعا)
أى حتى يرى بياض ابطيك (وفى رواية قال والابتهال هكذا) تعليم فعلى والمشار اليه قوله (ورفع) أى ابن عباس
(يديه وجعل ظهورهما بما يلى وجهه) أى رفع يديه رفعا كليا حتى ظهر بياض الابطين جميعا وصارت كفاه محاذبين
لرأسه. قال الطيبي: ولعله أراد بالابتهال دفع ما يتصوره من مقابلة العذاب فيجعل يديه كالترس يستره من
المكروه - انتهى. والفرق بين الروايتين إن فى الرواية الأولى بيان الابتهال بالقول، وفى الثانية بالفعل.
(رواه أبوداود) فى أواخر الصلاة وسكت عليه هو والمنذرى ونسبه الحافظ فى الفتح للحاكم أيضا وسكت عنه.
٢٢٧٩ - قوله (إن رفعكم أيديكم) أى مبالغتكم فى الرفع فى الدعاء (بدعة ما زاد رسول الله مؤثر) أى
غالباً (على هذا يعنى) أى يريد بالمشار اليه (إلى الصدر) قال الطبى: يعنى تفسير لما فعله ابن عمر من رفع اليدين
إلى الصدر وأنكر عليهم غالب أحوالهم فى الدعاء وعدم تميزهم بين الحالات من الرفع إلى الصدر لأمر وفوقه إلى
المنكبين لأمر آخر وفوقهما لغير ذلك - انتهى. وقال فى اللعات: قوله ((إن رفعكم أيديكم)) بدعة يعنى رفعكم فوق
صدوركم دائما أو فى أكثر الأحوال من غير تمييز بين الأحوال المذكورة فى الحديث السابق بدعة، لم يفعله
رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كان حاله صلى الله عليه وسلم مختلفا تارة، كما ذكر قوله على هذا قد رفعهما ابن
عمر إلى الصدر فأراهم إياه بقوله وفعله، ولذلك فسر الراوى بقوله يعنى إلى الصدر - انتهى. وقال ابن حجر:
٣٧٢

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
رواه أحمد .
٢٢٨٠ - (٣٦) وعن أبي بن كعب، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا ذكر أحدا
فدعا له بدأ بنسفه . رواه الترمذى .
استند ابن عمر فى قوله ما زاد إلى علمه فهو ناف وغيره أثبت عنه صلى الله عليه وسلم الرفع إلى حذو المنكبين تارة
وإلى أعلى من ذلك أخرى والحجة للثبت. وقال الحافظ: وما نقل عن ابن عمر من إنكار رفع اليدين فى الدعاء
فانما أنكر رفعهما الى حذو المنكبين. وقال ليجعلهما حذو صدره كذلك أسنده الطبرى عنه قال وقد صح عن ابن
عمر خلاف ذلك أخرجه البخارى فى الأدب المفرد من طريق القاسم بن محمد رأيت ابن عمر يدعو عند القاص
برفع یدیہ حتی پحاذی بهما منکبیه. (رواه أحمد) قال الهيشمی: ( ج ١٠ ص ١٦٨) فيه بشر بن حرب وهو
ضعيف وفى الباب عن أبى سعيد قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا بعرفة يدعو هكذا ورفع يديه
وجعل بديه حيال ثندوته وجعل بطون كفيه ما يلى الأرض ، وفى رواية جعل ظهر كفيه ما يلى وجهه ورفعهما
فوق ثندوته وأسفل من منكبيه ، رواه أحمد وفيه أيضاً بشر بن حرب، وعن ابن عباس قال رأيت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يدعو بعرفة ويداه إلى صدره كاستطعام المسكين رواه الطبرانى فى الأوسط، وفيه الحسين بن
عبد الله بن عبيد الله وهو ضعيف كذا فى مجمع الزوائد ( ج ١٠ ص ١٦٧).
٢٢٨٠ - (فدعا له) عطف على ذكر أى فأراد أن يدعو له (بدأ بنفسه) جزاء اذا ذكر وفيه تعليم للامة
وأنه يندب للداعى أن يبدأ بنفسه ثم يثنى بمن أراد الدعاء له، وقد عقد البخارى فى صحيحه باب قول الله تعالى
وصل عليهم، ومن خص أخاه بالدعاء دون نفسه، ثم ذكرفيه ثمانية أحاديث تدل على ذلك. قال الحافظ: فى هذه
الترجمة إشارة الى رد ما جاء عن ابن عمر أخرجه ابن أبى شيبة والطبرى من طريق سعيد بن يسار قال: ذكرت
رجلا عند ابن عمر فترحمت عليه فلهز فى صدرى، وقال لى إبدأ بنفسك . وعن ابراهيم النخعى كان يقال اذا دعوت
فابدأ بنفسك فانك لا تدرى فى أى دعاء يستجاب لك، وأحاديث الباب ترد على ذلك قال. وأما ما أخرجه
الترمذى من حديث أبى بن كعب رفعه إن التى صلى الله عليه وسلم كان إذا ذكر أحداً فدعا له بدأ بنفسه وهو عند
مسلم فى أول قصة موسى والخضر، ولفظه وكان إذا ذكر أحداً من الأنبياء بدأ بنفسه، قال ويؤيد هذا القيد أن
النبى صلى الله عليه وسلم دعا لغير نبي فلم يبدأ بنفسه كقوله فى قصة هاجر يرحم الله أم اسماعيل لو تركت زمزم
لكانت عينا معينا . وحديث أبى هريرة اللهم أيده بروح القدس يريد حسان بن ثابت ، وحديث ابن عباس اللهم
فقهه فى الدين وغير ذلك من الأمثلة مع أن الذى جاء فى حديث أبى لم يطرد، فقد ثبت أنه دعا لبعض الأنبياء
فلم يبدأ بنفسه كحديث أبى هريرة يرحم الله لوطا لقد كان ياوى إلى ركن شديد - انتهى كلام الحافظ . قلت : فظهر
إن بدأه ◌َفع بنفسه عند ذكر أحد والدعاء له لم يكن من عادته المستمرة (رواه الترمذى) فى الدعوات وأخرجه
٣٧٣

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
وقال : هذا حديث حسن غريب صحيح.
٢٢٨١ - (٣٧) وعن أبى سعيد الخدرى، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ما من مسلم يدعو
بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يسجل له دعوته،
وإما أن يدخرها له فى الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها. قالوا: اذا نكثر قال: انه
أ کثر رواه أحمد.
أيضاً أحمد (ج ٥ ص ١٢١) وأبوداود فى الحروف والنسائى، ونسبه فى الجامع الصغير لابن حبان والحاكم أيضا
وفى الباب عن أبى أيوب أن النبى مُفّم كان إذا دعا بدأ بنفسه رواه الطبرانى. قال الهيشمى: اسناده حسن
(وقال هذاحديث حسن غريب صحيح) وسكت عنه أبوداود والمذرى، وقد تقدم أن أصل الحديث عند مسلم.
٢٢٨١ - قوله (ليس فيها إثم) أى معصية (ولا قطيعة رحم) تخصيص بعد تعميم والقطعية الهجران
والصد أى ترك البر الى الأهل والأقارب (إلا أعطاه الله بها) أى بتلك الدعوة (إحدى ثلاث) أى من
الخصال (إما أن يعجل له دعوته) أى بخصوصها أو من جنسها فى الدنيا فى وقت إراده إن قدر وقوعها فى الدنيا
يعنى يعجل له دعوته فى الدنيا فى أحوج أوقاته وأوفقها لا على أوقات تمنيه (وإما أن يدخرها) أى تلك المطلوبة
أو مثلها أو أحسن منها أوثوابها وبدلهها يعنى يجعلها ذخيرة بأن يعطيه جزيل ثوابها ( له ) أى الداعى (فى الآخرة)
إن لم يقدر وقوعها فى الدنیا (وإما أن یصرف) أى يدفع (من السوء) أى البلاء النازل أو غيره فى أمر دينه أو
ديناه أو بدنه (مثلها) أى مثل تلك الدعوة كمية وكيفية إن لم يقدر له وقوعها فى الدنيا. والحاصل إن ما لم يقدر
٠١ فيها أحد الأمرين إما الثواب المدخر وإما دفع قدرها من السوء (قالوا) أى بعض الصحابة (اذا) أى اذا
كان الدعاء لا يرد منه شىء ولا يخيب الداعى فى شىء منه (نكثر) أى من الدعاء لعظيم فوائده (قال) النبي صلى الله
عليه وسلم (اللّه أكثر) قال الطيبي: أى اللّه أكثر اجابة من دعاءكم. وقيل: إن معناه فضل الله أكثر أى
ما يعطيه من فضله وسعة كرمه أكثر مما يعطيكم فى مقابلة دعاءكم. وقيل: اللّه أغلب فى الكثرة يعنى فلا تعجزونه
فى الاستكثار فان خزائنه لا تنفد وعطاياه لا تفنى. وقيل اللّه أكثر ثوابا وعطاء مما فى نفوسكم فاكثروا ما شئتم
فانه تعالى يقابل أدعيتكم بما هو أكثر منها وأجل (رواه أحمد) (ج ٣ ص ١٨) وأخرجه أيضا البخارى فى
الأدب المفرد والطحاوى فى مشكل الآثار وذكره الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج ١٠ ص ١٤٨) وعزاه لأحمد ثم
قال: ورواه أبو يعلى بنحوه والبزار والطبرانى فى الأوسط ورجال أحمد وأبي يعلى وأحد اسنادى البزار رجاله
٣٧٤

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
٢٢٨٢ -- (٣٨) وعن ابن عباس، عن النبى صلى الله عليه وسلم، قال: خمس دعوات يستجاب
لهن: دعوة المظلوم حتى ينتصر، ودعوة الحاج حتى يصدر، ودعوة المجاهد حتى يفقد، ودعوة
المريض حتى يبرأ، ودعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب ، ثم قال: ولشرع هذه الدعوات إجابة دعوة
الأخ بظهر الغيب. رواه البيهقى فى الدعوات الكبير.
رجال الصحيح غير على بن على الرفاعى وهو ثقة - انتهى. وقال المنذرى رواه أحمد وأبو يعلى والبزار بأسانيد
جيدة، والحاكم (ج ١ ص ٤٩٣) وقال صحيح الإسناد. قلت: ووافقه الذهبي ونسبه فى الكنز (ج ١
ص ١٧٩) لابن أبى شيبة وعبد بن حميد والبيهقى فى الشعب أيضا، وفى الباب عن جابر. وقد تقدم فى الفصل الثانى
وعن عبادة بن الصامت وأبى هريرة وقد سبق تخريجهما هناك.
٢٢٨٢ - قوله (خمس دعوات يستحباب لهن) مبتدأ وخبره (دعوة المظلوم) وإن كان كافرا أو فاجرا
(حتى ينتصر) أى الى أن ينتقم من الظالم بلسانه أو يده . قال القارى: لأنه إن انتقم بمثل حقه شرعاً فقد استوفى
أو انقص فواضح أولا بمثله شرعا أو بأزيد صار ظالما. قال الطيبي: حتى فى القرائن الأربع بمعنى الى كقولك
سرت حتى تغيب الشمس لأن ما بعدها غير داخل فيما قبلها (ودعوة الحاج) حجاً مبروراً ( حتى يصدر) بضم
الدال أى الى أن يرجع إلى بلده وأهله. وقيل: أى يرجع من الحج ويدخل بيته (ودعوة المجاهد) وفى الجامع
الصغير والكنز (ج ١ ص ١٧٤) الغازى بدل المجاهد، أى الغازى فى سبيل الله لإ علاء كلمة الله (حتى يفقد)
مسكون الفاء وكسر القاف من الفقدان، من باب ضرب أى الى أن يفرغ من الجهاد ويفقد أسبابه. قال الطيبي:
أى يفقد ما يستتب له من مجاهدته أى حتى يفرغ منها - انتهى واستقب له الأمر أى تهيأ واستقام على ما فى
الصحاح وفى بعض النسخ حتى يقعد بسكون القاف وضم العين من القعود أى عن الجهاد وفى بعضها يقفل بسكون
القاف وضم الفاء من القفول بمعنى يرجع أى الى وطنه ومنه القافلة تفاؤلا. قلت: والظاهر هى النسخة الأخيرة،
ويؤيدها إنه هكذا نقلها السيوطى فى الجامع الصغير وعلى المتقى فى الكنز عن الشعب للبيهقى (ودعوة المريض
حتى يبرأ) من علته أو يتعافى أو يموت (ودعوة الأخ لأخيه) فى الدين (بظهر الغيب) أى بحيث لا يشعر وإن
كان حاضراً فى المجلس (وأسرع هذه الدعوات اجابة دعوة الآخ) لأخيه (بظهر الغيب) لدلالتها على خلوص
النية وصفاء الطوبة والبقية لا تخلو دعوتهم عن حظوظهم النفسية وأغراضهم الطبيعية، ولذا ورد الله فى عون العبد
ما دام العبد في عون أخيه المسلم كذا فى المرقاة (رواه البيهقى فى الدعوات الكبير) وكذا فى شعب الإيمان کما فى
الجامع الصغير والكنز والله أعلم بحال اسناده.
٣٧٥

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب اليه
(١) باب ذكر الله عز وجل والتقرب إليه
(باب ذكر الله عز وجل) أى فضل ذكر الله (والتقرب اليه) أى التقرب بذكر الله الى الله والمراد
بالذكر هنا الإتيان بالألفاظ التى ورد الترغيب فى قولها والإكثار منها ، مثل الباقيات الصالحات وهى سبحان الله
والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وما يلتحق بها من الحوقلة والبسملة والحسبلة والاستغفار ونحو ذلك
والدعاء بخير الدنيا والآخرة. ويطلق ذكر الله أيضاً ويراد به المواظبة على العمل بما أوجبه أو ندب اليه
كتلاوة القرآن وقراءة الحديث ومدارسة العلم والتنقل بالصلاة. ثم الذكر يقع تارة باللسان ويوجر عليه
الناطق ولا يشترط استحضاره لمعناه، ولكن يشترط أن لا يقصد به غير معناه وإن انضاف الى النطق الذكر
بالقلب فهو أكمل فان انضاف الى ذلك استحضار معنى الذكر وما اشتمل عليه من تعظيم الله تعالى ونفى النقائص
عنه ازداد كمالا، فان وقع ذلك فى عمل صالح مهما فرض من صلاة أو جهاد أو غيرهما ازداد كمالا، فان صحح
التوجه وأخلص لله تعالى فى ذلك فهو أبلغ الكمال قاله الحافظ. وقال الفخر الرازى. المراد بذكر اللسان الألفاظ
الدالة على التسبيح والتحميد والتمجيد والذكر بالقلب التفكر فى أدلة الذات والصفات وفى أدلة التكاليف من الأمر
والنهى حتى يطلع على أحكامها وفى اسرار مخلوقات الله، والذكر بالجوارح هو أن تصير مستغرقة فى الطاعات
ومن ثم سمى الله تعالى الصلاة ذكرا فقال: ﴿فاسعوا الى ذكر الله - الجمعة: ٩) ونقل عن بعض العارفين. قال:
الذكر على سبعة إنحاء فذكر العينين بالبكاء، وذكر الأذنين بالأصغاء، وذكر اللسان بالثناء، وذكر اليدين بالعطاء،
وذكر البدن بالوفاء وذكر القلوب بالخوف والرجاء وذكر الروح بالتسليم والرضاء. وقال القاضى عياض: ذكر
القلب نوعان: أحدهما ، وهو أرفع الأذكار وأجلها الفکر فى عظمة الله وجلاله وجبروته و ملکو ته وآباته فى
سماواته وأرضه، ومنه حديث خير الذكر الخفى ( أخرجه أحمد وأبو يعلى من حديث سعد بن أبى وقاص ذكره
الهيشى (ج ١٠ ص ٨١) مع الكلام عليه) والمراد به هذا، والثانى ذكره بالقلب عند الأمر والنهى فيمتثل
ما أمر به ويترك ما نهى عنه، ويقف عما أشكل عليه. وأما ذكر اللسان مجردا فهو أضعف الأذكار ولكن فيه
فضل عظيم كما جاءت به الأحاديث ، قال وذكر ابن جرير الطبرى وغيره اختلاف السلف فى ذكر القلب واللسان
أيهما أفضل. قال القاضى : والخلاف عندى إنما يتصور فى مجرد ذکر القلب تسبيحا وتهليلا وشبههما ، وعليه يدل
كلامهم لا أنهم مختلفون فى الذكر الخفى الذى ذكرناه أولا فذلك لا يقاربه ذكر اللسان فكيف يفاضله، وإنما
الخلاف فى ذكر القلب بالتسبيح المجرد ونحوه. والمراد بذكر اللسان مع حضور القلب فان كان لاميا فلا خلاف
فى فضل الذكر بالقلب حينتد، واحتج من رجح ذكر القلب وحده بأن عمل السر أفضل. ومن رجح ذكر اللسان أى
٣٧٦

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب اليه
﴿ الفصل الأول )﴾
٢٢٧٣ - ٢٢٨٤ - (١- ٢) عن أبى هريرة، وأبى سعيد، قالا: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه
وسلم: لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة،
مع حضور القلب قال: لأن العمل فيه أكثر لأنه زاد باستعمال اللسان فاقتضى زيادة أجر. قال النووى والصحيح
أن ذكر اللسان مع حضور القلب أفضل من القلب وحده. وقال ابن القيم فى الوابل الصيب . الذكر يكون
بالقلب واللسان تارة وذلك أفضل الذكر وبالقلب وحده تارة، وهى الدرجة الثانية، وباللسان وحده تارة وهى
الدرجة الثالثة ، فأفضل الذكر ما تواطأ عليه القلب واللسان . وإنما كان ذكر القلب وحده أفضل من ذكر اللسان
وحده لأن ذكر القلب يثمر المعرفة ويهيج المحبة ويثير الحياء ويبعث على المخافة ويدعو الى المراقبة ويزع عن
التقصير فى الطاعات والتهاون فى المعاصى والسيئات وذكر اللسان وحده لا يوجب شيئاً من هذه الآثار وإن أثمر
شيئاً منها فثمرة ضعيفة - انتهى. قال النووى فى الأذكار: فضيلة الذكر غير منحصرة فى التسبيح والتهليل والتحميد
والتكبير ونحوها، بل كل عامل لله تعالى بطاعة فهو ذاكر لله تعالى كذا قاله سعيد بن جبير وغيره من العلماء.
وقال عطاء: مجالس الذكر هى مجالس الحلال والحرام كيف تشترى وتبيع وتصلى وقصوم وتتكح وتطلق وتحج
وأشباه هذا. وقال ابن حجر: مجالس الذكر مجالس سائر الطاعات، ومن قال: هى مجالس الحلال والحرام أراد
التنصيص على أخص أنواعه. وقال النووى : أيضاً الأذكار المشروعة فى الصلاة وغيرها واجبة كانت أو مستحبة
لا يحسب شىء منها ولا يعتد به حتى يتلفظ به بحيث يسمع نفسه أذا كان صحيح السمع لا عارض له. قال الفلرى:
ومقصوده الحكم الفقهى وهو أنه اذا قرأ فى باطنه حال القراءة أو سبح بلسان قلبه حال الركوع والسجود لا يكون
آتيا بفرض القراءة وسنة التسبيح لا أن الذكر القلبى لا يترتب عليه الثواب الأخروى هذا، وقد ورد الذكر فى
القرآن على عشرة أوجه يدل كل واحد منها على أهميته وغاية عظمته، وقد سردها ابن القيم فى مدارج السالكين وقال
فى الوابل الصيب بعد سرد، الأحاديث فى فضل الذكر: وفى الذكر أكثر من مائة فائدة، ثم ذكر منها تسعاً وسبعين
فائدة مع البسط من أحب الوقوف على ذلك رجع الى هذين الكتابين .
٢٢٨٣ - ٢٢٨٤ - قوله (لا يقعد قوم يذكرون الله) قال ابن حجر: التعبير بالقعود للغالب كما هو ظاهر
لأن المقصود حبس النفس على ذكر الله مع الدخول فى عداد الذاكرين لتعود عليه بركة أنفاسهم ولحظ ايناسهم -
انتهى. وقيل: فيه إشارة الى أن القعود أحسن هيئات الذكر لدلالته على جميعة الحواس الظاهرة والباطنة.
وقيل: هو كناية عن الاستمرار ومداومة الأذكار (إلا حفتهم) بتشديد الفاء أى أحاطت بهم (الملائكة) أى
٣٧٧

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات ١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب اليه
وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة .
الذين يطوقون فى الطرق يلتمسون أهل الذكر (وغشيتهم) بكسر الشين أى غطتهم (الرحمة) الخاصة بالذاكرين.
قال السندى: أى غطتهم الرحمة من كل جانب اذ الغشيان يستعمل فيما يشمل المغشى من جميع جوانبه. وقال
الشوكانى: ((قوله حفتهم الملائكة)) أى أحدقت بهم واستدارت عليهم، ومعنى غشتهم الرحمة سترتهم من التغشى
بالثواب. (ونزلت عليهم السكينة) أى الطمانينة والوقار لقوله تعالى: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب - الرعد:٢٨)
ومنه قوله تعالى (هو الذى أنزل السكينة فى قلوب المؤمنين ليزدادوا ايمانا مع ايمانهم - الفتح: ٤) وقيل: المراد
بالسكينه الرحمة ويرد ذلك عطفها على قوله غشيتهم الرحمة. وقيل: أنها الملائكة وقيل: هى ما يحصل به السكون وقوة
القلب وذهاب الظلمة النفسانية . وقال ابن القيم فى مدارج السالكين: وقد ذكر الله تعالى السكينة فى كتابه فى ستة
مواضع الأول قوله تعالى ﴿وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم - البقرة: ٢٤٨)
الثانى قوله تعالى: ﴿ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين - التوبة: ٢٦ ) الثالث قوله تعالى: ﴿إذ يقول
لصاحبه لا تحزن أن الله معنا فانزل الله سكينته عليه وأيده يجنود لم تروها - التوبة: ٤٠﴾ الرابع (هو الذى
أنزل السكينة فى قلوب المؤمنين ليزدادوا ايمانا مع أيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عاما حكيما
الفتح: ٤) الخامس قوله تعالى: ﴿ لقد رضى الله عن المؤمنين اذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما فى قلوبهم
فانزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً - الفتح: ١٨) السادس قوله تعالى: (اذ جعل الذين كفروا فى قلوبهم
الحمية حمية الجاهلية فانزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين - الفتح: ٢٦) الآية وكان شيخ الاسلام ابن تيمية
رحمه الله اذا اشتدت عليه الأمور قرأ آيات السكينة وقد جربت أنا أيضاً قراءة هذه الآيات عند اضطراب القلب
فرأيت لها تأثيرا عظيما فى سكونه وطانينته. وأصل السكينة هى الطمانينة والوقار والسكون الذى ينزله الله فى قلب
عبده عند اضطرابه من شدة المخاوف فلا ينزعج بعد ذلك لما يرد عليه ويوجب له زيادة الايمان وقوة اليقين
والثبات ولهذا أخبر سبحانه وتعالى عن انزالها على رسوله وعلى المؤمنين فى مواضع القلق والاضطراب كيوم
الهجرة اذ هو وصاحبه فى الغار والعدو فوق رؤسهما لو نظر أحدهم إلى ما تحت قدميه (رآهما وكيوم حنين اذ ولوا
مديرين من شدة بأس الكفار لا يلوى أحد منهم على أحد وكيوم الحديبية حين اضطربت قلوبهم من تحكم
الكفار ودخولهم تحت شروطهم التى لا تحملها النفوس وحسبك بضعف عمر عن حملها وهو عمر حتى ثبته اللّه
بالصديق. قال ابن عباس: كل سكينة فى القرآن فهى طمأنينة إلا التى فى سورة البقرة. ثم بين ابن القيم الفرق بين
السكينة والطمأنينة فقال الفرق بينهما إن السكينة صولة تورث خمود الهيبة الحاصلة فى القلب وذلك فى بعض
الأوقات فليس حكما دائما مستمرا، وهذا يكون لأهل الطمأنينة دائما ويصحبه الأمن والإنس والاستراحة.
٣٧٨

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب اليه
وذكرهم الله فيمن عنده. رواه مسلم.
٢٢٨٥ - (٣) وعن أبى هريرة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسير فى طريق مكة،
فمر على جبل يقال له: جمدان، فقال: سيروا، هذا جمدان، سبق المفردون.
والفرق الثانى إن السكينة تكون نعتاً لا تزول وقد تكون حينا بعد حين. وأما الطمأنينة فهى لا تفارق صاحبها، والفرق
الثالث إن السكينة بمنزلة من واجهه عدو يريد هلاكه فهرب منه عدوه فسكن روحه، والطمأنينة بمنزلة حصن رآه
مفتوحا فدخله وأمن فيه وتقوى بصاحبه وعدته - انتهى. (وذكرهم الله) أى مباهاة وإفتخارا بهم بما يعظم به شأنهم
ويرتفع به مكانهم من الثناء الجميل عليهم ووعد الجزاء الجزيل لهم (فيمن عنده) أى من الملائكة المقربين الذين
كانوا يدعون لأنفسهم التسبيح والتقديس ولبنى آدم الفساد وسفك الدماء ووجه المفاخرة بهم أنهم مع مواقعهم
من النفس والشيطان وسائر العلائق والعوائق لا يغفلون عن ذكره ويقومون بوظيفة شكره . وفى الحديث ترغيب
عظيم الاجتماع على الذكر، فإن هذه الأربع الخصائص فى كل واحدة منها على انفرادها ما يثير رغبة الراغبين
ويقوى عزم الصالحين على ذكر رب العالمين. ووقع فى حديث أبى هريرة عند مسلم من وجه آخر ما اجتمع قوم
فى بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة الخ. قال النووي: فى هذا دليل
لفضل الاجتماع على تلاوة القرآن فى المسجد وهو مذهبنا ومذهب الجمهور . وقال مالك : يكره. وتأوله بعض
أصحابه ويلتحق بالمسجد فى تحصيل هذه الفضيلة الإجتماع فى مدرسة ورباط ونحوهما إنشاء اللّه ويدل عليه الحديث
الذى بعده يعنى الذى نحن فى شرحه، فانه مطلق يتناول جميع المواضع ويكون التقييد فى هذا الحديث خرج على
الغالب لا سيما فى ذلك الزمان فلا يكون له مفهوم يعمل به - انتهى. (رواه مسلم) فى الدعوات وكذا الترمذى
وابن ماجه ونسبه الشوكانى فى تحفة الذاكرين لأحمد وأبى داود الطيالسى وعبد بن حميد وأبي يعلى وابن حبان وابن
أبى شيبة وابن شاهين فى الترغيب فى الذكر أيضا .
٢٢٨٥ - قوله ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بسير فى طريق مكة) يحتمل أن يكون ذاهبا الى مكة
أو راجعا إلى المدينة (فمر على جيل يقال له جمدان) بضم الجيم وسكون الميم وفى آخره نون جبل على ليلة من
المدينة ( فقال سيروا) أى سيرا حسنا مقرونا بذكر وحضور وشكر وسرور (هذا جمدان) ومع جماديته يشعر.
يذكر الرحمن ويستبشر بمن مر عليه من أرباب العرفان، كما ورد أن الجبل ينادى الجبل باسمه أى فلان هل مربك
أحد ذكر الله فإذا قال نعم استبشر، رواه الطبرانى عن ابن مسعود من قوله. قال الهيشمى: ورجاله رجال
الصحيح (سبق المفردون) قال الجزرى: هو بضم الميم وفتح الفاء وكسر الراء مشددة كذا روينا وضبطناء
٣٧٩

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات ١ - باب ذكر الله عز وجل والتقرب اليه
قالوا: وما المفردون؟ يا رسول الله! قال الذاكرون الله كثيرا والذاكرات. رواه مسلم.
عن شيوخنا. وقال النووى فى شرح مسلم: بفتح الفاء وكسر الراء المشددة هكذا نقله القاضى عن متفى شيوخهم
وذكر غيره أنه روى بتخفيفها وإسكان الفاء. وقال فى الأذكار: روى المفردون بتشديد الراء وتخفيفها والمشهور
الذى قاله الجمهور التشديد، يقال فَرَدَ الرجلُ فى رأيه وأْفَرَدَ وفّرّدَ واستَفْسَرَدَ كله بمعنى أى استقل به
وتخلى بتدبيره. والمراد به الذين أفردوا بذكر الله تعالى وانفردوا واعتزلوا عن الناس للتعبد. وقيل: هم الذين
هلك اترابهم من الناس وذهب القرن الذين كانوا فيه وانفردوا عنهم وبقوا بعدهم يذكرون الله تعالى: وقال ابن
الاعرابى: يقال فرد الرجل اذ اتفقه واعتزل الناس وخلا بمراعاة الأمر والنهى (قالوا) أى بعض الصحابة
(وما المفردون) أى من هم (( فما)) بمعنى من كما فى قوله تعالى: ﴿والسماء وما بناها - الشمس: ٥) والواو رابطة
بين السؤال والجواب. وقيل: الواو للعطف على محذوف كأنهم قالوا: لا نعلم المفردين ونقول ما المفردون .
وقيل: الواو زائدة للتحسين: قال التور بشتى: فإن قيل لم قالوا ما المفردون ؟ ولم يقولوا من المفردون؟ قلنا:
لأنهم فتشوا عن معرفة معنى هذا اللفظ عند الاطلاق ما هو المراد منه لا تعيين المتصفين به وتعريف أشخاصهم
يعنى أن السؤال عن الصفة أى التفريد أو الأفراد فأجاب صلى الله عليه وسلم بأن التفريد الحقيقى المتعبد هو تفريد
النفس بذكر الله تعالى. وقيل: الأظهر إن «ما)، ههنا تغليب غير ذوى العقول لكثرتهم على ذوى العقول لقلتهم
لما حرر فى محله أن الأشياء كلها له حظ من الذكر والتسبيح ومعرفة الرب والخشية منه ( الذاكرون الله كثيرا)
أى ذكرا كثيرا. واختلف فى تفسير الكثرة. فقال ابن عباس: كثرة الذكر يحصل بالذكر فى أدبار الصلاة والغدو
والعشى وفى المضاجع وكلما استيقظ من نومه وكلما غدا أو راح من منزله. وقال مجاهد: يحصل بذكره قياما
وقعودا واضطجاعا. وقال عطاء: باقامة الصلوات الخمس مع حقوقها، ومثل ابن الصلاح عن ذلك فقال:
بالمواظبة على الأذكار المأثورة المثبتة صباحا ومساءًا فى الأوقات والأحوال المختلفة ليلا ونهارا وهى مبينة
فى كتاب عمل اليوم والليلة وهذه الأقوال ذكرها النووى فى الأذكار (والذاكرات) قال النووى: تقديره
والذاكراته -خذفت الهاء هنا كما حذفت فى القرآن لمناسبة رؤس الآى، ولأنه مفعول يجوز حذفه (رواه مسلم)
وأخرجه أيضا أحمد والترمذى والحاكم (ج١ ص ٤٩٥) ولفظ الترمذى فى الجواب. قال المستهترون فى ذكر
الله يضع الذكر عنهم أثقالهم فياتون يوم القيامة خفافا، والمستهترون بضم الميم وفتح التامين . قال فى جامع
الأصول: المستهتر بالشئى المولع به المواظب عليه عن حب ورغبة فيه. وقال فى النهاية: يقال أهتر فلان بكذا
واستُهِر فهو مُهتر به ومستهير أى مولع به لا يتحدث بغيره ولا يفعل غيره - انتهى. وقال المنذرى:
المستهترون بذكر الله هم المولمون به المداومون عليه لا يبالون ما قيل فيهم ولا ما فعل بهم. وقال ابن القيم فى
٣٨٠