Indexed OCR Text

Pages 321-340

مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
٢ - باب
قال: فقال عمر: هذا والله خير. فلم يزل عمر يراجعنى حتى شرح اللّه صدرى لذلك، ورأيت فى
ذلك الذى رأى عمر، قال زيد قال أبو بكر: انك رجل شاب عاقل لانتهمك ،
فلا ينافى ذلك، لأن الكلام فى كتابة مخصوصة على صفة مخصوصة. وقد كان القرآن كله كتب فى عهد النبي حد ◌ّه
لكن غير مجموع فى موضع واحد ولا مرتب السور. وأما ما أخرجه ابن أبى داود فى المصاحف من طريق ابن
سيرين قال قال على: لما مات رسول اللّه ◌ُ به آليت أن لا آخذ على ردائى إلا لصلاة جمعة حتى أجمع القرآن لجمعه
فاسناده ضعيف لانقطاعه وعلى تقدير أن يكون محفوظا، فمراده بجمعه حفظه فى صدره قال ، والذى وقع فى
بعض طرقه حتى جمعته بين اللوحين وهم من روانه . وقال الحافظ : ورواية عبد خير يعنى التى تقدمت آنفا
أصح فهو المعتمد ووقع عند ابن أبى داود أيضا بيان السبب فى اشارة عمر بن الخطاب بذلك فأخرج من طريق
الحسن إن عمر سأل عن آية من كتاب الله قيل كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة فقال إنا لله وأمر بجمع القرآن
فكان أول من جمعه فى المصحف، وهذا منقطع فان كان محفوظا حمل على أن المراد بقوله، فكان أول من جمعه
أى أشار بجمعه فى خلافة أبى بكر فنسب الجمع اليه لذلك - انتهى. (هذا) أى جمع القرآن فى مصحف واحد
(خير) من تركه فان قلبت كيف ترك رسول اللّه وَ اللّه ما هو خير؟ قلت هذا خير فى هذا الزمان وتركه كان خيراً فى
زماته بالله لعدم تمام النزول وإحتمال النسخ كما تقدم الاشارة اليه (فلم يزل عمر یراجعنى) فى ذلك أی فی جمع
القرآن (حتى شرح الله صدرى لذلك) الذى شرح له صدر عمر (ورأيت فى ذلك الذى رأى عمر) اذهو من
النصح لله ولرسوله ولكتابه ولعامة المسلمين وإذن فيه عليه الصلاة والسلام بقوله فى حديث أبي سعيد عند مسلم
لا تكتبوا عنى شيئا غير القرآن، وقد أعلم اللّه فى القرآن بأنه مجموع فى الصحف فى قوله ريتلو صحفا مطهرة - البينة:
٢) الآية وكان القرآن مكتوبا فى الصحف لكن كانت مفرقة نجمعها أبو بكر فى مكان واحد، فغاية ما فعله أبو بكر
جمع ما كان مكتوبا قبل فى مصحف ، فلا يتوجه اعتراض الرافضة على الصديق . قال الحارث المحاسبى فى كتاب
فهم السنن: كتابة القرآن ليست بمحدثة فانه صلى الله عليه وسلم كان يأمر بكتابته ولكنه كان مفرقا فى الرقاع
والا كتاف والعسب، فانما أمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان مجتمعا وكان ذلك بمنزلة أوراق. وجدت فى
بيت رسول اللّه ◌َويتم فيها القرآن منتشراً بجمعها جامع وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شىء كذا فى الاتقان (ج١
ص ٥٨) (قال زيد) أى ابن ثابت (قال أبو بكر) أى لى بعد أن ذكر الأمر الذى هو توطئة الامر بالجمع
(إنك رجل شاب) أشار إلى نشاطه وقوته وضبطه وإتقانه وحدة نظره وبعده عن النسيان، وإنما قال شاب
لأن عمره كان حينئذ. ما دون خمس وعشرين سنة، وهى أيام الشاب (عاقل) تعى المراد أشاربه إلى غزارة عليه
وشدة تحقيقه (لانتهمك) بتشديد التاء أى لا ندخل عليك التهمة لعدالتك فى شىء مما تنقله ، يقال إنهمه بكذا كافتعله
٣٢١

مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
٢ - باب
وقد كنت تكتب الوحى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه. فوالله لوكلفونى
نقل جبل من الجبال ما كان أثقل على مما أمرنى به من جمع القرآن. قال: قلت: كيف تفعلون
شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال ! هو والله خير . فلم يزل أبو بكر براجعنى حتى
شرح الله صدرى الذى شرح له صدر أبى بكر وعمر. فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف
أدخل عليه التهمة وظنه به، والتهمة بفتح الهاء وسكونها اسم من الاتهام وما يتهم عليه، وأشار به إلى عدم كذبه
وإنه صدوق (وقد كنت تكتب الوحى لرسول الله صلى الله عليه وسلم) قال الحافظ: ذكر له أربع صفات
مقتضية خصوصيته بذلك كونه شابا فيكون أنشط لما يطلب منه ، وكونه عاقلا فيكون أوعى له، وكونه لا يتهم
فتركن النفس اليه، وكونه كان يكتب الوحى فكون أكثر مارسة له، وهذه الصفات التى اجتمعت له قد توجد
فى غيره لكن مفرقة. (فتقبع القرآن) أمر من باب التفعل (فأجمعه) بصغية الأمر أى جمعا كليا فى مصحف
واحد ، وقد كان القرآن كله كتب فى العهد النبوى لكن غير مجموع فى موضع واحد. (فو الله) أى قال زيد فو الله
(لوكلفونى) أى أبو بكر وعمرو من تبعهما أو بناء على أن أقل الجمع اثنان، أو المراد به أبو بكر والجمع للتعظيم
(نقل جبل من الجبال ما كان) نقله (أثقل على مما أمرنى به) قال الحافظ: كأنه جمع أولا باعتبار أبى بكر
ومن وافقه وأفرد باعتبار أنه الآمر وحده بذلك، ووقع فى رواية لو كلفنى بالافراد أيضا. وإنما قال زيد بن
ثابت ذلك لما خشيه من التقصير فى إحصاء ما أمر بجمعه لكن الله تعالى يسر له ذلك. (قال) أى زيد (قلت)
لهم (كيف تفعلون) وفى رواية كيف تفعلان (فلم يزل أبو بكر يراجعنى) أى يذكر أبو بكر السبب وأنا أدفعه
(فتتبعت القرآن أجمعه) حال من الفاعل أو المفعول أى حال كونى أجمعه وقت التتبع من الأشياء التى عندى
وعند غيرى (من العسب ) بضم المهملتين ثم موحدة جمع عسيب وهو جريد النخل كانوا يكشطون الخوص
ويكتبون فى الطرف العريض وقيل: العسيب طرف الجريدة العريض الذى لم ينبت عليه الخوص والذى ينبت
عليه الخوص هو السعف، ووقع فى رواية ابن عيينة عن الزهرى القصب والعسب والكرانيف وجرائد
النخل، والكرانيف جمع كرناف، وهى أصول سعف النخل تبقى فى الجذع بعد قطع السعف من النخلة ،
ووقع فى رواية للبخارى من الرقاع والأكتاف، والرقاع بكسر الراء جمع رقعة، وقد يكون من جلد أو ورق
أو كاغذ، والأكتاف جمع كتف وهو العظم العريض الذى يكون فى أصل كتف الحيوان كانوا اذا جف كتبوا
فيه، وفى رواية وقطع الآديم، وفى رواية ابن أبى داود والصحف (واللخاف) بكسر اللام ثم خاء معجبة خفيفة
وآخره فاء جمع لخفة بفتح اللام وسكون الخاء المعجمة وهى الحجر الأبيض الرقيق، فقيل: الخزف. وقال
٣٢٢

٢ - باب
مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
وصدور الرجال،
الخطابى: اللخاف صفائح الحجارة الرقاق، وفى رواية ابن أبى داود والاضلاع وعنده من وجه آخر، والأقتاب
بقاف ومثناة وآخره موحدة جمع قتب بفتحتين، وهو الخشب الذى يوضع على ظهر البعير ليركب عليه، وعند
ابن أبى داود أيضا فى المصاحف من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: قام عمر فقال من كان تلقى من
رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من القرآن فليأت به وكانوا يكتبون ذلك فى الصحف والألواح والعسب. قال
وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شاهدان ، وهذا يدل على أن زيدا كان لا يكتفى بمجرد وجدانه مكتوبا حتى
يشهد به من تلقاه سماعا مع كون زيد كان يحفظه وكان يفعل ذلك مبالغة فى الاحتياط. وعند ابن أبى داود أيضا
من طريق هشام بن عروة عن أبيه إن أبابكر قال: لعمر وازيد إقعدا على باب المسجد فمن جاءكم بشاهدين على شىء
من كتاب الله فاكتباه ورجاله ثقات مع انقطاعه، وكأن المراد بالشاهدين الحفظ والكتاب، أو المراد إنهما
يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو المراد إنهما يشهدان على أن
ذلك من الوجوه التى نزل بها القرآن وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدى النبى محمد فهم لا من
مجرد الحفظ ، ولذلك قال فى آخر سورة التوبة كما سيأتى لم أجدها مع غيره أى لم أجدها مكتوبة مع غيره، لأنه
كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة. قال السيوطى: أو المراد إنهما يشهدان على أن ذلك مما عرض على النبي
وَاللّه عام وفاته كما يستفادما أخرجه ابن اشته فى المصاحف وابن أبى شيبة فى فضائله من طريق ابن سيرين عن
عبيدة السلمانى. قال القراءة التى عرضت على النبى صلى الله عليه وسلم فى العام الذى قبض فيه هى القراءة التى يقرأها
الناس اليوم، وأخرج ابن أشته أيضا عن ابن سيرين قال كان جبريل يعارض النبى محمد فيه كل سنة فى شهر رمضان
مرة، فلما كان العام الذى قبض فيه عارضه مرتين فيرون أن تكون قراءتنا هذه العرضة الأخيرة. قال البغوى:
يقال إن زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة. التى بين فيها ما نسخ وما بقى وكتبها للرسول ◌َ الله وقرأها عليه
وكان يقرىء الناس بها حتى مات ولذلك إعتمده أبو بكر وعمر وجمعه وولاء عثمان كتب المصاحف ـ انتهى.
(وصدور الرجال) أى الحفاظ منهم ((والواو، بمعنى مع أى أكتبه من المكتوب الموافق للحفوظ فى
الصدور. قال القسطلانى: المراد بصدور الرجال الذين جمعوا القرآن وحفظوه فى صدورهم كاملا فى حياته
صلى الله عليه وسلم كأبي بن كعب ومعاذ بن جبل، فيكون ما فى الرقاع والأكتاف وغيرها تقريرا على تقرير -
انتهى" وقال فى اللمعات: قوله ((وصدور الرجال)) هذا هو الاصل المعتمد ووجد انه من العسب واللخاف
وغيرها تقرير على تقرير، وقوله («لم أجدها مع غيره)، يعنى مكتوبة لا محفوظة، وكذا ما ورد فى بعض الروايات
إنهم يحلفون من عنده آية من القرآن أو قام على ذلك شاهد إن المراد به التاكيد والتحقيق والمبالغة فى الاحتياط
٣٢٣

مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
٢ - باب
حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبى خزيمة الأنصارى ، لم أجدما مع أحد غيره.
وإلا فقد كان زيد وعدة من الأصحاب كأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وأبى الدرداء وغيرهم حافظين له فى حياته
صلى الله عليه وسلم، أقول لا شبهة إن القرآن كان معلوماً بالقطع ومعروفا عندهم ومتميزا عما سواه وكان مجمعاً
عليه ومقطوعا به، لا أنه كان مشتبها وكان بعضه عند أحد ولا يعرفه آخر أو ينكر كونه قرآنا ويثبت بالحلف
والشهادة حاشا من ذلك وكانوا يبدون عن تأليف معجز ونظم معروف، وقد شاهدوا تلاوته من النبى صلى الله
عليه وسلم ثلاث وعشرين سنة فكان عن تزوير ما ليس منه مامونا، وإنما كان الخوف من ذهاب شىء من صحفه -
انتهى. (حتى وجدت آخر سورة النوبة مع أبى خزيمة) بضم الخاء وفتح الزاء (الانصارى) النجارى . قال
الحافظ: وقع فى رواية عبد الرحمن بن مهدى عن إبراهيم بن سعد عن الزهرى (عن عبيد عن زيد بن ثابت) ((مع
خزيمة بن ثابت، أخرجه أحمد والترمذى، ووقع فى رواية شعيب عن الزهرى كما تقدم فى سورة التوبة (عند
البخارى) ((مع خزيمة الانصارى)). وقد أخرجه الطبرانى فى مسند الشاميين من طريق أبى اليمان عن شعيب فقالَ
فیه « خزيمة بن ثابت الانصارى». و کذا أخرجه ابن أبى داود من طريق يونس بن یزید عن ابن شهاب وقول
من قال عن إبراهيم بن سعد ((مع أبى خزيمة)) أصح، وقد تقدم البحث فيه فى تفسير سورة التوبة وإن الذى وجد
معه آخر سورة التوبة غير الذى وجد معه الآية التى فى الأحزاب، فالأول اختلف الرواة فيه على الزهرى ، فمن
قائل ((مع خزيمة)) ومن قائل ((مع أبى خزيمة)) ومن شاك فيه يقول ((خزيمة أو أبى خزيمة، والأرجع إن
الذى وجد معه آخر سورة التوبة أبو خزيمة بالكنية، والذى وجد معه الآية من الأحزاب خزيمة. وأبو خزيمة
هذا هو ابن أوس بن زيد بن أصرم بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار مشهور بكنيته لا يعرف اسمه شهد بدرا
وما بعدها من المشاهد ، وتوفى فى خلافة عثمان رضى الله عنه وهو أخو مسعود بن أوس. وقيل: هو الحارث
ابن خزيمة وفيه نظر وأما خزيمة فهو ابن ثابت بن الفاكه الخطمى الأنصارى الأوسى يعرف بذى الشهادتين جعل
رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته كشهادة رجلين يكنى أبا عمارة شهد بدرا وما بعدها من المشاهد، وكانت
راية خطمة بيده يوم الفتح شهد صفين مع على رضى الله عنه وقتل يومئذ سنة سبع وثلاثين، روى عنه ابناه
عبد الله وعمارة وجابر بن عبد الله ( لم أجدها مع أحد غيره) بالجر على البدلية أى لم أجدها مكتوبة مع غيره لما
تقدم من أنه كان لا يكتفى بالحفظ دون الكتابة، ولا يلزم من عدم وجدانه إياها حينئذ أن لا تكون تواترت
عند من لم يتلقها من النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما كان زيد يطلب التثبت عمن تلقاها بغير واسطة ، ولعلهم لما
وجدها زيد عند أبى خزيمة تذكروها كما تذكرها زيد، وفائدة التبع المبالغة فى الاستظهار والوقوف عند ما كتب
بين يدى النبي ◌َّث، ولقد اجتمع فى هذه الآية زيد بن ثابت وعمر وأبو خزيمة وأبى بن كعب كما ورد ذلك فى
٣٢٤

مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
٢ - باب
﴿لقدجاءكم رسول من أنفسكم) حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبى بكر حتى توفاه الله،
ثم عند عمر حبوته، ثم عند حفصة بنت عمر. رواه البخارى.
٢٢٤٣ - (١١) وعن أنس بن مالك، إن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازى أهل الشام
فى فتح أرمينية وأذر بيجان مع أهل العراق،
الروايات (لقد جاءكم) بدل من آخر (فكانت الصحف ) أى التى جمع فيها زيد بن ثابت القرآن (عند أبى بكر
حتى توفاه الله) فى موطأ ابن وهب عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر قال جمع أبو بكر القرآن
فى قراطيس، وكان سـأل زيد بن ثابت فى ذلك فأبى حتى استعان عليه بعمر ففعل (ثم عند عمر حياته) أى ثم
كانت عند عمر بن الخطاب مدة حياته (ثم عند حفصة بنت عمر) أى ثم بعد عمر كانت عند حفصة بنت عمر فى
خلافة عثمان إلى أن شرع عثمان فى كتابة المصحف. وإنما كانت عند حفصة لأن عمر أوصى بذلك فاستمر ما كان
عنده عندها إلى أن طلبه منها من له طلب ذلك (رواه البخارى) فى تفسير سورة براءة وفضائل القرآن والأحكام
والتوحيد. وأخرجه أيضا أحمد (ج ١ ص ١٠ - ١٣) والتر مذى فى تفسير سورة التوبة، وعزاه فى التنقيح
للنسائى والطيالسى وابن سعد وابن أبى داود وابن المنذر وابن حبان والطبرانى والبيهقى أيضا .
٢٢٤٣ - قوله (قدم على عثمان) أى المدينة فى خلافته (وكان) أى عثمان (يغازى) أى يغزى (أهل الشام)
بالنصب على المفعولية (فى فتح أرمينية وآذر بيجان مع أهل العراق) أى كان عثمان يجهز أهل الشام وأهل العراق
لغزو أرمينية وآذربيجان وفتحهما. قال الحافظ: إن أرمينية فتحت فى خلافة عثمان وكان أمير العسكر من أهل
العراق سلمان بن ربيعة الباهلى، وكان عثمان أمر أهل الشام وأهل العراق أن يجتمعوا على ذلك وكان أمير أهل
الشام على ذلك العسكر حبيب بن مسلمة الفهرى، وكان حذيفة من جملة من غزا معهم وكان هو على أهل المدائن
وهى من جملة أعمال العراق. وأرمينية بكسر الهمزة وسكون الراء وكسر الميم بعدها تحتانية ساكنة ثم نون
مكسورة ثم تحتانية مفتوحة خفيفة، وقد تثقل . وقال ابن السمعانى : بفتح الهمزة . قال أبو عبيد هی بلد معروف
يضم كورا كثيرة. وقيل : مدينة عظيمة بين بلاد الروم وخلاط . وقال ابن السمعانى: هى من جهة بلاد الروم
يضرب بحسنها وطيب هوائها وكثرة مياهها وشجرها المثل. وقيل: إنها من بناء أرمين من ولد يافث بن نوح
والنسبة اليها أرمنى بفتح الهمزة. قال الرشاطى: افتتحت سنة أربع وعشرين فى خلافة عثمان رضى الله عنه على
يد سلمان بن ربيعة. وأذربيجان قال الحافظ: بفتح الهمزة والذال المعجمة وسكون الراء. وقيل: بسكون لذا ال
وفتح الراء وبكسر الموحدة بعدها تحتانية ساكنة ثم جيم خفيفة وبعد الألف نون ، وحكى ابن مكى كسر أوله
٣٢٥

مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
٢ - باب
فافرغ حذيفة إختلافهم فى القراءة، فقال حذيفة لعثمان! يا أمير المؤمنين! أدرك هذه الامة قبل أن
يختلفوا فى الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حقصة : أن أرسلى إلينا بالصحف،
وضبطها صاحب المطالع ونقله عن ابن الأعرابي بسكون الذال وفتح الراء بلد كبير من نواحى جبال العراق
وهى الآن تبريز وقصباتها وهى تلى أرمينية من جهة غربيها واتفق غزوهما فى سنة واحدة واجتمع فى غزوة كل
منهما أهل الشام وأهل العراق والذى ذكرته الأشهر فى ضبطها، وقد تمد الهمزة وقد تحذف، وقد تفتح الموحدة،
وقد يزاد بعدها ألف مع مد الأولى حكاه الهجرى وأنكره الجواليقى - انتهى. وقال الكرمانى: الأشهر عند العجم
آذر بايجان بالمد والألف بين الموحدة والتحتانية هو بلدة تبريز وقصباتها. وقال القسطلانى: هو اسم اجتمعت فيه خمس
موانع من الصرف العجمة والتعريف والتأنيث والتركيب ولحاق الألف والنون وهو اقليم واسع ، ومن مشهور
مدنه تبريز وهو صقع جليل وملكة عظيمة ( فافرج) من الافزاع ( حذيفة) بالنصب مفعوله (اختلافهم)
بالرفع فاعله أى أوقعه فى الفزع والخوف إختلاف أهل العراق وأهل الشام (فى القراءة) أى قراءة القرآن وذكر
الحافظ هنا روايات توضح ما كان فيهم من الاختلاف حيث قال وقع فى رواية فيتنازعون فى القرآن حتى سمع
حذيفة من اختلافهم ماذعره . وفى رواية فتذاكروا القرآن فاختلفوا فيه حتى كاد يكون بينهم فتنة ، وفى رواية
إن حذيفة قدم من غزوة فلم يدخل بيته حتى أتى عثمان فقال يا أمير المؤمنين ! أدرك الناس قال وما ذاك؟ قال
غزوت فرج أرمينية فاذا أهل الشام يقرؤن بقراءة أبي بن كعب فيأتون بما لم يسمع أهل العراق، واذا أهل
العراق يقرؤن بقراءة عبد الله بن مسعود فيأتون بما لم يسمع أهل الشام فيكفر بعضهم بعضا. وفى رواية إنه سمع
رجلا يقول قراءة عبد الله بن مسعود وسمع آخر يقول قراءة أبي موسى الأشعرى فغضب ثم قام حمد الله وأثنى
عليه ثم قال: هكذا كان من قبلكم اختلفوا والله لأركين إلى أمير المؤمنين. وفى رواية أن اثنين إختلفا فى
آية من سورة البقرة قرأ هذا ﴿وأتموا الحج والعمرة لله - البقرة: ١٩٦) وقرأ هذا وأتموا الحج والعمرة
للبيت فغضب حذيفة وأخرت عيناه. وفى رواية قال حذيفة يقول أهل الكوفة قراءة ابن مسعود،
ويقول أهل البصرة قراءة أبى موسى، والله لئن قدمت على أمير المؤمنين لامرته أن يجعلها قراءة واحدة
( أدرك هذه الأمة) أمر من الادراك بمعنى التدارك، ومعناه بالفارسية در باب أمت راودستكيرى كن
( قبل أن يختلفوا فى الكتاب ) أى القرآن (اختلاف اليهود والنصارى) بالنصب أى كاختلافهم فى التوراة
والانجيل إلى أن حرفوا وزادوا ونقصوا (فأرسل عثمان إلى حفصة) بنت عمر بن الخطاب (أن أرسلى الينا بالصحف)
التى كان أبو بكر أمر زيدا يجمعها وكانت بعد ما جمعه عند أبى بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة
٣٢٦

مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
٢ - باب
تنسخها فى المصاحف ثم نزدما إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت،
وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوما فى المصاحف،
بنت عمر كما تقدم (ننسخها ) بالجزم ويرفع أى ننقلها ( فى المصاحف ثم نردها ) بضم الدال وفتحها ( اليك)
والمصاحف جمع مصحف . قيل: الفرق بين الصحف والمصحف. إن الصحف هى الأوراق المجردة التى جمع فيها
القرآن فى عهد أبى بكر وكانت سورا مفرقة كل سورة مرتبة بآياتها على حدة لكن لم يرتب بعضها أثر بعض فلما
نسخت ورتب بعضها أثر بعض صارت مصحفا. وقد جاء عن عثمان إنه إنما فعل ذلك بعد أن استشار الصحابة
فأخرج ابن أبى داود بإسناد صحيح من طريق سويد بن غفلة قال: قال على لا تقولوا فى عثمان إلا خيرا فو الله
ما فعل الذى فعل فى المصاحف الا عن ملاً منا. قال: ما تقولون فى هذه القراءة فقد بلغنى إن بعضهم يقول إن قراءتى
خير من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كفرا قلنا: فما ترى قال ترى أن نجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة
ولا اختلاف قلنا فنعم مارأيت (فأمر ) عثمان (زيد بن ثابت) هو الأنصارى والبقية قرشيون وتقدم ترجمة زيد
ابن ثابت فى (ص ١٢٥) من الجزء الأول، (وعبد الله بن الزبير) تقدم ترجمته فى (ص ٦٦٢) من الجزء الأول
(وسعيد بن العاص) سبق ترجمته فى (ص ٣٤٣) من الجزء الثانى (وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام) بن
المغيرة المخزومى المدنى له رؤية وكان من كبار ثقات التابعين روى عن أبيه وعمر وعثمان وعلى وأبى هريرة
وحفصة وعائشة وأم سلمة وآخرين وروى عنه أولاده أبو بكر وعكرمة والمغيرة والشعبى وآخرون ذكره ابن سعد
فيمن أدرك النبى صلى الله عليه وسلم وراء ولم يحفظ عنه شيئا. قال الواقدى: أحسبه كان ابن عشر سنين حين
قبض النبى مَوالت وجزم بذلك مصعب الزبيرى. قالت عائشة: كان عبد الرحمن رجلا سريا. وقال ابن سعد:
كان من أشراف قريش مات أبوه فى طاعون عمواس، خلف عمر بن الخطاب على إمرأته فاطمة بنت الوليد بن
المغيرة فكان عبد الرحمن فى حجره مات سنة ثلاث وأربعين، ووقع فى النسخ الحاضرة من المشكاة عبد الله بدل
عبد الرحمن وهو غلط (فنسخوها) أى الصحف أى ما فى الصحف التى أرسلتها حفصة الى عثمان (فى المصاحف)
أى المتعددة فى كتاب المصاحف لابن أبى داود من طريق محمد بن سيرين. قال جمع عثمان إثنى عشر رجلا من
قريش والأنصار منهم أبي بن كعب، وفى رواية مصعب بن سعد فقال عثمان من أكتب الناس قالوا كاتب
رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت. قال فأى الناس أعرب، وفى رواية أفصح قالوا: سعيد بن العاص
قال عثمان فليمل سعيد. وليكتب زيد. ووقع عند أبى داود تسمية جماعة من كتب أو أملى، منهم مالك بن
أبى عامر جد مالك بن أنس وكثير بن أفلح وأبى بن كعب وأنس بن مالك وعبد الله بن عباس. قال الحافظ
بعد ذكرهم : فهؤلاء تسعة عرفنا تسميتهم من الاثنى عشر، وكأن ابتداء الأمر كان لزيد وسعيد المعنى المذكور
٣٢٧

مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
٢ - باب
وقال عثمان للرمط القرشيين الثلاثة: اذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فى شىء من القرآن فاكتبوه
بلسان قريش، فانما نزل بلسانهم،
فيهما فى رواية مصعب، ثم احتاجوا إلى من يساعد فى الكتابة بحسب الحاجة إلى عدد المصاحف التى ترسل الى
الآفاق فأضافوا الى زيد من ذكر ثم استظهروا ، بأبى بن كعب فى الاملاء، وقد شق على ابن مسعود صرفه عن
كتابة المصحف حتى قال ما أخرجه الترمذى فى آخر هذا الحديث، إن عبد الله بن مسعود كره لزيد بن ثابت نسخ
المصاحف، وقال: يا معشر المسلمين: أعزل عن نسخ كتابة المصاحف ويتولاها رجل، والله لقد أسلمت وإنه
لفى صلب رجل كافريريد زيدبن ثابت. وأخرج ابن أبى داود من طريق خمير بن مالك سمعت ابن مسعود يقول:
لقد أخذت من فى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين -ورة وإن زيد بن ثابت لصبى من الصبيان، ومن
طريق أبى وائل عن ابن مسعود بضعا وسبعين سورة ، والعذر لعثمان فى ذلك إنه فعله بالمدينة وعبد الله بالكوفة
ولم يؤخر ما عزم عليه من ذلك إلى أن يرسل اليه ويحضر ، وأيضا فان عثمان انما أراد نسخ الصحف التى كانت
جمعت فى عهد أبى بكر وأن يجعلها مصحفا واحدا ، وكان الذى نسخ ذلك فى عهد أبى بكر هو زيد بن ثابت كما
تقدم لكونه كان كاتب الوحى، فكانت له فى ذلك أولية ليست لغيره. وقد أخرج الترمذى فى آخر الحديث المذكور
عن ابن شهاب قال بلغنى أنه كره ذلك من مقالة عبد الله بن مسعود رجال من أفاضل الصحابة - انتهى كلام
الحافظ .. (وقال عثمان الرهط القرشيين الثلاثة) يعنى عبد اللّه وسعيد أو عبد الرحمن لأن الأول أسدى، والثانى
أموى، والثالث مخزومى، وكلها من بطون قريش (فى شى من القرآن ) وفى رواية فى عربية من عربية القرآن ،
وزاد الترمذى فى روايته. قال ابن شهاب. فاختلفوا يومئذ فى التابوت، والتابوه، فقال القرشيون التابوت
وقال زيد التأبوه، فرفع اختلافهم الى عثمان فقال أكتبوه التابوت، فانه نزل بلسان قريش (فإنما نزل بلسانهم)
أى لغة قريش. قال القاضى أبو بكر بن الباقلانى: معنى قول عثمان نزل القرآن بلسان قريش أى معظمه وإنه لم تقم
دلالة قاطعة إن جميعه بلسان قريش فان ظاهر قوله تعالى: ﴿إن جعلناه قرآنا عربيا - الزخرف: ٣﴾ إنه نزل
بجميع السنة العرب، ومن زعم أنه أراد مضر دون ربيعة أو هما دون اليمن أو قريشيا دون غيرهم فعليه البيان ،
لأن اسم العرب يتناول الجميع تناولا واحدا ولو ساغت هذه الدعوى لساغ للآخر أن يقول نزل بلسان بنى هاشم
مثلا، لأنهم أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم نسبا من سائر قريش. وقال أبو شامة: يحتمل أن يكون
قوله: (( نزل بلسان قريش، أى ابتداء نزوله ثم أبيح أن يقرأ بلغة غير م. كما تقدم تقريره فى شرح حديث نزل.
القرآن على سبعة أحرف - انتهى. وتكملته أن يقال إنه نزل أولا بلسان قريش أحد الحروف السبعة، ثم نزل
بالأحرف السبعة المأذون فى قراءتها تسهيلا وتيسيرا كما سبق بيانه، فلما جمع عثمان الناس على حرف واحد رأی
٣٢٨

مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
٢ - باب
ففعلوا ، حتى اذا نسخوا الصحف فى المصاحف، رد عمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل
أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواء من القرآن فى كل صحيفة أو مصحف أن يحرق.
أن الحرف الذى نزل القرآن أولا بلسانه أولى الأحرف حمل الناس عليه لكونه لسان النبي صلى الله عليه وسلم
ولما له من الألوية المذكورة (ففعلوا) ذلك كما أمرهم. قال القارى: فإن قيل فلم أضاف عثمان هؤلاء النفر إلى
زيد ولم يفعل ذلك أبو بكر قلت كان غرض الصديق جمع القرآن بجميع أحزفه ووجوهه التى نزل بها، وذلك
على لغة قريش وغيرها ، وكان غرض عثمان تجريد لغة قريش من تلك القراءات جمع أبى بكر غير جمع عثمان ،
فان قيل فما قصد بإحضار تلك الصحف؟ وقد كان زيد ومن أضيف اليه حفظة قلت : الغرض بذلك سدباب
المقال وأن يزعم زاعم إن فى المصحف قرآنا لم يكتب ولئلا يرى إنسان فيما كتبوه شيئا مما لم يقرأ به فينكره
فالصحف شاهدة بصحة جميع ما كتبوه ( حتى اذا نسخوا الصحف فى المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة )
فكانت عندها حتى توفيت فأخذها مروان حين كان أميرا على المدينة من قبل معاوية فأمر بها فشققت. وقال إنما
فعلت هذا لانى خشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب فى شأن هذه الصحف مرتاب ، رواه ابن أبى داود
وغيره، ووقع فى رواية فشقها وحرقها، وفى أخرى فغسلها غسلا. قال الحافظ: ويجمع بأنه صنع بالصحف
جميع ذلك من تشقيق ثم غسل ثم تحريق ، ويحتمل أن يكون خرقها بالخماء المعجمة فيكون مزقها ثم غسلها
(وأرسل إلى كل أفق) بضمتين أى ناحية ويجمع على آفاق (بمصحف مما نسخوا) وفى رواية فأرسل إلى كل جند
من أجناد المسلمين بمصحف، واختلف فى عدة المصاحف التى أكتبتها عثمان، فالمشهور إنها خمسة أرسل منها أربعة
وأمسك واحدا. وقال الدانى فى المقنع: أكثر العلماء إنها أربعة أرسل واحدا الكوفة، وآخر للبصرة. وآخر
الشام، وترك واحدا عنده. وقال أبو حاتم السجستانى: فيما رواه عنه ابن أبى داود كتبت سبعة مصاحف الى
مكة والشام واليمن والبحرين والبصرة والكوفة وحبس بالمدينة واحدا (وأمر بما سواه) أى بما سوى المصحف
الذى استكتبه والمصاحف التى نقلت منه وسوى الصحف التى كانت عند حفصة وردها اليها، ولهذا استدرك
مروان الأمر بعدها وأعدمها أيضا خشية أن يقع لأحد منهم توهم أن فيها ما يخالف المصحف الذى استقر الأمر
عليه كما تقدم ( من القرآن فى كل صحيفة أو مصحف أن يحرق) بسكون الحاء المهملة وفتح ألراء، ولأبى ذر عن
الحموى والمستعلى بحرق بفتح المهملة وتشديد الراء مبالغة فى اذهابها وسدا لمادة الاختلاف. ووقع فى رواية سويد
ابن غفلة عن على قال لا تقولوا لعثمان فى إحراق المصاحف إلا خيرا، ومن طريق مصعب بن سعد قال أدركت
الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف فأعجبهم ذلك، أو قال لم ينكر ذلك منهم أحد . قال ابن بطال: فى
هذا الحديث جواز تحريق الكتب التى فيها إسم الله بالنار، وإن ذلك إكرام لها وصون عز وطئها بالأقدام. وقد
٣٢٩

مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
٢ - باب
قال ابن شهاب: فأخبرنى خارجة بن زيد بن ثابت: أنه سمع زيد بن ثابت قال: فقدت آية من
الأحزاب حين نسخا المصحف،
أخرج عبد الرزاق من طريق طاوس إنه كان يحرق الرسائل التى فيها البسملة اذا اجتمعت، وكذا فعل عروة
وكرهه ابراهيم. وقال ابن عطية: هذا أى التحريق كان فى ذلك الوقت: وأما الآن فالغسل أولى اذا دعت
الحاجة الى ازالته. قال العينى: وقال أصحابنا الحنفية ان المصحف اذا بلى بحيث لا ينتفع به يدفن فى مكان طاهر
بعيد عن وطء الناس. وقال القارى: يتعين الغسل بل ينبغى أن يشرب ماءه. قال شيخنا فى شرح الترمذى بعد
نقل كلام العينى: لو تأملت عرفت أن الاحتياط هو فى الاحراق دون الدفن ولهذا اختار عثمان رضى الله عنه
ذلك دون هذا والله تعالى أعلم. قلت: واحراقه بقصد صيانته بالكلية لا امتهان فيه بوجه بل فيه دفع سائر صور
الاهانة فهو الأولى بل المتعين ، وأما القول بتعين الغسل ففساده ظاهر مع أنه لا يمكن فى الأوراق المطبوعة كما
لا يخفى. قال البغوى فى شرح السنة: فى هذا الحديث البيان الواضح أن الصحابة رضى الله عنهم جمعوا بين
الدفتين القرآن المنزل من غير أن يكونوا زادوا أو نقصوا منه شيئا باتفاق منهم من غير أن يقدموا شيئًا أو
يؤخروه بل كتبوه فى المصاحف على الترتيب المكتوب فى اللوح المحفوظ بتوقيف جبريل عليه السلام على ذلك ،
وإعلامه عند نزول كل آية بموضعها وأين تكتب. وقال أبو عبد الرحمن السلمى: كان قراءة أبى بكر وعمر وعثمان
وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة، وهى التى قرأها النبى صلى الله عليه وسلم على جبريل مرتين فى
العام الذى قبض فيه، وكان زيد شهد العرضة الأخيرة وكان يقرىء الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمده الصديق
فى جمعه وولاه عثمان كتبة المصاحف. قال السفاقسى: فكان جمع أبى بكر خوف ذهاب شىء من القرآن بذهاب
حملته اذ أنه لم يكن مجموعا فى موضع واحد وجمع عثمان لما كثر الاختلاف فى وجوه قراءته حين قرؤا بلغاتهم حتى
أدى ذلك إلى تخطيئة بعضهم بعضا ، فنسخ تلك الصحف فى مصحف واحد مقتصرا من اللغات على لغة قريش اذ
هى أرجحها كذا فى شرح البخارى للقسطلانى ( قال ابن شهاب ) أى الزهرى وهذه القصة موصولة
بالاسناد الذى روى به الحديث الأول أى قصة جمع عثمان ونسخه القرآن فى المصاحف. وقد رواها
البخارى موصولة مفردة فى الجهاد، وفى المغازى فى باب غزوة أحد وفى تفسير سورة الأحزاب (فأخبرنى)
هذا لأبي ذر ولغيره وأخبرنى بالواو (خارجة بن زيد بن ثابت ) الأنصارى النجارى أبو زيد المدنى من كبار
ثفات التابعين أدرك زمن عثمان وسمع أباه وغيره من الصحابة وهو أحد فقهاء المدينة السبعة روى عنه الزهرى
وغيره مات سنة مائة وقيل: سنة تسع وتسعين (إنه سمع) أباه ( زيد بن ثابت قال فقدت) بفتح القاف
( آية من الأحزاب حين نسخنا ) أى أنا والقرشيون الثلاثة (المصحف ) أى المصاحف فى زمن عثمان
٣٣٠

مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
٢ - باب
قد كنت أسع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها، فالتمسناها، فوجدناما مع خزيمة بن ثابت
الأنصارى (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه) فألحقناها فى سورتها فى المصحف.
لا فى زمن أبى بكر لأن الذى فقده فى خلافة أبى بكر الآيتان من آخر سورة براءة (قد كنت أسمع رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقرأ بها) قال الحافظ: هذايدل على أن زيدا لم يكن يعتمد فى جمع القرآن على علمه ولا
يقتصر على حفظه لكن فيه إشكال لأن ظاهره إنها كتفى مع ذلك بخزيمة وحده، والقرآن انما يثبت بالتواتر
والذى يظهر فى الجواب ان الذى أشار اليه ان فقده فقد وجودها مكتوبة لا فقد وجودها محفوظة عنده
وعند غيره. ويدل على هذا قوله فى حديث جمع القرآن فأخذت اتبعه من الرقاع والعسب - انتهى.
(فالتمسناها) أى طلبناها (مع خزيمة) بضم الخاء وفتح الزاى المعجمتين (بن ثابت) بن الفاكه (الأنصارى)
الخطمى الأوسى المعروف بذى الشهادتين من كبار الصحابة شهد بدراً كان مع على يوم صفين ، فلما قتل عمار بن
ياسر جرد سيفه فقاتل حتى قتل، وتقدم شىء من ترجمته فى شرح حديث زيد بن ثابت، وهو غير أبى خزيمة
بالكنية الذى وجد معه آخر التوبة كما بين هناك. (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه -الزخرف: ٢٣)
من الثبات مع النبى يَوِّهِ والمراد إلى آخر الآية (فالحقناها فى سورتها فى المصحف) قال القارى: فيه اشكال وهو
إه بظاهره يدل على أن تلك الآية ما كانت موجودة فى الصحف (أى الأولى التى كتبت فى الجمع الأول جمع
أبى بكر) وإنما كتبت فى المصحف بعد ذلك (أى زمن فى عثمان) وهذا مستبعد جداً، فالصواب أن يراد بالمصحف
الصحف التى كتبت فى الجمع الأول ويكون ضمير المتكلم بالنون تعظيما - انتهى. قلت: قد وقع فى نسخة
القسطلانى من صحيح البخارى الصحف بدل المصحف. قال القسطلانى: قوله ((فى الصحف )) بضم الصاد من غير
ميم فى الفرع، والذى فى اليونينية بالميم انتهى. ويؤيد ذلك ما وقع فى رواية إبراهيم بن اسماعيل بن مجمع عن
ابن شهاب إن فقده آية الاحزاب إنما كان فى خلافة أبى بكر ، وقد جزم بذلك ابن كثير لكن هذا كله يخالف ما
حققه الحافظ فى الفتح، حيث قال تحت هذا الحديث: ظاهر حديث زيد بن ثابت هذا إنه فقد آية الاحزاب
من الصحف التى كان نسخها فى خلافة أبى بكر حتى وجدها مع خزيمة بن ثابت. ووقع فى رواية إبراهيم بن
إسماعيل بن مجمع إن فقده إياها إنما كان فى خلافة أبى بكر وهو وهم منه، والصحيح ما فى الصحيح وإن الذى
فقده فى خلافة أبى بكر الآيتان من آخر براءة. وأما التى فى الأحزاب ففقدها لما كتب المصحف فى خلافة عثمان،
وجزم أبن كثير بما وقع فى رواية ابن مجمع وليس كذلك والله أعلم - انتهى. وتأول الحديث بعضهم بوجه
يرتفع به الاشكال الذى إبداء القارى إذ قال إن زيد بن ثابت"د التزم فى كتابته الأولى أى فى جمعه القرآن
وكتابته فى الصحف فى عهد أبى بكر أن يسمع الآية من جماعة من الحفاظ ويجدها مكتوبة عند اثنين، ولا يكتفى
٣٣١

مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
٢ - باب
رواه البخارى.
٢٢٤٤ - (١٢) وعن ابن عباس، قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال، وهى
من المثانى،
بمجرد الحفظ دون الكتابة ولا بمجرد وجدانها مكتوبة عند واحد إلا أنه لم يجد آخر سورة براءة مكتوبا إلا
عند أبى خزيمة وإن كان قد سمعه من جماعة من الحفاظ وكان يحفظه بنفسه أيضا، و وقع مثل هذا التفرد حين
كتبت الصحف فى المصاحف فى عهد عثمان، وكان هذا التفرد فى آية ( من المؤمنين رجال) الآية وكان زيد قد التزم
فى كتابته الثانية أيضا مثل ما التزمه فى الأولى مع أمر زائد، وهو العرض والمقابلة مع الصحف التى كتبت أولا
أى فى عهد أبى بكر فاتفق أنه لم يجد آية ( من المؤمنين رجال)) مكتوبة عند اثنين وإن كانت مكتوبة فى المصحف
ومحفوظة فى صدور الرجال والله أعلم (رواه البخارى) فى باب جمع القرآن من فضائل القرآن. وأخرجه أيضا
الترمذى فى تفسير سورة التوبة والبيهقى (ج ٢ ص ٤١، ٤٢) ونسبه فى التنقيح للنسائى وابن سعد وابن أبى داود
وابن الانبارى والبيهقى وابن حبان أيضاً، تنبيه قال ابن التين وغيره : الفرق بين جمع أبى بكر وبين جمع عثمان :
إن جمع أبى بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شىء بذهاب حملته، لأنه لم يكن مجموعاً فى موضع واحد جمعه فى
صحائف مرتبا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي ◌َّةٍ. وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف فى وجوه القرآن
حين قرؤه بلغاتهم على اتساع اللغات فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض، نخشى من تفاقم الأمر فى ذلك فنسخ
تلك الصحف فى مصحف واحد مرتبا لسوره، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش محتجا بأنه نزل بلغتهم ،
وإن كان قد وسع فى قراءته بلغة غيرهم رفعاً للحرج والمشقة فى ابتداء الأمر فرأى إن الحاجة إلى ذلك انتهت
فاقتصر على لغة واحدة، وكانت لغة قريش أرجح اللغات فاقتصر عليها . وقال الحارث المحاسبي: المشهور عند
الناس إن جامع القرآن عثمان وليس كذلك إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينه
وبين من شهده من المهاجرين والأنصار لما خشى الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام فى حروف القراءات،
فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التى أنزل بها القرآن، فأما
السابق إلى جمع الجملة فهو الصديق وقد قال على لو وليت لعملت بالمصاحف التي عمل بها عثمان كذا فى الاتقان.
٢٢٤٤ - قوله (قلت لعثمان) بن عفان (ما حملكم) أى ما الباعث لكم (على أن عمد تم) بفتح الميم أى
قصد تم، وهذا لفظ أحمد، وعند الترمذى وأبى داود ما حملكم إن عمدتم أى يدون على (إلا الأنفال) أى سورة
الانفال (وهى من المثانى) المثانى من القرآن ما كان من سوره أقل من المتين، فانهم قسموا القرآن إلى أربعة
٣٣٢

مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
٢ - باب
وإلى براءة، وهى من المائين، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا سطر (بسم الله الرحمن الرحيم) ووضعتموها
فى السبع الطول؟ ما حملكم على ذلك؟
أقسام وجعلوا لكل قسم منه إسما ، فقالوا أول القرآن السبع الطول، ثم ذوات المئين أى ذوات مائة آية ونحوها،
ثم المثانى ثم المفصل. والسبع الطول هى من البقرة إلى الأعراف ست سور، واختلف فى السابعة فقيل الفاتحة
عدت منها مع قصرها لكثرة معانيها . وقيل: مجموع الأنفال وبراءة فهما كالسورة الواحدة، ولذا لم يفصل
بينهما ببسملة وسيأتى مزيد الكلام فى ذلك، ويقال، للقسم الثانى المتون أيضا، وسميت بذلك لأن كل سورة منها
تزيد على مائة آية أو تقاربها وهى إحدى عشرة سورة، والمثانى مالم يبلغ مائة آية وهى عشرون سورة سميت
بذلك لأنها ثنت المتين أى كانت بعدها فهى لها ثوان والمتون لها أوائل. قال فى النهاية: المثانى السورة التى تقصر
عن المتين وتزيد على المفصل كان المئين جعلت مبادى والتى تليها مثانى - انتهى. ويسمى جميع القرآن مثانى
لاقتران آية الرحمة بآية العذاب. وقيل لأن فيه بيان القصص الماضية فهو ثان لما تقدمه. وقيل: لتكرار
القصص والمواعظ فيه. وقيل: لغير ذلك وتسمى الفاتحة مثانى أى لأنها تثنى فى الصلاة . وقيل لغير ذلك وقد
بسطه فى الاتقان (ج ١ ص ٥٣) فراجعه إن شئت وأما المفصل فسمى بذلك لكثرة الفصول التي بين السور
بالبسملة. وقيل: لقلة المنسوخ منه، ولهذا يسمى بالحكم أيضاً (وإلى براءة) هى سورة التوبة وهى اشهر أسماءها، ولها
أسماء أخرى تزيد على العشرة ذكرها السيوطى فى الاتقان (ج١ ص ٥٤) (وهى من المئين) لكونها مائة وثلاثين
آية والمتين جمع المائة، وأصل المائة مائى كمعى والهاء عوض عن الياء، وإذا جمعت المائة قلت مئون ولو قلت
مآت جاز (فقر نتم بينهما) أى جمعتموهما (ووضعتموما) كذا وقع فى رواية أحمد والترمذى، ولا بی داود
فجعلتموهما بضمير التثنية وفى بعض النسخ من ستن أبى داود جعلتموما أى بضمير الوحدة، فضمير التثنية باعتبار
إنهما سورتان و ضمير الوحدة باعتبار أنهما سورة واحدة من حيث المعنى والقصة (فى السبع الطول) بضم ففتح.
قال ابن الاثير: جمع الطولى مثل الكبر فى الكبرى وهذا البناء يلزمه الألف واللام والاضافة وهذا عند الترمذى
و أبى داود وفى رواية أحمد الطوال أى بكسر الطاء وبالالف بعد الواو (ما حملكم على ذلك) تكرير التأكيد.
قال القارى: توجيه السؤال إن الأنفال ليست من السبع الطول لقصرها عن المئين، لأنها سبع وسبعون آية وليست
غيرها لعدم الفصل بينها وبين براءة. قلت: المراد بقول ابن عباس إن الأنفال سورة قصيرة من المثانى أى
السورة التى لا تبلغ آيها مائة لأنها سبع وسبعون آية جعلتموها داخلة فى السبع الطول، وبراءة سورة طويلة لأنها
مائة وثلاثون آية فينبغى لها أن تكون من الطول جعلتموها من المتين، ثم بعد تقدير هذا الجعل لم تكتبوا بينهما
سطر (بسم الله الرحمن الرحيم) فكأنه سأل سؤالين وأجاب عثمان بما حاصله إنه وقع الاشتباه فى أمر هاتين
٣٣٣

مرغاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
٢ - باب
قال عثمان: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يأتى عليه الزمان، وهو ينزل عليه السور ذوات
العدد، وكان اذا نزل عليه شىء دعا بعض من كان يكتب فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات فى السورة
التى يذكر فيها كذا وكذا. فاذا نزلت عليه الآية فيقول: ضعوا هذه الآية فى السورة التى يذكر
فيها كذا وكذا.
السورتين ، فانه يحتمل أن تكونا سورة واحدة، وعلى هذا فيصح وضعها فى السبع الطول، وعدم كتابة البسملة
بينهما ويحتمل أن تكونا سورتين فصح وضع الفاصلة بينهما بالبياض لمكان الاشتباه والاحتمال لعدم القطع
بكونهما سورة واحدة فافهم ( كان رسول اللّه تَّ مما يأتى عليه الزمان) أى الزمان الطويل ولا ينزل عليه شىء
وربما يأتى عليه الزمان (وهو) أى النبى مُؤثّم والواو للحال (ينزل عليه) بصيغة المجهول وذكره الجزرى بلفظ.
التأنيث فيكون معلوماً (السور) كذا الترمذى وعند أحمد من السور (ذوات العدد) صفة السور على الروايتين
أى السور للتعددة أو ذوات الآيات المتعددة (وكان اذا نزل عليه شىء) فى جامع الترمذى فكان اذا نزل عليه
الشىء، ولأحمد وكان اذا أنزل عليه الشىء أى من القرآن (دعا بعض من كان يكتب) أى الوحى وهذا لفظ
الترمذى، وعند أحمد یدعو بعض من یکتب عنده، ولفظ أبى داود كان النبي ◌ُّے ما تنزل عليه الآيات فيدعو
بعض من كان يكتب له (فيقول ضعوا هؤلاء الآيات فى السورة التى يذكر فيها كذا وكذا فاذا نزلت عليه الآية
فيقول ضعوا هذه الآية فى السورة التى يذكر فيها كذا وكذا) هذا لفظ الترمذى، ووقع عند أحمد ذكر الأمر
بالوضع ثلاث مرات . وهذا زيادة جواب تبرع به رضى الله عنه للدلالة على أن ترتيب الآيات توقيفى وعليه
الاجماع والنصوص المترادفة . أما الاجماع فنقله غير واحد منهم الزركشى فى البرهان وأبو جعفر بن الزبير فى
مناسبته، وعبارته ترتيب الآيات فى سورها واقع بتوقيفه مؤثّه، وأمره من غير خلاف فى هذا بين المسلمين .-
انتهى. وأما النصوص الدالة على ذلك تفصيلا أو إجمالا فقد سردها السيوطى فى الإتقان (ج ١ ص ٦١،٦٠)
وأما ترتيب السورة على ما هو عليه الآن فهل هو توقيفى أيضا أو هو باجتهاد من الصحابة ففيه خلاف
فذهب طائفة من العلماء إلى الثانى منهم مالك والقاضى أبو بكر فى أحد قوليه وابن فارس وذهب جماعة إلى
الأول منهم القاضى فى أحد قوليه وأبو بكر بن الأنبارى والبغوى وأبو جعفر النحاس وابن الحصار والكرمانى
والطبي إن شئت الوقوف على أقوال هؤلاء وعلى النصوص التى احتجوا لما ذهبوا إليه فارجع إلى الاتقان
(ج ١ ص ٦٢، ٦٣) قال الزركشى فى البرهان: والخلاف بين الفريقين لفظى، لأن القائل بالثانى يقول إنه رمز
اليهم ذلك لعلمهم بأسباب نزوله ومواقع كلماته ولهذا قال مالك: إنما الفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبى
٣٣٤

مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
باب - ٢
وكانت الأنفال من أوائل ما نزات بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها
شبيهة بقصتها ،
◌َّ مع قوله بأن ترتيب السور باجتهاد منهم فآل الخلاف إلى انه هل هو بتوقيف قولى أو بمجرد اسناد فعلى بحيث
يبقى لهم فيه مجال للنظر وسبقه إلى ذلك أبو جعفر بن الزبير. وقال البيهقى فى المدخل : كان القرآن على عهد النبي
رَالتّ مرتبا -وره وآياته على هذا الترتيب الا الانفال وبراءة لحديث عثمان يعنى الذى نحن فى شرحه ومال ..
السيوطى إلى قول البيهقى حيث قال فى الانقان (ج ١ ص ٦٣) بعد بسط الخلاف و سرد أقول العلماء فى ذلك
والذى ينشرح له الصدر ما ذهب إليه البيهقى، وهو أن جميع السور ترتيبها توقيفى إلا براءة والانفال ـ انتهى.
والقول الراجح المعول عليه عندنا هو ما ذهب إليه البغوى وابن الانبارى والكرمانى وغيرهم إن
ترتيب المصحف على ما هو عليه الآن تولاه النبى مَاللّه كما أخبر به جبرئيل عن أمر ربه فجميع السور ترتيبها
توقيفى، وكل ما يدل على خلاف هذا فهو مدفوع، وحديث ابن عباس الذى نحن فى شرحه مدخول أيضا كما
ستعرف (وكانت الأنفال من أوائل ما نزلت) كذا عند الترمذى، ولأحمد ما أنزل أى من الإنزال ولأبى داود
من أول ما نزل عليه (بالمدينة وكانت براءة من آخر القرآن نزولا) كذا فى جميع النسخ الحاضرة من المشكاة
بزيادة نزولا بعد لفظ القرآن، وهكذا ذكره الجزرى فى جامع الأصول (ج ٢ ص ٢٣٢) والسيوطى فى الاتقان
(ج١ ص ٦٠) والشوكانى فى فتح القدير (ج٢ ص ٣١٦) وكذا وقع فى رواية البيهقى (ج ٢ ص ٤٢) ولم يقع
هذا اللفظ عند أحمد والترمذى ولا ذكره الحافظ فى الفتح، ولفظ أبى داود وكانت براءة من آخر ما نزل من
القرآن. قال القارى: أى فهى مدنية أيضا وبينهما النسبة الترتيبية بالأولية والآخرية، فهذا أحد وجوه
الجمع بينهما، ويؤيده ما وقع فى رواية بعد ذلك فظننت أنها منها ، وكأن هذا مستند من قال إنها سورة
واحدة وهو ما أخرجه أبو الشيخ عن دوق وأبو يعلى عن مجاهد وابن أبى حاتم عن سفيان وابن لهيعة كانوا
يقولون: إن براءة من الأنفال ولهذا لم تكتب البسملة بينهما مع اشتباه طرقها، ورد بتسمية النبى صلى الله
عليه وسلم لكل منهما باسم مستقل قال القشيرى: الصحيح إن التسمية لم تكن فيها لأن جبريل عليه السلام
لم ينزل بها فيها، وعن ابن عباس لم تكتب البسملة فى براءة لأنها أمان وبراءة نزلت بالسيف وعن مالك
إن أولها لما سقط سقطت معه البسملة، فقد ثبت إنها كانت تعدل البقرة لطولها . وقيل: إنها ثابتة أولها فى .
مصحف ابن مسعود ولا يعول على ذلك - انتهى. قلت: قوله ((فظننت أنها منها)) ثابت فى هذه الرواية عند
الثلاثة الذين عزى اليهم - الحديث. وكذا عند الحاكم والبيهقى، والظاهر إن المصنف تبع فى ذلك الجزرى
حيث ذكر هذا الحديث فى جامع الأصول بدون تلك الجملة (وكانت قصتها) أى الأنفال (شبيهة بقصتها)
٣٣٥

مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
٢ - باب
فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب
سطر (بسم الله الرحمن الرحيم). ووضعتها فى السبع الطول. رواه أحمد، والترمذى، وأبو داود.
أى براءة ويجوز العكس قاله القارى. قلت. فى رواية ابن حبان فوجدت قصتها شبيها بقصة الأنفال وهذا
وجه آخر معنوى، ولعل وجه كون قصتها شبيهة بقصتها إن فى الأنفال ذكر العهود. وفى البراءة نبذها فضمت
إليها (ولم يبين لنا أنها منها) أى لم يبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن التوبة من الأنفال أو ليست منها
(فمن أجل ذلك) أى لما ذكر من عدم تبيينه ووجود ما ظهر لنا من المناسبة بينهما (قرنت بينهما ولم أكتب) أى
بينهما وسقط هذا اللفظ فى جميع النسخ من المشكاة وهو ثابت عند الثلاثة ، والمصنف تبع فى ذلك الجزرى
(سطر بسم الله الرحمن الرحيم) أى لعدم العلم بأنها سورة مستقلة لأن البسملة كانت تنزل عليه صلى الله عليه وسلم
الفصل ولم تنزل ولم أكتب (ووضعتها فى السبع الطول) أى ولكن فصلت بينهما بسطر لا كتابة فيه الاشتباه فى
أمرهما. قال الطبي: دل هذا الكلام على أنهما نزلتا منزلة سورة واحدة وكمل السبع الطول بها. قلت: حاصل الكلام
هنا إن ترك البسملة لعدم الجزم بكونها سورتين ، وجعل الفرجة والفصل بينهما بالبياض لعدم الجزم بكونهما
سورة واحدة، وأما الوضع فى الطول فلا نهما إن كانتا سورتين فلا بأس فى وضعها هناك. فقد تخلل بعض المثبن
فى المثانى كسورة الرعد وسورة ابراهيم، وإن كانتا سورة واحدة فهى فى محلها بخلاف مالو وضعتها فى المثانى،
فان وضعها ثمة لم يكن مناسبا فلذلك أخرتها عن الست الطوال وقدمتها على المتين لأجل الاشتباه. ثم قيل: السبع
الطول هى البقرة وبراءة وما بينهما وهو المشهور، ولكن روى النسائى والحاكم عن ابن عباس إنها البقرة والأعراف
وما بينهما. قال الراوى: وذكر السابعة فنسيتها وهو يحتمل أن تكون الفاتحة فانها من السبع المثانى أوهى السبع المثانى
ونزلت سبعتها منزلة المتين ، ويحتمل أن تكون الأنفال بانفرادها أو بانضمام ما بعدها اليها، وصح عن ابن جبير
إنها يونس، وجاء مثله عن ابن عباس ولعل وجهه إن الأنفال وما بعدها مختلف فى كونها من المثانى ، وإن كلا
منهما سورة أو هما سورتان كذا فى المرقاة. قال الحافظ: هذا الحديث يدل على أن ترتيب الآيات فى كل سورة
كان توقيفا، ولما لم يفصح التى تؤثّم بأمر براءة أضافها عثمان إلى الأنفال إجتهادا منه رضى الله تعالى عنه. يعنى
فيكون دليلا على أن ترتيب بعض السور كان من اجتهاد الصحابة، لا بتوقيف النبى تَّة ، لكن الحديث ليس مما
يصلح أن يؤخذ به فى ترتيب القرآن الذى يطلب فيه التواتر (رواه أحمد) (ج ١ ص ٥٧) (والترمذى) فى
تفسير سورة التوبة (وأبو داود) فى باب من جهر ببسم الله الرحمن الرحيم من كتاب الصلاة، وأخرجه أيضاً
الحاكم (ج ٢ ص ٢٢١ - ٣٣٠) والبيهقى (ج ٢ ص ٤٢) وابن حبان (ج ١ ص ١٨٧،١٨٦) وأين.
أبى داود فى كتاب المصاحف (ص ٣٢،٣١) كلهم من طريق عوف بن أبى جميلة عن يزيد الفارسى عن ابن
٣٣٦

مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
٢ - باب
عباس ونسبه السيوطى أيضا فى الدر المنثور (ج ٣ ص ٧٠) لابن أبى شيبة والنسائى وابن المنذر وابن الأنبارى
وأبى عبيد وغيرهم. والحديث قد حسنه الترمذى. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبى وسكت
عليه أبو داود. وقال المنذرى فى مختصر السنن: أخرجه الترمذى. وقال هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من
حديث عوف عن يزيد الفارسى عن ابن عباس ، ويزيد الفارسى قد روى عن ابن عباس غير حديث ، ويقال هو
یزید بن هرمز وهذا الذی حكاه الترمذى هو الذی قاله عبد الرحمن بن مهدى وأحمد بن حنبل وذکر غیر ھما إنها
إثنان، وإن الفارسى غير ابن هرمز، وإن ابن هرمز ثقة، والفارسى لا بأس به - انتهى كلام المنذرى. قلت:
يزيد بن هرمز من رجال مسلم متفق على توثيقه، ويزيد الفارسى من رجال السنن . قال أبو حاتم عنه: لا بأس به
كما فى التهذيب (ج ١١ ص ٣٧٤) وقال فى التقريب: إنه مقبول. ونقل الحافظ حديث ابن عباس هذا فى الفتح
( ج ٢٠ ص ٤٣٧ ) فى معرض الاحتجاج به علی کون ترتیب الآيات فی کل سورة توقیفا و کون ترتیب بعض
سور القرآن من اجتهاد الصحابة ، وهذا يدل على أن هذا الحديث حسن أو صحيح عنده، وعليه يدل صنيع البيهقى
فى المدخل والسيوطى فى الاتقان كما سبق، وذكره الحافظ ابن كثير فى التفسير وفى فضائل القرآن ولم يتكلم فيه،
وكذا نقله الشوكانى فى تفسيره من غير كلام فيه، ولم أجد أحدا من العلماء المتقدمين والمتأخرين إنه ضعفه أو أشار
إلى ضعفه غير أن البخارى ذكر يزيد الفارسى، هذا فى كتاب الضعفاء الصغير (ص ٣٧) وضعف الحديث جدا
العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر وبسط الكلام فى ذلك، ولنورد كلامه فإنه مهم جدا. والمسئلة تحتاج إلى عناية
كبيرة فإن هذا الحديث مما يتطرق به المستشرقون وعبيدهم المتفرنجون إلى الطعن والتشكيك فى ثبوت القرآن
وترتيبه، فإن التواتر المعلوم من الدين بالضرورة إن القرآن بلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته سورا معروفة
مفصلة مبينة مواضعها ، يفصل بين كل سورتين منها بالبسملة إلا فى أول براءة، لأن جبريل لم ينزل بها فيها
ليس لعثمان رضى الله عنه ولا لغيره أن يرتب فيه شيئا، ولا أن يبين موضع سورة أو يثبت البسملة ويتركها برأيه.
قال العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر فى شرح المسند (ج ١ ص ٣٢٩، ٣٣٠) تحت هذا الحديث: ((فى أسناده
نظر كثير بل هو عندى ضعيف جدا بل هو حديث لا أصل له يدور اسناده فى كل رواياته على يزيد الفارسى
الذى رواه عن ابن عباس تفرد به عنه عوف بن أبى جميلة وهو ثقة، قال: ويزيد الفارسى هذا اختلف فيه أهو
يزيد بن هرمز أم غيره؟ قال البخارى فى التاريخ الكبير: ، قال لى على قال عبد الرحمن: يزيد الفارسى هو ابن هرمز،
قال: فذكرته ليحي فلم يعرفه قال وكان يكون مع الأمراء)) وفى تهذيب التهذيب ((قال ابن أبى حاتم: اختلفوا
هل هو يعنى ابن هرمز يزيد الفارسى أو غيره ، فقال ابن مهدى وأحمد: هو ابن هرمز وأنكر يحي بن سعيد القطان
ان يكونا واحدا، وسمعت أبى يقول يزيد بن هرمز هذا ليس بيزيد الفارسى هو سواء )، وذكره البخارى أيضا
فى كتاب الضعفاء الصغير (ص ٣٧) وقال نحوا من قوله فى التاريخ الكبير: فهذا زيد الفارسى الذى انفرد
٣٣٧

مرعاة المفاتيح ج ٧
٨ - كتاب فضائل القرآن
٢ - باب
برواية هذا الحديث يكاد يكون مجهولا حتى شبه على مثل ابن مهدى و أحمد والبخارى أن يكون هو ابن هرمز أو
غيره، ويذكره البخارى فى الضعفاء فلا يقبل منه مثل هذا الحديث ينفرد به، وفيه تشكيك فى معرفة سور القرآن
الثابتة بالتواتر القطعى قراءة وسماعا وكتابة فى المصاحف ، وفيه تشكيك فى اثبات البسملة فى أوائل السور، كأن
عثمان كان يثبتها برأيه وينفيها برأيه وحاشاه من ذلك فلا علينا اذا قلنا إنه ((حديث لا أصل له)) تطبيقاً للقواعد
الصحيحة التى لا خلاف فيها بين أئمة الحديث. قال السيوطى فى تدريب الراوى ( ص ٩٩) فى الكلام على امارات
الحديث الموضوع أن ((يكون منافيا لدلالة الكتاب القطعية أو السنة المتواترة أو الاجماع القطعى)). وقال
الحافظ فى شرح النخبة)): ومنها ما يؤخذ من حال المروى كأن يكون مناقضا لنص القرآن أو السنة المتواترة
أو الإجماع القطعى)). وقال الخطيب فى كتاب الكفاية: (ص ٤٣٢) ((ولا يقبل خبر الواحد فى منافاة حكم
العقل وحكم القرآن الثابت الحكم والسنة المعلومة والفعل الجارى مجرى السنة وكل دليل مقطوع به)، وكثيرا يضعف
أئمة الحديث راويا لانفراده برواية حديث منكر يخالف المعلوم من الدين بالضرورة، أو يخالف المشهور من
الروايات فأولى أن نضعف يزيد الفارسى هذا بروايته هذا الحديث منفردا به إلى أن البخارى ذكره فى
الضعفاء، وينقل عن يحيى القطان أنه كان يكون مع الأمراء ثم بعد كتابة ما تقدم وجدت الحافظ ابن كثير نقل
هذا الحديث فى التفسير، وفى كتاب فضائل القرآن المطبوع آخر التفسير، ووجدت أستاذنا العلامة السيد محمد
رشيد رضا رحمة الله عليه علق عليه فى الموضعين. فقال فى الموضع الأول بعد الكلام على يزيد الفارسى)):
فلا يصح أن يكون ما انفرد به معتبرا فى ترتيب القرآن الذى يطلب فيه التواتر)). وقال فى الموضع الثانى: «فمثل
هذا الرجل لا يصح أن تكون روايته التى انفرد بها ما يؤخذ به فى ترتيب القرآن المتواتر، وهذا يكاد يوافق
ما ذهبنا إليه فلا عبرة بعد هذا كله فى هذا الموضع بتحسين الترمذى ، ولا بتصحيح الحاكم، ولا بموافقة الذهبى،
وإنما العبرة للحجة والدليل والحمد لله على التوفيق - انتهى كلامه باختصار يسير. ؟
٠ ٣٣٨

(٩) كتاب الدعوات
(٩) (كتاب الدعوات ) بفتح الدال والعين المهملتين، جمع دعوة بفتح أوله، وهو مصدر
يراد به الدعاء وهو هنا السؤال، يقال دعوت اللّه أى سألته. قال القارى: الدعوة بمعنى الدعاء وهو طلب الأدنى
بالفول من الأعلى شيئا على جهة الاستكانة - انتهى. وقال الشيخ أبو القاسم القشيرى فى شرح الأسماء الحسنى
ما ملخصه: جاء الدعاء فى القرآن على وجوه، منها العبادة ( ولاتدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك - يونس:
١٠) ومنها الاستغائة ﴿وادعوا شهداءكم - البقرة: ٢٣) ومنها السؤال (أدعونى أستجب لكم - غافر: ٦٠ )
ومنها، القول دعواهم فيها ( سبحانك اللهم - يونس: ١٠) والنداء (يوم يدعوكم - الإسراء: ٥٣) والثناء (قل
ادعوا الله أو ادعوا الرحمن - الإسراء: ١١٠) إعلم أن الدعاء والتضرع من أشرف أنواع الطاعات وأفضل
العبادات أمر الله تعالى به عباده فضلا وكرما وتكفل لهم بالاجابة، وحكى القشيرى فى الرسالة، الخلاف فى المسئلة
فقال: اختلف الناس فى أن الأفضل الدعاء أم السكوت والرضا؟ فمنهم . من قال الدعاء فى نفسه عبادة
قال صلى الله عليه وسلم الدعاء هو العبادة، وقال الدعاء مخ العبادة، فالإتيان بما هو عبادة أولى من تركها ثم هو
حق الحق سبحانه وتعالى فإن لم يستحب للعبد ولم يصل إلى حظ نفسه فلقد قام بحق ربه، لأن الدعاء إظهار فاقة
العبودية . قال الحافظ: وهذا القول هو الذى ينبغى ترجيحه لكثرة الأدلة الواردة فى الحث عليه ولما فيه من
إظهار الخضوع والافتقار وقالت طائفة: السكوت والخود تحت جريان الحكم أتم والرضا بما سبق به.
القدر أولى لما فى التسليم من الفضل. قال الحافظ: وشبهتهم أن الداعى لا يعرف ما قدر له فدعاء. إن كان على وقف
المقدور فهو تحصيل الحاصل ، وإن كان على خلافه فهو معاندة. والجواب عن الأول إن الدعاء من جملة العبادة
لما فيه من الخضوع والافتقار، وعن الثانى إنه اذا اعتقد إنه لا يقع إلا ما قدر الله تعالى كان إذعانا لا معاندة،
. وفائدة الدعاء تحصيل الثواب بامتثال الأمر ولاحتمال أن يكون المدعو به موقوفا على الدعاء، لأن الله خالق
الاسباب ومسبياتها . قال القشيرى: وقالت : طائفة ينبغى أن يكون صاحب دعاء بلسانه وصاحب رضى بقلبه
ليأنى بالأمرين جميعا. قال والأولى: أن يقال الأوقات مختلفة في بعض الأحوال الدعاء أفضل من السكوت
وهو الأدب ، وفى بعض الأحوال السكوت أفضل من الدعاء وهو الأدب. وإنما يعرف ذلك بالوقت فإذا وجد
فى قلبه إشارة إلى الدعاء فالدعاء أولى به، وإذا وجد إشارة الى السكوت فالسكوت أتم. قال الحافظ: القول الأول
٣٣٩

مرعاة المفاتيح ج ٧
٩ - كتاب الدعوات
١
أعلى المقامات أن يدعو بلسانه ويرضى بقلبه، والثانى لا يتأتى من كل أحد بل ينبغى أن يختص به الكمل قال القشيرى
ويصح أن يقال ما كان المسلمين فيه نصيب أو لله سبحانه وتعالى فيه حق فالدعاء أولى لكونه عبادة وإن كان
لنفسك فيه حظ فالسكوت أتم، وعبر ابن بطال عن هذا القول لما حكاه بقوله يستحب أن يدعوا لغيره ويترك
لنفسه يعنى إن دعا لغيره من المسلمين فسن وإن دعا لنفسه فالأولى تركه. قال النووى فى شرح مسلم: القول
باستحباب الدعاء مطلقا هو القول الصحيح الذى أجمع عليه العلماء وأهل الفتاوى فى الأمصار فى كل الأعصار ،
ودليلهم ظواهر القرآن والسنة فى الأمر بالدعاء وفعله، والاخبار عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين
بفعله. وقال فى الأذكار. المذهب المختار الذى عليه الفقهاء والمحدنون وجماهير العلماء من الطوائف كلها من السلف
والخلف إن الدعاء مستحب. قال الله تعالى وقال ربكم (أدعونى استجب لكم﴾ وقال تعالى (ادعوا ربكم
تضرعا وخفية - الأعراف: ٥٥) والآيات فى ذلك كثير مشهورة. وأما الأحاديث الصحيحة فهى أشهر من أن
تشهر، وأظهر من أن تذكر واعلم أن للدماء آدابا يجب على الداعى مراعاتها، وقد ذكرها الجزرى فى الحصن والنووى
فى الأذكار وبسط الكلام عليها مع البحث عن أدلتها الشوكانى فى تحفة الذاكرين، وكذا الغزالى فى الاحياء والزبيدى فى
شرحه فعليك أن تراجع هذه الكتب، وسيأتى التنبيه على بعض آداب الدعاء وشرائطه فى شرح أحاديث الباب. قال
الغزالى فى إلاحياء (ج١ ص ١٩٨) فان قلت فما فائدة الدعاء مع أن القضاء لا مرد له، فاعلم أن من جملة القضاء
رد البلاء بالدعاء، فالدعاء سبب ارد البلاء واستجلاب الرحمة، كما أن الترس سبب أود السهم، والماء سبب لخروج
النبات من الأرض، فكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان، فكذلك الدعاء والبلاء يتعالجان، وليس من شرط
الاعتراف بتضاء الله تعالى أن لا يجعل السلاح. وقد قال تعالى: (خذوا حذركم - النساء: ٧١﴾ ولا أن لا يسقى
الأرض بعد بث البذر، فيقال إن سبق القضاء بالنبات نبت البذر وإن لم يسبق لم ينبت، بل ربط الأسباب بالمسببات
هو القضاء الأول الذى هوكلمح البصر، وترتيب تفصيل المسببات على تفاصيل الأسباب على التدريج، والتقدير
هو القدر والذى قدر الخير قدره بسبب ، والذى قدر الشرقدر لدفعه سببا، فلا تناقض بين هذه الأمور عند من
انفتحت بصيرته. ثم فى الدعاء من الفائدة (أى زيادة على الفائدة التى هى الاتيان بالسبب فى رد البلاء) ما ذكر ناه فى
الذكروهو حضور القلب مع الله تعالى وهو منتهى العبادات، ولذلك قال مع الدعاء مخ العبادة، والغالب على الخلق
إنه لا تنصرف قلوبهم إلى ذكر الله إلا عند إلمام حاجة وإرهاق ملة، فان الانسان إذا مسه الشر فذو دعاء عريض
فالحاجة تحوج الى الدعاء، والدعاء يرد القلب الى الله عز وجل بالتضرع والاستكانة، فيحصل به الذكر الذى هو أشرف
العبادات، ولذلك صار البلاء موكلا بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل، لأنه يرد القلب بالافتقار والتضرع
إلى الله وتمنع من نسيانه ويذكر بنعمته واحسانه .
٣٤٠