Indexed OCR Text
Pages 61-80
حرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التى بعده، وصيام يوم عاشوراء
أحتسب على الله أن يكفر السنة التى قبله. رواه مسلم.
٢٠٦٥ - (١٠) ومنه، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم الاثنين.
خبرا له (صيام يوم عرفة أحتسب على الله) أى أرجو منه. قال فى النهاية: الاحتساب فى الأعمال الصالحة هو
البدار إلى طلب الأجر وتحصيله باستعمال أنواع البر والقيام بها على الوجه المرسوم فيها طلباً للثواب المرجو فيها.
قال الطبى كان الأصل أن يقال أرجو من الله أن يكفر فوضع موضعه أحتسب وعداه بعلى الذى للوجوب على
سبيل الوعد مبالغة لحصول الثواب كذا فى المرقاة. (أن يكفر) أى الله أو الصيام (السنة التى قبله) أى ذنوبها
(والسنة التى بعده) قال إمام الحرمين: والمكفر الصغائر. قال عياض: وهو مذهب أهل السنة والجماعة. وأما
الكبائر فلا يكفرها إلا التوبة أورحمة الله. وقال النووى: قالوا المراد بالذنوب الصغائر، وإن لم تكن الصغائر يرجى
تخفيف الكبائر فان لم تكن رفعت الدرجات - انتهى. قال فى المفاتيح: أى يستر ويزيل ذنوب صائم ذلك اليوم
ذنوبه التى اكتسبها فى السنة الماضية والسنة الآتية. ومعنى تكفير السنة الآتية أن يحفظه الله من الذنوب أو يعطيه
من الرحمة، والثواب بقدرما يكون كفارة للسنة الماضية والقابلة. إذا جاءت واتفق له فيها ذنوب - انتهى. وقال
الشوكانى: المراد يكفره بعد وقوعه أو المراد أنه يلطف به فلا يأتى بذنب فيها بسبب صيامه ذلك اليوم، وظاهر
الحديث أنه يستحب صوم يوم عرفة مطلقا، وظاهر حديث أبى هريرة الآتى فى الفصل الثانى أنه لا يجوز صومه
بعرفات، فيجمع بينهما بأن صوم هذا اليوم مستحب لكل أحد مكروه لمن كان بعرفات حاجا. وقد تقدم الكلام
فى هذا فتذكر (وصيام عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) قيل: وجه فضيلة صوم !وم عرفة ومريته
على صوم عاشوراء، إن صوم يوم عرفة من شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، وصوم عاشوراء من شريعة موسى عليه
الصلاة والسلام. قال الحافظ فى الفتح بعد ذكر هذا الحديث: ظاهره إن صيام يوم عرفة أفضل من صوم عاشوراء
وقد قيل فى الحكمة فى ذلك إن يوم عاشوراء منسوب إلى موسى عليه السلام، ويوم عرفة منسوب إلى الفي مزو ◌ّه
فلذلك كان أفضل - انتهى . وقيل: لأن يوم عرفة تجمع فضيلة العشر الى فضيلة اليوم ويشتركان فى كونهما شهر
حرام، والله أعلم بحقيقة الحكمة فى ذلك (رواه مسلم) وأخرجه أحمد (جه ص ٢٩٧، ٣١١) وأبوداود
والبيهقى ( ج ٤ ص ٣٠٠،٢٨٦) وأخرجه أحمد (ج ٥ ص ٢٩٦، ٣٠٤، ٣٠٧، ٣٠٨) والترمذى والنسائى
وابن ماجه مختصراً ومفرقا .
٢٠٦٥ - قوله (سئل رسول الله مثل عن صوم الاثنين) وفى بعض النسخ من صحيح مسلم (صوم يوم
الاثنين)) قال القارى: وهو أى الاثنين بهمزة الوصل. وإنما نبهت عليه وإن كان ظاهراً، لأن كثيرا من أهل.
٦١
مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
فقال: فيه ولدت، وفيه أنزل علىّ. رواه مسلم.
٢٠٦٦ - (١١) وعن معاذة العدوية، أنها سألت عائشة أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم .
الفضل يقرؤنه بقطع الوصل ولا يعرف الفصل بين الوقف والوصل بل ولا يدرى كيفية الابتداء، ثم السؤال يحتمل
احتمالين أن يكون من كثرة صيامه عليه السلام فيه، وأن يكون من مطلق الصيام وخصوص فضله من بين الأيام
(فقال فيه ولدت وفيه أنزل) أى الوحى (على) أى فأصوم شكراً لهاتين النعمتين. قال القارى: يعنى حصل لى فيه بدأ
الكمال الصورى وطلوع الصبح المعنوى المقصود الظاهرى والباطنى والتفضل الابتدائى والانتهائى، فوقت يكون
منشأ للنعم الدنيوية والأخروية حقيق بأن يوجد فيه الطاعة الظاهرية والباطنية فيجب شكره تعالى علىّ والقيام بالصيام
لدىّ لما أولى من تمام النعمة الىّ. وقال الطبى اختياراً للاحتمال الثانى: أى فيه وجود نبيكم وفيه نزول كتابكم
وثبوت نبوته فأى يوم أولى بالصوم منه فاقتصر على العلة أى سل عن فضيلته لأنه لا مقال فى صيامه فهو من
الأسلوب الحكيم - انتهى. وفيه أن الظاهر إن السؤال عن العلة فيطابق الجواب السؤال. وعلى تقدير أن يكون
السؤال عن نفس الصوم فالمعنى هل فيه فضل ، حينئذ ما ذكره أيضا فصل الخطاب لا من الأسلوب الحكيم فى
الحوادث. قلت: وقع فى رواية للبيهقي قال أى عمر أرأيت من صام يوم الاثنين ، قال ذاك يوم ولدت فيه ويوم
أنزلت على فيه النبوة، وهذا يؤيد أن السؤال كان عن نفس الصوم فيه لا عن كثرة صيامه رت فيه وقال فى شرح
المواهب: والمتبادر أن السؤال عن فضيلته فالجواب طبق السؤال اذ لا يليق سؤال الصحابى عن جواز صيامه،
لاسيما إن رأى أو علم أنه مزيف صامه. وحاصل التنزل أنه لابد من تقدير مضاف وهو إما فضل وإما جواز اذ لا
معنى للسؤال عن نفس الصوم ، فدل الجواب على أن التقدير فضل - انتهى . وفى الحديث دلالة على أن الزمان قد
يتشرف بما يقع فيه وكذا المكان وعلى أنه يستحب صوم يوم الاثنين، وأنه ينبغى تعظيم اليوم الذى أحدث الله فيه
على عبده نعمة بصومه والتقرب فيه. وقد ورد فى حديث أبى هريرة الآتى تعليل صومه ز في يوم الاثنين والخميس،
بأنه يوم تعرض فيه الأعمال، وأنه يجب أن يعرض عمله وهو صائم، ولا منافاة بين التعليلين. (رواه مسلم) فى
الصوم وأخرجه أحمد ( ج ہ ص ٢٩٧، ٢٩٩) وأبوداود والبيهقي (ج ٤ ص ٣٠٠،٢٨٦) والحاكم ( ج ٢
ص ٦٠٢) وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وهذا يدل على أنهما ظنا أن الحديث ليس
فى واحد من الصحيحين مع أنه رواه مسلم فى صحيحه من طرق .
٢٠٦٦ - قوله (أ كان رسول اللّه ◌َوّ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام قالت نعم) أى وهذا أقل ما كان
٦٢
مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
فقلت لها؟ من أى أيام الشهر كان يصوم؟ قالت: لم يكن يبالى من أى أيام الشهر يصوم
رواه مسلم .
٢٠٦٧ - (١٢) وعن أبى أيوب الأنصارى، أنه حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
من صام رمضان، ثم أتبعه ستا من شوال، كان كصيام الدهر.
يقتصر عليه (من أى أيام الشهر كان يصوم) أى هذه الثلاثة من أولها أو أوسطها أو آخرها متصلة أو منفصلة
(لم يكن يبالى من أى أيام الشهر يصوم) أى لم يكن يهتم للتعيين بل كان يصومها بحسب ما يقتضى رأيه الشريف
وبهذا جمع البيهقى بين الأحاديث الأخر المعينة المختلفة التعيين، كحديث ابن مسعود أنه مؤلّه كان يصوم من غرة
كل شهر ثلاثة أيام، وحديث عائشة أنه كان يصوم من الشهر السبت، والأحد، والاثنين - الحديث. وحديث ابن
عباس أنه كان لا يفطر أيام البيض فى حضر ولاسفر، وحديث حفصة كان رسول الله بز فتي يصوم من كل شهر
ثلاثة أيام الاثنين، والخميس، والاثنين من الجمعة الأخرى . أخرجه أبو داود والنسائى. قال البيهقى: فكل من رآه
فعل نوعا ذكره، وعائشة رأت جميع ذلك وغيره فاطلقت فى حديث الباب. قال بعضهم: ولعله مزيفة لم يواظب
على ثلاثة معينة لئلا يظن تعيينها . قال الحافظ: والذى يظهر أن الذى أمر به وحث عليه ووصى به أولى من
غيره. وأما هو فلعله كان يعرض له ما يشغله عن مراعاة ذلك أو كان يفعل ذلك لبيان الجواز وكل ذلك فى حقه
أفضل وتترجح البيض بكونها وسط الشهر ووسط الشىء أعدله، وسيأتى مزيد الكلام فى هذا (رواه مسلم)
وأخرجه الترمذى وأبوداود وابن ماجه والبيهقى ( ج ٢ ص ٢٩٥) .
٢٠٦٧ - قوله (وعن أبى أيوب الأنصارى أنه حدثه) أى أن أبا أيوب حدث الراوى عنه وهو عمر بن
ثابت بن الحارث الأنصارى الخزرجى المدنى من ثقات التابعين. قال القارى: وفى نسخة ((وعن عمر بن ثابت عن
أبى أيوب ، الخ (ثم أتبعه) بهمزة قطع أى جعل عقبه فى الصيام (سنا) أى ستة أيام وحذف الهاء لأن اسم العدد
اذا لم يذكر مميزه جاز فيه الوجهان كما صرح به النحاة. وإنما يلزم إثبات الهاء فى المذكر اذا ذكروه بلفظه وكذا
حذفها فى المؤنث اذا كان كذلك (من شوال) وهى يصدق على التوالى والتفريق (كان كصيام الدهر) وفى رواية
التر مذى فذلك صيام الدهر. ولأبى داود فكانما صام الدهريعنى اذا صام مدة عمره وإلا ففى أى سنة صامكان كصيام
تلك السنة، وفى حديث ثوبان عند ابن ماجه وغيره كان تمام السنة، أى كان صومه ذاك صوم تمام السنة اذا السنة
بمنزلة شهرين بحساب ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها -الأنعام: ١٦٠) وشهر رمضان بمنزلة عشرة أشهر. وقد جاء
ذلك مصرحا عند النسائى من حديث ثوبان ولفظه جعل الله الحسنة بعشر أمثالها، فشهر بعشرة أشهر ، وصيام ستة.
٦٣
مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
أيام بعد الفطر تمام السنة، ولابن خزيمة صيام شهر رمضان بعشرة أشهر ، وصيام ستة أيام بشهرين فذلك صيام
السنة. وفى الحديث دليل بين على استحباب صوم ستة أيام من شوال، وهو مذهب الشافعى وأحمد وداود ، وبه
قال عامة المتأخرين من الحنفية. وقال مالك وأبو حنيفة: يكره صومها. قال فى البحر الرائق: ومن المكروه
صوم ستة من شوال عند أبى حنيفة متفرقا كان أو متتابعاً ، وعن أبى يوسف كراهته متتابعاً لا متفرقا ، لكن عامة
المتأخرين لم يروا به بأساً - انتهى. وقال ابن الهمام: صوم ست من شؤال عن أبى حنيفة وأبى يوسف كراهته،
وعامة المشائخ لم يروا به بأساً - انتهى. قال السندى: ولعل القائل بالكرامة يؤول هذا الحديث بأن المراد هو
كصوم الدهر فى الكراهة، فقد جاء لا صيام لمن صام الأبد ونحوه ، مما يفيد كراهة صوم الدهر، لكن هذا
التأويل مردود بما ورد فى صوم ثلاث من كل شهر أنه صوم الدهر ونحوه. والظاهر أن صوم الدهر تحقيقاً مكروه،
وما ليس بصوم الدهر اذا ورد فيه أنه صوم الدهر فهو محبوب - انتهى. قلت: واستدل الكراهة بأنه ربما ظن
وجوبها. قال ابن الهمام: وجه الكراهة أنه قد يفضى الى اعتقاد لزومها من العوام لكثرة المداومة - انتهى. وأجيب
بأنه لا معنى لهذا التعليل بعد ثبوت النص بذلك وورود السنة الصحيحة الصريحة فيه ، وأيضاً يلزم مثل هذا فى سائر
أنواع الصوم المندوب المرغب فيها ولاقائل به. قال النووي: قولهم قد يظن وجوبهن تقضى بصوم عرفة وعاشوراء
وغيرهما من الصوم المندوب. واستدل مالك بما قال فى الموطأ من أنه لم ير أحداً من أهل العلم يصومها ، ولم يبلغنى
ذلك عن أحد من السلف وإن أهل العلم يكرهون ذلك. ولا يخفى أن الناس إذا تركوا العمل بسنة ثابتة لم يكن تركهم
دليلا ترد به السنة. قال النووي: اذا ثبتت السنة لا تترك أترك بعض الناس أو أكثرهم أو كلهم وما أحسن ما قاله
ابن عبد البر أنه لم يبلغ مالكا هذا الحديث. وقيل: لعله لم يصح هذا الحديث عنده. قال ابن رشد: وهو الأظهر.
قلت: الحديث صحيح جداً. قال الشيخ الجزرى: حديث أبى أيوب هذا لا يشك فى صحته ولا يلتفت الى كون التر مذى
جعله حسناً ولم يصححه (على ما فى بعض النسخ). وقوله فى سعد بن سعيد راويه عن عمر بن ثابت، وقد جمع الحافظ
أبو محمد عبدالمؤمن بن خلف المياطى طرقه، وأسنده عن قريب ثلاثين رجلا رووه عن سعد بن سعيد أكثرهم ثقات
حفاظ، وتابع سعداً فى روايته أخواه عبد ربه ويحيي وصفوان بن سليم وغيرهم. ورواه أيضا عن النبى م{م
أبو هريرة وجابر وثوبان والبراء بن عازب وابن عباس وعائشة رضى الله عنهم أجمعين كذا حكاه القارى عن
الجزرى. ثم نقل تخريج أحاديث هؤلاء الصحابة عن يارك وسنذكره أيضاً إنشاء الله. وأعلم أن أجر صومها
يحصل لمن صامها متفرقة أو متوالية، ومن صامها عقب العيد متصلا أو فى أثناء الشهر، وفى جامع الترمذى عن ابن
المبارك أنه اختار أن يكون ستة أيام من أول شوال، وقد روى عنه أنه قال إن صام ستة أيام من شوال متفرقا
فهو جائز. وقال النووى قال أصحابنا: والأفضل إن قصام الستة متوالية عقب يوم الفطر، فإن فرقها أواخرها
٦٤
مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
رواه مسلم .
٢٠٦٨ - (١٣) وعن أ سعيد الخدرى، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الفطر
عن أوائل الشهر إلى أواخره حصلت فضيلة المتابعة، لأنه يصدق أنه اتبعه ستا من شوال - انتهى . وقال ابن قدامة
(ج ٣ ص ١٧٣) لا فرق بين كونها متتابعة أو مفرقة فى أول الشهر، أو فى آخره لأن الحديث ورد بها مطلقا من
غير تقييد، ولأن فضيلتها لكونها قصير مع الشهر ستة وثلاثين يوما، والحسنة بعشر أمثالها فيكون ذلك كثلاثمائة
وستين يوما وهو السنة كلها، فإذا وجد ذلك فى كل سنة صار كصيام الدهر كله، وهذا المعنى يحصل مع التفريق -
انتهى. قال فى حجة الله: والسَّرُّ فى مشروعيتها أنها بمنزلة السنن الرواتب فى الصلاة تكمل فائدتها بالنسبة الى أمزجة
لم تتام فائدتها بهم. وإنما خص فى بيان فضله التشبه بصوم الدهر، لأن من القواعد المقررة أن الحسنة بعشر
أمثالها وبهذه الستة يتم الحساب. تنبيه ادعى بعض الخنفية إن ما روى عن أبى حنيفة من كراهة صوم ستة من
شوال هو غير رواية الأصول أو إن مراده بذلك أن يصوم الفطر وخمسة بعده، فأما إذا أفطر يوم العيد ثم
صام بعده ستة أيام فليس بمكروه بل هو مستحب وسنة. قال فى الدر المختار: الاتباع المكروه، أن يصوم الفطر
وخمسة بعده، فلو أفطر الفطر لم يكره بل يستحب ويسن - انتهى. وكذا قال صاحب البدائع . قال ابن عابدين بعد
البسط : فى نصوص أصحاب الحنفية فى عدم الكراهة مالفظه، وتمام ذلك فى رسالة «تحريم الأقوال فى صوم الست من
شوال)) العلامة قاسم، وقد رد فيها على ما فى منظومه التبانى وشرحها من عزوه الكرامة مطلقا الى أبى حنيفة وأنه
الأصح بأنه على غير رواية الأصول وأنه صحح ما لم يسبقه أحد الى تصحيحه وأنه صح الضعيف وعمد إلى تعطيل
ما فيه الثواب الجزيل بدعوى كاذبة بلا دليل ، ثم ساق كثيراً من نصوص كتب المذهب فراجعها - انتهى. وهذا
يدل على أن الراجح عند الحنفية على ما ادعاه العلامة قاسم وغيره هو عدم الكراهة بل استحبابه. وما حكى عنهم
خلاف ذلك فهو إما مرجوح وخلاف رواية، الأصول أومؤول بصوم يوم الفطر كما قال صاحب البدائع وصاحب
الدر المختار وغيرهما. (رواه مسلم ) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذى وصححه، وأبو داود وابن ماجه والدارمى
والبيهقى (ج ٤ ص ٢٩٢) والطبرانى، وفى الباب عن ثوبان عند أحمد والنسائى فى الكبرى وابن ماجه والدارمى
والبزار وابن خزيمة وابن حبان، وعن جابر عند أحمد وعبد بن حميد والبزار والطبرانى فى الأوسط وعن أبى هريرة
عند البزار وأبي نعيم والطبرانى، وعن ابن عباس عند الطبرانى أيضاً، وعن البراء بن عازب عند الدارقطنى، وعن
ابن عمر عند الطبرانى من أحب الوقوف على الفاظها وحال أسانيدها رجع الى التلخيص ( ص ١٩٩) والترغيب
( ج ٢ ص ٢٧) ومجمع الزوائد ( ج ٣ ص ١٨٣، ١٨٤).
٢٠٦٨ - قوله (نهى رسول الله وروضة) أى نهى تحريم (عن صوم يوم الفطر) وهو أول يوم من شوال
٦٥
مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
والنحر .
(والنحر) أى وعن صوم يوم النحر. قال الطيبي: هذا الحديث مروى من حيث المعنى والذى يتلوه مروى من حيث
اللفظ وما نص عليه. قال: ولعل العدول عن قوله نهى عن صوم العيدين الى ذكر الفطر والنحر للأشعار بأن علة
الحرمة هى الوصف بكونه يوم فطر ويوم نحر والصيام ينافيهما - انتهى. قلت: روى مسلم من حديث عمر أنه صلى
العيد ثم انصرف خطب الناس فقال إن هذين يومان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما يوم فطركم من
صيامكم والآخر يوم تأكلون فيه نسككم ، وفائدة وصف اليومين على ما قيل: الاشارة الى العلة فى وجوب فطرهما
وهو الفصل من الصوم وإظهار تمامه وحده بفطر ما بعده والآخر لأجل النسك المتقرب بذبحه ليؤكل منه ولو
شرع صومه لم يكن لمشروعية الذبح فيه معنى فعين عن علة التحريم بالأكل من النسك، لأنه يستلزم النحر ويزيد
فائدة التنبيه على التعليل .. والمراد بالنسك هنا الذبيحة المتقرب بها قطعاً. والحديث دليل على تحريم صوم هذين
اليومين، لأن أصل النهى التحريم، واليه ذهب العلماء كافة. قال ابن قدامة (ج ٣ ص ١٦٣) أجمع أهل العلم على
أن صومى العيدين منهى عنه محرم فى التطوع والنذر المطلق والقضاء والكفارة، وذلك لما روى أبو عبيد مولى
ابن أزهر قال شهدت العيد مع عمر بن الخطاب بنجاء فصلى ثم انصرف خطب الناس. فقال: إن هذين يومان نهى
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما يوم فطركم من صيامكم، والآخر يوم تأكلون فيه من نسككم ، وعن
أبى هريرة أن رسول اللّه ◌ُوثّ نهى عن صيام يومين يوم فطر ويوم أضحى، وعن أبى سعيد مثله متفق عليههما،
والنهى يقتضى فساد المنهى عنه وتحريمه - انتهى. وكذا حكى الاجماع على هذا النووى والحافظ والزرقانى والعينى
وابن رشد وغيرهم. وههنا مستلتان اختلف الأئمة فيهما إحداهما أن ينذر صوم الفطر والنحر متعمد آلعينهما.
فقال مالك والشافعى : لا ينعقد نذره ولا يلزمه قضاءهما، واليه ذهب أحمد فى الصحيح عنه. قال ابن قدامة. ان
قال الله علىَّ صوم يوم العيد فهذا نذر معصية على ناذره الكفارة لا غير ، نقلها حقيل عن أحمد وفيه رواية أخرى
إن عليه القضاء مع الكفارة، والأولى هى الصحيحة قاله القاضى. لأن هذا نذر معصية فلم يوجب قضاء كسائر
المعاصى وفارق المسئلة التى قبلها (وهى المسئلة الثانية التى سنذكرها) لأنه لم يقصد بنذره المعصية. وإنما وقع
اتفاقا وههنا تعمدها بالنذر فلم ينعقد نذره، ويدخل فى قوله عليه السلام لا نذر فى معصية، ويتخرج إلا يلزمه
شىء بناء على نذر المعصية - انتهى. والمسئلة الثانية أن ينذر صوم يوم فيوافق العيد. قال النووي: أما الذى
نذر صوم يوم الاثنين مثلا فوافق يوم العيد فلا يجوز له صيام يوم العيد بالاجماع، وهل يلزمه قضاءه فيه خلاف
للعلماء؟ وفيه الشافعى قولان: أصحهما لا يحب قضاءه، لأن لفظه لم يتناول القضاء. وإنما يجب قضاء الفرائض بأمر
جديد على المختار عند الأصولين - انتهى. واختلفت الرواية فيه أيضاً عن مالك. قال العينى قال مالك: لو نذر صوم
٦٦
مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
يوم فوافق يوم فطر أو يوم نحر يقضيه فى رواية ابن القاسم وابن وهب عنه وهو قول الأوزاعى. وقال الحافظ :
وعن مالك فى رواية يقضى إن نوى القضاء وإلا فلا. وقال الأبى فى الاكمال : اختلف قول مالك وأصحابه اذا
لم يقصد تعيينهما ، وإنما نذر نذراً اشتمل عليهما أو نذر يوم يقدم فلان فقدم يوم عيد هل يقضى أو لا يقضى،
أو يقضى إلا أن يقوى أن لا يقضى أو لا يقضى إلا أن ينوى أن يقضى - انتهى. وقال فى المدونة: قلت لمالك:
فرمضان ويوم الفطر وأيام النحر الثلاثة كيف يصنع فيها، وإنما نذر سنة بعينها أ عليه قضاء أم ليس عليه قضاءها
اذا كانت لا يصلح الصيام فيها ؟ فقال أولا لا قضاء عليه إلا أن يكون نوى أن يصومهن قال ، ثم سئل عن
ذى الحجة من نذر صيامه أترى عليه أن يقضى أيام الذبح؟ فقال: نعم عليه القضاء، إلا أن يكون نوى حين نذر
أن لا قضاء عليه - انتهى. وقال ابن قدامة (ج ٩ ص ٢١، ٢٢) من نذر أن يصوم يوم يقدم فلان ، فان نذره
صحيح ، فان قدم يوم فطر أو أضحى. فاختلفت الرواية عن أحمد فيه فعنه لا يصومه ويقضى ويكفر، فقله عن أحمد
جماعة وهو قول أكثر أصحابنا، ومذهب الحكم وحماد. والرواية الثانية يقضى ولا كفارة عليه وهو قول الحسن
والأوزاعى وأبى عبيد وقتادة وأبى ثور وأحد قولى الشافعى، فانه فاته الصوم الواجب بالنذر فلزمه قضاءه ولم تلزمه
كفارة لأن الشرع منعه من صومه فهو كالمكره وعن أحمد رواية ثالثة إن صامه صح صومه، وهو مذهب
أبي حذيفة لأنه وفى بما نذر ويتخرج أن يكفر من غير قضاء لأنه وافق يوماً صومه حرام فكان موجبه الكفارة كمالو
نذرت المرأة صوم يوم حيضها ويتخرج أن لا يلزمه شىء من كفارة ولا قضاء بناء على من نذر المعصية، وهذا
قول مالك والشافعى فى أحد قوليه بناء على نذر المعصية - انتهى. وقد ظهر بهذا أن مذهب الحنابلة فى هذه المسئلة
هو انعقاد النذر وصحته، ووجوب القضاء مع الكفارة. وأما أبو حذيفة فذكر العينى (ج ١١ ص ١١٠،١٠٩)
ثلاث روايات عنه. إحداها صحة النذر فى المسئلتين ووجوب القضاء، والثانية عدم صحة النذر مطلقاً وعدم وجوب
القضاء، وهى رواية أبى يوسف وابن المبارك عنه. والثالثة: إن نذر صوم يوم النحر لا يصح، وإن نذر صوم
غد وهو يوم النحر صح وهى رواية الحسن عنه، وظاهر الرواية هى الرواية الأولى أى صحة النذر مطلقاً من غير
فرق بين أن يذكر المنهى عنه صريحا كيوم النحر مثلا أو تبعاً كصوم غد، فإذا هو يوم النحر. قال فى الهداية:
اذا قال لله علىّ صوم يوم النحر، أفطر وقضى، فهذا النذر صحيح عندنا خلافا لزفر والشافعى، هما يقولان: أنه
نذر بما هو معصية لورود النهى عن صوم هذه الأيام، ولنا أنه نذر بصوم مشروع (لأن الدليل الدال على
مشروعية الصوم لا يفصل بين يوم ويوم ، فكان من حيث حقيقته حسناً مشروعا والنذر بما هو مشروع جائز)
والنهى لغيره وهو ترك إجابة دعوة الله (لأن الناس أضياف الله فى هذه الأيام) فيصح نذره لكنه يفطر احترازاً
عن المعصية المجاوزة ثم يقضى اسقاطا للواجب وأن صام فيه يخرج عن العهدة مع الحرمة لأنه أداء كما التزمه -
٦٧
مرعاة المفاتيح ج٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع.
انتهى. وقال فى الدر المختار: ولو نذر صوم الأيام المنهية أو صوم هذه السنة صح مطلقا على المختار، وفرقوا بين
النذر والشروع فيها، بأن نفس الشروع معصية، ونفس النذر طاعة فصح - انتهى . قال العينى: والأصل عندنا
أن النهى لا ينفى مشروعية الأصل وعلى هذا الأصل مشى أصحابنا فيما ذهبوا إليه، ويؤيد هذا ما رواه البخارى
عن زياد بن جبير قال: جاء رجل إلى ابن عمر فقال: نذر رجل صوم الاثنين فوافق يوم عيد. فقال ابن عمر أمر
اللّه بوفاء النذر، ونهى رسول اللّه ◌َ اللّه عن صوم هذا اليوم. قال ابن عبد الملك: لو كان صومه ممنوعا منه لعينه
ما توقف ابن عمر فى الفتيا - انتهى. قلت أمر ابن عمر رضى الله عنه فى التورع عن بت الحكم، ولا سيما عند
تعارض الأدلة مشهور، ويحتمل أن يكون ابن عمرٍ أشار الى قاعدة إن الأمر والنهى اذا التقيا فى محل واحد أيهما
يقدم والراجح يقدم النهى، فكأنه قال لا تصم، وقيل: نبه ابن عمر على أن الوفاء بالنذر عام. والمنع من صوم العيد
خاص، فكانه أفهمه أنه يقضى بالخاص على العام. وتعقب هذا بأن النهى عن صوم يوم العيد أيضا عموم الخاطبين،
ولكل عيد فلا يكون من قضاء الخاص على العام. وقال الداردى: المفهوم من كلام ابن عمر تقديم النهى، لأنه قد
روى أمر من نذر أن يمشى فى الحج بالركوب، فلو كان يجب الوفاء به لم يأمره بالركوب - انتهى. قال الحافظ:
وأصل الخلاف فى هذه المسئلة أن النهى هل يقتضى صحة المنهى عنه قال الأكثر لا، وعن محمد بن الحسن نعم، واحتج
بأنه لا يقال للأ عمى لا يبصر ، لأنه تحصيل الحاصل . فدل على أن صوم يوم العيد ممكن، واذا أمكن ثبت الصحة ،
وأجيب بأن الامكان المذكور بعقلى والنزاع فى الشرعى والمنهى عنه شرعاً غير يمكن فعله شرعاً، ومن حجج
المانعين أن النفل المطلق إذا نهى عن فعله لم ينعقد، لأن المنهى مطلوب الترك سواء كان التحريم أو التنزيه، والنفل
مطلوب الفعل، فلا يجمتع الضدان ، والفرق بينه وبين الأمر ذى الوجهين كالصلاة فى الدار المغصوبة (أى على
القول بصحتها وإلا فقد ذهب أحمد فى أشهر القولين عنه إلى عدم صحتها كما فى المغنى ( ج ٢ ص ٧٤) وروضة
الناظر (ج١ ص١٢٧) أن النهى عن الاقامة فى المغصوبة ليست لذات الصلاة بل للاقامة وطلب الفعل لذات العبادة
بخلاف صوم يوم النحر مثلا، فان النهى فيه لذات الصوم فافترقا - انتهى. وفى آخركلام الحافظ نظر فتأمل وأرجع
أبسط الكلام فى مسئلة النهى إلى كتب الأصول كأصول البزدوى مع شرحه كشف الأسرار، وإلى إرشاد الفحول
وغيرهما. والراجح عندى فى المسئلة الأولى هوما ذهب اليه مالك والشافعى وأحمد من عدم انعقاد النذر وعدم
صحته، لأنه نذر معصية. والنذر إنما يكون فى الطاعة دون المعصية فلا ينعقد هذا النذر، ولا يصح، كما لا يصح من
الحائض لو نذرت أن تصوم أيام حيضها ، ولم يأمر الله تعالى قط بالوفاء بنذر معصية فلا يلزم قضاءه. وقد وقع
فى رواية لمسلم لا يصلح الصيام فى يومين يوم الأضحى ويوم الفطر من رمضان، وهذا كالنص على بطلان صوم
العيدين، وإن يومى العيد ليسا بمحل الصوم شرعاً، لأن حقيقة ذلك الخبر، فهو يحمل على حقيقته مالم يصرف
٦٨
١
مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٧ - باب صيام التطوع
متفق عليه .
٢٠٦٩ - (١٤) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا صوم فى يومين الفطر
والأضحى. متفق عليه.
٢٠٧٠ - (١٥) وعن نعيشة الهذلى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيام التشريق،
عنها صارف فاقتضى ذلك إخباراً من النبى صلى الله عليه وسلم بأن هذين اليومين لا يصلح فيهما الصيام، فلو بقى
صائما مع إيقاعه الامساك فيهما لكان قد صلح الصيام فيهما من وجه، فثبت بذلك أن ما وقع من الامساك
ولو بنية الصوم من العبد فى اليومين المذكورين فليس بصيام عند الشرع، ليكون مخبره خبراً موجوداً فى سائر ما
أخبر به ، وهذا كله يبطل القول بصحة نذر صوم العيد وأجزاءه لوصام. وأما المسئلة الثانية فالأشبه فيهما أن
ينعقد نذره ويصح ويجب قضاءه، لأنه نذر نذراً يمكن الوفاء به غالباً ولم يقصد بنذره المعصية. وإنما وقع إتفاقاً
فينعقد كما لووافق غير يوم العيد، ولا يجوز أن يصوم يوم العيد لأن الشرع حرم صومه فأشبه زمرن الحيض
ولزمه القضاء، لأنه نذر منعقد وقد فاته الصيام بالعذر (متفق عليه) واللفظ للبخارى فى الصيام، والحديث
أخرجه أيضا أحمد والترمذى وأبوداود وابن ماجه والبيهقى (ج ٤ ص ٢٩٧).
٢٠٦٩ - قوله (لا صوم) أى جائز (الفطر والأضحى) يدل أى لأنهما غير قابلين للصوم لحرمته فيهما
فلا يصح نذر صومهما وكذا حكم أيام التشريق كما سيأتي بيانه، وخصهما بالذكر لكونهما الأصل، وأيام
التشريق من توابع الأضحى (متفق عليه) واللفظ للبخارى فى الصلاة وفى الحج وفى الصوم، وأخرجه بهذا
اللفظ الدارى .
٢٠٧٠ - قوله (وعن نيشة) بضم النون وفتح الموحدة بعدها ياء ساكنة فشين معجمة فهاء (الهذلى)
بضم الهاء وفتح الذال هو نيشة بن عبد الله بن عمرو بن عتاب بن الحارث بن نصير بن حصن وقيل : فى نسبه
غير ذلك . ويقال له: نبيشة الخير، ويكنى أبا طريف صحابى قليل الحديث. قال ابن عبد البر: سكن البصرة،
ويقال أنه دخل على النبى صلى الله عليه وسلم وعنده أسارى فقال يا رسول الله! إما أن تفاديهم وإما أن تمن
عليهم ، فقال أمرت بخير أنت نيشة الخير (أيام التشريق) وهى ثلاثة أيام بعد يوم النحر وهذا قول ابن عمر
وأكثر العلماء منهم الأئمة الأربعة وأتباعهم. وروى عن ابن عباس وعطاء أنها أربعة أيام يوم النحر وثلاثة أيام
بعده، وسماها عطاء أيام التشريق، والأول أظهر. ويدل عليه ما رواه الطحاوى (ج ١ ص ٤٢٩) عن أنس
ابن مالك قال نهى رسول اللّه مَ للّه عن صوم أيام التشريق الثلاثة بعد يوم النحر، وأخرجه أبو يعلى بلفظ: نهى
٦٩
مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
أيام أكل وشرب وذكر الله.
رسول الله ورثه عن صوم خمسة أيام من السنة يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق. وسميت أيام التشريق لأن لحوم
الأضاحى تشرق فيها أى تنشروتبسط فى الشمس لتجف. وقيل: لأن الهدى والضحايا لا تنحر حتى تشرق الشمس
أى تطلع. وقيل: لأن صلاة العيد تقع عند شروق الشمس أول يوم منها فصارت هذه الأيام تبعا ليوم النحر،
وهذا يعضد قول من يقول يوم النحر منها. وقيل: التشريق التكبير دبر كل صلاة. (أيام أكل وشرب) وكذا
يوم النحر يوم أكل وشرب بل هو الأصل والبقية أتباعه (وذكر الله) بالجر وهذا إشارة إلى قوله تعالى:
﴿ واذكروا الله فى أيام معدودات - البقرة: ٢٠٣ ) يعنى أنها كم عن صومها وآمركم بذكر الله فيها صيانة عن
التلهى والتشهى كالبهائم. قال الاشرف: وإنما عقب الأكل والشرب بذكر الله لئلا يستغرق العبد فى حظوظ
نفسه وينسى فى هذه الأيام حق الله تعالى - انتهى. وهل يلتحق أيام التشريق ييوم النحر فى حرمة الصيام كما تلتحق.
به فى النحر وغيره من أعمال الحج، أو يجوز صيامها مطلقا أو التمتع خاصة أوله ولمن هو فى معناه؟ وفى كل ذلك
اختلاف العلماء. وقد استدل بحديث نيشة على النهى عن صوم أيام التشريق، وقد ورد النهى عن ذلك صريحا.
من حديث سعد بن أبى وقاص عند أحمد (ج ١ ص ١٦٩، ١٧٤) والطحاوى (ج ١ ص ٤٢٨) والبزار،
وفيه عند أحمد والطحاوى محمد بن أبى حميد المدنى وهوضعيف. ومن حديث يونس بن شداد رواه عبد الله بن
أحمد (ج ٤ ص ٧٧) والبزار ، وفيه سعيد بن بشير وهو ثقة ولكنه اختلط . ومن حديث حبيبة بنت شريق
عند أحمد (ج ١ ص ٩٢) والنسائى والطبرانى فى الأوسط والطحاوى (ج ١ ص ٤٢٩) ومن حديث أنس
وقد تقدم. ومن حديث ابن عباس عند الطبرانى فى الكبير باسناد ضعيف . ومن حديث أبى هريرة عند الطحاوى
(ج ١ ص ٤٢٨) والبزار، وفى سند البزار عبد الله بن سعيد المقبرى وهو ضعيف قاله الهيشمى. ومن حديث
معمر بن عبد الله العدوى عند الطحاوى (ج ١ ص ٤٢٩) والطبرانى فى الكبير. ومن حديث عمرو بن العاص
عند أبي داود وابن المنذر والدارمى والبيهقى (ج ٤ ص ٢٩٧) والطحاوى (ج ١ ص ٤٢٨) وابن حزم
(ج ٧ ص ٢٨) وصححه ابن خزيمة والحاكم. ومن حديث ابن عمر عند أحمد (ج ٢ ص ٣٩) قال الهيشمى:
رجاله رجال الصحيح. ومن حديث أسامة الهذلى عند الطبرانى فى الأوسط وسنده ضعيف . ومن حديث عمر بن
خلدة الزرقى عن أمه عند أبي يعلى وعبد بن حميد وإسحاق بن راهويه والطحاوى ( ج ١ ص ٤٢٩) وابن أبى
شيبة ، وفيه موسى بن عبيدة الربذى وهو ضعيف. ومن حديث عقبة بن عامر عند الترمذى وأبى داود والنسائى
وابن حبان والحاكم والبزار. ومن حديث مسعود ابن الحكم الزرقى عن أمه عند الطحاوى (ج ١ ص ٤٢٩)
ومن حديث أم الحارث بنت عياش عند الطبرانى فى الكبير باسناد ضعيف. ومن حديث عبد الله بن حذافة عند
الدار قطنى والطبرانى وفيه الواقدى. ومن حديث مسعود بن الحكم عن رجل من أصحاب النبي ومؤثّم عند
٧٠
مرعاة المفاتيح ج٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
الطحاوى (ج١ ص ٤٢٩) وقد ذهب إلى منع الصوم فى هذه الأيام وتحريمه مطلقا جماعة من السلف منهم على
ابن أبى طالب وعبد الله بن عمرو بن العاص والحسن وعطاء وهو قول الشافعى فى الجديد وعليه العمل والفتوى عند
أصحابه وهو قول الليث بن سعد وابن علية وأبى حنيفة وابن المنذر وهى رواية عن أحمد. واليه ذهب ابن حزم،
وهؤلاء قالوا : لا يجوز صيامها مطلقا، وإنها ليست قابلة للصوم لا للتمتع الذى لم يجد الهدى ولا لغيره، وجعلوا
هذه الأحاديث مخصصة لقوله تعالى: ﴿ ثلاثة أيام فى الحج - البقرة: ١٩٦﴾ لأن الآية عامة فيما قبل يوم النحر
وما بعده، والأحاديث المذكورة خاصة بأيام التشريق وإن كان فيها عموم بالنظر إلى الحج وغيره، فيرجع
خصوصها لكونه مقصوداً بالدلالة على أنها ليست محملا للصوم، وإن ذاتها باعتبار ما هى غير مؤهلة له كأنها
منافية للصوم. وقال الطحاوى بعد أن أخرج أحاديث النهى عن ستة عشر صحابيا: فلما ثبت بهذه الأحاديث عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم النهى عن صيام أيام التشريق، وكان نهيه عن ذلك بمنى، والحاج مقيمون بها وفيهم
المتمتعون والقارنون ، ولم يستثن منهم متمتعا ولا قارنا دخل المتمتعون والقارنون فى ذلك - انتهى. وذهب
جماعة الى جواز الصيام فيها مطلقا، وبه قال أبو اسحاق المروزى من الشافعية والأسود بن يزيد . وحكاه ابن
عبد البر فى التمهيد عن بعض أهل العلم، وحكاه ابن المنذر وغيره عن الزبير بن العوام وأبى طلحة من الصحابة .
قال ابن قدامة ( ج ٣ ص ٦٤) بعد حكاية هذا القول عن الأسود بن يزيد وابن الزبير وأبى طلحة ما لفظه:
والظاهر أن هؤلاء لم يبلغهم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامها ولو بلغهم لم يعدوه الى غيره - انتهى.
وقيل : يمكن أنهم حملوا النهى على التنزيه. قال الأمير اليمانى: وهو قول لا ينهض عليه دليل. وقال الشوكانى:
أحاديث الباب جميعها ترد عليه. وذهب جماعة الى منعه إلا التمتع الذى لم يجد الهدى ولم يصم الثلاث فى أيام
العشر وهو قول عائشة وابن عمر وعروة بن الزبير واسحاق بن راهويه وعبيد بن عمير والزهرى ، وهو قول مالك
والشافعى فى القديم ، وأحمد فى الرواية المشهورة عنه. قال الزركشى الحنبلى: وهى التى ذهب اليها أحمد أخيراً.
قال فى المبهج: وهى الصحيحة وهو مختار البخارى فإنه ذكر فى باب صيام أيام التشريق حديثى عائشة وابن عمر
فى جواز ذلك ولم يورد غيره، واستدل لهذا القول بقوله تعالى: ﴿فصيام ثلاثة أيام فى الحج﴾ وبحديث عائشة
وابن عمر الآتى وسيأتى الجواب عنه. وذهب آخرون ومنهم الأوزاعى الى أنه يصومها المتمتع ومن تعذر
عليه الهدى من المحصر والقارن لعموم الآية، ولما روى البخارى وغيره عن عائشة وابن عمر قالا: لم يرخص فى
أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدى ، فإنه أفاد أن صوم أيام التشريق جائزرخصة لمن لم يجد الهدى وكان
متمتعا أو قارنا أو محصراً لا طلاق الحديث، بناء على أن فاعل قوله يرخص المجهول هو رسول اللّه مزيثم وأنسه
٧١
مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
مرفوع حكما، وإن لم يضيفاه إلى عهد النبي ◌َؤه كما قال الحاكم أبو عبد الله فى نحوه. وقال النووى فى شرح المهذب
وهو القوى يعنى من حيث المعنى وهو ظاهر استعمال كثير من المحدثين، واعتمده الشيخان فى صحيحيهما وأكثر
منه البخارى . وقال التاج بن السبكى: أنه الأظهر واليه ذهب الامام خر الدين. قلت: وقد ورد التصريح بالفاعل
فى رواية للدار قطنى والطحاوى إلا أن فى إسنادها يحيى بن سلام، وقد ضعفه الدار قطنى والطحاوى ولفظها عند
الدار قطنى، رخص رسول اللّه ◌َم التمتع إذا لم يحد الهدى أن يصوم أيام التشريق، ولم يذكر الطحاوى طريق
عائشة ولفظها عنده من رواية ابن عمر ، قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فى المتمتع، إذا لم يجد الهدى
ولم يصم فى العشر أنه يصوم أيام التشريق ، وهذا كما ترى قد خص المتمتع بذلك فلا يكون حجة لأهل هذا القول
وأما الآية وحديث عائشة وابن عمر عند البخارى. فأجاب المانعون عنه مطلقا بأنا لا نسلم إن أيام التشريق
من أيام الحج. ولو سلمنا فهى مخصوصة بأحاديث النهى كما سبق، قال الجصاص: قد ثبت عن النبي ◌َ ◌ّم النهى
عن صوم يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق فى أخبار متواترة مستفيضة. واتفق الفقهاء على استعمالها وأنه غير
جائز لأحد أن يصوم هذه الأيام عن غير صوم المتعة لا من فرض ولا من نفل فلم يجز صومها عن المتعة لعموم
النهى عن الجميع. ولما اتفقوا على أنه لا يجوز أن يصوم يوم النحر وهو من أيام الحج النهى الوارد فيه كذلك
لا يجوز الصوم أيام منى ولما لم يجز أن يصومهن عن قضاء رمضان لقوله تعالى: ﴿قعدة من أيام أخر - البقرة:
١٨٤) وكان الحظر المذكور فى هذه الأخبار قاضيا على اطلاق الآية موجبا لتخصيص القضاء فى غيرها، وجب أن
يكون ذلك حكم صوم التمتع وأن يكون قوله تعالى: ﴿فصيام ثلاثة أيام فى الحج - البقرة: ١٩٦) فى غير هذه الأيام
قال الجصاص: وأيضاً لما قال (فصيام ثلاثة أيام فى الحج) ولم يكن صوم هذه الأيام فى الحج، لأن الحج فانت
فى هذا الوقت لم يجز أن يصومها فان قيل لما قال (فصيام ثلاثة أيام فى الحج﴾ وهذه من أيام الحج وجب أن
يجوز صومهن فيها، قيل له: لا يجب ذلك من وجوه، أحدها أن نهى النبي ◌َّم عن صوم هذه الأيام قاض عليه
ومخصص له كما خص قوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ نهيه عن صيام هذه الأيام. والثانى أنه لو كان جائزاً
لأنه من أيام الحج لوجب أن يكون صوم يوم النحر أجوز لأنه أخص بأفعال الحج من هذه الأيام. والثالث أن
التى نَّم خص يوم عرفة بالحج بقوله الحج عرفة فقوله: (فصيام ثلاثة أيام فى الحج﴾ يقتضى أن يكون آخرها
يوم عرفة . والرابع أنه روى أن يوم الحج الأكبر يوم عرفة، وروى أنه يوم النحرو: قد اتفقوا أنه لا يصوم يوم
التحر مع أنه يوم الحج، فما لم يسم يوم الحج من الأيام المنهى عن صومها أحرى أن لا يصوم فيها ، وأيضاً فان
الذی یبقی بعد يوم النحر إنما هو من توابع الحج، وهو رمى الجمار فلا اعتبار به فى ذلك فليس هواذاً من أيام
الحج فلا يكون صومها صوما فى الحج - انتهى. قال المانعون: وحديث عائشة وابن عمر موقوف لأنهما
٧٢
مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
رواه مسلم.
٢٠٧١ - (١٦) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يصوم أحدكم
يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده .
لم يضيفاه إلى الزمن النبوى فيكون موقوفاً على ما جزم به ابن الصلاح فى نحوه مما لم يضف، والمعنى حية ذى
لم يرخص من له مقام الفتوى، ويؤيد ذلك ما روى عنهما موقوفا عليهما على سبيل الجزم، وروى أيضا من فعل
أبى بكر وفتيا لعلى رضى الله عنه. وقال الطحاوى (ج ١ ص ٤٣٠) قولهما ذلك يجوز أن يكونا عنيا بهذه
الرخصة ما قال الله عز وجل فى كتابه ( فصيام ثلاثة أيام فى الحج) فعدا أيام التشريق من أيام الحج فقالا:
رخص للحاج المتمتع والمحصر فى صوم أيام التشريق لهذه الآية، ولأن هذه الأيام عندهما من أيام الحج وخفى
عليهما ما كان من توقيف رسول اللّه ◌َوفقّم الناس من بعده على أن هذه الأيام ليست بداخلة فيما أباح الله صومه من
ذلك - انتهى. هذا وقد جعل الشوكانى القول بجوازه للتمتع أقوى المذاهب ورجحه أيضا الحافظ ، وذكر شيخنا
فى شرح الترمذى كلام الشوكانى وسكت عليه. والراجح عندى هو المنع مطلقا، لأحاديث النهى وهى مخصصة
للآية، ولم يثبت عن النبي ◌َّ الرخصة التمتع صريحا بسند صحيح. وأما حديث ابن عمر وعائشة عند البخارى
ففى كونه مرفوعا كلام والله تعالى أعلم (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٥ ص ٧٥، ٧٦) والنسائى فى
الكبرى والطحاوى (ج ١ ص ٤٢٨) والبيهقى (ج ٤ ص ٢٩٧) وفى الباب عن جماعة من الصحابة غير من
تقدم ذكرهم منهم علىّ عند أحمد (ج ١ ص ٧٦) والطحاوى وبشر بن سحيم عند النسائى والطحاوى والبيهقى وابن
حزم وعبد الله بن عمر وعند البزار، وزيد بن خالد عند أبي يعلى وكعب بن مالك عند أحمد، ومسلم وحمزة
ابن عمر والأسلى عند الطبرانى، وعائشة عند الطحاوى وأم الفضل عند الطحاوى أيضا، وقد بسط العينى
والطحاوى والحافظ فى التلخيص (ص ١٩١) والهيشمى طرق هذه الأحاديث.
٢٠٧١ - قوله (لا يصوم) كذا فى جميع النسخ، وهكذا وقع فى المصابيح وكذا نقله الجزرى فى
جامع الأصول (ج ٧ ص ٢٣٧) عن مسلم بلفظ النفى: والمراد به النهى والذى فى صحيح مسلم لا يصم بلفظ
النهى وكذا نقله الحافظ فى الفتح والبيهقى فى السنن (ج ٤ ص ٣٠٢) ولفظ البخارى لا يصوم. قال الحافظ:
كذا للا كثر وهو بلفظ النفى والمراد به النهى، وفى رواية الكشميهنى لا يصومن بلفظ النهى المؤكد
( أحدكم يوم الجمعة) أى مفردا ( إلا أن يصوم قبله ) أى يوما ( أو يصوم بعده) أى يوماً كما فى رواية
النسائى والبخارى إلا يوما قبله أو بعده، أى إلا أن يصوم يوما قبله، أو يصوم يوما بعده، وللاسماعيلى
إلا أن تصوموا يوما قبله أو بعده و((أو)) لمنع الخلو، والمعنى أنه يكنى صوم أحدهما ولو صامهما جاز أيضا
٧٣
مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
والحديث دليل على تحريم النفل بصوم يوم الجمعة منفردا، وعلى جواز صوم يومها لمن صام قبله أو بعده ، فلو
أفرده بالصوم وجب فطره كما يفيده، ما أخرجه أحمد والبخارى وأبو داود من حديث جويرية أن النبي صلى الله
عليه وسلم دخل عليها فى يوم جمعة وهى صائمة. فقال لها: أصمت أمس؟ قالت لا، قال تصومين غدا؟ قالت
لا، قال فأفطرى، والأصل فى الأمر الوجوب، والرواية الآتية تدل على جواز صومه لمن اتفق وقوعه فى أيام
له عادة بصومها كمن يصوم أيام البيض، أو من له عادة بصوم يوم معين كيوم عرفة فوافق يوم الجمعة أو، له
عادة بصوم يوم وفطر يوم فوافق صومه يوم الجمعة. واختلف الأئمة فى إفراد يوم الجمعة بالصيام فذهب
ابن حزم إلى تحريمه لظواهر الأحاديث الواردة فى النهى عن تخصيصه بالصوم، ونقله أبو الطيب الطبرى عن أحمد وابن
المنذر وبعض الشافعية وكأنه أخذه من قول ابن المنذرثبت النهى عن صوم يوم الجمعة كما ثبت عن صوم يوم العيد
وزاد يوم الجمعة الأمر بفطر من أراد أفراده بالصوم، فهذا يشعر بأنه يرى بتحريمه. ونقل ابن المنذروابن حزم منع
صومه عن على وأبى هريرة وسلمان وأبى ذر. قال ابن حزم: لا نعلم لهم مخالفا من الصحابة. وذهب الجمهورومنهم
الشافعى وأحمد وأبو يوسف وبعض الحنفية إلى أن النهى فيها للتنزيه. وقال مالك وأبو حنيفة ومحمد: بالاباحة
مطلقا من غير كراهة ، ذكره العينى وابن قدامة والحافظ وابن الهمام. قال مالك: لم أسمع أحدا من أهل العلم
والفقه، ومن يقتدى به نهى عن صيام يوم الجمعة وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه وأراه كان
يتحراه. قال النووي: السنة مقدمة على ما رآه مالك وغيره ، وقد ثبت النهى عن صوم يوم الجمعة فيتعين القول
به، ومالك معذور. فأنه لم يبلغه، قال الداودى من أصحاب مالك: لم يبلغ مالكا هذا الحديث ولو بلغه لم يخالفه
- انتهى . قلت: ونص فروع المالكية كالشرح الكبير الدردير وغيره أنه يندب إفراد يوم الجمعة بالصوم
وبه قال عامة الحنفية. وقال بعضهم: بالكرامة كما فى البدايع والنهر والبحر والدر المختار وحاشية رد المختار.
قال عبد الوهاب المالكى : يوم الجمعة يوم لا يكره صومه مع غيره فلا يكره وحده ، وردّ بأن هذا قياس فاسد
الاعتبار لأنه منصوب فى مقابلة النصوص الصحيحة. قال الحافظ والمشهور عند الشافعية وجهان أحدهما
ونقله المزنى عن الشافعى أنه لا يكره إلا لمن أضعفه صومه عن العبادة التى تقع فيه من الصلاة والدعاء والذكر.
قلت: واليه ذهب البيهقى والماوردى وابن الصباغ والعمرانى. والثانى وهو الذى صحه المتأخرون كقول
الجمهور. قلت: وبه جزم الرأفعى والنووى فى الروضة. وقال فى شرح مسلم: أنه قال به جمهور أصحاب الشافعى
ومن مهحه من المالكية ابن العربى اذ قال وبكراهته يقول الشافعى وهو الصحيح. واستدل لمن قال بندبه بما
سيأتى من حديث ابن مسعود، وفيه قلا كان يفطر يوم الجمعة. وبما رواه ابن أبى شيبة من حديث ابن عمر قال
٧٤
مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مفطرا يوم جمعة قط. وبما رواه أيضا من حديث ابن عباس قال
ما رأيته مفطرا يوم جمعة قط ، وفى سندهما ليث بن أبى سليم . وقد تقدم الكلام فيه. وأما حديث ابن مسعود
فقال الحافظ فى الفتح: ليس فيه حجة ، لأنه يحتمل أن يريد كان لا يتعمد فطره اذا وقع فى الأيام التى كان يصومها
ولا يضاد ذلك كراهة أفراده بالصوم، جمعا بين الحديثين. وقال فى التلخيص (ص ١٩٩) قال ابن عبد البر:
لا مخالفة بينه وبين أحاديث النهى، فانه محمول على أنه كان يصله بيوم الخميس. وقال العينى: لا دلالة فى حديث
ابن مسعود وما فى معناه أنه صلى الله عليه وسلم صام يوم الجمعة وحده فنهيه عن صوم يوم الجمعة فى أحاديث
النهى يدل على أن صومه يوم الجمعة لم يكن فى يوم الجمعة وحده بل إنما كان بيوم قبله أو بيوم بعده، وذلك لأنه
لا يجوز أن يحمل فعله على مخالفة أمره إلا بنص صحيح صريح لحينئذ يكون نسخا أو تخصيصا وكل واحد منهما
منتف - انتهى. وقال ابن القيم يتعين حمل حديث ابن مسعود إن كان صحيحا على صومه مع ما قبله أو بعده. قلت
وأرجح الأقوال عندى: قول من ذهب إلى تحريم إفراديوم الجمعة بالصيام لما قد صح النهى عنه، والأصل فى النهى
التحريم والله تعالى أعلم. واختلف فى وجه تحريم تخصيصه بالصوم. قال الشاه ولى الله: السرفيه. أى فى
النهى عنه شيئان ، أحدهما سد التعمق، لأن الشارع لما خصه أى من بين الأيام بطاعات وبين فضله ، كان مظنة
أن يتعمق المتعمقون فيلحقون بها صوم ذلك اليوم أى ابتداءا من عند أنفسهم فنعوا سدا للباب. قال وثانيهما
تحقيق معنى العيد فان العيد يشعر بالفرح واستيفاء اللذة، والسر فى جعله عيدا أن يتصور عندهم أنها من الاجتماعات
التى يرغبون فيها من طبائعهم من غير قسر - انتهى. وقال الحافظ: اختلف فى سبب النهى عن إفراده على أقوال
أحدها لكونه يوم عيد ، والعيد لا يصام ففى الحديث الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم قال إن هذا يوم
جعله الله عيدا، وروى النسائى من حديث أبى سعيد الخدرى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لا صيام يوم عيد.
واستشكل التعليل بذلك بوقوع الاذن من الشارع بصومه مع غيره. وأجاب ابن القيم وغيره بأن شبهه
بالعيد لا يستلزم استواءه معه من كل جهة، ومن صام معه غيره انتفت عنه صورة التحرى بالصوم . ثانيها
لئلا يضعف عن إقامة وظائف الجمعة من الغسل والتبكير إلى الصلاة وانتظارها واستماع الخطبة وإكثار
الذكر بعدها وهذا اختاره النووى. وتعقب بقاء المعنى المذكور مع صوم غيره معه. وأجاب بأنه يحصل
له بفضيلة الصوم الذى قبله أو بعده ما يجبر ما قد يحصل من فتور أو تقصير فى وظائف يوم الجمعة بسبب صومه
قال الحافظ : وفيه نظر فان الخير لا ينحصر فى الصوم، بل يحصل يجميع أفعال الخير فيلزم منه جواز إفراده لمن
عمل فيه خيرا كثيرا يقوم مقام صيام يوم قبله أو بعده كمن اعتق فيه رقبة مثلا ولا قائل بذلك وأيضا ، فكان
٧٥
مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
متفق عليه.
٢٠٧٢ - (١٧) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تختصوا ليلة الجمعة
النهى يختص بمن يخشى عليه الضعف، لا من يتحقق القوة ويمكن الجواب عن هذا بأن المظنة أقيمت مقام المثنة
كما فى جواز الفطر فى السفر لمن لم يشق عليه. ثالثها خوف المبالغة فى تعظيمه فيفتتن به كما افتتن اليهود بالسبت
قال الحافظ: وهو منتقض بثبوت تعظيمه بغير الصيام، وأيضا فاليهود لا يعظمون السبت بالصيام فلو كان الملحوظ
ترك موافقتهم لتحتم صومه، لأنهم لا يصومونه ، وقد روی النسائی وأبو داود وصححه ابن حبان من حديث
أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم من الأيام السبت والأحد وكان يقول أنهما يوما عيد المشركين
فأحب أن أخالفهم. رابعها خوف اعتقاد وجوبه. قال الحافظ: وهو منتقض بصوم الاثنين والخميس وسيأتى
ذكر ما ورد فيهما. خامسها خشية أن يفرض عليهم كما خشى صلى الله عليه وسلم من قيامهم الليل ذلك.
قال المهلب: وهو منتقض باجازة صومه مع غيره، وبأنه لو كان كذلك لجاز بعده مَّع لارتفاع السبب.
سادسها مخالفة النصارى لأنه يجب عليهم صومه، ونحن مأمورون بمخالفتهم. قال الحافظ: وهو ضعيف
ولم يبين وجه الضعف قال. وأقوى الأقوال وأولاها بالصواب أولها، وورد فيه صريحا حديثان، أحدهما
رواه أحمد (ج ٢ ص ٢٠٣) وابن خزيمة والبخارى فى التاريخ الكبير والبزار والحاكم (ج ١ ص ٤٣٧) من
طريق عامر بن لدين عن أبى هريرة مرفوعا يوم الجمعة يوم عيد ، فلا تجعلو يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا
قبله أو بعده. والثانى رواه ابن أبى شيبة باسناد حسن عن علىَّ قال من كان منكم متطوعا من الشهر فليصم يوم
الخميس، ولا يصم يوم الجمعة فانه يوم طعام وشراب وذكر - انتهى. (متفق عليه) واللفظ لمسلم وأخرجه أيضا
أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى فى الكبرى وابن ماجه وابن خزيمة والحاكم (ج ١ ص ٤٣٧) والبيهقى
(ج ٤ ص ٣٠٢) وفى الباب عن جابر عند الشيخين والنسائى وابن ماجه وعن ابن عباس عند أحمد وعن بشير بن
الخصاصية عند أحمد والطبزانى وعن جنادة الأزدى عند أحمد والنسائى والحاكم، وعن أبى الدرداء عند النسائى
والطبرانى وعن عبد الله بن عمرو، عند النسائى وعن جويرية عند أحمد والبخارى وأبى داود .
٢٠٧٢ - قوله (لا تختصوا) من الاختصاص ( ليلة الجمعة) ((ليلة)) منصوب على أنه مفعول به. قال
الطيبي: الاختصاص لازم ومتعد، وفى الحديث متعد. قال المالكى: المشهور فى اختص أن يكون موافقا لخص فى
التعدى إلى مفعول وبذلك جاء قوله تعالى: ﴿يختص برحمته من يشاء - البقرة: ١٠٥ ) وقول عمر بن عبد العزيز
ولا يختص قوما ، وقد يكون اختص مطاوع خص فلا يتعدى كقولك خصصتك بالشی. فاختصصت به ـ انتهى
٧٦
مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
بقيام من بين الليالى، ولا تختصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون فى صوم بصومه
أحدكم، رواه مسلم.
٢٠٧٣ - (١٨) وعن أبى سعيد الخدرى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صام يوما
فى سبيل الله
( بقيام ) قال ابن حجر: أى بصلاة والظاهر أن القيام أعم فى المعنى المراد (من بين الليالى) فيه دليل على تحريم
تخضيص ليلة الجمعة بعبادة بصلاة وتلاوة غير معتادة إلا ما ورد به النص الصحيح كقراءة سورة الكهف ، فانه
ورد تخصيص ليلة الجمعة بقراءتها، وقد دل هذا بعمومه على عدم مشروعية صلاة الرغائب فى أول ليلة الجمعة
من رجب. قال النووى: فى هذا الحديث النهى الصريح عن تخصيص ليلة الجمعة بصلاة من بين الليالى، وهذا
متفق على كراهته، واحتج به العداء على كرامة هذه الصلاة المبتدعة التى تسمى الرغائب قاتل الله واضعها ومخترعها
فانها بدعة منكرة، من البدع التى هى ضلالة وجهالة، وفيها منكرات ظاهرة. وقد صنف جماعة من الأئمة مصنفات
نفسية فى تقبيحها وتضليل مصليها ومبتدعها، ودلالة قبحها وبطلانها وتضليل فاعلها أكثر من أن تحصر - انتهى.
( ولا تختصوا) كذا فى جميع النسخ وهكذا فى المصابيح والمنتقى الجد بن تيمية والسنن البيهقى، والذى فى صحيح
مسلم ولا تخصوا . قال النووى هكذا وقع فى الأصول ((لا تختصوا ليلة الجمعة ولا تخصوا يوم الجمعة)) باثبات تاء
فى الأول بين الخاء والصاد وبحذفها فى الثانى وهما صحيحان - انتهى. وذكره المنذرى فى الترغيب والجزرى فى
جامع الأصول ( ج ٧ ص ٢٣٧) والحافظ فى الفتح: وفى بلوغ المرام بحذف التاء فى الموضعين (يوم الجمعة)
مفعول به كقوله ويوم شهدناه (بصيام من بين الأيام إلا أن يكون فى صوم ) تقديره إلا أن يكون يوم الجمعة
واقعا فى يوم صوم (يصومه أحدكم) أى من نذر أو ورد وعادة ، والظاهر أن الاستثناء من ليلة الجمعة كذلك،
ولعلى ترك ذكره المقايسة قاله القارى (رواه مسلم) وأخرجه أيضا النسائى والبيهقى (ج ٤ ص ٣٠٢)
٢٠٧٣ - قوله (من صام يوما فى سبيل الله) قال فى النهاية: سبيل الله عام يقع على كل عمل خالص
سلك به طريق التقرب إلى الله تعالى بأداء الفرائض والنوافل وأنواع التطوعات، وإذا أطلق فهو فى الغالب واقع
على الجهاد حتى صار لكثرة الاستعمال كأنه مقصور عليه - انتهى. قيل: المراد به ههنا مجرد اخلاص النية أى
من صام يوما ابتغاء لوجه الله تعالى، وذلك لئلا يبارض أولوية الفطر فى الجهاد عن الصوم لأنه يضعف عن اللقاء
وقيل: المراد به الغزو والجهاد أى من صام يوما حال كونه غازيا. قلت: والثانى هو المتبادر، ويؤيده مافى فوائد
أبى الطاهر الذهلى من طريق عبد الله بن عبد العزيز الليثى عن المقبرى عن أبى هريرة بلفظ: ما من مرابط يرابط
٧٧
مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا . متفق عليه.
فى سبيل الله فيصوم يوما فى سبيل الله - الحديث. وحينئذ فالأولوية المذكورة محمولة على من يضعفه الصوم عن
الجهاد. أما من لم يضعفه فالصوم فى حقه أفضل لأنه يجمع بين الفضيلتين. قال ابن دقيق العيد: العرف الأكثر
استعماله فى الجهاد، فان حمل عليه كانت الفضيلة لاجتماع العبادتين. قال: ويحتمل أن يراد بسبيل الله طاعته
كيف كانت، والمراد من صام قاصدا وجه اللّه، والأول أقرب، ولا يعارض ذلك أن الفطر فى الجهاد أولى،
لأن الصائم يضعف عن اللقاء، لأن الفضل المذكور محمول على من لم يخش ضعفا، ولا سيما من اعتاد به فصار
ذلك من الأمور النسبية فمن لم يضعفه الصوم عن الجهاد فالصوم فى حقه أفضل يجمع بين الفضيلتين ( بعد الله)
بتشديد العين هذا لفظ البخارى وفى مسلم باعد أى من المباعدة ( وجهه ) أى ذاته كلها (عن النار سبعين خريفا)
أى مقدار مسافة سبعين عاما يعنى أنها مسافة لا تقع إلا بسير سبعين عاما ، وهو كناية عن حصول البعد العظيم .
قال فى النهاية: الخريف الزمان المعروف ما بين الصيف والشتاء، ويراد به السنة، لأن الخريف لا يكون فى السنة
الامرة واحدة، فاذا انقضى الخريف انقضى السنة. قال الطيبى: وإنما خص بالذكر دون سائر الفصول لأنه زمان
بلوغ حصول الثمار وحصاد الزرع وسعة العيش. وقال الحافظ: الخريف، زمان معلوم من السنة، والمراد به
ها العام وتخصيص الخريف بالذكر دون بقية الفصول الصيف والشتاء والربيع، لأن الخريف أزكى الفصول
لكونه يحنى فيه الثمار - انتهى. وعند أبي يعلى من طريق زبان بن فائد عن معاذ بن أنس بعد من النار مائة عام
سير المضمر الجواد، وعند الطبرانى فى الكبير والأوسط باسناد لا بأس به عن عمرو بن محبسة بعدت منه النار
مسيرة مائة عام ، ورواه فى الكبير من حديث أبى أمامة إلا أنه قال فيه بعد الله وجهه عن النار مسيرة مائة عام
ركض الفرس الجواد المضمر، ورواه النسائى من حديث عقبة لم يقل فيه ركض الفرس إلى آخره وفى كامل
ابن عدى عن أنس تباعدت منه جهنم خمسمائة عام، وفى حديث أبى أمامة عند الترمذى جعل الله بينه وبين النار
خندقا كما بين السماء والأرض. وفى حديث سلامة بن قيصر عند الطبرانى فى الكبير كبعد غراب طار ، وهو فرخ
حتى مات هرما. قيل: ظاهر هذه الأحاديث التعارض، وأجيب بأن الاعتماد على رواية سبعين فانها أصح
الروايات لاتفاق الشيخين عليها فما فى الصحيح أولى، أو أن الله تعالى أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم بالأدفى ثم بمابعده
على التدريج أو أن ذلك بحسب إختلاف أحوال الصائمين فى كمال الصوم ونقصانه ، أو ورد ذكر السبعين لارادة
التكثير أو المراد بالتبعيد كما قال النووى وغيره المعاناة عن النار وسلامته من عذابها ، لا البعد بهذه المسافة وفى
الحديث دلالة على فضيلة الصوم فى الجهاد ما لم يضعف بسببه عن قتال عدوه وكأن فضيلة ذلك لأنه جمع بين
جهاد نفسه فى طعامه وشرابه وشهوته وجهاد عدوه (متفق عليه) واللفظ للبخارى أخرجه فى الجهاد وأخرجه
مسلم فى الصوم، وفى رواية له ما من عبد يصوم يوما فى سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين
خريفا، وأخرجه أيضا أحمد والترمذى فى الجهاد والنسائى وابن ماجه والبيهقى فى الصوم .
٧٨
مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
٢٠٧٤ - (١٩) وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم:
يا عبد الله! الم أخبر أنك قصوم النهار وتقوم الليل؟ فقلت: بلى يا رسول الله! قال: فلا تفعل،
صم وأفطر، وقم وثم، فان لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا،
وإن لزورك
٢٠٧٤ - قوله (ألم أخبر) بضم الهمزة وسكون المعجمة وفتح الموحدة مبنيا للفعول، وهمزة ((ألم))
للاستفهام ولكنه خرج عن الاستفهام الحقيقى، فمعناه هنا حمل المخاطب على الاقرار بأمر قد استقر عنده ثبوته
والذى أخبره هو والده عمرو بن العاص كما يدل عليه رواية البخارى فى فضائل القرآن (إنك تصوم النهار) أى
ولا تفطر، وفى رواية قصوم الدهر (وتقوم الليل) أى جميعه ولا تنام وفى رواية وتقرأ القرآن كل ليلة
(فقلت: بلى يارسول الله!) زاد مسلم ولم أرد بذلك إلا الخير، وفى رواية للبخارى أخبر رسول الله مح فيه إنى
أقول، والله لأصومن النهار ولاقو من الليل ماعشت، وللنسائى من طريق أبى سلمة. قال: قال لى عبد الله بن عمرو
يا ابن أخى: إنى قد كنت أجمعت على أن أجتهد اجتهادا شديدا حتى قلت: لأصومن الدهر ولاقر أن القرآن فى
كل ليلة (قال فلا تفعل) زاد فى رواية للبخارى ، فانك اذا فعلت ذلك مجمت له العين ( أى غارت ودخلت فى
فقرتها من الضعف) ونفهت له النفس (أى اعيت وتعبت وكلت) وزاد فى رواية ابن خزيمة إن لكل عامل شرّة
ولكل شرة فترة فمن كانت فترته إلى سنتى فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك . (صم) أى فى
بعض الأيام (وأفطر) بهمزة قطع أى فى بعضها (وقم ونم) بفتح النون أى أجمع بين القيام والنوم فى الليل
(فان لجسدك عليك حقا) بأن ترعاه وترفق به ولا تضره حتى تقعد عن القيام بالفرائض ونحوها، وقد ذم الله قوما
أكثروا من العبادة، ثم تركوا بقوله: ﴿ورهبانية ابتدعوها) إلى قوله: ﴿فارعوها حق رعايتها - الحديد: ٢٧)
(وإن لعينك) بالأفراد، وفى رواية لعينيك بالتثنية (عليك حقا) ومن المعلوم نقصان قوة الباصرة من دوام
الصوم والسهر (وإن لزوجك) أى لامرأتك (عليك حقا) فى الوطأ فإذا سرد الزوج الصوم ووالى قيام الليل
ضعف عن حقها أى فلا ينبغى لأحد أن يجهد بنفسه فى العبادة حتى يضعف عن القيام بمقها من جماع واكتساب
(وإن لزورك) بفتح الزاى وسكون الواو أى لضيفك، والزور فى الأصل مصدر وضع موضع الاسم، كصوم
فى موضع صائم ، ونوم فى موضع نائم، وعدل فى موضع عادل ، والواحد والاثنان والثلاثة والمذكر والمؤنث فى
ذلك بلفظ واحد: بقول هذا رجل زور ، ورجلان زور، وقوم زور ، وامرأة زور، ويحتمل أن يكون زور،
٧٩
مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
عليك حقا. لا صام من صام الدهر، صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله. صم كل شهر
ثلاثة أيام، واقرأ القرآن فى كل شهر.
جمع زائر، كركب جمع راكب، وتجر جمع تاجر (عليك حقا) أى فى البسط والمؤانسة وغيرهما فيفطر لأجله
ايناسا له وبسطا ، وفيه إن رب المنزل إذا نزل به ضعيف يفطر لأجله . وقال القارى: أى وتعجز بالصيام والقيام
عن حسن معاشرته، والقيام بخدمته ومجالسته إما لضعف البدن أو أقوة سوء الخلق - انتهى. وزاد مسلم ((وإن
فولدك عليك حقا، أى ومن حق الأولاد الرفق بهم والانفاق عليهم وشبه ذلك من التأديب والتعليم، وزاد النسائى
وإنه عسى أن يطول بك عمر، وفيه إشارة إلى ما وقع لعبد الله بن عمرو بعد ذلك من الكبر والضعف والعجز
عن المحافظة على ما التزمه ووظفه على نفسه عند رسول اللّه وَّ}. قال ابن دقيق العيد: كره جماعة قيام كل الليل
لرد النبي ◌َّيفضّ ذلك على من أراده، ولما يتعلق به من الاجحاف بوظائف عديدة وفعله جماعة من المتعبدين من
السلف وغيرهم، ولعلهم حملوا الرد على طلب الرفق بالخلق لا غير، وهذا الاستدلال على الكرامة بالرد المذكور
عليه سؤال هوأنه يقال إن الرد لجموع أمرين، وهو صيام النهار وقيام الليل، فلا يلزمه ترتبه على أحدهما - انتهى.
وقال النووى: نهیه صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل كله هو على إطلاقه غير مختص بعبد الله بن عمرو بل قال
أصحابنا: يكره صلاة كل الليل دائما لكل أحد، لأن صلاة الليل كله لابد فيها من الاضرار بنفسه وتفويت بعض
الحقوق، فإنه إن لم يتم بالنهار فهوضرر ظاهر، وإن نام نوما ينجبر به سهره وفوت بعض الحقوق بخلاف من
يصلى بعض الليل ، فانه يستغنى بنوم باقيه ، وإن نام معه شيئا فى النهار كان يسيرا لايفوت به حق ، وكذا من قام
ليلة كاملة كليلة العيد أو غيرها لا دائما لا كرامة فيه لعدم الضرر والله أعلم (لا صام من صام الدهر) يحتمل أن
يكون خبرا وأن يكون دعاء كما مر، والأول هو الأظهر وقد تقدم البسط فى مسئلة صوم الدهر فى شرح حديث
أبي قتادة (صوم ثلاثة أيام من كل شهر) مبتدأ خبره (صوم الدهر) لأن الحسنة بعشر أمثالها (كله) بالجر
تأكيد للدهر، وفيه دليل على استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر. واختلف فى تعيينها من الشهر اختلافا فى تعيين
الأحب والأفضل لا غير ، وليس فى الحديث ما يدل على شىء من ذلك ( صم ) أى أنت بالخصوص ومن هو فى
المعنى مثلك، وبهذا يندفع قوم التكرار المستفاد مما قبله قاله القارى. قلت: وقع فى رواية بعد قوله ((صم وأفطر
وقم ونم)، صم من الشهر ثلاثة أيام ، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر ، وهذا يدل على أن قوله
ههنا ((صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر)) بمنزلة العلة لما ذكر بعده من قوله ((صم)) ويدل أيضا على هذا
ما وقع فى رواية أخرى بعد قوله ((وإن لزورك عليك حقا)) وإن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام فان
لك بكل حسنة عشر أمثالها فإذا ذلك صيام الدهر كله ( كل شهر) منصوب بنزع الخافض أى من كل شهر
(ثلاثة أيام) ظرف قيل هى أيام البيض وقيل غير ذلك ( واقرأ القرآن) أى جميعه ( فى كل شهر ) أى مرة
٨٠
١