Indexed OCR Text

Pages 41-60

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
وعمران يسمع، فقال: يا أبا فلان! أما صمت من سرر شعبان.
شك من مطرف، أى راوى الحديث عن عمران، فان ثابتا رواه عنه بنحوه على الشك أيضا ، أخرجه مسلم ،
وأخرجه من وجهين آخرين عن مطرف بدون شك على الابهام أنه قال الرجل ، زاد أبو عوانة فى مستخرجه من
أصحابه، ورواه أحمد من طريق سليمان التيمى به قال لعمران بغير شك - انتهى. (وعمران يسمع) جملة حالية
( فقال) أى النبي صلى الله عليه وسلم (يا أبا فلان) قال الحافظ: كذا فى نسخة من رواية أبى ذر للبخارى بأداة
الكنية وللا كثر يا فلان باسقاطها (أما) الهمزة للاستفهام ((وما)) نافية (صمت من سرر شعبان) بفتح السين
المهملة ويجوز كسرها وضمها والراء مفتوحة فى الجميع، جمع سرة بضم السين وتشديد الراء، قال النووي:
ضبطوا السرر بفتح السين وكسرها ، وحكى القاضى ضمها، قال: وهو جمع سرة، ويقال أيضاً سرار وسرار بفتح
السين وكسرها ، ذكره ابن السكيت وغيره. قال الفراء: والفتح أفصح وكله من الاستسرار. واختلف فى تفسيره،
والمشهور أن المراد به هنا آخر الشهر وهو قول الجمهور من أهل اللغة والغريب. فالحديث وسمى بذلك لاستسرار
القمر يعنى استتاره فيه وهى ليلة ثمان وعشرين وتسع وعشرين وثلاثين، وهذا موافق لما ترجم له البخارى بقوله
باب الصوم آخر الشهر واستشكل بقوله صلى الله عليه وسلم فى حديث أبى هريرة السابق لا تقدموا رمضان
يوم أو يومين وأجيب بأن الرجل كان معتادا لصيام سرر الشهر أو كان قد نذره فلذلك أمره بقضاء . . قال
المجد بن تيمية فى المنتقى: يحمل حديث السرر على أن الرجل كانت له عادة بصيام سرر الشهر أو قد نذره. وقال
الزين المنير: يحتمل أن يكون الرجل كانت له عادة بصيام آخر الشهر فلما سمع نهيه عز له أن يتقدم أحد رمضان
بصوم يوم أو يومين ولم يبلغه الاستثناء بقوله. إلا أن يكون شىء يصومه أحدكم فليصم ترك صيام ما كان إعتاده
من ذلك، فأمره بقضاءها لتستمر محافظته على ما وظف على نفسه من العبادة، لأن أحب العمل الى الله ما دام
عليه صاحبه قال : وأطلق البخارى فى ترجمته الشهر وإن كان المذكور فى الحديث شهرا مقيدا وهو شهر شعبان
إشارة منه إلى أن ذلك لا يختص بشعبان بل يؤخذ من الحديث الندب الى صيام أواخر كل شهر ليكون عادة
الكلف ، فلا يعارضه النهى عن تقدم رمضان بيوم أو يومين لقوله فيه إلا رجل كان يصومه فليصمه - انتهى. وقال
الخطابى فى المعالم (ج ٢ ص ٩٦) هذان الحديثان متعارضان فى الظاهر، ووجه الجمع أن يكون حديث السرر
إنما هو شىء كان الرجل قد أوجبه على نفسه بنذره فاً مره بالوفاء به أو كان ذلك عادة قد اعتادها فى صيام أواخر
الشهور فتركه لاستقبال الشهر فاستحب له تزوّم أن يقضيه. وأما المنهى عنه فى حديث ابن عباس وأبي هريرة
فهو أن يبتدىء المرأ متبرعا به من غير إيجاب نذر ولا عادة قد كان تعودما فيما مضى - انتهى. وكذا قال المازري
٤١

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
قال: لا قال: فإذا أفطرت فصم يومين. متفق عليه.
والقرطبي وغيرهما . وقالت طائفة سرر الشهر أوله، وبه قال الأوزاعى وسعيد بن عبد العزيز فيما حكاه أبوداود
وتعقب بأنه لا يصح أن يفسر سرر الشهر وسراره بأوله، لأن أول الشهر يشتهر فيه الهلال ، ويرى من أول
الليل، ولذلك سمى الشهر شهراً لاشتهاره وظهوره عنددخوله فتسمية ليالى الاشتهار ليالى السرار قلب اللغة والعرف
وقد أنكر العلماء مارواه أبو داود عن الأوزاعى، منهم الخطابى حيث قال أنا أفكر هذا التفسير وأراه غاطاً فى النقل
ولا أعرف له وجهاً فى اللغة. ثم حكى عن الأوزاعى بسنده مثل قول الجمهور ثم قال وهذا هو الصواب . وقال
البيهقى (ج ٤ ص ٢١١) وروى غير أبى داود عن الأوزاعى أنه قال سره آخره وهو الصحيح. وقيل: سرر
الشهر وسطه ورجحه بعضهم ووجهه بأن السرر جمع سرة، وسرة الشىء وسطه، وسرار كل شىء وسطه وأفضله،
وسرارة الوادى وسطه وخياره. وقال ابن السكيت: سرار الأرض أكرمها ووسطها ، ويؤيده ما ورد من
استحباب صوم أيام البيض وأنه لم يرد فى صيام آخر الشهر ندب. بل ورد فيه نهى خاص وهو آخر شعبان لمن
صامه لأجل رمضان. ورجحه النووى بأن مسلماً أفرد الرواية التى فيها سرة هذا الشهر عن بقية الروايات وأردف
بها الروايات التى فيها الحض على صيام البيض وهى وسط الشهر. قال الحافظ: لكن لم أر فى جميع طرق الحديث
باللفظ الذى ذكره وهو سرة بل هو عند أحمد من وجهين بلفظ: سرار، وأخرجه من طرق عن سليمان النيمى فى
بعضها سرر وفى بعضها سرار، وهذا يدل على أن المراد آخر الشهر - انتهى، وتقدم وجه الجمع بين هذا وبين
النهى عن صوم آخر شعبان أى عن تقدم رمضان بيوم أو يومين . وروى أبو داود من طريقه البيهقى عن معاوية
مرفوعا صوموا الشهر وسره. قال فى النهاية: أراد صوموا أول الشهر وآخره يعنى أول كل شهر وآخره والمقصود
بيان الاياحة. قال الخطابي: والعرب تسمى الهلال الشهر تقول رأيت الشهر أى الهلال. قال الشاعر:
. والشهر مثل قلامة الظفر
أى الهلال. وقيل: المراد بالشهر شعبان أى صوموا شعبان ثم أكد بقوله وسره بأن آخر شعبان أولى بالصيام
وقيل: المراد بالشهر رمضان وبسره آخر شعبان، وإضافته الى رمضان للإتصال والخطاب لمن تعود
(قال لا) أى قال الرجل ما صمته (قال) أى النبى معَةُ (فإذا أفطرت) أى من رمضان كما فى أحمد ومسلم أى
فرغت من رمضان (فصم يومين) بعد العيد عوضاً عن سرر شعبان ، ففى رواية لأحمد ومسلم فصم يومين مكانه،
أى مكان سرر شعبان، وفيه مشروعية قضاء التطوع ، وقد يؤخذ منه قضاء الفرض بطريق الأولى خلافا لمن منع
ذلك (متفق عليه) واللفظ للبخارى وأخرجه أحمد (ج ٤ ص ٤٢٨ - ٤٣٢ - ٤٣٤ - ٤٣٩ - ٤٤٢ - ٤٤٤ -
٤٤٦) وأبو داود والدارمى والبيهقى (ج ٤ ص ٢١٠).
٤٢

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
٢٠٥٩ - (٤) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل الصيام بعد
رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل. رواه مسلم.
٢٠٥٩ - قوله (أفضل الصيام بعد رمضان) وفى رواية الترمذى بعد صيام شهر رمضان (شهر الله) أى
صيام شهر الله، والاضافة الى الله للتشريف والتعظيم. وقال العراقى فى شرح الترمذى: لما كان المحرم من الأشهر الحرم
التى حرم فيها القتال ، وكان أول شهور السنة أضيف اليه إضافة تخصيص، ولم يصح إضافة شهر من الشهور الى
اللّه تعالى عن النبى مَثّ إلا شهر الله المحرم - انتهى (المحرم) بالرفع صفة المضاف. قال الطيبي: أراد بصيام شهر
الله صيام يوم عاشوراء - انتهى. فيكون من باب ذكر الكل وإرادة البعض، لكن الظاهر أن المراد جميع شهر المحرم
وتمامه. ويؤيده مارواه الترمذى والدارمى عن النعمان بن سعد عن على قال سأله رجل، فقال أى شهر تأمرنى أن أصوم
بعد شهر رمضان فقال له، ما سمعت أحداً يسأل عن هذا الارجلا سمعته يسأل رسول الله عز فهمه، وأنا قاعد عنده
فقال يا رسول الله! أى شهر تأمرنى أن أصوم بعد شهر رمضان قال إن كنت صائما بعد شهر رمضان فصم المحرم
فانه شهر الله - الحديث. قال السندى: فى حاشية أبى داود وابن ماجه، بعد الاشارة الى حديث على هذا يفيد أن
المراد تمام الشهر - انتهى . وحديث الباب صريح إن شهر المحرم أفضل الشهور للصوم ، وقد سبق الجواب عن
إكثار النبى مَّ من صوم شعبان دون المحرم بوجهين. أحدهما لعله إنما علم فضله فى آخر حياته والثانى: لعله كان
يعرض فيه إعذار من سفر أو مرض أو غيرهما تمنع من إكثار الصوم فيه. وقال بعض الشافعية والحنابلة: أفضل
الصيام بعد شهر رمضان صيام شعبان محافظته مية على صومه أو صوم أكثره حملوا قوله ؤه أفضل الصيام بعد
رمضان المحرم على التطوع المطلق ولا يخفى ما فيه (وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل) قال النووى : فيه دليل
لما اتفق العلماء عليه إن تطوع الليل أفضل من تطوع النهار، وفيه حجة لأبى اسحاق المروزى من أصحابنا ومن وافقه
على أن صلاة الليل أفضل من ستن الرواتب. وقال أكثر العلماء: الرواتب أفضل لأنها تشبه الفرائض، والأول
أقوى وأوفق للحديث والله تعالى أعلم. قال الطبى: ولعمرى إن صلاة التهجد لو لم يكن فيها فضل سوى قوله تعالى:
﴿ ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محمودا - الاسراء: ٧٩) وقوله (تتجافى جنوبهم عن
المضاجع) الى قوله ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين - السجدة: ١٦، ١٧) وغيرهما من الآيات لكفاه
مزية - انتهى. وتأول الحديث من ذهب الى أفضلية الرواتب بأنه إنما أريد به تفضيل قيام الليل على التطوع
المطلق دون السنن الرواتب التى قبل الفرض وبعده. قالوا: وقوله ((بعد الفريضة)) أى وتوابعها من السنن
المؤكدة . وقال بعضهم: المراد صلاة الليل أفضل من الرواتب من حيثية المشقة والكلفة، والبعد من الرياء
والسمعة لا مطلقا. والراجح عندى: ما ذهب اليه أبو اسحاق المروزى لموافقته لنص حديث الباب (رواه مسلم)
٤٣

مرعاة المفاتيح ج ٧.
٧- كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
٢٠٦٠ - (٥) ٥٠:، ان عباس، قال: ما رأيت النبى صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فضله
هذا اليوم: يوم عاشوراء، وهذا الشهر، يعنى شهر ـ مضان .
عی
فى الصيام وأخرجه أحمد والترمذى فى أواخر الصلاة وفى الصيام والنسائى فى قيام الليل وأبو داود وابن ماجه
والدارمى والبيهقى (ج ٤ ص ٢٩١) فى الصيام .
/
٢٠٦٠ - قوله (يتحرى) من التحرى أى يقصد قاله الحافظ. وقال العينى: التحرى المبالغة فى طلب
الشىء (صيام يوم) قال القارى: منضوب بنزع الخافض أى ما رأيته يبالغ فى الطلب ويجتهد فى صيام يوم - انتهى.
وفى رواية أحمد (ص ٢٢٢) والنسائى ما علمت رسول اللّه مؤفيه صام يوماً يتحرى فضله على الأيام. قال
السندى: أى يراه ويعتقده. وعند أحمد (ج ١ ص ٣٦٧) ما علمت رسول اللّه ◌ُ له يتحرى صيام !وم يبتغى
فضله على غيره ( فضله على غيره) أى وصيام شهر فضله على غيره بتشديد الضاد المعجمة جملة فى موضع جر صفة
ليوم (إلا هذا اليوم) أى صيامه (يوم عاشوراء) بدل أو منصوب بتقدير أعنى وهو اليوم العاشر من المحرم
(وهذا الشهر) بالنصب عطف على قوله هذا اليوم وهذا من الف التقديرى، لأن المعطوف لم يدخل فى لفظ
المستثنى منه إلا بتقدير، وصيام شهر فضله على غيره كما مر، أو يعتبر فى الشهر أيامه يوماً، فيوماً موصوفا بهذا
الوصف، وحينئذ فلا يحتاج الى تقدير وصيام شهر. قال الطيبي ز قوله ((فضله )) بتشديد الضاد . قيل : بدل من
يتحرى، والحمل على الصفة أولى لأن هذا اليوم مستثنى، ولا بد من مستثنى منه، وليس ههنا الاقوله يوم وهو
فكرة فى سياق النفى يفيد العموم، والمعنى ما رأيته عليه الصلاة والسلام يتحرى فى صيام يوم من الأيام صفته أنه
مفضل على غيره الا صيام هذا اليوم ، فانه كان يتحرى فى تفضيل صيامه ما لم يتحر فى تفضيل غيره ، وهذا الشهر
عطف على هذا اليوم، ولا يستقيم إلا بالتأويل إما أن يقدر فى المستثنى منه فصيام شهر فضله على غيره ، وهو من
الف التقديرى، وإما أن يعتبر فى الشهر أيامه يوماً فيوماً موصوفا بهذا الوصف - انتهى. قلت: اللفظ المذكور
هنا البخاوى. ولفظ مسلم سئل ابن عباس عن صيام يوم عاشوراء فقال: ما علمت أن رسول الله عَ لَّه صام يوماً
يطلب فضله على الأيام الا هذا اليوم ولا شهرا إلا هذا الشهر يعنى رمضان (يعنى شهر رمضان) تفسير من الراوى
عن ابن عباس. قال الحافظ: وكان ابن عباس اقتصر على قوله وهذا الشهر، وأشار بذلك إلى شىء مذكور كأنه
تقدم ذكر رمضان وذكر عاشوراء أو كانت المقالة فى أحد الزمانين وذكر الآخر، فلهذا قال الراوى عنه يعنى رمضان
أو أخذه الراوى من جهة الحصر فى أن لا شهر يصام الا رمضان لما تقدم له عن ابن عباس أنه كان يقول: لم أر
رسول اللّه ◌َؤ) صام شهرا كاملا إلا رمضان - انتهى. وهذا من باب الترقى أو تقديم عاشوراء للاهتمام به أو
لتقدمه فى أصل وجوب الصوم أو لكونه من أول السنة. وإنما جمع ابن عباس بينهما وإن كان أحدهما واجباً
٤٤

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧- كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
متفق عليه .
٢٠٦١ - (٦) وعنه، قال: حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء.
والآخر مندوباً لاشتراكهما فى حصول الثواب لأن معنى يتحرى أى يقصد صومه لتحصيل ثوابه والرغبة فيه.
قال الشوكانى : هذا الحديث يقتضى أن يوم عاشوراء أفضل الأيام الصيام بعد رمضان، ولكن ابن عباس أسند
ذلكِ الى علمه فليس فيه ما يرد علم غيره. وقد تقدم أن أفضل الصوم بعد رمضان على الاطلاق صوم المحرم،
وسيأتى إن صوم عرفة يكفر سنتين وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة وظاهره إن صيام يوم عرفة أفضل من صيام
يوم عاشوراء (متفق عليه) واللفظ للبخارى وأخرجه أحمد (ج ١ ص ٢٢٢، ٣١٣، ٣٦٧) والنسائى والبيهقى
(ج ٤ ص ٢٨٦).
٢٠٦١ - قوله (حين صام رسول اللّه مَ له) أى فى المدينة موافقة لموسى عليه السلام وكان يصومه أيضا
فى الجاهلية قبل الهجرة موافقة لقريش فانهم كانوا يصومونه تعظيما له وكانوا يكسون فيه الكعبة (يوم عاشوراء)
أى اليوم العاشر من المحرم. قال فى القاموس: العاشوراء والعشوراء ويقصران، والعاشور عاشر المحرم أوتاسعه -
انتهى. والأول هوقول الخليل وغيره، والاشتقاق يدل عليه، وهو مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين
ومن بعدهم . وذهب ابن عباس رضى الله عنهما إلى الثانى، وفى المصنف عن الضحاك عاشوراء اليوم التاسع
قبل: لأنه مأخوذ من العشر بالكسر فى أوارد الابل، تقول العرب وردت الابل عشراً، إذا وردت اليوم التاسع
فالعشر عندهم تسعة أيام، وذلك لأنهم يحسبون فى الاظاء يوم الورد فاذا وردت يوما وقامت فى الرعى يومين ، ثم
وردت فى اليوم الثالث قالوا وردت ربعا، وانما هو اليوم الثالث فى الاظاء وإن رعت ثلاثا، وفى الرابع وردت
قالوا وردت خمسا لأنهم حسبوا فى كل هذا بقية اليوم الذى وردت فيه قبل الرعى ، وأول اليوم الذى ترد فيه بعده
وعلى هذا القول يكون التاسع عاشوراء. قال النووى: ما ذهب إليه الجمهور هو ظاهر الأحاديث، ومقتضى اللفظ.
وأما تقدير أخذه من الاظماء فبعد. وقال الحافظ: اختلف أهل الشرع فى تعيينه أى مصداقه وإشتقاقه فقال
الأكثر هو اليوم العاشر. قال القرطبي: عاشوراء معدول عن عاشرة المبالغة والتعظيم وهو فى الأصل صفة الليلة العاشرة
لأنه مأخوذ من العشر الذى هو إسم العقد واليوم مضاف اليها فاذا قيل يوم عاشوراء فكأنه قيل يوم الليلة العاشرة
إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الاسمية فاستغنوا عن الموصوف خذفوا الليلة، فصار هذا اللفظ علما
على اليوم العاشر، وذكر أبو منصور الجواليقى أنه لم يسمع فاءولاء إلا هذا، وضاروراء وساروراء ودالولاء
من الضار والسار والدال ، وعلى هذا فيوم عاشوراء هو العاشر وهذا قول الخليل وغيره . وقال الزين ين المنير
الأكثر على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية وقيل هو اليوم
٤٥

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
التاسع فعلى الأول فاليوم مضاف لليلة الماضية، وعلى الثانى هو مضاف لليلة الآتية،. وقيل إنما سمى يوم التاسع
عاشوراء أخذاً من أوراد الابل كانوا إذا رعوا الابل ثمانية أيام ، ثم أوردوها فى التاسع ، قالوا وردنا عشراً
بكسر العين وكذلك إلى الثلاثة. وروى مسلم من طريق الحكم بن الاعرج إنتهيت إلى ابن عباس فقلت أخبرنى عن
يوم عاشوراء، قال اذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائما، قلت أهكذا كان النبى روالم يصومه
قال نعم، وهذا ظاهره أن يوم عاشوراء هو اليوم التاسع لكن قال الزين بن المنير قوله (أى فى رواية البيهقى) إذا
أصبحت من تاسمه فأصبح صائما يشعر بأنه أراد العاشر لأنه لا يصبح صائما بعد أن أصبح من تاسعه إلا اذا نوى
الصوم من الليلة المقبلة وهو الليلة العاشرة . قال الحافظ: ويقوى هذا الاحتمال ما رواه مسلم أيضا من وجه آخر
عن ابن عباس أن النبى ◌َّمه قال لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع فمات قبل ذلك، فانه ظاهر فى أنه مر ضه
كان يصوم العاشر وهم بصوم التاسع فمات قبل ذلك - انتهى. قلت وقع فى رواية الترمذى أخبرنى عن
يوم عاشوراء أى يوم أصومه. والبيهقى أخبرنى عن صيام يوم عاشوراء أى يوم نصوم، وهذا يشعر بأن مقصوده
السؤال عن كيفية صوم عاشوراء، لا عن تعيين يوم عاشوراء أنى يوم هو ووقع فى رواية الترمذى، وكذا البيهقى
ثم أصبح من يوم التاسع صائما، وفيه تنبيه على أن من أراد صوم عاشوراء ابتدأ من يوم التاسع، ولا ينبغى أن يقتصر
على صوم العاشر فقط . وقد ورد عن ابن عباس ما يدل على ذلك ، فقد روى الطحاوى والبيهقى عنه قال خالفوا
اليهود وصوموا التاسع والعاشر، فقد تبين بهذا مراد ابن عباس من رواية مسلم ، وإلى هذا الجواب نحا البيهقى
حيث قال بعد رواية حديث الحكم بن الأعرج (ج ٤ ص ٢٨٧) وكان ابن عباس رضى الله عنه أراد صوم
التاسع مع العاشر وأراد بقوله فى الجواب، فعم ما روى من عزمه بَ لهم على صومه، والذى يبين هذا ما روينا من
طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء أنه سمع ابن عباس يقول: صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود،
وما روينا من طريق سفيان عن ابن أبى ليلى عن داود بن على عن أبيه عن جده ابن عباس أن رسول اللّه مؤلف ه
قال، لئن بقيت لآمرن بصيام يوم قبله أويوم بعده يوم عاشوراء، وما روينا من طريق هشيم عن ابن أبى ليلى عن
داود بن على عن أبيه عن جده ابن عباس قال: قال رسول اللّه مح له صوموا يوم عاشوراء وخالفوا فيه اليهود
صوموا قبله يوما أو بعده يوما - انتهى ملخصا. وقال الشوكانى: الأولى أن يقال أن بن عباس أرشد السائل له
إلى اليوم الذى يصام فيه وهو التاسع، ولم يجب عليه بتعيين يوم عاشوراء أنه اليوم العاشر، لأن ذلك مما لا يسئل
عنه ولا يتعلق بالسؤال عنه فائدة ، فابن عباس لما فهم من السائل إن مقصوده تعيين اليوم الذى يصام فيه أجاب
عليه بأنه التاسع، وقوله ((نعم)) بعد قول السائل أ هكذا كان النبي تَّثم يصوم، بمعنى نعم هكذا كان يصوم،
لو بقى لأنه قد أخبرنا بذلك. ولابد من هذا لأنه ◌َ مات قبل صوم التاسع - انتهى . وقال ابن القيم فى الهدى
٤٦

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧- كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله! إنه يوم يعظمه
(ج ١ ص ٧٢) لم يجعل ابن عباس عاشوراء هو اليوم التاسع ، بل قال للسائل صم اليوم التاسع، واكتفى بمعرفة
السائل إن يوم عاشوراء هو اليوم العاشر الذى يعده الناس كلهم يوم عاشوراء، فأرشد السائل إلى صيام التاسع
معه وأخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصومه، كذلك بأن يكون حمل فعله على الأمر وعزمه عليه فى
المستقبل. ويدل على ذلك أنه هو الذى روى صوموا يوماقبله ويوما بعده. وهو الذى روى أمرنا رسول الله صلى
الله عليه وسلم بصيام يوم عاشوراء يوم العاشر. وكل هذه الآثار يصدق بعضها بعضاً ويؤيد بعضها بعضاً. فمراتب
صومه ثلاثة ، أكملها أن يصام قبله يوم وبعده يوم، ويلى ذلك أن يصام التاسع والعاشر. وعليه أكثر
الأحاديث، ويلى ذلك أفراد العاشر وحده. وأما أفراد التاسع فمن نقص فهم الآثار وعدم تتبع ألفاظها وطرقها
وهو بعيد من اللغة والشرع - انتهى. قلت وهكذا جعل الشوكانى والحافظ والشيخ عبد الحق الدهلوى مراتب
صوم عاشوراء ثلاثة، وجعلوا صوم العاشر وقبله يوما وبعده يوما أكمل المراتب وأفضلها. قال الشيخ عبد الحق
فى العات: الأفضل أن يصوم العاشر ويوما قبله ويوما بعده، وقد جاء ذلك فى حديث أحمد - انتهى. قلت:
يريد بذلك ما أشار اليه ابن القيم من حديث ابن عباس المرفوع بلفظ: صوموا يوما قبله ويوما بعده، لكن
الذى وقع فى مسند الامام أحمد (ج ١ ص ٢٤١) طبعة الحلبى صوموا قبله يوما أو بعده يوما أى بحرف أو، لا
بالواو، وهكذا وقع فى طبعة دار المعارف بشرح الشيخ أحمد شاكر (ج ٤ ص ٢١) وكذا نقله الحافظ فى
الفتح كما سيأتى، وكذا وقع عند البيهقى ( ج ٤ ص ٢٨٧) من رواية على بن محمد المقرى عن الحسن بن محمد
عن يوسف بن يعقوب القاضى عن أبى الربيع عن هشيم عن ابن أبي ليلى، وكذا رواه الطحاوى (ج ١ ص
٣٣٨) من وجه آخر وذكره الهيشمى (ج ٣ ص ١٨٨) بلفظ: صوموا يوما قبله ويوما بعده وعزاه إلى أحمد
والبزار، وهكذا ذكره المجد فى المنتقى وابن القيم فى الهدى والقارى فى المرقاة ، وكذا وقع عند البيهقى من رواية
ابن عبدان عن أحمد بن عيد الصفار عن اسماعيل بن إسحاق عن مسدد عن هشيم. وقال القارى: وظاهره أن الواو
بمعنى (( أو ((لأن المخالفة تحصل بأحدهما - انتهى. فالاستدلال برواية أحمد على كون الصوم فى التاسع والحادى
عشرمع العاشر أى الجمع بين الثلاثة فيه نظر، وعندى مراتب صوم عاشوراء الثلاث هكذا أدناها أن يصوم العاشر
فقط، وفوقه أن يصوم الحادى عشر معه وفوقه أن يصوم التاسع والعاشر، وإنما جعلت هذه فوق الموتيتين
الأوليين لكثرة الأحاديث فيها والله تعالى أعلم (وأمر بصيامه) أى أصحابه تطوعا بعد نسخ وجوبه. وقال
القارى: أمر بصيامه أى أولا بالوجوب ثم بعد النسخ بالندب فلما كانت السنة العاشرة من الهجرة (قالوا
يا رسول الله إنه) أى يوم عاشوراء يوم (يعظمه) كذا فى جميع النسخ من المشكاة، والذى فى صحيح مسلم تعظمه
بالتأنيث، وكذا نقله المجد بن تيمية فى المنتقى والجزرى فى جامع الأصول والزيلعى فى نصب الراية، وكذا وقع
٤٧

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧- كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع.
اليهود والنصارى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لئن بقيت إلى قابل، لأصومن التاسع
فى رواية البيهقى (اليهود والنصارى) أى وقد أمرنا بمخالفتهم فكيف نوافقهم على تعظيمه بالصوم فيه. وقد
استشكل ذكر النصارى بأن التعليل بنجاة موسى وغرق فرعون المذكور فى حديث ابن عباس الآتى فى الفصل
الثالث يختص بموسى واليهود ، وأجيب باحتمام أن يكون عيسى كان يصومه، وهو ما لم ينسخ من شريعة موسى لأن
كثيراً منها ما نسخ بشريعة عيسى لقوله تعالى ﴿ولأحل لكم بعض الذى حرم عليكم - آل عمران: ٥٠﴾ ويقال
إن أكثر الأحكام الفرعية إنما تتلقاها النصارى من التوراة (لئن بقيت) أى فى الدنيا أو لئن عشت (إلى قابل) أى
إلى عام قابل وهو السنة الآتية ( لأصومن التاسع ) وفى رواية فاذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع
قال فلم يأت العام المقبل حتى توفى رسول الله موافيه، والمعنى لأصومن التاسع مع العاشر لأجل مخالفة أهل الكتاب. قال
الحافظ فى الفتح: ماهمّ به را من صوم التاسع يحتمل معناه أنه لا يقتصر عليه بل يضيفه إلى اليوم العاشر إما احتياطاً
وإما مخالفة اليهود والنصارى وهو الأرجح، وبه يشعر بعض روايات مسلم ولأحمد من وجه آخر عن ابن عباس
مرفوعا صوموايوم عاشوراء وخالفوا اليهود، وصوموا يوما قبله أويوما بعده، وهذا كان فى آخر الأمر وقد
كان ◌َّ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشىء، ولا سيما إذا كان فيما يخالف فيه أهل الأوثان ، فلما
فتحت مكة واشتهر أمر الاسلام أحب مخالفة أهل الكتاب أيضا كما ثبت فى الصحيح فهذا من ذلك فو أفقهم أولا
وقال نحن أحق بموسى منكم ثم أحب مخالفتهم، فأمر بأن يضاف اليه يوم قبله ويوم بعده خلافا لهم . ويؤيده
رواية الترمذى من طريق أخرى بلفظ: أمرنا رسول اللّه عَّة بصيام عاشوراء يوم العاشر - انتهى. وقال الرافعى
فى صوم التاسع معنيان منقولان عن ابن عباس أحدهما ، الاحتياط فانه ربما وقع فى الهلال غلط فيظن العاشر
التاسع: وثانيهما ، مخالفة اليهود فانهم لا يصومون إلا يوما واحداً، فعلى هذا لو لم يصم التاسع استحب له صوم
الحادى عشر - انتهى . قال الحافظ فى التلخيص (ص ١٩٩) والمعنيان كما قال عن ابن عباس منقولان، وكذا
القياس الذى ذكره، منقول عنه بل مرفوع من روايته. وقد روى البيهقى من طريق ابن أبي ذئب عن شعبة مولى
ابن عباس قال كان ابن عباس يصوم عاشوراء يومين ويوالى بينهما مخافة أن يفوته فهذا المعنى الأول. وأما المعنى
الثانى، فقال الشافعى أنا سفيان أنه سمع عبيد الله بن أبى يزيد يقول سمعت ابن عباس يقول: صوموا التاسع
والعاشر ولا تشبهوا باليهود. وفى رواية للبيهقى عن ابن عباس مرفوعا لئن بقيت الآمرن بصيام يوم قبله أو بعده
كماتقدم، وفى رواية له صوموا عاشوراء وخالفوا اليهود، صوموا قبله يوما أو بعده يوما- انتهى. وقال بعض أهل
العام : قد ظهر أن القصد مخالفة أهل الكتاب فى هذه العبادة مع الاتيان بها ، وذلك يحصل بأحد أمرين إما بنقل
العاشر إلى التاسع أو بصيامهما معا، وقوله ((لئن بقيت لأصومن التاسع)) يحتمل الأمرين فلا توفى رؤيته قبل بيان
ذلك كان الاحتياط صوم اليومين معا - انتهى. ورجح ابن القيم المعنى الذى ذكره الحافظ فى الفتح إحتمالا قال
٤٨

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
رواه مسلم .
٢٠٦٢ - (٧) وعن أم الفضل بنت الحارث، إن ناساً تماروا عندما يوم عرفة فى صيام رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح لبن
هو أصوب إن شاء الله تعالى، ومجموع أحاديث ابن عباس عليها تدل وتبين صحة هذا المعنى والله أعلم (رواه مسلم)
اعلم أن الحديث رواه مسلم من طريقين سياق الأولى مطول والأخرى مختصر، وحذف المصنف تبعا للبغوى
حجز الطريق الأولى، وجعل مكانه أفظ الطريق الثانى، وكان الأولى له أن يذكر سياق الطريق الأولى بتمامه ثم
يقول، وفى رواية لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع، والرواية الأولى رواها أيضا أبوداود والبيهقى (ج ٤
ص ٢٨٧) والرواية الأخرى المختصرة أخرجها أحمد (ج ١ ص ٢٢٤، ٢٣٦، ٢٤٢) وكذا البيهقى والطحاوى
( ج ١ ص ٣٣٨).
٢٠٦٢ - قوله (وعن أم الفضل) إسمها لبابة وهى امرأة العباس وأخت ميمونة أم المؤمنين (إن ناسا)
أى من أصحاب النبي ◌َّم (تماروا) أى اختلفوا كما فى رواية، أوشكوا كما فى رواية أخرى، وقع عند الدارة طنى
فى الموطآت اختلف ناس من أصحاب رسول وَلثى (عندها يوم عرفة) أى بعرفات (فى صيام رسول الله رؤية)
أى ذلك اليوم (فقال بعضهم هوصائم وقال بعضهم ليس بصائم) قال الحافظ: قوله ((فى صيام رسول الله حَ لّل))
هذا يشعر بأن صوم يوم عرفة كان معروفا عندهم معتادا لهم فى الحضر، وكان من جزم بأنه صائم استند إلى ما ألفه
من العبادة، ومن جزم بأنه غير صائم قامت عنده قرينة كونه مسافر أو قد عرف نهيه عن صوم الفرض فى السفر
فضلا عن النفل (فأرسلت) بلفظ: المتكلم والغيبة، وفى رواية البخارى فى الصيام على ما فى بعض النسخ،
فأرسلت أم الفضل فتعين الغيبة. وفى حديث كريب عن ميمونة عند البخارى إن الناس شكوا فى صيام الني مَثّة
يوم عرفة، فأرسلت اليه بحلاب (وفى رواية مسلم فأرسلت اليه ميمونة بحلاب اللبن) وهو واقف فى الموقف
فشرب منه، والناس ينظرون ، وهذا صريح فى أن ميمونة هى المرسلة، فيحتمل التعدد، ويحتمل أنهما أرسلنا
معا ، فنسب ذلك إلى كل منهما، لأنهما كانتا أختين، وتكون ميمونه أرسلت بسؤال أم الفضل لها فى ذلك
لكشف الحال فى ذلك، ويحتمل العكس . ولم يسم الرسول فى طرق حديث أم الفضل، لكن روى النسائى من طريق
سعيد بن جبير عن ابن عباس ما يدل على أنه كان الرسول بذلك، ويقوى ذلك أنه كان ممن جاء عنه أنه أرسل إما
أمه وإما خالته كذا فى الفتح ( اليه) صلى الله عليه وسلم (بقدح لبن) لعلمها بمحبته عليه الصلاة والسلام له حيث
يقوم مقام الأكل والشرب ولذا كان اذا أكل طعاما قال اللهم بارك لى فيه وأطعمنى خيرا منه، واذا كان لبنا
٤٩

مرعاة المفاتيح ج٧
٧ - كتاب الصوم
٦٠ - باب صيام التطوع
وهو واقف على بعيره بعرفة ، فشربه .
قال اللهم بارك لى فيه وزدنى منه، أو لمناسبة الزمان والمكان ، قاله القارى. قال الباجى: أردات أن تختبر بذلك
صومه وتعلم الصحيح من قول المختلفين وهذا وجه صحيح فى معرفة أحد القسمين، وهو أن يشربه ، فيعلم بذلك
فطره. وأما لوامتنع من شربه فليس فى ذلك دليل على صومه جواز أن يمتنع من ذلك لشبع، وروى وغير ذلك ،
ولعله أن يكون فى رده ما يدل على صومه أو يتسبب به إلى سؤاله (وهو واقف) أى راكب (على بعيره بعرفة)
وفى المستخرج لأبي نعيم وهو يخطب الناس بعرفة، والحديث نص فى أنه تمَّم كان بعرفة على بعير، وكذا وقع فى
حديث خالدبن العداء، وحديث نيط عند أبى داود. وهذا يخالف مافى حديث جابر الطويل عند مسلم وغيره حتى
إذا زاغت الشمس، أمر بالقصواء فرحلت له فركب حتى أتى بطن الوادى خطب الناس. وأجيب بأن البعير
يطلق على الأنثى أيضا. قال فى مجمع البحار: البعير، يقع على الذكر والأنثى. وقال الراغب: يقع على الذكر والأنثى
كالانسان فى وقوعه عليهما. وقال فى القاموس: البعير، الجمل البازل. أو الجذع، وقد يكون للأنثى، فالمراد بالبمير
فى حديث الباب . وكذا فى حديثى خالد ونبيط هى الناقة لا الجمل. وأما ما وقع عند أحمد والنسائى فى حديث
نبيط من لفظ الجمل فهى رواية شاذة ، أو أطلق لفظ الجمل على الناقة على طريق الشذوذ. وقد بوب عليه النسائى
بلفظ. الخطبة بعرفة على النساقة أو يقال أنه رآه من بعيد فظنها جملا فروى على ما ظنه ، والصواب أنه كان على
ناقته القصواء حين وقف فى الموقف، وخطب كما وقع فى حديث جابر. واستدل به على أن الوقوف على ظهر
الدواب مباح، وإن النهى الوارد فى ذلك بقوله إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر- الحديث. أخرجه أبو داود
من حديث أبى هريرة مرفوعا، محمول على ما اذا حصل للدابة مشقة، أو أن هذا الموضع مستثنى عما نهى عنه . قال
الخطابي: قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم خطب على راحلته فدل ذلك على أن الوقوف على ظهورها إن كان لارب
أو بلوغ وطر لا يدرك مع النزول مباح، وإن النهى إنما انصرف إلى الوقوف عليها لا لمعنى يوجبه بأن يستوطنه
الانسان ويتخذه مقعدا فيتعب الدابة ويضربها من غير طائل - انتهى. واختلف أهل العلم فى أيهما أفضل
الركوب أو تركه بعرفة، فذهب الجمهور إلى أن الأفضل الركوب لكونه ميثم وقف راكبا، ومن حيث النظرفان
فى الركوب عونا على الاجتهاد فى الدعاء والتضرع المطلوب حينئذكما ذكروا مثله فى الفطر. وذهب آخرون إلى أن
استحباب الركوب يختص بمن يحتاج الناس إلى التعليم منه، وعن الشافعى قول انهما سواء كذا فى الفتح
(فشربه) زاد فى حديث ميمونة، والناس ينظرون البه ولأحمد والنسائى من طريق عبد الله بن عباس عن أمه
أم الفضل أن رسول الله بَّم أفطر بعرفة. قال الباجى: وشرب النبي ◌َّ فى ذلك الموقف ليبين الناس فطره ولعله
قد علم بتمارى أصحابه فى ذلك الوقت فأراد تبين الشرع، وإيضاح الحق ورفع اللبس تؤثر، ومقتضى حديث

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
الباب وكذا حديث ميمونة إن صوم يوم عرفة غير مستحب لكن فى حديث أبي قتادة الآتى إن صومه يكفر سنة
آنية وسنة ماضية، فالجمع بينه وبين حديثهما أن يحمل حديث أبي قتادة على غير الحاج ، أو على من لم يضعفه
صيامه عن الذكر والدعاء المطلوب للحاج كما سيأتى تفصيل ذلك. قال الزرقانى: فطر يوم عرفة للحاج أفضل من
صومه لأنه الذى إختاره مَّه لنفسه، والتقوى على حمل الحج، ولما فيه من العون على الاجتهاد فى الدعاء والتضرع
المطلوب فى ذلك الموضع، ولذا قال الجمهور يستحب فطره للحاج، وإن كان قويا، ثم اختلفوا هل صومه مكروه
وصححه المالكية أو خلاف الأولى وصححه الشافعية، وتعقب بأن فعله المجرد لا يدل على عدم استحباب صومه اذ قد
یتر که لبيان الجواز ویکون فى حقه أفضل لمصلحة التبلیغ. وأجیب بأنه قد روى أبو داود والنسائى وصححه ابن
خزيمة والحاكم عن أبى هريرة قال: نهى مَّمه عن صوم عرفة بعرفة. وأخذ بظاهره قوم منهم يحيى بن سعيد
الأنصارى فقال: يجب فطره للحاج، والجمهور على استحبابه حتى قال عطاء كل من أفطره ليتقوى به على الذكر
كان له مثل أجر الصائم - انتهى. وقال الحافظ: روى عن ابن الزبيروأسامة بن زيد وعائشة أنهم كانوا يصومونه أى
بعرفة، وكان ذلك يعجب الحسن، ويحكيه عن عثمان وعن قتادة مذهب آخرقال لا بأس به اذا لم يضعف عن الدعاء ،
ونقله البيهقى فى المعرفة عن الشافعى فى القديم، واختاره الخطابى والمتولى من الشافعية - انتهى. قلت: قال الخطابى
فى المعالم (ج٢ ص١٣١) بعد ذكر حديث أبى هريرة فى النهى عن الصوم بعرفة ما لفظه: هذا نهى استحباب لانهى
إيجاب، وإنما نهى المحرم عن ذلك خوفا عليه أن يضعف عن الدعاء والابتهال فى ذلك المقام، فأما من وجد
قوة ولا يخاف معها ضعفا فصوم ذلك اليوم أفضل له إن شاء الله، وقد قال عزَّفضل صيام يوم عرفة يكفر سنتين سنة
قبلها وسنة بعدها - انتهى. وقال ابن قدامة (ج ٣ ص ١٧٦) أكثر أهل العلم يستحبون الفطر يوم عرفة بعرفة
وكانت عائشة وابن الزبير يصومانه. وقال قتادة: لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء . وقال عطاء : أصوم فى
الشتاء ولا أصوم فى الصيف، لأن كراهة صومه إنما هى معللة بالضعف عن الدعاء، فإذا قوى عليه أو كان فى الشتاء
لم يضعف فتزول الكراهة ، ولنا ما روى عن أم الفضل يعنى حديث الباب. وقال ابن عمر: حججت مع النبي
معدّ فلم يصمه يعنى يوم عرفة ومع أبى بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه، ومع عثمان فلم يصمه ، وأنا لا أصومه
ولا آمربه ولا أنهى عنه، أخرجه الترمذى وحسنه. وروى أبو داود عن أبى هريرة النهى عنه، ولأن الصوم يضعفه
ويمنعه الدعاء فى هذا المعظم الذى يستجاب فيه الدعاء فى ذلك الموقف الشريف فكان تر که أفضل - انتهى. وسيأتى
شىء من الكلام فى هذه المسئلة فى شرح حديث أبى هريرة فى الفصل الثانى وقد ذكر لفطره موطئه بعرفة عدة
حكم. منها أنه أقوى على الدعاء، ومنها إن الفطرفى السفر أفضل فى فرض الصوم فكيف بنفله، ومنها إن ذلك اليوم
كان يوم الجمعة وقد نهى عن أفراده بالصوم، فأحب أن يرى الناس فطره فيه تأكيدا لنهيه عن تخصيصه بالصوم

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
متفق عليه .
٢٠٦٣ - (٨) وعن عائشة، قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما فى العشر قط.
رواه مسلم.
وإن كان صومه لكونه يوم عرفة لا يوم جمعة . قال الحافظ: ويبعد هذا سياق أول الحديث، ومنها أنه يوم عيد
لأهل الموقف لاجتماعهم فيه كاجتماع الناس يوم العيد، وهذا الاجتماع يختص بمن بعرفة دون أهل الآفاق
ويؤيده ما رواه أصحاب السنن عن عقبة بن عامر مرفوعا يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الاسلام،
ومعلوم إن كونه عيدا هو لأهل ذلك الجمع لاجتماعهم فيه وفى الحديث من الفوائد إن الأكل والشرب فى
المحافل مباح ولا كرامة فيه للضرورة، وفيه التحيل على الاطلاع على الحكم بغير سؤال وفيه فطنة أم الفضل
لاستكشافها عن الحكم الشرعى بهذه الوسيلة اللطيفة اللائقة بالحال، لأن ذلك كان فى يوم حر بعد الظهيرة
(متفق عليه) واللفظ لمسلم، والحديث أخرجه البخارى فى الحج والصيام والأشربة، ومسلم فى الصيام وأخرجه
أيضا أحمد (ج ٦ ص ٣٣٨ - ٣٣٩ - ٣٤٠) ومالك فى الحج وأبو داود فى الصيام والبيهقى (ج ٤ ص ٢٨٣).
٢٠٦٣ - قوله (ما رأيت رسول الله يرفع صائما فى العشر قط) وفى رواية أن النبى مَثّ لم يصم العشر
وفى رواية مارأيت رسول الله وروثة صام العشرقط يعنى العشر الأول من ذى الحجة، وهذا بظاهره يخالف ما تقدم
فى باب الأضحية من فضيلة مطلق العمل المتضمن للصيام فى عشر ذي الحجة ، ومن فضيلة خصوص الصيام فيها،
وما فى حديث أبى قتادة الذى يليه من استحباب الصوم فى التاسع منها ، وهويوم عرفة . وما فى حديث حفصة فى
الفصل الثالث من عدم تركه ◌َث صيام العشر، وما فى حديث هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي وزفتى
قالت كان رسول الله ريثم يصوم تسع ذى الحجة - الحديث. أخرجه أحمد وأبو داود والنسائى والجواب عنه إن
المراد من قولها لم يصم العشر أنه لم يصمها لعارض مرض أو سفر أو غيرهما أو أنها لم تره صائما فيها ولا يلزم
من ذلك عدم صيامه فى نفس الأمر، وإذا تعارض النفي والاثباب فالاثبات أولى بالقبول. قال البيهقى: بعد رواية
حديث هنيدة وحديث عائشة ما لفظه، والمثبت أولى من النافى، مع ما مضى من حديث ابن عباس فى فضيلة
العمل الصالح فى عشر ذي الحجة. وقيل المراد فى جميع العشر وفيها يوم العيد وهذا لا ينافى صوم بعضها وقيل
يحتمل أن يكون ذلك لكونه كان يترك العمل فى بعض الأحيان وهو يحب أن يعمله خشية أن يظن وجوبه
(رواه مسلم) وأخرجه أيضا الترمذى وأبو داود وابن ماجه والبيهقى (ج ٤ ص ٢٨٥).
٥٢

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
٢٠٦٤ - (٩) وعن أبى قتادة، أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: كيف تصوم؟ فنضب
رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله، فلما رأى عمر غضبه، قال: وضينا بالله ربا، والاسلام
دينا، وبمحمد نبيا، نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله،
٢٠٦٤ - قوله (إن رجلا أتى) لم أقف على اسمه، وفى رواية البيهقى إن أعرابيا وقوله: ((إن رجلا أتى))
هكذا هو فى جميع النسخ من المشكاة وكذا نقله الجزرى فى جامع الأصول (ج ٧ ص ٢٢١) وهكذا وقع فى
بعض النسخ من صحيح مسلم، ووقع فى أكثر النسخ منه ((رجل أتى)) قال النووى: هكذا هو فى معظم النسخ أى
من صحيح مسلم عن أبي قتادة ((رجل أتى)) وعلى هذا يقرأ رجل بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أى الشأن
والأمر رجل أتى النبي ◌َّثم فقال: وقد أصلح فى بعض النسخ ((إن رجلا أتى)) وكان موجب هذا الاصلاح جهالة
انتظام الأول، وهو منتظم كما ذكرته فلا يجوز تغييره والله أعلم. (فغضب رسول اللّه ◌َّ}) أى ظهر أثر الغضب
على وجه (من قوله) أى من قول الرجل وسؤاله، يحتمل أنه يَّفن ما أراد إظهار ما خفى من عبادته بنفسه، فكره
لذلك سؤاله، أو أنه عاف على السائل فى أن يتكاف فى الاقتداء، بحيث لا يبقى له الاخلاص فى النية، أو أنه يعجز
بعد ذلك. قال الخطابي: يشبه أن يكون غضبه صلى الله عليه وسلم من مسئلته إياه عن صومه كرامة أن يقتدى به
السائل فى صومه فيتكلفه ثم يعجز عنه فعلا أو يسأمه ويمله بقلبه، فيكون صياما عن غير إخلاص وقد كان ڑٹ
يواصل وهو محرم على أمته، وقد كان مَّ يترك بعض النوافل خوفا من أن يفرض على أمته إذا فعلوه إقتداء به كما
ترك القيام فى شهر رمضان بعد أن قام بهم ليلة أوليلتين، ثم لم يخرج اليهم - انتهى. وقال النووى : سبب غضبه
أنه كره مسئلته لأنه خشى من جوابه مفسدة وهى أنه ربما يعتقد السائل وجوبه أو يستقله أو يقتصر عليه وكان
يقتضى حاله أكثرمنه. وإنما اقتصر عليه النبي مَثّ لشغله بمصالح المسلمين، وحقوقهم وحقوق أزواجه وأضيافه
والوافدين عليه ، ولئلا يقتدى به كل أحد فيؤدى إلى الضرر فى حق بعضهم، وكان حق السائل أن يقول كم أصوم
أو كيف أصوم، فيخص السؤال بنفسه ليجيبه بما يقتضيه حاله كما أجاب غيره بمقتضى أحوالهم - انتهى .
(فلما رأى عمر) بن الخطاب (غضبه) وَفّع على السائل، وخاف أن يكون سؤاله سببا لأذيته صلى الله عليه وسلم
فيدخل تحت قوله تعالى: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله - الأحزاب: ٥٧﴾ (قال) أى أدبا وإكراما له
وشفقة على السائل واعتذارا منه واسترضاء (رضينا بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد نيا) المنصوبات الثلاث
تمييزات، ويمكن أن تكون حالات مؤكدة (نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله) ذكر غضب الله تزيين الكلام
٥٣

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
فجعل عمر يردد هذا الكلام حتى سكن غضبه. فقال عمر: يا رسول الله ! كيف من يصوم الدهر
كله، لاصام ولا أفطر
وتعيين بأن غضبه تعالى يوافق غضبه عليه الصلاة والسلام قاله القارى (يردد) أى يكرر (كيف من) أى حال
من (يصوم الدهر كله) أى هل هو محمود أو مذموم، أنظر حسن الأدب حيث بدأه بالتعظيم ثم سأله على وجه التعميم،
ولذا قيل حسن السؤال نصف العلم (لاصام ولا أفطر) قال الخطابي فى المعالم (ج ٢ ص ١٢٩) معناه لم يصم
ولم يفطر. وقد يوضع ((لا)، بمعنى ((لم)، كقوله تعالى: ﴿فلا صدق ولاصلى - القيامة: ٣١) أى لم يصدق . ولم يصل
وقد يحتمل أن يكون معناه الدعاء عليه كراهة فصنيعه وزجرا له عن ذلك (لكونه مظنة لتفويت الحقوق الواجبة)
وقال الجزرى فى النهاية: قوله ((لا صام ولا أفطر)) أى لم يصم ولم يفطر وهو إحباط لأجره على صومه حيث
خالف السنة. وقيل: هو دعاء عليه كراهية لصنيعه. وقال التوربشتى: فسر هذا من وجهين أحدهما، على معنى
الدعاء عليه زجرا له على صنيعه والآخر على سبيل الاخبار، والمعنى لم يكابد سورة الجوع وحر الظمأ لا عتاده
الصوم حتى خف عليه، ولم يفتقر إلى الصبر على الجهد الذى يتعلق به الثواب، فصار كأنه لم يصم - انتهى.
وحيث أنه لم ينل راحة المفطرين ولذتهم فكأنه لم يفطر (أوقال لم يصم ولم يفطر) وفى رواية « أو ، ما صام
وما أفطر، قال الحافظ بعد ذكر رواية الباب: هو شك من أحد رواته، ومقتضاه أنهما بمعنى واحد. والمعنى
بالنفى أنه لم يحصل أجر الصوم لمخالفته ولم يفطر لأنه أمسك. وقال الشوكانى فى السيل الجرار: حديث ((لاصام
من صام الأبد فى الصحيحين فى حديث عبد الله بن عمرو، وكذلك حديث لا صام ولا أفطر أو لم يصم ولم يفطر
فى حديث أبي قتادة معناهما أنه لما خالف الهدى النبوى الذى رغب فيه صلى الله عليه وسلم كان بمنزلة من لم يصم
صوما مشروعا يؤجر عليه ولا أفطر فطرا ينتفع به. ويؤيد أن هذا المعنى هو المراد أن رسول اللّه مَلَّه قال
لعبد الله بن عمرو، وقد كان أراد أن يصوم الدهر فقال له صم من كل شهر ثلاثة أيام فقال، إنى أقوى من ذلك
فلم يزل يرفعنى حتى قام صم يوما وأفطر يوما، فانه أفضل الصيام وهو صوم أخى داود. فقلت، إنى أطيق أفضل
من ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا أفضل من ذلك؟ هكذا فى الصحيحين وغيرهما من حديثه. وقد
ثبت فى الصحيح من حديث أنس أنه مرَّم قال للثلاثة الذين قال أحدهم أنه يصوم ولا بفطر. وقال الثانى أنه يقوم
الليل ولا ينام. وقال، الثالث أنه لا يأتى النساء فقال ريم أما أنا فأصوم وأفطر وأقوم وأنام وآتى النساء فمن
رغب عن سنتى فليس منى. فهذا الحديث الصحيح يدل على أن صيام الدهر من المرغوب عن سنة رسول الله
صلى الله عليه وسلم فليستحق فاعله ما رتبه عليه من الوعيد بقوله فمن رغب عن سنتي فليس منى. وقد أخرج أحمد
وأبو داود وابن ماجه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال الرجل الذى أخبره أنه يصوم الدهر من أمرك أن تعذب
٥٤

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧- كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
نفسك - انتهى كلام الشوكانى: قلت اختلف العلماء فى صيام الدهر فذهب أسحاق وأهل الظاهر إلى كراهته
مطلقا ، أى وإن أفطر الأيام الخمسة المنهى عنها، وهى رواية عن أحمد . قال الأثرم: قيل لأبي عبد اللّه يعنى الامام
أحمد، فسر مسدد قول أبى موسى من صام الدهر ضيقت عليه جهنم، أى فلا يدخلها فضحك وقال من قال هذا؟
فأين حديث عبد الله بن عمرو أن النبي ◌َّيفك كره ذلك، وما فيه من الأحاديث كذا فى المغنى (ج ٣ ص ٦٧) وقال
ابن حزم: لا يحل صوم الدهر أصلا يعنى أنه يحرم، وإلى الكراهة مطلقا ذهب ابن العربى من المالكية فقال قوله
((لاصام من صام الأبد)) (فى حديث عبد الله بن عمرو) إن كان معناه الدعاء فياويح من أصحابه دعاء النبي محمد ثم وإن
كان معناه الخبر فياويخ من أخبر عنه النبي ◌َّثة أنه لم يصم وإذا لم يصم شرعا لم يكتب له الثواب ، لوجوب
صدق قوله صلى الله عليه وسلم لأنه نفى عنه الصوم، وقد نفى عنه الفضل كما تقدم، فكيف يطلب الفضل فيما نفاه النبى
مرَّ - انتهى. وإلى الكراهة ذهب أيضا ابن قدامة كما سيأتى، وابن القيم كما فى الهدى (ج ١ ص ١٧٤)
والحنفية كما فى مراقى الفلاح حيث قال يكره صوم الدهر لأنه يضعفه أو يصير طبعا له، ومبنى العبادة على خلاف
العادة - انتهى. وهكذا فى البرهان وفتح القدير وغيرهما. وقال فى البدائع قال بعض الفقهاء: من صام سائر
الأيام وأفطر يوم الفطر والأضحى وأيام التشريق لا يدخل تحت النهى، ورد عليه أبو يوسف فقال: ليس هذا
عندى كما قال والله أعلم. هذا قد صام الدهر كأنه أشار إلى أن النهى عن صوم الدهر ليس لمكان صوم هذه
الأيام بل لما يضعفه عن الفرائض والواجبات ويقعده عن الكسب، ويؤدى إلى التبتل المنهى عنه والله أعلم - انتهى.
واستدل الكرامة والمنع بقوله صلى الله عليه وسلم ((لا صام ولا أفطر)) وقد تقدم وجه الاستدلال به فى
كلام الشوكانى وابن العربى والجزرى وغيرهم. وقد روى مثل هذا مر فوعا عن جماعة من الصحابة، منهم عبد الله
ابن الشيخر عند أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وعمران بن حصين عند النسائى والحاكم، وابن عمر
عند النسائى واستدل أيضا لذلك بقصة عبد الله بن عمرو التى أشار اليها الشوكانى. قال ابن التين: استدل على
كرامة صوم الدهر من هذه القصة من أوجه نهيه صلى الله عليه وسلم عن الزيادة على صوم نصف الدهر، وأمره
بأن يصوم ويفطر وقوله: لا أفضل من ذلك)، ودعاء، على من صام الأبد - انتهى. وبحديث أنس الذى أشار
اليه الشوكانفى مع وجه الاستدلال منه. وبحديث رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال قيل: النبي ◌َّ
رجل يصوم الدهر، قال وددت أنه لم يطعم الدهر شيئا - الحديث. أخرجه النسائى. قال السندى: أى وددت أنه
ما أكل ليلا ولا نهارا حتى مات جوعا، والمقصود بيان كراهة عمله وأنه مذموم العمل حتى يتمنى له الموت
بالجوع. ويحديث أبى موسى رفعه من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا وقبض كفه، أخرجه أحمد والنسائى
٥

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
وابن خزيمة وابن حبان والبيهقى (ج ٤ ص ٣٠٠) وابن أبى شيبة والبزار ولفظ ابن حبان والبزار والبيهقى ضيقت
عليه جهنم هكذا وعقد تسعين ، وأخرجه أيضا الطبرانى. قال الهيشمى (ج٣ ص ١٩٣) رجاله رجال الصحيح.
قال الحافظ: ظاهره أنها تضيق عليه حصرا له فيها لتشديده على نفسه وحمله عليها، ورغبته عن سنة نبيه زات}
واعتقاده إن غير سنته أفضل منها، وهذا يقتضى الوعيد الشديد فيكون حراما - انتهى. وقال ابن التركمانى:
ظاهر هذا الحديث يقتضى المنع من صوم الدهر . وقد أورده ابن أبى شيبة فى باب من كره صوم الدهر. واستدل
به ابن حزم على المنع، وقال إنما أورده رواته كلهم على التشديد والنهى عن صومه. وقال ابن حبان: ذكر الاخبار
عن ففى جواز سرد المسلم صوم الدهر وذكر هذا الحديث - انتهى. واستدل النع أيضا بما روى ابن أبى شيبة
بسند صحيح عن أبىعمر والشیبانی: قال بلغ عمر أن رجلا يصوم الدهر فأتاه فعلاه بالدرة وجعل يقول كل یادهرى
قال ابن حزم: قد صح عن عمر تحريم صيام الدهر كما رويناه فذكر هذا الأثر ثم قال ، هذا فى غاية الصحة عنه
فصح أن تحريم صوم الدهر كان من مذهبه ولو كان عنده مباحا لما ضرب فيه ولا أمر بالفطر - انتهى. ويما روى
ابن أبى شيبة أيضا من طريق أبي إسحاق إن عبدالرحمن بن أبى نُعيم كان يصوم الدهر، فقال عمرو بن ميمون لو رآى
هذا أصحاب محمد لرجموه. وبما روى الطبرانى عن عمرو بن سلمة قال سئل ابن مسعود عن صوم الدهر فكرهه.
قال الهيشمى: اسناده حسن وذهب آخرون إلى استحباب صيام الدهر لمن قوى عليه ولم يفوت فيه حقا وأفطر
الأيام المنهية عنها، وإلى ذلك ذهب الجمهور منهم مالك والشافعى وأحمد فى رواية : قال مالك فى الموطأ: أنه سمع
أهل العلم يقولون لا بأس بصيام الدهر إذا أفطر الأيام التى نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامها وذلك
أحب ما سمعت إلى فى ذلك - انتهى. وصرح الزرقانى وغيره من المالكية باستحبابه بالشروط المذكورة. وقال
النووى: مذهب الشافعى وأصحابه إن سرد الصيام اذا أفطر العيدين والتشريق لا كراهة فيه بل هو مستحب بشرط
أن لا يلحقه به ضرر ولايفوت حقا فان تضرر أو فوت حقا فكروه - انتهى. وقال ابن قدامة (ج٣ ص١٦٧)
قال أبو الخطاب: إنما يكره أذا أدخل فيه يومى العيدين وأيام التشريق لأن أحمد قال ، إذا أفطر يومى العيدين
وأيام التشريق رجوت أن لا يكون بذلك بأس. وروى نحو هذا عن مالك وهو قول الشافعى لأن جماعة من
الصحابة كانوا يسردون الصوم منهم أبو طلحة. قال ابن قدامة: والذى يقوى عندى إن صوم الدهر مكروه
وإن لم يصم هذه الأيام فان صامها فقد فعل محرما، وإنما كره صوم الدهر لما فيه من المشقة والضعف وشبه التبتل
المنهى عنه، بدليل أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمرو إنك تصوم الدهر وتقوم الليل فقلت نعم،
قال إنك إذا فعلت ذلك هجمت له عينك وفقهت له النفس لاصام من صام الدهر- الحديث. واحتج الجمهور على
٥٦

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧- كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
الاستحباب بما وقع فى حديث حمزة بن عمرو عند مسلم أنه قال، يا رسول الله! إنى أسرد الصوم أنأصوم فى السفر
فقال إن شئت فصم فأقره صلى الله عليه وسلم على سرد الصيام ولو كان مكروها لم يقره وأجيب عن هذا
أولا بأن سؤال حمزة إنما كان عن صوم الفرض فى السفر لا عن صوم الدهر كما سبق. وثانيا، بأن سرد الصوم
لا يستلزم صوم الدهر لأن التتابع يصدق بدون صوم الدهر، بل المراد إنى أكثر الصوم وكان هو كثير الصوم
كما ورد فى بعض الرويات، ويؤيد عدم الاستلزام ما أخرجه أحمد من حديث أسامة بن زيد أن النبي ◌َّ كان
يسرد الصوم مع ما ثبت أنه لم يصم الدهر، وإنه لم يصم شهرا كاملا إلا رمضان، وبهذا يجاب عما روى عن عمر وعائشة
إنهما كانا يسردان الصوم. واحتجوا أيضا بما وقع فى بعض طرق حديث عبد الله بن عمرو الآتى صم من
الشهر ثلاثة أيام فان الحسنة بعشر أمثالها وذلك مثل صيام الدهر: وقوله فىحديث أبى أيوب الآتى من صام رمضان
ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر قالوا، والمشبه به يكون أفضل من المشبه فدل ذلك على أن صوم الدهر
أفضل من هذه المشبهات فيكون مستحبا وهو المطلوب. وتعقب بأن التشبيه فى الأمر المقدر لا يقتضى جوازه
فضلا عن استحبابه . وإنما المراد حصول الثواب على تقدير مشروعية صيام ثلاثمائة وستين يوما. ومن المعلوم
إن المكلف لا يجوز له صيام جميع السنة فلا يدل التشبيه على أفضلية المشبه به من كل وجه كذا ذكره الحافظ .
وقد بسط هذا الجواب ابن القيم فى الهدى فأجاد .. وأجاب الجمهور عن حديث لا صام من صام الأبد،
وحديث لا صام ولا أفطر بأجوبة. أحدها أنه محمول على حقيقته بأن يصوم معه العيدين وأيام التشريق .
وفيه نظر لأنه صلى الله عليه وسلم قد قال جوابا لمن سأله عن صوم الدهر لا صام ولا أفطر وهو يؤذن بأنه
ما أجر ولا أثم، ومن صام الأيام المحرمة لا يقال فيه ذلك لأنه عند من أجاز صوم الدهر إلا الأيام المحرمة
يكون قد فعل مستحبا وحراما، وأيضا فان أيام التحريم مستثناة بالشرع غير قابلة الصوم شرعا، فهى بمنزلة الليل
وأيام الحيض، فالم تدخل فى السؤال عند من على تحريمها، ولا يصلح الجواب بقوله ((لاصام ولا أفطر)) لمن لم يعلم
تحريمها، كذا ذكره الحافظ فى الفتح وهو ملخص كلام ابن القيم فى الهدى. وقد تعقب ابن دقيق العيد تأويل
الجمهور هذا بوجه آخر من شاء الوقوف عليه رجع إلى شرح العمدة (ج ٢ ص ٢٣٦ - ٢٣٧) الثانى إنه محمول
على من تضرر به أو فوت به حقا ، قالوا ويؤيده أن النهى كان خطابا لعبد الله بن عمرو بن العاص، وقد ذكر
مسلم عنه أنه عجز فى آخر عمره وندم على كونه لم يقبل الرخصة قالوا، فنهى ابن عمر ولعلمه بأنه سيعجز عنه ويضعف
وأقر حمزة لعلمه بقدرته بلا ضرر. وفيه إن هذا التأويل أيضا مردود لما سبق من قوله صلى الله عليه وسلم فى
أفس من رغب عن سنتي فليس من، ويرده أيضا قوله لا أفضل من ذلك، ويرده أيضا ورود قوله ((لا صام
٥٧

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
ولا أفطر)، وقوله: لا صام من صام الأبد عن غير واحد من الصحابة سوى عبد الله بن عمرو كما تقدم، ويرده
أيضا حديث أبى موسى المتقدم . وكل ذلك يدل على أن هذا الحكم ليس خاصا بابن عمرو بل هو عام لجميع المسلمين
وأما اقراره لحمزة على سرد الصوم فلا حجة فيه كما سبق. الثالث إن معنى لا صام أنه لا يجد من مثقته ما يجدها
غيره فيكون خيرا، لا دعاء. وتعقبه الطبى بأنه مخالف لسياق الحديث ألا تراه كيف نهاه أولا عن صيام الدهر
كله ثم حثه على صوم داود، والأولى أن يكون خبراً عن أنه لم يمثل أمر الشرع أو دعاء كما تقدم. وأجابوا
عن حديث أبى موسى المتقدم ذكره بأن معناه ضيقت عليه فلا يدخلها ، فعلى هذا تكون على بمعنى عن ، أى ضيقت
عنه، وهذا التأويل حكاه الأثرم عن مُسَدّد، وحكى رده عن أحمد كما سبق. وقال ابن خزيمة : سألت المزنى
عن هذا الحديث. فقال: يشبه أن يكون معناه ضيقت عنه فلا يدخلها ولا يشبه أن يكون على ظاهره، لأن من
ازداد عملا وطاعة ازداد عند الله رفعة وعلنه كرامة. ورجح هذا التأويل جماعة منهم الغزالى. فقالوا له مناسبة
من جهة أن الصائم لما ضيق على نفسه مسالك الشهوات بالصوم ضيق اللّه عليه النار فلا يبقى له فيها مكان لأنه ضيق
طرقها بالعبادة. وتقب بأنه ليس كل عمل صالح اذا ازداد العبد منه ازداد من اللّه تقربا بل رب عمل صالح
اذا ازداد منه ازداد بعدا كالصلاة فى الأوقات المكروهة، وأيضا لو كان المراد ما ذكروه لقال ضيقت عنه.
وأما التضييق عليه فلا يكون إلا وهو فيها. قال ابن حزم (ج ٧ ص ١٦) بعد ذكر التأويل المذكور .الفظه: هذه
لكنة وكذب. أما اللكنة فانه لو أراد هذا فقال ضيقت عنه ولم يقل عليه. وأما الكذب فانما أورده رواته
كلهم على التشديد والنهى عن صومه - انتهى. فالصواب اجراء الحديث على ظاهره والقول بكرامة صيام الدهر
مطلقا أو منعه. قال الشوكانى فى السيل الجرار بعد ذكر حديث أبى موسى: هذا وعيد ظاهر، وتأويله بما يخلف
هذا المعنى تعسف وتكلف، والعجب ذهاب الجمهور إلى استحباب صوم الدهر وهو مخالف للهدى النبوى ، وهو
أيضا أمر لم يكن عليه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه كل أمر ليس
عليه أمرنا فهو رد، وهو أيضا من المرغوب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن رغب عن سنته فليس
منه كما تقدم، وهو أيضا من التعسير والنشديد المخالف لما استقرت عليه هذه الشريعة المطهرة. قال الله تعالى:
( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر - البقرة: ١٨٥) وقال صلى الله عليه وسلم، يسروا ولا تعسروا ولن
يشاد الدين أحد إلا غلبه، وقال أمرت بالشريعة السمحة السهلة، فالحاصل إن صوم الدهر اذا لم يكن محرما تحريما
بحتافاقل أخواله أن يكون مكروها كراهة شديدة هذا لمن لا يضعف به الصوم من شىء من الواجبات، أما من
كان يضعف بالصوم عن بعض الواجبات الشرعية فلاشك فى تحريمه من هذه الحيثية بمجردها من غير نظر
٥٨
٠٠

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧- كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
قال: ويطيق ذلك أحد؟ قال: كيف من يصوم يوما ويفطر يوما؟ قال: ((ذلك صوم داود)، قال:
كيف من يصوم يوما ويفطر يومين؟ قال: وددت أني ◌ُطُوَّقت ذلك. ثم قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (( ثلاث من كل شهر))
إلى ما قدمنا من الأدلة - انتهى. واختلف المجيزون لصيام الدهر بالشرط المتقدم هل هو أفضل أو صيام يوم
وإفطار يوم أفضل، فذهب جماعة منهم إلى أن صوم الدهر أفضل. واستدلوا على ذلك بأنه أكثر عملا فيكون
أكثر أجراً، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن زيادة الأجر بزيادة العمل ههنا معارضة باقتضاء العادة التقصير فى حقوق
أخرى، فالأولى التفويض إلى حكم الشارع، وقد حكم بأن صوم يوم، وإفطار يوم أفضل الصيام ، هذا معنى
كلامه محصلا . وذهب جماعة منهم المتولى من الشافعية إلى أن صيام داود أفضل، وهو ظاهر الحديث بل صريحه
وارجع للبسط والتفصيل إلى الفتح وشرح العمدة (ويطيق ذلك أحد) بحذف حرف الانكار، وقد ثبت فى رواية
أبى داود والسائى، ووقع فى رواية لمسلم، ومن يطيق ذلك وكأنه كرهه لأنه مما يعجز عنه فى الغالب فلا يرغب
فيه فى دين سهل سمح ، وهو عطف على محذوف أى أنقول ذلك ويطيق ذلك أحد (قال ذلك صوم داود) أى
وصوم داود أفضل الصيام وأحبه إلى الله وكأنه تركه لتقرير ذلك مراراً (وددت) بكسر الدال أى أحبيت
(إنى طوقت) بتشديد الواو على بناء المفعول أى جعلنى الله مطيقا (ذلك) أى الصيام المذكور يعنى تمنيت أن يجعل
ذلك داخلا فى قدرتى وكان قادرا، ولكن خافٍ فوات حقوق نساءه فان إدامة الصوم يخل بحظوظهن منه إلا فكان
يطيق أكثر منه فإنه كان يواصل وعلى هذا معنى قوله ((وددت إنى طوقت)) أى مع أداء حقوق النساء. قال
الخطابى: يحتمل أن يكون إنما خاف العجز عن ذلك للحقوق التى تلزمه لنساءه لأن ذلك يخل بحظوظهن منه
لا لضعف جبلته عن إحتمال الصيام أو قلة صبره عن الطعام فى هذه المدة - انتهى. وقيل: معناه وددت إن أمتى
قطيقه لأنه صلى الله عليه وسلم كان يطيقه وأكثر منه وكان يواصل، ويقول إنى لست كأحدكم إنى أبيت ، يطعمنى
ربى ويسقينى. قال النووى: ويؤيد هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم فى الرواية الثانية ليت إن الله قوانا لذلك
أو يقال إنما قاله لحقوق نساءه وغيرهن من المسلمين المتعلقين والقاصدين اليه - انتهى. وقيل: يمكن أن يكون
الإطعام والسقى من الرب تبارك وتعالى مختصا بصوم الوصال دون غيره من الصيام (ثلاث من كل شهر) أى
صوم الانسان ثلاثة أيام من كل شهر، قيل هو أيام البيض ، وقيل أى ثلاث كان وأيام البيض أولى، وثلاث بحذف
التاء ولو قال ثلاثة بالهاء لكان صحيحا لأن المعدود المميز إذا كان غير مذكور لفظا جاز تذكير ميزه وتأنيثه، يقال
صنا ستا وستة وخمسا وخمسة. وإنما يلزم إثبات الهاء مع المذكر إذا كان مذكوراً لفظا. وحذفها من المؤنث اذا
كان كذلك وهذه قاعدة مسلوكه صرح بها أهل اللغة وأئمة الاعراب كذا فى النيل. وقال القارى : حدف التاء منها
:

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٦ - باب صيام التطوع
ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله .
نظرا إلى لفظ المميزفانه مؤنث. وقيل: بحذف المعدود. وقيل: كان الظاهر أن يقال ثلاثة لأنه عبارة عن الأيام أى
صيام ثلاثة أيام، ولكنهم يعتبرون فى مثل ذلك الليالى والأيام داخلة معها. قال صاحب الكشاف: تقول صمت
عشراً ولوقات عشرة لخرجت من كلامهم - انتهى. (ورمضان إلى رمضان) أى وصوم رمضان من كل سنة منتهيا
إلى رمضان (فهذا صيام الدهركاه) أى حكما لقوله تعالى (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها - الأنعام: ١٦٠) وهذا
إنماهوفی غیررمضان، وإنما ذكررمضان لدفع توم دخوله فى كل شهر. ومن المعلوم إن صوم رمضان فرض فلابد
منه ، والمعنى إن صيام ثلاثة أيام من كل شهر كصيام الدهر فى الفضيلة واكتساب الأجر لكنه من غير تضعيف
على حد ﴿قل هو الله أحد - الاخلاص: ١﴾ تعدل ثلث القرآن. وقيل: المعنى إن كل واحد منهما من صوم ثلاثة
أيام من كل شهر، ومن صوم رمضان إلى رمضان كل واحد منهما صيام الدهر. أما صيام ثلاثة أيام من كل شهر
فكونه صيام الدهر ظاهر، لأن الحسنة بعشر أمثالها فان من صام ثلاثة أيام من شهر فكأنه صام الشهر، ومن صام
ثلاثة أيام من شهور السنة فقدصام السنة فهذا صيام الدهر، وأما صيام رمضان إلى رمضان فيحتمل أن يكون المراد
إن صيام رمضان مع ست من شوال صيام الدهر كما وقع فى حديث أبى أيوب الآتى ، أو يقال إن صيام رمضان
من حيث كونه صوم فرض يزيد على النفل فيكون صيامه مساويا لصيام الدهر بل زايدا عليه، ويقال أنه أخبر
أولا بأن صيام رمضان مع ست من شوال صيام الدهر . ثم أخبر بأن صيام رمضان فقط بدون صوم ست من
شوال يساوى صيام الدهر فى الأجر والثواب كذا قيل ، ولا يخفى ما فيه. ووقع فى رواية من حديث عبد الله
ابن عمرو الآتى صم من كل شهر ثلاثة أيام فان الحسنة بعشر أمثالها وذلك مثل صيام الدهر . قال ابن دقيق العيد
هو مأول عندهم على أنه مثل أصل صيام الدهر من غير تضعيف للحسنات، فإن ذلك التضعيف مرتب على الفعل
الحسى الواقع فى الخارج والحامل على هذا التأويل، إن القواعد تقتضى إن المقدر لا يكون كالمحقق، وإن الأجور
تتفاوت بحسب تفاوت المصالح أو المشقة فى الفعل فكيف يستوى من فعل الشيء بمن قدر فعله له فلاجل ذلك قيل
إن المراد أصل الفعل فى التقدير لا الفعل المرتب عليه التضعيف فى التحقيق - انتهى. ثم قوله ((ثلاث)) قيل إنه
مبتدأ خبره قوله ((فهذا صيام الدهر)) والفاء زائدة أو ما دل عليه هذه الجملة. وقال الطبي: أدخل الفاء فى الخبر
لتضمن المبتدأ معنى الشرط ، وذلك إن ثلاث مبتدأ، ومن كل شهرصفة، أى صوم ثلاثة أيام يصومها الرجل من
كل شهر صيام الدهر كله - انتهى. وقيل: الأولى أن يكون ثلاث خبر مبتدأ محذوف أى الأولى والأليق ثلاث
من كل شهر، وقوله ((فهذا)) تعليل له. وذكر إلى رمضان إفادة لدوام الصوم واستمراره وإيماء إلى أن الصوم كأنه
متصل مستمر دائما كما أشاراليه بقوله ((فهذا صيام الدهر كله)) قلت: وقع فى رواية النسائى, ثلاث من كل شهر
ورمضان إلى رمضان هذا صيام الدهر كله)، وهذا يزيد كون ((ثلاث)) مبتدأ وكون قوله ((فهذا صيام الدهر»
٦