Indexed OCR Text

Pages 1-20

بِ اللَّهُ العَ الَّة
(٤ ) باب صوم المسافر
الفصل الأول )
٢٠٣٩ - (١) عن عائشة، قالت: إن حمزة بن عمرو الأسلمى قال النبى صلى الله عليه وسلم:
أصوم فى السفر وكان كثير الصيام . فقال: إن شئت فصم، وإن شئت فافطر .
(باب المسافر) أى فى بيان حكم الصوم للمسافر، من جواز فعله وتركه وبيان الأفضل منهما قال الله تعالى
﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر - البقرة: ١٨٤)
٢٠٣٩ - قوله (إن حمزة بن عمرو) بفتح العين وسكون الميم وبالواو فى آخره ابن عويمر (الأسلمى)
من ولد أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمر بن عامر يكنى أبا صالح ، ويقال أبو محمد المدنى صحابي جليل ، له تسعة
أحاديث استنارت أصابعه فى ليلة ظلماء مع رسول اللّه مَثّل، وكان يسرد الصوم . مات سنة إحدى وستين، وله
إحدى وسبعون، وقيل: ثمانون. (أصوم فى السفر) أى أ أصوم بتقدير حمزة الاستفهام. وقال القارى: أى نا
حكمه؟ أی فهل على جناح فى الصوم أو ضده أو بقدر الاستفهام ـ انتهى. قلت : کذا وقع فى بعض نسخ البخارى
أصوم، وهى رواية النسائى أيضا، ووقع فى نسخ القسطلانى والعينى والحافظ أ أصوم بهمزتين، الأولى همزة
الاستفهام، والأخرى همزة المتكلم. وهكذا وقع فى جامع الأصول (ج ٧ ص ٢٦١) وشرح العمدة لابن دقيق
العيد (ج ٢ ص ٢٢٣) وفى رواية لمسلم إنى رجل أصوم (أى من عادفى ذلك) أفأصوم فى السفر، وفى أخرى
لهما إنى أسرد الصوم ، بضم الراء أى أتابعه. واستدل به على أن لا كراهية فى صيام الدهر لأنه أخبره بسرده
فلم ينكر عليه بل أقره عليه وهو فى السفر ففى الحضر بالأولى، قال الحافظ: ولا دلالة فيه لأن التتابع بصدق بدون
صوم الدهر ، فإن ثبت النهى عن صوم الدهر لم يعارضه هذا الاذن بالسرد، بل الجمع بينهما واضح - أنتهى. وقال
شيخنا فى شرح الترمذى : فى الاستدلال بقوله أسرد على عدم كراهة صوم الدهر نظر، لأنه يحتمل أن يكون
المراد به أى أكثر الصيام كما يدل عليه قوله ((وكان كثير الصيام، فما لم ينتف هذا الاحتمال لا يتم الاستدلال -
انتهى. (وكان) أى حمزة (كثير الصيام) الجملة معترضة لبيان الحال الحامل له على هذا السؤال (فقال إن شئت
فصم وإن شئت فافطر) بهمزة قطع. وفيه دليل على التخيير بين الصوم والفطر واستوائهما فى السفر. قال الخطابي:
هذا نص فى إثبات الخيار للسافر فى الصوم والافطار، وفيه بيان جواز صوم الفرض السافر إذا صامه ، وهو

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٤ - باب صوم المسافر
قول عامة أهل العلم إلا ما روى عن ابن عمر أنه قال إن صام فى السفر قضى فى الحضر . وقد روى عن ابن عباس
أنه قال لا يجزيه، وذهب إلى هذا داود بن على - انتهى . قلت: قال ابن حزم (ج ٦ ص ٢٥٣) حديث حمزة
بيان جلى فى أنه إنما سأله عليه السلام عن التطوع لقوله فى الخبر ((إنى امرؤ أسرد الصوم)) قال الحافظ فى التاخيص
(ص ١٩٤) لكن ينتقض عليه بأن عند أبي داود فى رواية صحيحة من طريق حمزة بن محمد بن حمزة عن أبيه عن
جده ما يقتضى أنه سأله عن الفرض وصححها الحاكم - انتهى. وقال ابن دقيق العيد (ج ٢ ص ٢٢٣) ليس فى
حديث الباب تصريح بأنه صوم رمضان، فلا يكون فيه حجة على من منع صيام رمضان فى السفر. قال الحافظ فى
الفتح: هو كما قال بالنسبة إلى سياق حديث الباب، لكن فى رواية أبى مرواح عن حمزة عند مسلم أنه قال:
يا رسول الله! أجد بى قوة على الصيام فى السفر فهل على جناح فقال رسول الله مح له هى رخصة من الله - الحديث
(وسيأتى فى الفصل الثالث) وهذا يشعر بأنه سأل عن صيام الفريضة، وذلك إن الرخصة إنما تطلق فى مقابلة ما هو
واجب ، وأصرح من ذلك ما أخرجه أبوداود والحاكم من طريق محمد بن حمزة بن عمرو عن أبيه أنه قال يا رسول
اللّه! إنى صاحب ظهور أعالجه أسافر عليه وأكريه، وأنه ربما صادقتى هذا الشهر يعنى رمضان، وأنا أجد القوة
وأجدنى أن أصوم أهون على من أن أؤخره فيكون دينا على فقال أى ذلك شئت يا حمزة - انتهى، وقيل: الظاهر
إن حمزة سأله وَاللّه مرتين: مرة عن صيام التطوع، وهو مذكور فى حديث عائشة عند الشيخين. ومرة عن صوم
رمضان، وهذا مذكور فى رواية أبى مراوح عن حمزة عند مسلم، وفى رواية محمد بن حمزة بن عمرو عن أبيه
عند أبي داود . وقال الباجى ( ج ٢ ص ٥٠) سؤال حمزة عام فاذا خرج الجواب مطلقا حمل على عمومه لحمل
على جواز الصوم للفرض والنفل فى السفر ، ولا يخص صوم دون صوم إلا بدليل. وذهب بعض أهل الظاهر إلى
أن ذلك محمول على التطوع وهذا تخصيص بغير دليل فوجب أن يكون باطلا - انتهى . واختلف السلف فى
صوم رمضان فى السفر. فقالت طائفة لا يجرى الصوم عن الفرض، بل من صام فى السفر وجب عليه
قضاءه فى الحضر وهو قول بعض الظاهرية. قال فى الفتح: وحكى عن عمر وابن عمر وأبى هريرة والزهرى وإبراهيم
النخعى وغيرهم. واحتجوا بقوله تعالى ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر) قالوا ظاهره
فعليه عدة أو فالواجب عدة وتأوله الجمهور بأن التقدير فأفطر فعدة واحتجوا أيضاً بما فى حديث ابن
عباس عند الشيخين إن التي تُؤثم خرج من المدينة على رأس ثمان سنين وقصف، ومعه عشرة آلاف إلى مكة
يصوم ويصومون، حتى إذا بلغ الكديد أفطر وأفطروا. وإنما يوخذ من أمر رسول اللّه مؤله بالآخر فالآخر،
ففيه أن الافطار فى السفر كان آخر الأمرين ، وإن الصحابة كانوا يأخذون بالآخر فالآخر من فعله فدل على أن
٢

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٤ - باب صوم المسافر
صومه مَّ فى السفر منسوخ. وأجاب الجمهور عن ذلك بأن هذه الزيادة مدرجة من قول الزهرى كما جزم
بذلك البخارى فى الجهاد ، و کذلك وقعت عند مسلم مدرجة ، وبأن النی ٹے صام بعد هذه القصة کما فی حدیث
أبى سعيد عند أحمد ومسلم. أنه يؤثر صام بعد هذه القصة فى السفر، ولفظه سافرنا مع رسول الله يرفع إلى مكة
ونحن صيام فنزلنا منزلا، فقال النبي مرة إنكم قد دنوسم من عدوكم، والفطر أقوى لكم فافطروا ، فكانت رخصة
فمنا من صام، ومنا من أفطر فنزلنا منزلا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم مصبحو عدوكم فالفطر أقوى
لكم فافطروا، فكانت عزيمة فافطرنا، ثم لقد رأيتنا نصوم مع رسول اللّه مَيضم بعد ذلك فى السفر. واحتجوا
أيضاً بقوله ◌َ اللّه ليس من البر الصوم فى السفر ومقابل البر الإثم وإذا كان آنما بصومه لم يجزئه وأجاب عنه
الجمهور بأنه مَّ إنما قال ذلك: فى حق من شق عليه الصوم كما سيأتي بيانه ولا شك إن الافطار مع المشقة
الزائدة أفضل ، وأيضا ففى البر لا يستلزم عدم صحة الصوم . وقال الشافعى: يحتمل أن يكون المراد ليس من البر
المفروض الذى من خالفه إثم. وقال الطحاوى: المراد بالبر هنا البر الكامل الذى هو أعلى المراتب، وليس المراد
به إخراج الصوم فى السفرعن أن يكون برا، لأن الافطار قد يكون أبر" من الصوم إذا كان للتقوى على لقاء العدو.
وقال الشافعى أيضا: نفى البر المذكور فى الحديث محمول على من أبى قبول الرخصة، وقد روى النسائى الحديث بلفظ
ليس من البرأن قصوموا فى السفرو عليكم برخصة الله التى رخص لكم فاقبلوا. قال ابن القطان: اسنادها حسن متصل
يعنى الزيادة ورجح ابن خزيمة الأول. واحتجوا أيضا بقوله:مؤلفه فى حديث جابر فى الفصل الثالث أولئك العصاة
أولئك العصاة. وأجاب عنه الجمهور بأنه إنما نسبهم إلى العصيان لأنه عزم عليه خالفوا واحتجوا أيضا بحديث
عبد الرحمن بن عوف الآتى فى الفصل الثالث وأجيب عنه بأنه حديث ضعيف، والراجح إنه موقوف كما سيأتى
وعلى تقدير صحته فهو محمول على الحالة التى يكون الفطر فيها أولى من الصوم كمالة المثقة جمعاً بين الأداة واحتجوا
أيضا بحديث أنس بن مالك الكعبى الآتى فى الفصل الثانى. وأجيب عنه بأنه مختلف فيه كما سيأتى، وعلى تسليم
صحته، فالوضع لا يستلزم عدم صحة الصوم فى السفر وهو محل النزاع. وذهب أكثر العلماء منهم مالك
والشافعى وأبو حنيفة إلى أن الصوم افضل لمن قوى عليه ولم يشق به ، ويروى ذلك عن أنس وعثمان بن أبي العاص
واحتجوا بحديث سلمة بن المحبق الآتى، ولأن الصوم تعلق بالذمة فالمبادرة إلى ابراء ما أولى فربما طرأ من المواقع
والاشتغال بخلاف القصر فان الذمة تبرأ فيه بما يؤتى. وقال كثير منهم الفطر أفضل عملا بالرخصة،
وهو قول الأوزاعى وأحمد وإسحاق. وقال آخرون هو خير مطلقا وروى عن ابن عباس وأبي سعيد وسعيد
٣

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٤ - باب صوم المسافر
متفق عليه .
٢٠٤٠ - (٢) وعن أبى سعيد الخدرى، قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لست
عشرة مضت من شهر رمضان ،
ابن المسيب وعطاء والحسن ومجاهد والليث. وقال آخرون أفضلهما أيسر هما لقوله تعالى. ( يريد الله بكم
اليسر - البقرة: ١٨٥﴾ فان كان الفطر أيسر عليه فهو أفضل فى حقه، وإن كان الصيام أيسركن يسهل عليه حينئذ
ويشق عليه قضاءه بعد ذلك فالصوم فى حقه أفضل، وهوقول عمر بن عبد العزيز واختاره ابن المنذر. قال الشوكانى.
والأولى أن يقال من كان يشق عليه الصوم ويضره، وكذلك من كان معرضا عن قبول الرخصة فالفطر أفضل
له. أما الطرف الأول فذما تقدم من الأدلة فى حجج القائلين بالمنع من الصوم. وأما الطرف الثانى فلحديث إن الله
يحب أن توتى رخصه، وقد تقدم. ولحديث من رغب عن سنتي فليس منى ، وكذلك يكون الفطر أفضل فى حق من
خاف على نفسه العجب أو الرياء إذا صام فى السفر، وقد أشار الى ذلك ابن عمر، فروى الطبرى عن ابن عمر أنه قال،
إذا سافرت فلا تصم ، فانك إن تصم. قال أصحابك: أكفوا الصائم إرفعوا للصائم وقاموا بأمرك، وقالوا فلان
صائم، فلاتزال كذلك حتی یذهب أجرك . وأخرج نحوه عن أبى ذر، ومثل ذلك حديث أنس الآتى بعد حديثین
وما كان من الصيام خاليا عن هذه الأمور فهو أفضل من الافطار - انتهى. (متفق عليه) واللفظ للبخارى،
وأخرجه أيضا أحمد، ومالك والترمذى وأبو داود، والنسائى وابن ماجه والدارمى والبيهقى وغيرهم.
٢٠٤٠ - قوله (غزونا مع رسول الله {لل) فيه تجريد أو تأكيد لأن الغزوة لا تكون إلا معه بخلاف
السرية والمراد غزوة فتح مكة (است عشرة) أى ليلة (مضت من شهر رمضان) كذا فى جميع النسخ ، وفى مسلم
من رمضان أى باسقاط لفظ شهر، وهكذا وقع فى جامع الأصول (ج ٧ ص ٢٦٢) والمصابيح، واختلفت
الروايات فى تعيين التأريخ ففى رواية لمسلم لثمان عشرة خلت وفى رواية ثنتى عشرة ، وفى رواية لسبع عشرة أو تسع
عشرة ، والمشهور فى كتب المغارى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج فى غزوة الفتح من المدينة لمشرخلون
من رمضان، ودخلها لتسع عشرة خلت . قال الحافظ: فى الصيام من الفتح بعد الاشارة إلى اختلاف الرواة فى
ضبط ذلك فى حديث أبي سعيد ما لفظه ، والذى اتفق عليه أهل السير أنه خرج فى عاشررمضان، ودخل مكة لتسع
عشرة ليلة خلت منه. وقال فى المغازی : أخرج البيهقى من طريق ابن أبى حفصة عن الزهرى قال : صبح رسول
الله صلى الله عليه وسلم مكة لثلاث عشرة خلت من رمضان، وروى أحمد باسناد صحيح من طريق قرعة بن يحي
عن أبي سعيد قال: خرجنا مع النبي ◌َ ◌ّ عام الفتح لليلتين خلتا من شهر رمضان، هذا يعين يوم الخروج. وقول
٤

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧- كتاب الصوم
٤ - باب صوم المسافر
فمنا من صام ومنا من أفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم. رواه مسلم.
٢٠٤١ - (٣) وعن جابر، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سفر فرأى زحاما ورجلا
الزهرى يعين يوم الدخول. ويعطى أنه أقام فى الطريق إثنى عشر يوما. وأما ما قال الواقدى: أنه خرج لمشر
خلون من رمضان ، فليس بقوى لمخالفته ما هوأصح منه، وفى تعيين هذا التأريخ أقوال أخرى . منها عند مسلم
لست عشرة، ولأحمد لثمانى عشرة وفى أخرى اثنتى عشرة، والجمع بين هاتين يحمل إحداهما على ما مضى،
والأخرى على ما بقى والذى فى المغازى دخل لتسع عشرة مضت وهو محمول على الاختلاف فى أول الشهر، ووقع
فى أخرى بالشك فى تسع عشرة، أوسبع عشرة. وروى يعقوب بن سفيان من رواية ابن إسحاق عن جماعة من
مشائخه ، إن الفتح كان فى عشربقين من رمضان ، فإن ثبت حمل على أن مراده أنه وقع فى العشر الأوسط قبل أن
يدخل العشر الأخير - انتهى. فتأمل. قال ابن الملك: فى الحديث دلالة على غلط من قال إن أحداً إذا أنشأ السفر
فى أثناء رمضان لم يجز له أن يفطر (فمنا من صام) وهم الأقوياء (ومنا من أفطر) وثم الضعفاء (فلم يعب) بفتح
الياء وكسر العين أى لم يلم، وفى رواية فلا يجد أى لا يغضب (الصائم على المفطر) لأنه عمل بالرخصة (ولا المفطر
على الصائم) لعمله بالعزيمة يعنى لم ينكرالصائم على المفطر إفطاره دينا ولا المفطر على الصائم صومه، فهما جائزان
وزاد فى رواية يرون إن من وجد قوة فصام ، فان ذلك حسن ويرون إن من وجد ضعفا فافطر فان ذلك حسن.
قال النووى: هذا صريح بترجيح مذهب الأكثرين وهو تفصيل الصوم لمن اطاقه بلا ضرر ولا مشقة ظاهرة.
وقال بعض العلماء: الفطر والصوم سواء، لتعادل الأحاديث. والصحيح قول الأكثرين - انتهى. وقال الحافظ فى
الفتح: بعد ذكر هذا الحديث ما لفظه، وهذا التفصيل هو المعتمد وهو رافع للنزاع - انتهى. (رواه مسلم)
وأخرجه أيضا الترمذى والنسائى والطحاوى (ج ١ ص ٣٣٣) والبيهقى (ج٤ ص ٢٤٤، ٢٤٥) وفى الباب عن
أنس عند الشيخين وأبي داود والطحاوى والبيهقى وعن جابر عند مسلم والنسائى والطحاوى والبيهقى.
٢٠٤١ - قوله ( كان رسول اللّه ◌ُوافته فى سفر) فى غزوة الفتح كما فى حديث جابر الآتى فى الفصل
الثالث. قال الحافظ: تبين من رواية جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر إنها غزوة الفتح - انتهى. يريد بذلك
حديث جابر الآتى فانه رواه مسلم والترمذى والنسائى وغيرهم، من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر
(فرأى زحاما) بكسر الزاى إسم لازحمة، والمراد هنا الوصف بمحذوف أى فرأى قوما مزدحمين. وقيل: أى رأى
مزاحمة فى الاجتماع على غرض الاطلاع ( ورجلا ) قال الحافظ: لم أقف على اسم هذا الرجل ولولا ما قدمته
من أن عبد الله بن رواحة استشهد قبل غزوة الفتح لأمكن أن يفسر به لقول أبى الدرداء أنه لم يكن من الصحابة
فى تلك السفرة صائما غيره - انتهى. وقيل: أنه أبو اسرائيل القرشى العامرى واسمه قيس، وفيه نظر. فان
/

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٤ - باب صوم المسافر
قد ظُلْلَ عليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: صائم. فقال: ليس من البر الصوم فى السفر.
بين القصتين مغايرات ظاهرة، أظهرما إن أبا اسرائيل كان فى الحضر فى المسجد، ففي مسند أحمد إن النبي مَ ◌ّة
دخل المسجد وأبو اسرائيل يصلى فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم هو ذا يا رسول الله؟ لا يقعد ولا يكلم الناس
ولا يستظل ولا يفطر، فقال ليقعد وليتكلم وليستظل وليفطر. وروى الخطيب عن ابن عباس كان رسول الله راح
يخطب يوم الجمعة فنظر إلى رجل من قريش يقال له أبو اسرائيل، فقالوا: نذر أن يصوم ويقوم فى الشمس -
الحديث. وأما صاحب القصة فى حديث جابر فكان فى السفر تحت الظل والله أعلم (قد ظلل عليه) بتشديد اللام
الأولى على بناء المفعول أى جعل عليه شىء يظله من الشمس لغلبة العطش عليه وحر الصوم، وفى رواية للنسائى
رأى ناسا مجتمعين على رجل فسأل فقالوا: رجل أجهده الصوم ، وفى أخرى مر برجل فى ظل شجرة يرش عليه
الماء. قال ما بال صاحبكم (فقال ما هذا) أى ما حال صاحبكم هذا، وقيل أى ما هذا الزحام أو التظليل (قالوا)
أى من حضر من الصحابة (صائم ) أى وقد أجهده الصوم وشق عليه (ليس من البر ) بكسر الياء أى ليس من
الطاعة والعبادة (الصوم فى السفر) قال الزركشي: ((من)) زائدة لتأكيد النفى. وقيل: للتبعيض وليس بشىء،
وتعقبه البدر الدمامينى، فقال: هذا عجيب لأنه أجاز ما المانع منه قائم، ومنع ما لا مانع منه ، وذلك ان من
شروط زيادة من أن يكون مجرورها فكرة ، وهو فى الحديث معرفة. وهذا هو المذهب المعول عليه وهو مذهب
البصريين خلافا للاخفش والكوفيين، وأما كونها للتبعيض فلالمنعه وجه إذ المعنى إن الصوم فى السفر ليس معدودا .
من أنواع البر كذا ذكره القسطلانى، وقد تقدم ان بعض الظاهرية تمسكوا به على عدم انعقاد صوم الفرض فى
السفر وسلك المجيزون، وهم عامة أهل العلم فيه طرقا. فقال الخطابى (ج ٢ ص ١٢٤) هذا الكلام خرج على
سبب فهو مقصور عليه وعلى من كان فى مثل حاله كأنه قال ليس من البر أن يصوم المسافر، اذا كان الصوم
يؤديه إلى مثل هذه الحال بدليل صيام النبي صلى الله عليه وسلم فى سفره عام الفتح، ويدليل خبر حمزة الأسلمى
وتخييره بين الصوم والافطار، ولو لم يكن الصوم برا لم يخيره فيه، ولو كان إنما لكان أبعد الناس منه، وإلى هذا
جنح البخارى حيث بوب على هذا الحديث بلفظ: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن ظلل عليه واشتد الحر
ليس من البر الصوم فى السفر. قال الحافظ: أشار بهذه الترجمة إلى أن سبب قوله بمافى ذلك ما ذكر من المشقة،
وان من روى الحديث مجردا. فقد اختصر القصة، وبما أشار اليه من اعتبار المشقة يجمع بين حديث الباب،
والذى يدل على صومه فى السفر - انتهى. وقال ابن دقيق العيد (ج٢ ص٢٢٥) أخد من هذا إن كراهة الصوم
فى السفر لمن هو فى مثل هذه الحالة من يجهده الصوم ويشق عليه أو يؤدى به الى ترك ما هو أولى من الصوم من
وجوه القرب، فينزل قوله ليس من البر الصوم فى السفر على مثل هذه الحالة. قال: والظاهرية المافعون من
٦

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٤ - باب صوم المسافر
متفق عليه .
الصوم فى السفر يقولون ان اللفظ عام والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، قال ويجب أن يتنبه للفرق بين
دلالة السبب والسياق والقرائن على تخصيص العام ، وعلى مراد المتكلم وبين مجرد ورود العام على سبب ، فان بين
العامين فرقا واضحا ومن أجراهما مجرى واحدا لم يصب ، فان مجرد ورود العام على سبب لا يقتضى التخصيص
به كنزول آية السرقة فى قصة سرقة رداء صفوان، وأما السياق والقرائن فأنها الدالة على مراد المتكلم ، وهى
المرشدة إلى بيان المجملات وتعيين المحتملات كما فى حديث الباب. وقال ابن المنير : هذه القصة تشعر بأن من
اتفق له مثل ما اتفق لذلك الرجل أنه يساويه فى الحكم، وأما من سلم من ذلك ونحوه فهو فى جواز الصوم على
أصله. وقال الطحاوى: المراد بالبر هنا البر الذى هو إبر البر وأعلى مراتب البر، وليس المراد بذلك اخراج
الصوم فى السفر من أن يكون برا، لأنه قد يكون الافطار إبر منه، اذا كان للتقوى على لقاء العدو، مثلا والمعنى
ليس من البر الذى هو إبر البر وأعلى مراتب البر الصوم فى السفر، وإن كان الصوم فى السفر برا إلا أن غيره من
البر وهو الافطار قد يكون أبر منه اذا كان يراد به القوة للقاء العدو. قال وهو نظير قوله صلى الله عليه وسلم
ليس المسكين بالطواف - الحديث. فانه لم يرد به إخراجه إياه من أسباب المسكنة كلها، ولكنه أراد بذلك
ليس هو المسكين المتكامل المسكنة، ولكن المسكين الكامل المسكنة الذى لا يسأل الناس ولا يعرف فيتصدق عليه
وحمل الشافعى ففى البر المذكور فى الحديث على من أبى قبول الرخصة فقال معنى قوله ليس من البر أن يبلغ
رجل هذا بنفسه فى فريضة صوم ولا نافلة، وقد ارخص الله تعالى له أن يفطر وهو صحيح. قال ويحتمل أن
يكون معناه ليس من البر المفروض الذى من خالفه إثم، كذا فى الفتح. وقال السندى: ظاهر الحديث إن ترك الصوم
أولى ضرورة إن الصوم مشروع طاعة فاذا خرج عن كونه طاعة فينبغى أن لا يجوز ولا أقل من كون الأولى تركه
ومن يقول إن الصوم هو الأولى فى السفر يستعمل الحديث فى مورده أى ليس من البر، إذا بلغ الصائم هذا المبلغ
من المشقة، وكأنه مبنى على تعريف الصوم للعهد، والاشارة الى مثل صوم ذلك الصائم، نعم الأصل هو عموم اللفظ
لا خصوص المورد. لكن اذا أدى عموم اللفظ الى تعارض الأدلة يحمل على خصوص المورد كما هنا . وقيل:
من فى قوله ((ليس من البر)) زائدة، والمعنى ليس هو البر بل قد يكون الافطار ابر منه اذا كان فى حج أو جهاد
ليقوى عليه. والحاصل إن المعنى على القصر لتعريف الطرفين. وقيل: محمل الحديث على من يصوم ولا يقبل
الرخصة - انتهى. (متفق عليه) واللفظ للبخارى وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائى والدارمى والطحاوى.
(ج ١ ص ٣٢٩) والبيهقى (ج ٤ ص ٢٤٢) وفى الباب عن ابن عمر عند ابن ماجه والطحاوى وعن كعب بن
٧

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٤ - باب صوم المسافر
٢٠٤٢ - (٤) وعن أنس، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم: فى السفر، فمنا الصائم ومنا
المفطر، فنزلنا منزلا فى يوم حار. فسقط الصوامون، وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذهب المفطرون اليوم بالأجر.
عاصم الأشعرى عند أحمد (ج ٥ ص ٤٣٤) والنسائي وابن ماجه والدارمى وعبد الرزاق والطبر انى فى الكبير
والطحاوى والبيهقى: وعن أبي برزة الأسلمى عند أحمد والبزار والطبرانى فى الأوسط ، وعن ابن عباس عند البزار
والطبرانى فى الكبير وأبن عدى وعن عبد الله بن عمر وعند الطبرانى فى الكبير، وعن عمار بن ياسر عند الطبر انى
أيضا، وعن أبى هريرة عند ابن عدى. ذكر هذه الأحاديث الهيشمى (ج ٣ ص ١٦١) والعينى (ج ١١ ص ٤٨)
مع الكلام عليها وروى يلفظ: ليس من أمُسِيرٍ امصيامٌّ فى السفر أخرجه أحمد (ج٥ ص٤٣٤) وعبد الرزاق
فى مصنفه، والطبرانى فى معجمه من حديث كعب بن عاصم الأشعرى. قال الزمخشرى : هى لغة طى فانهم يبدلون
اللام مما. وقال الجزرى فى جامع الأصول: ( ج ٧ ص ٥٤٦) الميم يدل من لام التعريف فى لغة قوم من اليمن
فلا ينطقون بلام التعريف ويجعلون مكانها الميم - انتهى، ورواه النسائي وابن ماجه والدارمى والطحاوى والبيهقى
(ج ٤ ص ٢٤٢) بلفظ : ليس من البر الصوم فى السفر.
٢٠٤٢ - قوله (فمنا الصائم) أريد به الجنس ( ومنا المفطر) وفى رواية فصام بعض وأفطر بعض.
وفيه دليل على جواز الصوم فى السفر لتقرير النبي صلى الله عليه وسلم للصائمين على صومهم (فنزلنا منزلا فى يوم
حار) وقع بعد هذا أكثر ناظلا صاحب الكساء ومنا من يتقى الشمس بيده (فسقط الصوامون) جمع صوام
يفتح المهملة بصيغة المبالغة كذا فى جميع النسخ من المشكاة ، وهكذا وقع فى المصابيح، والذى فى صحيح مسلم
فسقط الصُوام، وهكذا نقله الجزرى فى جامع الأصول (ج٧ ص٢٥٩) والمنذرى فى الترغيب والحافظ فى الفتح
وكذا وقع فى عمدة الأحكام ، وكذا عند النسائى والطحاوى والبيهقى. والصوام بضم المهملة كحكام جميع
صائم، أى عجزوا عن العمل، وما قدروا على قضاء حاجتهم . وقال القارى: أى ضعفوا عن الحركة ومباشرة
حواتجهم لأجل ضعفهم (وقام المفطرون ) أى بالخدمة (فضربوا الأبنية) أى نصبوا الخيام جمع بناء. والمراد
البيوت التى يسكنها العرب فى الصحراء كالخباء والقبة (وسقوا الركاب) بكسر الراء أى الابل التى يسار عليها
واحدها راحلة، ولا واحد لها من لفظها ( ذهب المفطرون اليوم بالأجر) الوافر وهو أجر ما فعلوه من خدمة
الصائمين بضرب الأبنية والسقى وغير ذلك لماحصل منهم من النفع المتعدى، ومثل أجر الصوام لتعاطيهم إشغالهم
وأشغال الصوام. وأما الصائمون حصل لهم أجر صومهم القاصر عليهم ولم يحصل لهم من الأجر ما حصل
٨

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٤ - باب صوم المسافر
متفق عليه .
٢٠٤٣ - (٥) وعن ابن عباس، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة،
فصام حتى بلغ عسفان،
الفطرين من ذلك. قال الحافظ: قوله بالأجر، أى الوافر وليس المراد نقص أجر الصوام بل المراد أن المفطرين
حصل لهم أجر عملهم ومثل أجر الصوام لتعاطيهم إشغالهم. وإشغال الصوام، فلذلك قال بالأجر كله لوجود الصفات
المقتضية لتحصيل الأجر منهم. وقال القارى: أى بالثواب الأكمل لأن الافطار كان فى حقهم حينئذ أفضل. وفى ذكر
اليوم إشارة إلى عدم إطلاق هذا الحكم. وقال الطيبي: أى إنهم مضوا واستصحبوا الأجر ولم يتركوا لغيرهم
شيئا منه على طريقة المبالغة، يقال ذهب به اذا استصحبه ومضى به معه - انتهى . يعنى بالأجر كله أو بكل الأجر
مبالغة - انتهى كلام القارى. وقال ابن دقيق العيد: فيه وجهان: أحدهما، أن يراد بالأجر أجر تلك الأفعال
التى فعلوها والمصالح التى جرت على أيديهم ولا يراد مطلق الأجر على سبيل العموم. والثانى أن يكون أجرهم قد
بلغ فى الكثرة بالنسبة إلى أجر الصوم مبلغا ينغمر فيه أجر الصوم، فتحصل المبالغة بسبب ذلك ويجعل كأن الأجر
كله للفطر - انتهى. وفى الحديث إنه اذا تعارضت المصالح قدم أولاها وأقواها. قال الحافظ. وفيه الحض
على المعاونة فى الجهاد ، وإن الفطر فى السفر أولى عن الصيام وإن الصيام فى السفر جائز خلافا لمن قال لا ينعقد
وليس فى الحديث بيان كونه اذ ذاك كان صوم فرض أو تطوع (متفق عليه) أخرجه البخارى فى باب فضل الخدمة
فى الغزو من كتاب الجهاد، وهو من الأحاديث التى أوردها فى غير مظنتها لكونه لم يذكره فى الصيام، واقتصر على
إيراده هنا، وأخرجه مسلم فى الصيام وكذا النسائى والطحاوى (ص ٣٣٣) والبيهقى (ج ٤ ص ٢٤٣) واللفظ
المذكور لمسلم. ولفظ البخارى قال أنس كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم أكثرنا ظلا الذى يستظل بكساءه.
وأما الذين صاموا فلم يعملوا شيئا. وأما الذين افطروا فبعثوا الركاب وامتهنوا وعالجوا فقال النبي ◌َّم ذهب
المفطرون اليوم بالأجر .
٢٠٤٣ - قوله (عن ابن عباس) قال أبو الحسن القابسى: هذه الحديث من مرسلات الصحابة لأن ابن
عباس كان فى هذه السفرة مقيما مع أبويه بمكة فلم يشاهد هذا القصة فكانه سمعها من غيره من الصحابة (خرج
رسول اللّه ◌َفّم من المدينة إلى مكة) أى فى غزوة الفتح فى رمضان كما فى رواية ( فصام حتى بلغ عسفان)
بضم العين وسكون السين المهملتين. قيل: هو موضع على مرحلتين من مكة. وقال عياض: هى قرية جامعة بها
منبر على ستة وثلاثين ميلا من مكة. قال النووى بعد ذكره: والمشرور أنها على أربعة برد من مكة وكل بريد أربعة

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٤ - باب صوم المسافر
ثم دعا بماء فرفعه إلى يده
فراسخ وكل فرسخ ثلاثة أميال، فالجملة ثمانية وأربعون ميلا هذا هو الصواب المعروف الذى قاله الجمهور - انتهى.
ووقع فى رواية للشيخين حتى بلغ الكديد بفتح الكاف وكسر الدال الأولى وهو موضع بينه وبين المدينة سبع
مراحل أو نحوها وبينه وبين مكة قريب من من « لتين قاله النووى. وقال عياض: هى عين جارية على اثنين
وأربعين ميلا من مكة . وقال الحافظ: وقع فى رواية حتى بلغ عسفان بدل الكديد، وفيه مجاز القرب لأن الكديد
أقرب إلى المدينة من عسفان، وبين الكديد ومكة من حلتان. قال البكرى: هو بين أج بفتحتين وجيم وعفان
وهو ماء عليه نخل كثير - انتهى. ووقع فى رواية لأحمد والنسائى حتى أتى قديدا بضم القاف على التصغير ،
وهو موضع قرب عسفان. ووقع فى حديث جابر الآتى. فلما بلغ كراع الغميم هو بضم الكاف والنعيم بفتح
المعجمة، وهو اسم وإد امام عسفان بثمانية أميال يضاف اليه هذا الكراع، وهو جبل أسود متصل به. وقال
فى المجمع : كراع الغميم اسم موضع بين مكة والمدينة، والكراع جانب مستطيل من الحرة تشبيها بكراع الغنم،
وهو مادون الركبة من الساق، والغميم بالفتح واد بالحجاز. قال عياض: اختلفت الروايات فى الموضع الذى
أفطر صلى الله عليه وسلم فيه والكل فى سفر واحد فى غزاة الفتح. قال وسميت هذه المواضع فى هذه الأحاديث
لتقاربها وإن كانت عسفان متباعدة شيئا عن هذه المواضع. لكنها كلها مضافة اليها ومن عملها فاشتمل اسم
عسفان عليها. قال وقد يكون علم حال الناس ومشقتهم فى بعضها فافطر وامرثم بالفطر فى بعضها - انتهى.
(ثم دعا بماء) وفى رواية للبخارى دعا بإناء من لبن أو ماء بالشك، وفى رواية لأحمد والنسائى ثم أتى بقدح من لبن
وكذا وقع عند الطحاوى. قال الداودى: يحتمل أن يكون دعا بهذا أى الماء مرة وبهذا أى اللبن مرة ، وتعقبه
الحافظ بأنه لا دليل على التعدد فان الحديث واحد والقصة واحدة. وإنما وقع الشك من الراوى فتقدم عليه
رواية من جزم، وأبعد ابن التين فقال: كانت قصتان إحداهما فى الفتح والأخرى فى حنين - انتهى. ولم يجب
الحافظ عن روايات الجزم باللبن. وقيل: فى توجيهها أنه شرب الماء فى موضع أو فى مواضع وشرب اللبن فى
موضع آخر وأراهم الفطر مرتين أو مرات لكثرة الناس والله أعلم ( فرفعه) أى الماء منتهيا (الى) أقصى حد
( يده) بالأفراد وفى رواية يديه بالتثنية. قال القارى: الجار والمجرور حال أى رفع الماء منتهيا إلى أقصى مديده
أى الى غاية طولها. قال الزركشى والبرماوى: كذا الأكثرين وفى رواية ابن السكن الى فيه وهو الأظهر إلا أن
تؤل لفظة الى فى رواية الأكثرين بمعنى على ليستقيم الكلام، وتعقبه فى المصابيح بأنه لا يعرف أحدا ذكر ((الى)) بمعنى
على قال ، والكلام مستقيم بدون هذا التأويل. وذلك إن الى لانتهاء الغاية على بابها، والمعنى فرفع الماء من أتى به
رفعا قصد به رؤية الناس له ، فلا بد أن يقع ذلك على وجه يتمكن فيه الناس من رؤيته ولا حاجة مع ذلك الى
١٠

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٤ - باب صوم المسافر
ليراء الناس فأفطر حتى قدم مكة، وذلك فى رمضان. فكان ابن عباس يقول: قد صام رسول الله
صلى الله عليه وسلم وأفطر. فمن شاء صام ومن شاء أفطر.
إخراج الى عن بابها. وقال الكرمانى: كالطيبى أو فيه تضمين، أى - انتهى. الرفع الى أقصى غايتها، ويمكن
أن يكون بمعنى ((فى)) الظرفية كقوله تعالى ﴿ليجمعنكم الى يوم القيامة - النساء: ٨٧﴾ أى فرفعه حال كونه فى يده
(ليراه الناس) بفتح التحتية والراء والناس بالرفع، لأنه فاعله، والضمير المنصوب فيه مفعوله. قال الحافظ: كذا
للأكثر وفى رواية المستعلى ليريه بضم أوله وكسر الراء وفتح التحتانية، والناس نصب على أنه مفعول ثان، ليريه لأنه
من الاراءة وهى تستدعى مفعولين ، واللام للتعليل فى الوجهين . والمعنى رفع الماء حتى ينظر الناس اليه فيقتدوا به
فى الافطار لأن الصيام أضّر بهم، وكان لا يأمن الضعف عن القتال عندلقاء عدوهم، يفهم منه إن أفضلية الفطر
لا تختص بمن أجهده الصوم أو خشى العجب والرياء، أو ظن به الرغبة عن الرخصة بل يلحق بذلك من يقتدى به
لميتابعه من وقع له شىء من الأمور الثلاثة ويكون الفطر فى حقه فى تلك الحالة أفضل لفضيلة البيان (فانظر) أى
بعد العصر كما فى حديث جابر واستمر مفطرا (حتى قدم مكة وذلك) أى ما ذكر من الصوم والافطار كان
(فى رمضان ) سنة ثمان (فكان ابن عباس يقول قد صام رسول الله صلى الله عليه وسلم) أى فى رمضان سنة ثمان
جال السفر (فمن شاء صام ومن شاء أفطر) أى لا حرج على أحدهما، وفيه دلالة لمذهب الجمهور فى جواز الصوم
والفطر جميعا. قال الحافظ: فهم ابن عباس من فعله معَّم ذلك إنه لبيان الجواز لاللاً ولوية. وقد تقدم فى حديث
أبى سعيد عند مسلم ما يوضح المراد، وسيأتى أيضا فى حديث جابر. قال فى شرح السنة: لا فرق عند عامة أهل
العلم بين من ينشىء السفر فى شهر رمضان، وبين من يدخل عليه شهر رمضان وهو مسافر. وقال عبيدة السلمانى: اذا
أنشأ السفر فى شهر رمضان لا يجوز له الافطار لظاهر قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه - البقرة: ١٨٥)
وهذا الحديث حجة على القائل. ومعنى الآية الشهر كله، فأما من شهد بعضه فلم يشهد الشهر - انتهى. قال القارى:
والأظهر إن معنى الآية فمن شهد منكم شيئا منه من غير مرض وسفر - انتهى. وقال الحافظ : استدل بالحديث
على أن المسافر أن يفطر فى أثناء النهار ، ولو استهل رمضان فى الحضر. والحديث نص فى الجواز اذ لا خلاف فى
أنه صلى الله عليه وسلم استهل رمضان فى عام غزوة الفتح وهو بالمدينة ثم سافر فى أثناءه، وقد ترجم عليه البخارى
بلفظ: باب اذا صام أياما من رمضان ثم سافر. قال الحافظ: كأنه أشار إلى تضعيف ما روى عن على والى رد
ما روى عن غيره فى ذلك . قال ابن المنذر: روى عن على باسناد ضعيف، وقال به عبيدة بن عمر وأبو مجلز وغيرهما
إن من استهل عليه رمضان فى الحضر ثم سافر بعد ذلك فليس له أن يفطر لقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر
١١

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٤ - باب صوم المسافر
فليصمه) قال: وقال أكثر أهل العلم لا فرق بينه وبين من استهل رمضان فى السفر، ثم ساق ابن المنذر باسناد
صحيح عن ابن عمر قال: قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه) نسخها قوله، ومن كان مريضا أو على سفر
الآية ثم احتج الجمهور بحديث ابن عباس هذا - انتهى. واستدل به على أن المرأ أن يفطر ولو نوى الصوم
من الليل وأصبح صائما فله أن يفطر فى أثناء النهار وهو قول الجمهور، وقطع به أكثر الشافعية ، وفی وجه ليس
له أن يفطر وكأن مستند قائله ما وقع فى البويطى من تعليق القول به على صحة حديث ابن عباس هذا، وهذا كله
فيما لو نوى الصوم فى السفر. قال ابن قدامة ( ج ٣ ص ١٠١) إن توى المسافر الصوم فى سفره ثم بدا له أن
يفطر فله ذلك. واخلتف قول الشافعى فيه فقال مرة: لا يجوز له الفطر. وقال مرة أخرى، إن صح حديث
الكديد لم أر به بأسا أن يفطر. وقال مالك: إن أفطر فعليه القضاء والكفارة، ولنا حديث ابن عباس وهو حديث
صحيع متفق عليه. ثم ذكر حديث جابر فى إفطاره بعد العصر ثم قال: وهذا نص صريح فلا يعرج على من خالفه
- انتهى. وأجاب المانعون من الفطر عن حديث ابن عباس بأنه ليس بنص فى أنه صلى الله عليه وسلم بيت الصيام
فى ليلة اليوم الذى أفطر فيه، فيحتمل أن يكون لم ينو الصيام فى ذلك اليوم، لما كان من قصده أن يظل مفطرا
وشرب الماء بعد العصر ليريهم كونه غير صائم. قال الحافظ: واعترض بعض المانعين فى أصل المسئلة فقال ليس
فى الحديث دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم نوى الصيام فى ليلة اليوم الذى افطر فيه، فيحتمل أن يكون نوى أن
يصبح مفطرا ثم أظهر الافطار ليفطر الناس ، لكن سياق الأحاديث ظاهر فى أنه كان أصبح صائما أفطر. وقد
روى ابن خزيمة وغيره عن أبى هريرة قال كنا مع النبي مُؤثّ يمر الظهران فأتى بطعامٌ، فقال لأبى بكر وعمر ادنوا
فكلا، فقالا إنا صائمان، فقال إعملوا لصاحبيكم إرحلوا لصاحبيكم ادنوا فكلا. قال ابن خزيمة: فيه دليل على
أن الصائم فى السفر الفطر بعد مضى بعض النهار - انتهى. وأجاب بعض المالكية عن حديث ابن عباس بأنه
إنما أفطر بعد أن بيت الصيام للضروة كالتقوى للعدو والمشقة الحاصلة له ولهم. ولو نوى الصوم من الليل
وهو مقيم ثم سافر فى أثناء النهار فهل له أن يفطر فى ذلك النهار ، منعه الجمهور . وقال أحمد واسحاق: بالجواز،
واختاره المزنى محتجا بهذا الحديث، ظنا منه أنه يتم أفطر فى اليوم الذى خرج فيه من المدينة وليس كذلك، فإن بين.
المدينة والتكديد عدة أيام. قال النووي: قد غلط بعض العلماء فى فهم هذا الحديث، فتوهم أن الكديد وكراع الغميم
قريب من المدينة، وإن بلوغه الكديد وكراع الغميم كان فى اليوم الذى خرج فيه من المدينة ، فزعم أنه خرج من.
المدينة صائما، فلما بلغ كراع الغميم فى يومه أفطر من نهاره. واستدل به على أنه اذا سافر بعد طلوع الفجر صائماً
له أن يفطر فى يومه، ومذهب الشافعى والجمهور أنه لا يجوز الفطر فى ذلك اليوم، وانما يجوز لمن طلع عليه الفجر
١٢

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧- كتاب الصوم
٤ - باب صوم المسافر
متفق عليه .
٢٠٤٤ - (٦) وفى رواية لمسلم عن جابر، أنه شرب بعد العصر.
فى السفر، واستدلاله بهذا الحديث من العجائب الغريبة. لأن الكديد وكراع الغميم على سبع مراحل أو أكثر
من المدينة - انتهى. قلت: لأحمد روايتان ، فيما اذا نوى الصوم من الليل وهو مقيم، ثم سافر فى أثناء النهار.
قال ابن قدامة ( ج ٣ ص ١٠٠) فى إباحة فطر اليوم الذى سافر فيه عن أحمد روايتان، إحداهما له أن يفطر ،
وهو قول عمرو بن شرحبيل والشعبى واسماق وداود وابن المنذر لحديث أبي بصرة الغفارى ، اذ أكل الغداء فى
السفينة حين رفع من الفسطاط فى شهر رمضان، وكان يرى البيوت أخرجه أبو داود، والرواية الثانية لا يباح
له الفطر ذلك اليوم، وهو قول مكحول والزهرى ومالك والأوزاعى والشافعى وأصحاب الرأى، لأن الصوم
عبادة تختلف بالسفر والحضر ، فاذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر. قال ابن قدامة: والأول أصح للخبر - انتهى.
ووافق الحنفية والمالكية فى المسئلتين لكن لا كفارة عند الحنفية. قال ابن عابدين: لو سافر بعد الفجر لا يحل
الفطر، وكذا لو نوى المسافر الصوم لا يحل فطره فى ذلك اليوم، فلو أفطر لاكفارة عليه - انتهى. وقال صاحب
فتح الملهم : وذهب الحنفية إلى عدم الجواز فى الصورتين، ولهذا استشكل ابن الهمام أحاديث الباب، ثم أجاب
عنها بمالا يقبله الوجدان السليم ، فعم نقل الشيخ الأنور رحمه الله عن التتارخانية أنه يحل الفطر للغزاة عند مسيس
الحاجة اليه مطلقا للتقوى على الجهاد والتأهب له، وحمل حديث الباب على تلك الحالة، وكذا حققه الحافظ بن
القيم فى الهدى - انتهى. قلت: والراجح عندى فى المسئلتين هو ما ذهب اليه أحمد ومن وافقه والله تعالى أعلم.
(متفق عليه) أخرجه البخارى فى الصيام وفى الجهاد وفى المغازى، ومسلم فى الصيام واللفظ المذكور البخارى فى
الصيام، وأخرجه أحمد سبع عشرة مرة، ومالك وأبو داود والنسائى والدارمى والطحاوى (ج ١ ص ٣٣١)
والبيهقى (ج ٤ ص ٢٤٠ - ٢٤٣) بألفاظ مطولا ومختصرا.
٢٠٤٤ - قوله (وفى رواية لمسلم عن جابر) أى فى هذه القصة (إنه) أى النبي ◌ُّه (شرب بعد العصر)
يعنى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما إلى وقت العصر، ثم أفطر ليعلم الناس إن الافطار فى السفر جائز
بل أولى عند المشقة. وأخرج هذه الرواية مسام من طريق عبد العزيز الدراوردى عن جعفر بن محمد عن أبيه
عن جابر بلفظ: فقيل إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت فدعا بقدح من ماء بعد العصر.
وأخرجها أيضا الترمذى والنسائى والبيهقى (ج ٤ ص ٢٤١) وذكر المصنف هذه الرواية لأنها أقرب بل أصرح
فى الدلالة، على أن من أصبح صائما فى السفر جاز له أن يفطر خلافا للحنفية والمالكية وبعض الشافعية.
١٣

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٤ - باب صوم المسافر
الفصل الثانى )
٢٠٤٥ - (٧) عن أنس بن مالك الكعبى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن
الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، والصوم عن المسافر
٢٠٤٥ - قوله (عن أنس بن مالك الكعبى ) صحابى نزل البصرة له ثلاثة أحاديث وله عند الأربعة هذا
الحديث فقط. روى عنه عبد الله بن سوادة وأبو قلابة. قال الحافظ فى الاصابة: أنس بن مالك الكمبي.
القشيرى أبو أمية: وقيل أبو أميمة. وقيل: أبو مية (بحذف الألف وتشديد التحتانية) نزل البصرة ، وروى عن
النبي صلى الله عليه وسلم حديثا فى وضع الصيام عن المسافر وله معه فيه قصة أخرجه أصحاب السنن وأحمد وصححه
الترمذى وغيره، ووقع فيه عند ابن ماجه (وكذا عند البيهقى) أنس بن مالك رجل من بنى عبد الأشهل وهو
غاط، وفى رواية أبى داود عن أنس بن مالك رجل من بنى عبد الله بن كعب إخوة قشير، وهذا هو الصواب.
وبذلك جزم البخارى فى ترجمته ، وعلى هذا فهو كعبى لا قديرى لأن قديرا هو ابن كعب ، ولكعب ابن اسمه
عبد الله فهو من إخوة قدير، لا من قشير نفسه. وقد تعقب الرشاطى قول ابن عبد البر فيه ((القشيرى، ويقال
الكعبى، وكعب أخو قشير)) بأن كعبا والد قشير، لاأخوه ـ انتهى. قال المنذرى: من يسمى بأنس بن مالك من
رواة الحديث خمسة اثنان صحابيان هذا، وأبو حمزة أنس بن مالك الأنصارى خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأنس بن مالك والد الامام مالك بن أنس بن مالك، روى عنه حديث فى اسناده نظر. والرابع، شيخ حمصى
حدث، والخامس كوفى حدث عن حماد بن أبى سليمان والأعمش وغيرهما - انتهى - (إن الله وضع عن المسافر)
أى رفع ابتداء عنه قاله القارى. وقال ابن حجر: وضع بمعنى أسقط، وإسقاط الشىء يقتضى اسقاط وجوبه
الأخص لا جوازه الأعم ، ففيه حجة لما عليه الشافعى إن القصر جائز لا واجب - انتهى. وقد رد عليه القارى
بأن موضوع وضع ليس بالمعنى الذى ذكر لا لغة ولا إصطلاحا . أما لغة فظاهر. وأما الاصطلاح الشرعى فقد
ورد أن الله تعالى وضع عن أمتى الخطأ والنسيان، أى كلفتهما وما يترتب عليهما من الحرج والاثم وكذا قوله
تعالى: ﴿ ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم - الاعراف: ١٥٧) - انتهى. (شطر الصلاة) أى نصف
الصلاة الرباعية لا الى بدل بخلاف الصوم ( والصوم ) بالنصب عطف على قوله شطر الصلاة (عن المسافر)
أى وضع عنه لزومه فى تلك الأيام وخيره بين أن يصوم تلك الأيام وبين عدة من أيام آخر . قال الطيبي:
وإنما ذكر عن المسافر بعد الصوم ليصح عطف عن المرضع عليه لأن شطر الصلاة ليس موضوعا عن المرضع -
- انتهى. ورواه أحمد بلفظ: إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم أو
١٤

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧- كتاب الصوم
٤ - باب صوم المسافر
وعن المرضع والحبلى.
الصيام : قال التور بشتى : الصوم منصوب والعامل فيه وضع ، وشتان بين الوضعين ، فإن الموضوع عن الصلاة
ساقط لاالى قضاء، ولا كذلك الصوم. وإنما ورد البيان على تقرير الرخصة فأتى بقضايا منسوقة فى الذكر مختلفة
فى الحكم ، وذلك لا تكاله على بيان التنزيل من قوله فعدة من أيام أخر ثم على علم المخاطبين بذلك - انتهى.
(وعن المرضع) لم تدخله التاء للاختصاص مثل الحائض (والحلى) أى اذا خافتا على الحمل والرضيع أو على
أنفسهما ثم هل هو وضع إلى قضاء أو فداء أولا، إلى قضاء ولا فداء - الحديث. ساكت عنه فكل من يقول ببعضه
لا بد له من دليل قاله السندى: قلت: حكى ابن قدامة والزرقانى إتفاق العلماء على وجوب القضاء من غير فدية ،
فيما اذا خافت الحامل والمرضع على أنفسهما . قال ابن قدامة (ج ٣ ص ١٣٩) إن الحامل والمرضع إذا خافتا
على أنفسهما فلهما الفطر. وعليهما القضاء حسب، لا نعلم فيه بين أهل العلم اختلافا لأنهما بمنزلة المريض الخائف
على نفسه. وقال الزرقانى: إذا خافتا على أنفسهما فلا فدية باتفاق أهل المذهب وهو اجماع ، الا عند من أوجب
الفدية على المريض - انتهى. وأما اذا خافتا على ولديهما فقط. وافطرتا فاختلفوا فيه على خمسة أقوال: أحدها
يطعمان ولا قضاء عليهما وهو مروى عن ابن عمر وابن عباس، رواه أبو داود والبزار والدارقطنى والبيهقى عن
ابن عباس ومالك وابن أبى حاتم والدار قطنى والبيهقى عن ابن عمر وهو أحد أقوال مالك . والثانى: أنهما يقضيان
فقط ولا إطعام عليهما. وبه قال عطاء والزهرى والحسن وسعيد بن جبير والنخعى وأبو عبيد وأبو ثور وأبو حنيفة
وأصحابه والأوزاعى والثورى، واستدل لهم يحديث الباب. قال الجصاص: ووجه الدلالة على هذا إخباره عليه
الصلاة والسلام بأن وضع الصوم عن الحامل والمرضع هو كوضعه عن المسافر، ألا ترى إن وضع الصوم الذى
جعله من حكم المسافر هو بعينه جعله من حكم المرضع والحامل، لأنه عطفهما عليه من غير استئناف ذكر شىء
غيره ، فثبت بذلك إن حكم وضع الصوم عن الحامل والمرضع هو فى حكم وضعه عن المسافر ، لا فرق بينهما،
ومعلوم إن وضع الصوم عن المسافر إنما هو على جهة إيجاب قضاءه بالافطار من غير فدية ، فوجب أن يكون ذلك
حكم الحامل والمرضع ، وفيه دلالة على أنه لا فرق بين الحامل والمرضع اذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما ، اذ
لم يفصل النبى صلى الله عليه وسلم بينهما، وأيضا لما كانت الحامل والمرضع يرجى لهما القضاء، وإنما أبيح لهما
الافطار للخوف على النفس أو الولد مع امكان القضاء وجب أن تكونا كالمريض والمسافر - انتهى. والثالث:
إنهما يقضيان ويطعمان وهو المشهور من مذهب الشافعى وهو ثانى أقوال مالك، واليه ذهب أحمد. والرابع:
إن الحامل تقضى ولا قطعم والمرضع تقضى وقطعم، وبه قال الليث وهو المشهور من أقوال مالك لأن
المرضع يمكن أن تسترضع لولدها بخلاف الحامل، ولأن الحمل متصل بالحامل فالخوف عليه كالخوف على بعض
١٥
::

مرعاة المفاتيح ج ٧.
٧ - كتاب الصوم
٤ - باب صوم المسافر
رواه أبو داود، والترمذى، والنسائى، وابن ماجه.
٢٠٤٦ - (٨) وعن سلمة بن المحبق، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: من كان له حمولة
تأوى الى شبع
أعضائها. والخامس: إنهما يطعمان ولا قضاء عليهما وإن شائتا قضتا ولا إطعام حكاه الترمذى عن اسحاق بن
راهويه، فعنده لا يجمع بين القضاء والاطعام، فإذا أفطرت الحامل والمرضع قضتا ولا إطعام أو أطعمتا
ولا قضاء قال الشاه ولى الله فى المصفى بعد ذكر قول اسحاق: هذا ما لفظه: اين قول بتطبيق أدله مناسب تر
می نمايد - انتهى. وقال ابن رشد بعد ذكر سبب اختلاف الأئمة: ومن أفرد لهما أحد الحكمين أولى من حل كما
أن من أفردهما بالقضاء من أفردهما بالاطعام فقط - انتهى. قلت وكذا أولى الأقوال عندى فى ذلك هو قول
من أفردهما بالقضاء دون الاطعام، فها فى حكم المريض فيلزمهما القضاء فقط والله تعالى أعلم (رواه أبو داود
والترمذى الخ) واللفظ لأبي داود وأخرجه أيضا أحمد (ج٤ ص٣٤٧) والبخارى فى تاريخه ١/٢/ ٣٠ والطبر انى
والطحاوى (ج ١ ص ٢٤٦) والبيهقى (ج ٤ ص ٢٣١) ومنهم من ذكر فيه قصة، وسكت عنه أبو داود وحسنه
الترمذى، ونقل المنذرى تحسين الترمذى وأقره. قلت: قد تقدم قول الحافظ عن الاصابة أن الترمذى صححه.
وكذا قال فى تهذيب التهذيب (ج ١ ص ٣٧٩) وهذا يدل على اختلاف نسخ الترمذى فى ذلك وفى إسناد هذا
الحديث اختلاف بينه البيهقى (ج ٤ ص٢٣١) والنسائى والجزرى فى جامع الأصول (ج ٧ ص ٢٦٨).
٢٠٤٦ - قوله (وعن سلبة) بفتح اللام (بن المحبق) بمهملة ثم موحدة مشددة كمعظم أو محدث (من كان
له حمولة) بفتح الحاء ما يحمل عليه من الدواب كانت عليه الاحمال أولا كالركوبة، والمراد من كب، وضبطه
الجزرى فى النهاية وجامع الأصول ( ج ٧ ص ٥٤٧) بضم الحاء. قال حمولة بالضم، الاحمال يعنى أنه يكون
صاحب إحمال يسافر بها يأوى إلى شبع وأما الحمول بلاهاء فهى الابل التى عليها الهوادج كان فيها نساء أو
لم يكن - انتهى. (تأوى) أى تأويه فان أوى لازم ومتعد على لفظ واحد يقال، أوى البيت والى الديت نزل فيه،
وأواه البيت والى البيت أنزله فيه، وفى الحديث يجوز الوجهان، والمعنى من كانت له دابة تؤوى صاحبها أو تأوى
بصاحبها، وقوله تأوى كذا فى جميع النسخ من المشكاة وكذا فى المصابيح وبعض نسخ أبى داود، وهكذا وقع عند
أحمد (ج ٣ ص ٤٧٦) ووقع فى بعض نسخ أبى داود يأوى، وكذا نقله فى جامع الأصول ( ج ٧ ص٢٧٣)
وهكذا وقع عند أحمد (ج ٥ ص ٧) والبيهقى (ج ٤ ص ٢٤٥) وكذا نقله ابن حزم فى المحلى (ج ٦ ص
٢٤٧) وابن قدامة (ج٣ ص ١٥٠) أى من كانت له حمولة يأوى صاحبها (إلى شبع) بكسر الشين وسكون
١٦

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٤ - باب صوم المسافر
فليصم رمضان حيث أدركه . رواه أبو داود.
8( الفصل الثالث ):
٢٠٤٧ - (٩) عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة فى رمضان
فصام حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه، حتى نظر الناس اليه ، ثم
شرب، فقيل له بعد ذلك:
الموحدة ما أشبعك وبفتح الباء المصدر، والمعنى الأول هنا اظهر والثانى يحتاج إلى تقدير مضاف وهو فى الرواية
أكثريعنى من كان له حمولة تأويه إلى حال الشبع ورفاهية أو إلى مقام يقدر على الشبع فيه، ولم يلحقه فى سفره
وعناء ومشقة وعناء (فلیصم رمضان حیث أدركه) أی رمضان یعنی من كان له مے کب یوصله إلى منزله فى حال
الشبع والرفاهية ولا يلحقه فى سفره جهد ومشقة فليصم، والأمر محمول على الندب، والحث على الأولى والأفضل
للنصوص الدالة على جواز الافطار فى السفر معطلقا، أى وإن لم يلحقه مشقة. وقيل: المعنى من كان راكبا وسفره
قصير بحيث يبلغ الى المنزل فى يومه فليصم رمضان، والأمر على هذا محمول على الوجوب لأنه لا يباح الفطر عند
الجمهور إلا فى السفر الطويل الذى يبيح القصر، وقد تقدم ذكر قدره فى الصلاة. وقال داود: يجوز الافطار فى
السفر أى قدر كان (رواه أبو داود) وأخرجه أحمد والبيهقى (ج ٤ ص ٢٤٥) وسكت عنه أبو داود. وقال
المنذرى: فى اسناده عبد الصمد بن حبيب الأزدى المعوذى البصرى . قال ابن معين: ليس به بأس . وقال أبو حاتم
الرازى: يكتب حديثه وليس بالمتروك، وقال يحول من كتاب الضعفاء. وقال البخارى: لين الحديث ضعفه أحمد
وقال البخارى أيضا : عبد الصمد بن حبيب منكر الحديث ذاهب الحديث ولم يعد البخارى هذا الحديث شيئا.
وقال أبو حاتم الرازى: أين الحديث ضعفه أحمد وذكر له أبو جعفر العقيلى هذا الحديث، وقال لا يتابع عليه
ولا يعرف إلا به . انتهى.
٢٠٤٧ - قوله (حتى بلغ كراع الغسيم) بضم الكاف والغسيم بفتح الغين المعجمة واد بالحجاز منتهاه قريب
من عسفان سمى ذلك المنتهى كراعا، لأنه يشبه كراع الغنم وهو ما دون الركبة من الساق، ذكره ابن حجر ، وقال
فى النهاية: هو اسم موضع بين مكة والمدينة ، والكراع جانب مستطيل من الحرة تشبيها بالكراع، والغميم بالفتح
واد بالحجاز - انتهى. وقال الحافظ: هو اسم واد أمام عسفان (فصام الناس) عطف على فصام أى صام هو
وأصحابه (ثم دعا بقدح من ماء) أى بعد العصر كما تقدم. قال السندى: فيه دليل على جواز الفطر المسافر بعد
الشروع فى الصوم ، ومن يقول بخلافه فلا يخلو قوله عن اشكال ـ انتهى. (ثم شرب) أى ليتابعوه فى الافطار
١٧

فرعاة المفاتيح ج ٧
٧- كتاب الصوم
٤ - باب صوم المسافر
إن بعض الناس قد صام. فقال: أولئك العصاة أولئك العصاة. رواه مسلم.
٢٠٤٨ - (١٠) وعن عبد الرحمن بن عوف، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صائم
رمضان فى السفر كالمفطر فى الحضر.
(إن بعض الناس) طنا منهم أن إفطاره كان لبيان الجواز (قد صام) أفرد الضمير للفظ البعض ثم رجع لمنعاه
(فقال أولئك العصاة أولئك العصاة) جمع العاصى ، كذا وقع مكررا مرتين تأكيداً أو قال أمسورواه الترمذى
والنسائى والبيهقى والطحاوى ، وقالوا: أولئك العصاة مرة واحدة، وسياق الترمذى أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم خرج إلى مكة عام الفتح حتى بلغ كراع الغميم وصام الناس معه، فقيل له أن الناس قد شق عليهم الصيام،
وإن الناس ينظرون فيما فعلت فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون إليه فأفطر بعضهم وصام بعضهم ،
فبلغه أن ناساً صاموا فقال أولئك العصاة - انتهى. وإنما نسب الصائمين إلى العصيان لأنهم خالفوا فعل الرسول
عَالم ولم يمتثلوا ما أراده وَ اللّه برفع قدح الماء وشربه من اتباعه فى الافطار مع وجود المشقة. قال الحافظ:
نسب الصائمين إلى العصيان لأنه عزم عليهم خالفوا. وقال النووى: هذا محمول على من تضرر بالصوم أو أنهم
أمروا بالفطر أمراً جازماً لمصلحة بان جوازه خالفوا الواجب، وعلى التقديرين لا يكون الصائم اليوم فى السفر
عاصيا إذا لم يتضرر به، ويؤيد التأويل الأول قوله فى الرواية الثانية إن الناس قد شق عليهم الصيام - انتهى. وقال
الطبي: التعريف فى الخبر للجنس أى أولئك الكاملون فى العصيان، لأنه رؤيته بالغ فى الافطار حتى رفع قدح الماء
بحيث يراه كل الناس ثم شرب لكى يتبعوه ويقبلوا رخصة الله فمن أبى فقد بالغ فى العصيان والله أعلم - انتهى.
(رواه مسلم) من طريق عبد الوهاب عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر، ورواه أيضاً من طريق عبد العزيز بن
محمد الدراوردى عن جعفر، وزاد فقيل له أن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت فدعا بقدح
من ماء بعد العصر، ومن طريق الدراوردى رواه الترمذى والبيهقى ورواه النسائى والطحاوى من طريق ابن الهاد
عن جعفر بن محمد .
٢٠٤٨ - قوله (صائم رمضان فى السفر كالمفطر فى الحضر) فيه مبالغة فى المنع عن الصوم فى السفر وهو
محمول على حال عدم القدره ولحوق الضرر والاستنكاف عن العمل برخصة الله. وقال ميرك: يفهم من الحديث
منع الصوم فى السفر كمنع الافطار فى الحضر. قلت: هذا ظاهر الحديث ومشى عليه الظاهرية كما تقدم ، وإنما
أولناه بما سبق جمعا بينه وبين الأحاديث التى وردت على خلاف ذلك صريحا، وذهب اليها جمهور العلماء. وقال
السندى: قوله ((كالمفطر)) فى الحضر أى فى غير رمضان فمرجعه إلى أن الصوم خلاف الأولى، أو كالمفطر فى
١٨

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٤ - باب صوم المسافر
رواه ابن ماجه.
رمضان، فمدلوله أنه حرام، والأول هو أقرب ومع ذلك لابد عند الجمهور من حمله على حالة مخصوصة كما إذا
أجهده الصوم - انتهى . وقال الشوكانى: هو محمول على الحالة التى يكون الفطر فيها أولى من الصوم كمالة المشقة
جمعا بين الأدلة . وقال الحافظ: هو محمول على ما تقدم أولا حيث يكون الفطر أولى من الصوم (رواه ابن ماجه)
وكذا البزار وابن حزم فى المحلى (ج ٦ ص ٢٥٨) كلهم من طريق أسامة بن زيد عن الزهرى عن أبى سلمة بن
عبد الرحمن بن عوف عن أبيه. قال فى الزوائد : فى اسناده انقطاع، وأسامة بن زيد متفق على تضعيفه، وأبو سلمة
ابن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه شيئا. قاله ابن معين والبخارى - انتهى. وقال ابن حزم: قد صح سماع أبى سلمة
عن أبيه قال، ولا تحتج بأسامة بن زيد الليثى ولا نراه حجة لنا ولا علينا . وقال البزار: أسنده أسامة وتابعه
يونس، ورواه ابن أبي ذئب وغيره عن الزهرى عن أبى سلمة عن أبيه موقوفا ، ولو ثبت مرفوعا لكان منسوغا
بحديث الكديد . وقال الحافظ فى الفتح: رواه الأثرم من طريق أبي سلمة عن أبيه مرفوعا، والمحفوظ عن أبى سلمة
عن أبيه موقوفا كذلك أخرجه النساقى وابن المنذر، ومع وقفه فهو منقطع. لأن أبا سلمة لم يسمع من أبيه.
وقال فى التلخيص (ص ١٩٥) أخرجه ابن ماجه والبزار من حديث عبدالرحمن بن عوف (أى مرفوعا) والنسائى
من حديثه بلفظ: قال كان يقال الصيام فى السفر كالافطار فى الحضر، وصوب وقفه على عبد الرحمن، وأخرجه
ابن عدى من وجه آخر وضعفه، وكذا صحح كونه موقوفا ابن أبى حاتم عن أبيه فى العلل (ج ١ ص ٢٣٩)
والدار قطنى فى العلل والبيهقى (ج ٤ ص ٢٤٤) - انتهى. قلت: أسامة بن زيد الليثى قد تكلم فيه يحيى القطان
وأحمد وأبو حاتم والنسائى، ووثقه ابن معين والعجلى. وقال ابن عدى ليس به بأس . وقال أبوداود: صالح،
وروى له مسلم استشهاداً أو مقروناً به فى الاسناد فهو من الرجال الذين اختلفوا فيهم ، لا ممن اتفقوا على
تضعيفهم ثم أنه وإن تكلم فيه، لكن الحق إنه ثقة صالح للاحتجاج ، ولذلك ذكره الذهبي فى كتابه ، ذكر اسماء
من تكلم فيه وهو موثق حيث قال أسامة بن زيد الليثى لا العدوى صدوق، قوى الحديث أكثر مسلم فى إخراج
حديث ابن وهب عنه، ولكن أكثرها شواهد أو متابعات. والظاهر أنه ثقة. وقال النسائى وغيره ليس
بالقوى - انتهى. فتضعيف المرفوع من جهة أسامة هذا ليس بصحيح عندى، على أنه قد تابعه يونس كما قال
البزار، نعم تضعيفه من جهة كونه منقطعاً حق، لا شك فيه. فان أباسلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه . قال
فى تهذيب التهذيب (ج ١٢ ص ١١٧) قال على بن المدينى وأحمد وابن معين وأبو حاتم ويعقوب بن شيبة
وأبو داود: حديثه عن أبيه مرسل ، قال مات وهو صغير. وقال أبو حاتم : لا يصح عندى، وصرح الباقون بكونه
لم يسمع منه. وقال ابن عبد البر: لم يسمع من أبيه، وحديث النضر بن شيبان فى سماع أبى سلمة عن أيه
لا يصححونه - انتهى .
١٩

مرعاة المفاتيح ج ٧
٧ - كتاب الصوم
٤ - باب صوم المسافر
٢٠٤٩ - (١١) وعن حمزة بن عمرو الأسلمى، أنه قال يا رسول الله! إنى أجد بى قوة على الصيام
فى السفر، فهل على جناح؟ قال: هى رخصة من الله عز وجل فمن أخذ بها حسن، ومن أحب
أن يصوم فلا جناح عليه .
٢٠٤٩ - قوله (إنى أجد) كذا فى جميع النسخ وهكذا فى جامع الأصول (ج ٧ ص ٢٦٤) وكذا
وقع فى رواية الدار قطنى والذى فى صحيح مسلم أجد أى بحذف كلمة إنى وهكذا نقله المجد بن تيمية فى المنتقى
(بى قوة) أى زائدة (على الصيام فى السفر فهل على جناح) أى إثم أوبأس بالصوم أو الفطر (قال هى) أى
الافطار والتأنيث باعتبار الخبر (رخصة من الله عزوجل) فان الصوم عزيمة منه تعالى. وقال الطبى: قوله ((هى
رخصة)) الضمير راجع إلى معنى السؤال، أى هل على إثم إن افطر، فأنثه باعتبار الخبر كما فى قوله من كانت أمك
ويحتمل أن السائل قد سمع أن الصوم فى السفر عصيان، كما فى حديث جابر أولئك العصاة، فسأل هل على جناح
أن أصوم لأنى قوى عليه، فقال لا، لأن الافطار رخصة، ولفظ الحسن يقوى الوجه الأول. وقال ابن حجر:
يحتمل أن مراده فهل على جناح فى الفطر. لأنى قوى، والرخصة للضعيف، أو فى الصوم لأن الفطر رخصة، وقد
تكون واجبة. وقوله ((هى)) أى تلك الفعلة أو الخصلة المذكورة وهى الافطار فى السفر، وأنث ضميره وهو رخصة
أى تسهيل من الله عزوجل لعباده دفعاً للشقة عليهم ما جعل عليكم فى الدين من حرج، وتأنيث الضمير التأنيث الخبر
(فمن أخذبها) أى بالرخصة (حسن) أى فعله حسن مرضى لاجناح عليه للحديث الآخر إن الله يحب أن يؤتى رخصه
كمايحب أن يؤتى عزائمه (ومن أحب أن يصوم فلاجناح عليه) قال القارئ: كان ظاهر المقابلة أن يقول لحسن أو
فأحسن بل مقتضى كون الأول رخصة ، والثانى عزيمة أن يعكس فى الجزاء بأن يقال فى الأول فلاجناح عليه، وفى
الثانى لحسن لكن أريد المبالغة، لأن الرخصة إذا كانت حسنا فالعزيمة أولى بذلك، ولعله عليه السلام علم بنور
النبوة إن مراد السائل بقوله فهل على جناح أى فى الصوم ويدل عليه المقدمة المتقدمة من قوله إنى أجدبى قوة على
الصيام، وكذا ما سبق من حديثه فى أول الباب - انتهى باختصار. قلت ظاهر الحديث ترجيح الافطار فى السفر
مطلقاً كما هو مذهب أحمد خلافا للجمهور لقوله حسن. قال الشوكانى : قوله أجدبى قوة ظاهره إن الصوم لا يشق
عليه ولا يفوت به حق، وفى رواية لمسلم إنى أسرد الصوم وقد جعل المصنف (يعنى صاحب المنتقى) هذا الحديث
قوى الدلالة على فضيلة الفطر لقوله مثل فمن أخذيها حسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح. فاثبت للاخذ
بالرخصة الحسن وهو أرفع من رفع الجناح. وأجاب الجمهور بأن هذا فيمن يخاف ضرراً أو يحد مشقة كما هو
صريح فى الأحاديث. وقد أسلفنا تحقيق ذلك. وقال الأبى فى شرحه لمسلم: احتج بالحديث من جعل الفطر أفضل
لقوله فيه لحسن، وقال فى الصوم فلا جناح، ولا حجة فيه لأن قوله لا جناح إنما هو جواب لقوله هل على
٢٠