Indexed OCR Text

Pages 481-500

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧- كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
الاربة الأحق لا حاجة له فى النساء. وقال الجزرى فى النهاية: لأربه أى لحاجته تعنى إنه كان غالباً لهواه. وأكثر
المحدثين يروونه بفتح الهمزة والراء يعنون الحاجة، وبعضهم يرويه بكسر الهمزة وسكون الراء وله تأويلان أحدهما
أنه الحاجة. والثانى، أرادت به العضو وعنت به من الأعضاء الذكر خاصة - انتهى. ورُدَّ تفسيره بالعضو بأنه
خارج عن متن الأدب. قال التور بشتى: حمل الأرب ساكن الراء على العضو فى هذا الحديث غير سديد لا يغتربه.
إلا جاهل بوجوه حسن الخطاب مائل عن سنن الأدب ونهج الصواب وأجاب الطبي بأنها ذكرت أنواع
الشهوة مترقية من الأدنى الى الأعلى فبدأت بمقدمتها التى هى القبلة ثم ثنت بالمباشرة التى هى المداعبة والمعانقة
وأرادت أن تعبر عن المجامعة فكنت عنها بالارب وأى عبارة أحسن منها - انتهى. وفيه أن المستحسن اذا
إن الارب بمعنى الحاجة كناية عن الجامعة. وأما ذكر الذكر فغير ملائم للأنثى كما لا يخفى لا سيما فى حضور
الرجال قاله القارى. وفى الموطأ أيكم أملك لنفسه، وبذلك فسره الترمذى فى جامعه فقال ومعنى لاربه يعنى لنفسه.
قال العراقى: وهو أولى الأقوال بالصواب لأن أولى ما فسربه الغريب ما ورد فى بعض طرق الحديث - انتهى.
وقال شيخنا بعد ذكر كلام الترمذى: المذكور هذا بيان حاصل المعنى وقد عرفت أصل معنى لاربه ـ انتهى.
واختلف فى بيان معنى قول عائشة ومقصودها. فقيل أرادت أنه مع هذه المباشرة كان يأمن من الازال
والوقاع فليس لغيره ذلك فهذا إشارة إلى علة عدم الجاق الغير به فى ذلك وعلى هذا فيكره لغيره القبلة والمباشرة.
وقيل المعنى أنه كان قادرا على حفظ نفسه عن القبلة والمباشرة لأنه كان أغلب الناس على هواه ، ومع ذلك
كان يقبل ويباشر وغيره قلما يصبر على تركها، لأن غيره قلما يملك هواه فكيف لا يباح لغيره ففى قولها إشارة.
إلى أن غيره له ذلك بالأولى فسره بذلك من يجيزها للغير، ويجعل قولها علة فى الحاق الغير به صلى الله عليه وسلم
ويؤيد هذا المعنى ما ذكره البخارى فى صحيحه تعليقا قالت عائشة: يحرم عليها فرجها. قال الحافظ: وصله
الطحاوى عن حكيم بن عقال ، قال سألت عائشة: ما يحرم على من إمرأتى وأنا صائم قالت فرجها وإسناده الى
حكيم صحيح، ويؤدى معناه ما رواه عبد الرزاق باسناد صحيح عن مسروق سألت عائشة ما يحل للرجل من امرأته
صائما قالت كل شى إلا الجماع - انتهى. ويؤيده أيضا ما روى مالك عن أبي النضر عن عائشة بنت طلحة
أخبرته أنها كانت عند عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فدخل عليها زوجها، وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن
أبى بكر وهو صائم فقالت له عائشة ما يمنعك أن تدنو من أهلك فتلاعبها وتقبلها. قال: أقبلها وأنا صائم قالت.
نعم. ولا يخفى أن محل هذا الأمن من الوقوع فى الجماع أو الانزال. وأما ما روى النسائى والبيهقى (ج ٣
٤٨١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧- كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
ص ٢٣٢) عن الأسود قال: قلت لعائشة أ يباشر الصائم قالت لا، قلت أليس كان رسول الله ے يباشر،
وهو صائم قالت: أنه كان أملككم لاربه، وظاهر هذا أنها اعتقدت خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم بذلك
فقال القرطبى : هذا اجتهاد من عائشة، وقول أم سلمة كان يقبلها وهو صائم أولى أن يؤخذ به لأنه نص فى الواقعة
وقال الحافظ: قدثبت عن عائشة صريحاً إباحة ذلك فيجمع بين هذا وبين قولها المتقدم أنه يحل له كل شىء إلا الجماع
بحمل النهى على كراهة التنزيه ، فانها لا تنافى الا باحة وفى كتاب الصيام ليوسف القاضى من طريق حماد بن سلمة
عن حماد سألت عائشة عن المباشرة للصائم فكرهتها . قال الحافظ: ويدل على أنها كانت لا ترى بتحريمها ولا بكونها
من الخصائص ما رواه مالك فى الموطأ عن أبى النضر فذكر الأثر المتقدم. وقال ابن حزم: بعد ذكر هذا الأثر
وقول عائشة يحل له كل شئ إلا الجماع ما لفظه فهذان الخبران يكذبان قول من يقول إنها أرادت بقولها، وأيكم
أملك لاربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم النهى عن القبلة والمباشرة للصائم - انتهى. وقد اختلف
فى القبلة والمباشرة بغير الجماع على أقوال الأول إنها مكروهة مطلقاً، وهو مشهور عند المالكية، ورواه ابن
أبى شيبة باسناد صحيح عن ابن عمر الثانى إنها محرمة واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن - البقرة:
١٨٧﴾ قيل قد منع من المباشرة فى هذه الآية نهارا، وأجيب عن ذلك بأن النبى صلى الله عليه وسلم هو المبين
عن الله تعالى، وقد أباح المباشرة نهارا بفعله كما أفاده حديث الباب فدل على أن المراد بالمباشرة فى الآية
الجماع لا ما دونه من قبلة ونحوها .. قال الحافظ: ومن افتى بافطار من قبل وهو صائم عبد الله بن شبرمة أحد
فقهاء الكوفة ونقله الطحاوى عن قوم لم يسمهم - انتهى. قلت: وروى ذلك أيضاً عن ابن مسعود كما فى مجمع
الزوائد (ج ٣ ص ١٦٦) والبيهقى (ج ٤ ص ٢٣٤) الثالث إنها مباحة مطلقا. قال الحافظ: وهو المنقول
صحيحا عن أبى هريرة وبه قال سعيد وسعد بن أبى وقاص وطائفة بل بالغ بعض أهل الظاهر (لمله أراد به ابن
حزم، فانه قال إنها حسنة مستحبة سنة من السنن وقربة من القرب الى الله تعالى) فاستحبها ۔ انتهى. ويدل لا باحة
القبلة مطلقا، ماروى عن عمر رضى الله عنه قال هَشَشْت. يوما فقبات وأنا صائم فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم
فقلت صنعت اليوم أمرا عظيما قبلت وأنا صائم فقال رسول اللّه تَيتم أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم قلت:
لابأس بذلك فقال ◌َفى نقيم. أخرجه أحمد (ج١ ص٢١ - ٥٢) وأبو داود والنسائى والحاكم (ج١ ص٤٣١)
والدارمى وابن حزم (ج ٦ ص ٢٠٩) وسكت عنه أبو داود وابن حزم. وقال النسائى إنه منكر وصححه ابن
خزيمة وابن حبان والحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. قال المازري: فيه إشارة إلى فقه بديع وهو إن
المضمضة لا تنقض الصوم وهو أول الشرب ومفتاحه كما إن القبلة من دواعى الجماع ومفتاحه والشرب يفسد
٤٨٢

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
الصوم كما يفسده الجماع وكما ثبت عندهم إن أوائل الشرب لا يفسد الصيام فكذلك أوائل الجماع كذا فى الفتح
الرابع التفصيل فتكره للشاب وتباح الشيخ وهو مشهور عن ابن عباس أخرجه مالك وسعيد بن منصور وغيرهما
وجاء فيه ثلاثة أحاديث مرفوعة، أخرج أحدها أبو داود من حديث أبى هريرة. وسيأتى فى الفصل الثانى. والثانى
أحمد (ج ٢ ص ١٨٥) والطبرانى من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال كنا عند النبى معر فتهم بجاء
شاب. فقال: أقبل يا رسول الله: وأنا صائم قال لا ، قال بجاء شيخ فقال أقبل وأنا صائم قال نعم فنظر بعضنا
إلى بعض فقال النبي ◌َّة: قد علمت لم نظر بعضكم إلى بعض إن الشيخ يملك نفسه، وفى إسناده ابن لهيعة مختلف
فى الاحتجاج. والثالث البيهقى (ج ٤ ص ٢٣٢) من حديث عائشة. قال الزرقانى والقسطلانى: باسناد صحيح
إن النبي ◌َّ رخص فى القبلة للشيخ وهو صائم ونهى عنها الشاب. وقال: الشيخ يملك اربه، والشاب يفسد صومه
والخامس إن ملك نفسه جازت له وإلا فلا كما أشارت اليه عائشة فى حديث الباب. قال الترمذى: ورأى
بعض أهل العلم إن للصائم أذا ملك نفسه أن يقبل وإلا فلا، ليسهم له صومه وهو قول سفيان الثورى والشافعى - انتهى.
قلت: وهو قول أبى حنيفة. قال محمد بن الحسن فى موطأه: لا بأس بالقبلة للصائم اذا ملك نفسه بالجماع فان
خاف أن لا يملك نفسه فالكف أفضل وهو قول أبى حنيفة والعامة قبلنا . انتهى. وهو قول أحمد أيضاً قال ابن
قامة (ج ٣ ص ١١٢) المقبل إذا كان ذا شهوة مفرطة بحيث يغلب على ظنه أنه اذا قيل أنزل لم تحل له القبلة
لأنها مفسدة لصومه خرمت كالأكل وإن كان ذا شهوة لكن لا يغلب على ظنه ذلك كره له التقبيل لأنه يعرض
صومه للفطر ولا يأمن عليه الفساد ولا تحرم القبلة فى هذه الحال لحديث عطاء بن يسار الآتى. ولأن إفضاء. إلى
إفساد الصوم مشكوك فيه، ولا يثبت التحريم بالشك. فأما إن كان من لا تحرك القبلة شهوته كالشيخ الهرم
ففيه روايتان أحدهما لايكره له ذلك وهو مذهب أبي حنيفة والشافعى، لأن النبي مؤثّ كان يقبل وهو صائم لما كان
مالكا لاربه وغير ذى الشهوة فى معناه. والثانية يكره لأنه لا يأمن حدوث الشهوة ، فأما الس لغير شهوة كلمس
يدها ليعرف فرضها فليس بمكروه بحال، لأن ذلك لا يكره فى الاحرام فلا يكره فى الصيام كلمس ثوبها - انتهى
مختصرا. وفى الروض المربع تكره القبلة ودواعى الوطى لمن تحرك شهوته، لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عنها
شاباً. ورخص لشيخ وغير ذى الشهوة فى معنى الشيخ - انتهى مختصرا. قلت: واستدل لهذا القول بما رواه مسلم
من طريق عمر بن أبى سلمة وهو ربيب النبى مرثم أنه سأل رسول الله مثل أيقبل الصائم فقال سل هذه لأم سلمة
فأخبرته أن رسول الله مرثية يصنع ذلك فقال بارسول اللّه قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال أما وافقه
إنى لا تقاكم الله وأخشاكم له. قال الحافظ بعد ذكره: دل ذلك على أن الشاب والشيخ سواء، لأن عمر حينئذ كان
٤٨٣
٤٠

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
متفق عليه.
شابا ولعله كان أول ما بلغ، وفيه دلالة على أنه ليس من الخصائص، وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن
عطاء بن يسار عن رجل من الأنصار أنه قبل امرأته وهو صائم فأمر امرأته أن تسأل النبي صلى الله عليه وسلم
عن ذلك فسألته فقال إنى أفعل ذلك فقال زوجها يرخص الله لنبيه فيما يشاء فرجعت فقال أنا أعلمكم بحدود الله
وأتقاكم وأخرجه مالك لكنه أرسله. قال عن عطاء إن رجلا فذكر نحوه مطولا - انتهى. السادس إنها
مباحة فى النقل مكروهة فى الفرض وهى رواية ابن وهب عن مالك. وقد ظهر ما ذكرنا إن أعدل الأقوال
وأقواها هو ما ذهب إليه الشافعى ومن وافقه من التفريق بين من يملك نفسه ومن لا يملك وبه يحصل الجمع بين
الأحاديث المختلفة ويفهم من التعليل المذكور فى حديثى عبد الله بن عمرو بن العاص وعائشة المذكورين فى القول
الرابع، إن الاباحة والكراهة دائرة مع ملك النفس وعدمه وعلى هذا فليس كبير فرق بين القول الرابع
والخامس فالتعبير بالشيخ والشاب جرى على الغالب من أحوال الشيوخ فى انكسار شهوتهم ومن أحوال الشباب
١
فى قوة شهوتهم فلو انعكس الأمر انعكس الحكم، لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما وروى النسائى من
طريق طلحة بن عبد الله التميمى عن عائشة. قالت: أهوى إلى النبي ◌َّ ليقبلنى فقلت إنى صائمة فقال وأنا صائم
فقبلنى وهذا يؤيد ما تقدم إن النظر فى ذلك لمن لا يتأثر بالمباشرة والتقبيل لا للتفرقة بين الشاب والشيخ، لأن عائشة
كانت شابة. نعم لما كان الشباب مظنة لهيجان الشهوة فرق من فرق. وقال المازري: ينبغى أن يعتبر حال المقبل فان
: أثارت منه القبلة الانزال حرمت عليه لأن الانزال يمنع منه الصائم فكذلك ما أدى اليه وإن كان عنها المذى.
فمن رأى القضاء منه قال يحرم فى حقه، ومن رأى أن لاقضاء. قال: يكره وإن لم تؤد القبلة إلى شىء فلا معنى لمنع
منها إلا على القول بسد الذريعة. وقال النووى: القبلة فى الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته لكن الأولى
له تركها، وأما من حركت شهوته فهى حرام فى حقه على الأصح وقيل: مكروهة - انتهى. واختلف
فيما اذا باشر أو قبل أو نظر فأنزل أو أمذى فقال الكوفيون والشافعى : يقضى اذا أنزل فى غير النظر ولا قضاء
فى الأمذاء. وقال مالك واسحاق: يقضى فى كل ذلك ويكفر إلا فى الامذاء فيقضى فقط. وروى عيسى بن
دينار عن ابن القاسم عن مالك وجوب القضاء فيمن باشر أو قبل فانعظ ولم يمذ ولا أنزل، وأنكره غيره عن
مالك . وقال ابن قدامة: إن قبل فأنزل أفطر بلا خلاف كذا قال وفيه نظر. فقد حكى ابن حزم أنه لا يفطر
ولو أنزل وقوى ذلك وذهب اليه كذا فى الفتح ( متفق عليه ) وأخرجه أحمد ومالك والترمذى وأبو داود
والنسائى فى الكبرى والدارمى والطحاوى والبيهقى والدار قطنى بألفاظ. وفى الباب عن حفصة عند مسلم وأم سلمة
عند الشيخين .
٤٨٤

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
٢٠٢١ - (٣) وعنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: يدركه الفجر فى رمضان وهو
جنب من غير حلم، فيغتسل ويصوم.
٢٠٢١ - قوله (يدركه الفجر) أى الصبح (فى رمضان) أى فى بعض الأحيان (وهو) أى والحال أنه
(جنب) بضمتين (من غير حلم) بضمتين ويجوز - كمون اللام. قال القارى: وهو صفة ميزة أى من غير احتلام بل
من جماع فإن الثانى أمر اختيارى فيعرف حكم الأول بطريق الأولى، بل ولو وقع الاحتلام فى حال الصيام لا يضر -
انتهى . وهذا لفظ مسلم. والبخارى يدركه الفجر جنباً فى رمضان من غير حلم. قال القسطلانى: أى من جنابة
غير حلم فاسقط الموصوف وهو جنابة اكتفاء بالصفة عنه لظهوره ـ انتهى. وفى رواية لمسلم والموطأ كان يصبح جنباً
من جماع غير احتلام فى رمضان . وفى حديث أم سلمة عند النسائى كان يصبح جنباً من فيصوم ويأمرنى بالصيام.
قال الحافظ : أرادت بالتقييد بالجماع المبالغة فى الرد على من زعم أن فاعل ذلك عمداً يفطر. واذا كان فاعل ذلك
عمداً لا يفطر، فالذى ينسى الاغتسال أوينام عنه أولى بذلك. قال ابن دقيق العيد: لما كان الاحتلام يأتى لارأ على
غير اختياره فقد يتمسك به من يرخص لغير المتعمد الجماع، فبين فى هذا الحديث إن ذلك كان من جماع لازالة
هذا الاحتمال. وقال القرطبى: فى هذا فائدتان: إحداهما: أنه كان يجامع فى رمضان ويؤخر الغسل الى بعد طلوع
الفجر بياناً للجواز. والثانى: إن ذلك كان من جماع لا من احتلام، لأنه كان لا يحتلم اذا الاحتلام من الشيطان
وهو معصوم منه. وقال غيره: فى قولها من غير احتلام إشارة الى جواز الاحتلام عليه والا لما كان للاستثناء معنىً
وردّ بأن الاحتلام من الشيطان وهو معصوم منه. وأجيب بأن الاحتلام يطلق على الانزال، وقد يقع الانزال
بغير رؤية شىء فى المنام ـ انتهى. وقال النووى: احتج به من أجاز الاحتلام على الأنبياء، وفيه خلاف والأشهر
امتناعه لأنه من تلاعب الشيطان . وتأولوا الحديث على أن المعنى يصبح جذباً من جماع ولا يجنب من احتلام
لا متناعه منه وهو قريب من قوله تعالى: ﴿ويقتلون النبيين بغير حق ـ آل عمران: ٢١) ومعلوم إن قتلهم لا يكون
بحق - انتهى. وقال ابن حجر: النفى فى قولهم الأنبياء لا يحتلون ليس على اطلاقه، بل المراد أنهم لا يحتلون
برؤية جماع لأن ذلك من تلاعب الشيطان بالنائم وهم معصومون عن ذلك . وأما الاحتلام بمعنى نزول المنى فى
النوم من غير رؤية وقاع فهو غير مستجيل عليهم لأنه ينشأ عن نحو امتلاء البدن فهو من الأمور الخلقية والعادية التى
يستوى فيها الأنبياء وغيرهم - انتهى. (فيغتسل) أى بعد طلوع الفجر (ويصوم) أى يتم صومه. وفيه دليل على
صحة صوم من دخل فى الصباح وهو جنب من احتلام أو من جماع أهله وإلى هذا ذهب الجمهور. قال ابن عبد البر:
عليه جماعة فقهاء الأمصار بالعراق والحجاز وأئمة الفتوى بالامصار مالك وأبو حنيفة والشافعى والثورى
والأوزاعى والليث وأصحابهم وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن علية وأبو عبيد وداود وابن جرير الطبرى وجماعة
٤٨٥

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
من أهل الحديث . وقال ابن قدامة: هو قول عامة أهل العلم ، منهم على وابن مسعود وزيد وأبو الدرداء وأبو ذر
وابن عمر وابن عباس وعائشة وأم سلمة، وبه قال مالك والشافعى فى أهل الحجاز، وأبو حنيفة والثورى فى أهل
العراق، والأوزاعى فى أهل الشام، والليث فى أهل مصر، واسحاق وأبو عبيد فى أهل الحديث، وداود فى أهل الظاهر،
وكان أبو هريرة يقول لا صوم له. ويروى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع عنه. قال سعيد بن المسيب:
رجع أبو هريرة عن فتياه. وحكى عن حسن وسالم بن عبد الله قالا يتم صومه ويقضى . وعن النخعى فى رواية
يقضى فى الفرض دون التطوع ، وعن عروة وطاؤس أن علم بجنابته فى رمضان فلم يغتسل حتى أصبح فهو مفطر،
وإن لم يعلم فهو صائم ـ انتهى. وقال الحافظ: قد بقى على مقالة أبى هريرة بعض التابعين كما نقله الترمذى (من
غير ذكر أسماءهم) ثم ارتفع ذلك الخلاف واستقر الاجماع على خلافه كما جزم به النووى. (والأبى فى شرح مسلم)
وأما ابن دقيق العيد فقال صار ذلك اجماعا أو كالاجماع - انتهى. قلت: وذهب ابن حزم الى أنه لا يبطل صومه
الا أن تطلع عليه الشمس. وقيل: أن يغتسل ويصلى فيطل صومه. قال: ذلك بناء على مذهبه فى أن المعصية عمداً
تبطل الصوم واحتج من قال بفساد صيام الجنب، بما روى أحمد وابن حبان عن أبى هريرة ، قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: إذا نودي للصلاة صلاة الصبح، وأحدكم جنب، فلا يصم حينئذ. وأخرجه النسائى
والطبرانى وعبد الرزاق بلفظ: قال أبو هريرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالفطر إذا أصبح الرجل
جنباً، وقد بين أبو هريرة كما فى رواية البخارى والنسائى وغيرهما أنه لم يسمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم،
وأنما سمعه بواسطة الفضل بن عباس وأسامة وكأنه كان لشدة وثوقه بخبرهما يرويه من غير واسطة. وحمل
هؤلاء حديث عائشة وأم سلسة على أنه من الخصائص النبوية ، وإن حكم النبي صلى الله عليه وسلم على ما ذكرت
عائشة وأم سلمة، وحكم الناس على ما حكى أبو هريرة. ورُدَ هذا بأن الخصائص لا تثبت الا بدليل، وبأنه قد
ورد صريحا ما يدل على عدمها، وهو ما أخرجه مالك ومسلم وأبو داود والنسائى وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم
عن عائشة، إن رجلا جاء إلى النبي مَالله، يستفتيه، وهى تسمع من وراء الباب فقال: يا رسول الله! تدركنى
الصلاة أى صلاة الصبح وأنا جنب أفأصوم؟ فقال النبىنَ ◌ّم، وأنا تدركنى الصلاة وأناجنب فأصوم فقال:
لست مثلنا يارسول الله! قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال: والله إنى لأرجو أن أكون أخشاكم
فقه واعلم بما أتقى. وأجاب الجمهور عن حديث أبى هريرة بأنه منسوخ وإن أباهريرة رجع عنه لماروى له حديث
عائشة وأم سلمة وافتى بقولهما ، قال ابن خزيمة إن الخبر منسوخ، لأن الله تعالى عند ابتداء فرض الصوم كان منع
فى ليل الصوم من الأكل والشرب والجماع بعد النوم. قال فيحتمل أن يكون خبر الفضل حيقاذ، ثم أباح اللّه ذلك
٤٨٦

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧- كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
كله إلى طوع الفجر، فكان الجامع أن يستمر الى طلوعه فيلزم أن يقع اغتساله بعد طلوع الفجر. فدل على أن
حديث عائشة ناسخ لحديث الفضل، ولم يبلغ الفضل ولا أباهريرة الناسخ فاستمر أبو هريرة على الفتيا به، ثم رجع
عنه بعد ذلك لما بلغه. قال الحافظ : ويقويه إن فى حديث عائشة المتقدم فى الرد على دعوى الخصوصية ما يشعر بأن
ذلك كان بعد الحديبية، لقوله فيها قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وأشار الى آية الفتح، وهى إنما
نزلت بعد عام الحديبية سنة ست، وابتداء فرض الصيام كان فى السنة الثانية. والى دعوى النسخ فيه ذهب ابن
المنذر والخطابى وغير واحد، وقرره ابن دقيق العيد بأن قوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث الى نساءكم -
البقرة: ١٨٧ ) يقتضى إباحة الوطى فى ليلة الصوم، ومن جملتها الوقت المقارن لطلوع الفجر فيلزم اباحة الجماع فيه.
ومن ضرورته أن يصبح فاعل ذلك جنبا ولا يفسد صومه، فان اباحة التسبب للشىء إباحة لذلك الشىء، ورَدَ
البخارى حديث أبى هريرة بأن حديث عائشة أقوى اسنادا . قال الحافظ: وهو من حيث الرجحان كذلك، لأن
حديث عائشة وأم سلمة فى ذلك جاءا عنهما من طرق كثيرة جدا بمعنى واحد، حتى قال ابن عبدالبر أنه صح وتواتر .
وأما حديث أبى هريرة فأكثر الروايات أنه كان يفتى به، ورواية الرفع أقل، وعند التعارض الترجيح بكثرة الطرق
وقوتها. وقال بعضهم: إن حديث عائشة أرجح لموافقة أم سلمة لها على ذلك، ورواية اثنين تقدم على رواية واحد ،
ولا سيما وهما زوجتان وهما أعلم بذلك من الرجال، ولأنهما ترويان ذلك عن مشاهدة بخلاف غيرهما، ولأن
روايتهما توافق المنقول وهو ما تقدم من مدلول الآية والمعقول، وهو أن الغسل شىء وجب بالانزال، وليس
فى فعله شىء يحرم على صائم فقد يحتلم بالنهار فيجب عليه الغسل ولا يحرم عليه ل يتم صومه إجماعا ، فكذلك اذا
احتلم ليلا بل هو من باب الأولى. وانما يمنع الصائم من تعمد الجماع نهاراً. قال الحافظ: القول بالنسخ أولى من
سلوك الترجيح بين الخبرين. وجميع بعضهم بينهما بأن الأمر فى حديث أبى هريرة إرشاد الى الأفضل ، فان
الأفضل أن يغتسل قبل الفجر، فلو خالف جاز ويحمل حديث عائشة على بيان الجواز. ويعكر عليه البصريح فى
كثير من طرق حديث أبى هريرة بالأمر بالفطر وبالنهى عن الصيام فكيف يصح الحمل على الارشاد اذا وقع
ذلك فى رمضان. وقيل: هو محمول على من أدركه الفجر مجامعاً فاستدام بعد طلوعه عالما بذلك ويعكر عليه
ما رواه النسائى إن أبا هريرة كان يقول من احتلم وعلم باحتلامه ولم يغتسل حتى أصبح فلا يصوم . فائدة
فى معنى الجنب الحائض والنفساء اذا انقطع دمها ليلا ثم طلع الفجر قبل اغتسالها. وهو مذهب العلماء كافة، إلا
ما حكى عن بعض السلف أنه لا يصح صومها. قال ابن قدامة ( ج ٣ ص ١٣٨) الحكم فى المرأة اذا انقطع حيضها
من الليل كالحكم فى الجنب سواء، ويشترط أن ينقطع حيضها قبل طلوع الفجر لأنه إن وجد جزء منه فى النهار .
٤٨٧

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
متفق عليه .
٢٠٢٣ - (٤) وعن ابن عباس، قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم، واحتجم
وهو صائم.
أفسد الصوم، ويشترط أن تنوى الصوم أيضاً من الليل بعد انقطاعه لأنه لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل.
وقال الأوزاعى والحسن بن حى وعبد الملك بن الماجشون والعنبرى: تقضى فرطت فى الاغتسال أو لم تفرط،
لأن حدث الحيض يمنع الصوم بخلاف الجنابة. ولنا أنه حدث يوجب الغسل فتأخير الغسل منه الى أن يصبح
لا يمنع صحة الصوم كالجنابة وما ذكروه لا يصح، فان من طهرت من الحيض ليست حائضا. وانما عليها حدث
موجب للغسل ، فهى كالجنب فان الجماع الموجب للغسل لو وجد فى الصوم أفسده كالحيض ، وبقاء وجوب الغسل
منه كبقاء وجوب الغسل من الحيض - انتهى. (متفق عليه) واللفظ لمسلم، وأخرجه أيضا أحمد ومالك
والترمذى وأبو داود والنسائى فى الكبرى والدارمى والطحاوى والبيهقى وغيرهم .
٢٠٢٢ - قوله (احتجم) أى طلب الحجامة بالكسر ككتابة من الحجم وهو المص، يقال حجم الصبى
تدى أمه أى مصه ، يحجُم ويحيجم حجما، والحجام والحاجم من يتعاطى الحجامة ، وهى المداواة والمعالجة بالمحجم
بكسر الميم. قال ابن الاثير: هى الآلة التى يجمع فيها دم الحجامة عند المص، وحرفته وفعله الحجامة . وقال المجد:
المحجم والمحجمة ما يحجم به، وحرفته الحجامة ككتابة واحتجم طلبها (وهو محرم) جملة حالية فيه جواز الحجامة
للحرم وسيأتى الكلام فيه إنشاء الله فى باب ما يجتنبه المحرم من كتاب الحج (واحتجم) أيضاً (وهو صائم) حكى
القارى عن الجزرى أنه قال: مراد ابن عباسٍ أنه احتجم فى حال اجتماع الصوم مع الاحرام ، لما رواه أبوداود
من حديثه أيضاً أنه عليه الصلاة والسلام احتجم صائما محرما . ورواه الترمذى بلفظ: وهو محرم صانم ـ انتهى.
وقال الامير اليمانى: قيل ظاهره أى ظاهر حديث الباب أنه وقع منه الأمران المذكوران مفترقين، وأنه احتجم
وهو صائم واحتجم وهو محرم، ولكنه لم يقع ذلك فى وقت واحد لأنه لم يكن صائما فى احرامه اذا أريد
إحرامه وهو فى حجة الوداع ، إذ ليس فى رمضان، ولا كان محرما فى سفره فى رمضان عام الفتح، ولا فى شئ.
من عمره التى اعتمرها، وأن احتمل أنه صام نفلا إلا أنه لم يعرف ذلك. قال والحديث إخبار عن كل جملة
عليحدة، وان المراد احتجم وهو محرم فى وقت واحتجم وهو صائم فى وقت آخر والقرينة على هذا معرفة أنه
لم يتفق له اجتماع الإحرام والصيام - انتهى. قلت: حديث ابن عباس روى على أربعة أوجه كما حكاه الزيلمى
فى نصب الراية (ج ٢ ص ٢٧٨) عن صاحب التنقيح الأول احتجم وهو محرم، الثانى احتجم وهو صائم،
٤٨٨

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧- كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم.
الثالث احتجم وهو صائم واحتجم وهو محرم، الرابع احتجم وهو صائم محرم ، فالأول، روى من طرق شتى
عن ابن عباس عند أحمد والشيخين وغيرهم، واتفقا عليه من حديث عبد الله بن بحينة، وفى النسائى وغيره من
حديث أنس وجابر. والثانى، رواه البخارى وأصحاب السنن. والثالث رواه البخارى. قال الحافظ: والظاهر
إن الراوى جمع بين الحديثين. والرابع رواه أحمد وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه وغيرهم وصححه
الترمذى ، وأعله أحمد وعلى بن المدينى وغيرهما. فقال أحمد: إن أصحاب ابن عباس لا يذكرون صياما يعنى
ليس عندهم صائم، وإنما هو محرم. وقال أبو حاتم: هذا خطأ أخطأ فيه شريك، انما هو احتجم وأعطى الحجمام.
أجرته، كذلك رواه جماعة عن عاصم. وشريك حدث من حفظه وقد ساء حفظه فغلط فيه. وقال الحميدى:
هذا ريح لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن صائما محرما لأنه خرج فى رمضان فى غزوة الفتح ولم يكن محرما. وقال
الحافظ: استشكل النسائى كونه مَلّم جمع بين الصيام والاحرام لأنه لم يكن من شأنه التطوع بالصيام فى السفر
ولم يكن محرما الا وهو مسافر، ولم يسافر فى رمضان إلى جهة الاحرام الا فى غزاة الفتح، ولم يكن حينئذ محرما
قلت (قائله الحافظ) وفى الجملة الأولى نظر، فما المانع من ذلك فلعله فعل مرة لبيان الجواز، ويمثل هذا لا ترد
الاخبار الصحيصة، ثم ظهر لى إن بعض الرواة جمع بين الأمرين فى الذكر ، فأوهم أنهما وقعا معا والأصوب
رواية البخارى احتجم وهو صائم، واحتجم وهو محرم، فيحمل على أن كل واحد منهما وقع فى حالة مستقلة ،
وهذا لا مانع منه، فقد صح أنه يَ شتم صام فى رمضان وهو مسافر، وهو فى الصحيحين بلفظ: وما فينا صائم إلا
رسول الله وَّ وعبد الله بن رواحة، ويقوى ذلك إن غالب الاحاديث ورد مفضلاكما تقدم. وقد اختلف
فى الحجمامة للصائم : فذهب الجمهور منهم مالك والشافعى وأبو حنيفة الى أنه لا بأس بها عند الأمن وانها لا تفطر
الصوم مطلقا، وحجتهم حديث ابن عباس وما وافقه. وقال عطاء والأوزاعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور
وابن خزيمة وابن المنذر وأبو الوليد النيسابورى وابن حبان: أنه يفطر الحاجم والمحجوم ويجب عليهما القضاء.
وشذ عطاء فأوجب الكفارة أيضاً، واحتج هؤلاء بحديث أفطر الحاجم والمحجوم وقال قوم : منهم مسروق
والحسن وابن سيرين بكره الحجماعة للصائم مطلقا، ولا يفسد الصوم بها، نعم ينقص أجر صيامهما بارتكاب.
هذا المكروه وأجاب القائلون بعدم الفطر عن حديث أفطر الحاجم والمحجوم بوجهين أحدهما ادعاء النسخ
قال ابن عبد البر: أنه منسوخ لحديث ابن عباس، لأن فى حديث شداد وغيره أنه تم له من عام الفتح على من
يحتجم لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان ، فقال أفطر الحاجم والمحجوم . وابن عباس شهد معه حجة الوداع سنة
عشر، وشهد حجامته حينئذ وهو محرم صائم. وحديث ابن عباس لا مدفع فيه عند أهل الحديث فهو ناسخ لا محالة
٤٨٩

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧- كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
لأنه لم يدرك بعد ذلك رمضان مع النبى معَواضع - انتهى. وسبق إلى ذلك الشافعى كما حكاه البيهقى عنه فى المعرفة
وفى السنن الكبرى (ج ٤ ص ٢٦٨) واعترض بأنه قد اختلف التوقيت فى حديث شداد ففي رواية عند البيهقى
أنه كان عام الفتح والنبى مؤلّ كان حينئذ بمكة ، وفى حديثه عند أبي داود والبيهقى أيضا إن ذلك كان بالبقيع وهو
بالمدينة، وكذا وقع فى حديث ثوبان عند البيهقى ( ج ٤ ص ٢٦٦) ففى دعوى النسخ على هذا نظر. وأيضا فى
حديث ابن عباس إنه احتجم صائما محرما ولم يكن محرما وهو مقيم، وإنما كان محرما وهو مسافر وللمسافر أن يفطر على ماشاء
من طعام وجماع وحجامة ، وكذا للتطوع بالصوم أن يفطرمتى شاء بالحجمامة وغيرها. قال ابن حبان: لايعارض
حديث ابن عباس حديث أفطر الحاجم والمحجوم لأنه يَّ لم يكن قط محرما الا وهو مسافرو المسافريباح له الافطار.
وقال ابن خزيمة فى هذا الحديث : أنه كان صائما محرما، قال: ولم يكن قط محرماً. وهو مقيم ببلده، أنما كان محرما
وهو مسافر، والمسافر إن كان ناويا للصوم فمضى عليه بعض النهار وهو صائم أبيح له الأكل والشرب على الصحيح،
فإذا جاز له ذلك جاز له أن يحتجم وهو مسافر فى بعض نهار الصوم. وإن كانت الحجامة تفطره - انتهى. قال
الزيلعى (ج ٢ ص ٤٧٨) لفظ البخارى ربما يدفع هذا التأويل لأنه فرق بين الخبرين فقال احتجم وهو مجرم
واحتجم وهو صائم فلينظر فى ذلك. وقال الحافظ فى الفتح بعد ذكر تأويل ابن خزيمة. وتعقب بأن الحديث ما
ورد هكذا لا لفائدة، فالظاهرأنه وجدت منه الحجامة وهو صائم لم يتحلل من صومه واستمر. وقال الخطابى فى
المعالم (ج ٢ ص ١١١) متعقبا على ابن خزيمة هذا التأويل غير صحيح، لأنه قد أثبته حين احتجم صائما، ولو كان
يفسد صومه بالحجامة لكان يقال أنه أفطر بالحجامة، كما يقال أفطر الصائم بشرب الماء وبأكل التمر وما أشبههما،
ولا يقال شرب ماء صائما ولا أكل تمراً وهو صائم ـ انتهى. وحاصله أن قوله ((وهو صائم)) دال على بقاء
الصوم. قال الحافظ فى التلخيص (ص١٩٠) بعد ذكره قلت: ولا مانع من اطلاق ذلك باعتبار ما كان حالة الاحتجام
لأنه على هذا التأويل إنما أفطر بالاحتجام والله أعلم - انتهى. وقال ابن حزم فى المحلى (ج ٦ ص ٢٠٤) صح
حديث أفطر الحاجم والمحجوم، فوجب الأخذ به إلا أن يصح نسخه ثم رد على من أدعى نسخه بحديث ابن عباس .
ثم قال لكن وجدنا من حديث أبى سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص فى الحجامة للصائم، وأسناده
صحيح. فوجب الأخذ به لأن الرخصة لا تكون إلا بعد العزيمة، فدل على أسخ الفطر بالحجامة سواء كان حاجما
أو محجوما .- انتهى مختصرا. والحديث المذكور أخرجه النسائى وابن خزيمة والدار قطنى والبزار والطبرانى فى
الأوسط والبيهقى . قال الحافظ فى الفتح: رجاله ثقات . ولكن اختلف فى رفعه ووقفه وله شاهد من حديث أنس
أخرجه الدار قطنى، ولفظه أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبى طالب احتجم وهو صائم فر به
٤٩٠
/

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧- كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أفطر هذان. ثم رخص النبي صلى الله عليه وسلم بعد فى الحجامة للصائم.
وكان أنس يحتجم وهو صائم ، ورواته كلهم من رجال البخارى إلا أن فى المتن ما ينكر ، لأن فيه إن ذلك كان
فى الفتح و جعفر کان قتل قبل ذلك ، ومن أحسن ما ورد فى ذلك ما رواه عبد الرزاق وأبوداود عن عبد الرحمن
ابن أبى ليلى عن رجل من أصحاب رسول الله مَّم قال: نهى النبي ◌َّم عن الحجامة للصائم، وعن المواصلة
ولم يجرمهما إبقاء على أصحابه اسناده صحيح. والجهالة بالصحابى لا تضر، وقوله ((إبقاء على أصحابه)) يتعلق
بقوله نهى، وقد رواه ابن أبى شيبة بلفظ: عن أصحاب محمد رَّم قالوا: إنما نهى النبي ◌ُ ◌ّه عن الحجامة للصائم
وكرمها للضعيف أى لئلايضعف -انتهى كلام الحافظ: الوجه الثانى الجمع والتأويل. قال الخطابي: (ج٢ص ١١٠)
وتأول بعضهم حديث أفطر الحاجم والمحجوم. فقال: معناه تعرضا للافطار. أما المحجوم فالضعف الذى يلحقه
من ذلك فيؤديه الى أن يعجز من الصوم. وأما الحاجم فلانه لا يؤمن أن يصل إلى جوفه من طعم الدم أو من
بعض أجراحه اذا ضم شفتيه على قصب الملازم، وهذا كما يقال للرجل يتعرض للهالك قد ملك فلان وان كان
باقيا سالما. وأنما يراد أنه قد أشرف على الهلاك، وكقوله بَّه من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين، يريد أنه
قد تعرض للذبح - انتهى. وبنحوه قال البغوى كما سيأتى فى الفصل الثانى. ورده ابن تيمية بأن قوله مؤ لّم أخطر
الحاجم والمحجوم له نص فى حصول الفطر لهما فلا يجوز أن يعتقد بقاء صومهما، والنبى متَ مخبر عنهما
بالفطر لاسيما، وقد أطلق هذا القول اطلاقاً من غير أن يقرنه بقرينة تدل على أن ظاهره غير مراد، فلو جاز أن
يربد مقاربة الفطردون حقيقته، لكان ذلك تلبيسا لا تبيينا للحكم - انتهى. قال الأمير اليمانى: بعد ذكر هذا قات:
ولا ريب فى أن هذا هو الذى دل له قوله فى حديث أنس فى قصة احتجام جعفر أفطر هذان ثم رخص النبى مؤ لّة
بعد فى الحجامة ، وتقدم أنه من أدلة نسخ حديث أفطر الحاجم والمحجوم . وقيل فى تأويله بأن المراد بذلك
رجلان بعينهما كانا مشتغلين بالغيبة فقال رسول الله م أفطر الحاجم والمحجوم أى الغيبة لا للحجامة، أخرجه
الطحاوى وعثمان الدارمى والبزار والبيهقى فى المعرفة ، وفى السنن وغيرهم. وفيه يزيد بن أبى ربيعة وهو متروك.
وحكم على بن المدينى بأنه حديث باطل . وقال ابن خزيمة: فى هذا التأويل إنه اعجوبة لأن القائل به لا يقول إن
الغيبة تفطر الصائم . وقال أحمد : ومن سلم من الغيبة ولوكانت الغيبة تفطر ما كان لنا صوم، وقد وجه الشافعى
هذا القول وحمل الافطار بالغيبة على سقوط أجر الصوم مثل قوله تعرؤية التكلم، والخطيب يخطب لا جمعة له
ولم يأمره بالاعادة، فدل على أنه أراد سقوط الأجر، وحينئذ فلا وجه لجعله أحجوبة كما قال ابن خزيمة . وقيل
فى تأويله أيضا إن الحجامة كانت مع الغروب أى م بهما مَثّ مساء، فقال: أفطر الحاجم والمحجوم كأنه عذر هما
٤٩١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
متفق عليه .
٢٠٢٣ - (٥) وعن أبى هريرة، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسى وهو صائم
فأكل أو شرب ،
بهذا القول إذ كانا قد أمسيا ودخلا فى وقت الافطار، كما يقال أصبح الرجل وأظهر وأمسى اذا دخل فى هذه
الأوقات. ويدل عليه ما روى ابن حبان والطبرانى فى الأوسط عن جابر أن النبى يَ ◌ّه أمر أبا طيبة فوضع المحاجم
مع غيبوبة الشمس، ثم أمره مع افطار الصائم حجم - الحديث . قال الهيشمى: بعد عزوه إلى الطبرانى رجاله رجال
الصحيح. وقيل معنى أفطرا فعلا مكروها، وهو الحجامة فصارا كأنهما غير متلبسين بالعبادة . قال الخطابي :
قال بعضهم: هذا على التغليظ لهما والدعاء عليهما كقوله فيمن صام الدهر، لا صام ولا أفطر فمعنى قوله أفطر
الحاجم والمحجوم على هذا التأويل أى بطل أجر صيامهما فكأنهما صارا مفطرين غير صائمين. وقيل معناه حان
لهما أن يفطرا كقوله أحصد الزرع اذا حان له أن يحصد وأركب المهر اذا حان له أن يركب ذكره الخطابى
أيضا. وقال الشوكانى: حديث ابن عباس لا يصلح لنسخ أحاديث الافطار لأنه لم يعلم تأخره نعم حديث ابن أبى
ليلى وأنس وأبى سعيد يدل على أن الحجامة غير محرمة ولا موجبة لافطار الحاجم ولا المحجوم، فيجمع بين
الأحاديث بأن الحجامة مكروهة (بكراهة التنزيه) فى حق من كان يضعف بها وتزداد الكراهة اذا كان الضعف
يبلغ الى حد يكون سببا الافطار، ولا تكره فى حق من كان لا يضعف بها وعلى كل حال تجنب الحجامة للصائم
أولى فيتعين حمل قوله أفطر الحاجم والمحجوم على المجاز لهذه الأدلة الصادقة له عن معناه الحقيقى - انتهى.
(متفق عليه) فيه نظر، فإن الحديث من أفراد البخارى وليس عند مسلم ذكر الاحتجام فى حالة الصوم أصلا،
ولذلك نسبه المجد فى المنتقى والحافظ فى بلوغ المرام والتلخيص والناباسى فى الذخائر إلى البخارى فقط . والظاهر
إن المنصف قلد فى ذلك ابن الأثير الجزرى اذعزاء فى جامع الأصول (ج ٧ ص١٩١) إلى البخارى ومسلم كليهما
ولا شك فى أن هذا وهم منه. وقد تقدم ذكر من أخرجه غير البخارى . وفى جواز الحجامة للصائم أحاديث عن
جماعة من الصحابة ذكرها العينى فى شرح البخارى (ج١١ ص ٤٠) والهيشمى فى مجمع الزوائد (ج٣ ص١٧٠)
٢٠٢٣ - قوله (من نسى) أى أنه فى الصوم (وهو صائم فأكل أو شرب) سواء كان قليلا أو كثيراً كما
رجحه النووى لظاهر اطلاق الحديث . قال العينى: لافرق عندنا وعند الشافعى بين القليل والكثير. وقال الرافعى
فیه و جهان ،کالو جهین . فیبطلان الصلاة بالكلام الکثیر- انتهى . وقد روى أحمد من حديث أم اسحاق انها كانت
عند النبى ث فأتى بقصعة من ثريد فأكلت معه ثم تذكرت إنها كانت صائمة. فقال: لها ذواليدين الآن بعد ما
٤٩٢

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧- كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
فليتم صومه ، فإنما أطعمه اللّه وسقاه.
شبعت فقال لها التى مثل أمى صومك فإنما هو رزق ساقه الله اليك: قال الحافظ: بعد ذكره وفى هذا رد على
من فرق بين قليل الأكل وكثيره - انتهى. ويروى وشرب واقتصر عليهما دون باقى المفطرات لأنهما الغالب فى
النسيان (فليتم صو٨٠) وفى رواية الترمذى فلا يفطر قال العراقى يجوز أن يكون ((لا)) فى جواب الشرط للنهى
ويفطر مجزوماً، ويجوز أن تكون ((لا)) نافية ويفطر مرفوعا، وهو أولى فانه لم يرد به النهى عن الافطار، وأنما
المراد أنه لم يحصل افطار الناسى بالأكل ويكون تقديره من أكل أو شرب ناسيا لم يفطر - انتهى. ثم لما لم يكن
أكله وشربه باختياره المقتضى لفسادصومه بل لأجل انساءه تعالى له لطفا به وتيسيرا عليه بدفع الحرج عن نفسه علله
مؤلّه بقوله (فانما أطعمه الله وسقاه) أى ليس له فيه مدخل قال السندى: كأن المراد قطع نسبة ذلك الفعل إلى
العبد بواسطة النسيان ، فلا يعد فعله جناية منه على صومه مفسداً له وإلا فهذا القدر موجود فى كل طعام وشراب
يأكله الانسان أكله عمداً أو سهواً وقال الخطابي: النسيان من باب الضرورة، والأفعال الضرورية غير مضافة
فى الحكم إلى فاعلها، ولا يؤاخذ بها . وفى رواية الترمذى فانما هو رزق رزقه الله. قال العينى: قوله فانما تعليل
المكون الناسى لا يفطر، ووجه ذلك إن الرزق لما كان من اللّه ليس فيه للعبد تحيل فلا ينسب اليه شبه الأكل ناسيا
به، لأنه لا صنع للعبد فيه والا فالأ كل متعمداً حيث جاز له الفطر رزق من الله تعالى باجماع العلماء وكذلك هو
رزق وإن لم يجز له الفطر على مذهب أهل السنة - انتهى. والحديث دليل على أن من أكل أو شرب ناسيا
لصومه فانه لا يفطره ولا يوجب القضاء، واليه ذهب الجمهور الشافعى وأحمد وأبو حنيفة واسحاق والأو زاعى
والثورى وعطاء وطاؤس. وقال مالك: يبطل صومه ويجب عليه القضاء وهو قوله شيخه ربيعة وجميع أصحاب
مالك لكن فرقوا بين الفرض والنفل واحتج الجمهور لقولهم بحديث الباب لأنه أمر بالاتمام وسمى الذى يتمه
صوما، وظاهره حله على الحقيقة الشرعية فيتمسك به حتى يدل دليل على أن المراد بالصوم هنا حقيقته اللغوية، وإذا
كان صوما وقع مجزئا ويلزم من ذلك عدم وجوب القضاء كذا قرره ابن دقيق العيد (ج٢ ص٢١٢) قال وقوله
((فانما أطعمه الله وسقاه)) يستدل به على صحة الصوم، فإن فيه اشعاراً بأن الفعل الصادر منه مسلوب الاضافة
اليه، والحكم بالفطر يلزمه الاضافة اليه - انتهى. واستدل لمن ذهب إلى الفطر وإيجاب القضاء بأن ركن
الصوم هو الامساك عن المفطرات فإذا فات ركنه يفسد الصوم كيف ما كان. قال ابن دقيق العيد (ج٢ ص٢١١).
ذهب مالك إلى إيجاب القضاء وهو القياس، فإن الصوم قد فات ركنه وهو من باب المأمورات. والقاعدة تقتضى
أن النسيان لا يؤثر فى باب المأمورات. وقال ابن العربى: تمسك جميع الفقهاء بظاهر هذا الحديث وتطلع مالك
٤٩٣

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
إلى المسئلة من طريقها فأشرف عليه، لأن الفطر ضد الصوم والامساك وكن الصوم، فأشبه مالونسى ركعة من
الصلاة وسيأتى الجواب عن هذا الاستدلال. واعتذر المالكية عن حديث الباب بوجوه. منها إن المراد فليتم
إمساكه عن المفطرات يعنى إن الصوم محمول على معناه اللغوى فيكون أمراً بالامساك بقية يومه كالحائض إذا
ظهرت فى أثناء اليوم وهو مدفوع أولا ، بأن الاتفاق على أن الحمل على المفهوم الشرعى حيث أمكن فى لفظ الشارع
واجب ، فان قيل يجب ذلك الدليل على البطلان وهو القياس الذى تقدم ذكره، قلنا حقيقة النص مقدم على
القياس لوتم فكيف وهو لايتم ، فانه لا يلزم من البطلان مع النسيان فيما له هيئة مذكرة البطلان معه فيما لا مذكر
له وهيئة الاحرام والاعتكاف والصلاة مذكرة فانها تخالف الهيئة العادية ولا كذلك الصوم والنسيان غالب
للانسان، فلا يلزم من عدم عذره بالنسيان مع تلك عدم عذره به مع الصوم. وثانيا، بأن نفس اللفظ يدفعه
وهو قوله ((فليتم صومه)) وصومه إنما كان الشرعى فاتمام ذلك إنما يكون بالشرعى. وثالثا، بما ورد من نفى
القضاء صريحاكما سيأتى. ومنها إنه محمول على التطوع حكاه ابن التين عن ابن شعبان، وكذا قال ابن القصار:
واعتل بأنه لم يقع فى الحديث تعيين رمضان فيحمل على التطوع. ومنها أنه محمول على رفع الاثم وسقوط
المؤاخذة. قال القرطبى: احتج بالحديث من أسقط القضاء، وأجيب بأنه لم يتعرض فيه للقضاء فيحمل على سقوط
المؤاخذة لأن المطلوب صيام يوم لا خرم فيه. ومنها إن المراد منه سقوط الكفارة عنه. قال المهلب وغيره:
لم يذكر فى الحديث إسقاط القضاء فيحمل على سقوط الكفارة عنه وإثبات عذره ورفع الاثم عنه وبقاء نيته التى
بيتها - انتهى. والجواب عن ذلك كله بما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم (ج ١ ص ٤٣٠) وصححه
والدار قطنى (ص ٢٣٧) والطبر انى فى الأوسط والبيهقى (ج ٤ ص ٢٢٩) من طريق محمد بن عبد الله الأنصارى
عن محمد بن عمرو، عن أبى سلمة عن أبى هريرة بلفظ: من أفطر فى شهررمضان ناسيا فلاقضاء عليه ولا كفارة فعين
رمضان وصرح باسقاط القضاء، وقد انفرد بذكر اسقاط القضاء الأنصارى وموثقة. وأخرجه النسائى من طريق
على بن بكار عن محمد بن عمرو، ولفظه فى الرجل يأكل فى شهر رمضان ناسيا فقال الله أطعمه وسقاه. وقد ورد
- اسقاط القضاء من وجه آخر عن أبى هريرة ، أخرجه الدار قطنى من رواية محمد بن عيسى بن الطباع عن ابن علية
عن هشام عن ابن سيرين ولفظه فانما هو رزق ساقه الله اليه ولا قضاء عليه. وقال: بعد تخريجه هذا إسناد صحيح
وكلهم ثقات. قال الحافظ: ولكن الحديث عند مسلم وغيره من طريق ابن علية وليس فيه هذه الزيادة، وروى
الدار قطنى أيضاً إسقاط القضاء من رواية أبي رافع وأبى سعيد المقبرى والوليد بن عبد الرحمن وعطاء بن يسار
كلهم عن أبى هريرة وأخرج (ص٢٣٧) أيضا (وكذا الطبرانى فى الأوسط) من حديث أبي سعيد رفعه من أكل
٤٩٤

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧- كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
فى شهر رمضان ناسيا فلا قضاء عليه، وإسناده، وإن كان ضعيفا (لأن فيه محمد بن عبيد الله العزرمى الفزارى
وهو ضعيف) لكنه صالح التابعة فأقل درجات الحديث بهذه الزيادة أن يكون حسنا فيصلح للاحتجاج به. وقد
وقع الاحتجاج فى كثير من المسائل بما دونه فى القوة ويعتضد أيضا بأنه قد أفتى به جماعة من الصحابة من غير
خالفة لهم منهم ، كما قاله ابن المنذر وابن حزم وغيرهما على بن أبى طالب وزيد بن ثابت وأبو هريرة وابن عمر .
ثم هو موافق لقوله تعالى ( ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم - البقرة: ٢٢٥) فالنسيان ليس من كسب القلب
وموافق للقياس فى إبطال الصلاة بعد الأكل لا بنسيانه فكذلك الصيام. وأما القياس الذى ذكره ابن العربى
فهو فى مقابلة النص فلا يقبل - انتهى كلام الحافظ. وتأول المالكية حديث سقوط القضاء على أن معناه لا قضاء
عليه الآن وهذا تعسف ظاهر وأجاب عنه ابن العربى بأن خبر الواحد اذا جاء بخلاف القواعد لم يعمل به،
فلما جاء الحديث الأول الموافق للقاعدة فى رفع الاثم عملنا به، وأما الثانى فلا يوافقها فلم فعمل به. وتعقبه
الحافظ بأن رد الحديث مع صحته بكونه خبر واحد. خالف القاعدة ليس بمسلم ، لأنه قاعدة مستقلة بالصيام، فمن
عارضه بالقياس على الصلاة ادخل قاعدة فى قاعدة، ولو فتح باب رد الأحاديث الصحيحة بمثل هذا لما بقى من
الحديث الا القليل ولرد من شاء ما شاء. قال الشوكانى: وأما اعتذار ابن دقيق العيد فيجاب عنه بأن غاية هذه
القاعدة المدعاة أن تكون بمنزلة الدليل ، فيكون حديث الباب مخصصا لها - انتهى. وفى الحديث لطف الله بعباده
والتيسير عليهم ورفع المشقة والحرج عنهم واختلفوا فيما إذا جامع ناسيا فى نهاررمضان فقال الثورى وأصحاب
الرأى والشافعى واسحاق: مثل قولهم فيمن أكل أو شرب ناسياً، واليه ذهب الحسن ومجاهد، واستدل لهم
بأن الحديث وإن ورد فى الأكل والشرب لكنه معلول بمعنى يوجد فى الكل أى الأكل والشرب والجماع،
وهو أنه فعل مضاف الى الله تعالى على طريق التمحيض بقوله: فإنما أطعمه الله وسقاء قطع إضافته عن
العبد بوقوعه فيه من غير قصده واختياره. وهذا المعنى يوجد فى الكل والعلة اذا كانت منصوصاً عليها كان
الحكم منصوصا عليه، ويتعمم الحكم بعموم العلة، وكذا معنى الحرج يوجد فى الكل. واستدل لهم أيضاً بما تقدم
فى رواية ابن خزيمة وغيره من قوله ((من أخطر فى شهر رمضان)) لأن الفطر أعم من أن يكون بأكل أو شرب
أو جماع. وانما خص الأكل والشرب بالذكر فى الطريق الأخرى لكونهما أغلب وقوعا ولعدم الاستغناء عنهما
غالبا. قال ابن دقيق العيد: تعليق الحكم بالأكل والشرب للغالب لأن نسيان الجماع نادر بالنسبة اليهما وذكر
الغالب لا يقتضى مفهوماً - انتهى. وقال عطاء والأوزاعى ومالك والليث بن سعد: عليه القضاء أى بدون
الكفارة وقال أحمد عليه القضاء والكفارة، واحتج له بأن النبي ◌ّ لم يسأل الذى وقع على أهله أنسيت أم
٤٩٥

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
متفق عليه .
٢٠٢٤ - (٦) وعنه، قال بينما نحن جلوس عند النبى صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال:
يا رسول الله! هلكت .
عمدت، ولو افترق الحال لسأل واستفصل. وتعقبه الخطابى (ج ٢ ص ١٢١) بأن معناه فى هذا اقتضاء العموم
من الفعل ، والعموم إنما يقتضى من القول دون الفعل . وإنما جاء الحديث بذكر حال وحكاية فعل فلا يجوزوقوعه
على العمدوالنسيان معاً فبطل أن يكون له عموم. ومن مذهب أبى عبد الله يعنى الامام أحمد أنه إذا أكل ناسيا لم يفسد
صومه لأن الأكل لم يحصل منه على وجه المعصية، فكذلك إذا جامع ناسياً. فاما المتعمد لذلك فقد حصل منه
الفعل على وجه المعصية فلذلك وجبت عليه الكفارة - انتهى. وأجيب أيضا بأن الأصل فى الأفعال أن تكون
عن عمد، وإن الناسى لابد أن يذكر النسيان إذا استفتى لأنه عذر ولا يحتاج إلى السؤال عنه (متفق عليه)
واللفظ لمسلم، وأخرجه أحمد والترمذى وأبو داود والنسائى فى الكبرى وابن ماجه والدارمى وغيرهم.
٢٠٢٤ - قوله ( بيتا) أصله بين فأشبعت فتحة النون وصار بينا ثم زيدت فيه الميم فصار بينما
.ويضاف إلى جملة اسمية وفعلية، ويحتاج الى جواب يتم به المعنى والافصح فى جوابها أن لا يكون فيه ((اذ واذا))
ولكن كثر مجيئها كذلك ومنه قوله هنا (إذ جاءه رجل) قيل الرجل هو سلمة بن صخر البياضى جزم به عبد الغنى
فى المبهمات، وتبعه ابن بشكوال واستند الى ما أخرجه ابن أبى شيبة وغيره من طريق سليمان بن يسار عن سلمة
ابن صخر أنه ظاهر من إمرأته فى رمضان وإنه وطنها . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: حرر رقبة - الحديث.
وانتقد بأن ذلك هو المظاهر فى رمضان أتى أهله فى الليل رأى خلخالها فى القمر، وفى تمهيد ابن عبد البر عن سعيد بن
المسيب إن الرجل الذى وقع على إمرأته فى رمضان سلمان بن صخر أحد بنى بياضة. قال وأظن هذا وهما أتى من
الراوى أى لأن ذلك إنما هو فى المظاهر وقع على إمرأته فى الليل. وأما المجامع فاعرابى فهما واقعتان فان فى
قصة المجامع فى حديث الباب إنه كان صائماً كما سيأتى وفى قصة سلمة بن صخر أنه كان ذلك ليلا كما عند الترمذى
فافترقا ، ولا يلزم من اجتماعهما فى كونهما من بنى بياضة وفى صفة الكفارة، وكونها مرتبة، وفی کون كل منهما
كان لا يقدر على شىء من خصالها إتحاد القصتين. ( فقال يا رسول الله هلكت) وقع فى رواية البيهقى ( ج ٤
ص٢٢٦) وأبى عوانة والجوزقى جاء رجل وهو ينتف شعره ويدق صدره ويقول هلك الأبعد. ولأحمد ( ج ٢
ص ٥١٦) والدار قطنى فى العلل يلطم وجهه والبيهقى (ج ٤ ص ٢٢٦) وأحمد (ج ٢ ص ٢٠٨) يدعو ويله وفى
مرسل ابن المسيب عند مالك فى الموطأ يضرب نحره وعند الدار قطنى ويحثى على رأسه التراب. واستدل
٤٩٦

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧- كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
قال: مالك؟ قال: وقعت على امرأتى
بهذا على جواز هذا الفعل، والقول ممن وقعت له معصية، ويفرق بذلك بين مصيبة الدين والدنيا ، فيجوز فى
مصيبة الدين لما يشعر به الحال من شدة الندم . وصحة الاقلاع، ويحتمل أن تكون هذه الواقعة قبل النهى عن
لطم الخدود وحلق الشعر عند المصيبة قاله الحافظ. ووقع فى حديث عائشة عند البخاري وغيره احترقت واستدل
به على أنه كان عامدا لأن الهلاك والاحتراق مجاز عن العصيان المؤدى إلى ذلك فكأنه جعل المتوقع کالواقع وبالغ
فعبر عنه بلفظ الماضى، واذا تقرر ذلك فليس فيه حجة على وجوب الكفارة على الناسى وهو مشهور قول مالك
والجمهور ، وعن أحمد وبعض المالكية يجب على الناسى وتمسكوا بترك استفساره عن جماعه هل كان عن عمرد أو
نسيان وترك الاستفصال فى الفعل ينزل منزلة العموم فى القول كما اشتهر. وقد تقدم جوابه عن الخطابى فى
شرح الحديث السابق، وأجاب الحافظ عنه بأنه قد تبين حاله بقوله هلكت واحترقت فدل على أنه كان عامدا
عارفا بالتحريم ، وأيضاً فدخول النسيان فى الجماع فى نهار رمضان فى غاية البعد - انتهى. قال ابن دقيق العيد
(ج٢ ص ٢١٤) إن حالة النسيان بالنسبة الى الجماع ومحاولة مقدماته وطول زمانه وعدم إعتياده فىكل وقت ما
يبعد جريانه فى حالة النسيان، فلا يحتاج الى الاستفصال على الظاهر. لاسيما وقد قال الاعرابى هلكت فانه يشعر
بتعمده ظاهرا ومعرفته بالتحريم - انتهى قال الحافظ. واستدل بهذا على أن من ارتكب معصية، لاحد فيها
وجاء مستفتيا إنه لا يعزر لأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يعاقبه مع اعترافه بالمعصية. وقد ترجم لذلك البخارى
فى الحدود. وأشار الى هذه القصة وتوجيهه إن مجيئه مستفتياً يقتضى الندم والتوبة والتعزير إنما جعل الاستصلاح
ولا استصلاح مع الصلاح، وأيضاً فلو عوقب المستفتى ل كان سبباً لترك الاستفتاء وهى مفسدة عظيمة، فاقتضى
ذلك أن لا يعاقب هكذا قرره ابن دقيق العيد. لكن وقع فى شرح السنة البغوى إن من جامع متعمدا فى رمضان
فسد صومه وعليه القضاء والكفارة، ويعزر على سوء صنيعه وهو محمول على من لم يقع منه ما وقع من صاحب
هذه القصة من الندم والتوبة - انتهى. (قال مالك) بفتح اللام ((وما)) استفهامية محلها رفع بالابتداء أى أى شىء
حصل أو وقع لك ولابن خزيمة ويحك ما شأنك ولأحمد (ج ٢ ص ٥١٦) وما الذى أهلكك وفى الأدب عند
البخارى ويحك ما صنعت ( وقعت على إمرأتى) وعند البزار أصبت أهلى، وفى حديث عائشة وطئت إمراقى،
ووقع فى رواية مالك وابن جريج وغيرهما عند مسلم وغيره إن رجلا أفطر فى رمضان فأمره النبي موضة - الحديث.
واستدل به على إيجاب الكفارة على من أفسد صيامه مطلقاً بأى شىء كان، وهو قول المالكية والحنفية.
واختلف الأئمة فيه، لحمكى عن عطاء والحسن والثورى والزهرى والأوزاعى وإسحاق، إن الفطر بالأكل والشرب.
عمدا، يوجب ما يوجبه الجماع من القضاء والكفارة، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما. وذهب سعيد بن
٤٩٧

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
وأنا مائم،
خبير والنخعى وابن سيرين وحماد والشافعى وأحمد وأهل الظاهر، إلى أن الكفارة إنما تلزم فى الافطار بالجماع
فقط. فحملوا قوله ((أفطر)) ههنا على المقيد فى الرواية الأخرى، وهو قوله وقعت على امرأتى وكأنه قال
أفطر بجماع واحتج من أوجب الكفارة مطلقاً بقياس الآكل على المجامع بجامع ما بينهما من انتهاك حرمة
الصوم، وبأن من أكره على الأكل فسد صومه كما يفسد صوم من أكره على الجماع بجامع ما بينهما. وتعقب
بأن الفرق بين الانتهاك بالجماع والأكل ظاهر فلا يصح هذا القياس. قال ابن قدامة: لا يصح قياسه على الجماع
لأن الحاجة إلى الزجر عنه أمس والحكم فى التعدى به آكد، ولهذا يجب به الحد إذا كان محرماً. ويختص بافساد
الحج دون سائر محظوراته، ووجوب البدنة. ولأنه فى الغالب يفسد صوم اثنين بخلاف غيره - انتهى. وقد
وقع فى حديث عائشة نظير ما وقع فى حديث أبى هريرة ، فمعظم الروايات فيها وطئت إمرأتى ونحو ذلك، وفى
رواية ساق مسلم إسنادها وساق أبو عوانة فى مستخرجه متنها أنه قال أفطرت فى رمضان، والقصة واحدة ومخرجها
متحد ، فيجمل على أنه أراد أفطرت فى رمضان بجماع. وقد وقع فى مرسل سعيد بن المسيب عند سعيد بن منصور
أصبت امرأتى ظهراً فى رمضان وبتعيين رمضان ، يفهم الفرق فى وجوب كفارة الجماع فى الصوم بين رمضان
وغيره من الواجبات كالنذر هذا. وقد استدل لمذهب الحنفية ابن الهمام بقوله أفطر فى بعض الروايات والكاسانى
بالمواقعة المذكورة فى أكثر الروايات وبالقياس عليها، وأطالا الكلام فى تقرير ذلك من شاء الوقوف عليه رجع
إلى فتح القدير والبدائع. وقال صاحب فتح الملهم: بعد ذكر تقرير ابن الهمام. والحق إن هذه الأدلة لا تخلو
عن ضعف إسناد أو ضعف دلالة على المطلوب فلا تصلح أن تكون دعامة لاثبات المسئلة واساساً له نعم ، تعتبر فى
معرض الاستشهاد والتأثيد بعد ثبوت أصل المسئلة ثم ذكر تقرير صاحب البدائع وابن الهمام لاثبات أصل المسئلة
بالجماع المذكور فى الروايات وبالقياس عليه ثم قال: ولكن يختلج فى قلب العبد الضعيف إن الوصف المؤثر الذى
هو مناط الحكم فى المنصوص هل هو إفساد الصوم بالجماع خاصة أو إفساده بالمفطر الكامل مطلقاً والظاهر من
إيجاب التكفير بكفارة الظهار هو الأول ، فان المظاهر يحرم إمرأته على نفسه تحريما غليظاً بالخاش القول فيه ، ثم
يعود لما قاله فيجب عليه كفارةُ الظهار. وهكذا الصائم فى رمضان لما حرم على نفسه الجماع تحريما غليظا بنيته
ومصادفته ذلك الوقت الشريف المبارك، ثم وقع فيه صار مثل المظاهر وصار حكمهما واحدا، وليس كل من حرم
على نفسه أكل شىء أوشربه بأغلظ الأقوال والحتها ثم حنث فيه يجب عليه ما يجب على المظاهر ، فافترق الجماع،
والأكل ضرورة فكيف يكون المفطر بالأكل ملحقاً بالمظاهر فى وجوب الكفارة والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب
- انتهى. (وأنا صائم )) جملة حالية من قوله: ((وقعت)) فيؤخذ منه إنه لا يشترط فى اطلاق اسم المشتق بقاء
المعنى المشتق منه حقيقة لاستحالة كونه صائماً مجامعاً فى حالة واحدة، فعلى هذا قوله وطئت أى شرعت فى الوطء
٤٩٨

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا، قال فهل تستطيع أن
قصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: هل تجد إطعام ستين مسكينا قال: لا ،
أو أراد جامعت بعد إذ أنا صائم قاله الحافظ (هل تجد رقبة تعتقها) أى تقدر فالمراد الوجود الشرعى ليدخل
فيه القدرة بالشراء ونحوه، ويخرج عنه مالك الرقبة المحتاج اليها بطريق معتبر شرعا. وفى رواية لأحمد أ نستطيع
أن تعتق رقبة (قال) الرجل ( لا) أجد رقبة، وفى حديث ابن عمر عند أبي يعلى والطبرانى. فقال: والذى
بعثك بالحق ما ملكت رقبة قط. واستدل به من أجاز إعتاق الرقبة الكافرة فى الكفارة لأجل الاطلاق وهم
الحنفية وابن حزم، ومن يشترط الايمان وهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعى وأحمد ، يقيد الاطلاق ههنا بالتقييد
فى كفارة القتل ، وهو ينبنى على أن السبب اذا اختلف واتحد الحكم، هل يقيد المطلق أم لا؟ واذا قيد فهل هو
بالقياس أم لا؟ والمسئلة مشهورة فى أصول الفقه. والأغرب أنه أن قيد فبالقياس، ويؤيده التقييد فى مواضع
أخرى ( فهل تستطيع ) أى تقوى وتقدر (أن تصوم شهرين متتابعين) وفى رواية للبخارى قال: فصم شهرين
متابعين، وفيه اشتراط التابع، وعلى هذا جمهور الفقهاء. وقال ابن أبى ليلى: ليس التتابع بلازم فى ذلك،
والحديث حجة عليه ( قال لا) وفى رواية لا أقدر عليه، والبزار وهل لقيت ما لقيت إلا من الصيام.
قال ابن دقيق العيد: لا إشكان فى الانتقال عن الصوم إلى الإطعام، لكن رواية البزار هذه اقتضت إن عدم
استطاعته لشدة شبقه وعدم صبره عن الوقاع، فنشأ الشافعية نظر هل يكون ذلك أى شدة الشبق
عذرا، حتى يعد صاحبه غير مستطيع للصوم أو لا؟ والصحيح عندهم اعتبار ذلك. ويلتحق به من يجد رقبة
لاغنى به عنها فانه يسوغ له الانتقال الى الصوم مع وجودها لكونه فى حكم غير الواجد كذا فى الفتح (قال هل)
وفى البخارى قال فهل (تجد اطعام ستين مسكينا قال لا) وفى رواية فهل تستطيع اطعام وفى أخرى فتطعم ستين
مسكيناً. قال: لا أجد. ولأحمد أفتستطيع أن تطعم ستين مسكيناً قال لا، وذكر الحاجة. وفى حديث ابن عمر
قال والذي بعثك بالحق ما أشبع أهلى، والمراد بالمسكين هنا أعم من الفقير، لأن كلا منهما حيث أفرد يشمل
الآخر. وإنما يفترقان عند اجتماعهما نحو ﴿ إنما الصدقات للفقراء والمساكين - التوبة: ٦٠) والخلاف فى
معناهما حينئذ معروف. قال ابن دقيق العيد: قوله: ((إطعام ستين مسكينا ، يدل على وجوب اطعام هذ العدد
لأنه أضاف الاطعام الذى هو مصدر أطعم إلى ستين، فلا يكون ذلك موجوداً فى حق من أطعم عشرين مسكيناً
ثلاثة أيام مثلا. ومن أجاز ذلك فكأنه استنبط من النص معنى يعود عليه بالابطال، والمشهور عن الحنفية الاجزاء
حتى لو أطعم الجميع مسكيناً واحداً فى ستين يوماً كفى. قال الحافظ: والمراد بالإطعام الاعطاء لا اشتراط حقيقة
٤٩٩

مرعاة المفاتيح ج ٦
٧ - كتاب الصوم
٣ - باب تنزيه الصوم
الاطعام من وضع المطعوم فى الفم. بل يكفى الوضع بين يديه بلا خلاف، وفى اطلاق الاطعام مايدل على الاكتفاء
بوجود الاطعام من غير اشتراط مناولة بخلاف زكاة الفرض، فان فيها النص على الايتاء. وصدقة الفطر فان فيها
التنص على الأداء، وفى ذكر الاطعام ما يدل على وجود طاعمين فيخرج الطفل الذى لم يطعم كقول الحنفية، ونظر
الشافعى الى النوع فقال: يسلم لوليه وذكر الستين ليفهم أنه لا يجب مازاد عليها، ومن لم يقل بالمفهوم تمسك بالاجماع
على ذلك. والحكمة فى هذه الخصال الثلاث فى الكفارة على ما ذكر إن من انتهك حرمة الصوم بالجماع فقد
أهلك نفسه بالمعصية، فناسب أن يعتق رقبة فيفدى نفسه. وقد صح أن من اعتق رقبة اعتق الله بكل عضو منها عضواً
منه من النار . وأما الصيام فمناسبته ظاهرة لأنه كالمقاصة بجنس الجناية. وأما كونه شهرين فلانه لما أمر بمصايرة
النفس فى حفظ كل يوم من شهر رمضان على الولاء، فلما أفسد منه يوماً كان كمن أفد الشهر كله من حيث أنه
عبادة واحدة بالنوع، فكاف بشهرين مضاعفة على سبيل المقابلة لنقيض قصده . وأما الاطعام فناسبته ظاهرة لأنه
. قابلة كل يوم باء طعام مسكين. وفى الحديث دليل على جريان الخصال الثلاث المذكورة، فى الكفارة واليه ذهب جمهور
العلماء، واختلفت الرواية عن مالك فى ذلك ، فالمشهور عنه الجزم فى كفارة الجماع فى رمضان بالاطعام دون غيره
من الصيام والعتق، وعنه يكفر بالأكل بالتخيير، وفى الجماع بالاطعام فقط. وعنه التخيير مطلقاً، وفى المدونة.
ولا يعرف مالك غير الاطعام ولا يأخذ بعتق ولا صيام . قال ابن دقيق العيد: وهى معضلة لا يهتدى إلى توجيهها
مع مصادمة الحديث الثابت غير أن بعض المحققين من أصحابه حمل هذا اللفظ وتأوله على الاستحباب فى تقديم
الطعام على غيره من الخصال، ووجهوا ترجيح الطعام على غيره بوجوه فذكرما ثم قال: وكل هذه الوجوه
لا تقاوم ما ورد فى الحديث من تقديم العقق على الصيام، ثم الاطعام سواء، قلنا الكفارة على الترتيب أو التخيير
فان هذه البداءة إن لم تقتض وجوب الترتيب فلا أقل من أن تقتضى استحبابه، واحتج لمالك أيضاً بأن حديث
عائشة لم يقع فيه سوى الاطعام، وجوابه أنه اختصار من بعض الرواة، وقد ورد فيه من وجه آخر ذكر العق
أيضاً ، ووقع فى حديث أبى هريرة ذكر العتق وصيام شهرين أيضاً، والقصة واحدة. ومن حفظ حجة على من
لم يحفظ. ومن المالكية من وافق على هذا الاستخباب، ومنهم من قال إن الكفارة تختلف باختلاف الأوقات،
ففى وقت الشدة تكون بالإطعام، وفى غيرها تكون بالعتق والصوم، ونقلوه عن محقق المتأخرين . ومنهم من قال
الافطار بالجماع يكفر بالخصال الثلاث وبغيره لا يكفر الا بالاطعام وهو قول أبى مصعب. وقال ابن جرير
الطبرى: هو خير بين العقق والصوم، ولا يطعم الا عند العجز عنهما. وفى الحديث أنه لا مدخل لغير هذه
الثلاث فى الكفارة وجاء عن بعض المتقدمين إهداء البدنة عند تعذر الرقبة، وربما أيده بعضهم بالحاق إفساد