Indexed OCR Text
Pages 181-200
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
الفصل الثالث )
١٨٢٨ - (٢٠) عن على، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ليس صدقة،
حول كالزروع - انتهى. قال ابن رشد (ج١ ص ٢٤٣) وسبب اختلافهم تردد شبهه بين ما تخرجه الأرض مما
تجب فيه الزكاة ، وبين التبر والفضة المقتنيين، فن شبهه بما تخرجه الأرض لم يعتبر الحول فيه، ومن شبهه بالتبر
والفضة المقتنيين أوجب الحول، وتشبيهه بالتبر والفضة أبين ـ انتهى. وقد اعترض أيضا أبو عبيد (ص ٣٤١،
٣٤٢) على تشبيه المعدن بالزرع، وابن حزم (ج ٦ ص ١١٠) على قياسه على الزرع والركاز، ووافق فى ذلك
إسحاق حيث قال (ج ٦ ص ١١١) لازكاة فى مال غير الزرع إلا بعد الحول. والمعدن من جملة الذهب والفضة
فلا شىء فيها إلا بعد الحول، وهذا قول الليث بن سعد وأحد أقوال الشافعى وقول أبى سليمان - انتهى.
١٨٢٨ - قوله (ليس فى الخضراوات) بفتح الخاء المعجمة جمع خضراء والمراد بها الرياحين والأوراد
والبقول والخيار والقشاء والبطيخ والباذنجان وأشباه ذلك. قال يحيى بن آدم فى الخراج: (ص ١٤٦) الخضر
عندنا الرطاب والرياحين والبقول والفاكهة مثل الكمثرى والسفرجل والخوخ والتفاح والتين والاخاص
والمشمش والرمان والخيار والقثاء والنبق والباقلى والجزروالموز والمقل والجوز واللوز والبطيخ وأشباهه- انتهى.
وقال الأمير اليمانى: الخضراوات ما لا يكال ولا يقتات (صدقة) لأنها لاتقتات، والزكاة تختص بالقوت، وحكمته
أن القوت ما يقوم به بدن الانسان، لأن الأقتيات من الضروريات التى لاحياة بدونها، فوجب فيها حق لأرباب
الضرورات قاله القارى. والحديث يدل على ما ذهب إليه الجمهور من عدم وجوب الزكاة فى الخضراوات ، وقد
ورد فى هذا أحاديث أخرى مرفوعة عن عائشة ومحمد بن جحش وأنس ومعاذ وطلحة، لكنها كلها ضعيفة كحديث
على هذا، وقد ذكرها مع بيان ضعفها الزيلعى فى نصب الراية (ج٢ ص ٣٨٦ - ٣٨٩) وقال الترمذى: ليس يصح
فى هذا الباب أى فى نفى زكاة الخضراوات عن النبي صلى الله عليه وسلم شىء - انتهى. وأقوى ما استدل به
للجمهور إن الخضر كانت بالمدينة فى زمن النبي ◌َّم بحيث لا يخفى ذلك، ولم ينقل أنه أمر باخراج شىء منها،
ولا أن أحد أخذ منها زكاة ولا أنهم يؤدونها اليه، ولو كان ذلك لنقل كما نقل زكاة سائر ما أمر به النبي مؤ لّه
ثبت أنه لا زكاة فيها. وذهب أبو حنيفة الى أنه تجب الزكاة فى كل ما تخرجه الأرض سواء كان من الحبوب
أو الثمار أو الفوا که أو البقول أو غير ذلك بعد ما كان المقصود به استغلال الأرض ، وروى ذلك عن عمر بن
عبد العزيز وأبي بردة بن أبى موسى وحماد والنخعى ، وهو قول داود الظاهرى وقواه ابن العربى ، واليه يظهر
ميل الفخر الرازى وهو مختار شيخ مشائخنا العلامة الغازى فورى. واستدل لهم بعموم قوله تعالى: ﴿رخذ من
أموالهم صدقة - التوبة: ١٠٣) وقوله: ﴿وما أخرجنا لكم من الأرض - البقرة: ٢٦٧) وقوله: ﴿ وآتوا حقه
١٨١٠
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
ولا فى العرابا
يوم حصاده الأنعام: ١٤١﴾ قال الباجى: والحق ههنا هو الزكاة، لأنه لا خلاف إنه ليس فيه حق واحب غيره،
والأمر يقتضى الوجوب - انتهى. وبعموم حديث فيما سقت السماء العشر ونحوه. قالوا: وحديث الخضراوات
إن صح لم يصلح لتخصيص هذه العمومات لكونه من أخبار الآحاد فكيف، وهو ضعيف بجميع طرقة . قالوا
وهو محمول على صدقة يأخذها العاشر لأنه، إنما يأخذ من مال التجارة ، اذا حال عليه الحول وهذا بخلافه ظاهرا
أو على أنه لا يأخذ من عينها بل يأخذ من قيمتها، لأنه يتضرر بأخذ العين فى البرارى حيث لم يحد من يشتريها ،
أو على أنه لا يأخذها الساعى بل يؤديها المالك بنفسه هذا، وقد تقدم شىء من البسط فى زكاة المعشرات فى شرح
حديث الأوساق مع بيان القول الراجح فى ذلك. (ولا فى العرايا) جمع عربة وهى عطية ثمر النخل دون الرقبة
كان العرب فى الجدب يتطوع أهل النخل بذلك على من لاثمر له كما يتطوع صاحب الشاة أو الابل بالمنيحة، وهى
عطية اللبن دون الرقبة. همال فى القاموس واعراه النخلة وذهب ثمرتها عاما، والعربة النخلة المعراة التى يؤكل ما عليها
وما عزل عن المسومة عند بيع النخل - انتهى. والعربة فعلية بمعنى مفعولة أو فاعلة، يقال عرى النخل بفتح العين
والراء بالتعدية يعروما إذا أفردها عن غيرها بأن أعطاها لآخر على سبيل المنحة ليأكل ثمرها، وتبقى رقبتها لمعطيها
ويقال: عربت النخل بفتح العين وكسر الراء تعرى على أنه قاصر فكأنها عريت عن حكم أخواتها واستثبتت بالعطية.
واختلف فى المراد بها شرعا. قال الحافظ فى الفتح: تحت باب تفسير العرايا من كتاب البيوع إن صور العربية كثيرة
منها أن يقول الرجل لصاحب حائط بعنى ثمر تخلات بأعيانها بخرصها من التمر، فيخرصها ويبيعه ويقبض منه
التمر ويسلم اليه النخلات بالتخلية فينتفع برطبها. ومنها أن يهب صاحب الحائط الرجل نخلات أو ثمر نخلات
معلومة من حائطه، ثم يتضرر بدخوله عليه فيخرصها ، ويشترى منه رطبها بقدر خرصه بتمر یعجله له . و منها
أن يهبه إياها فيتضرر الموهوب له بانتظار صيرورة الرطب تمرا، ولا يجب أكلها رطبا لاحتياجة إلى التمر فيبيع
ذلك الرطب بخرصه من الواهب، أو من غيره بتمر يأخذه معجلا. ومنها أن يبيع الرجل ثمر حائطه بعد بدو
صلاحه ويستثنى منه نخلات معلومة يبقيها لنفسه أو لعياله، وهى التى عنى له عن خرصها فى الصدقة. وسميت عرايا
لأنها اعريت من أن تخرص فى الصدقة فرخص لأهل الحاجة الذين لا نقد لهم، وعندهم فضول من تمر قونهم
أن يبتاعوا بذلك التمر من رطب تلك النخلات بخرصها. ومما يطلق عليه اسم عربة أن يعرى رجلا تمر نخلات
يبيع له أ كلها والتصرف فيها وهذه هبة مخصوصة. ومنها أن يعرى عامل الصدقة لصاحب الحائط من حائطه
نخلات معلومة لا يخرصها فى الصدقة، وهاتان الصورتان من العرايا لابيع فيهما، وجميع هذه الصور صحيحة عند الشافعى
والجمهور. وقصر مالك العربة فى البيع على الصورة الثانية وقصرها أبو عبيد على الصورة الأخيرة من صور البيع
١٨٢
مرعاة المفاتيح ج.٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
صدقة ، ولا فى أقل من خمسة أوسق صدقة، ولا فى العوامل صدقة، ولا فى الجبهة صدقة، قال:
الصقر الجبهة الخيل والبغال والعبيد. رواه الدارقطنى.
وزاد أنه رخص لهم أن يأكلوا الرطب ولا يشتروه لتجارة ولا إدخار ، ومنع أبو حنيفة صور البيع كلها وقصر
العرية على الهبة، وهو أن يعرى الرجل تمر نخلة من تخله ولا يسلم ذلك، ثم يبدو له فى ارتجاع تلك الهبة ، فرخص
له أن يحتبس ذلك، ويعطيه بقدر ما وهبه له من الرطب بخرصه تمرا وحمله على ذلك أخذه بعموم النهى عن بيع
الثمر بالتمر. وتعقب: بالتصريح باستثناء العرايا فى حديث ابن عمر وفى حديث غيره انتهى كلام الحافظ .
وسيأتى مزيد الكلام فى ذلك فى كتاب البيوع انشاء الله تعالى (صدقة) لأنها تكون دون النصاب أو لأنها خرجت
عن ملك مالكها قبل الوجوب بطريق صحيح (ولا فى أقل من خمسة أوسق صدقة) فيه بيان نصاب المعشرات ،
وإنه لا تجب الزكاة فيها حتى تبلغ خمسة أوسق. قال القارى: لأنه قليل فلا تتشرف الفقراء إلى المواساة منه
(ولافى) الابل أو البقر (العوامل) المالك أو لغيره (صدقة) لأنها بالعمل صارت غير مقتناة للنماء (ولا فى الجبهة)
قال أبو عبيد: الجبهة الخيل (صدقة قال الصقر) أى أحد رواة الحديث وهو بفتح المهملة وسكون القاف ابن
حبيب. ويقال : الصعق روى عن أبي رجاء العطاردى تكلم فيه ابن حبان. فقال: يأتى عن الثقات بالمقلوبات،
وغمزه الدار قطنى فى الزكاة، ولا يكاد يعرف كذا فى الميزان. قال الحافظ فى اللسان: وبقية كلام ابن حبان
يخالف الثقات. وقال إنه شيخ من أهل البصرة سلولى - انتهى. (الجبهة الخيل والبغال والعبيد) والذى فى القاموس
وغيره انها الخيل. قال فى الفائق: سميت بذلك لأنها خيار البهائم كما يقال وجه السلعة لخيارها ووجه القوم
وجبهتهم لسيدهم. وقال بعضهم: هى خيار الخيل ثم رأيت صاحب النهاية أشار الى أن ما قاله الصقر فيه بعد
وتكلف قاله القارى. قلت: روى البيهقى بسند ضعيف عن أبى هريرة مرفوعا، عفوت لكم عن صدقة الجبهة
والكُْعَة والنُّخَّة. قال بقية (أحد رواته) الجبهة الخيل والكسعة البغال والحمير والنخة المربيات فى البيوت،
ثم رواه البيهقى عن عبد الرحمن بن سمرة مرفوعاً. بلفظ: لا صدقة فى الكسعة والجبهة والنخة فسره أبو عمر
وعبد الله بن يزيد (راوى الحديث) الكسعة الخمير والجبهة الخيل والنخة العبيد. ثم ذكر تفصيل ذلك عن
أبى عبيدة حيث قال. قال أبو عبيد قال أبو عبيدة: الجبهة الخيل والنخة الرقيق والكسمة الحمير. قال الكسائى
وغيره: فى الجبهة والكسعة مثله . وقال الكسائى : والنخة برفع النون وفسره هو وغيره فى مجلسه البقر العوامل -
انتهى. (رواه الدار قطنى) (ص ٢٠٠) من حديث أحمد بن الحارث البصرى ثنا الصقر بن حبيب. قال: سمعت
أبا رجاء العطاردى يحدث عن ابن عباس عن على بن أبى طالب. قال الزيلعى (ج ٢ ص٣٥٧ - ٣٨٨) ومن طريق
الدار قطنى رواه ابن الجوزى فى العلل المتناهية والصقر ضعيف. قال ابن حبان فى الضعفاء: ليس هو من كلام
١٨٣
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
١٨٢٩ - (٢١) وعن طاؤس، إن معاذ بن جبل أتى بوقص البقر فقال: لم يأمرنى فيه النبى صلى الله
عليه وسلم بشىء. رواه الدارقطنى والشافعى.
رسول اللّه ◌َثه إنما يعرف باسناد منقطع فقلبه الصقر على أبى رجاء وهو يأتى بالمقلوبات - انتهى، وأحمد بن
الحارث الراوى عن الصقر. قال أبو حاتم الرازى: هو متروك الحديث - انتهى.
١٨٢٩ - قوله (وعن طاؤس) هو طاؤس بن كيسان اليمانى أبو عبد الرحمن الحميرى مولاهم الفارسى
يقال إسمه ذكوان وطاؤس لقب ثقة ثبت فقيه فاضل من أوساط التابعين مات سنة ست ومائة . وقيل: بعد ذلك
(أتى ) بصيغة المجهول (بوقص) بفتح الواو والقاف ويجوز إسكانها وابدال الصاد سينا وهو ما بين الفرضين
عند الجمهور واستعمله الشافعى فيما دون النصاب الأول (البقر فقال لم يأمرنى فيه النبي ◌َ ◌ّه بشىء) أى بأخذ شى.
ويؤيد هذا ما روى مالك فى الموطأ عن حميد بن قيس عن طاؤس، إن معاذا أخذ من ثلاثين بقرة تبيعا، ومن
أربعين بقرة مسنة، وأتى بما دون ذلك فأبى أن يأخذ منه شيئا . وقال: لم أسمع من رسول الله صلى الله عليه
وسلم فيه شيئا حتى ألقاه فأسأله فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يقدم معاذ: وقد ورد مايدل على رفع
ذلك إلى النبي مؤ ثّ فروى البزار والدار قطنى (ص ٢٠٢) والبيهقى (ج ٤ ص ٩٨) وابن حزم من طريق
المسعودى عن الحكم عن طاؤس عن ابن عباس قال: بعث رسول اللّه ◌َّم معاذا الى اليمن - الحديث. فلما رجع
سأل النبي ◌َُّ عنه يعنى الوقص. فقال: ليس فيها شىء. قال المسعودى: والأوقاص مابين الثلاثين الى الأربعين
والأربعين الى الستين . وأخرج أحمد ( ج ٥ص ٢٤٠) والطبرانى من رواية سلمة بن أسامة عن يحيى بن الحكم
أن معاذا قال: بعثنى رسول اللّه ◌َفّ أصدق أهل اليمن فذكر الحديث قال: فأمرنى أن لا آخذ فيما بين ذلك
شيئا، وزعم أن الأوقاص لا فريضة فيها ورواه أبو عبيد (ص ٣٨٣) من طريق سلمة بن أسامة ، إن معاذا قال
بعثنى رسول اللّه ◌َفّم فذكر مثله. وروى أبو عبيد (ص ٣٨٤) أيضا من طريق سلمة بن أسامة عن يحيى بن الحكم
أن رسول اللّه ◌َفّ قال: إن الأوقاص لا صدقة فيها. وقد تقدم الكلام فى رواية سلسة بن أسامة ورواية
المسعودى عن الحكم عن طاؤس عن ابن عباس، وروى الطبر انى من طريق ابن أبى ليلى عن الحكم عن رجل عن
معاذ عن النبي ◌َؤثّم قال: ليس فى الأوقاص شىء ووقفه ابن أبى شيبة (ج ٣ ص ١٣) من طريق ليث عن طاؤس
عن معاذ قال: ليس فى الأوقاص شىء، وروى الدار قطنى فى المؤتلف والمختلف عن عبيد بن صخر بن لوذان
الأنصارى قال : عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الى عماله على اليمن فى البقر فى كل ثلاثین تبيع، وفى كل
أربعين مسنة وليس فى الأوقاص شىء. قال الدار قطنى: والأوقاص ما بين السنين اللذين يجب فيها الزكاة - انتهى
(رواه الدار قطنى) (ص ٢٠٢) (والشافعى) فى الأم (ج ٢ ص٧) كلاهما من حديث سفيان عن عمرو بن دينار
١٨٤
١
مر عاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة الفطر
وقال: الوقص ما لم يبلغ الفريضة.
(٢) باب صدقة الفطر
عن طاؤس إن معاذ بن جبل الخ. ورواه أبو عبيد (ص ٣٨٣، ٣٨٤) عن حجاج عن ابن جريج وحماد بن
سلمة عن عمرو بن دينار عن طاؤس. إن معاذ بن جبل قال باليمن: لست بآخذ من أوقاص البقر شيئا حتى آنى
رسول اللّه مَ الله، فان رسول الله {له لم يأمرنى فيها بشىء - انتهى. وروى ابن حزم (ج ٦ ص ١٢) من طريق
الحجاج بن منهال عن سفيان بن عيينة عن ابراهيم بن ميسرة عن طاوس، ان معاذ أتى بوقص البقر والعسل فلم يأخذه
فقال: كلاهما لم يأمرفى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بشىء. ومن طريق الشافعى رواه البيهقى (ج ٤ ص٩٨)
وقد سبق إن رواية طاؤس عن معاذ منقطعة. قال عبد الحق: طاؤس لم يدرك معاذا - انتهى. وقال الشافعى:
طاؤس عالم بأمر معاذ، وإن كان لم يلقه لكثرة من لقيه من أدرك معاذا، وهذا ما لا أعلم عن أحد فيه خلافا -
انتهى. وقال البيهقى: طاؤس وإن لم يلق معاذا، إلا أنه يمانى وسيرة معاذ بينهم مشهورة (وقال ) أى الشافعى
(الوقص ما لم يبلغ الفريضة) أى ما لم يجب فيه شىء ابتداء كأربع الابل ودون ثلاثين البقر وأربعين الغنيم،
وعند الجمهور هو ما بين السنين اللذين يجب فيهما الزكاة كما بين الخمس والعشر فى الأول، والثلاثين والأربعين فى
الثانى. والأربعين والمائة والاحدى والعشرين فى الثالث، قال القارى: والأشهر إطلاقه على المعنى الثانى. وقيل
الوقص فى البقر خاصة - أنتهى .
(باب صدقة الفطر) أى هذا باب فى ذكر الأحاديث التى تؤخذ منها أحكام صدقة الفطر. قال الله تعالى
﴿قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى - الأعلى: ١٤، ١٥﴾ روى عن ابن عمر وعمرو بن عوف زكاة الفطر،
وروى عن أبى العالية وابن المسيب وابن سيرين وغيرهم. قالوا: يعطى صدقة الفطر . ثم يصلى ، رواه البيهقى
وغيره. والمراد بصدقة الفطر أى من رمضان فأضيفت الصدقة للفطر لكونها تجب بالفطر منه. وقيل: إضافة
الصدقة إلى الفطر من إضافة الشىء إلى شرطه كحجة الاسلام. وقال ابن قتيبة المراد بصدقة الفطر صدقة النفوس
ماخوذ من الفطرة التى هى الخلقة المرادة بقوله تعالى: ﴿ فطرة الله التى فطر الناس عليها - الروم: ٣٠) والمعنى
إنها وجبت على الخلقة تزكية النفس أى تطهيراً لها. قال الحافظ: والأول أظهر ويؤيده قوله فى بعض طرق
الحديث زكاة الفطر من رمضان - انتهى. وقوله («باب صدقة الفطر، هكذا فى كتب الحديث وأكثر كتب
الفروع من المذهب المتبوعة، ووقع فى بعض كتب فروع الحنفية كالوقاية والنقاية والدرر باب صدقة الفطرة
بزيادة التاء فى آخره وهكذا وقع فى كلام الفقهاء، الفطرة نصف صاع من برفقيل: لفظ الفطرة الواقع فى كلامهم
أسم مولد حتى عده بعضهم من لحن العوام أى إن الفطرة المراد بها الصدقة غير لغوية لأنها لم تأت بهذا المعنى.
١٨٥
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة الفطر
وقيل قول الفقهاء على حذف المضاف أى صدقة الفطر فذف المضاف، وأقيم المضاف اليه مقامه واستغنى به فى
الاستعمال لفهم المعنى . وقيل: حذف المضاف وأقيمت الهاء فى المضاف اليه لتدل على ذلك. وقال: ابن عابدين
بعد بسط الكلام فى اشتقاقه من الفطرة بمعنى الخلقة . والحاصل إن لفظ الفطرة بالتاء لا شك فى لغويته. ومعناه
الخلقة ، وإنما الكلام فى إطلاقه مراداً به المخرج فان أطلق عليه بدون تقدير فهو اصطلاح شرعى (الفقهاء) مولد.
وأما مع تقدير المضاف فالمراد بها المعنى اللغوى (كما تقدم فى كلام ابن قتيبة) وأما لفظ الفطر بدون تاء فلا كلام فى
أنه معنى لغوى (مستعمل قبل الشرع لأنه ضد الصوم) ويقال لها أيضاً زكاة الفطر وزكاةرمضان، وزكاة الصوم وصدقة
رمضان، وصدقة الصوم، وتسمى أيضا صدقة الرؤس ، وزكاة الأبدان سماها الامام مالك رحمه الله. وكان
فرضها فى السنة الثانية من الهجرة فى شهر رمضان قبل العيد بيومين. واختلف فى حكمها فقالت : طائفة هى
فرض، وهم الشافعى ومالك وأحمد لقول ابن عمر وأبى سعيد وابن عباس. فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم
صدقة الفطر . وقال الحنفية: هى واجبة بناء على قاعدتهم فى التفرقة بين الفرض والواجب . قال العينى: والنزاع
لفظى لأن الفريضة عند الشافعى (ومن وافقه) نوعان، مقطوع حتى يكفر جاحده، وغير مقطوع حتى لا يكفر
جاحده، ومن جحد صدقة الفطر لا يكفر بالاجماع ولذا لا يكفر من قال إنها مستحبة، وأجاب ابن الهمام بأن
الثابت بظنى يفيد الوجوب وإنه لا خلاف فى المعنى، لأن الافتراض الذى يثبته الشافعية ليس على وجه يكفر
جاحده فهو معنى الوجوب عندنا. وقد يجاب بأن قول الصحابى فرض ، يراد به المعنى المصطلح عندنا للقطع به
بالنسبة إلى من سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف غيره ما لم يصل اليه بطريق قطعى فيكون مثله، ولذا قالوا
إن الواجب لم يكن فى عصره حَ الله - انتهى. وقالت طائفة: هى سنة مؤكدة نقله المالكية عن أشهب وهو قول
بعض أهل الظاهر وابن اللبان من الشافعية، وأولما قوله ((فُرض)) فى الحديث بمعنى ((قدر)) قال ابن دقيق العيد:
(ج ٢ ص ١٩٧) هو أصله فى اللغة لكنه نقل فى عرف الاستعمال إلى الوجوب فالحمل عليه أولى، لأن ما اشتهر
فى الاستعمال فالقصد اليه هو الغالب - انتهى. قال الحافظ: ويؤيده تسميتها زكاة ، وقوله فى الحديث (( على كل
حر وعبد)) والتصريح بالأمر بها فى حديث قيس بن سعد الآتى ولدخوله فى عموم قوله تعالى (وآتوا الزكاة -
البقرة: ٤٣) فبين ◌َّ تفاصيل ذلك، ومن جملتها زكاة الفطر - انتهى. وقالت طائفة: هى فعل خير مند وب اليه،
کانت واجبة، ثم نسخت، قال به ابراهيم بن علية وأبو بكر بن کیسان الأصم . لما روى عن قیس بن سعد بن
عبادة قال: أمرنا رسول اللّه مُؤثّ بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن
نفعله ، أخرجه النسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقى. قال الحافظ: وتعقب بأن فى اسناده راويا مجهولا وعلى
تقدير الصحة، فلا دليل فيه على النسخ الاحتمال الاكتفاء بالأمر الأول، لأن نزول فرض لا يوجب سقوط
١٨٦
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة الفطر
الفصل الأول )
١٨٣٠ (١) عن ابن عمر، قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم: زكاة الفطر
فرض آخر قلت: حديث قيس هذا سنده صحيح رواته ثقات ، وقد صححه الحاكم والذهبى ، والقول بأن فى سنده
راویا مجهولا خطأ فليس فيه مجهول قط . وقال الخطابى : حديث قيس هذا لا يدل على زوال وجوبها، وذلك أن
الزيادة فى جنس العبادة لا توجب نسخ الأصل المزيد عليه، غير أن محل سائر الزكوات الأموال، ومحل زكاة
الفطر الرقاب - انتهى . وقال البيهقى: هذا لا يدل على سقوط فرضها، لأن نزول فرض لا يوجب سقوط آخر.
وقد أجمع أهل العلم على وجوب زكاة الفطر ، وإن اختلفوا فى تسميتها فرضا فلا يجوز تركها ، وقد نقل ابن
المنذر الاجماع على فرضية صدقة الفطر. قلت : فيه نظر لما تقدم من الاختلاف فى ذلك .
١٨٣٠ - قوله (فرض) أى أوجب وألزم (رسول اللّه عز فه) وما أوجبه فبأمر الله ( وما كان ينطق
عن الهوى - النجم: ٣﴾ قال الطيبي: دل قوله ((فرض)) على أن صدقة الفطر فريضة، والحنفية على أنها
واجبة . قال القارى : لعدم ثبوتها بدليل قطعى فهو فرض عملى لا اعتقادى. وقال السندى: الحديث من أخبار
الآحاد فىمؤ داه الظن فلذلك قال بوجوبه دون افتراضه، من خص الفرض بالقطع والواجب بالظن - انتهى . وقال
ابن حجر: فى الحديث دليل لمذهبنا، ولما رأى الحنفية الفرق بين الفرض والواجب بأن الأول ما ثبت بدليل
قطعى. والثانى: ما ثبت بظنى. قالوا إن الفرض هنا بمعنى الواجب. وفيه نظر لأن هذا قطعى لما علمت أنه مجمع
عليه فالفرض فيه باق على حاله حتى على قواعدهم فلا يحتاج لتأويلهم الفرض هنا بالواجب - انتهى . قال القارى:
وفيه أن الاجماع على تقدير ثبوته إنما هو فى لزوم هذا الفعل، وأما أنه على طريق الفرض أو الواجب بناء على
اصطلاح الفقهاء المتأخرين فغير مسلم ، وأما قوله ووجوبها مجمع عليه كما حكاه المنذرى والبيهقى فمنقوض بأن جمعا
حكوا الخلاف فيها (كما تقدم). قلت: حمل اللفظ فى كلام الشارع على الحقيقة الشرعية متعين ، لكن حمله على
المصطلح الحادث غير صحيح، والصحابة رضى الله عنهم ما كانوا يعرفون هذا الاصطلاح الحادث. والفرق الذى
قال به الحنفية فالظاهر هو ما ذهب اليه الأئمة الثلاثة من أن صدقة الفطر فريضة (زكاة الفطر) زاد مسلم فى رواية
((من رمضان)) ونصبها على المفعولية ((وصاعا)) بدل منها أو حال أو تمييز أو على نزع الخافض أى فى زكاة
رمضان والمفعول ((صاعا)) وقيل: نصب ((صاعا)) على أنه مفعول ثان. واستدل بقوله ((زكاة الفطر)) على أن
وقت وجوبها غروب الشمس ليلة الفطر لأنه وقت الفطر من رمضان . وقيل : وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم
العيد لأن الليل ليس محلا للصوم، وإنما يتبين الفطر الحقيقى بالأكل بعد طلوع الفجر، والأول: قول الثورى
وأحمد واسحاق والشافعى فى الجديد وإحدى الروايتين عن مالك. والثانى: قول أبى حنيفة والليث والشافعى فى
١٨٧
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة الفطر
صاعا من تمر،
القديم ، والرواية الثانية عن مالك. قال الحافظ: ويقويه قوله فى الحديث وأمربها أن تؤدى قبل خروج الناس
إلى الصلاة . قال المازري قيل: إن الخلاف ينبنى على أن قوله الفطر من رمضان الفطر المعتاد فى سائر الشهر،
فيكون الوجوب بالغروب أو الفطر الطارئ بعد فيكون بطلوع الفجر . وقال ابن دقيق العيد (ج ٢ ص ١٩٨)
ما محصله الاستدلال بذلك لهذا الحكم ضعيف ، لأن إضافتها إلى الفطر من رمضان، لا يستلزم أنه وقت الوجوب
بل يقتضى إضافة هذه الزكاة إلى الفطر من رمضان . وأما وقت الوجوب فيؤخذ من أمر آخر. وقال ابن قدامة:
(ج ٣ ص ٦٧) أما وقت وجوب زكاة الفطر فهو وقت غروب الشمس من آخر يوم من رمضان ، فأنها تجب
بغروب الشمس من آخر شهر رمضان، فمن تزوج أو ملك عبداً أو ولد له ولدا أو أسلم قبل غروب الشمس فعليه
الفطرة ، وإن كان بعد الغروب لم تلزمه ، ولو كان حين الوجوب معسراً ثم أيسر فى ليلته تلك أو فى يومه لم يجب
عليه شىء، ولو كان فى وقت الوجوب موسراً ثم أعسر لم تسقط عنه اعتباراً بحالة الوجوب. ومن مات بعد
غروب الشمس ليلة الفطر فعليه صدقة الفطر، نص عليه أحمد وبما ذكرنا فى وقت الوجوب . قال الثورى واسحاق
ومالك فى إحدى الروايتين عنه والشافعى فى أحد قوليه. وقال الليث وأبو ثورو أصحاب الرأى: تجب بطلوع الفجر
يوم العيد وهو رواية عن مالك (صاعامن تمر) وهو خمسة أرطال وثلث رطل بالبغدادى، ويقال له الصاع الحجازى
لأنه كان مستعملا فى بلاد الحجاز، وهو الصاع الذى كان مستعملا فى زمن النبي ◌ُّه ، وبه كانوا يخرجون صدقة
الفطر. وزكاة المعشرات وغيرهما من الحقوق الواجبة المقدرة فى عهد النبى معَ ◌ّة، وبه قال مالك والشافعى وأحمد
وأبو يوسف وعلماء الحجاز. وقال أبو حنيفة ومحمد. بالصاع العراقى، وهو ثمانية أرطال بالرطل المذكور. وإنما قيل
له العراقى، لأنه كان مستعملا فى بلاد العراق، وهو الذى يقال له الصاع الحجاجى لأنه ابرزة الحجاج الوالى، وكان
أبو يوسف يقول كقول أبى حنيفة ثم رجع الى قول الجمهور ، لما تناظر مع مالك بالمدينة فأراه الصيعان التى
توارثها أهل المدينة عن أسلافهم من زمن النبى معَ ة. فائدة قال القسطلانى: الرطل البغدادى مائة وثلاثون
درهما على الأصح عند الرافعى ومائة وثمانية وعشرون درهما، وأربعة أسباع درهم على الأصح عند النوى، فالصاع
على الأول ستمائة درهم وثلاثة وتسعون درهما وثلث درهم، وعلى الثانى: ستمائة درهم وخمسة و ثمانون درهما
وخمسة أسباع درهم والأصل الكيل، وإنما قدر بالوزن استظهاراً. قال فى الروضة: وقد يشكل ضبط الصاع
بالأرطال فان الصاع المخرج به فى زمن النبي مزيفة مكيال معروف، ويختلف قدره وزناً باختلاف جنس ما يخرج
كالذرة والحمص وغيرهما. والصواب ما قاله أبو الفرج الدارمى من الشافعية، إن الاعتماد على الكيل بصاع معاير
بالصاع الذى كان يخرج به فى عصره رؤيته، ومن لم يجده لزمه إخراج قدر يتيقن أنه لاينقص عنه وعلى هذا فالتقدير
خمسة أرطال وثلاث رطل تقريب - انتهى . وقد سبق شىء من الكلام فيه فى شرح حديث الأوساق ومن أراد
١٨٨
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة الفطر
أو صاعا من شعير ،
مزيد التفصيل فليرجع الى طرح التثريب (ج ٤ ص ٥٣ - ٥٤ - ٥٥) (أوصاعا من شعير) قال الباجى : لفظة أو
ههنا على قول جماعة أصحابنا لا يصح أن تكون للتخيير، وإنما هى للتقسيم، ولو كانت للتخيير لاقتصى أن يخرج
الشعير من قوته غيره من التمر مع وجوده، ولا يقول هذا أحد منهم فتقديره صاعا من تمر على من كان ذلك
قوته ، أو صاعا من شعير على من كان ذلك قوته - انتهى. وقال القارى: أو للتخيير بين النوعين وما فى معناهما
فليس ذكر هما لحصر الاعطاء منها - انتهى. قلت: الظاهر إن ((أو )) للتخيير وإنه يخرج من أيهما شاء صاعا وسيأتى
مزيد الكلام عليه فى شرح حديث أبى سعيد. قال الحافظ: لم تختلف الطرق عن ابن عمر فى الاقتصار على هذين
الشيئين الا ما أخرجه أبو داود والنسائى وغيرهما من طريق عبد العزيز بن أبى رواد عن نافع، فزاد فيه السلت
والزبيب. فأما السلت فهو نوع من الشعير. وأما الزبيب فسيأتى ذكره فى حديث أبى سعيد. وأما حديث ابن عمر
فقد حكم مسلم فى كتاب التمييز على عبد العزيز فيه بالوهم ـ انتهى . قلت : ظاهر رواية الكتاب إنه لا يجزىء غير
النمرو الشعير. وبذلك قال ابن حزم ومن وافقه: لكن ورد فى روايات أخرى ذكر أجناس أخرى وسيأتى بيانها ان
شاء اللّه تعالى. قال العينى: يستفاد من الحديث إن صدقة الفطر من التمر والشعير صاع، ومذهب داود ومن تبعه
أنه لا يجوز الا من التمر والشعير ، ولا يجزىء عنده قمح ولا دقيقه ولا دقيق شعير ولا سويق ولا خبز ولا زبيب
ولاغير ذلك. واحتج فى ذلك بهذا الحديث قال: لأنه ذكر فيه ابن عمر التمر والشعير ولم يذكر غيرهما -انتهى. وقال
القسطلانى: يجب من غالب قوت بلده «فأو)) ليست للتخيير بل لبان الأنواع التى يخرج منها، وذكرا لأنهما الغالب فى
قوت أهل المدينه، وجاءت أحايث أخرى بأجناس أخرى وسيأتى مزيد الكلام فى هذه المسئلة . واستدل باطلاق
الحديث على وجوب صدقة الفطر على أهل البادية والعمود والقرى، وعلى أن النصاب ليس بشرط، ويدل عليه أيضا
رواية مالك بلفظ : فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس. واختلف العلماء فى ذلك . قال ابن رشد: ( ج١
ص ٢٥٠) أجمعوا على أن المسلمين مخاطبون بها ذكرانا كانوا أو إناثا صغارا أو كبارا عيدا أو أحراراً لحديث
ابن عمر الا ما شذ فيه الليث. فقال: ليس على أهل العمود زكاة الفطر، وإنما هى على أهل القرى ولا حجة له.
قال وليس من شرط هذه الزكاة الغناء عند أكثرهم ولا نصاب بل أن تكون فضلا عن قوته وقوت عياله . وقال
أبو حنيفة وأصحابه: لا يجب على من تجوز له الصدقة لأنه لا يجتمع أن تجوز له، وإن تجب عليه وذلك بین -
انتهى. وقال ابن قدامة: (ج ٣ ص ٦٠) أكثر أهل العلم يوجبون صدقة الفطر على أهل البادية، روى ذلك
عن ابن الزبير ، وبه قال ابن المسيب والحسن ومالك والشافعى وابن المنذر وأصحاب الرأى . وقال عطاء والزهرى
.وربيعة : لا صدقة عليهم ، ولنا عموم الحديث. ولأنها زكاة فوجبت عليهم كزكاة المال، ولأنهم مسلمون فيجب
عليهم صدقة الفطر كغيرهم. وقال (ج ٣ ص ٧٣ ) تحت قول الخرقى اذا كان عنده فضل عن قوت يومه
١٨٩
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة الفطر
على العبد والحر
وليلته)) صدقة الفطر واجبة على من قدر عليها، ولا يعتبر فى وجوبها نصاب ، وبهذا قال أبو هريرة وأبو العالية
والشعبى وعطاء وابن سيرين والزهرى ومالك وابن المبارك والشافعى وأبو ثور. وقال أصحاب الرأى : لا تجب إلا
على من يملك مائتى درهم أو ما قيمته نصاب فاضل عن مسكنه لقول رسول الله موافقة: لا صدقة إلا عن ظهر غنى
(أخرجه أحمد من حديث أبى هريرة مرفوعا) والفقير لا غنى له فلا تجب عليه كمن لا يقدر عليها ، ولنا ما روى
ثعلبة بن أبى صعير عن أبيه إن رسول اللّه مَّم قال: أدوا صدقة الفطر - الحديث. وفيه غنى أو فقير. أما غنيكم
فيزكيه الله. وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطى. والذى قاسوا عليه عاجز فلا يصح القياس عليه وحديثهم
محمول على زكاة المال - انتهى. وقال الشوكانى فى الفيل: قد اختلف فى القدر الذى يعتبر ملكه لمن تلزمه الفطرة
فقال أبو حنيفة وأصحابه: أنه يعتبر أن يكون المخرج غنيا غنى شرعيا، واستدل لهم بقوله مية: إنما الصدقة ما
كان عن ظهر غنى (أخرجه أحمد من حديث أبى هريرة مرفوعا) وبالقياس على زكاة المال . ويجاب بأن الحديث
لا يفيد المطلوب لأنه بلفظ: خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى كما أخرجه أبو داود - انتهى. قلت: وأخرجه
البخارى أيضاً بهذا اللفظ وهو مشعر ، بأن النفى فى رواية أحمد للكمال ، لا للحقيقة . فالمعنى لاصدقة كاملة إلا عن
ظهر غى . قال الشوكانى: وأما الاستدلال بالقياس فغير صحيح لأنه قياس مع الفارق ، اذ وجوب الفطرة متعلق
بالأبدان . والزكاة بالأموال. وقال مالك والشافعى وأحمد وإسحاق: إنه يعتبر أن يكون مخرج الفطرة مالكا لقوت
يوم وليلة. لما روى أنه طهرة للصائم ولا فرق بين الغنى والفقير فى ذلك. ويؤيد ذلك ما روى من تفسيره صلى
الله عليه وسلم من لا يحل له السؤال بمن يملك ما يغدية ويعشيه وهذا هو الحق، لأن النصوص أطلقت ولم يخص
غنيا ولا فقيرا ولا مجال للاجتهاد فى تعيين المقدار الذى يعتبر أن يكون مخرج الفطرة مالكاله ولا سيما والعلة
التى شرعت لها الفطرة موجودة فى الغنى والفقير وهى التطهرة من اللغو والرفث واعتبار كونه وأجد القوت
يوم وليلة أمر لا بد منه، لأن المقصود من شرع الفطرة إغناء الفقراء فى ذلك اليوم كما أخرجه البيهقى والدار قطنى
عن ابن عمر مرفوعا وفيه أغنوهم فى هذا اليوم وفى رواية للبيهقى أغنوم عن طواف هذا اليوم، وأخرجه
أيضاً ابن سعد فى الطبقات من حديث عائشة وأبى سعيد فلو لم يعتبر فى حق المخرج ذلك لكان من أمرنا باغناءه
فى ذلك اليوم ، لا من المامورين باخراج الفطرة وإغناء غيره. وبهذا يندفع ما اعترض به صاحب البحر عن
أهل هذه المقالة من أنه يلزمهم إيجاب الفطرة على من لم يملك إلا دون قوت اليوم ولا قائل به - انتهى كلام
الشوكانى. ( على العبد ) ظاهره إخراج العبد عن نفسه ولم يقل به الا داود .. فقال يجب على السيد إن يمكن العبد
من الاكتساب لها كما يجب عليه أن يمكنه من الصلاة وخالفه أصحابه والناس . واحتجوا بحديث أبى هريرة مرفوعا
ليس على المسلم فى عبده صدقة الا صدقة الفطر أخرجه، مسلم ومقتضاه إنها ليست عليه بل على سيده. ثم افترقوا
١٩٠
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة الفطر
والذكر والأنثى
فرقتين فقالت طائفة: تجب على السيد ابتداء، وكلمة ((على)) بمعنى عن وحروف الجر يقوم بعضها مقام بعض وقال
آخرون: تجب على العبد ثم يحملها سيده عنه فكلمة الاستعلاء جارية على ظاهرها وقال القاضى البيضاوى: جعل
وجوب زكاة الفطر على السيد كالوجوب على العبد مجازاً، إذ ليس هو أهلا، لأن يكلف بالواجبات المالية، ويؤيد
ذلك عطف الصغير عليه. ولفظ (العبد)) يعم عبدالتجارة وغيره فتجب على السيد عن عبيده سواء كانوا لتجارة أو لغير
تجارة ، وإليه ذهب الأمه الثلاثة خلافا لأبى حنيفة والنخعى وعطاء. قال ابن قدامة: فأما العبيد فان كانوا لغير
التجارة فعلى سيدهم فطرتهم لا نعلم فيه خلافا، وإن كانوا للتجارة فعليه أيضا فطرتهم ، وبهذا قال مالك والليث
والأوزاعى والشافعى واسحاق وابن المنذر. وقال عطاء والنخعى والثورى وأصحاب الرأى: لا تلزمه فطرتهم لأنها
زكاة ولا تجب فى مال واحد زكاتان وقد وجبت فيهم زكاة التجارة ، فيمتنع وجوب الزكاة الأخرى. ولنا عموم
الأحاديث . ولأن نفقتهم واجبة فوجبت فطرتهم كعيد القنية، أو نقول مسلم تجب مؤنته فوجبت فطرته كالأصل
وزكاة الفطر تجب على البدن، ولهذا تجب على الأحرار وزكاة النجارة عن القيمة وهى المال - انتهى. (والذكر
والأنثى) ظاهر وجوبها على المرأة سواء كان لها زوج أم لا، وبه قال الثورى وأبو حذيفة وابن المنذر. وقال مالك
والشافعى والليث وأحمد وإسحاق تجب على زوجها إلحاقا بالنفقة، وفيه نظر، لأنهم قالوا: إن أعسر وكانت الزوجة
أمة وجبت فطرتها على السيد بخلاف النفقة فافترقا. واتفقوا على أن المسلم لا يخرج عن زوجته الكافرة مع أن نفقتها
تلزمه. وإنما احتج الشافعى بما رواه من طريق محمد بن على بن الباقر مر سلا نحو حديث ابن عمر، وزاد فيه ممن
تمونون . وأخرجه البيهقى من هذا الوجه فزاد فى سنده ذكر على وهو منقطع أيضا. وأخرجه من حديث ابن عمر
وإسناده ضعيف كذا فى الفتح. وقال ابن قدامة: (ج ٣ ص ٦٩) فى شرح قول الخرقى («ويلزمه أن يخرج عن نفسه
وعن عياله)) عيال الانسان من يعوله أى يمونه فتلزمه فطرتهم كما تلزمه مؤنتهم ، إذا وجد ما يؤدى عنهم لحديث
ابن عمر أن رسول اللّه ◌َ الله فرض صدقة الفطر عن كل صغير وكبير وحر وعبد ممن تمونون. والذين يلزم
الانسان نفقتهم وفطرتهم ثلاثة أصناف. الزوجات، والعبيد، والأقارب. فأما الزوجات: فعليه فطرتهن، وبهذا
قال مالك والشافعى واحماق. وقال أبو حنيفة والثورى وابن المنذر لا تجب عليه فطرة امرأته وعلى المرأة فطرة
نفسها لقول النبي مَثة: صدقة الفطر على كل ذكر أو أنثى، ولأنها زكاة فوجبت عليها كزكاة مالها. ولنا الخبر
ولأن النكاح سبب تجب به النفقة فوجبت به الفطرة كالملك والقرابة بخلاف زكاة المال فإنها لا تتحمل بالملك والقرابة
قال: وإن نشرت المرأة فى وقت الوجوب ففطرتها على نفسها دون زوجها، لأن نفقتها لا تلزمه. واختار أبو الخطاب:
إن عليه فطرتها لأن الزوجية ثابتة عليها فلزمته فطرتها والأول أصح، لأن هذه من لا تلزمه مؤنته فلا تلزمه
فطرته كالأجنبية ، وكذلك كل إمرأة لا يلزمه فققتها كغير المدخول بها إذا لم تسلم اليه. والصغيرة التى لا يمكن
١٩١
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة الفطر
والصغير والكبير من المسلمين.
الاستمتاع بها فانه لا تلزمه نفقتها ولا فطرتها لأنها ليست ممن يمون - انتهى. قال ابن رشد: (ج ١ ص ٢٥١)
اتفق الجمهور على أن هذه الزكاه ليست بلازمة لمكلف مكلف فى ذاته فقط ، كالحال فى سائر العبادات ، بل ومن
قبل غيره لا يجابها على الصغير والعبيد، فمن فهم من هذا علة الحكم الولاية . قال الولى: يلزمه إخراج الصدقة عن
كل من يليه، ومن فهم من هذه النفقة قال المنفق يجب أن يخرج الزكاة عن كل من ينفق عليه بالشرع، وإنما عرض
هذا الاختلاف لأنه الفق فى الصغير والعبد وهما اللذان نبها على أن هذه الزكاة ليست معلقة بذات المكلف فقط ،
بل ومن قبل غيره إن وجدت الولاية فيها. ووجوب النفقة فذهب مالك (ومن وافقه) الى أن العلة فى ذلك
وجوب النفقة، وذهب أبو حنيفة الى أن العلة فى ذلك الولاية ولذلك اختلفوا فى الزوجة - انتهى. (والصغير
والكبير) ظاهره وجوبها على الصغير لكن المخاطب عنه وليه فوجوبها على هذا فى مال الصغير فيخرج عنه وليه من
ماله. وإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته من أب وغيره، وهذا قول الجمهور. وقال محمد بن الحسن: هى على
الأب مطلقا، ولو كان الصغير مال لم تخرج عنه. فان لم يكن له أب فلا شىء عنيه وقال ابن حزم : هى فى مال
الصغير إن كان له مال . والا سقطت عنه ، قال ابن قدامة: وعموم قوله الصغير والكبير يقتضى وجوبها على اليتيم ،
ولأنه مسلم فوجيت فطرته كما لوكان له أب. وقال الحسن وابن المسيب والشعبى: لا تجب إلا على من صام لحديث
ابن عباس الآتى صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث . وأجيب بأن ذكر التطبي خرج على الغالب كما أنها
تجب على من لم يذنب كمتحقق الصلاح، أو من أسلم قبل غروب الشمس بلحظة (من المسلمين) لأئمة الحديث كلام
طويل فى هذه المفظة ، لأنه لم يتفق عليها الرواة لهذا الحديث إلا أنها زيادة من عدل ثقة حافظ فتقبل ، وهى تدل
على اشتراط الاسلام فى وجوب صدقة الفطر ، وإنها لا تجب على الكافر عن نفسه وهذا متفق عليه . وهل يخرجها
المسلم عن عبده الكافر؟ فقال الجمهور: لا خلافا لعطاء والنخعى واسحاق ومجاهد وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن
جبير والثورى وأبى حنيفة وأصحابه. واستدلوا بعموم قوله ليس على المسلم فى عبده الا صدقة الفطر. وأجاب
الآخرون بأن الخاص يقضى على العام. فعموم قوله فى عبده مخصوص بقوله من المسلمين وفيه ما قال الشوكانى
إن قوله من المسلمين أعم من قوله فى عبده من وجه، وأخص من وجه فتخصيص أحدهما بالآخر تحكم ولكنه
يؤيد اعتبار الاسلام ما عند مسلم بلفظ: على كل نفس من المسلمين حر أو عبد واحتج بعضهم على وجوب
إخراجها عن العبد الكافر بما روى الدار قطنى وغيره عن ابن عمر أنه كان يخرج عن عبده الكافر، وهو أعرف
بمراد الحديث وتعقب بأنه او صح حمل على أنه كان يخرج عنهم تطوعا ولا مانع واحتج بعضهم أيضا بما
١٩٢٠
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة الفطر
وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة . متفق عليه.
روى، الدار قطنى عن ابن عباس مرفوعا، أدوا صدقة الفطر عن كل صغير أو كبير ذكر أو أنثى يهودي أو نصر انى
حر أو مملوك - الحديث. وأجيب عنه بأنه حديث ضعيف جدا، فان سنده سلاما الطويل وهو متروك وأجاب
الطحاوى عن قوله من المسلمين بأنه صفة للخرجين لا للخرج عنهم. ورُدّ بأنه يأباه ظاهر الحديث لأن فيه العبد
وكذا الصغير، وهما من يخرج عنه فدل على أن صفة الاسلام لا تختص بالمخرجين ويؤيده رواية مسلم بلفظ: على
كل نفس من المسلين حر أو عبد - الحديث. وقال فى المصابيح: هو أص ظاهر فى أن قوله من المسلمين صفة لما
قبله من المنكرات المتعاطفات بأو فيندفع قول الطحاوى بأنه خطاب متوجه، معناه الى السادة يقصد بذلك
الاحتجاج لمن ذهب الى إخراج زكاة الفطر عن العبد الكافر - انتهى. وأجاب بعض الحنفية بجواب آخر وهو
أن قوله من المسلمين لا يعتبر مفهومه المخالف عند الحنفية. قالوا: والنكتة فى ذكر هذا القيد هى التنبيه على الأهم
والأشرف حيث نص عليه بعد دخوله تحت الاسم المطلق. وفيه إن مسئلة مفهوم المخالفة مبحث لغوى، واستعمال
أهل اللغة والشرع لمفهوم الصفة وعليهم به معلوم لكل من له علم بذلك. وأما النكنة المذكورة فلا تتمشى ههنا لما
وقع فى رواية لمسلم فرض زكاة الفطر من رمضان على كل نفس من المسلمين حر أو عبد أو رجل أو إمرأة صغير
أو كبير الخ فافهم (وأمر) أى رسول الله صلى الله عليه وسلم (بها) أى بصدقة الفطر (أن تؤدى قبل خروج الناس
إلى الصلاة ) أى صلاة العيد. قال الطيبي: هذا أمر استحباب لجواز التأخير عن الخروج عند الجمهور الى الغروب
وحكى الخطابى الاجماع على هذا الاستحباب، وقال العينى: لم يحك الترمذى فيه خلافا. وقال ابن حزم: الأمر
فيه للوجوب فيحرم تأخيرها عن ذلك الوقت ـ انتهى. وقال الحافظ: استدل به على كرامة تأخيرها عن ذلك، وحمله
ابن حزم على التحريم - انتهى. قلت: يدل الحديث على أن المبادرة بها هى المطلوب المأمور بها فلو أخرها عن
الصلاة أثم وخرجت عن كونها صدقة فطر، وصارت صدقة من الصدقات. وقد ورد ذلك مصرحاً عند أبى داود
من حديث ابن عباس. قال: فرض رسول اللّه ◌َيَّة زكاة الفطر طهرة للصيام من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين
من أداما قبل الصلاة فهى زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهى صدقة من الصدقات - انتهى. قال القارى:
هذا الخبر يفيد الوجوب إلا أن جماعة إدعوا إن إخراجه قبل صلاة العيد أفضل اجماعا - انتهى. قلت ويؤكد
كون الأمر للوجوب ما روى ان عدى والدارقطنى وغيرهما من حديث ابن عمر، أغنوهم عن الطواف فى هذا
اليوم - انتهى. فإنه لا يحصل الغنى للفقراء فى هذا اليوم والاستراحة عن الطواف، إلا باعطاءهم صدقة الفطر
أول اليوم. فالحق عندى: هو إن الأمر فى حديث الباب للوجوب لا للاستحباب والله تعالى أعلم. (متفق عليه)
١٩٣
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة الفطر
١٨٣١ - (٢) وعن أبى سعيد الخدرى، قال: كنا تخرج زكاة الفطر صاعا من طعام،
وأخرجه أيضا أحمد ومالك والترمذى وأبوداود والنسائي وابن ماجه وغيرهم مطولا ومختصرا، من أحب الوقوف
على اختلاف ألفاظه رجع الى جامع الأصول (ج ٥ ص ٣٤٧ - ٣٤٨ - ٣٤٩) والتقريب مع طرح التثريب
(ج ٤ ص ٤٣، ٤٨)
١٨٣١ - قوله (كنا نخرج زكاة الفطر) وفى رواية للبخارى كنا نعطيها فى زمان النبى منز لته . وفى أخرى
له أيضاً كنا نخرج فى عهد النبي ◌َّام. وعند مسلم كنا تخرج اذ كان فينا رسول اللّه ◌َ فه زكاة الفطر. قال الحافظ:
هذا حكمه الرفع لإضافته إلى زمنه مَثّم، ففيه إشعار باطلاعه وَفع على ذلك وتقريره له، ولا سيما فى هذه
الصورة التى كانت توضع عنده وتجمع بأمره وهو الآمر بقبضها وتفرقتها - انتهى . وفى هذا رد على ابن حزم فى
زعمه إن حديث أبى سعيد ليس مسندا، لأنه ليس فيه إن رسول الله علم بذلك وأقره، وهذا لأن ألفاظ الحديث
تدل على أن ذلك كان معلوما معروفاً على عهد رسول اللّه ◌َ اه، ولا يخفى مثل ذلك على رسول الله صلى الله عليه
وسلم (صاعا من طعام) قال السندى فى حاشية ابن ماجه: يحتمل إن صاعا من طعام أريد به صاع من الحنطة
فان الطعام وإن كان يعم الحنطة وغيرها لغة لكن اشتهر فى العرف إطلاقه على الحنطة، ويؤيده المقابلة بما بعده،
ويحتمل أن يكون صاعا من طعام محملا ويكون ما بعده بيانا له كأنه بين إن الطعام الذى كانو يعطون منه الصاع،
كان تمرا وشعيرا وإقطا لاحنطة. ويؤيده ما روى البخارى عن أبى سعيد كنا نخرج فى عهد رسول الله صلى الله
عليه وسلم يوم الفطر صاعا من طعام وكان طعامنا يومئذ الشعير والزبيب والأقط والتمر ، وكذا ما رواه ابن
خزيمة عن ابن عمر قال: لم تكن الصدقة على عهد رسول الله ؤه إلا التمر والزبيب والشعير ولم تكن الخطة
فينبغى أن يتعين الحمل على هذا المعنى ، بل يستبعد أن يكون المعلوم عندهم المعلوم فيما بينهم صاعا من الحنطة
فيتركونه الى نصفه بكلام معاوية ، بل لا يبقى لقول معاوية ، إن النصف يعدل الصاع حينئذ وجه الا بتكلف .
وبالجملة فمعنى هذا الحديث أنه ما كان عندهم نص منه زيف فى البر بصاع أو بنصفه، والا فلوكان عندهم حديث
بالصاع ، لما خالفوه، أو بنصفه لما احتاجوا الى القياس، بل حكموا بذلك ويدل على هذا حديث ابن عمر فى هذا
الباب المروى فى الصحاح ـ انتهى كلام السندى. قلت: اختلفوا فى تعيين المراد من الطعام فى هذا الحديث،
قال الخطابي فى المعالم (ج ٢ ص ٥٠ - ٥١): زعم بعض أهل العلم إن المراد بالطعام هنا الحنطة، وأنه عندهم
اسم خاص للبر. قال: ويدل على صحة ذلك أنه ذكر فى الخبر الشعير والأقط والتمر والزبيب وهى أقواتهم التى كانوا
يقتاتونها فى الحضر والبدو ، ولم يذكر الحنطة وكانت أغلاها وأفضلها كلها، فلولا أنه أرادها بقوله «صاعا من
طعام، لكان يجرى ذكرها عند التفصيل كما جرى ذكر غيرها من سائر الأقوات، ولاسيما حيث عطفت عليها بحرف
١٩٤
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة الفطر
أو الفاصلة. وقال ابن دقيق العيد (ج ٢ ص ٢٠٠): قد كانت لفظة الطعام تستعمل فى البر عند الاطلاق حتى إذا
قيل: اذهب إلى سوق الطعام فهم منه سوق البر، واذا غلب العرف بذلك نزل اللفظ عليه، لأن ما غلب إطلاق اللفظ
عليه خطوره عند الاطلاق أقرب فينزل اللفظ عليه. قال الخطابي: وزعم الآخرون إن هذا جملة قد فصلت،
والتفصيل لايخالف الجملة. وإنما قال. فى أول الحديث صاعا من طعام، ثم فصله . فقال: صاعا من أقط أو صاعا
من شعير أوكذا أو كذا، واسم الطعام شامل لجميع ذلك - انتهى. وقال القارى: قال علماءنا: إن المراد بالطعام
المعنى الأعم لا الحنطة بخصوصها، فيكون عطف ما بعده عليه من باب عطف الخاص على العام ، واستدركه
الكرمانى فقال: لكن هذا العطف إنما هو فيما اذا كان الخاص أشرف وهذا بعكس ذلك. قال الحافظ : وقد
رد ذلك أى حمل الطعام على البر ابن المنذر. وقال: ظن أصحابنا إن قوله فى حديث أبى سعيد صاعا من طعام
حجة لمن قال صاعا من حنطة وهذا غلط منه، وذلك إن أبا سعيد أجمل الطعام ثم فسره، ثم أورد طريق حفص
ابن ميسرة عند البخاري وغيره، إن أبا سعيد قال: كنا نخرج فى عهد النبي مَّثة يوم الفطر صاعا من طعام . قال
أبو سعيد: وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر وهى ظاهرة فيما قال. وأخرج الطحاوى نحوه من طريق
أخرى. وقال: فيه ((ولا يخرج غيره)) وفيه قوله فلما جاء معاوية وجاءت السمراء دليل على أنها لم تكن قوتا لهم
قبل هذا، فدل على أنها لم تكن كثيرة ولا قوتا فكيف يتوهم أنهم أخرجوا ما لم يكن موجودا - انتهى كلامه.
وأخرج ابن خزيمة من طريق فضيل بن غزوان عن نافع عن ابن عمر قال : لم تكن الصدقة على عهد رسول الله
صلى الله عليه وسلم إلا التمر والزبيب والشعير ولم تكن الحنطة، ولمسلم من وجه آخر عن عياض عن أبى سعيد
كنا نخرج من ثلاثة أصناف صاعا من تمر ، أو صاعا من أقط، أو صاعا من شعير، وكأنه سكت عن الزبيب فى
هذه الرواية لقلته بالنسبة إلى الثلاثة المذكورة. وهذه الطرق كلها تدل على أن المراد بالطعام فى حديث أبى سعيد
غير الخطة ، فيحتمل أن تكون الذرة فانه المعروف عند أهل الحجاز الآن وهى قوت غالب لهم ، وقد روى
الجوزقى من طريق ابن عجلان عن عياض فى حديث أبى سعيد صاعا من تمر ، صاعا من سلت أو ذرة - انتهى
كلام الحافظ . وأجاب البرماوى عن رواية حفص بن ميسرة بأن الطعام فيها محمول على معناه اللغوى الشامل
لكل مطعوم. قال: فلا ينافى تخصيص الطعام فيما سبق بالبر لأنه قد عطف عليه الشعير وغيره فدل على التغاير ،
وهذا كالوعد فانه عام فى الخير والشر، واذا عطف عليه الوعيد خص بالخير وليس هو من عطف الخاص على العام،
تحو فاكهة ونخل ورمان وملائكته وجبريل. فان ذلك إنما هو فيما إذا كان الخاص أشرف وهنا بالعكس. وقال
الكرمانى: فان قلت قوله قال أبو سعيد: وكان طعامنا. الخ مناف لما تقدم من قولك إن الطعام هو الحنطة ثم
أجاب بقوله لا نزاع فى أن الطعام بحسب اللغة عام لكل مطعوم إنما البحث فيما يعطف عليه الشعير وسائر الأطعمة
١٩٥
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة الفطر
فإن العطف قرينة لارادة المعنى العرفى منه وهو البر بخصوصه - انتهى. ولا يخفى ما فيه من التكلف والظاهر
عندى: هوقول من قال إن الطعام فى قوله صاعا من طعام محمل ، وما ذكر بعده بيان له كما يدل عليه طريق حفص
ابن ميسرة وحديث ابن عمر عند ابن خزيمة، وأن الصحابة ما كانوا يخرجون البر فى عهده مؤلفه كما يدل عليه
رواية النسائى والطحاوى، كنا نخرج فى عهد رسول اللّه مَ ثّم صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من أقط
لا تخرج غيره. وإن أبا سعيد ما أخرج البر فى صدقة الفطر قط، لا فى زمانه مَّةٍ، ولا فيما بعده، لا صاعا
ولانصفه، كما يدل عليه رواية مسلم إن معاوية لما جعل نصف الصاع من الحنطة عدل صاع من تمر، أنكر ذلك
أبو سعيد. وقال: لا أخرج فيها إلا الذى كنت أخرج فى عهد رسول صلى الله عليه وسلم صاعا من تمر أو صاعا
من زبيب أو صاعا من شعير أو صاعا من أقط وفى رواية. قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت
أخرجه أبدا ما عشت وإن أبا سعيد لما تحقق عنده إن الصحابة أخرجوا فى زمنه مَّم صاعا من جميع ما أخرجوا
من الشعير والاقط والتمر والزبيب . وغيرها ذهب إلى أن المقدار الواجب من كل شىء صاع، أولما رأى أن النبى
رَبِّ شرع لهم صباحا من غير البر، ولم يبين لهم حال البر، فقاس عليه أبو سعيد حال البر، ورأى أن الواجب فى البر
أيضا صاع. وقد روى أبوداود عن عياض قال سمعت أباسعيد يقول لا أخرج أبدا إلاصاعا (أى من كل شىء)
إنا كنا نخرج على عهد رسول الله يزين صاع تمر أو شعير أو أقط أو زبيب وأخرج الطحاوى (ج ١ ص ٣١٩)
عن عياض قال: سمعت أبا سعيد وهو يسئل عن صدقة الفطر. قال: لا أخرج إلا ما كنت أخرج علىعهد رسول الله
يَّ صاعا من تمر أوصاعا من شعير أو صاعا من زبيب أوصاعا من أقط فقال، له رجل أومدين من قمح فقال
لا، تلك قيمة معاوية لا أقبلها، ولا أعمل بها. وأخرجه أيضا الدار قطنى (ص ٢٢٢) والحاكم (ص٤١١) وابن خزيمة
والبيهق (ج ٤ ص ١٦٦) وزادوا فيه أو صاعا من حنطة بعهد قوله صاعا من تمر وقد صرح ابن خزيمة وأبوداود
إن ذكر الحنطة فيه غير محفوظ. وأما ما روى الطحاوى بسنده (ص ٣١٩) عن أبى سعيد أنه قال إنما علينا
أن نعطى لكل رأس عند كل فطر صاعا من تمر أو نصف صاع من ير، فلا يوازى الروايات المتقدمة فلا يلتفت
اليه، والقول بأن حديث الباب يدل على أنهم كانوا يعطون من البر صاعا، لكن على سبيل التبرع، يعنى إن
أبا سعيد وغيره من الصحابة إنما كانوا يخرجون النصف الآخر تطوعا واختيارا وفضلا تأويل بعيد لا يخفى تكلفه
وأما ما يذكر من الأحاديث المرفوعة فى الصاع من القمح أو فى نصفه فكلها مدخولة. قال البيهقى (ج ٤
ص ١٧٠) بعد ايراد أحاديث نصف الصاع من القمح. وقد وردت أخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم فى صاع
من بر، ووردت أخبار فى نصف صاع، ولايصح شىء من ذلك قد بينت علة كل واحد منها فى الخلافيات وروينا
فى حديث أبى سعيد وفى حديث ابن عمر، إن تعديل نصف صاع من بر بصاع من شعير وقع بعد النبى محمد
١٩٦
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة الفطر
وأما ما روى أبو داود وغيره من طريق عبد العزيز بن أبى رواد عن نافع عن ابن عمر قال كان الناس
يخرجون صدقة الفطر على عهد رسول اللّه عَ لَه صاعا من شعير، أو صاعا من تمر أو زبيب فلما كان عمر وكثرت
الحنطة فجعل عمر نصف صاع من حنطة مكان صاع من تلك الأشياء. فقال الحافظ: قد حكم مسلم فى كتاب التميز
على عبد العزيز فيه بالوهم وأوضح الرد عليه. وقال ابن عبد البر: قول ابن عيينة (أى فى جعل معاوية نصف الصاع
من الحنطة عدل صاع من تلك الأشياء) عندى أولى. وقال ابن المنذر: لا نعلم فى القمح خبرا ثابتا عن النبى محمد له
يعتمد عليه، ولم يكن البر بالمدينة فى ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه، فلما كثر فى زمن الصحابة رأوا إن نصف
صاع منه يقوم مقام صاع من شعير ، وهم الأئمة فغير جائز أن يعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم ، ثم أسند عن
عثمان وعلى وأبى هريرة وجابر وابن عباس وابن الزبير وأمه أسماء بنت أبى بكر بأسانيد صحيحة، إنهم رأوا إن
فى زكاة الفطر نصف صاغ من قمح - انتهى . قال الحافظ: وهذا مصير منه إلى اختيار ما ذهب اليه الحنفية لكن
حديث أبي سعيد دال على أنه لم يوافق على ذلك . وكذلك ابن عمر فلا إجماع فى المسئلة خلافا للطحاوى - انتهى.
وتعقبه العينى فقال أما أبو سعيد فانه لم يكن يعرف فى الفطرة إلا التمر والشعير والأقط والزبيب، والدليل عليه
ما روى عنه فى رواية، كنا نخرج على عهد رسول اللّه مَ فه صاعا من تمر أو صاعا من شعير. الحديث - لا نخرج
غيره. وأما روايته الأخرى كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام ، فقد بينت إن الطعام اسم لما يطعم مما يؤكل
ويقتات فيتناول الأصناف التى ذكرها فى حديثه، وجواب آخر إن أبا سعيد إنما أنكر على معاوية على اخراجه
المدين من القمح، لأنه ما كان يعرف القمح فى الفطرة وكذلك ما نقل عن ابن عمر - انتهى. قلت: قد عرفت
مما قدمنا إن أباسعيد كان يرى إن الواجب من كل شىء صاع خلافا لمعاوية، ومن وافقه، ولكنه لم يخرج من البر
قط لا صاعا ولا نصفه لا لأنه ما كان يعرف القمح فى الفطرة بل اتباعا لما كان يفعله الصحابة فى زمانه مؤ لّنه من
إخراج غير البر ، وكذا ابن عمر. فدعوى الاجماع على النصف من البر مع مخالفة أبى سعيد وابن عمر مردودة .
واعلم أن الواجب فى صدقة الفطر عند مالك والشافعى وأحمد واسحاق صاع عن كل انسان لا يجزى أقل من
ذلك من جميع الأجناس المخرج، وروى ذلك عن أبى سعيد الخدرى والحسن وأبى العالية. وقال أبو حنيفة
والثورى أنه يجزىء نصف صاع من البر خاصة. وروى ذلك عن عثمان وابن الزبير ومعاوية ، وهو مذهب ابن
المسيب وعطاء وطاؤس ومجاهد وعمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير وأبى سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن جبير
وابن المبارك وغيرهم. واحتج لقول الأئمة الثلاثة بحديث أبى سعيد هذا، وذلك بوجوه. الأول إن الطعام
فى عرف أهل الحجاز اسم الحنطة خاصة لا سيما، وقد قرنه بباقى المذكورات قاله النووى. وقد تقدم الكلام على
١٩٧
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة الفطر
هذا الاستدلال. والثانى: إن النبى موفّل فرض صدقة الفطر صاعا من طعام والبر مما يطلق عليه اسم الطعام إن
لم يكن غالبا فيه ، وتفسيره بغير البر إنما هو لأنه لم يكن معهودا عندهم ، فلا يجزىء دون الصاع منه، قاله
الشوكانى: وهذا إنما يتمشى لوورد الحديث بلفظ: فرض رسول اللّه ◌َيّ صاعا من طعام، ولكنه لم يقع فى رواية
أصلا. ولوسلمنا فيمكن أن يقال إن البر على تسليم دخوله تحت لفظ الطعام مخصص ، بالأحاديث المرفوعة التى
جاءت بنصف الصاع من البر. قال الشوكانى فى النيل وفى السيل الجرار: وهى تنتهض بمجموعها للتخصيص - انتهى.
والثالث: إن الأشياء التى ثبت ذكرها فى حديث أبى سعيد لما كانت متساوية فى مقدار ما يخرج منها مع اختلافها
فى القيمة ، دل ذلك على أن المراد إخراج هذا المقدار أى الصاع من أى جنس كان، ولا نظر إلى قيمته فلا فرق
بين الحنطة وغيرها واستدل لمن قال بنصف الصاع من البر بأحاديث مرفوعة ذكرها الزيلعى (ج ٢ ص ٤١٨
و ٤٢٣) والعينى (ج ٩ ص ١١٤، ١١٥) وسيأتى بعضها فى هذا الباب وكلها مدخولة ضعفها أهل العلم بالحديث
وأستدل لهم أيضا بأنه صار الاجماع على نصف الصاع من البر فى زمن الصحابة. ففى رواية لمسلم : قال أبو سعيد
كذا تخرج اذا كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر عن كل صغير وكبير، حر أو مملوك صاعا
من طعام، أو صاعا من أقط أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر ، أو صاعا من زبيب فلم نزل تخرجه حتى قدم
علينا معاوية حاجا أو معتمرا فكلم الناس على المنبر ، فكان فيما كلم به الناس: أن قال إنى أرى مدين من سمراء
الشام تعدل صاعا من تمر، فأخذ الناس بذلك الحديث. قال النووي: هذا الحديث هوالذى اعتمده أبو حنيفة
وموافقوه. والجمهور يجيبون عنه بأنه قول صحابى، وقد خالفه أبو سعيد وغيره ممن هو أطول صحبة وأعلم
بأحوال النبي مؤقتة. وقد صرح معاوية بأنه رأى رأه لا أنه سمعه من النبى يزال ، ولو كان عند أحد من حاضرى
مجلسه مع كثرتهم فى تلك اللحظة علم فى موافقته معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم لذكره كما جرى لهم فى غير
هذه القضية - انتهى. وأجاب الزيلعى عن هذا بأنه قد وافق معاوية غيره من الصحابة الجم الغفير بدليل قوله
((فأخذ الناس ، بذلك ولفظ ((الناس)) للعموم فكان اجماعا وكذلك قول ابن عمر فعدل الناس به مدين من حنطة
ولا يضر مخالفة أبى سعيد لذلك لأنه لا يقدح فى الاجماع - انتهى. قلت: هذا عجيب فان الأصوليين قد صرحوا
بأن مخالفة الواحد تمنع إنعقادا لاجماع فكيف تصح دعوى إنعقاد الاجماع مع مخالفة أبى سعيد. وقد تقدم
قول الحافظ إن حديث أبى سعيد دال على أنه لم يوافق على ذلك ، وكذلك ابن عمر فلا إجماع فى المسئلة قال :
ومن جعله نصف صاع منها بدل صاع من شعير فعل ذلك بالاجتهاد بناء منه على أن قيم ما عد الحنطة متساوية ،
وكانت الحنطة إذ ذاك غالية الثمن، لكن يلزم على قولهم إن تعتبر القيمة فى كل زمان فيختلف الحال ، ولا ينضبط
١٩٨
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة الفطر
أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من أقط ،
وربما لزم فى بعض الأحيان اخراج آصع من حنطة ويدل على أنهم لحظوا ذلك ماروى جعفر الفريابي فى كتاب
صدقة الفطر أن ابن عباس لما كان أمير البصرة أمرهم باخراج زكاة الفطر، وبين لهم إنها صاع من تمر إلى أن قال
أو نصف صاع من بر. قال: فلما جاء على ورأى رخص أسعارهم قال إجعلوها صاعا من كل. فدل على أنه كان
ينظر الى القيمة فى ذلك، ونظر أبو سعيد الى الكيل - انتهى. قلت: الأحوط عندى هو أن يخرج صاع من
البر أيضا ولو أخرج أحد نصف صاع منه أجزأه انشاء الله نظرا الى الأحاديث الضعيفة وآثار الصحابة فى ذلك
(أوصاعا من شعير أو صاعا من تمر) اختلفوا فى أن ((أو)) للتقسيم أو للتخيير. قال ابن رشد (ج ١ ص ٢.)
وأما مما ذا تجب فان قوما ذهبوا الى أنها تجب من البر أو التمر أو الشعير أو الزبيب أو الأقط على التخيير. وقوم
ذهبوا الى أن الواجب عليه هو غالب قوت البلد ، أو قوت المكلف إذا لم يقدر على قوت البلد وهو الذى حكاه
عبد الوهاب عن المذهب. والسبب فى اختلافهم اختلافهم فى مفهوم حديث أبى سعيد الخدرى فمن فهم من هذا
الحديث التخيير قال أى أخرج من هذه أجزأ عنه، ومن فهم منه إن اختلاف المخرج ليس سببه الاباحة. وإنما
سببه إعتبار قوت المخرج أوقوت غالب البلد قال بالقول الثانى - انتهى. وقال القارى قال ميرك: نقلا عن الأزهار
اختلف العلماء فى أن ((أو)) فى هذا الحديث لتخيير المؤدى من هذه الأشياء أو لتعيين واحد منها وهو الغالب
فيه قولان. أحدهما: إنه للتخيير وبه قال أبو حنيفة: والثانى: إنه لتعيين أحد هذه الأشياء بالغلبة وهو غالب قوت
البلد على الأصح وبه قال الأكثرون. ومعناه كنا نخرج هذه الأنواع بحسب أقواتنا ومقتضى أحوالنا -انتهى.
وقال ابن الملك. أو هذه للتنويع لا للتخيير فان القوت الغالب لا يعدل عنه إلى مادونه فى الشرف - انتهى. وقال
ابن قدامة ( ج٣ ص ٦٤) ومن أى الأصناف المنصوص عليها أخرج جاز، وإن لم يكن قوتا له . وقال مالك:
يخرج من غالب قوت البلد. وقال الشافعى: أى قوت كان الأغلب على الرجل أدى الرجل زكاة الفطر منه يعنى
إن الاعتبار بغالب قوت المخرج. ولنا إن خبر الصدقة ورد بحرف التخيير بين هذه الأصناف فوجب التخيير فيه
ولأنه عدل إلى منصوص عليه جاز كما لو عدل إلى الأعلى والغنى يحصل بدفع قوت من الأجناس، ويدل على ما
ذكرنا إنه خير بين التمر والزبيب والأقط ولم يكن الزبيب والأقط قوتا لأهل المدينة، فدل على أنه لا يعتبر أن يكون
قوتا للخرج - انتهى. وقال ولى الدين العراقى من قال بالتخيير فقد أخذ بظاهر الحديث، ومن قال بتعيين غالب
قوت البلد فانه حمل الحديث على ذلك - انتهى. قلت الراجح عندى: فى ذلك قول من ذهب إلى التخيير وهو ظاهر
الحديث فلا يعدل عنه (أو صاعا من أقط) بفتح الهمزة مع كسر القاف أو ضمها أوفتحها أو إسكانها وبكسر الهمزة
مع كسر القاف وإسكانها وبضم الهمزة مع إسكان التماف فقط، وهو شىء يتخذ من اللبن المخيض كأنه نوع من اللبن
١٩٩
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
٢ - باب صدقة الفطر
أو صاعا من زيب.
الجاف. وقيل: هو لبن مجفف يابس جامد مستحجر غير منزوع الزيد يطبخ به، وفيه دليل على أجزاء الأقط
فى صدقة الفطر كغيره مما قرن به. واختلف العلماء فيه: فقال مالك بالأجزاء: اذا كان من أغلب القوت. والشافعى
فيه قولان أحدهما: كقول مالك. والثانى أنه لا يجزى. قال الحافظ: وعند الشافعية فيه خلاف، وزعم الماوردى
أنه يختص بأهل البادية. وأما الحاضرة فلا يجزىء عنهم بلا خلاف. وتعقبه النووى فى شرح المهذب. وقال
قطع الجمهور بأن الخلاف فى الجميع - انتهى. والمذكور فى فروع الشافعية الأجزاء إذا كان غالب أقوات المخرج.
قال النووى فى شرح مسلم: يجزىء الأقط على المذهب - انتهى. وقال الحنفية: لا يجزىء إلا بدلا عن القيمة.
قال الكاسانى فى البدائع: أما الأقط فتعتبر فيه القيمة لا يجزىء الا باعتبار القيمة لأنه غير منصوص عليه من
وجه يؤثق به، وجواز ما ليس بمنصوص عليه لا يكون إلا بالقيمة - انتهى. قلت: هذا عجيب فان الأقط
منصوص عليه ثابت فى حديث أبى سعيد عند الشيخين وغيرهما. فاعتبار القيمة فيه مردود قال الخرقى إن أعطى
أهل البادية الأقط صاعا أجزأ إذا كان قوتهم. قال ابن قدامة: (ج٢ ص ٦٠) يجزىء أهل البادية اخراج الأقط
اذا كان قوتهم وكذلك من لم يجد من الأصناف المنصوص عليها سواه فأما من وجد سواه فهل يجزىء على
روايتين، إحداهما: يجزئه أيضا لحديث أبى سعيد وفى بعض ألفاظه. قال: فرض رسول اللّه عَ لَّه صدقة الفطر
صاعا من طعام، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر ، أو صاعا من أقط أخرجه النسائى. والثانية: لا يجزئه
لأنه جنس لا تجب الزكاة فيه فلا يجزىء إخراجه لمن يقدر على غيره من الأجناس المنصوص عليها كاللحم.
ويحمل الحديث على من هو قوت له أو لم يقدر على غيره، فان قدر على غيره، مع كونه قوتا له فظاهر كلام الخرقى
جواز اخراجه سواء كان من أهل البادية أو لم يكن، لأن الحديث لم يفرق، وقول أبى سعيد كنا نخرج صاعا من
أقط وهم أهل الأمصار وإنما خص أهل البادية بالذكر لأن الغالب أنه لا يقتاته غيرهم - انتهى. قلت: الظاهر
عندى أنه يجزىء اخراجه لأهل الأمصار ولمن قدر على غيره من الأشياء المنصوص عليها، وإن لم يكن قوتا له،
لأن الحديث لم يفرق ولم يفصل. قال الحافظ: أراد البخارى بتفريق التراجم على هذه الأشياء، الاشارة إلى
ترجيح التخيير فى هذه الأنواع. إلا أنه لم يذكر الأقط ، وهو ثابت فی حدیث أبى سعيد ، و کأنه لا يراه مجزئا
فى عال وجدان غيره كقوله أحمد. وحملوا الحديث على أن من كان يخرجه كان قوته أذ ذاك، أو لم يقدر على
غيره وظاهر الحديث يخالفه ـ انتهى. (أو صاعا من زبيب) فيه وفى الأقط خلاف الظاهرية حيث لا يجوز عندهم
إلا من التمر. والشعير وأجمع غيرهم على جواز الزبيب إلا أن الأئمة الثلاثة قالوا: إن الواجب منه صاع. واليه
ذهب أبو يوسف ومحمد وهى رواية عن أبى حنيفة. قال بعض الحنفية وعليه الفتوى. وفى رواية أخرى عنه
نصف صاع كالقمح، وهى خلاف نص الحديث ، وأجاب ابن حزم عن هذا الحديث بوجهين. أحدهما: أنه غير
٢٠٠