Indexed OCR Text
Pages 161-180
مرعاة المفاتيح ج ٦ ٦ - كتاب الزكاة ١ - باب ما يجب فيه الزكاة مفرده وهو ظرف من جلد يجعل فيه السمن والعسل وغيرهما. وفيه دليل على وجوب العشر فى العسل. واختلف العلماء فيه ، فذهب مالك والشافعى وابن أبى ليلى والحسن بن صالح وابن المنذر والثورى وأبو ثور وداود وابن حزم إلى أنه لا زكاة فى العسل، وبه قال من الصحابة على رضى الله عنه أخرجه يحيى بن آدم فى الخراج (ص ٣١) والبيهقى (ج ٤ ص ١٢٧) من طريقه، وفيه انقطاع، وعبد الله بن عمر رضى الله عنه. أخرجه أبو عبيد (ص٤٩٩) باستاد فيه ضعف، ومعاذكما سيأتى. ومن التابعين المغيرة بن حكيم وعمربن عبد العزيز، أخرجه ابن أبى شيبة وعبد الرزاق باسناد صحيح. قال ابن المنذر: ليس فى العسل خبر يثبت ولا إجماع فلا زكاة . وهو قول الجمهور. وقال أحمد وأبو حنيفة وأبو يوسف، ومحمد واسحاق ومكحول والزهرى وسليمان بن موسى وربيعة ويحيى بن سعيد وابن وهب بوجوب كل العشرفيه. ويروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز، أخرجه عبد الرزاق ولكنه باسناد ضعيف كما بينه الحافظ فى الفتح، وابن حزم فى المحلى (ج ٥ ص ٢٣٢) وأخرج أبو عبيد (ص ٤٩٨) عن خصيف أن عمر بن عبد العزيز رأى فى العسل العشر. وحكاه الترمذى عن أكثر أهل العلم. وأشار العراقى فى شرح الترمذى إلى أن الذى نقله ابن المذرعن الجمهور أقوى من نقل الترمذى. واحتج هؤلاء يحديث الباب وهو كما ستعرف، وبما روى عبد الرزاق والبيهقى من طريقه (ص١٢٦) من حديث أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم: كتب إلى أهل اليمن أن يؤخذ من أهل العسل العشور، وفيه عبد الله بن محرر وهو متروك وبما روى الشافعى فى الأم ( ج ٢ ص ٣٣) وأبو عبيد (ص ٤٩٦) والبيهقى ( ج ٤ ص ١٢٧) وابن أبى شيبة (ج ٣ ص ٢٠) والطبرانى فى الكبير والبزار عن سعد بن أبي ذباب، أتيت النبي مُوّة: فأسلمت فذكر الحديث، وفيه أنه أخذ من قومه زكاة العسل العشر، فأتى به عمر فأخذه. قال الهيثمى: فيه مثير بن عبد الله وهو ضعيف. وقال الحافظ فى التلخيص: ضعفه البخارى والازدى وغيرهما، وقال البخارى: وعبد الله الذى رواه عنه ابنه منير عن سعد بن أبي ذباب لم يصح حديثه. وقال ابن عبد البر: لا يقوم بهـ ذا حجة. قلت : وفى سنده عند الشافعى عبد الرحمن بن أبي ذباب ولم أقف على ترجمته . وقال الشافعى : وسعد بن ذباب یحکی ما يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم يأمره بأخذ الصدقة من العسل، وإنه شىء رأه هو فتطوع له به أهله، وبما روى أحمد (ج٤ ص٣٣٦) وابن ماجه والطيالسى (ص١٦٩) والبيهقى (ج٤ ص١٢٦) وأبو يعلى وعبد الرزاق وأبو عبيد (ص ٤٩٧) والطبرانى من طريق سليمان بن يسارعن أبى سيارة المتعى. قال قلت يارسول الله! إن لإ نحلا. قال: أدالعشر. قلت: احم لى جباها فماه لى. قال البيهقى: هذا أصح ما روى فى وجوب العشر فى العسل وهو منقطع. قال الترمذى فى علله: سألت محمداً عن هذا الحديث، فقال: مرسل لأن سليمان لم يدرك أحداً من الصحابة، وليس فى زكاة العسل شىء يصح. وبما روى أبو داود والنسائى من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: ١٦١ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٦ - كتاب الزكاة ١ - باب ما يجب فيه الزكاة جاء هلال أحد بنى متعان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: بعشور نحل له وكان سأله أن يحمى له واديا يقال له سلبة خماه له فلما ولى عمر كتب إلى عامله سفيان بن وهب، إن أدى اليك ما كان يؤدى إلى رسول الله لتے من عشور نحله فاحم له سلبة وإلا فلا . ورواه ابن ماجه من هذا الوجه بلفظ: إن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ من العسل العشر . وروى الطبرانى من هذا الوجه إن بنى شبابة بطن من فهم كانوا يؤدون عن نحل لهم العشر من كل عشر قرب قربة - الحديث. ولأبى عبيد فى الأموال (ص ٤٩٧) والبيهقى (ج ٤ ص ١٢٧) من هذا الوجه إن النبي ◌ُّ: كان يؤخذ فى زمانه من العسل فى كل عشر قرب قربة من أوسطها، وفى اسناده ابن لهيعة. قال الحافظ فى الفتح: بعد ذكر رواية أبى داود والنسائى اسناده صحيح إلى عمرو، وترجمة عمرو قوية على المختار ، لكن حيث لا تعارض. وقد ورد ما يدل على أن هلالا أعطى ذلك تطوعا، فعند عبد الرزاق عن صالح بن دينار إن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عثمان بن محمد ينهاه، أن يأخذ من العسل صدقة. إلا أن كان النبى حزّ أخذما جمع عثمان أهل العسل فشهدوا إن هلال بن سعد قدم النبي ◌َّقة بعسل. فقال ما هذا، قال : صدقة فأمر برفعها ولم يذكر عشورا لكن الاسناد الأول أقوى ، الا أنه محمول على أنه فى مقابلة الحمى ، كما يدل عليه كتاب عمر بن الخطاب - انتهى. وقال الخطابى فى المعالم: (ج ٢ ص ٤٣) فى هذا الحديث دليل على أن الصدقة غير واجبة فى العسل. وإن النبى ◌ُ اللّه إنما أخذ العشر من هلال المتعى، إذ كان قد جاء بها متطوعا وحمى له الوادى ارفاقا ومعونة له بدل ما أخذ منه. وعقل عمر بن الخطاب المعنى فى ذلك فكتب إلى عامله يأمره بان يحمى له الرادى إن أدى اليه العشر وإلا فلا، ولو كان سبيله سبيل الصدقات الواجبة فى الأموال لم يخيره فى ذلك - انتهى. وقال الشوكانى: واعلم أن حديث أبى سيارة وحديث هلال إن كان غير أبى سيارة لا يدلان على وجوب الزكاة فى العسل ، لأنهما تطوعا بها وحمى لهما يدل ما أخذ وعقل عمر العلة فأمر بمثل ذلك، ولو كان سبيله سبيل الصدقات لم يخير فى ذلك . وبقية أحاديث الباب لا تنتهض للاحتجاج بها - انتهى. ويؤيده ما رواه الحميدى باسناده إلى معاذ بن جبل أنه أتى بوقص البقر والعسل فقال معاذ كلاهما لم يأمرنى فيه ◌َ ◌ّم بشىء - انتهى. قلت: حديث معاذ هذا أخرجه أيضا أبوداود فی المراسیل، وعبد الرزاق و ابن أبى شيبة والبيهقى ( ج ٤ ص ١٢٧) وابن حزم ( ج ٥ ص ٢٣٣) من طريق طاؤس عنه. وفيه انقطاع بين طاؤس ومعاذ. لكن قال البيهقى: هو قوى لأن طاوسا كان عارفا بقضايا معاذ. وقال الشافعى: الحديث فى أن فى العسل العشر ضعيف، وفى أن لا يؤخذ منه العشر ضعيف، إلا عن عمر بن عبد العزيز، واختيارى أن لا يؤخذ منه لأن السنن والآثار ثابتة فيما يؤخذ منه، وليست فيه ثابتة فكأنه عفو- انتهى وتقدم قول ابن المنذر أنه ليس فى وجوب الصدقة فى العسل خبريثبت ولا إجماع ، فلا زكاة فيه ، وقول البخارى أنه لا يصح فيه شىء - انتهى. قلت: واستدل الجصاص على وجوب الزكاة فى العسل بقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة - التوبة: ١٠٣) اذ قال ظاهر قوله تعالى (خذ من أموالهم صدقة) يوجب الصدقة فى العسل اذ هو من ١٦٢ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٦ - كتاب الزكاة ١ - باب ما يجب فيه الزكاة رواه الترمذى ، وقال: فى اسناده مقال ، ماله - انتهى. قال ابن حزم: إن الله تعالى قال ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل - البقر: ١٨٨} وقال رسول اللّه وَ له: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، فلا يجوز إيجاب فرض زكاة فى مال لم يصح عن رسول الله ◌َاللّه فيه إيجابها، فان احتجوا بعموم قول الله تعالى (خذ من أموالهم صدقة) قيل: لهم فأوجبوها فيما خرج من معادن الذهب والفضة ، وفى القصب وفى ذكور الخيل ، فكل ذلك أموال المسلمين بل أوجبوها حيث لم يوجبها الله تعالى، واسقطوها ما خرج من النخل والبروالشعير فى أرض الخراج. وفى الأرض المستأجرة. ولكنهم قوم يجهلون - انتهى . وقد ظهر بما ذكرنا أنه لم يثبت فى زكاة العسل شىء، إلا حديث عمرو بن شعيب عند أبى داود والنسائى وابن ماجه، وهو محمول على أنه كان فى مقابلة الحمى، كما قال الخطابى والحافظ والشوكانى: فالقول الراجح المعول عليه هو ما ذهب اليه مالك والشافعى من عدم وجوب الزكاة فى العسل والله تعالى أعلم. واعلم إن أبا حنيفة فرق بين أن يكون العسل فى أرض العشر ففيه الزكاة وبين أن يكون فى أرض الخراج فلا زكاة فيه ، لأن مذهبه إن العشر والخراج لا يجتمعان فى أرض، وسوى الامام أحمد بين الأرضين، وأوجبه بما أخذه من ملکه أوموات. ثم اختلف الموجبون له هل له نصاب أم لا، على قولین . أحدهما: أنه يحب فى قليله و کثیره ، و هذا قول أبى حنيفة . قال ابن الهمام: بعد ذكر حديث عمرو بن شعيب المتقدم ، من رواية الطبرانى وأبى عبيد غاية ما فى حديث القرب ، أنه كان أداءهم من كل عشر قرب قربة وهو فرع بلوغ عسلهم هذا المبلغ: أما النفى عما هو أقل من عشر قرب فلا دليل فيه عليه. وأما حديث الترمذى فضعيف ـ انتهى . والثانى: إن له نصابا معينا. ثم اختلف فى قدره. فقال أبو يوسف: يجب إذا بلغت قيمته خمسة أوساق، وعنه أنه قدره بعشرة أرطال قال فى المبسوط : وهى رواية الأمالى وهى خمسة أمناء وعنه أنه اعتبر فيه عشر قرب . وعن محمد: ثلاث روايات. إحداها: خمس قرب والقربة خمسون منا ذكره فى الينابيع. وفى المغنى القربة مائة رطل. والثانية: خمسة أمناء، والثالثة خمسة أواق. قال السرخسى: وهى تسعون منا. وقال أحمد: نصابه عشرة أفراق، لما روى الجوزجاني إن عمر قال: إن أديتم صدقتها من كل عشرة أفراق فرقا حميناها لكم. قال الزهرى: والفرق ستة عشر رطلا فيكون نصابه مائة وستون رطلا . وقال ابن حامد: الفرق ستون رطلا، فيكون النصاب ستمائة رطل . وقيل : الفرق ستة وثلاثون رطلا ، فيكون النصاب ثلاث مائة رطل وستون رطلا، والأول: هو ظاهر كلام الامام أحمد وهو الذى رجحه ابن قدامة فى المغنى (ج ٢ ص ٧١٥) (رواه الترمذى وقال إسناده مقال) لأنه قد تفرد به صدقة بن عبد الله السمين وهو ضعيف، وأخرجه أيضا ابن عدى فى الكامل فى ترجمة صدقة بن عبد الله، وأعله به وضعفه عن أحمد والنسائى وابن معين . ورواه البيهقى ( ج ٤ ص ١٢٦) وقال: تفرد به صدقة وهو ضعيف ، ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما . ورواه ابن حبان فى الضعفاء. وقال: فى صدقة يروى الموضوعات عن الثقات. ورواه الطبرانى فى الأوسط من هذا الوجه. وقال: إنه تفرد به . ولفظه وقال: فى العسل العشر فى كل عشر قرب قربة، ولیس فيما ١٦٣ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٦ - كتاب الزكاة ١ - باب ما يجب فيه الزكاة ولا يصح عن النبي ◌َّ، فى هذا الباب كثير شىء . ١٨٢٣ - (١٥) وعن زينب امرأة عبد اللّه، قالت: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يامعشر النساء! تصدقن ولو من حليكن، فانكن أكثر أهل جهنم يوم القيامة. دون ذلك شىء كذا فى نصب الراية. وقال الحافظ فى التلخيص : فى سنده صدقة السمين وهو ضعيف الحفظ وقد خولف. وقال النسائى : هذا حديث منكر، وقال البيهقى: تفرد به صدقة وهو ضعيف. وقد تابعه طلحة بن زيد عن موسى بن يسار ذكره المروزى. ونقل عن أحمد تضعيفه، وذكر الترمذى أنه سأل البخارى عنه. فقال: ((و عن نافع عن النبى مَ له مرسل. (ولا يصح عن النبي ◌َ ◌ّه فى هذا الباب) أى باب زكاة العسل (كثير شىء) قال الطيبي: أى ما يعول عليه. وقال البخارى: ليس فى زكاة العسل شىء يصح. ١٨٢٣ - قوله (وعن زينب) بنت معاوية ويقال بنت عبد الله بن معاوية بن عتاب الثقفية وتسمى أيضا برائطة (إمرأة عبد الله) بن مسعود (تصدقن) أى أخرجن زكاة أموالكن (ولو من حليكن) بضم الحاء وكسرها فكسر اللام وتشديد التحية جمع الحلى بفتح فسكون. قال فى القاموس: الحلى بالفتح ما يزين به من مصوغ المعدنيات أو الحجارة، جمعه حلى بالضم والكسر كدلى، أو هو جمع والواحد حلية كظبية، والحلية بالكسر الحلى جمع حلىّ وُحلىّ - انتهى. وقال فى النهاية: الحلى اسم لكل ما يتزين به مصاغ الذهب والفضة، والجمع حُلَّى بالضم والكسر، والجمع الحِلية حلى مثل لحية ولحى، وربما تضم وتطلق الحلية على الصفة أيضا وانتهى. (فانكن أكثر أهل جهنم يوم القيامة) أى بمحبة الدنيا الباعثة على ترك الزكاة والصدقة للعقبى. والحديث بظاهره يدل على وجوب الزكاة فى الحلى، وهو الذى فهمه الترمذى حيث أورده فى باب ما جاء فى الزكاة الحلى. قال أبو الطيب السندى فى شرح الترمذى: مناسبته بالترجمة باعتبار إن الأمر فيه للوجوب لأن الأصل فيه ذلك أى تصدقن. وجوبا، ولو كانت الصدقة من حليكن وهو الذى فهمه المصنف. وأما القول بأنه أمر ندب بالصدقة النافلة، لأنه خطاب باالحاضرات ولم تكن كلهم من فرضت عليهن الزكاة. والظاهر إن معنى قوله ((ولو من حليكن)، أى ولو تيسر من حليكن وهذا لا يدل على أنه يجب فى الحلى اذ يجوز أن يكون واجبا على الانسان فى أمواله الآخر . ويؤديه من الحلى فذكر المصنف أى الترمذى الحديث فى هذا الباب لا يخلو عن خفاء فعدول عن الأصل الذى هو الوجوب وتغيير للعنى الذى هو الظاهر، لأن معناه تصدقن من جميع الأموال التى تجب فيها الزكاة عليكن ، ولو كانت الصدقة الواجبة من حليكن. وإنما ذكر لدفع توهم من يتوهم إن الحلى من الحوانج الأصلية، ولا تجب فيها الزكاة ويؤيد هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم، فانكن أكثر أهل جهنم أى لترك الواجبات. وأما كون الخطاب ١٦٤ ١ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٦ - كتاب الزكاة ١ - باب ما يجب فيه الزكاة للحاضرات خصوصا فممنوع بل الخطاب، لكل من يصلح للخطاب نعم ، فيه تلميح الى حسن الصدقة فى حق غير الغنيات ، فلا يرد إن كون الأمر للوجوب لا يستقيم ويؤيده ما فى آخر هذا الحديث فى البخارى . قالت زينب لعبد الله قد أمرنا بالصدقة فأته فَسَله، فان كان ذلك يجزىء عنى والاصرفتها الى غيركم الحديث، لأن الصدقات من النوافل لا كلام فى جوازها لو صرفت الى الزوج انتهى كلام أبي الطيب. قال شيخنا فى شرح الترمذى: (ج ٢ ص ١٠) قلت: فى الأستدلال بهذا الحديث على وجوب الزكاة فى الحلى نظر، فانه ليس بنص صريح فيه لاحتمال أن يكون معنى قوله ((ولو من حليكن)) أى ولو تيسر من حليكن كما قيل. وهذا لا يدل على وجوب الزكاة فى الحلى، اذ يجوز أن يكون واجبا على الانسان فى أمواله الأخر ويؤديه من الحلى، وقد ذكر أبو الطيب: هذا الاحتمال، ولم يجب عن هذا جوابا شافيا فتفكر انتهى كلام الشيخ. قلت : حمل الحنفية القائلون بوجوب الزكاة فى الحلى، وعدم جواز دفع المرأة زكاتها إلى زوجها الفقير هذا الحديث على صدقة التطوع ، وبه جزم النووى من الشافعية، واستدل الطحاوى (ج ١ ص ٣٠٨) لذلك بما روى من طريق رائطة إمرأة ابن مسعود، إنها كانت إمرأة صنعاء اليدين تصنع بيديها فتبيع من ذلك فكانت تنفق على عبد الله وعلى ولده، قال فهذا يدل على أنها صدقة تطوع. واستدل أيضا بقولها فى حديث أبى هريرة عنده فأخذت حلى، أتقرب به الى الله عزوجل رجاء أن لا يجعلنى الله من أهل النار لأن الزكاة لا أوجب الصدقة بكل المال، وإنما أوجب الصدقة بجزء منه. واستدل لذلك أيضا بما وقع فى حديث أبى سعيد عند البخارى ((زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم)) لأن الولد لا يعطى من الزكاة الواجبة بالاجماع كما نقله ابن المنذر وغيره، والأم يلزمعها نفقة ولدها اذا كان أبوه فقيرا عاجزا عن التكسب جدا عند الحنفية. ويمتنع إعطاء الصدقة الواجبة من يازم المعطى نفقته وسيأتي الكلام على إعطاء الزكاة للزوج والولد. وأما مسئلة الحلى ففيها خلاف بين العلماء. فقال أبو حنيفة وأصحابه والثورى وعبد الله بن المبارك: تجب فيها الزكاة، وروى ذلك عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو وعبد الله عباس وابن عمر وعائشة، وبه قال عبد الله بن شداد وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء وابن سيرين ، وجابر بن زيد ومجاهد والزهرى وطاؤس وميمون بن مهران والضحاك وعلقمة والأسود، وعمر بن عبد العزيز وابراهيم النخعى وذر الهمدانى والأوزاعى وابن شبرمة، والحسن بن حى وابن المنذر وابن حزم وهى رواية عن أحمد كما فى المغنى، وهو أحد أقوال الشافعى. وذهب مالك وأحمد وإسحاق والشافعى فى أظهر قوليه إلى أنها لا تجب الزكاة فيها، وروى ذلك عن ابن عمر وجابر وأنس وعائشة وأسماء رضى الله عنهم، وبه قال القاسم ابن محمد والشعبي وقتادة ومحمد بن على وعمرة وأبو عبيد وأبو ثور ، قال ابن المنذر: وقد كان الشافعى قال بهذا اذا هو ١٦٥ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٦ - كتاب الزكاة ١ - باب ما يجب فيه الزكاة بالعراق ، ثم وقف عنه بمصر وقال: هذا مما استخير الله تعالى فيه ذكره المنذرى فى الترغيب. وقال الليث: ما كان من حلى يلبس ويعار فلا زكاة فيه، وإن اتخذ التحرز من الزكاة ففيه الزكاة . وقال أنس بن مالك: يزكى عاما واحدالا غير. قال الأمير اليمانى: فى المسئلة أربعة أقوال. الأول: وجوب الزكاة وهو مذهب الهادوية وجماعة من السلف وأحد أقوال الشافعى، عملا بما روى فى ذلك من الأحاديث. والثانى : لا تجب الزكاة فى الحلية وهو مذهب مالك وأحمد والشافعى فى أحد أقواله، لآثار وردت عن السلف قاضية بعدم وجوبها فى الحلية، ولكن جعد صحة الحديث لا أثر الآثار. والثالث: إن زكاة الحلية عاريتها. والرابع: أنها تجب فيها الزكاة مرة واحدة، رواه البيهقى عن أنس وأظهر الأقوال دليلا وجوبها لصحة الحديث وقوته - انتهى. قلت: القول بوجوب الزكاة فى حلى الذهب والفضة هو الظاهر الراجح المعول عليه عندى، لعموم قوله تعالى: ( والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ الآية ولعموم قوله صلى الله عليه وسلم: فى الرقة ربع العشر. قال ابن قتيبة: الرقة الفضة سواء كانت الدراهم أو غيرها، نقله ابن الجوزى فى التحقيق، ولقوله مَّم: ليس فيما دون خمسة أواق من الورق صدقة، والورق يطلق على الفضة مضروبة كانت أو غير مضروبة يدل على ذلك ماجاء فى الحديث إن عرلجة اتخذ أنفا من ورق، وفى حديث عائشة عند أبى داود وغيره فرأى فى يدى فتخات من ورق. قال الخطابي فى المعالم: ( ج ٣ ص ١٧) الظاهر من الكتاب يشهد لقول من أوجبها والأثر يؤيده، ومن أسقطها ذهب الى النظر، ومعه طرف من الاثر والاحتياط أداءما - انتهى. وقال ابن حزم فى المحلى: (ج ٦ ص ٨٠) لما صح عن رسول اللّه مَّ فى الرقة ربع العشر وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، فإذا بلغ مائتى درهم ففيها خمسة دراهم وكان الحلى ورقا وجب فيه حق الزكاة لعموم هذين الأثرين الصحيحين. وأما الذهب فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من صاحب ذهب لا يؤدى ما فيها إلا جعل له يوم القيامة صفائح من ناريكوى بها ، فوجبت الزكاة فى كل ذهب بهذا النص، ولم يأت إجماع قط بأنه عليه السلام لم يرد الا بعض أحوال الذهب وصفاته ، فلم يجز تخصيص شىء من ذلك بغير نص ولا إجماع. وقال: قد صح عن النبي مَث إيجاب الزكاة فى الذهب عموما ، ولم يخص الحلى منه بسقوط الزكاة فيه، لا بنص ولا باجماع فوجبت الزكاة بالنص فى كل ذهب وفضة، ولم يجز تخصيص شئْ منهما اذ قد عمهما النص، فوجب أن لايفرق بين أحوال الذهب بغير نص، ولا إجماع . والحلى فضة أو ذهب فلا يجوز أن يقال الا الحلى بغير نص فى ذلك ولا اجماع انتهى مختصرا. وقال الرازى فى تفسيره: الصحيح عندنا وجوب الزكاة فى الحلى، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة) الآية وأيضا العمومات الواردة فى إيجاب الزكاة فى الحلى المباح، قال عليه السلام: فى الرقة ربع الشر وغير ذلك من ١٦٦ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٦ - كتاب الزكاة ١ - باب ما يجب فيه الزكاة الأخبار فهذه الآية مع جميع هذه الأخبار توجب الزكاة فى الحلى المباح، ثم نقول ولم يوجد لهذا الدليل معارض من الكتاب وهو ظاهر لأنه ليس فى القرآن ما يدل أنه لازكاة فى الحلى المباح ولم يوجد فى الأخبار أيضا معارض الا أن أصحابنا نقلوا فيه خبرا وهو قوله عليه السلام لا زكاة فى الحلى المباح، إلا إن أبا عيسى الترمذى قال: لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الحلى خبر صحيح. وأيضا بتقدير أن يصح هذا الخبر فنحمله على اللآلى لأن الحلى فى الحديث مفرد محلى بالألف واللام، وقد دللنا على أنه لو كان هناك معهود سابق وجب إنصرافه اليه، والمعهود فى القرآن فى لفظ الجلى اللآلى قال تعالى: ﴿وتستخرجوا منه حلية تلبسونها﴾ وإذا كان كذلك انصرف لفظ الحلى إلى اللآلى فسقطت دلالته، وأيضا الاحتياط فى القول بوجوب الزكاة ، وأيضا لا يمكن معارضة هذا النص بالقياس لأن النص خير من القياس، فثبت إن الحق ما ذكرنا - انتهى. قلت: حديث لا زكاة فى الحلى رواه ابن الجوزى فى التحقيق بسنده عن عافية بن أيوب عن ليث بن سعد عن أبى الزبير عن جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ليس فى الحلى زكاة. وعافية هذا قال الذهبي فى الميزان: فى ترجمته تكلم فيه ما هو بحجة وفيه جهالة - انتهى. وقال ابن عبد الهادى: الصواب وقفه. وقال الزيلعى (ج ٢ ص ٣٧٤) قال البيهقى فى المعرفة: هو حديث باطل، لا أصل له إنما يروى عن جابر من قوله: وعافية بن أيوب مجهول، فمن احتج به مرفوعا كان مغررا بدينه داخلا فيما يعيب المخالفين من الاحتجاج برواية الكذابين - انتهى. وقال الشيخ فى الامام: رأيت بخط شيخنا المنذرى وعافية بن أيوب لم يبلغنى فيه ما يوجب تضعيفه. قال الشيخ ويحتاج من يحتج به إلى ذكر ما يوجب تعديله - انتهى . وقال الحافظ فى التلخيص (ص١٨٣) وعافية. قيل: ضعيف. وقال ابن الجوزى: ما نعلم فيه جرحا . وقال البيهقى: مجهول. ونقل ابن أبى حاتم توثيقه عن أبى زرعة - انتهى . قلت: وفى وجوب الزكاة فى الحلى أحاديث خاصة أيضا. فمنها: حديث عمروبن شعيب عن أبيه عن جده إن امرأة أنت التى حَ لّه ومعها ابنة لها ، وفى يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها أتعطين زكاة هذا. قالت لا ، قال أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارا من نار. قال :خلعتهما فألقتهما إلى النبى مؤ ثّة. وقالت هما لله ولرسوله أخرجه أبو داود والنسائى وأبو عبيد (ص ٤٣٩) والدار قطنى (٢٠٧) والبيهقى (ج ٤ ص ١٤٠) كلهم من طريق حسين بن ذكوان المعلم عن عمرو بن شعيب وسكت عنه أبو داود. وقال الزيلمى ( ج ٢ ص ٣٧٠) قال ابن القطان اسناده صحيح. وقال المنذری فی مختصره. اسناده لا مقال فيه ثم بينه رجلا رجلا ، وقال فى آخر كلامه: وهذا اسناده تقوم به الحجة إنشاء الله انتهى. وقال ابن الملقن: رواه أبو داود بإسناد صحيح ذكره ميرك . وقال الحافظ فى بلوغ المرام: اسناده قوی ۔ انتهى. ورواه الترمذى بسند فيه مقال كما سيأتى. ومنها ١٦٧ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٦ - كتاب الزكاة ١ - باب ما يجب فيه الزكاة حديث أم سلمة الآتى وهو حديث صحيح أو حسن كما ستعرف. ومنها: حديث أسماء بنت يزيد قالت دخلت أنا وخالتى على النبى ◌َُّ، وعلينا أسورة من ذهب، فقال لنا أتعطيان زكاته، فقلنا لا، قال أما تخافان أن يسوركما الله أسورة من نار أديا زكاته أخرجه أحمد (ج ٦ ص ٤٦١) قال المنذرى فى الترغيب: باسناد حسن. وقال الهيشمى: فى مجمع الزوائد (ج٣ ص٦٧) إسناده حسن وذكره الحافظ فى التلخيص وسكت عنه، وقال فى الدراية فى اسناده مقال - انتهى. قلت: فى سنده على بن عاصم وهو متكلم فيه، قال البخارى ليس بالقوى عندهم. وقال مرة يتكلمون فيه ، وقال الحافظ فى التقريب: صدوق يخطىء ويصر، وفيه أيضا شهر بن حوشب وهو صدوق كثير الارسال والأوهام. والحق إن حديث أسماء هذا إن قصر عن درجة الحسن فلا يقصر عن أن يكون صالحا للاستشهاد. ومنها : حديث عائشة قالت دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم : فرأى فى يدى فتخات من ورق، فقال ما هذا يا عائشة فقات صنعتهن أتزين لك بهن يا رسول الله ! قال أفتؤدين زكاتهن، فقلت لا ، قال هن حسبك من النار، أخرجه أبو داود والدار قطنى (ص٢٠٥) والحاكم (ج١ ص ٣٨٩، ٣٩٠) والبيهقى (ج ٤ ص١٣٩) قال الخطابى فى المعالم (ج ٢ ص ١٧) والغالب إن الفتخات لا تبلغ نصابا تجب فيها بمفردها الزكاة، وإنما معناه أن تضم الى سائر ما عندها من الحلى فتؤدى زكاتها منه ـ انتهى. والحديث سكت عنه أبو داود والمنذرى، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وقال ابن دقيق العيد: هو على شرط مسلم. ومنها : حديث فاطمة بنت قيس، قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم: بطوق فيه سبعون مثقالا من ذهب، فقلت يا رسول الله ! خذ منه الفريضة فأخذ منه مثقالا وثلاثة أرباع مثقال. أخرجه الدار قطنى (ص٢٠٥) وفى اسناده أبو بكر الهذلى وهو ضعيف، ونصر بن مزاحم وهو أضعف منه، وتابعه عباد بن كثير أخرجه أبو نعيم فى ترجمة شيبان بن زكريا من تاريخه كذا فى الدراية، وبسط الكلام فيه الزيلعى (ج٢ ص٣٧٣) ومنها: حديث عبد الله بن مسعود قال: قلت للنبى ◌َّ إن لامرأتى حليا من ذهب عشرين مثقالا. قال: فأذ زكاته نصف مثقال أخرجه الدارقطنى (ص ٢٠٥) قال الحافظ: فى الدراية اسناده ضعيف جدا. وأجاب القائلون: بعدم وجوب الزكاة فى الحلى عن هذه الأحاديث بأجوبة كلها مردودة، فمنها إن الزكاة فى هذه الأحاديث محمولة على أنه كان حين كان التحلى بالذهب حراما على النساء، فلما أبيح لهن سقطت منه الزكاة بالاستعمال كما تسقط زكاة الماشية بالاستعمال، وهذا الجواب باطل. قال البيهقى فى المعرفة، كيف يصح هذا القول من حديث أم سلمة، وحديث فاطمة بنت قيس، وحديث أسماء بنت يزيد، وفيها التصريح بابسه مع الأمر بالزكاة، ذكره الزيلعى (ج ٢ ص٣٧٤) ومنها إن الزكاة المذكورة فى هذه الأحاديث. إنما كانت الزيادة على قدر الحاجة، وهذا إدعاء محض لا دليل عليه ١٦٨ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٦ - كتاب الزكاة ١ - باب ما يجب فيه الزكاة رواه الترمذى . ١٨٢٤ - (١٦) وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، إن امرأتين أتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: وفى أيديهما سواران من ذهب، فقال: لما تؤديات زكاته، قالتا: لا، فقال له) رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتحبان أن يسور كما الله بسوارين من نار، قالتا: لا، قال فأديا زكاته، رواه الترمذى. وقال هذا حديث قد روى المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب نحو هذا بل فى بعض الروايات ما يرده . قال الزيلعى (ج ٢ ص ٣٧٤) بعد ذكر حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، من رواية أحمد وابن أبى شيبة واسحاق بن راهويه بلفظ: فأديا زكاة هذا الذى فى أيديكما، ما نصه وهذا اللفظ يرفع تأويل من يحمله على أن الزكاة المذكورة فيه، شرعت للزيادة فيه على قدر الحاجة - انتهى. ومنها إن المراد بالزكاة فى هذه الأحاديث التطوع لا الفريضة أو المراد بالزكاة العادية. قال القارى: وهما فى غاية البعد أذ لا وعيد فى ترك التطوع والاعارة مع أنه لا يصح إطلاق الزكاة على العارية لا حقيقة ولا مجازا (رواه الترمذى) قال ميرك: ورجاله موثقون. قلت أصل هذا الحديث فى الصحيحين كما سيأتى فى باب أفضل الصدقة . ١٨٢٤ - قوله (وفى أيديهما سواران) تثنية -وار ككتاب وغراب القلب كالأسوار بالضم، وجمعه أسورة وأساور وأساورة كذا فى القاءوس. ويقال له بالفارسية ، دست برنجن، وفى الهندية كنكن. قال الطيبي: الظاهر أسورة لجمع اليد، والمعنى إن فى يدى كل واحدة منهما سوارين. قلت: وقع فى رواية لأحمد والدار قطنى وعليهما أسورة وفى أخرى لأحمدوفى أيديهما أساور (تؤديان) أى أتؤديان (زكاته) أى الذهب أوما ذكر من السوارين. قال الطيبي: الضمير فيه بمعنى اسم الاشارة كما فى قوله تعالى ﴿لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك - البقرة: ٦٨﴾ (أن يسوركا اللّه بسوارين من نار) وعند أحمد فى رواية أن يسور كما الله يوم القيامة أساور من نار وفى أخرى إن سور كما اللّه سوارين من نار، يقال سورت المرأة بالتشديد أى ألبستها سواراً. (فأديا زكاته) وفى رواية لأحمد فأديا حق هذا الذى فى أيديكما، وفى أخرى له فأديا حق الله عليكما فى هذا. وفى هذا الحديث أيضا دليل على وجوب الزكاة فى الحلى. قال شخينا: وهو الحق (رواه الترمذى) من طريق ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأخرجه أحمد ( ج ٢ ص ١٧٨ - ٢٠٤ - ٢٠٨) والدار قطنى (ص ٢٠٦) وابن أبى شيبة فى مصنفه ( ج ٣ ص ٢٧) الثلاثة من طريق الحجاج ين ارطاة عن عمرو بن شعيب نحوه (وقال) أى الترمذى (هذا حديث قد روى المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب نحو هذا) قد تقدم أنه رواه عنه ١٦٩ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٦ - كتاب الزكاة ١ - باب ما يجب فيه الزكاة والمثنى بن الصباح وابن لهعية يضعفان فى الحديث، ولا يصح فى هذا الباب عن النبى صلى اللّه عليه وسلم شئ .. الحجاج بن أرطاة أيضا عند أحمد والدار قطنى وابن أبى شيبة وحسين بن ذكوان المعلم عند أبى داود والنسائى وأبو عبيد والدار قطنى والبيهقى، ولم أقف على من أخرجه من طريق المثنى بن الصباح. وأما قول الزيلعى وبسند الترمذى رواه أحمد وابن أبى شيبة واسحاق بن راهويه فى مسانيدهم. وقوله ((طريق آخر أخرجه أحمد رضى الله عنه فى مسنده عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب به وهى الطريق التى أشار اليها الترمذى )) ففيه نظر. قال الشيخ أحمد شاكر فى شرحه السند: (ج ١٠ ص ٢٠٠) بعد ذكر قولى الزيلعى المذكورين («لست أدرى كيف كان هذان النقلان)) أما مسند ابن راهويه فانى لم أره ولكن مصنف ابن أبى شيبة أمامى وليس فيه إلا روايته من طريق الحجاج بن أرطاة، وكذلك مسند الامام أحمد بين يدى وأستطيع أن أجزم بالاستقراء التام إنه لم يروه إلا من طريق الحجاج، فمن أين جاء بنسبة روايتى ابن لهيعة والمثنى بن الصباح لمسند أحمد؟ وهو أغنى الزيلعى لا يريد باشارته اليهما رواية الحجاج بن أرطاة يقينا، لأن كلامه صريح فى الرواية من طريق ابن لهيعة والمثنى. ثم هوقد ذكر بعد ذلك رواية الحجاج بن أرطاة (ج ٣ ص ٣٧١) ونسبها لأحمد والدار قطى فان كان هذان النقلان سهوا منه يكن سهواً عجيبا، وإلا فانى عاجز أن أجد لشىء منه توجيها أو تأويلا - انتهى. (والمثنى بن الصباح وابن لهيعة يضعفان) بصيغة المجهول (فى الحديث) اعلم أنه روى الترمذى فى جامعه هذا الحديث أولا عن قتيبة نا ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده . ثم قال : هذا حديث قد روى المثنى ابن الصباح عن عمرو بن شعيب الخ. وبهذا يظهر وجه تقريب ذكر ابن لهيعة وتضعيفه. وإنما وقع الاجمال والأغلاق فى نقل صاحب المشكاة ، وابن لهيعة هو عبد الله بن لهيعة بفتح اللام وكسر الهاء ابن عقبة الحضرمى أبو عبد الرحمن المصرى القاضى . قال فى التقريب هو صدوق خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما ، وله فى مسلم بعض شىء مقرون مات سنة أربع وسبعين ومائة ، وقد ناف على الثمانين - انتهى. وارجع البسط إلى تهذيب التهذيب (ولا يصح فى هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شىء) قال ابن الملقن: بل رواه أبو داود بإسناد صحيح، ذكره ميرك كذا فى المرقاة ، وقال الزيلعى فى نصب الراية: (ج ٢ ص ٣٧٠) قال المنذرى: لعل الترمذى قصد الطريقين الذين ذكرهما ، وإلا فطريق أبى داود لا مقال فيها وقال ابن القطان: بعد تصحيحه لحديث أبي داود، وإنما ضعف الترمذى هذا الحديث لأن عنده فيه ضعيفين ابن لهيعة والمثنى بن الصباح - انتهى. وقال الحافظ فى الدراية: (ص ١٦١) بعد نقل كلام الترمذى هذا ما لفظه كذا قال ، وغفل عن طريق خالد بن الحارث - انتهى. وأراد الحافظ بطريق خالد، هذا ما روى أبو داود عن أبى كامل ١٧٠ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٦ - كتاب الزكاة ١ - باب ما يجب فيه الزكاة ١٨٢٥ - (١٧) وعن أم سلمة، قالت: كنت ألبس أوضاعا من ذهب، فقلت يا رسول الله! أ کنز هو؟ فقال: ما بلغ أن تؤدی زکاته فزکی، فليس بکتز . رواه مالك، وأبو داود. الجحدرى، وحميد بن مسعدة والنسائى عن اسماعيل بن مسعود ، كلهم عن خالد بن الحارث عن حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، إن امرأة أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم - الحديث. وقد ذكرنا سياقه. وقال فى التلخيص: (ص ١٨٣) بعد ذكر سياق أبى داود أخرجه من حديث حسين المعلم، وهو ثقة عن عمرو ، وفيه رد على الترمذى حيث جزم بأنه لا يعرف إلا من حديث ابن لهيعة ، والمثنى بن الصباح عن عمرو ، وقد تابعهم حجاج بن أرطاة أيضا . وقال الشيخ أحمد شاكر فى شرحه لمسند الامام أحمد : ( ج١٠ ص ١٩٧) بعد نقل كلام الترمذى المتقدم ما لفظه، والعجب من الترمذى كيف خفى عليه روايه الحجاج بن أرطاة هذا الحديث، عن عمرو بن شعيب مع كثرة من رووه عن الحجاج والثقة بهم. ثم إن أكثر ما يؤخذ على هؤلاء الثلاثة الحجاج ابن أرطاة وابن لهيعة والمثنى بن الصباح ، خشية الغلط أو الاضطراب مع ما رمى به الحجاج من التدليس، ولم يجرح واحد منهم فى صدقه وأمانته فإذا اتفق هؤلاء الثلاثة، أو اثنان منهم على رواية حديث كان احتمال الخطأ مرفوعا أو بعيداً على الأقل. فانى يكون هذا الحديث ضيعفا، وقد جاء نحو معناه باسناد صحيح لاخلاف فى صحته، فذكر رواية أبى داود والنسائى من طريق خالد بن الحارث، ولم ينفرد بذلك خالد بل تابعه محمد بن أبى عدى عند أبى عبيد، وأبو أسامة عند الدار قطنى، فظهر بهذا ان قول الترمذى ((ولا يصح فى هذا عن النبى معَّة. شىء)) غير صحيح والله تعالى أعلم . ١٨٢٥ - قوله (كنت ألبس) بفتح الموحدة من باب سمع (أوضاعا) فى النهاية هو جمع وضح بفتحتين نوع من الحلى يعمل من الفضة سمى به لبياضه. وفى جامع الأصول (ج٥ ص ٤٨٠) الأوضاح حلى من الدراهم الصحاح، هكذا قال الجوهرى ، وقال الأزهرى: الأوضاح حلى من فضة - انتهى. وفى منتهى الأرب بالفارسية وضح بمعنى خلخال أى حلقة طلا، وفقره كه در بافى كنند، وآترا بفارسى باحث برنجن نامند (من ذهب) هذا يدل على أنها تسمى إذا كانت من ذهب أوضاحا (أكنزهو) يعنى إستعمال الحلى كنز من الكنوز الذى بشر صاحبه بالنار فى قوله تعالى: ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله فبشرم بعذاب اليم - التوبة: ٣٤﴾ (ما بلغ) أى الذى بلغ (أن تؤدى) بصيغة المجهول (زكوته) أى بلغ نصابا (فركى) بصيغة المجهول أى أدى زكوته (فليس بكنز) فيه دليل كما فى الحديث الذى قبله على وجوب زكاة الحلية ، وإن كل مال أُخرجت زكاته فليس بكنز، فلا يشمله الوعيد فى الآية (رواه مالك وأبو داود) ونسبه الجزرى فى جامع الأصول (ج . ص ٣٣١) إلى مالك فقط. حيث قال (ط عطاء بن أبي رباح) قال بلغى إن أم سلمة قالت كنت أليس ١٧١ ٠ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٦ - كتاب الزكاة ١ - باب ما يجب فيه الزكاة ١٨٢٦ (١٨) وعن سمرة بن جندب، أن رسول الله صلى عليه اللّه وسلم: كان يأمرنا أن تخرج الصدقة، حن الذى نعد للبيع . أوضاحا من ذهب فذكر مثل سياق الكتاب سواء. ثم قال: أخرجه الموطأ ولم أجد حديث أم سلمة هذا فى النسخ الموجودة عندنا من الموطأ، ولم يعزه اليه أحد غير صاحب المشكاة وصاحب جامع الأصول فقد أورده الزيلعى فى نصب الراية ( ج ٢ ص ٣٧١، ٣٧٢) والحافظ فى الفتح، والتلخيص والدراية، وبلوغ المرام ، والعينى فى شرح البخارى (ج ٩ ص ٣٤) والشوكانى فى السيل الجرار، والنابلسى فى ذخائر المواريث، ولكنه لم ينسبه أحد منهم إلى الموطأ، ولا أدرى كيف كانت نسبة المصنف، والجزرى هذه الرواية إلى الموطأ وأعل هذا سهو منهما. ويمكن أن يأول أو يوجه بأنها كانت موجودة فى رواية غير يحيى المصمودى للوطأ والله تعالى أعلم - والحديث. أخرجه أبو داود من طريق عتاب بن بشير عن ثابت بن جملان عن عطاء عن أم سلمة ، وأخرجه الحاكم ( ج ١ ص ٣٩٠) عن محمد بن مهاجر عن ثابت به. ولفظه: إذا أديت زكاته فليس بكنز، وكذلك رواه الدار قطنى (ص ٢٠٤) والبيهقى (ج٤ ص٨٣) وصححه الحاكم والذهبى على شرط البخارى. وقال الحافظ فى الدراية: قواه ابن دقيق العيد. وقال فى الفتح: بعد عزوه إلى الحاكم وصححه ابن القطان أيضا، وأخرجه أبوداود. وقال ابن عبد البر فى سنده مقال. وذكر شيخنا فى شرح الترمذى إن سنده جيد - انتهى. قلت: تكلم فى هذا الحديث البيهقى وابن الجوزى، وقد رد عليهما الزيلعى فى نصب الراية (ج ٢ ص ٣٧٢) والحق عندى: أن هذا الحديث لا ينحط عن درجة الحسن بل هو صحيح، كما قال الحاكم والذهبى وابن القطان والله تعالى أعلم. فائدة يعتبر فى النصاب فى الحلى الذى تجب فيه الزكاة بالوزن، فلو ملك حلياً قيمته مائتا درهم ووزنه دون المائتين، لم يكن عليه زكاة، وإن بلغ مائتين وزنا ففيه الزكاة. وإن نقص فى القيمة لقوله عليه السلام (( ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة)) اللهم إلا أن يكون الحلى للتجارة فيقوم ، فإذا بلغت قيمته بالذهب والفضة نصابا ففيه الزكاة لأن الزكاة متعلقة بالقيمة، وما لم يكن للتجارة فالزكاة فى عينه فيعتبر أن يبلغ بقيمته ووزنه نصابا وهو ، مخير بين إخراج ربع عشر حلية مشاعا أو دفع ما يساوى ربع عشرها من جنسها. وإن زاد فى الوزن على ربع العشر لأن الربا لا يجرى ههنا، لأن المخرج حق لله ولا ربوا بين العبد وسيده، ولو أراد كسرها ودفع ربع عشرها لم يكن منه لأنه ينقص قيمتها، وهذا مذهب الشافعى. وإن أراد إخراج الفضة عن حلى الذهب أو الذهب عن الفضة أخرج على الوجهين كما قدمنا فى اخراج أحد النقدين عن الآخر كذا فى المغنى ( ج٣ ص ١٢). ٠ ١٨٢٦ - قوله (كان يأمرنا أن نخرج الصدقة) أى الزكاة الواجبة (من الذى) أى المال الذى ( نعده) بضم النون وكسر العين المهملة من الأعداد أى نهيئه (للبيع) أى للتجارة وخص لأنه الأغلب. قال الطيبي: وفيه ١٧٢ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٦ - كتاب الزكاة ١ - باب ما يجب فيه الزكاة دليل على أن ما ينوى به القنية لا زكاة فيه - انتهى. قلت: الحديث دليل ظاهر على وجوب الزكاة فى مال التجارة، لأن قول الراوى يأمرنا يفهم أنه يَوافقهم كان يأتى بصيغة تفيد الأمر، والأصل فيه الوجوب وهى قرينة على حمل الصدقة على الزكاة الواجبة. واختلف العلماء فى ذلك: قال ابن رشد فى البداية (ص ٢٣٠) اتفقوا على أن لا زكاة فى العروض التى لم يقصد بها التجارة ، واختلفوا فى إيجاب الزكاة فيما اتخذ منها للتجارة. فذهب فقهاء الأمصار إلى وجوب ذلك ومنع ذلك أهل الظاهر - انتهى. وقال ابن قدامة : ( ج ٣ ص ٢٩) تجب الزكاة فى قيمة عروض التجارة فى قول أكثر أهل العلم ، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن فى العروض التى يراد بها التجارة الزكاة، اذا حال عليها الحول. روى ذلك عن ابن عمر وابنه وابن عباس ، وبه قال الفقهاء السبعة والحسن وجابر ابن زيدوميمون بن مهران، وطاؤس والنخعى والثورى والأوزاعى والشافعى وأبو عبيد واسحاق وأصحاب الرأى ، وحكى عن مالك وداود لا زكاة فيها - انتهى. قلت: ما حكى عن مالك هو سهو من ابن قدامة لأن الموطأ صريح فى ايجاب الزكاة فى مال التجارة، واتفقت فروع المالكية على إثباتها، ولم يحك أحد من نقلة المذاهب خلاف مالك، فى ذلك ويمكن أن تكون المسئلة إشتبهت على ابن قدامة بالتاجر المحتكر، فان الامام مالكا لم يقل بوجوب الزكاة عليه فى كل سنة ، خلافا للجمهور . بل قال : إنما يجب الزكاة عليه فى ثمنه اذا نض بالبيع لسنة واحدة فقط. وإن أقام عنده أحوالا. قلت: واستدل للجمهور على وجوب الزكاة فى مال التجارة بحديث الباب وفى سنده مقال. واختلف العلماء فى تصحيحه وتضعيفه كما ستعرف. وبقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة - التوبة: ١٠٣) قال ابن العربى: وهذا عام فى كل مال على اختلاف أصنافه وتباين أسماءه واختلاف أغراضه، فمن أراد أن يخصه فى شىء فعليه الدليل وبقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم - البقرة : ٢٦٧﴾ قال مجاهد: نزلت فى التجارة. وبما روى عن أبى ذر أن رسول اللّه مَّم قال: فى الابل صدقتها، وفى البَزَّ صدقته. أخرجه أحمد والدار قطنى والحاكم والبيهقى. قال الحافظ فى الدراية: وأسناده حسن - انتهى. وفسروا البز بالثياب المعدة للبيع عند البزازين. قلت: للحديث أربعة طرق إحداها: عن أبي عاصم عن موسى بن عديدة الربذى عن عمران بن أبى أنس عن مالك بن أوس ابن الحدثان عن أبى ذر. والثانية: عن سعيد بن سلمة بن أبى الحسام عن موسى بن عبيدة عن عمران بن أبى أنس، وهاتان الطريقتان عند الدار قطنى (ص ٢٠٣) والبيهقى (ج ٤ ص ١٤٧) قال الدار قطنى: فى آخر الطريق الأولى، وفى البز صدقته قالها بالزاى ، وفى آخر الثانية كتبته من الأصل العتيق، وفى البز مقيدا ـ انتهى. وموسى بن عبيدة ضعيف. والثالثة: من رواية ابن جريج عن عمران بن أبى أنس وهى عند أحمد (ج ٦ ص ١٧٩) والدار قطنى (ص ٢٠٣) والحاكم (ج ١ ص ٣٨٨) والبيهقى (ج ٤ ص ١٤٧) رواها الدار قطنى والبيهقى بلفظ: وفى البز ١٧٣ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٦ - كتاب الزكاة ١ - باب ما يجب فيه الزكاة صدقته أى بالزاى المعجمة ، ولفظ أحمد والحاكم فى النسختين المطبوعطتين من المسند والمستدرك. وفى البر صدقته أى بالراء المهملة. وقال ابن دقيق العيد: الأصل الذى نقلت منه هذا الحديث من المستدرك، ليس فيه البز بالزاى المعجمة وفيه ضم الباء فى الموضعين أى فى هذا الطريق، وفى الطريق الآتى فيحتاج الى كشفه من أصل آخر معتبر، فان اتفقت الأصول على ضم الباء فلا يكون فيه دليل على مسئلة زكاة التجارة - انتهى. قال الزيلعى: وهذا فيه نظر، فقد صرح به فى مسند الدارقطنى، قالها بالزاى كما تقدم (ولكن طريقه ضعيفة كما عرفت). وقال النوى فى تهذيب اللغات: هو بالباء والزاى، ومن الناس من صحقه بضم الباء وبالزاء المهملة وهو غلط - انتهى. وهذا الطريق الثالث معلول، وإن صححه الحاكم والذهبي على شرط الشيخين، لأن ابن جريج رواه عن عمران أنه بلغه عنه كما فى مسند الامام أحمد ورواه الترمذى فى العلل من هذا الوجه. وقال: سألت البخارى عنه، فقال لم يسمعه ابن جريج من عمران، هو يقول حُدَّثْتُ عن عمران. وقال ابن القطان: ابن جريح مدلس، لم يقل حدثنا عمران، فالحديث منقطع ثم نقل كلام الترمذى. والطريقة الرابعة: عن سعيد بن سلمة بن أبى الحسام ، ثنا عمران بن أبى أنس أخرجها الحاكم أيضاً وصححها على شرط الشيخين. وقال الحافظ فى التلخيص: وهذا اسناد لا بأس به. قلت: فالحديث بمجموع طرقه حسن صالح للاحتجاج هذا مما لا شك فيه عندنا. واستدل للجمهور أيضاً بما روى الشافعی فی الأم ( ج٢ ص ٣٩) وعبد الرزاق والدارة طنى (ص ٢١٣) وابن أبي شيبه وسعيد بن منصور والبيهقى (ج ٤ ص ١٤٧) وأبو عبيد (ص ٤٢٥) عن أبى عمرو بن حماس عن أبيه إن عمر قال له قومها يعنى الادم والجواب ثم أد زكاتها. قال ابن قدامة: هذه قصة يشتهر مثلها ولم تنكر فيكون إجماعا. وبما روى محمد بن الحسن فى كتاب الآثار (ص ٤٨) وأبو عبيد (ص ٥٣٣) عن زياد بن حدير. قال بعثنى عمر مصدقا فأمرنى أن آخذ من المسلمين من أموالهم اذا اختلفوا بها التجارة ربع العشر الحديث. وبما روى البيهقى (ص١٤٧) باسناد صحيح والشافعى (ج٢ص٣٩) عن ابن عمر قال: ليس فى العروض زكاة إلا ما كان للتجارة. وبما روى عبدالرزاق من وجه آخر صحيح عن ابن عمر أنه كان يقول: فى كل مال يدار فى عبيد أو دواب أو بز للتجارة تدار الزكاة فيه كل عام. قال الزرقانى قال الطحاوى: ثبت عن عمر وابنه زكاة عروض التجارة ولا مخالف لها من الصحابة وهذا يشهد أن قول ابن عباس وعائشة ، لا زكاة فى العروض إنما هو فى عروض الفنية. وقال البيهقى: بعد رواية أثر ابن عمر المتقدم وهذا قول عامة أهل العلم، فالذى روى عن ابن عباس أنه قال لا زكاة فى العروض . فقد قال الشافعى: فى كتابه القديم استاد الحديث عن ابن عباس ضعيف، فكان اتباع حديث ابن عمر لصحته والاحتياط فى الزكاة أحب الى والله أعلم. قال البيهقى: وقد حكى ابن المنذر عن عائشة وابن عباس مثل ما روينا عن ابن عمر ولم يحك خلافهم عن أحد، فيحتمل أن يكون معنى قوله إن صح لا زكاة فى العرض أى اذا لم يرد به التجارة - انتهى. وبما روى ١٧٤ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٦ - كتاب الزكاة ١ - باب ما يجب فيه الزكاة رواه أبو داود. مالك فى الموطأ إن عمر بن عبد العزيز كتب الى عامل أنظر من مربك من المسلمين خذ ما ظهر من أموالهم مما يريدون من التجارة ، من كل أربعين ديناراً ديناراً. قال ابن العربى: إن عمر بن عبد العزيز كتب بأخذ الزكاة من العروض ، والملاً الملاً والوقت الوقت، بعد إن استشار واستخار، وحكم بذلك وقضى به على الأمة. فارتفع الخلاف بحكمه، وقد أخذها عمر إلا على قبله وهو صحيح من رواية أنس ـ انتهى. وبأن العروض المتخذة للتجارة فال مقصود به التنمية فأشبه الأجناس الثلاثة التى فيها الزكاة باتفاق، أعنى الحرث والماشية والذهب والفضة. واستدل الظاهرية بما تقدم من قوله عليه السلام: ليس على المسلم صدقة فى عبده ولا فى فرسه فانه لم يقل الا أن ينوى بهما التجارة. وأجيب عنه بأن المراد به زكاة العين لازكاة القيمة بدليل ما تقدم على أن هذا الحديث عام. وما استدل به الجمهور من الأحاديث والآثار خاص فيجب تقديمه هذا. ومال الشوكانى: الى عدم وجوب الزكاة فى عروض التجارة حيث قال فى السيل الجرار بعد الكلام، فى حديثى سمرة وأبى ذر. والحاصل أنه ليس فى المقام ما تقوم به الحجة. وإن كان مذهب الجمهور كما حكاه البيهقى فى سننه. فانه قال إنه قول عامة أهل العلم والدين - انتهى. قلت: والحق عندى: هو ما ذهب إليه الجمهور لما قدمنا من الدلائل وهى بمجموعها تنتهض للاستدلال على مسلك الجمهور، وتقوم بها الحجة فى المقام والله تعالى أعلم. ثم رأيت صاحب تفسير المنار قد قوى قول الجمهور بوجه آخر حسن فأحببت إيراده. قال وجمهور علماء الملة يقولون بوجوب زكاة عروض التجارة ، وليس فيها قص قطعى من الكتاب أو السنة. وإنما ورد فيها روايات يقوى بعضها بعضا مع الاعتبار المستند الى النصوص، وهو إن عروض التجارة المتداولة للاستغلال نقود ، لا فرق بينها وبين الدراهم والدنانير التى هى أثمانها ، إلا فى كون النصاب يتقلب ويتردد بين الثمن وهو النقد والمثمن وهو العروض، فلو لم تجب الزكاة فى التجارة لأمكن لجميع الأغنياء أو أكثرهم أن يتجروا بنقودهم ويتحروا أن لا يحول الحول على نصاب من النقدين أبداً. وبذلك تبطل الزكاة فيهما عندهم، ورأس الاعتبار فى المسئلة إن الله تعالى فرض فى أموال الأغنياء صدقة لمواساة الفقراء، وإقامة المصالح العامة التى تقدم بيانها. وإن الفائدة فى ذلك للأغنياء قطهير أنفسهم من رذيلة البخل وتزكيتها بفضائل الرحمة بالفقراء، وسائر أصناف المستحقين ومساعدة الدولة والأمة فى إقامة المصالح العامة الأخرى التى يأتى ذكرها . والفائدة للفقراء وغيرهم إعانتهم على نوائب الدهر ، مع ما فى ذلك من سد ذريعة المفاسد ، فى قضخم الأموال وحصرها فى أناس معدودين. وهو المشار اليه بقوله تعالى حكمة قسمة الفى. ( كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم) فهل يعقل أن يخرج من هذه المقاصد الشرعية كلها التجار الذين ربما تكون معظم ثروة الأمة فى أيديهم - انتهى. (رواه أبو داود) وأخرجه أيضاً الدار قطنى (ص ٢١٤) والطبر انى فى الكبير والبزار واليهقى ١٧٥ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٦ - كتاب الزكاة ١ - باب ما يجب فيه الزكاة ١٨٢٧ - (١٩) وعن ربيعة بن أبى عبد الرحمن (ج ٤ ص ١٤٦) جميعهم من رواية جعفر بن سعد عن خبيب بن سليمان عن أبيه سليمان بن سمرة عن جده سمرة . قال الحافظ فى بلوغ المرام: أسناده لين وفى الدراية فيه ضعف، وفى التلخيص فى اسناده جهالة وقال الهيثمى : فى اسناده ضعف. وقال ابن حزم: رواته يعنى من جعفر الى سمرة مجهولون لا يعرف من هم ، وتبعه ابن القطان . فقال: ما من هؤلاء من يعرف حاله ، وقد جهد المحدثون فيهم جهدهم وهو اسناد يروى به جملة أحاديث قد ذكر البزار منها نحو المائة وقال عبد الحق: خبيب هذا ضعيف وجعفر ليس ممن يعتمد عليه. وقال الذهبي فى الميزان: خبيب لا يعرف، وقد ضعف ، قال: وبكل حال هذا اسناد مظلم لا ينهض بحكم - انتهى قلت : الحديث سكت عنه أبو داود ثم المنذرى بعده وهذا تحسين منهما. وقال ابن عبد البر: وقد ذكر هذا الحديث رواه أبو داود وغيره باسناد حسن - انتهى . وقال ابن القطان: متعقبا على عبد الحق فذكر فى كتاب الجهاد حديث من كتم غالا فهو مثله ، وسكت عنه من رواية جعفر بن سعد هذا، عن خبيب بن سليمان عن أبيه فهو منه تصحيح. ذكره الزيلعى (ج ٢ ص ٣٧٦) والرواة الثلاثة أى جعفر وخبيب وأبوه سلمان ذكرهم ابن حبان فى ثقاته. فائدة قال ابن قدامة: ( ج ٣ ص ٣٠) من ملك عرضا للتجارة حال عليه الحول وهو نصاب قومه فى آخر الحول، فما بلغ أخرج زكاته وهو ربع عشر قيمته، ولا نعلم بين أهل العلم خلافا فى اعتبار الحول، وقد دل عليه قول رسول الله عزوفه ((لا زكاة فى مال حتى يحول عليه الحول)) إذا ثبت هذا فان الزكاة تجب فيه فى كل حول، وبهذا قال الثورى والشافعى وأسحاق وأبو عبيد وأصحاب الرأى. وقال مالك: لا يزكيه إلا لحول واحد إلا أن يكون مديراً أى غير محتكر - انتهى. قلت: حاصل مذهب مالك ماذكره الزرقانى من أن إدارة التجارة ضريان. أحدهما : التقلب فيها وإرتصاد الأسواق بالعروض فلا زكاة ، وإن أقام أعواما حتی یبیع فیزکی لعام واحد . والثانى : البيع فىكل وقت بلا انتظار سوق كفعل أرباب الحوانيت فيزكى كل عام بشروط أشار اليها الباجى وذهب الأئمة الثلاثة وغيرهم الى أن التاجر يقوم كل عام ويزكى مديراً كان أو محتكراً - انتهى. قلت: ظاهر الأحاديث والآثار المذكورة التى فيها الأمر بالزكاة ، مما يعد للبيع يعم المدير والمحتكر من غير فرق، بين ما ينض وبين ما لا ينض ، فالقول الراجح هو ماذهب اليه الأئمة الثلاثة ثم ههنا مسائل تتعلق بالزكاة فى عروض التجارة، لا يستغنى عنها الطالب فعليه أن يرجع الى المغنى . ١٨٢٧ - قوله (وعن ربيعة بن أبى عبد الرحمان) التيمى مولاهم أبو عثمان المدنى المعروف بربيعة الرأى واسم أبيه فروخ ثقة فقيه مشهور من صغار التابعين ، أدرك بعض الصحابة والأكابر من التابعين ، وكان أحد مفتى المدينة ، وكان يجلس اليه وجوه الناس بالمدينة ، وعنه أخذ مالك روى عن أنس و السائب بن يزيد وابن ١٧٦ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٦ - كتاب الزكاة ١ - باب ما يجب فيه الزكاة عن غير واحد، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقطع لبلال بن الحارث المزنى، معادن القبلية المسيب والقاسم بن محمد ومكحول وغيرهم، وعنه يحيى بن سعيد الأنصارى ، ومالك وشعبة والسفيانان ، وحماد ابن سلمة والليث والدراوردى وغيرهم. قال ابن سعد: كانوا يتقونه لموضع الرأى مات سنة (١٣٦) على الصحيح وقيل سنة (١٣٣) وقال الباجى: فى رجال البخارى سنة (١٤٢) قال مالك: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة. وقال الذهبي: كان ربيعة إما ما حافظا فقيها مجتهداً بصيراً بالرأى، ولذلك يقال له ربيعة الرأى أخباره مستوفاة فى تاريخ دمشق وتاريخ بغداد قال الخطيب: كان فقهيا عالما حافظا للفقه والحديث ۔ انتهى. (عن غير واحد) زاد فى رواية أبى عبيد والبيهقى من علماء هم (إن رسول اللّه ◌َ اللّه) قال المنذزى: هذا مرسل، وهكذا رواه مالك في الموطأ مرسلا ولفظه عن غير واحد من علماءهم. وقال أبو عمر بن عبد البر: هكذا فى الموطأ عند جميع الرواة مرسل ، ولم يختلف فيه عن مالك، وذكر إن الدراوردى رواه عن ربيعة عن الحارث بن بلال بن الحارث المزنى عن أبيه وقال أيضا: واسناد ربيعة فيه صالح حسن كذا فى عون المعبود. قلت: وصله البزار و أبو عبيد(ص ٢٩٠) والحاكم ( ج١ ص ٤٠٤) ومن طريقه البيهقى (ج ٤ ص ١٥٢) من رواية عبد العزيز بن محمد الدراوردى، عن ربيعة عن الحارث بن بلال بن الحارث عن أبيه عن النبي ◌َ ◌ّه قال ابن عبدالبر: ورواه أبو سبرة المدينى عن مطرف عن مالك عن محمدبن عمرو بن علقمة عن أبيه عن بلال موصولا، لكن لم يتابع عليه، قال ورواه أبو أويس عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده وعن ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس. قلت: أخرجه من الوجهين الآخرين أحمد (ج١ ص٣٠٦) وأبو داود وكثير بن عبد الله حسن حديثه البخارى والترمذى وتكلم فيه غيرهما، وأبو أويس عبد الله ابن عبد الله أخرج له مسلم الشواهد وضعفه غير واحد (أقطع) من الاقطاع وهذه رواية أبى داود، وفى الموطأ قطع بدون الهمزة، وكذا عند أبى عبيد (ص ٣٣٨) والبيهقى (ج ٤ ص ١٥٢) والمعروف عند أهل اللغة، وفى الأحاديث والآثار هو الاقطاع. قال الحافظ فى الفتح. تقول أقطعته أرضا جعلتها له قطيعة، والمراد به ما يخص به الامام بعض الرعية من الأرض الموات، فيختص به ويصير أولى باحياءه من لم يسبق إلى أحياءه. واختصاص الإقطاع بالموات متفق عليه فى كلام الشافعية - انتهى . وقال الطبى: الاقطاع ما يجعله الامام لبعض الأجناد والمرتزقة من قطعة أرض ليرتزق من ريعها فى النهاية ، الاقطاع يكون تمليكا وغير تمليك. وقال العينى: الانقطاع هو تسويغ الامام من مال الله تعالى لمن يراه أهلا لذلك، وأكثرما يستعمل فى أقطاع الأرض، وهو أن يخرج منها شيئا يجوزه، إما أن يملكه إياه فيعمره، أو يجعل له غلته ففى صورة التمليك الذى أقطع له، وهو الذى يسمى المقطع له رقبة الأرض فيصير ملكا له، يتصرف فيه تصرف الملاك فى أملاكهم ، وفى صورة جعل الغلة له لا يملك إلا منفعة الأرض دون رقبتها. فعلى هذا يجوز للجندى الذى يقطع له أن يوجر ما اقطع له، لأنه يملك منافعها وإن لم يملك رقبته (معادن القبلية) بفتح القاف وفتح الموحدة وكسر اللام وبالياء المشددة المفتوحة ١٧٧ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٦ - كتاب الزكاة ١ - باب ما يجب فيه الزكاة وهى من ناحية الفرع، فتلك المعادن لا تؤخذ منها، إلا الزكاة إلى اليوم. مجرورة بالاضافة، وهى منسوبة إلى قبل بفتح القاف والباء، وهى ناحية من ساحل البحر، بينها وبين المدينة خمسة أيام. وقيل هو بكسر قاف ثم لام مفتوحة ثم باء . قال فى النهاية: نسبة إلى قبل بفتح القاف والباء هذا هو المحفوظ فى الحديث. وفى كتاب الأمكنة القلبة بكسر القاف وبعدها لام مفتوحة ثم باء : انتهى . قال ابن الملك : يعنى أعطاه ليعمل فيها ويخرج الذهب والفضة لنفسه ، وهذا يدل على جواز إقطاع المعادن ولعلها كانت باطنة ، فان الظاهرة لا يجوز إقطاعها - انتهى. والمراد بالظاهرة ما يبدو جوهرها بلا عمل، وإنما السعى والعمل لتحصيله، وذلك كالنقطة والكبريت والقار والقطران، وأحجار الرحى وشبهها، وهذه لا يملكها أحد بالاحياء. والعمارة، إن أراد بها النيل، ولا يختص بها المحتجر. وليس للامام إقطاعها بل هى مشتركة بين الناس كالماء والحطب، وبالباطنة ما لا يظهر جوهرها إلا بكدوح واعمال واستخراج ، كالذهب والفضة والرصاص والنحاس والحديد وسائر الجواهر المبثوثة فى الأرض. واختلفوا فيها هل يملكها بالاحياء؟ وفيه وجهان الشافعية: أظهرهما إنها كالظاهرة، والحق أنه يملكها بالاحياء ويجوز للامام إقطاعها (وهى من ناحية الفرع) قال النووي: فى تهذيبه بضم الفاء واسكان الراء قرية ذات تخل وزرع ومياه، جامعة بين مكة والمدينة على نحو أربع مراحل من المدينة وقال الزرقانى: بضم الفاء والراء كما جزم به السهيلى وعياض فى المشارق، وقال فى كتابه التنبيهات : هكذا قيده الناس ، وكذا رويناه. وحكى عبد الحق عن الأحول اسكان الراء ولم يذكره غيره . . انتهى . فاقتصار النهاية والووى فى تهذيبه على الاسكان مرجوح. قال فى الروض: بضمتين من ناحية المدينة فيها عينان ، يقال لهم) الربض والنجف يسقيان، عشرين ألف نخلة - انتهى. وقال فى معجم البلدان: والفرع قرية من نواحى الربذة عن يسار السقياء بينها وبين المدينة ثمانية برد على طريق مكة . وقيل: أربع ليال وبها منبر ونخل ومياه كثيرة (فتلك المعادن لا تؤخذ) بالتأنيث وفى الموطأ وسنن أبي داود والبيهقى والأموال لا يؤخذ بالتذكير (منها إلا الزكاة إلى اليوم) أى لا يؤخذ منها الخمس كالركاز. قال المظهر: أى الأربع العشر كزكاة النقدين، قال الباجى : هذا دليل واضح على أن المعدن يجب فيما يخرج منه الزكاة - انتهى. واليه ذهب مالك وأحمد وإسحاق وهو أحد أقوال الشافعى، واستدل لهم يحديث الباب. وبما تقدم من قوله عليه السلام فى الرقة ربع العشر ويقاس عليها غيرها ، وبما ثبت عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عامله بأخذ ربع العشر من المعدن ، وذهب أبو حنيفة والثورى ومكحول وأبو عبيد والزهرى إلى أن الواجب فى المعدن الخمس، لأنه يصدق عليه اسم الركاز. وقد تقدم الخلاف وتحقيق الحق فى ذلك. قال فى تحفة المنهاج: وهو قول الشافعى قياسا على الركاز يجامع الاخفاء. والقول الثالث للشافعى: إن وجد بتعب ومؤنة كطحن ومعالجة بنار فربع العشر وإلا فالخمس. وأجاب ١٧٨ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٦ - كتاب الزكاة ١ - باب ما يجب فيه الزكاة رواه مالك ، وأبو داود . القائلون بوجوب الخمس فى المعدن عن حديث الباب بوجوه. منها : ما قال أبو عبيد وابن حزم أنه حديث منقطع. ومنها : إن قوله فتلك المعادن تؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم لا يوجد فى الطرق الموصولة. ومنها: ما قال الشافعى ليس هذا مما يثبته أهل الحديث، ولو ثبتوه لم تكن فيه رواية عن النبى تَّه إلا إقطاعه. فأما الزكاة فى " المعادن دون الخمس فليست مروية عن النبي ◌َّه، وقال أبو عبيد: ومع كون الحديث لا اسناد له لم يذكرفيه أن النبى عزَّ أمر بذلك، إنما قال: فهى تؤخذ منها الصدقة إلى اليوم. قال ابن الهمام: يعنى فيجوزكون ذلك من أهل الولايات إجتهادا منهم . وتعقب بما تقدم من أنه رواه البزار والطبرانى وأبو عبيد والحاكم والبيهقى موصولا من طريق الدراوردى، وقد صرح فى رواية الحاكم برفع الزيادة المذكورة ولفظه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ من المعادن القبلية الصدقة ، وأنه أقطع بلال بن الحارث العقيق أجمع ، فلما كان عمر رضى الله عنه، قال لبلال: إن رسول اللّه ◌َؤه لم يقطعك لتحتجره عن الناس، لم يقطعك إلا لتعمل. قال: فاقطع عمر الناس العقيق قال الحاكم: قد احتج مسلم بالدراوردى، وهذا حديث صحيح، ووافقه الذهبي . وقال البيهقى: بعد ذكر قول الشافعى المتقدم هو كما قال الشافعى فى رواية مالك، وقد روى عبد العزيز الدراوردى عن ربيعة موصولا، ثم رواه البيهقى عن الحاكم باللفظ المتقدم ، وقعقب العينى فى البناية على رفعه بما لا يلتفت اليه. ومنها : ما قال صاحب البدائع: انه يحتمل أنه إنما لم يأخذ منه ما زاد على ربع العشرلما علم من حاجته وذلك جائز عندنا - انتهى . وفى ذكر هذا غنى عن الرد فانه لا دليل على هذا الاحتمال، وأيضا يبطله الحصر المذكور فى الحديث والاستمرار على أخذ الزكاة فقط، على مرور الأزمان . ومنها: ما أجاب به الشاه ولى الله الدهلوى فى المسوى حيث قال، بعد حكاية كلام الامام الشافعى المتقدم، أقول ولو كانت الزكاة مروبة عن النبى حز القيم، فليس ذلك فصا فى ربع العشر بل يحتمل معنيين آخرين أحدهما يؤخذ منه الخمس ، وهو زكاة وهو قول الشافعى، والحصر بالنسبة إلى الكل . والثانى إذا ملكه وحال عليه الحول تؤخذ منه الزكاة وهو قول جمع من المحدثين - انتهى . قلت: الظاهر المتبادر من لفظ الزكاة هو ربع العشر وإطلاق الزكاة على الخمس غير معروف، وأما الاحتمال الثانی فغير بعيد. (رواه مالك) عن ربيعة الرأى (وأبو داود) عن عبد الله بن مسلمة عن مالك به وتقدم ذكر من أخرجه غيرهما مع بيان ما فيه من الكلام. فوائد: الأولى إن ما يخرج من المعدن ثلاثة أنواع الأول ما يذوب بالنار وينطبع بالحلية كالذهب والفضة والحديد والرصاص ونحو ذلك. والثانى: مالا يذوب بالاذابة كالياقوت والبلور والعقيق والزمرد والفير وزج والكحل والمغرة والزرنيخ والجص والنورة ونحوها. والثالث: ما يكون مائما كالنفط والقار، ١٧٩ مرعاة المفاتيح ج ٦ ٦ - كتاب الزكاة ١ - باب ما يجب فيه الزكاة واختلف الأئمة فى حكم هذه الأنواع، فذهب الحنفية كما تقدم إلى أن وجوب الخمس يختص بالنوع الأول دون النوعين الأخيرين. قال الكاسانى: أماما لا يذوب بالإذابة فلا خمس فيه ويكون كله للواجد ، لأن الجص والنورة ونحوهما من أجزاء الأرض ، فكان كالتراب والياقوت والفص من جنس الأحجار غير أنها أحجار مضيئة، ولا خمس فى الحجر. وقال مالك والشافعى وابن حزم وداود يجب الزكاة فى الذهب والفضة خاصة . وأوجب أحمد الزكاة فى الأنواع الثلاثة . قال فى الروض المربع: المعدن إن كان ذهبباً أو فضة فقيه ربع عشره إن بلغ نصابا، وإن كان غير هما ففيه ربع عشر قيمته، إن بلغت نصابا بعد سبك وتصفية - انتهى. واستدل ابن قدامة لذلك بعموم قوله تعالى ﴿وما أخرجنا لكم من الأرض - البقرة: ٢٦٧﴾ وقال الشاه ولى الله الدهلوى فى المصفى شرح الموطأ بالفارسية : الظاهر إن المعادن القبلية لم تكن من الذهب والفضة، فإنها لم يذكرها أهل التاريخ، ومن البعيد سكوت جميعهم عن ذكرها ، وإهمالهم إياها أو خفاءها عليهم، مع كونها بقرب المدينة . فالظاهر إنها كانت من بقية المنطبعات أو من غير ما ينطبع كالمغرة والنورة وهذا الأخير أقرب، فالظاهر هو ما قال به أحمد من أن الزكاة تجب فى كل ما يخرج من المعدن، منطبعا كان أو غير منطبع - انتهى معربا. الثانية: اختلفوا هل يشترط النصاب فى الوجوب فيما يخرج من المعدن أم لا، قال العينى: يجب الخمس فى قليله وكثيره ولا يشترط فيه النصاب عندنا واشترط مالك والشافعى وأحمد لوجوب الزكاة فيه أن يكون الموجود نصابا، ولنا أن النصوص خالية عن اشتراط النصاب فلا يجوز اشتراطه بغير دليل شرعى - انتهى. وقال ابن قدامة: ( ج ٣ ص ٢٥) وهو أى نصاب المعادن ما يبلغ من الذهب عشرين مثقالا، ومن الفضة مائتى درهم ، أو قيمة ذلك من غيرهما ، وهذا مذهب الشافعى. وأوجب أبو حنيفة الخمس فى قليله وكثيره من غير اعتبار نصاب، بناء على أنه ركاز لعموم الأحاديث التى احتجوا بها عليه ولأنه لا يعتبر له حول فلم، يعتبر له نصاب كالركاز. ولنا عموم قوله السلام ليس فيما دون خمس أواق صدقة. وقوله ليس فى تسعين ومائة شىء، وقوله عليه السلام ليس عليكم فى المذهب شىء ، حتى يبلغ عشرين مثقالا. وقد تقدم إن هذا ليس بركاز، وأنه مفارق الركاز، حيث أن الركاز مال كافر أخذ فى الاسلام فأشبه الغنيمة ، وهذا وجب مواساة وشكر النعمة الغنى فاعتبر له النصاب كسائر الزكوات ، وانما لم يعتبر له الحول لحصوله دفعة واحدة فأشبه الزروع والثمار - انتهى. الثالثة: قال ابن قدامة ( ج ٣ ص ٢٦) تجب الزكاة فى ما يخرج من المعدن حين يتناوله ويكمل نصابه ولا يعتبر له حول ، وهذا قول مالك والشافعى وأصحاب الرأى . وقال اسحاق وابن المنذر: لاشىء فى المعدن، حتى يحول عليه الحول لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لازكاة فى مال حتی یحول عليه الحول . ولنا أنه مال مستفاد من الأرض فلا یعتبرفی وجوب حقه حول، کالزروع والثمار والركاز، ولأن الحول إنما يعتبر فى غير هذا التكميل النماء، وهو يتكامل نماءه دفعة واحدة، فلا يعتبر له ١٨٠