Indexed OCR Text

Pages 61-80

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الركاء
أقوال أبى حنيفة ، وكان يقول أولا بما ذهب اليه مالك ، ثم رجع وقال بما ذهب اليه أبو يوسف والشافعى ، ثم.
رجع وقال ليس فى الفصلان والمجاجيل والسخال صدقة. قال الخطابي: وهذا أظهر أقاويله ، وإلى هذا ذهب
أحمد بن حنبل، وحكى ذلك عن سفيان الثورى. قلت: الحنابلة موافقون فى ذلك الشافعى. قال الموفق فى المغنى:
السخلة لا تؤخذ فى الزكاة لقول عمر لساعيه اعتد عليهم بالسخلة يروح بها الراعى على يديه ولا تأخذها منهم
ولا نعلم فيه خلافا إلا أن يكون النصاب كله صغارا فيجوز أخذ الصغيرة فى الصحيح من المذهب، وإنما بتصور
ذلك بأن يبدل كباراً بصغار فى أثناء الحول أو يكون عنده نصاب من الكبار فتوالد نصاب من الصغار ثم تموت
الأمهات وتحول الحول على الصغار. وقال أبو بكر: لا يؤخذ أيضاً إلا كبيرة تجزىء فى الأضحية، وهو قول
مالك لقول النبي مَ ◌ّله ((إنما حقنا فى الجذعة والثفية)) ولنا قول الصديق رضى الله عنه ((والله لو منعونى عناقا
كانوا يؤدونها إلى رسول اللّه ◌َيتم لقاتلتهم عليها «فدل على أنهم كانوا يؤدون العناق، ولأنه مال تجب فيه الزكاة
من غير اعتبار قيمته، فيجب أن يأخذ من عينه كسائر الأموال. والحديث محمول على ما فيه كبار - انتهى.
واستدل لأبى حنيفة ومحمد بأن النصاب إنما يعرف بالنص، والنص ورد باسم الابل والبقر والغنم، وهذه
الاسلامى لا تتناول الفصلان والعجاجيل والخملان أى السخال، فلم يثبت كونها نصابا وأجاب المانعون عن قول
أبى بكر الصديق بأنه خرج على طريق التمثيل لا التحقيق أى لووجبت هذه ومنعوها لقاتلتهم أو على المبالغة دون
التحقيق بدليل ما فى الرواية الأخرى ((عمالا - مكان ((عناقا)) فان العقال ليس من الصدقة كما أن العناق ليس من.
سن الزكاة، وبأن المراد بالعناق فيه الجذعة والثنية مجازاً، فلا يستلزم أخذ الصغار ولوسلم جاز أخذها بطريق القيمة
لا أنها هى نفس الواجب، وبأن معناه كانو يؤدون عنها ما يجوز أداء، ويشهد له قول عمر اعدد عليهم السخلة
ولا تأخذما. والقول الراجح عندى هو ما ذهب اليه الشافعى وأبو يوسف لظاهر قول أبى بكر الصديق
قال ابن رشد وهو الأقيس - انتهى. وما ذكره المافعون للجواب عن قول الصديق تكلف كله لا يخفى ذلك على
من تأمل وانصف، هذا وقوله: ((عناقا)، إنما هو البخارى ولفظ مسلم ((عقالا)) بكسر العين بدل العناق وكذا
عند الترمذى والبخارى فى رواية. ووقع عند أبى داود والنسائى كلا اللفظين، واختلف فى رواية العقال فقيل هى وم،
وإلى ذلك أشار البخارى فى «باب الاقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم)» من كتاب الاعتصام، وقيل:
الروايه محفوظة، ولها معنى متجه وجرى النووى على طريقته. فقال: هو محمول على أن أبا بكر قالها مرتين . مرة
عناقا ومرة عمالا، فروى عنه اللفظان. قال الحافظ: هوبعيد مع اتحاد المخرج والقصة، واختلف فى المراد بالعقال،
قال فى النهاية أراد بالعقال: الحبل الذى يعقل به البعير الذى كان يؤخذ فى الصدقة، لأن على صاحبها التسليم وإنما
يقع القبض بالرباط . وقيل: أراد ما يساوى عقالا من حقوق الصدقة. وقيل: إذا أخذ المصدق أعيان الابل،
٦١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فوالله ماهو إلا رأيت، إن اللّه شرح صدر أبى بكر للقتال،
فيل أخذ عقالا ، وإذا أخد أثمانها قيل أخذ نقدا . ( كما أنشد أبو العباس النحوى) لبعضهم :
فرد ولم يأخذ عقالا ولا نقدا
أتانا أبو الخطاب يضرب طبله
وقيل أراد بالعقال صدقة العام، يقال أخذ المصدق عقال هذا العام أى أخذ منهم صدقته، وبعث فلان على عقال
بنى فلان إذا بعث على صدقاتهم، واختاره أبو عبيد. وقال: هى أشبه عندى بالمعنى: وقال الخطابي: إنما يضرب المثل
فى مثل هذا بالأقل لا بالأكثر وليس بسائر فى لسانهم إن العقال صدقة عام وفى أكثر الروايات عناق وفى أخرى
جدى. وقيل: إذا كان من عرض التجارة فبلغ مع غيره قيمة النصاب يجب فيه ، وجاء فى الحديث على القولين
فمن الأول . حديث عمر أنه قال يأخذ مع كل فريضة عقالا ورداء، وحديث محمد بن مسلمة إنه كان يعمل على
الصدقة فى عهد رسول الله والله فكان يأمر الرجل إذا جاء بفريضتين أن يأتى بعقاليهما وقرانيهما، ومن الثانى.
حديث عمر أنه أخر الصدقة عامرمادة فلما أحيا الناس بعث عامله فقال اعقل عنهم عقالين فاقسم فيهم عقالا وأثنى
بالآخر يريد صدقة عامين - انتهى. وقد بسط الحافظ والنووى الكلام فى تفسير العقال. وقال النووى: ذهب
كثيرون من المحققين إلى أن المراد بالعقال، الحبل الذى يعقل به البعير ، وهذا القول يحكى عن مالك وابن أبى
ذئب وغيرهما ، وهو اختيار صاحب التحرير وجماعة من حذاق المتأخرين، قال: وهذا الذى اختاره وهو الصحيح
الذى لا ينبغى غيره . قيل: ولم يرد عينه، وإنما أراد قدر قيمته. قال النووي: وهذا ظاهر متصور فى زكاة
النقد وفى المعدن والركازوالمعشرات وزكاة الفطر، وفيما لو وجبت سن فأخذ الساعى دونه ، وفيما إذا كانت الغنم
سخالا فمنع واحدة وقيمتها عقال (لقاتلتهم على منعها) أى لأجل منعها أو على ترك أدائها إلى الامام وهذا
ظاهر فى أنه قاتلهم على ترك أداءهم الزكاة إلى الامام لا على افكار فرضيتها وجحدها . وقال الخطابى: فيه دليل على
على أن الردة لا تسقط عن المرتد الزكاة الواجبة فى أمواله، وتعقبه الحافظ: بأن المرتد كافر والكافر لا يطالب
بالزكاة وإنما يطالب بالايمان، وليس فى فعل الصديق حجة لما ذكر، وإنما فيه قتال من منع الزكاة والذين تمسكوا
بأصل الاسلام ومنعوا الزكاة بالشبهة التى ذكروها لم يحكم عليهم بالكفر قبل إقامة الحجة. وقد اختلف الصحابة
فيهم بعد الغلبة عليهم هل تغنم أموالهم وتسبى ذراريهم كالكفار أو لا كالبغاة، فرأى أبو بكر الأول، وعمل به،
وناظره عمر فى ذلك ، وذهب إلى الثانى، ووافقه غيره فى خلافته على ذلك واستقر الاجماع عليه فى حق من جحد
شيئاً من الفرائض بشبهة فيطالب بالرجوع، فان نصب القتال قوتل وأقيمت عليه الحجة فإن رجع وإلا عومل
معاملة الكافر حينئذ - انتهى. (فو الله ما هو) أى الشأن (إلا رأيت) أى علمت (إن الله شرح صدر أبي بكر للقتال)
أى متح ووسع له ، قال النووى: معناه علمت أنه جازم بالقتال لما ألقى الله سبحانه وتعالى فى قلبه من الطمأنينة
٦٢

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
فعرفت أنه الحق . متفق عليه .
١٨٠٦ - (٢٠) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يكون كنز أحدكم يوم القيامة شجاعا
أقرع، يفر منه صاحبه، وهو يطلبه حتى يلقمه أصابعه . رواه أحمد.
لذلك واستصوابه ذلك . قال الطيبي: المستثنى منه غير مذكور أى ليس الأمر شيئا من الأشياء إلا على بأن
أبابكر محق، فهذا الضمير يفسره ما بعده نحو قوله تعالى: ﴿إن هى إلا حياتنا الدنيا - الأنعام: ٢٩﴾ (فعرفت
أنه الحق) أى ظهر له من صحة احتجاجه لا أنه قلده فى ذلك، وهذا انصاف منه رضى الله عنه ورجوع إلى الحق
عند ظهوره . وفى هذا الحديث فوائد كثيرة غير ما تقدم ، ذكرما الحافظ والنووى من شاء الوقوف عليها رجع
إلى الفتح وشرح مسلم للنووى (متفق عليه) واللفظ للبخارى، فقد تقدم إن مسلما رواه بلفظ ((عقالا)) مكان
((عناقا)) والحديث أخرجه البخارى فى الزكاة وفى استتابة المرتدين وفى الاعتصام، ومسلم فى الايمان، وأخرجه
أيضا أحمد والترمذى فى الايمان ، وأبو داود فى الزكاة والنسائى فيه وفى الجهاد وفى المحاربة والبيهقى وابن حبان
وغيرهم، وأخرج مالك فى الموطأ طرفا من قول أبى بكر قال مالك: بلغه أن أبا بكر الصديق . قال : لو منعونى عقالا
لجاهدتهم عليه لم يزد على هذا .
١٨٠٦ - قوله (يكون كنز أحدكم) أى المال المكنوز أى المجموع أو المدفون من غير إخراج الزكاة
(شجاعا) أى يصير حية وينقلب ويتصور (يفر منه صاحبه) أى صاحب الكنز أو صاحب الشجاع، والاضافة
لأدنى ملابسة (وهو) أى الشجاع (يطلبه) ولا يتركه (حتى يلقمه) من الالقام (أصابعه) لأن المانع الكانز
يكتسب المال بيديه . قال السيد جمال الدين: وهو يحتمل احتمالين. أحدهما: أن يلقم الشجاع أصابع صاحب المال
على أن يكون أصابعه بدلا من الضمير، وثانيهما: أن يلقم صاحب المال الشجاع أصابع نفسه أى يجعل أصابع
نفسه لقمة الشجاع تأمل - انتهى. قال الطيبي: ذكر فيما تقدم أن الشجاع يأخذ بلهز متيه أى شدقيه، وخص هنا
بألقام الأصابع ، ولعل السر فيه إن المانع يكتسب المال بيديه ويفتخر بشدقيه خص بالذكر، أو أن البخيل قد
يوصف بقبض اليد ، قالوا: يد فلان مقبوضة وأصابعه مكفوفة، كما أن الجواد يوصف ببسطها . قال الشاعر:
ثناها بقبض لم قطعه أنامله
تعود بسط الكف لو أنه
انتهى. قال القارى: والأظهر أن يقال كل يعذب بما هو الغالب عليه، ويحتمل أن مانع الزكاة يعذب بجميع مامر
فى الأحاديث، فيكون ماله تارة يجعل صفائح وتارة يتصور شجاعا أقرع يطوقه، وتارة يتبعه ويفر منه حتى يلقمه
أضابعه (رواه أحمد) وأخرجه أيضاً الحاكم (ج ١ ص ٣٨٩). وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
٦٣

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١٨٠٧ - (٢١) وعن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ما من رجل لا يؤدى زكاة
ماله، إلا جعل الله يوم القيامة فى عنقه شجاعا، ثم قرأ علينا مصداقه من كتاب الله، (ولا يحسبن
الذين يبخلون بما آتاه الله من فضله) الآية. رواه الترمذى، والنسائى، وابن ماجه.
١٨٠٨ - (٢٢) وعن عائشة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما خالطت
الزكاة مالا قط إلا أمكته،
١٨٠٧ - قوله (مامن رجل لا يؤدى زكاة ماله إلاجعل الله يوم القيامة فى عنقه شجاعا) هذا لفظ الترمذى
والنسائى ما من رجل له مال لا يؤدى حق ماله إلا جعل له طوقا فى عنقه شجاع أقرع وهو يفر منه وهو يتبعه، ولفظ
ابن ماجه، من أحد لا يؤدى زكاة ماله إلا مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع حتى يطوق به عنقه، وأخرجه أحمد بلفظ:
((لا يمنع عبد زكاة ماله إلا جعل له شجاع أقرع يتبعه يفر منه وهو يتبعه فيقول أنا كنزك)) (ثم قرأ) أى رسول
اللّه يرفقّ كما فى رواية ابن ماجه (علينا مصداقه) أى ما يصدقه ويوافقه (من كتاب الله) الظاهر أنه حال من
مصداقه أو من بيان له وما بعده بدل بعض من الكل (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله) الآية فى
الترمذى بعده، وقال مرة قرأ رسول الله مثله مصداقه: {سيطوقون ما يخلوا به يوم القيامة - آل عمران: ١٨٠)
(رواه الترمذى) فى التفسير واللفظ له (والنسائى وابن ماجه) فى الزكاة وأخرجه أيضا أحمد (ج ١ ص ٣٧٧)
والبيهقى (ج ٤ ص ٨١) وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح. وقال المنذرى فى الترغيب: بعد ايراده رواه
ابن ما جه والنسائى باسناد صحيح وابن خزيمة فى صحيحه۔انتهى. وأخرجه الحاكم فى التفسير (ج٢ ص ٢٩٨ - ٢٩٩).
وابن جرير عن ابن مسعود موقوفا.
١٨٠٨ - قوله (ما خالطت الزكاة مالا قط) بأن يكون صاحب مال من النصاب فيأخذ الزكاة أو بأن لم يخرج
من ماله الزكاة. قال المنذري: هذا الحديث يحتمل معنيين، أحدهما: أن الصدقة ما تركت فى مال ولم تخرج منه إلا أمكته ..
ويشهد لهذا حديث عمزمرفوعا ما تلف مال فى ير ولابحر إلا بحبس الزكاة (أخرجه الطبرانى فى الأوسط وفيه عمر
ابن هارون وهو ضعيف) والثانى: إن الرجل يأخذ الزكاة وهو غنى عنها فيضعها مع ماله فيهلكه، وبهذا فسره الامام.
أحمد (كما سيأتى) (إلا أهلكته) أى نقصته أو أفته أو قطعت بركته أى إذا لم تخرج الزكاة من مال وجبت
فيه أهلكته أى محقته بأن سلطت عليه الآفات كسرقة وغصب وحرق، أو المراد قلت بركته حتى لا ينتفع به
وإن كان موجودا فهو حينئذ كالهالك المعدوم. وقال الطبى: يحتمل محقته واستاصلته لأن الزكاة كانت حصنا له
٦٤

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦٠ - كتاب الزكاة
رواه الشافعی والبخاری فی تاريخه، والحمیدی، وزاد . قال یکون قد وجب عليك صدقة، فلا تخرجها ،
فيهلك الحرام الحلال، وقد احتج به من يرى تعلق الزكاة بالعين.
أو أخرجته من كونه منتفعا به لأن الحرام غير منتفع به شرعا (رواه الشافعى) فى باب الهدية للوالى بسبب الولاية
(ج ٢ ص ٥٠) من كتاب الأم بلفظ: لا تخالطه الصدقة مالا إلا أهلكته (والبخارى فى تاريخه) الكبير فى
ترجمة محمد بن عثمان بن صفوان بن أمية الجمحى القرشى (ج ١ ١٨٠) بلفظ: ((ما خالطت الصدقة مالا قط إلا.
أمكته)) (والحميدى) كلهم من طريق محمد بن عثمان بن صفوان الجمحى المكى عن هشام بن عروة عن أبيه عن
عائشة ومحمد بن عثمان هذا لم يذكر البخارى فيه جرحا ولا تعديلا وهو من رجال ابن ماجه. قال الحافظ فى
تهذيبه (ج٩ ص ٣٣٧): روى عن هشام بن عروة والحكم بن ابان وغيرهما، وروى عنه الشافعى والحميدى وأحمد
ابن حنبل وابراهيم بن حمزة الزبيرى (وعنه البخارى) وغيرهم. قال أبو حاتم: منكر الحديث ، وذكره ابن حبان
فى الثقات، وقال الدارقطنى: ليس بقوى. وقال فى التقريب: ضعيف. والحديث أخرجه أيضاً ابن عدى، والبزار،
والبيهقى، وأشار المنذرى إلى ضعفه حيث صدره بلفظة روى. وقال الهيشمى (ج٣ ص٦٤): بعد عزوه إلى البزار.
وفيه عثمان بن عبد الرحمن الجمحى. قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به ـ انتهى. قلت: ان كان ما وقع فى
نسخة مجمع الزوائد المطبوعة صحيحاً فعثمان هذا من رجال الترمذى وابن ماجه. قال البخارى: فيه أنه مجهول ،
وقال الساجى: يحدث عن محمد بن زياد بأحاديث لا يتابع عليها وهو صدوق، وقال ابن عدى : عامة ما يرويه
مناكير، كذا فى تهذيب التهذيب (ج ٧ ص ١٣٦) وقال الحافظ فى التقريب: ليس بالقوى (وزاد) أى الحميدى
(قال) أى البخارى فى تفسير الحديث ( يكون قد وجب عليك صدقة فلا تخرجها فيهلك الحرام الحلال) فكأنها
تعيفت واختلطت (وقد احتج به من يرى تعلق الزكاة بالعين) أى لا بالذمة، قال الشوكانى: احتجاج من أحتج به
على تعلق الزكاة بالعين صحيح، لأنها لوكانت متعلقة بالذمة لم يستقم هذا الحديث، لأنها لا تكون فى جزء من أجزاء
المال فلا يستقيم اختلاطها بغيرها، ولاكونها سيا لاهلاك ما خالطته - انتهى. وقال الطيبي: فإن قلت: هذا
الحديث ظاهر فى معنى المخالطة فانها معنى ومبنى تستدعى شيئين متمايزين يختلط أحدهما بالآخر ، فأين هذا المعنى
من قول من فسرها باهلاك الحرام الحلال. قلت: لما جعلت الزكاة متعلقة بعين المال لا بالذمة، جعل قدر الزكاة
المخرج من النصاب معينا ومشخصا ، فيستقيم الخلط بما بقى من النصاب - انتهى. قال فى اللعات: وإلى تعلق الزكاة
بالعين ذهب الأئمة الثلاثة ، ومن تبعهم ، ولهذا لا يجوزون دفع القيم فى الزكاة لأنها قربة تعلقت بمحل ، فلا تتأدى
بغيره كالهدايا والضحايا. وتعلق الزكاة بالمال عندهم تعلق شركة، لأن المنصوص عليه هو الشأة ، فالشارع أوجب
٠
٦٥
:

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
مكذافى المنتقى، وروى البيهقى، فى شعب الإيمان، عن أحمد بن حنبل، باسناده إلى عائشة، وقال
أحمد فى خالطت تفسيره إن الرجل يأخذ الزكاة، وهو موسر، أو غنى، وإنما هى للفقراء.
المنصوص عليه عينا، والواجب لا يسع تركه - انتهى. قلت: ذهب الحنفية إلى أنها متعلقة بعين المال، صرح به
فی الدر المختار وغیرہ، وهو مذهب المالكية کما صرح به الزرقانى، وأشار اليه الباجى ، وهو احدی الروايتين عن
أحمد، وأحد قولى الشافعى، وذهب ابن حزم إلى أنها واجبة فى ذمة صاحب المال لا فى عين المال ، وهو القول
الثانى للشافعى، والرواية الثانية عن أحمد. قال ابن قدامة (ج ٢ ص ٦٧٩): الزكاة تجب فى الذمة فى احدى
الروايتين عن أحمد، وهو أحد قولى الشافعى، لأن اخراجها من غير النصاب جائز، فلم تكن واجبة فيه كزكاة
الفطر، ولأنها لووجبت فيه لامتنع تصرف صاحب المال فيه، ولتمكن المستحقون من الزامه أداء الزكاة من عينه،
واسقطت الزكاة بتلف النصاب من غير تفريط كسقوط ارش الجناية بتلف الجانى، والرواية الثانية أنها تجب فى العين،
وهذا القول الثانى الشافعى ، وهذه الرواية هى الظاهرة عند بعض أصحابنا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: فى أربعين
شأة شأة، وقوله فيما سقت السماء العشر، وغير ذلك من الألفاظ الواردة بحرف ((فى)) وهى للظرفية. وإنما جاز
الاخراج من غير النصاب رخصة. وفائدة الخلاف أنها إذا كانت فى الذمة خال على ماله حولان لم يؤد زكاتها
وجب عليه أداءها لما مضى، ولا تنقص عنه الزكاة فى الحول الثانى، وكذلك إن كان أكثر من نصاب لم تنقص
الزكاة . وإن مضى عليه أحوال ، فلوكان عنده أربعون شأة مضى عليها ثلاثة أحوال لم يؤد زكاتها وجب عليه
ثلاث شياه ، لأن الزكاة وجبت فى ذمته ، فلم يؤثر فى تنقيص النصاب ، وإن قلنا الزكاة تتعلق بالعين. وكان النصاب
مما تجب الزكاة فى عينه ،فالت عليه أحوال لم تؤد زكاتها تعلقت الزكاة فى الحول الأول من النصاب بقدرما ، فان
كان نصابا لا زيادة عليه فلا زكاة فيه فيما بعد الحول الأول، لأن النصاب نقص فيه - انتهى. (هكذا) أى
الحديث مع تخريجه وما ذكر من زيادة الحميدى إلى قوله: وقد احتج به من يرى تعلق الزكاة بالعين (فى المنتقى) من
أخبار المصطفى لجد الدين أبى البركات ابن تيمية (وروى البيهقى فى شعب الإيمان) أى هذا الحديث (وقال أحمد
فى خالطت) أى فى لفظ ((خالطت)) الواقع فى صدر الحديث (تفسيره) أى معناه أو تأويله وهو مقول قول
أحمد (إن الرجل يأخذ الزكاة وهو موسر أوغنى) شك من الراوى (وإنما هى) أى الزكاة (الفقراء) أى ولأمثالهم
وغلبوا لأنهم أكثر من البقية. وقال الشافعى: يعنى أى رسول الله مَ الله، والله أعلم أى بمراد كلام رسوله إن
خيانة الصدقة تتلف المال المخلوط بالخيانة من الصدقة - انتهى .
٦٦

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
(١) باب ما يجب فيه الزكاة
( الفصل الأول ):
١٨٠٩ - (١) عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس فيما دون
خمسة أوسق من التمر
(باب ما يجب فيه الزكاة) قال مالك: لا تكون الصدقة إلا فى ثلاثة أشياء فى الحرث والعين والماشية.
قال ابن عبد البر: لاخلاف فى جملة ذلك، ويختلف فى تفصيله. وقال فى المسوى: وعليه أهل العلم إن صدقة الأموال
على ثلاثة أقسام، وزكاة التجارة إنما تؤخذ بحساب القيمة وأما صدقة الفطر فهى صدقة الرؤس . وقال الامام
ابن القيم فى الهدى: (ج١ ص ١٥١) جعل رسول الله يرافقه الزكاة فى أربعة أصناف من المال وهى أكثر الأموال
دورا بين الخلق وحاجتهم اليها ضرورية. أحدها: الزرع والثمار. الثانية: بهيمة الأنعام، الابل والبقر والغنم.
الثالث: الجوهران اللذان بهما قوام العالم ، وهما الذهب والفضة. الرابع: أموال التجارة على اختلاف أنواعها
وقال ابن رشد فى البداية (ج ١ ص ٢٢٧) وأما ما تجب فيه الزكاة من الأموال فانهم اتفقوا منها على أشياء
واختلفوا فى أشياء أما ما اتفقوا عليه فصنفان من المعدن الذهب والفضة اللتين ليستا بحلى. وثلاثة أصناف من
الحيوان، الابل والبقر والغنم، وصنفان من الحبوب، الحنطة والشعير وصنفان من الثمر التمر والزبيب وفى الزيت
خلاف شاذ - انتهى. ثم فصل ابن رشد الأشياء التى اختلفوا فى وجوب الزكاة فيها كالحلى من الذهب والفضة
والخيل من الحيوان، وغير السائمة من الابل والبقر والغنم ، وغير الأصناف الأربعة المذكورة من النبات.
١٨٠٩ - قوله (ليس فيما دون خمسة أوسق) جمع وسق بفتح الواو، ويجوز كسرها كما حكاه صاحب
المحكم وجمعه حينئذ أوساق كحمل وأحمال ، وقد وقع كذلك فى رواية لمسلم، وهو ستون صاعا بالاتفاق، ووقع
فى رواية ابن ماجه نحو هذا الحديث، وفيه والوسق ستون صاعا وأخرجها أحمد وأبو عبيد وأبو داود أيضاً،
لكن قال ستون مختوما قال أبو عبيد فى الأموال (ص ٥١٨) والمختوم ههنا الصاع بعينه، وإنما سمى مختوماً
لأن الأمراء جعلت على اعلاه خاتماً مطبوعا لئلا يزاد فيه ولا ينتقص منه - انتهى. والصاع أربعة أمداد والمد
رِطل وثُلُثُ رطل، فالصاع خمسة أرطال وثلث رطل وذلك بالرطل الذى وزنه مائة درهم وثمانية وعشرون
درهماً بالدراهم اللتى كل عشرة منها وزن سبعة مثاقيل (من التمر) وفى رواية لمسلم ليس فيما دون خمسة أوساق
من تمر ولا حب صدقة ، وفى رواية له ليس فى حب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق ، وفى رواية له أيضاً
٦٧

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
صدقة ،
من ثمر بالثاء ذات النقط الثلاث (صدقة) أى زكاة والمراد بها العشر، أو نصف العشر. قال الحافظ: لفظ ((دون))
فى مواضع الثلاثة من الحديث بمعنى أقل لا أنه نفى عن غير الخمس الصدقة كما زعم بعض من لا يعتد بقوله ،
والمعنى اذا خرج من الأرض أقل من ذلك فى المكيل فلا زكاة عليه فيه وبه أخذ الجمهور وعالفهم أبو حنيفة.
قلت: هذا الحديث صريح فى أن النصاب شرط لوجوب العشر أو نصف العشر، فلا تجب الزكاة فى شىء من
الزروع والثمار حتى تبلغ خمسة أوسق ، وهذا مذهب أكثر أهل العلم. وبه قال صاحبا أبى حنيفة محمد
وأبو يوسف رحمهم الله تعالى، وهو الحق والصواب، وذهب أبو حنيفة الى أنه لا يشترط النصاب لوجوب
الزكاة فى ما يخرج من الأرض ، فيجب عنده العشر أو نصف العشر فى كثير الخارج وقليله، وهو قول إبراهيم
النخعى ومجاهد وعمر بن عبد العزيز. أخرج عبد الرزاق فى مصنفه عن معمر ، عن سماك بن الفضل ، عن عمر بن
عبد العزير، قال: فيما أنبتت الأرض من قليل أو كثير العشر، وأخرج نحوه عن مجاهد، وإبراهيم النخعى.
وأخرج ابن أبى شيبة أيضاً عن هؤلاء نحوه. واستدل لهم بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقو من
طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض - البقرة: ٢٦٨ ) وبقوله صلى الله عليه وسلم: فيما سقت السماء
والعيون: أكان عثريا العشر. وما سقى بالنضح نصف العشر، أخرجه البخارى من حديث ابن عمر وسيأتى قالوا
إن الآية والحديث عام، فان كلمة ((ما)) من ألفاظ العموم فتشمل ما يكون قدر خمسة أوسق أو أقل أو أكثر.
وتعقب بأن الآية مبهمة، وكذا حديث ابن عمر مبهم، وحديث أبى سعيد مفسر، والزيادة من الثقة مقبولة، فيجب حمل المبهم
على المفسر والمبين يعنى أن الآية وحديث ابن عمر عام يشمل النصاب ودونه وحديث أبى سعيد خاص بقدر النصاب فيقضى
الخاص على العام أى يبنى العام على الخاص. وأجاب بعض الحنفية عن هذا التعقب بأن محل ذلك إذا كان البيان وفق
المبين لا زائداً عليه ولا ناقصاً عنه، أما اذا بقى شىء من أفراد العام فانه يتمسك به كحديث أبى سعيد هذا ، فانه
دل على النصاب فيما يقبل التوسيق وسكت عما لا يقبله، فيتمسك بعموم قوله عليه السلام فيما سقت السماء العشر.
وأجاب القائلون بالنصاب عن هذا الجواب بما روى مرفوعا ((لا زكاة فى الخضراوات)) رواه الدارقطنى من
طريق على وطلحة ومعاذ مرفوعا. قال الترمذى: لا يصح فيه شىء إلا مرسل موسى بن طلحة عن النبي صلى الله
عليه وسلم. وهو دال على أن الزكاة إنما هى فيما يكال مما يدخر للإقتيات فى حال الاختيار، وهذا قول مالك
والشافعى. وعن أحمد يخرج من جميع ذلك ولو كان لا يقتات ، وهو قول محمد وأبى يوسف. وأجاب
الحنفية عن التعقب المذكور بوجوه غير ما تقدم. منها . أن حديث الأوساق من أخبار الآحاد فلا يقبل فى
معارضة الكتاب والخبر المشهور. وفيه أنه ليس فيه شائبة المعارضة بل هو بيان المقدار ما يجب فيه العشر،
٦٨

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
والبيان بخبر الواحد جائز كبيان المجمل والمتشابه قال الأمير اليمانى: حديث الأوساق حدث صحيح، ورد لبيان القدر
الذى تجب فيه الزكاة كما ورد حديث مائتى الدرثم لبيان ذلك مع ورود فى الرقة ربع العشر، ولم يقل أحد أنه يجب
فى قليل الفضة وكثيرها الزكاة، وذلك لأنه لم يرد حديث فى الرقة ربع العشر إلا لبيان أن هذا الجنس تجب فيه الزكاة
وأما قدر ما يجب فيه فموكول إلى حديث التبيين له بمائتى درهم فكذا هناقوله فيما سقت السماء العشر، أى فى هذا الجنس
يجب العشر وأمابيان ما يجب فيه فوكول إلى حديث الأوساق وكأنه ما ورد إلا لدفع ما يتوهم من عموم ((فيما سقت
السماء العشر)) كما ورد ذلك فى قوله ((وليس فيما دون خمسة أواق من الورق صدقة)). ثم إذا تعارض العام
والخاص كان العمل بالخاص عند جهل التاريخ، كما هنا فانه أظهر الأقوال فى الأصول، وقال الامام ابن القيم.
فى الاعلام ( ج ١ ص ٢٨٣) لا تعارض بين الحديثين بوجه من الوجوه فان قوله ((فيها سبقت السماء العشر،
إنما أريد به التمييز بين ما يجب فيه العشر وبين ما يجب فيه نصفه ، فذكر النوعين مفرقا بينهما فى مقدار الواجب،
وأما مقدار النصاب فسكت عنه فى هذا الحديث وبينه نصاً فى الحديث الآخر فكيف يجوز العدول عن النص
الصحيح الصريح المحكم الذى لا يحتمل غير ما دل عليه البتة إلى الجمل المتشابه الذى غايته أن يتعلق فيه بعموم
لم يقصد، وبيانه بالخاص المحكم المبين كبيان سائر العمومات بما يخصها من النصوص - انتهى. قلت: ذهب جمهور
الأصوليين، وعامتهم إلى جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد الصحيح وهو الحق، واحتج لذلك فى المحصول
بأن العموم وخبر الواحد دليلان متعارضان وخبر الواحد أخص من العموم، فوجب تقديمه على العموم. قال الشوكانى:
وأيضاً يدل على جواز التخصيص دلالة بينة واضحة ما وقع من أوامر الله عز وجل باتباع نبيه، عَ لّم من غير
تقييد، فإذا جاء عنه الدليل كان اتباعه واجباً وإذا عارضه عموم قرانى كان سلوك طريقة الجمع ببناء العام على الخاص
متحتما ، ودلالة العام على أفراده ظنية لا قطعية فلا وجه لمنع تخصيصه بالاخبار الصحيحة الآحادية - انتهى. ثم
قال ابن القيم : ويالله العجب: كيف يخصون عموم القرآن والسنة بالقياس الذى أحسن أحواله أن يكون مختلفاً
فى الاحتجاج به وهو محل اشتباه واضطراب إذ ما من قياس إلا وتمكن معارضته بقياس مثله أو دونه أو أقوى
منه بخلاف السنة الصحيحة الصريحة فانها لا يعارضها إلاسنة ناسخة معلومة التأخر والمخالفة ، ثم يقال إذا خصصتم
عموم قوله ((فيما سقت السماء العشر)) بالقصب والحشيش، ولاذكر لهما فى النص فهلا خصصتموه بقوله: ((لازكاة
فى حب ولائمر حتى يبلغ خمسة أوسق)، وإذا كنتم تخصون العموم بالقياس فهلا خصصتم هذا العام بالقياس الجلى
الذى هو من أجلى القياس وأصحه على سائر أنواع المال الذى تجب فيه الزكاة فان الزكاة الخاصة لم يشرعها الله ورسوله
فى مال إلا وجعل له نصابا كالمواشى والذهب والفضة ، ويقال أيضاً هلا أوجبتم الزكاة فى قليل كل مال وكثيره
عملا بقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة - التوبة: ١٠٣) وبقوله صلى الله عليه وسلم: (( ما من صاحب ابل
٦٩

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
ولا بقر لا يؤدى زكاتها الا بطح له بقاع قر قر، وبقوله: ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدى زكاتها إلا
صفحت له يوم القيامة صفائح من نار، وهلا كان هذا العموم عندكم مقدما على أحاديث النصب الخاصة وهلا
قتم ماك تعارض مسقط وموجب، فقدمنا الموجب احتياطاً وهذا فى غاية الوضوح - انتهى. وقد الضخ بهذا
كله كل الاقضاح أنه يعجب تخصيص عموم قوله تعالى: ﴿وما أخرجنا لكم من الأرض - البقرة: ٢٦٧﴾ وحديث
ابن عمر بحديث الأوساق كما خصص قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة) بالأخبار التى دلت على كون الزكاة
منحصرة فى أشياء مخصوصة وقوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله - التوبة:
٣٤ ) بأحاديث النصب الخاصة وقوله منز له: ((فى سائمة الابل الزكاة، بقوله: ليس فیما دون خمس ذود صدقة»
وقوله: ((فى الرقة ربع العشر، بقوله: «ليس فى ما دون خمس أواق صدقة ، علا أن حديث الأوساق حديث
مشهور، روى عن غير واحد من الصحابة منهم أبو سعيد عند الجماعة ، ومنهم أبو هريرة عند أحمد والدار قطنى
والطحاوى، ومنهم ابن عمر عند أحمد والدار قطنى ويحيى بن آدم (ص ١٣٦) والبيهقى ، ومنهم جابر عند أحمد
ومسلم والبيهقى والطحاوى والحاكم وابن ماجه، ومنهم عائشة عند الطبرانى فى الأوسط، ومنهم أبو رافع عند
الطبرانى فى الكبير، ومنهم عمرو بن حزم عند الحاكم والطحاوى والطبرانى والبيهقى، ومنهم أبو أمامة بن سهل
ابن حنیف عند البیهقی ، ومنهم عبد الله بن عمر ، وعند یحی بن آدم (ص١٣٧) والدار قطنی (ص ١٩٩) وبه قال
الصحابة : منهم عمر وأبو سعيد وابن عمر وجابر وأبو أمامة بن سهيل بن حنيف. ولم يعرف لهم مخالف من
الصحابة فهو اجماع منهم، وقد جرى به التعامل وتلقاه الامة بالقبول. قال أبو عبيد فى الأموال (ص ٤٠٨)
حدثنا يزيد عن حبيب بن أبى حبيب عن عمرو بن هرم عن محمد بن عبد الرحمن أن فى كتاب رسول اللّه مَفّم وفى
كتاب عمر فى الصدقة أن لا تؤخذ من شىء حتى يبلغ خمسة أوسق. وروى الطحاوى والحاكم والبيهقى والطبرانى
عن عمرو بن حزم عن النبي تَثّ أنه كتب إلى أهل اليمن بكتاب فذكر فيه ما سقت السماء أو كان سيحا أو كان
جعلا ففيه العشر إذا بلغ خمسة أوسق وما ستى بالرشاد والدالية ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق . ومنها
أن حديث الأوساق منسوخ قال الزيلعى (ج ٢ ص ٣٨٥) ومن الأصحاب من جعله أى حديث الأوساق منسوغا
ولهم فى تقريره قاعدة ذكرها السغناقى نقلا عن الفوائد الظهيرية، قال: إدا ورد حديثان متعارضان أحدهما عام
والآخر خاص، فإن علم تقديم العام على الخاص خص العام به وإن علم تأخير العام كان العام ناسخا الخاص .
قال محمد بن شجاع الثلجى هذا إذا علم التاريخ، أما إذا لم يعلم فان العام يجعل آخراً لما فيه من الاحتياط وهنا
لم يعلم التاريخ فيجعل العام آخرا لما فيه من الاحتياط - انتهى. وذكر العينى وابن الهمام نحو هذا . وفيه أن الحق
فى صورة تأخر العام عن الخاص هو بناء العام على الخاص أى تقديم الخاص وتخصيص العام به لأن ما تناوله الخاص
٧٠

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
متيقن وماتناوله العام ظاهر مظنون والمتيقن أولى، وكذا فى صورة جهل التاريخ الحق هو البناء. قال ابن قدامة فى
روضة الناظر (ج ١ ص ١٦١) الدليل الرابع من ادلة التخصيص التسع النص الخاص يخصص اللفظ العام فقول
النبي ◌َّم (( لا قطع إلا فى ربع دينار)) خصص عموم قوله (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما - المائدة: ٣٨)
وقوله عليه السلام ((لا زكاة فيما دون خمسة أوسق خصص عموم قوله (( فيما سقت السماء العشر)) ولا فرق بين ان
يكون العام كتابا أو سنة أو متقدماً أو متأخرا - انتهى. أى فان الخاص يخصص العام ويقدم عليه لقوة دلالة
الخاص على مدلوله فانها قاطعة، ودلالة العام على أفراده ظاهرة، والقاطع مقدم على الظاهر ، مثاله لو قال كلما
سرق السارق فاقطعوه، وهو معنى الآية، فدلالته على من سرق دون ربع دينار ظاهرة، ودلالة قوله مؤاللّه :
لا قطع إلا فى ربع دينار على عدم القطع فيما دونه قاطعة فيقدم . وقال الشوكانى فى إرشاد الفحول: (ص ١٤٤)
الحق الذى لا ينبغى العدول عنه فى صورة الجهل البناء وليس عنه مانع يصلح للتشبث به، والجمع بين الأدلة ما
أمكن هو الواجب، ولا يمكن الجمع مع الجهل ألا بالبناء، قال وقد تقرر أن الخاص أقوى دلالة من العام والأقوى
أرجح وأيضاً إجراء العام على عمومه إهمال للخاص وإعمال الخاص لا يوجب إهمال العام ، وأيضاً قد نقل
أبو الحسين الاجماع على البناء مع جهل التأريخ. والحاصل أن البناء هو الراجع على جميع التقادير (إلى آخر ما قالٍ).
ومنها ما قال صاحب الهداية إن حديث أبى سعيد وما فى معناه ورد فى زكاة التجارة دون المشر،. وذلك لأنهم
كانوا يتبايعون بالأوساق، وقيمة الوسق يومئذ كانت أربعين در هماً فيكون قيمة خمسة أوسق مائتى درهم وهو نصاب
زكاة الفضه. وحاصله أن الجمهور نقلوا حديث زكاة التجارة إلى باب آخر ، فوقع التعارض مع أن الحديث العام
أى حديث ابن عمر وما فى معناه كان فى العشر، وحديث الأوساق فى زكاة مال التجارة، فلا تعارض أصلا.
وقال الجصاص فى أحكام القرآن: قد روى ليس فيما دون خمسة أوسق زكاة ، بجائز أن يريد به زكاة التجارة بأن
يكون سأل سائل عن أقل من خمسة أوسق طعام أو تمر للتجارة ، فأخبر أن لا زكاة فيه، فنقل الراوى كلام النبي
صلى الله عليه وسلم وترك ذكر السبب. وفيه ما قال الشيخ رشيد أحمد الكنكوهى بعد ذكر هذا الجواب. ولكن
الانصاف خلاف ذلك فان تفاوت أسعار الثمار والشعير والحنطة غير قليل فكيف يعلم ماذا أراد النبى محمد له بذلك
حتى يعلم حكمه، كذا فى الكوكب الدرى ( ج ١ ص ٢٣٦) قلت: ويرد هذا التأويل أيضاً حديث عمرو بن
حزم الذى ذكرنا لفظه وسيأتى أيضاً. ومنها ما قال الجصاص: قد ذكرنا أن لله حقوقا واجبة فى المال غير الزكاة
ثم نسخت بالزكاة كما روى عن أبى جعفر محمد بن على، والضحاك قالا: نسخت الزكاة كل صدقة فى القرآن بجائز أن
يكون هذا التقدير معتبراً فى الحقوق التى كانت واجبة فنسخت، نحو قوله تعالى ( وإذا حضر القسمة أولوا القربى
واليتامى - النساء: ٨ ) الآية ونحو ما روى عن مجاهد، إذا حصدت طرحت المساكين الخ. وهذا الحقوق غير واجبة
٧١
:

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
اليوم بجائز أن يكون ما روى من تقدير الخمسة الأوسق كان معتبرا فى تلك الحقوق وإذا احتمل ذلك لم يجز تخصيص
الآية والأثر المتفق عليه على نقله به - انتهى. وقال العينى (ج٩ ص٧٥) نفى النبي مَ لّم الصدقة ولم ينف العشر وقد كان
فى المال صدقات نسختها آية الزكاة والعشر ليس بصدقة مطلقة، اذ فيه معنى المؤنة وفيه أن النسخ لا يثبت بالاحتمال
والتجويز والادعاء وفيه أيضاً ما قال الشيخ محمد أنور بعد ذكر الوجوه الثلاثة الأخيرة)، ويرد على هذه الأجوبة كلها
ما عند الطحاوى (ج ١ ص ٣١٥) ما سقت السماء أو كان سيحاً أو بعلا ففيه العشر إذا بلغ خمسة أوسق - الحديث.
واسناده قوى، فإنه يدل على أن الحديث (أى حديث أبي سعيد وما فى معناه) فى العشر لا فى الصدقات المتفرقة كما ذهب اليه
العينى (والجصاص) ولا من باب التجارة كما اختاره صاحب الهداية كذا فى فيض البارى (ج٣ص٤٦) قات: رواية
الطحاوى هذه أخرجها الحاكم (ج١ ص٣٩٥) والطبرانى والبيهقى (ج٤ ص ٨٩، ١٨٠) أيضاً كلهم من حديث عمرو
ابن حزم مطولا وقد ذكرنا طرفاً منه. قال البيهقى: حديث مجود الاسناد ورأه أبو زرعة الرازى وأبو حاتم
الرازى وعثمان بن سعيد الدارمى وجماعة من الحفاظ موصول الاسناد حسناً وروى البيهقى عن أحمد بن حنبل أنه
قال أرجو أن يكون صحيحاً - انتهى. وبسط الحافظ الكلام فى إسناده هذا الحديث فى ترجمة سليمان بن داود الخولانى
الدمشقى من تهذيبه من أحب الوقوف عليه رجع اليه ، وسيأتى أيضاً شىء من الكلام فيه فى بيان نصاب الذهب،
وقد جمع كما ترى حديث عمرو بن حزم معنى حديث ابن عمر وحديث أبى سعيد ، فدل على أنه لا تعارض بينهما
خلافا لما زعمت الحنفية وبطل به ما ذهبوا إليه من تقديم حديث ابن عمر وجعله مناخرا احتياطاً ولبطلان هذه
الأجوبة ، وجوه أخرى لا تخفى على المصنف. ومنها ما قال صاحب العرف الشذى أن حديث الأوساق محمول
على العربية ، والعرية تكون فيما دون خمسة أوسق فمما أعطى رجل ما خرج من أرضه بطريق العربية فلا زكاة عليه فيما
أعرى، لأنه مثل من وهب بجميع ماله أو بعضه أنه لا زكاة عليه فيما وهب فصح أنه لا عشر فيما دون خمسة أوسق
لأنها عربة، قال وعلى أن المذكور فى الحديث حكم العربية قرائن . منها ، أن فى الصحيحين أن العربة إنما تكون إلى
خمسة أوسق فالمتبادر أن فى حديث أبى سعيد أيضاً حكم العرية، والمراد أن ما دون خمسة أوسق يؤدونه ديانة فيها
بينهم وبين الله ولا يجب رفعه إلى بيت المال فإنه يؤدى إلى المعرى له ثم لما أداه بجميعه فتأدى زكاته أيضاً، فراد
الحديث ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة أى لا يجب رفعه إلى بيت المال، وحاصله أن النفى فى حديث أبى سعيد
ليس لثبوت النصاب فى الثمار والزرع وأن ما دون خمسة أوسق يبقى فى بيته لا تجب فيه فريضة الله أى العشر ، بل
لأنه يتصدق فيها بنفسه فلا تؤخذ منه صدقة ترفع الى بيت المال ، فالتفى باعتبار رفعها الى بيت المال لا له دم
وجوبها، وأما حديث ابن عمر فبيان للواجب فى نفس الأمر سواء رفع الى بيت المال أو أمر باداءه بنفسه فلا تعارض
أصلا. قال ومنها رواية الطحاوى (ص ٣١٥) عن مكحول باسناد جيد مرسلا، خففوا فى الصدقات فان فى المال
٧٢

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
العربة والوصية. وفى السنن الكبرى للبيهتى أن أبا بكر وعمر كانا يامران سعاتهما أن لا يخرصوا فى العرايا قلت:
حاصل هذا الجواب أن حديث ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، محمول على العشر لكنه مصروف الى العرايا فان
النبى ◌َفّ قد رخص فى العرايا فى هذا القدر فلم يوجب فيها صدقة لأن العربة نفسها صدقة، وإنما فائدة الخير أن
ما تصدق به صاحب العشر يحتسب له ولا تجب فيها صدقة ترفع الى بيت المال ولا يضمنها، كما قاله الجصاص فى
شرح ما روى عن أبى سعيد مرفوعا أنه قال : ليس فى العرايا صدقة وهذا التأويل أيضاً باطل مردود لأنه =ټے
ففى الصدقة فيمادون الخمسة أوسق مطلقاً كما أنه نفاها فيما دون خمس أواق من الرقة وفيما دون خمس ذود من الابل
وهذا يدل دلالة بينة على أنه لا تجب الزكاة رأساً فى الخارج من الأرض إذا كان دون هذا المقدار كما لا تجب أصلا
فى الرقة إذا كانت دون خمس أواق، وفى الابل إذا كانت دون خمس، وحمل النفي فى الخارج من الأرض خاصة
على عدم أخذ لساعى ونفى رفعه الى بيت المال مما لادليل عليه. ولأن الظاهر أن المقصود من ذكر الفصول الثلاثة
على نسق بيان نصب المعشرات والرقة من العين والابل من الماشية ، فالفرق بينها بحمل الاثنين منها على بيان
نصاب الصدقة، والأول على معنى آخر مع كون الثلاثة على نسق واحد وشاكلة واحدة غير صحيح ولأنه
وقع فى هذا الحديث عند البيهقى. ( ج ٤ ص ١٢٥) من طريق مرسلة بعد ذكر الأواق، والأوساق ، والاذواد
من زیادة قوله « ولیس فى العرایا صدقة » وروى الدار قطنى من حديث على مرفوعا بسند فيه ضعف ليس فى
الخضراوات صدقة ، ولا فى العرايا صدقة، ولا فى أقل من خمسة أوسق صدقة، ولا فى العوامل صدقة، الحديث
وسيأتى فى الفصل الثالث ، وكانه أشار اليه أبو عبيد فى الأموال (ص ٤٨٩) بقوله ((لأن سنته أن لا صدقة فى أقل
من خمسة أوسق، وأن لا صدقة فى العرايا)) وذكر نفى الصدقة فى العرايا وفيما دون خمسة أوسق معا يبعد حمل
حديث الأوساق على العرايا. ويدل على أن المقصود من قوله ولا فى أقل من خمسة أوسق فى حديث الأوساق بيان
نصاب صدقة المعشرات، ومن ففى الصدقة فى العرايا عدم وجوب الزكاة فيها رأسا، لأنها تكون دون النصاب وهو
الذى فهمه جميع أهل العلم، وأما رواية مكحول فرواها أبو عبيد فى الأموال (ص٤٨٧) بلفظ: كان رسول اللّه مَ اللّه
إذا بعث الخراص . قال: خففوا فان فى المال العربة والوطية، ورواما ابن أبى شيبة بلفظ: «خفف على الناس فان
المال العارية والوصية)) وروى البيهقي (ج٤ ص ١٢٤) وأبو عبيد أيضاً عن الأوزاعى. قال: بلغنا أن عمربن الخطاب
قال: خففوا على الناس فى الخرص فان فى المال العرية والواطئة والأكلة -انتهى. وليس فى هذه الروايات أدنى دلالة
على كون حديث الأوساق محمولا على حديث العرية، وغاية ما فيها أنها تدل على التخفيف فى الخرص على رب النخل
فى قدر ما يأكله هو وأهله وزُوّاره والمارة والسابلة رطباً وفيما يعرى أهل الحاجة منها، ولذا عنى وأسقط الصدقة أى
العشر عن ذلك رأساً لاأنه أوجبها فيها ورخص فى عدم رفعها إلى بيت المال بل فوض صرفها فى مصارفها إلى رب
٠
٧٣

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
الحائط واحتسب ذلك له أى أسقطه من الحساب ولأنه ياباه كما قال صاحب فتح الملهم: ما وقع فى رواية لمسلم
فى حديث أبى سعيد، ليس فى حب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق وما فى بعض روايات جابر، لاصدقة فى شىء
من الزرع أو الكرم حتى يكون خمسة أوسق، ولأحمد من حديث أبى هريرة ولا يحل فى البر والتمر زكاة حتى يبلغ
خمسة أوسق فان العربة تعرف فى التمر أو الثمار لا فى سائر الحبوب والزروع، فكيف يستقيم حمل الحديث المشتمل
على جميع المعشرات على العرايا. وقد روى البيهقى باسناده عن الزهرى، قال سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف يحدث
فى مجلس سعيد بن المسيب إن السنة مضت أن لا تؤخذ صدقة من نخل حتى يبلغ خرصها خمسة أوسق، وهذا ظاهر
فى أن المقصود بيان نصاب الصدقة كما فى قرينتيه من الذود والأواقى لا بيان ما أسقط من الحساب، هذا وقد
اتضح بما ذكرنا أن كل ما تأول به الحنفية حديث الأوساق باطل ، وقد ظهر بذلك أيضاً سخافة استدلالهم بحديث
العموم. ولذلك أورد صاحب العرف الشذى حديثا آخر للاحتجاج لمذهب الحنفية، وزعم أنه خاص صريح فى
مذهبهم حيث قال أن الصحيح الاحتجاج بالرواية الخاصة فى مقابلة الخاص فنحتج بما رواه الطحاوى (ج ٢
ص ٢١٣) فى باب العرايا عن جابر بن عبد اللّه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص فى العربة فى الوسق
والوسقين والثلاثة والأربعة، وقال: فى كل عشرة أقناء قنو يوضع فى المسجد المساكين ، قال وما تمسك به أحد
منا، والحديث قوى. ومراده عندى أن النبى يُؤقل إنما أجاز بالعرية إلى أربعة أو سق. وأما المسئلة فيما زاد فهى
كما ذكرها فيما بعد أعنى ايجاب العشر حتى أوجب فى عشرة أقنساء قنوا، وحينئذ صار الحديث صريحاً فيما رامه
الحنفية. قلت : حديث جابر هذا ذكره الحافظ فى الفتح فى باب بيع الشمر على رؤس النخل بالذهب والفضة
ونسبه إلى الشافعى وأحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم، قال أخرجوه كلهم من طريق ابن اسحاق حدثنى
محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن جابر سمعتُ رسول الله مَ ◌ّه يقول: حين أذن لأصحاب العرايا أن
يبيعوما بخرصها يقول الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة، لفظ أحمد - انتهى. قلت: وأخرج أحمد الجزء الثانى
(ج٣ ص ٣٦٠) فى رواية أخرى بلفظ: أمر من كل جاد بعشرة أوسق من تمر بقنو يعلق فى المسجد. ولفظ الحاكم
(ج ١ ص ٤١٧): رخص فى العرايا الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة، وقال: فى جاذ كل عشرة أوسق قنو
يوضع المساكين فى المسجد. وأخرج أبو داود الجزء الثانى فقط بلفظ: أمر من كل جاد عشرة أوسق من التمر
بقنو يعلق فى المسجد للمساكين. قال الخطابى فى المعالم (ج ٢ ص ٧٥): قال إبراهيم الحربي: يريد قدراً من النخل
يجذ منه عشرة أوسق، وتقديره مجذوذ فاعل بمعنى مفعول، وأراد بالقنو العذق بما عليه من الرطب والبسر يعلق
المساكين يأكلونه، وهذا من صدقة المعروف دون الصدقة التى هى فرض واجب - انتهى. والعمدة هى رواية
هؤلاء الحفاظ التى خالية عن زيادة قوله فى كل عشرة أقناء قنو لارواية الطحاوى المشتمل على تلك الزيادة، وذلك
٧٤

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
لوجهين: الأول : أنه رواه ابن اسحاق عندهم بصيغة التحديث ، ووقع فى طريق الطحاوى روايته بعن . والثانى:
أنه وقع عند بعض هؤلاء الحفاظ مكان الزيادة المذكورة قوله أمر فى كل جاذ عشرة أوسق بقنو يعلق فى المسجد
وهذا كما ترى مخالف لزيادة قوله فى كل عشرة أقناء قنو الواقعة فى طريق الطحاوى، وهذا كله يورث التردد فى
قبول تلك الزيادة، كما قال صاحب فتح الملهم. بل يوجب ردها والله تعالى أعلم. ولو تنزلنا فرواية الطحاوى أيضاً
محمولة على البر والإحسان والتطوع دون بيان الصدقة المفروضة أى العشر والزكاة ، وعلى هذا حمل الحديث
الشراح قاطبة من أصحاب الغريب وغيرهم ، ونسبة الغلط والخطأ اليهم فى فهم معنى الحديث جرأة شنيعة بل كبر
ومكابرة ، ويؤيد كون الحديث من قبيل المعروف وصدقة التطوع ما روى الحاكم (ج ١ ص ٤١٧) والطبرانى
فى الأوسط عن ابن عمر، أن النبى يُؤثّم أمر من كل حائط بقناء المسجد، قال الحاكم: صحيح. وقال الهيثمى: رجاله
رجال الصحيح. واحتج بعضهم لمذهب الحنفية بأنه لا يعتبر للخارج من الأرض حول فلا يعتبر له نصاب
فانه لما سقط له الوقت ينبغى أن يسقط له المقدار، وأجاب عنه ابن قدامة بأنه إنما لم يعتبر الحول له لأنه
يكمل تمامه باستحصاده لا ببقاءه واعتبر الحول فى غيره لأنه مظنة لكمال النماء فى سائر الأموال والنصاب، اعتبر
ليبلغ حداً يحتمل المواساة منه فلهذا اعتبر فيه يحققه أن الصدقة إنما تجب على الأغنياء بما قد ذكرنا فيما تقدم،
ولا يحصل الغنى بدون النصاب كسائر الأموال الزكاتية - انتهى. قال فى حجة الله: انما قدر من الحب والتمرخمة
أو سق لأنها تکفی أقل أهل البيت إلى سنة وذلك لأن أقل أهل البيت الزوج والزوجة و ثالث خادم أو ولد بينهما
وما يضاهى ذلك من البيوت، وغالب قوت الانسان رطل أو مد من الطعام فإذا أكل كل واحد من هؤلاء ذلك
المقدار كفام لسنة وبقيت بقية لنواتبهم أو ادامهم - انتهى. إعلم أن الاعتبار فى نصاب المعشرات
وصدقة الفطر وغيرها إنما هو الكيل لا الوزن ، فلا يخرج العشر وزكاة الفطر وغيرها إلا بالصاع والمد إلا إذا
لم يتيسر ذلك حينئذ يرجع إلى الوزن، والمراد بالصاع الصاع النبوى وهو صاع أهل الحجاز المجرمين وغيرهما
لا الصاع الحجاجى الذى هو صاع أهل العراق وارجع لتحقيق ذلك إلى المحلى (ج ٥ص ٢٤٦،٢٤٠) لابن حزم
و کتاب الأموال (ص ٥١٤، ٥٢٠) لآبی عیید والمجموع (ج ١ ص ١٢٢) و(چ ٥ ص ٤٥٨) و(ج ٦
ص ١٢٨، ١٢٩) النوى فانهم قد بسطوا الكلام فى تحقيق الصاع والمد وبيان مقدارهما من الوزن، وذكر
مذاهب العلماء فى ذلك ، قال ابن قدامة: النصاب معتبر بالكيل فان الأوساق مكيلة وإنما نقلت إلى الوزن
لتضبط وتحفظ وتنقل، والمكيلات تختلف فى الوزن فمنها الثقيل كالحنطة والعدس ومنها الخفيف كالشعير والذرة
ومنها المتوسط ، وقد نص أحمد على أن الصاع خمسة أرطال وثلث من الحنطة، وروى جماعة عنه أنه قال الصاع
-وزنته فوجدته خمسة أرطال وثلثى وطل حنطة، وقال حنبل: قال أحمد: أخذت الصاع من أبي النضر وقال أبو النضر
٧٥

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
أخذته من ابن أبي ذئب ، وقال: هذا صاع النبى صلى الله عليه وسلم الذى يعرف بالمدينة ، قال أبو عبد الله: فأخذنا
العدس فعيرنا به وهو أصح ما يكال به لأنه لا يتجافى عن مواضعه فكلنا به ووزناه فاذا هو خمسة أرطال وثلث
وهذا أصح ما وقفنا عليه وما بين لنا من صاع النبى رَّمه، وقال بعض أهل العلم : أجمع أهل الحرمين على أن
مد النبى يؤثّ رطل وثلاث قمحا من أوسط القمح فتى بلغ القمح ألفاً وستمائة رطل ففيه الزكاة وهذا يدل على أنهم
قدروا الصاع بالثقيل ، فأما الخفيف فتجب الزكاة فيه إذا قارب هذا وإن لم يبلغه ـ انتهى. واعلم أيضاً أنه
اختلف فى هذا النصاب هل هو تحديد أو تقريب، وبالأول جزم أحمد وهو أصح الوجهين للشافعية إلا أن كان نقصا
يسيرا جدا مما لا ينضبط فلا يضر، قاله ابن دقيق العيد: وصحح النووى فى شرح مسلم أنه تقريب، كذا فى الفتح.
وقال ابن قدامة، قال القاضى: وهذا النصاب معتبر تحديدا فتى نقص شيئاً لم تجب الزكاة لقول رسول اللّه منز له.
ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة والناقص عنها لم يبلغها إلا أن يكون نقصا يسيرا يدخل فى المكاييل كالأوقية
ونحوها فلا عبرة به لأن مثل ذلك يجوز أن يدخل فى المكاييل فلا ينضبط فهو كنقص الحول ساعة أو ساعتين
انتهى. هذا ولم يتعرض فى الحديث للقدر الزائد على النصاب المذكور وقد أجمع العلماء على أنه لا وقص فى
نصاب المعشرات، قال ابن قدامة : لا وقص فى نصاب الحبوب والثمار بل مهما زاد على النصاب أخرج منه بالحساب
فيخرج عشر جميع ما عنده فانه لا ضرر فى تبعيضه بخلاف الماشية فان فيها ضررا تم ههنا مسائل ، ينبغى
ذكرها تكميلا للفائدة. الأولى: الخمسة الأوسق تعتبر بعد التصفية فى الحبوب والجفاف فى الثمار، فلو كان له عشرة
أوسق عنباً لا يجىء منه خمسة أوسق زييباً لم يجب عليه شىء، لأنه حال وجوب الاخراج منه فاعتبر النصاب بحاله.
الثانيه: إذا وجب عليه عشر مرة لم يجب عليه عشر آخر وإن حال عنده أحوالا لأن هذه الأموال غير مرصدة
للماء فى المستقبل بل هى إلى النقص أقرب، والزكاة إنما تجب فى الأشياء النامية ليخرج من الماء فيكون أسهل. الثالثة
وقت وجوب الزكاة فى الحب إذا اشتد وفى الثمرة إذ ابد إصلاحها قال ابن العربى فى تفسيره: إختلف العلماء فى
وجوب الزكاة فى هذه الأموال النباتية على ثلاثة أقوال. الأول: أنها تجب وقت الجذاذ. الثانى: أنها تجب يوم
الطيب لأن ما قبل الطيب يكون علفاً لا قوتاً وطعاماً، فإذا طابت وكان الأكل الذى أنعم الله به وجب الحق الذى
أمر الله به. الثالث: أن يكون بعد تمام الخرص لأنه حينذ يتحقق الواجب فيه من الزكاة فيكون شرطاً لوجوبها،
ولكل قول وجه كما ترون لكن الصحيح وجوب الزكاة بالطيب لما بينا من الدليل، وإنما خرص عليهم ليعلم قدر
الواجب فى ثمارهم - انتهى . الرابعة: يجب العشر أو نصفه إذا بلغ الخارج النصاب سواء زرعه فى أرض له أو فى
أرض لغيره أرض خراج كانت أو أرض عشر، سقى بماء العشر أويماء الخراج، وهذا قول جمهور الناس وبه قال مالك
٧٦

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
والشافعى وأحمد وداود الظاهرى، فيجتمع عندهم العشر والخراج فى أرض واحدة. وقال أبو حنيفة: لا عشر
فيما أصيب فى أرض خراج فاشترط الوجوب العشر أن تكون الأرض عشرية فلا يجتمع عنده العشر والخراج فى
أرض واحدة واستدل الجمهور بقوله تعالى: ﴿وما أخرجنا لكم من الأرض - البقرة: ٢٦٧) وقول النبي
صلى الله عليه وسلم (( فيما سقت السماء العشر)) وغيره من عمومات الأخبار. قال ابن الجوزى فى التحقيق بعد ذكر
هذا الخبر هذا عام فى الأرض الخراجيه وغيرها، وقال ابن المبارك: يقول الله تعالى: (ومما أخرجنا لكم من
الأرض) ثم يقول نترك القرآن لقول أبى حنيفة. واستدل الشيخ تقي الدين فى الامام للجمهور بما روى يحي بن
آدم فى الخراج (ص ١٦٥) والبيهقى من طريقه (ج ٤ ص ١٣١) عن سفيان بن سعيد ، عن عمرو بن ميمون بن
مهران. قال: سألت عمر بن عبد العزيز، عن مسلم يكون فى يده أرض خراج فيسأل الزكاة فيقول إن علىّ الخراج
قال فقال: الخراج على الأرض وفى الحب الزكاة ، قال ثم سألته مرة أخرى فقال مثل ذلك ، قال شيخنا فى شرح
الترمذى إسناده صحيح. قلت ورواه أبو عيد فى الأموال (ص ٨٨) عن قبيصة عن سفيان قال الحافظ فى الدراية
(ص ٢٦٨) وصح عن عمر بن عبدالعزيز أنه قال لمن قال إنما على الخراج الخراج على الأرض والعشر على الحب،
أخرجه البيهقى من طريق يحمي بن آدم فى الخراج له، وأخرج أيضاً عن يحيى ثنا ابن المبارك عن يونس (وفى
الخراج ليحى ( ص ١٦٦) عن معمر مكان عن يونس ) قال: سألت الزهرى عن زكاة الأرض التى عليها الجزية
فقال لم يزل المسلمون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده يعاملون على الأرض ويستكرونها ويؤدون
الزكاة مما خرج منها فترى هذه الأرض على نحو ذلك - إنتهى. وهذا فيه إرسال عن التي زلتلم ، وروى يحيى بن
آدم فى الخراج (ص ١٦٥) وأبو عبيد فى الأموال (ص ٨٨) عن ابراهيم بن أبي عبلة قال كتب عمر بن عبد العزيز
إلى عبد الله بن أبى عوف عامله على فلسطين فيمن كانت فى يده أرض يحرثها من المسلمين أن يقبض منها جزيتها ،
ثم يأخذ منها زكاة ما بقى بعد الجزية قال ابن أبي عبلة أنا ابتليت بذلك ومنى أخذوا الجزية يعنى خراج الأرض.
واستدل الحنفية بما رواه ابن عدى فى الكامل والبيهقى من طريقه (ج ٤ ص ١٣٢) عن يحيى بن عنبسة
ثنا أبو حذيفة عن حماد عن ابراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لا يجتمع عشر وخراج فى أرض مسلم وبأن أحداً من أئمة العدل وولاة الجور لم يأخذ من أرض السواد عشر الى
يومنا هذا فالقول بوجوب العشر فيها يخالف الاجماع فيكون باطلا. قال صاحب الهداية: لم يجمع أحد من ائمة
العدل والجور بينهما يعنى بين الخراج والعشر وكفى باجماعهم حجة وأجيب عن الحديث بأنه باطل لا أصل
له ، قال البيهقى: هذا حديث باطل وصله ورفعه. ويحيى بن عنبسة متهم بالوضع، وقال ابن عدى: يحمي بن عنبسة
٧٧

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
منكر الحديث، وإنما يروى هذا من قول ابراهيم، وقد رواه أبو حنيفة عن حماد عن ابراهيم قوله نجاء يحيى بن
عنبسة فأبطل فيه ووصله إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويحيى بن عنبسة مكشوف الأمر فى ضعفه لروايته عن الثقات
الموضوعات - انتهى. وقال ابن حبان: ليس هذا من كلام رسول اللّه مَثّة، ويحمي بن عنبسة دجال يضع الحديث
لاتحل الرواية عنه، وقال الدارقطنى: يحي هذا دجال يضع الحديث وهو كذب على أبى حنيفة ومن بعده إلى
رسول اللّه ◌َ فه، وذكره ابن الجوزى فى الموضوعات، كذا فى نصب الراية (ج ٣ ص ٤٤٣) وأجيب عن
دعوى الاجماع بأنها باطلة جدا، قال الحافظ فى الدراية: (ص ٢٦٨) راداً على صاحب الهداية ولا إجماع مع
خلاف عمر بن عبد العزيز والزهرى، بل لم يثبت عن غيرهما التصريح بخلافهما - انتهى. وقال أبو عيد فى
الأموال (ص٩٠) لا ذعلم أحداً من الصحابة، قال: لا يجتمع عليه العشر والخراج ولا نعلمه من التابعين إلا شىء
يروى عن عكرمة، رواه عنه رجل من أهل خراسان يكنى أبا المنيب سمعه يقول ذلك - انتهى. واجتج.
أيضاً بما روى أن عتبة بن فرقد قال لعمر رضى الله عنه حين اشترى أرض خراج ضع عن أرضى الصدقه فقال أد
عنها ما كانت تؤدى أو أرددها إلى أهلها وإن رجلا قال لعمر رضى الله عنه: أسلمت فضع عن أرضى الخراج
فقال: إن أرضك أخذت عنوة، وقول عمر: فى المرأة التى أسلمت من أهل نهر الملك ( كورة واسعة ببغداد بعد
نهر عيسى) فقال إن أدت ما على أرضها وإلا خلوا بين المسلمين وبين أرضهم، وقول على رضى الله عنه فيمن
أسلم من أهل السواد إن أقت بأرضك تؤدى ما كانت تؤدى وإلا قبضناها منك وإن الرُّفَيْل أسلم فأعطاء عمر أرضه
بخراجها . خرج هذه الآثار يحي بن آدم والبيهقى فى المعرفة وغيرهما، قال يحيى: ( ص ١٦٨) وليس فى شىء من
هذه الأحاديث إلا الخراج وحده ثم أجاب عنها قال: وذلك عندنا لأنهم طلبوا طرح الخراج حتى يصير عليها
العشر وحده فلم يفعل عمر رضى الله عنه لم يطرح الخراج ولم يذكر العشر بطرح ولا غيره لأن العشر زكاة على كل
مسلم، أى فهو واجب عليه فى كل حال لا يحتاج إلى تصريحه وقال أبو عيد: (ص ٨٧) ليس فى ترك ذكر عمر
وعلى رضى الله عنهما العشر دليل على سقوطه عنهم، لأن العشر حق واجب على المسلمين فى أراضيهم لأهل
الصدقة لا يحتاج إلى اشتراطها عليهم عند دخولهم فى الأرضين، قال: وذلك أن حكم الله وسنة رسوله مز للم على
كل مسلم فى أرضه أن ذكر ذلك أو ترك. وإنما أرض الخراج كالأرض يكتريها الرجل المسلم من ربها الذى
يملكها بيضاء فيزدرعها أفلست ترى أن عليه كراءها لربها وعليه عشر ما تخرج إذا بلغ ما يجب فيه الزكاة . وما
يفرق بين العشر والخراج ويوضح لك أنهما حقان إثنان أن موضع الخراج الذى يوضع فيه سوى موضع العشر
إنما ذلك فى أعطية المقاتله وأرزاق الذربة وهذا صدقة يعطاها الأصناف الثمانية فليس واحد من الحقين قاضياً عن
٧٨
١

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
الآخر - انتهى. وقد ظهر بما ذكرنا أنه لم يقم دليل صحيح أو سقيم على أن الخراج والعشر لا يجتمعان على
مسلم، بل الآية المذكورة وحديث ((فيما سقت السماء العشر)) وما فى معناه يدلان بعمومهما على الجمع بينهما، وأثر
عمر بن عبدالعزيز الخليفة الراشد العدل، وأثر الزهرى يدلان على أن العمل كان ذلك فى عهد رسول الله زله وبعده،
فالحق والصواب فى ذلك هو ما ذهب إليه الجمهور. تنبيه إختلف أصحاب الفتوى من الحنفية فى أراضى المسلمين فى
بلاد الهند فى زمن الانكليز وتخبطوا فى ذلك فقال بعضهم لا عشر فيها لأنها أراضى دار الحرب، وقال بعضهم
إن أراضى الهند ليست بعشرية ولا خراجية بل أراضى الحوز أى أراضى بيت المال وأرض المملكة. (ارجع
لتعريفها إلى رد المختار (ج ٣ ص ٣٥٣ - ٣٥٤) وقال بعضهم: إن الرجل الذى لا يعلم إن أرضه انتقلت اليه من
أيدى الكفار والأرض الآن فى ملكه فعليه فيها العشر وجعل بعضهم أراضيها على عدة أنواع، وقال الأحوط
أداء العشر من جميع هذه الأنواع. والحق عندنا وجوب العشر فى أراضى الهند مطلقاً أى على أى صفة كانت،
فيجب والعشر أو نصفه على المسلم فيما يحصل له من الأرض، اذا بلغ النصاب سواء كانت الأرض ملكا له أو لغيره
زرع فيها على سبيل الاجارة أو العارية أو المزارعة. لأن العشر فى الحب والزرع والعبرة لمن يملكه، فيجب الزكاة
فيه على مالكه المسلم وليس من مؤنة الأرض فلا يبحث عن صفتها والضريبة التى تأخذها المملكة من أصحاب المزارع
فى الهند ليست خراجا شرعياً ولا مما يسقط فريضة العشر كما لا يخفى وارجع إلى المغنى (ج ٢ ص ٧٢٨) فائدة
فى حد أرض العشر من أرض الخراج. قال أبو عبيد فى كتاب الأموال (ص ٥١٢) لا تكون الأرض عشرية
إلا من أربعة أنواع. أحدها كل أرض أسلم عليها أهلها فهم مالكون لرقابها كالمدينة والطائف واليمن . والنوع
الثانى: كل أرض أخذت عنوة ثم أن الامام لم ير أن يجعلها فيئاً موقوفاً ولكنه رأى أن يجعلها غنيمة خمسها وقسم
أربعة أخماسها بين الذين إمتتحوها خاصة كفعل رسول اللّه ◌ٍله بأرض خيبر، فهذه أيضاً ملك إيمانهم ليس فيها
غير العشر وكذلك الثغور كلها إذا قسمت بين الذين إفتحوها خاصة. والنوع الثالث: كل أرض عادية لا رب
لها ولا عامر أقطعها الامام رجلا من جزيرة العرب أو غيرها . والنوع الرابع: كل أرض ميتة استخرجها رجل
من المبدين فأحياها بالماء والنبات فهذه الأرضون التى جاءت فيها السنة بالعشر أو نصف العشر وكلها موجودة فى
الأحاديث - انتهى مختصراً. وقال أبو يوسف فى كتاب الخراج: (ص ٨٢) كل أرض أسلم عليها أملها وهى
من أرض العرب أو أرض العجم فهى لهم. وهى أرض عشر بمنزلة المدينة حين أسلم عليها أهلها وبمنزلة اليمن ،
وكذلك كل من لا تقبل منه الجزية ولا يقبل منه إلا الاسلام أو القتل فأرضهم أرض عشر وإن ظهر عليها الامام،
قال وأيما دار من دور الأعاجم قد ظهر عليها الأمام وتركها فى أيدى أهلها فهى أرض خراج، وإن قسمها
٧٩
٠

مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
١ - باب ما يجب فيه الزكاة
بين الذين غنموما فهى أرض عشر. ألا ترى أن عمر رضى الله عنه ظهر على أرض الأعاجم وتركها فى أيديهم فهى
أرض خراج وكل أرض من أراضى الأعاجم صالح عليها أهلها وصاروا ذمة فهى أرض خراج - انتهى. باختصار
يسير. وقال ابن قدامة: (ج ٢ ص ٧١٦) الأرض قسمان. صلح، وعنوة فأما الصلح: فكل أرض صالح أهلها
عليها لتكون لهم ويؤدون خراجا معلوماً وهذا الخراج فى حكم الجزية وأما الثانى: وهو ما فتح عنوة فهى ما أجلى
عنها بالسيف ولم يقسم بين الغاتمين فهذه تصير وقفاً للمسلمين يضرب عليا خراج معلوم يؤخذ منها فى كل عام وتقر
فى أيدى أربابها مادا. وايؤدون خراجها وسواء كانوا مسلمين أو من أهل الذمة ولا يسقط خراجها بإسلام
أربابها ولا بانتقالها الى مسلم - انتهى مختصرا. الخامسة يجب الزكاة عند أحمد فيما جمع هذه الأوصاف الكيل
والبقاء والييس من الحبوب والثمار مما ينبته الآدميون سواء كان قوتاً كالحنطة والشعير والسلت والارز والذرة
والدخن. أو من القطنيات كالفول والعدس والماش والخمص ، أو من الأبازير أى التوابل كالكمون والكراويا
أو البزور كبزر القثاء والخيار، أو حب البقول كب الفجل والسمسم وسائر الحبوب، وتجب أيضاً فيما جمع هذه
الأوصاف من الثمار كالتمر والزبيب واللوز والفستق والبندق إذا بلغ خمسة أوسق. ولا زكاة فى سائر الفواكه
كالخوخ والاجاص والكمثرى والتفاح والتين ولا فى الخضر كالقثاء والخيار والباذنجان واللفت والجزر. ونحوه
قول أبى يوسف ومحمد فانهما قالا: لا شىء فيما تخرجه الأرض إلا ما كانت له ثمرة باقية يبلغ مكيلها خمسة أوسق،
واختلفت أقوالهم فى ما لا يكال كالزعفران والقطن. واستدل ابن قدامة لما ذهب اليه أحمد ومن وافقه بأن
عموم قوله ((فيما سقت السماء العشر)). وقوله لمعاذ ((خذ الحب من الحب)) يقتضى وجوب الزكاة فى جميع ما
تناوله خرج منه مالا يكال وما ليس بحب بمفهوم قوله. ليس فى حب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق . رواه
مسلم والنسائى ، فدل هذا الحديث على انتفاء الزكاة ممالا توسيق فيه وهو مكيال ففيما هو مكيل يبقى على العموم
والدليل على انتفاء الزكاة مما سوى ذلك ما ذكر من اعتبار التوسيق وروى عن على وعائشة وطلحة وأنس
مرفوعا: ليس فى الخضراوات صدقة، روامن الدارقطنى. وذهب مالك والشافعى إلى أنه لا زكاة فى ثمر إلا
التمر والزبيب ولا فى حب إلا ما كان قوتا فى حال الاختيار لذلك إلا فى الزيتون على اختلاف. وقال أبو حنيفة:
تجب الزكاة فى كل ما يقصد بزراعته نماء الأرض إلا الحطب والقصب الفارسى والحشيش، وهو قول عمر بن
عبد العزيز وأبى بردة بن أبى موسى وحماد وابراهيم واليه ذهب داود الظاهرى إلا أنه قال إن كل ما يدخل فيه
الكيل يراعى فيه النصاب وما لا يدخل فيه الكيل ففى قليله وكثيره الزكاة ، قال الحافظ: وهذا نوع من الجمع
بين الحديثين. واستدل لقول أبى حنيفة بقوله تعالى: ﴿وما أخرجنا لكم من الأرض - البقرة: ٢٦٧) وبقوله
صلى الله عليه وسلم: ((فيما سقت السماء العشر)) وهذان عامان ولأن هذا يقصد بزراعته نماء الأرض فأشبه الحب
٨٠
١