Indexed OCR Text
Pages 1-20
نَشِ اللَّهُ العَرُ الرّيَُّ
(٦) كتاب الزكاة
(كتاب الزكاة) قال الحافظ: هى الركن الثالث من الأركان التى بنى الاسلام عليها ، كما تقدم فى كتاب
الايمان ، وهو أمر مقطوع به فى الشرع، يستغنى عن تكلف الاحتجاج له، وإنما وقع الاختلاف فى بعض
فروعها . وأما أصل فرضية الزكاة فمن جحدها كفر - انتهى. وهى فى اللغة: الماء أى الزيادة والتطهير. والزكاة
موجبة لنماء المال وطيبه وطهارته، ونماء أجر صاحبه وطهارته من الذنوب. وتطلق على المال المؤدى، وعلى أدائه
على الوجه المخصوص المعتبر فى الشرع. والأصل فى شرعية الزكاة والصدقة: مرعاة الفقراء ومواساتهم. قال ابن
دقيق العيد: الزكاة فى اللغة لمعنين: أحدهما الماء، والثانى الطهارة، فمن الأول قولهم: زكى الزرع، ومن الثانى
قوله تعالى: ﴿وتزكيهم بها- التوبة: ١٠٣ ) وسمى هذا الحق زكاة بالاعتبارين: أما الأول فبمعنى أن يكون
إخراجها سبباً للنماء فى المال كما صح ما نقص مال من صدقة وجه الدليل منه أن النقصان محسوس باخراج القدر
الواجب، فلا يكون غير ناقص إلا بزيادة تبلغه إلى ما كان عليه على المعنيين جميعاً أعنى المعنوى والحسى فى الزيادة
أو بمعنى أن متعلقها الأموال ذات النماء ( كالتجارة والزراعة) أو بمعنى تضعيف أجورها، كما جاء أن الله يربى
الصدقة حتى تكون كالجبل وأما بالمعنى الثانى فلا نها طهرة للنفس من رذيلة البخل، أو لأنها تظهر من الذنوب ،
وهذا الحق أثبته الشارع لمصلحة الدافع والآخذ معا. أما فى حق الدافع فتطهيره وتضعيف أجوره. وأما فى حق
الآخذ فلسد خلته - أنتهى. وقال الشامى: ولها معان آخر: البركة. يقال: زكت البقعة إذا يورك فيها، والمدح
يقال: زكى نفسه إذا مدحها، والثناء الجميل يقال: زكى الشاهد إذا أثنى عليه، وكلها توجد فى المعنى الشرعى، لأنها
قطهر مؤديها من الذنوب ومن صفة البخل، والمال بانفاق بعضه، ولذا كان المدفوع مستقذراً لحرم على آل البيت
خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وتنميه بالخلف، وما أنفقتم من شىء فهو يخلفه ويربى الصدقات،
وبها تحصل البركة ، لا ينقص مال من صدقة ، ويمدح بها الدافع ويثنى عليه بالجميل والذين هم الزكاة فاعلون ، قد
أملح من تزكى وهى شرعا على مذهب الحنفية. تمليك جزء مال عينه الشارع من مسلم فقير غير هاشى ولا مولاه
مع قطع المنفعة عن المملك من كل وجه له تعالى، كذا فى الدر المختار. وقال ابن العربى: تطلق الزكاة على
الصدقة (الواجبة والمندوبة) وعلى الحق والنفقة والعفو عند اللغويين، وهى شرعا إيتاء جزء من النصاب الحولى
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
إلى فقير ونحوه غير هاشمى، ثم لها ركن وسبب وشرط، وحكم حكمة ، فركنها جعلها الله تعالى بالاخلاص وسببها
المال. وشرطها نوعان: شرط السبب، وشرط من تجب عليه، فالأول ملك النصاب الحولى، والثانى العقل
والبلوغ والحرية. وحكمها سقوط الواجب فى الدنيا، وحصول الثواب فى الآخرة. وحكمتها كثيرة : منها التطهر
من أدناس الذنوب والبخل ، ومنها ارتفاع الدرجة والقربة، ومنها الإحسان إلى المحتاجين، ومنها استرقاق
الأحرار، فإن الانسان عبيد الاحسان - انتهى. قال الحافظ: هو جيد، لكن فى شرط من تجب عليه اختلاف ـ انتهى.
وإن شئت الوقوف على مصالح فرضية الزكاة والحكم المرعية فى وجوبها فى الأصناف الأربعة دون غيرها من
المال ، واختلاف مقاديرها وتعيين النصاب فى أنواع المال، فعليك أن ترجع إلى كتب أسرار الشريعة مثل حجة
الله البالغة (ج ٢ ص ٢٩، ٣٠) للشاه ولى الله الدهلوى، والهدى (ج ١ ص ١٥١، ١٥٢) والاعلام (ج ١
ص ١٨٢ - ١٨٣) للإمام ابن القيم. وأسرار الشريعة الاسلامية للشيخ إبراهيم أفندى. واعلم أنه اختلف فى
أول وقت فرض الزكاة ، فذهب الأكثر إلى أنه وقع بعد الهجرة، وقال ابن خزيمة فى صحيحه: إن فرضها كان قبل
الهجرة. واحتج بما أخرجه من حديث أم سلمة فى قصة هجرتهم إلى الحبشة، وفيهما أن جعفر بن أبى طالب قال
للنجاشى فى جملة ما أخبر به عن النبي صلى الله عليه وسلم: ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. قال الحافظ: فى
استدلاله بذلك نظر، لأن الصلوات الخمس لم تكن فرضت بعد ولا صيام رمضان ، فيحتمل أن تكون مراجعة
جعفر لم تكن فى أول ما قدم على النجاشى، وإنما أخبره بذلك بعد مدة قد وقع فيها ما ذكر من قصة الصلاة والصيام
وبلغ ذلك جعفراً، فقال: يأمرنا بمعنى يأمر به أمته، وهو بعيد جداً. وأولى ما حمل عليه حديث أم سلمة هذا إن
سلم من قدح فى إسناده: أن المراد بقوله يأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام أى فى الجملة ولا يلزم من ذلك أن يكون
المراد بالصلاة الصلوات الخمس، ولا بالصيام صيام رمضان، ولا بالزكاة هذه الزكاة المخصوصة ذات النصاب
والحول - انتهى. واختلف الأولون فقيل: كان فرضها فى السنة الثانية قبل فرض رمضان ، أشار اليه النووى
فى الروضة ، وجزم ابن الأثير فى التأريخ بأن ذلك كان فى التاسعة. قال الحافظ: وفيه نظر، لأنها ذكرت فى
حديث ضمام بن ثعلبة، وفى حديث وفد عبد القيس ، وفى عدة أحاديث ، وكذا فى مخاطبة أبى سفيان مع هرقل ،
وكانت فى أول السابعة. وقال فيها يأمرنا بالزكاة، ووقع فى تاريخ الاسلام فى السنة الأولى فرضت الزكاة .
قلت: قال الحافظ ابن كثير فى تفسير المزمل تحت قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة -المزمل: ٢٠)
وهذا يدل لمن قال بأن فرض الزكاة نزل بمكة لكن مقادير النصب والمخرج لم تبين إلا بالمدينة - والله اعلم.
وقال القارى: المعتمد أن الزكاة فرضت بمكة إجمالا، وبينت بالمدينة تفصيلا، جمعا بين الآيات التى تدل على
٢
٠
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
الفصل الأول ):
١٧٨٧ - (١) عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن،
فرضيتها بمكة وغيرها من الآيات والأدلة - - انتهى. قلت: وهذا هو الراجح، بل هو المتعين عندى، والله تعالى
أعلم: قال الشيخ محمد الخضرى فى تاريخ الأمم الاسلامية: مما فرض بمكة الزكاة ، فاذا قلما نجد من الأوامر المكية
ذكر الصلاة إلا وبجانبه إيتاء الزكاة وطلبت زكاة ما يخرج من الأرض فى سورة الانعام (وآتوا حقه يوم
حصاده - الانعام: ١٤١ ) إلا أن هذه الحقوق الواجبة لم تفصل بمكة ، فقد كان ذلك موكولا لما فى النفوس من
الجود وبحسب حاجة الناس. وقال صاحب تفسير المنار فرضت الزكاة المطلقة بمكة فى أول الاسلام، وترك أمر
مقدارها ودفعها إلى الشعور المؤمنين وأربحيتهم ثم فرض مقدارها من كل من أنواع الأموال فى السنة الثانية
من الهجرة على المشهور. وقيل: فى الأولى، ذكره الذهبي فى تأريخ الاسلام، وكانت تصرف للفقراء، كما قال تعالى
فى سورة البقرة: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هى وإن تخفوها وتوتوها الفقراء فهو خيرلكم - ٢٧١ ) وقد نزلت
فى السنة الثانية، وكما قال النبى صلى الله عليه وسلم لمعاذ: توخذ من أغنياءهم فترد على فقراءثم. ثم نزلت هذه
المصارف السبع أو الثمان فى سنة تسع ، فتوهم بعض العلماء أن فرض الزكاة كانت فى هذه السنة، قال: والحكمة فيما
ذكر: أن تعيين المقادير، وقيام أولى الأمر بتحصيلها وتوزيعها على من فرضت لهم، وتعدد أصنافهم : كل ذلك
إنما وجد بوجود حكومة إسلامية تناطيها مصالح الأمة فى دينها ودنياها فى دار تسمى دار الاسلام، لأن أحكامها
تنفيذ فيها بسلطانه ، وكانت أول دار الاسلام دار الهجرة، إذ كانت مكة دار كفر وحرب لا ينفذ فيها للاسلام
حكم، بل لم يكن لأحد من أهله فيها حرية الجهر بالصلاة إلا بحماية قريب أوجار من المشركين - انتهى.
١٧٨٧ - قوله (بعث معاذاً) بضم الميم (إلى اليمن) كان بعثه اليها سنة عشر قبل حجة الوداع، كما ذكره
البخارى فى أواخر المغازى. وقيل: كان ذلك فى أواخر سنة تسع عند انصرافه صلى الله عليه وسلم من تبوك،
رواه الواقدى باسناده إلى كعب بن مالك وأخرجه ابن سعد فى الطبقات عنه، ثم حكى ابن سعد أنه كان فى ربيع
الآخر سنة عشر. وقيل: بعثه عام الفتح سنة ثمان. واتفقوا على أنه لم يزل على اليمن إلى أن قدم فى عهد أبى بكر،
ثم توجه إلى الشام فمات بها . واختلف هل كان معاذ والياً أو قاضياً ؟ نجزم الغسانى بالأول ، وابن عبد البر بالثانى.
قال فى الاستيعاب: بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضياً إلى الجند باليمن يعلم الناس القرآن وشعائر الاسلام
ويقضى بينهم ، وجعل اليه قبض الصدقات من العمال الذين باليمن ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قسم
اليمن على خمسة رجال ، خالد بن سعيد على صنعاء، والمهاجر بن أبي أمية على كندة ، وزياد بن لبيد على حضرموت
١
٣
مرعا المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
فقال: إنك تأتى قوما أهل كتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
فان هم أطاعوا لذلك،
ومعاذ بن جبل على الجند، وأبى موسى الأشعرى على زبيد وزمعة وعدن والساحل - انتهى. قال الحافظ: ولمعاذ
بالجند مسجد مشهور إلى اليوم (إنك تأتى قوما أهل كتاب) بنصب ((أهل)) بدلا من ((قوما)) لا صفة، وروى
أحمد (ج ٥ ص ٢٣٥) عن معاذ قال: لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، خرج معه رسول الله
عَّ يوصيه ومعاذ راكب الخ فقوله إنك تأتى قوما أهل كتاب كالتوطئة والتمهيد للوصية لتستجمع وتقوى همته
فى الدعاء لهم لكون أهل الكتاب أهل علم فى الجملة ، فلا تكون العناية فى مخاطبتهم كمخاطبة الجهال من عبدة
الأوثان ، وليس فيه أن جميع من يقدم عليهم من أهل الكتاب ، بل يجوز أن يكون فيهم من غيرهم ، وإنما خصهم
بالذكر تفضيلا لهم أو تغلياً على غيرهم (فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول اللّه) وقعت البداءة
فى المطالبة بالشهادتين، لأنهما أصل الدين الذى لا يصح شىء من فروعه إلا بهما، فمن كان منهم غير موحد على
التحقيق ، فالمطالبة متوجهة اليه بكل واحدة من الشهادة على التعيين، ومن كان موحداً فالمطالبة له بالجمع بين ما أقر
به من التوحيد وبين الإقرار بالرسالة وإن كانوا يعتقدون ما يقتضى الإشراك أو يستلزمه كمن يقول بنبوة عزير
أو يعتقد التشبيه، فتكون مطالبتهم بالتوحيد لنفى ما يلزم من عقائدهم، واستدل بذلك على أنه لا يكفى فى الاسلام
الاقتصار على شهادة أن لا إله إلا الله حتى يضيف الشهادة لمحمد بالرسالة وهو قول الجمهور (فان هم أطاعوا) أى
انقادوا (لذلك) أى للاتيان بالشهادتين. ولابن خزيمة: فان هم أجابوا لذلك . واستدل به على أن الكفار غير
مخاطبين بالفروع. حيث أمر بالدعاء أولا إلى الايمان فقط ، وجعل الدعاء إلى الفروع بعد إجابتهم إلى الإيمان.
وتعقب بأن الترتيب فى الدعاء لا يلزم منه الترتيب فى الوجوب. ألا ترى أن الصلاة والزكاة لا ترتيب بينهما فى
الوجوب وقد قدمت الصلاة على الزكاة فى هذا الحديث ، وأخر الاخبار بوجوب الزكاة عن الطاعة بالصلاة مع
أنهما مستويتان فى الخطاب للوجوب. وقال السندى: قوله: فادعهم إلى شهادة الخ أى فادعهم بالتدريج إلى
ديننا شيئاً فشيئاً ولا تدعهم إلى كله دفعة لئلا يمنعهم من دخولهم فيه ما يجدون فيه من كثرة مخالفته لدينهم فان
مثله قد يمنع من الدخول ويورث التنفر لمن أخذ قبل على دين آخر بخلاف من لم يأخذ على آخر ، فلا دلالة فى
الحديث على أن الكافر غير مكلف بالفروع، كيف! ولوكان ذاك مطلوبا للزم أن التكليف بالزكاة بعد الصلاة ،
وهذا باطل بالاتفاق - انتهى. قال النووى: اعلم أن المختار أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة المأمور به والمنهى
عنه، هذا قول المحققين والأكثرين. وقيل: ليسوا مخاطبين. وقيل: مخاطبون بالمنهى دون المأمور. وقال العينى
٤
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات فى اليوم والليلة . فان هم أطاعوا لذلك،
قال شمس الأئمة فى كتابه فى فصل بيان موجب الأمر فى حق الكفار: لا خلاف أنهم مخاطبون بالا يمان ، ولا
خلاف أنهم مخاطبون بالمشروع من العقوبات ، ولا خلاف أن الخطاب بالمعاملات يتناولهم أيضاً، ولا خلاف
أن الخطاب بالشرائع يتناولهم فى حكم المؤاخذة فى الآخرة. فأما فى وجوب الاداء فى أحكام الدنيا ، فذهب
العراقيين من أصحابنا: أن الخطاب يتناولهم أيضاً، والاداء واجب عليهم، ومشائخ ديارنا يقولون أنهم لايخاطبون
بأداء ما يحتمل السقوط من العبادات - انتهى. وقال ابن عابدين فى رد المحتار فى بحث الجزية نقلا عن شرح المنار
لصاحب البحر إن الكفار مخاطبون بالايمان وبالعقوبات سوى حد الشرب والمعاملات. وأما العبادات فقال
السمر قنديون: إنهم غير مخاطبين أداء واعتقاداً. وقال البخاريون: إنهم غير مخاطبين بهما أداء فقط. وقال
العراقيون: إنهم مخاطبون بهما فيعاقبون عليهما ، وهو المتعمد - انتهى . قال صاحب فتح الملهم بعد ذكر هذا كله :
ويؤيد هذا الأخير قوله تعالى: {وويل المشركين الذين لا يؤتون الزكاة - حم السجدة: ٦﴾ و﴿قالوا لم نك من المصلين-
المدثر : ٤٣) الآيتين، فتحصل من هذا كله أن الكفار يعاقبون على ترك اعتقاد الصلاة مثلا وترك أداءها كليهما
عندمن قال بتعلق الخطاب بهم فى الدنيا اعتقاداً وأداء، وإن لم يجب عليهم قضاء الصلوات بعد الاسلام عند أحد ،
ويعاقبون على ترك الاعتقاد فقط عند من قال بتعلق الخطاب اعتقااً لا أداء، ولا يعاقبون على ترك واحد منهما عند
الشرذمة القائلة بعدم تعلق الخطاب بهم أصلا إلا بسبب ترك الايمان بالتوحيد والرسالة، فالنزاع تحققه بحسب تعلق
الخطاب فى الدنيا وتبيّنه وظهوراً ثاره فى الآخرة - انتهى. (فأعلمهم) بفتح الهمزة من الاعلام بمعنى الاخبار
(أن اللّه) بفتح الهمزة لأنها فى محل نصب، مفعول ثان للاعلام، والضمير مفعول أول (خمس صلوات) قال
السندى، هذا يدل على عدم وجوب الوتر ، كما عليه الجمهور والصاحبان من علمائنا الحنفية . قلت: وهذا ظاهر،
لأن بعث معاذ إلى اليمن كان قبل وفاته صلى الله عليه وسلم بقليل. والقول بأنه يحتمل أنه ثبت وجوب الوتر بعد
ذلك مما لا يلتفت اليه، لأنه احتمال ناشى من غير دليل (فان هم أطاعوا لذلك) بأن أقروا بوجوب الخمس عليهم
أو فعلوها. قال ابن دقيق العيد: طاعتهم فى الصلاة يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون المراد إقرارهم بوجوبها عليهم
والتزأسهم لها، والثانى أن يكون المراد الطاعة بالفعل وأداء الصلاة. وقد يرجح الأول بأن المذكور فى لفظ الحديث
هو الاخبار بالفرضية، فتعود الاشارة اليها. ويترجح الثانى بأنهم أو أخبروا بالوجوب فبادروا إلى الامتثال
بالفعل لكفى ، ولم يشترط التلفظ بالاقرار بخلاف الشهادتين ، فالشرط عدم الانكار ، والاذعان للوجوب- انتهى.
قال الحافظ: والذى يظهر أن المراد القدر المشترك بين الأمرين، فمن امتثل بالاقرار أو بالفعل كفاه أو بهما فأولى
وقد وقع فى رواية الفضل بن العلاء بعد ذكر الصلاة فإذا صلوا، وبعد ذكر الزكاة ، فإذا أقروا بذلك خذ منهم
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنياء هم فترد على فقراء ثم
(فأعلمهم) أى فأخبرهم (أن الله قد فرض عليهم صدقة) أى زكاة فى أموالهم. قيل: الحكمة فى ترتيب الزكاة على
الصلاة: أنهم إذا أجابوا إلى الشهادتين ودخلوا بذلك فى الاسلام، ولم يطيعوا لوجوب الصلاة بل جحدوها، كان
ذلك كفرا وردة عن الاسلام بعد دخولهم فيه، فصار مالهم فيئاً، فلا يؤمرون بالزكاة، بل يقتلون . وقال
الخطابى: أخر ذكر الصدقة عن ذكر الصلاة، لأنها إنما تجب على قوم دون قوم ، وإنما لا تكرر تكرر الصلاة . قال
الحافظ: هذا حسن . وتمامه أن يقال: بدأ بالأهم فالأهم، وذلك من التلطف فى الخطاب، لأنه لو طالبهم بالجميع
فى أول مرة لم يأمن النفرة (تؤخذ من أغنياءهم) قال الحافظ: استدل به على أن الامام هو الذى يتولى قبض
الزكاة وصرفها إما بنفسه وإما بنائبه، فمن امتنع منها أخذت منه قهراً. وقال ابن دقيق العيد: قد يستدل به على
وجوب إعطاء الزكاة للامام ، لأنه وصف الزكاة بكونها مأخوذة من الأغنياء، فكل ما أقتضى خلاف هذه الصفة
فالحديث ينفيه - انتهى. وقيل ، حديث معاذ فى صدقة السوائم وفى العشر ونحوهما. وأما الذهب والورق. فان
أدى زكاتهما خفية يجزئه . قال الحافظ : قد أطبق الفقهاء بعد ذلك على أن لأرباب الأموال الباطنة مباشرة
الاخراج. وشذ من قال بوجوب الدفع إلى الامام - انتهى. قلت: يحتاج إلى الفرق بين الأموال الظاهرة والباطنة
فى ذلك إلى دليل قوى يعتمد عليه. والظاهر عندى أن ولاية أخذ الزكاة إلى الامام ظاهرة وباطنة، فان لم يكن
إمام فرقها المالك فى مصارفها . وقد حقق ذلك الشوكانى فى السيل الجرار بما لا مزيد عليه فليرجع اليه (فترد على
فقراءهم) خصم بالذكر ، وإن كان مستحق الزكاة أصنافا أخر لمقابلة الأغنياء ولاحتمال أن يكون الفقراء هم
الأغلب. واستدل به من لا يرى جواز نقل الزكاة عن بلد المال، لأن الضمير فى فقراءهم يعود على أهل اليمن
فيدل على وجوب صرف الزكاة إلى فقراء من أخذت منهم ، وعدم جواز إخراجها إلى غيرهم إلا لضرورة
كعدم فقير فيهم. قال الاسماعيلى: ظاهر الحديث أن الصدقه ترد على فقراء من أخذت من أغنياء هم - انتهى.
وقد ترجم البخارى لهذا الحديث ((باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد فى الفقراء حيث كانوا)، قال ابن المنير :
اختار البخارى جواز نقل الزكاة من بلد المال لعموم قوله: فترد فى فقراءهم، لأن الضمير يعود المسلمين، فأى فقير
منهم ردت فيه الصدقة، فى أى جهة كان ، فقد وافق عموم الحديث - انتهى. قال الحافظ: والذى يتبادر إلى الذهن
من هذا الحديث عدم النقل، وأن الضمير يعود على المخاطبين، فيختص بذلك فقراءهم. لكن رجح ابن دقيق
العيد الأول ، وقال: وإنه وإن لم يكن الأظهر إلا أنه يقويه أن أعيان الأشخاص المخاطبين فى قواعد الشرع
الكلية لا تعتبر فى الزكاة، كما لا تعتبر فى الصلاة، فلا يختص بهم الحكم وإن اختص بهم خطاب المواجهة - انتهى.
٦
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
فان هم أطاعوا لذلك، فإياك وكرانم أموالهم، وانق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين
الله حجاب .
وقد اختلف العلماء فى هذه المسئلة فأجاز النقل الليث وأبو حنيفة وأصحابهما ، ونقله ابن المنذر عن الشافعى وأختاره
والأصح عند الشافعية والمالكية والجمهور: ترك النقل، فلو خالف ونقل أجزأ عند المالكية على الأصح، ولم يجزئى
عند الشافعية على الأصح، الا إذا فقد '. "حقون لها ولا يبعد أنه اختيار البخارى، لأن قوله ((حيث كانوا)) يشعر
بأنه لا ينقلها عن بلد، وفيه ممن هو متصف بصفة الاستحقاق - انتهى كلام الحافظ . وقال شيخنا فى شرح الترمذى:
والظاهر عندى عدم النقل إلا إذا فقد المستحقون لها أو تكون فى النقل مصلحة أنفع وأهم من عدمه، والله تعالى
أعلم. قال الحافظ: وفى الحديث إيجاب الزكاة فى مال الصبى والمجنون الغنيين لعموم قوله من أغنياءهم، قاله
عياض وفيه بحث، وأن الزكاة لا تدفع إلى الكافر لعود الضمير فى فقراءهم إلى المسلمين سواء قلنا بخصوص البلد
أو العموم، وأن من ملك نصابا لا يعطى من الزكاة، وهو مذهب الحنفية من حيث أنه جعل المأخوذ منه غنيا ، وقابله
بالفقير ، ومن ملك النصاب فالزكاة مأخوذة منه ، فهو غنى، والغنى مانع من إعطاء الزكاة إلا من استثنى فى الحديث.
قال ابن دقيق العيد: وليس هذا البحث بالشديد القوة (فان هم أطاعوا لذلك) أى للانفاق (فاياك وكرائم أموالهم)
بنصب كراثم بفعل مضمر لا يجوز إظهاره للقرينة الدالة عليه . قال ابن قتيبة: ولا يجوز حذف واو (وكرائم .
انتهى وعلل بأنها حرف عطف، فيختل الكلام بالحذف. وكراثم جمع كريمة، وهى خيار المال وأفضله . قال
الجزرى فى النهاية: كرائم أموالهم أى نفائسها التى تتعلق بها نفس مالكها ويختصهالها حيث هى جامعة الكمال
الممكن فى حقها . وقال فى جامع الأصول: هى خيارها ونفائسها وما يكرم على أصحابها ويعز عليهم. والمراد اجتذيها
فلا تأخذها فى الصدقة ، وخذ الوسط لا العالى ولا النازل الردى، ففيه ترك أخذ خيار المال وهى الأكولة والربى
وخل الغم والماخض وحزرات المال. والحكمة فيه: أن الزكاة وجبت مواساة الفقراء من مال الأغنياء.
ولا يناسب ذلك الاحجاف بأرباب الأموال، فسامح الشرع بأرباب الأموال بما يَضُنُّون به، ونهى المصدقين
عن أخذه الا إن رضوا بذلك كما سيأتى (واتق دعوة المظلوم) أى تجنب الظلم لثلا يدعو عليك المظلوم . وفيه
تنبيه على المنع من جميع أنواع الظلم، وإنما ذكره عقب المنع من أخذ الكرائم للاشارة إلى أن أخذها ظلم. قال
السندى: فيه أنه وإن كان قد يغلب حب الدنيا حتى ينسى الآخرة، فلا يترك الظلم لكونه حراما مضراً فى الآخرة
فليترك لحب الدنيا خوفا من دعوة المظلوم ، وإلا فالظلم يجب تركه، لكونه حراما، وإن لم يخف دعوة صاحبه
(فانه) أى الشأن (ليس بينها وبين اللّه) أى بين وصولها إلى محل الاستجابة والقبول (حجاب) أى مافع بل هى
معروضة عليه يعنى ليس لها ما يصرفها ولو كان المظلوم فيه ما يقتضى أنه لا يستجاب لمثله من كون مطعمه حرام،
٧
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
متفق عليه.
١٧٨٨ - (٢) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من صاحب ذهب
ولا فضة لا یؤدی منها حقها،
أو نحو ذلك، حتى ورد فى بعض طرقه وإن كان كافراً، رواه أحمد من حديث أنس، قاله العينى . وقال الحافظ :
والمراد أنها مقبولة، وإن كان عاصيا، كما جاء فى حديث أبى هريرة عند أحمد مرفوعا: دعوة المظلوم مستجابة،
وإن كان فاجراً ففجوره على نفسه. وإسناده حسن. وليس المراد أن لله تعالى حجاباً يحجبه عن الناس. وقال
الطيبي: قوله ((افق دعوة المظلوم)) تذييل لاشتماله على الظلم الخاص من أخذ الكراثم وعلى غيره، وقوله ((فأنه ليس.
بينها وبين الله حجاب)) تعليل للاتقاء وتمثيل للدعاء، كمن يقصد دار السطان متظلما، فلا يحجب عنه - انتهى. قال ابن
العربى: هذا الحديث، وإن كان مطلقا فهو مقيد بالحديث الآخرإن الداعى على ثلاث مراتب، إما أن يعجل لهما
ما طلب وإما أن يدخرله أفضل منه، وإما أن يدفع عنه من السوء مثله، وهذا كما قيد مطلق قوله تعالى: ﴿أمن يجيب
المضطر إذا دعاه النمل: ٦٢) بقوله تعالى: ﴿فيكشف ما تدعون اليه إن شاء -الانعام: ٤١) تنبيه لم يقع فى هذا
الحديث ذكر الصوم والحج مع أن بعث معاذكما تقدم كان فى آخر الأمر . وأجاب الكرمانى بأن اهتمام الشارع
بالصلاة والزكاة أكثر، ولهذا كررا فى القرآن، وبأنهما إذا وجبا على المكلف لا يسقطان عنه أصلا بخلاف الصوم
فانه قد يسقط بالفدية والحج، فان الغير قد يقوم مقامه فيه كما فى المعضوب، وقال السندى: هذا الحديث ليس مسوقاً
التفاصيل الشرائع بل لكيفية الدعوة إلى الشرائع إجمالا. وأما تفاصيلها فذاك أمر مفوض إلى معرفة معاذ، فترك.
ذكر الصوم والحج لا يضر، كما لا يضر، ترك تفاصيل الصلاة والزكاة - انتهى. وأجاب البلقيني بنحوه وبسط فيه
ذكره الحافظ فى الفتح، والسيوطى فى حاشية النسائى (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الزكاة وفى المظالم والمغازى
والتوحيد، ومسلم فى الايمان وأخرجه أيضاً الترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه والبيهقى كلهم فى الزكاة ،
وأخرجه أيضاً أحمد ( ج ١ ص ٢٣٣).
١٧٨٨ - قوله (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدى منها حقها) قال التور بشتى فى شرح المصابيح:
ذكر جنسين من المال: ثم قال لا يؤدي منها حقها ، ذهابا إلى أن الضمير إلى معنى الذهب والفضة دون لفظهما
لأن كل واحد منهما جملة وافية ودنانيرودراهم . ويحتمل أن يراد بها الأموال، ويحتمل أنه أراد بها الفضة واكتفى
يذكر أحدهما كقول القائل
فانی وقیا ربها لغريب
ومن يك أمسى بالمدينة رحله
٨
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
الا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمى عليها فى نار جهنم، فيكوى بها جنبه
وجبينه وظهره، كلما ردت أعيدت له
ويمثله ورد التنزيل قال الله تعال: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله - التوبة: ٣٤)
(صفحت) بضم الصاد وتشديد الفاء المكسورة أى جعلت الفضة ونحوها ( له) أى لصاحبها (صفائح) أى كامثال
الألواح جمع صفيحة، وهى ما طبع عريضا. وقرئت مرفوعا على أنه مفعول مالم يسم فاعله لقوله: ((صفحت)»
ومنصوبا على أنه مفعول ثان ، وفى الفعل ضمير الذهب والفضة، وأنث إما بالتأويل السابق، وإما على التطبيق بينه
وبين المفعول الثانى الذى هو هو (من نار) أى يجعل الذهب والفضة صفائح من نار أى يجعل صفائح كأنها نار
أو كأنها مأخوذة من نار يعنى كأن صفائح الذهب والفضة لفرط أحمائهما وشدة حرارتها صفائح النار، فتكوى
· بها (فأحی عليها) بصيغة المجهول ، والجار والمجرور نائب الفاعل أی أو قد عليها نار ذات حمی وحر شديد من
قوله: نار حامية، فقيه مبالغة ليست فى فأحميت فى نار، قاله الطيبي: والضمير فى ((عليها)) إلى الفضة، فالفاء
تفسيرية . وقيل: الضمير إلى الصفائح النارية أى تحمى مرة ثانية (فى نار جهنم) ليشتد حرها ، فالفاء تعقيبية
(فيكوى بها) أى بتلك الفضة أو بتلك الصفائح (جنبه وجبينه وظهره) قيل: خص هذه الأعضاء بالذكر من
بين سائر الأعضاء، لأنها مجوفة فتسرع الحرارة اليها أو لأن الكى فى الوجه أبشع وأشهر، وفى الظهر والجنب
أوجع وآلم. وقيل: لأن جمعهم وامساكهم كان لطلب الوجاهة بالغنى والتنعم بالمطاعم الشهية والملابس البهية.
وقيل: لأن السائل متى تعرض للطلب من البخيل أول ما يبدو منه من آثار الكرامية والمنع أنه يُقَّطب فى
وجهه، ویتکلح وپجمع أساريره ، فیتجقّد جبينه، ثم إن کرر الطلب ناه بجانبه عنه ومال عن جهته و تر که جانبا ،
فان استمر الطلب ولاه ظهره واستقبل جهة أخرى وهى النهاية فى الرد والغاية فى المنع الدال على كراهيته العطاء
والبذل، وهذا دأب ما نعى البر والإحسان، وعادة البخلاء بالرفد والعطاء، فلذلك خص هذه الأعضاء بالكىّ،
قاله الجزرى فى جامع الأصول (ج ٥ ص ٤٦٥) (كلما ردت) أى عن بدنه إلى النار (أعيدت) أى أشد
ما كانت كما ترد الحديدة المحماة إلى الكور. ويخرج منه ساعة فساعة، قال الطيبي: أى كلما بردت ردت إلى نار
جهنم ليحمى عليها، والمراد منه الاستمرار - إنتهى. قلت: وقع فى بعض نسخ مسلم: كلما بردت أعيدت.
قال النووي: هكذا هو فى بعض النسخ، بردت بالباء وفى بعضها ردت بحذف الباء وبضم الراء، وذكر القاضى
الروايتين، وقال: الأولى هى الصواب، قال: والثانية رواية الجمهور - أنتهى. وقال ابن الملك: يعنى إذا وصل
كى هذه الأعضاء من أولها إلى آخرها أعيد الكى إلى أولها حتى وصل إلى آخرها (له) أى لمانع الزكاة
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله، إما إلى الجنة وإما الى
النار. قيل: يا رسول الله! فالابل؟ قال: ولاصاحب ابل لا يؤدى منها حتها، ومن حتها حلبها يوم
وردها ،
(فى يوم ) وهو يوم القيامة (كان مقداره خمسين ألف سنة ) أى على الكافرين، ويطول على بقية العاصين بقدر
ذنوبهم. وأما المؤمنون الكاملون فهو على بعضهم كركعتى الفجر، وأشار اليه بقوله عز وجل: ﴿يوم عسير على
الكافرين غير يسير - المدثر: ٩﴾ (حتى يقضى) على بناء المفعول أى يحكم (فيرى سبيله) بصيغة المجهول من
الرؤية أو الاراءة. وقوله ((سبيله)) مرفوع على الأول، ومنصوب على أنه مفعول ان على الثانى. وروى أيضا
«غيرى، بصيغة المعلوم من الرؤية أى هو سيله. قال النووى: ضبطناه بضم ياء يرى وفتحها وبرفع لام ((سبيله))
ونصبها (اما إلى الجنة) إن لم يكن له ذنب سواه، وكان العذاب تكفيراً له (وإما إلى النار) إن كان على خلاف
ذلك. قال القارى: وفيه رد على من يقول: إن الآية ( والذين يكنزون الذهب) الخ. مختصة بأهل الكتاب.
ويؤيده القاعدة الأصولية: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، مع أنه لا دلالة فى الحديث على خلوده
فى النار. وبهذا يعلم ضعف قول ابن حجر أيضا إما إلى الجنة إن كان مؤمنا بأن لم يستحل ترك الزكاة، وإما إلى
النار إن كان كافراً بأن استحل تركها (قيل يا رسول الله فالابل) أى هذا حكم النقود ، فالابل ما حكمها؟ أو
عرفنا حكم النقدين فما حكم الابل؟ فالفاء متصل بمحذوف (ولاصاحب إبل) بالرفع أى يوجد ويكون. وقيل:
بالجر عطفا على قوله ((من صاحب ذهب)) والحاصل أنه ليس جوابا للسؤال لفظا لوجود الواو بل جواب له
معنى ( لا يؤدى) صفة أى لا يعطى صاحب الابل (منها حقها) أى الواجب عليه فيها (ومن حقها) أى المندوب
و((من)، تبعيضية (حابها) قال النووى: بفتح اللام على اللغة المشهورة وحكى إسكانها ، وهو غريب ضعيف،
وان كان هو القياس (يوم وردها) بكسر الواو. وقيل: الورد الاتيان إلى الماء، وقوبة الاتيان إلى الماء،
فان الابل تأتی الماء فی کل ثلاثة أو أربعة ، وربما تأتى فى ثمانية. قال الجزری فی جامع الأصول ( یوم وردها »
أى يوم ترد الماء فيسقى من لبنها من حضره من المحتاجين اليه، وهذا على سبيل الندب والفضل لا الوجوب - انتهى.
وأنما خص حالة وردها، لأنه حالة كثرة لبنها، ولأن الفقراء يحضرون هناك طلبا لذلك. وقال الطيبي: معناه
أن يسقى ألبانها المارة ومن ينتاب المياه من أبناء السبيل. وقيل: أمر أن يحلبها صاحبها عند الماء ليصيب
ذوو الحاجة منه، وهذا مثل نهيه عليه الصلاة والسلام عن الجذاذ بالليل، أراد أن يصرم بالنهار ليحضرها
الفقراء - انتهى. قال ابن بطال: يريد حق الكرم والمواساة وشريف الأخلاق لا أن ذلك فرض، قال: وكانت
١٠
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
عادة العرب التصدق باللبن على الماء، فكان الضعفاء يرصدون ذلك منهم ، قال: والحق حقان فرض عين وغيره ،
فالحلب من الحقوق التى هى من مكارم الأخلاق . وقال الاسماعيل القاضى: الحق المفترض هو الموصوف
المحدود، وقد تحدث أمور لا تحد ، فتجب فيها المواساة للضرورة التى تنزل من ضعيف مضطر أو جائع أو عار
أو ميت ليس له من يواريه فيجب حينئذ على من يمكنه المواساة التى تزول بها هذه الضرورات ، قال ابن التين :
وقيل: كان هذا قبل فرض الزكاة - انتهى. قال القارى: واعلم أن ذكره وقع استطراداً وبيانا لما ينبغى أن
يعتنى به من له مروأة لا الكون التعذيب، يترتب عليه أيضا لما هو مقرر من أن العذاب لا يكون إلا على ترك
واجب أو فعل محرم ، اللهم إلا أن يحمل على وقت القحط أو حالة الاضطرار أو على وجوب ضيافة المال، وهذا
معنى ما قيل: إن حقها الأول أعم من الثانى. وقيل: أن التعذيب عليهما معا تغليظ - انتهى. كلام القارى.
قلت : الحديث بظاهره دليل لمن يرى فى المال حقوقا واجبة غير الزكاة خلافا للجمهور. وأجابوا عن ذلك بوجوه
كما رأيت فى كلام ابن بطال وابن التين والجزرى والقارى. وقال الحافظ العراقى الظاهر أن قوله: ((ومن حقها
حلبها يوم وردها، مدرج من قول أبى هريرة، قال: وكأن أبا داود أشار إلى ذلك فى سننه من غير تصريح ، فانه
لما ذكر هذه الزيادة روى بعدها من حديث أبى عمر الغدانى عن أبى هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم نحو هذه القصة، فقال له يعنى لأبى هريرة : فما حق الابل؟ قال: قعطى الكريمة وتمنح الغزيرة، وتفقر
الظهر وقطرق الفحل وتسقى اللبن. قال العراقى ففى هذه الرواية أن هذا من قول أبى هريرة ، فإن قلت : فتى صحيح
مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر: ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها - الحديث . وفيه
قلنا يا رسول الله! وما حقها؟ قال: إِطراق فحلها، وإعارة دلوها ومنحتها، وحلبها على الماء وحمل عليها فى
سبيل الله، وذكر الحديث. وهذا صريح فى رفع هذا الكلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم صراحة لا يحتمل معها
الإدراج. قلت: قال العراقى: الظاهر أن هذه الزيادة ليست متصلة، وقد بين ذلك أبو الزبير فى بعض طرق
مسلم، فذكر الحديث دون الزيادة. ثم قال أبو الزبير: سمعت عبيد بن عمير يقول هذا القول، ثم سألنا جابر بن
عبد الله، فقال مثل قول عبيد بن عمير: قال أبو الزبير، وسمعت عبيد بن عمير يقول قال رجل: يا رسول الله
ما حق الابل؟ قال: حلبها على الماء وإعارة دلوها، وإعارة فحلها ومنحتها وحمل عليها فى سبيل الله . قال العراقى
فقد تبين بهذه الطريق أن هذه الزيادة إنما سمعها أبو الزبير من عبيد بن عمير مرسلة، لا ذكر لجابر فيها - انتهى.
قال ولد العراقى فى شرح التقريب بعد ذكر ذلك : وبتقدير أن تصح هذه الزيادة مرفوعة فجواب الجمهور عنها من
وجهين أحدهما أن ذلك منسوخ بآية الزكاة. وفى ستن ابن ماجه عن ابن عمر لما سئل عن هذه الآية إنما كان هذا
١١
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر أوفر ماكانت لا يفقد منها فصيلا واحداً، قطؤه بأخفافها،
و تعضده بأقوامها ، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها
قبل أن تنزل الزكاة فلما أنزلت جعلها طهوراً للامور الخ، ثانيهما أن هذا من الحق الزائد على الواجب ولا عقاب
بتركه، وإنما ذكر استطراداً لما ذكر حقها بين الكمال فيه، وإن كان له أقل يزول الذم بفعله، وهو الزكاة.
ويحتمل أن يكون ذلك من الحق الواجب إذا كان هناك مضطر إلى شرب لبنها، فيحمل الحديث على هذه
الصورة - انتهى. (الا إذا كان يوم القيامة) استثناء مفرغ من أعم الأحوال (بطح) على بناء المفعول أى طرح
وألقى صاحب الابل على وجهه ( لها) أى لأجل تلك الابل. قال النووى: قوله ((بطح)) قال جماعة: معناه ألقى
على وجهه . قال القاضى. قد جاء فى رواية للبخارى (فى ترك الحيل) تخبط وجهه بأخفافها، قال: وهذا يقتضى
أنه ليس من شرط البطح كونه على الوجه ، وإنما هو فى اللغة بمعنى البسط والمد، فقد يكون على وجهه ، وقد يكون
على ظهره، ومنه سميت بطحاء مكة لانبساطها (بقاع) أى فى أرض واسعة مستوية (قرقر) بقاف وراء مكررتين
بفتح القافين وإسكان الراء الأولى أى أملس. وقيل: أى مستو واسع، فيكون صفة مؤكدة. قال الجزرى:
القاع المكان المستوى من الأرض الواسع، والقرقر الأملس. وقال النووى: القرقر المستوى من الأرض الواسع
فهو بمعنى القاع فذكره بعده تأكيداً (أوفر ما كانت) أى أكثر عدداً وأعظم سمنا وأقوى قوة، لأنها تكون عنده
على حالات مختلفة، فتأتى على أكملها ليكون ذلك أنكى له لشدة ثقلها. فى شرح السنة يريد كمال حال الابل التى
وطئت صاحبها فى القوة والسمن ليكون أثقل لوطتها. قال الطبى ((أوفر)) مضاف إلى ((ما)) المصدرية، والوقت
مقدر وهو منصوب على الحال من المجرور فى ((لها)، والعامل ((بطح)) وقوله (لا يفقد) أى الصاحب ( منها)
أى من الابل (فصيلا) أى ولداً (واحداً) تأكيد، والجملة، مؤكدة لقوله ((أوفر)) (قطؤه) حال أو استئناف
بيان أى تدوسه الابل (بأخفافها) جمع خف البعير أى بأرجلها، والخف من الابل بمنزلة الظلف للغثم ، والقدم.
للآدمى، والحافر للحمار والبغل والفرس. والظلف بكسر الظاء البقر والغنم والظباء. وكل حافر منشق منقسم فهو
ظلف، وقد أستعير الظلف الفرس (وتعضه) بفتح العين (بأفواهها) أى بأسنانها (كلما مر عليه أولاها) أى أولى
أى أولى الابل (رد عليه أخراها) كذا فى جيع الأصول من صحيح مسلم من رواية زيد بن أسلم عن أبى صالح عن
أبى هريرة. كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها. قال عياض: قالوا هو تغيير وتصحيف، وصواهما فى
الرواية التى بعده من طريق سهيل بن أبى صالح عن أبيه ((كلما مر عليه أخراها رد عليه أولاها)) وبهذا ينتظم
الكلام ، وكذا وقع عند مسلم من حديث أبى ذر أيضاً وأقره النووى على هذا، وحكاه القرطبي، وأوضع وجه
الرد بأنه إنما يرد الأول الذى قد من قبل، وأما الآخر فلم يمر بعد، فلا يقال: فيه، رد ثم أجاب بأنه يحتمل أن
١٢٠
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله: إما إلى الجنة وإما
إلى النار. قيل: يا رسول الله! فالبقرة والغنم؟ قال: ولا صاحب بقر ولا غتم لا يؤدي منها حقها
الا اذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر، لا يفقد منها شيئا، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء
ولا عضباء تنطحه بقرونها، وتعاؤه بأظلافها، كلمامر عليه أولاها رد عليه أخراها فى يوم كان مقداره
خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله: إما إلى الجنة وإما إلى النار.
المعنى أن أول الماشية إذا وصلت إلى آخرها تمشى عليه تلاحقت بها أخراها، ثم إذا أرادت الأولى الرجوع
بدأت الأخرى بالرجوع فجاءت الأخرى أول حتى تنتهى إلى آخر الأولى، وكذا وجهه الطبي ، فقال: إن
المعنى أولاها إذا مرت عليه التابع إلى أن تنتهى إلى الأخرى، ثم ردت الأخرى من هذه الغاية، وتبعها ما كان
يليها فما يليها إلى أن تنتهى أيضاً إلى الأولى، حصل الغرض من التتابع والاستمرار - انتهى. فيكون الابتداء فى
المرة الأولى من الابل الأولى، وفى الثانية من الأخرى. والحاصل أنه يحصل هذا مرة بعد أخرى (خمسين ألف
سنة) أى على هذا المعذب. وإلا فقد جاء أنه يخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة، قاله
السندى. وقيل: معناه لو حاسب فيه غير الله سبحانه (فالبقر والغنم) أى كيف حال صاحبها (لا يفقد منها) أى
من ذواتها وصفاتها شيئاً. وقال الطبى: أى قرونها سليمة (ليس فيها عقصاء) بفتح العين المهملة وسكون القاف
بعدها صاد مهملة ثم ألف مدودة أى ملتوية القرنين، وإنما ذكرها، لأن العقصاء لا تؤلم بنطحها كما يؤلم غير
العقصاء (ولا جلحاء) بجيم مفتوحة ثم لام ساكنة ثم حاء مهملة التى لا قرن لها (ولا عضباء) بفتح العين المهملة
وسكون الضاد المعجمة المكسورة القرن ، وقال النووى: التى انكسر قرنها الداخل ، ونفى الثلاثة عبارة عن سلامة
قرونها ليكون أجرح المنطوح. وظاهر الحديث أن هذه الصفات فيها معدومة فى العقبى، وإن كانت موجودة لها
فى الدنيا. وظاهر البعث أن يعيد اللّه تعالى الأشياء على ما كانت هى عليه فى الدنيا، كما هو مفهوم من الكتاب
والسنة ، ولعله يخلقها كما كانت ، ثم يعطيها القرون، ليكون سببا لهذاب من منع زكاتها على وجه الشدة (تنطحـه)
بكسر الطاء. ويجوز فتحها، والأول أفصح وهو المشهور فى الرواية، كما قال العراقى أى تضربه وتطعنه بقرونها
وفى القاموس نطحه كمنعه وضربه أصابه بقرنه فقوله (بقرونها ) إما تأكيد وإما تجريد (بأظلافها) جمع ظلف
بكسر الظاء وهو للبقر والغنم والظباء، وهو المنشق من القوائم. وفى الحديث أن الله يحي البهائم ليعاقب بها مانع
الزكاة ، وفى ذلك معاملة له بنقيض قصده، لأنه قصد منع حق الله منها، وهو الارتفاق والانتفاع بما يمنعه منها
فكان ما قصد الانتفاع به أضر الأشياء عليه. والحكمة فى كونها تعاد كلها مع أن حق الله فيها إنما هو فى بعضها
١٣
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
قيل: يا رسول! فالخيل ثلاثة: هى لرجل وزر،! وهى لرجل ستر، وهى لرجل أجر، فأما التى هى
له وزر، فرجل ربطها رياء وفخرا ونواء على أهل الاسلام، فهى له وزر، وأما التى هى له ستر:
فرجل ربطها فى سبيل الله،
لأن الحق فى جميع المال غير متميز ، ولأن المال لما لم تخرج زكاته غير؟ مطهر. وفيه دليل على وجوب الزكاة فى
الذهب والفضة والابل والبقر والغنم . قال النووى: ولا خلاف فى ذلك، وهذا الحديث أصح الأحاديث الواردة
فى زكاة البقر (قيل يا رسو اللّه فالخيل) أى ماحكمه (قال فالخيل الخ) قال الطيبي: جواب على أسلوب الحكيم وله
توجيهان، فعلى مذهب الشافعى معناه: دع السؤال عنالوجوب، إذ ليس فيه حق واجب، ولكن اسأل عما يرجع
من اقتناءها على صاحبها من المضرة والمنفعة، وعلى مذهب أبي حنيفة معناه: لا تسأل عما وجب فيه من الحقوق
وحده، بل أسأل عنه وعما يتصل بها من المنفعة والمضرة إلى صاحبها. فإن قيل كيف يستدل بهذا الحديث على
الوجوب؟ قلت: بعطف الرقاب على الظهور، لأن المراد بالرقاب الذوات إذ ليس فى الرقاب منفعة للغير كما فى
الظهور، وبمفهوم الجواب الآتى فى قوله عليه السلام: ما أنزل على فى الحمر شىء. وأجاب القاضى عنه بأن معنى
قوله: ثم لم ينس حق الله فى رقابها، اداء زكاة تجارتها - انتهى. وقيل: المراد بالحق فى رقابها الاحسان اليها،
والقيام بعلفها وسائر مؤنها. والمراد بظهورها إطراق خلحا إذا طلب منه أعارته. وهذا على سبيل الندب . وقال
ابن حجر أى فالخيل ما حكمها أيجب فيها زكاة فيعاقب تاركها لذلك أولا ؟ فلا قال: فالخيل أحكامها ثلاثة
أخرى أى غير ما مر، فلا زكاة فيها حتى يعاقب تاركها ( ثلاثة ) أى ربطها على ثلاثة أنحاء، قاله القارى (هى)
أى الخيل (وزر) أى اثم وثقل (وهى الرجل ستر) بكسر السين أى لحاله فى معيشيته لحفظه عن الاحتجاج إلى
الخلق وصيانته عن السؤال ( وهى لرجل أجر) أى ثواب عظيم. قال الطيبي: فى قوله ((فالخيل ثلاثة)) فيه جمع
وتفريق وتقسيم. أما الجمع فقوله ثلاثة، وأما التفريق فقوله (فأما التى هى له وزر فرجل) الظاهر. أن يقال:
فخيل ربطها أو يقال وأما الذى له وزر فرجل. قلت : قال النووى: قوله فأما التى هى له وزر ، هكذا هو فى
أكثر نسخ صحيح مسلم، ووقع فى بعضها ((الذى)) وهو أوضح وأظهر. وعلى النسخة المشهورة فالأظهر أن يكون
التقدير فخيل رجل (ربطها رياء ) أى ليرى الناس عظمته فى ركوبه وحشمته (ونخراً) أى يفتخر باللسان على
من دونه من أفراد الانسان ( ونواء) بكسر النون والمد أى معادلة، يقال: ناوأت الرجل مناوأة أى عاديته،
والواو بمعنى أو، فإن هذه الأشياء قد تفترق فى الأشخاص، وكل واحد منها مذموم على حدته ( فهى ) أى
تلك الخيل (له وزر) أى على ذلك القصد، فهى جملة مؤكدة مشعرة باهتمام الشارع به، والتحذير عنه (وأما التى
هى له ستر فرجل ربطها فى سبيل الله) قال الطيبي: لم يرد به الجهاد، بل النية الصالحة، إذ يلزم التكرار، قال:
١٤
فىعاء المصابيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
ثم لم ينس حق الله فى ظهورها ولا رقابها، فهى له ستر، وأما التى هى له أجر: فرجل ربطها فى
سبيل الله لأهل الاسلام فى مرج وروضة، فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شىء إلا
کتب له عدد ما أكلت حسنات ،
ويعضده رواية غيره و((رجل ربطها تغنيا وتعففاً)) أى استغناء بها وتعففاً عن السؤال، أو هو أن يطلب
بنتاجها العفة والغنى أو يتردد عليها متاجرة ومزارعة، فتكون ستراً له يحجبه عن الفاقة (ثم لم ينس حق الله فى
ظهورها ) أى بالعارية للركوب أو الفعل (ولا رقابها) قال الطيبي: إما تأكيد وتئمة للظهور، وإما دليل على
وجوب الزكاة فيها - إنتهى. وقال الجزرى فى جامع الأصول (ج ٥ ص ٤٦٦ - ٤٦٧) أما حق ظهورها فهو
أن يحمل عليها منقطعاً، ويشهد له قوله فى موضع آخر ((وأن يفقر ظهرها، وأما حق رقابها فقيل أراد به
الاحسان اليها (والقيام بعلفها وسائر مؤنها) وقيل: أراد به الحمل عليها فعبر بالرقبة عن الذات - انتهى. وأوله
السندى بأن المراد لم ينس شكر الله لأجل إباحة ظهورها وتمليك رقابها، وذلك الشكر يتأدى بالعارية (فهى له
ستر) أى حجاب يمنعه عن الحاجة الناس (ربطها فى سبيل اللّه لأهل الاسلام) فيه إشارة إلى أن المراد به الجهاد
فإن نفعه متعد إلى أهل الاسلام (فى مرج) بفتح الميم وسكون الراء آخره جيم أى مرعى. فى النهاية هو الأرض
الواسعة ذات نبات كثير يمرج فيها الدواب أى تسرح، والجار متعلق بـ((ربط)) (وروضة) عطف تفسير
أو الروضة أخص من المرعى وفى نسخة المصابيح بلفظ: أو ، وكذا فى مسلم. قال ابن الملك: شك من الراوى
ذكره فى المرقاة . وقال الولى العراقى: المرج الموضع الواسع الذى فيه نبات ترعاه الدوآب، سمى بذلك، لأنها
تمرج فيه، أى تروح وتجىء وتذهب كيف شاءت. والروضة الموضع الذى يكثر فيه الماء، فيكون فيه صنوف
النبات من رياحين البادية وغيرها ، فالفرق بين المرج والروضة أن الأول معد لرعى الدواب، ولذلك يكون
واسعاً ليتأتى لها فيه ذلك، والروضة ليست معدة لرعى الدوآب، وإنما هى التنزه بها لما فيها من أصناف النبات.
هذا هو الذى يتحرر من كلام أهل اللغة ، فصح عطف الروضة على المرج، وكذا وقع فى صحيح مسلم عطف
الروضة أولا بالواو وثانيا بأو؟ والظاهر أن الواو أولا بمعنى أو انتهى (فما أكلت) أى الخيل (من ذلك المرج)
بيان مقدم (من شىء) أن من العلف أو الأزهار قل أو كثر ( إلا كتب له عدد ما أكلت) أى الذى أكلته
من العشب والذرع (حسنات) بالرفع نائب الفاعل ونصب عدد على نزع الخافض أى بعدد مأكولاتها. وقال
الولى العراقى: يرفع ((عدد)» لنيابته عن الفاعل، ونصب ((حسنات)) بالكسرة على التمييز. ويحتمل رفع قوله
((حسنات)) على أنه بدل من عدد أو عطف بيان. ويحتمل أن يكون هو النائب عن الفاعل، ويكون قوله ((عدد)
١٥
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - صكتاب الزهه
وكتب له عدد أروائها وأبوالها حسنات، ولا تقطع طولها فاستنت شرفا أو شرفين إلا كتب الله له
عدد آثارها وأروائها حسنات، ولا مر بها صاحبها على نهر فشربت منه، ولا يريد أن يسقيها، الاكتب
الله له عدد ما شربت حسنات. قيل: يا رسول الله! فالخمر؟ قال ما أنزل علىَّ فى الحمر شىء الا هذه
الآية الفاذة الجامعة (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا بره)
ومنصوبا نصب المصدر العددى (وكتب له عدد أروائها وأبوالها حسنات) لأن بها بقاء حياتها مع أن أصلها
قبل الاستحالة غالباً من مال مالكها (ولا تقطع) أى الخيل (طولها) بكسر الطاء وفتح الواو. ويقال: طيلها
بالياء، وكذا جاء فى الموطأ. والطول والطيل حبلها الطويل الذى شد أحد طرفيه فى يد الفرس والآخر فى وتد
أو غيره لتدور فيه وترعى من جوانبها، ولا تذهب اوجهها (فاستنت) بتشديد النون أى جرت بقوة من
الاستنان، وهو الجرى. قال القارى: آى عدت ومرجت ونشطت لمراحها (شرفا) بفتح الشين المعجمة والراء،
هو العالى من الأرض. وقيل: المراد هنا طلقاً أو طلقين، قاله النووى. وقال الجزرى: الشرف الشوط والمدى
(عدد آثارها) أى بعدد خطاها (أروائها) أى فى تلك الحالة، ولعله أراد بالروث هنا ما يشمل البول أو أسقطه
للعلم به منه (على نهر) بفتح الهاء وسكونها (فشربت) أى الخيل (ولا يريد) أى والحال أن صاحبها لا ينوى
(أن يسقيها) بفتح الياء وضمها (إلا كتب الله له عدد ماشربت حسنات) قال الطيبي: فيه مبالغة فى اعتداد
الثواب ، لأنه إذا اعتبر ما تستقذره النفوس وتنفر عنه الطباع فكيف بغيرها، و کذا إذا احتسب مالا نية له فيه ،
وقد ورد وإنما لكل امرئ ما نوى، فما بال ما إذا قصد الاحتساب فيه، قال ابن الملك: فالحاصل أنه يجعل
لمالكها بجميع حركاتها وسكناتها وفضلاتها حسنات. قال الحافظ: وفيه أن الانسان يؤجر على التفاصيل التى
تقع فى فعل الطاعة إذا قصد أصلها، وإن لم يقصد تلك التفاصيل (فالخمر) بضمتين جمع حمار أى ما حكمها
(إلا هذه الآية) بالرفع (الفاذة) بالذال المعجمة المشددة أى المنفردة فى معناها. وقيل: القليلة النظير. وقيل:
النادرة الواحدة (الجامعة) أى العامة المتناولة لكل خير ومعروفٍ. قال ابن الملك: يعنى ليس فى القرآن آية
مثلها فى قلة الألفاظ وجمع معانى الخير والشر. قال الطبى: سميت جامعة لاشتمال اسم الخير على جميع أنواع
الطاعات فرائضها ونوافلها، واسم الشر على ما يقابلها من الكفر والمعاصى صغيرها وكبيرها : قال النووى وفيه
اشارة إلى التمسك بالعموم. ومعنى ذلك أنه لم ينزل علىَّ فيها فص بعينها، ولكن نزلت هذه الآية العامة ( فمن
يعمل مثقال ذرة) أى مقدار نملة أو ذرة من الهباء الطائر فى الهواء (خيراً يره) أى یری ثوابه و جزاءه ( ومن
يعمل مثقال ذرة شراً يره) فلوأ عان أحداً على بر بركوبها يثاب، ولو استعان يركوبها على فعل معصية يعاقب
١٦
3.
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
رواه مسلم.
١٧٨٩ - (٣) وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته»
مثل له ماله يوم القيامة شجاما أقرع له زيبتان، يَطوّقه يوم القيامة،
(رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد فى مواضع من مسنده مطولا ومختصراً، وأبو داود الطيالسى والبيهقي، ورواه
البخارى وأبو داود والنسائى مختصراً. والحديث نسبه الجزرى فى جامع الأصول (ج ٥ ص ٢٩٦) البخارى
ومسلم والموطأ وأبى داود والنسائى، ونسبه المذرى فى الترغيب البخارى ومسلم. والظاهر أنهما أرادا بهذه
النسبة أصل الحديث لا تفصيله وتمامه، فإنه لم يروه كاملا أحد من أصحاب الكتب الستة إلا مسلم . من أحب
الوقوف على اختلاف الروايات وألفاظها رجع إلى جامع الأصول (ج ٥ ص ٣٠٣،٢٩٦).
١٧٨٩ - قوله (من آتاه الله) يمد الهمزة أى أعطاه (مالا) قال الحافظ: المراد بالمال الناض (مثل)
١
بضم الميم وتشديد المثلثة على صيغة المجهول أى صور وجعل (له ماله) أى الذى لم يؤد زكاته (شجاعا) بضم الشين
ويكسر، منصوب على أنه مفعول ثان. وقال الطيبي : شجاعا نصب يجرى مجرى المفعول ، أى صور ماله شجاعا
أو ضمن مثل معنى التصير أى صير ماله على صورة شجاع. وقال البدر الدمامينى: شجاعا منصوب على الحال ،
وهو الحية الذكر. وقيل: هو الحية مطلقا، وقيل: الذى يقوم على ذنبه ويواثب الفارس والراجل؟ وربما بلغ
رأس الفارس ، ويكون فى الصحارى (أفرع) قال فى جامع الأصول: الأفرع صفة الحية بطول العمر. وذلك أنه
بطول عمره قد أمرق شعر رأسه فمو أخبث له وأشد شرا - انتهى ، وقال فى النهاية: هو الذى لا شعر له على رأسه
يريد حية قد تمعط وذهب جلد رأسه لكثرة سمه وطول عمره، قال الأزهرى فى تهذيبه: سمى أقرع، لأنه يقرى
السم ويجمعه فى رأسه حتى تنمعط فروة رأسه قال ذو الرمة :
عن العظم صل قاتل اللسع ما رده
قرى السم حتى أنمار فروة رأسه
وقيل: هو الابيض الرأس من كثرة السم، وكلما كثر سمه أبيض رأسه: وقيلى نوع من الحيات أقبح منظراً
(له زبيبتان) تثنية زبيبة يزاى معجمة مفتوحة فوحدتين بينهما تحتية ساكنة، وهما الزبدتان اللتان فى الشدقين، يقال:
تكلم فلان حتى زَّب شدقاه أى خرج الزيد عليهما . وقيل : هما النكتتان السودا وان فوق عينيه، وهو أو حش
ما يكون من الحيات وأخبته. وقيل: هما نقطتان يكتنفان فاه. وقيل: هما فى حلقه بمنزلة زنمتى العنز: وقيل : حتان
على رأسه مثل القرنين. وقيل: نابان يخرجان من فيه (يطوقه) بفتح الواو المشددة، والضمير الذى (فيه)، مفعوله
الأول والضمير البارز مفعوله الثانى، وهو يرجع الى من فى قوله ((من آتاه الله مالا)) والضمير المستتر يرجع الى
١٧
:
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
ثم يأخذ بلهزمتيه، يعنى شدقيه، ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا (ولا يحسبن الذين
يبخلون) الآية.
الشجاع أى يجعل الشجاع طوقا فى عنقه. وقيل: المعنى يطوق ذلك الرجل شجاعا قال القارى: وهو الموافق لقوله
تعالى: ﴿سيطوقون ما يخلوا به - آل عمران: ١٨٠﴾ (ثم يأخذ) أى الشجاع ذلك البخيل. قال الحافظ: فاعل بأخذ
الشجاع والمأخوذ يد صاحب المال، كما وقع مبينا فى رواية همام عن أبى هريرة الآتية فى ترك الحيل (عند البخارى)
بلفظ: لا يزال يطلبه حتى يبسط يده، فيلقمها فاه (بلهزمتيه) بكسر اللام وسكون الهاء بعدها زاى مكسورة ثم ميم
بعدها فوقة، تثية لهزمة، وفسرهما بقوله (يعنى شدقيه) بكسر الشين المعجمة وسكون الدال المهملة أى بطرفى
فمه. قيل: ضمير ((لهزمتيه)) الشجاع، ويمكن أن يكون لصاحب المال. قال الطبى اللهزمة اللحى وما يتصل به
من الحنك، وفسر بالشدق وهو قريب منه - انتهى. وقال فى الصحاح: هما العظمان الناتثان فى اللحيين تحت الأذنين
وفى الجامع: هما لحم الخدين الذى يتحرك اذا ا كل الانسان. وقيل: مضيفتان فى أصل الحنك (ثم يقول) أى
الشجاع المصور من المال (أنا مالك أنا كنزك) فائدة هذا القول: الحسرة والزيادة فى التعذيب حيث لا ينفعه
الندم. و فيه نوع من التهكم لمزيد غصته وهمه، لأنه شرأتاه من حيث كان يرجو خيرا، وزاد فى رواية للبخارى:
يفر منه صاحبه ويطلبه. وفى حديث ثوبان عند ابن حبان: يتبعه فيقول: أنا كنزك الذى تركته بعدك، فلا يزال
يتبعه حتى يلقمه بده فيمضغها، ثم يتبعه سائر جسده. ولمسلم فى حديث جابر: يتبع صاحبه حيث ذهب وهو يفر
منه، فإذا رأى أنه لا بد منه أدخل يده فى فيه لجعل يقضمها كما يقضم الفحل . والطبر انى فى حديث ابن مسعود:
بنقر رأسه (ثم تلا) أی النبي ٹے، فقی حديث ابن مسعود عند الشافعی والحمیدی: ثم قرأ رسول الله ڑٹے ،
فذكر الآية (ولا يحسبن الذين يبخلون) بالغيب فى ((يحسين)) أسنده الى الذين، وقدر مفعولا دل عليه ((يبخلون))
أى لا يحسبن الباخلون بخلهم خيرا لهم، وفى رواية: ولا تحسبن بالخطاب، وهى قراءة حمزة، أسنده الى
رسول اللّه ◌َيفضّل، وقدر مضافا أى لا تحسين يا محمد بخل الذين يبخلون هو خيراً لهم، فبخل وخير مفعولان. وفى
حديث ابن مسعود عند الترمذى: ثم قرأ رسول اللّه تَّ مصداقه: سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامه. قال
الحافظ : فى هذين الحديثين تقوية لقول من قال المراد بالتطويق فى الآية الحقيقة، خلافا لمن قال إن معناه
سيطوقون الإجم. وفى تلاوة النبي ◌َ له الآية عقب ذلك دلالة على أن الآية نزلت فى مانعى الزكاة، وهو قول
أكثر أهل العلم بالتفسير، وقيل: إنها نزلت فى اليهود الذين كتموا صفة النبى محمدبثّة. وقيل: نزلت فيمن له قرابة
لا يصلهم، قاله مسروق ـ انتهى (الآية) أى بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم ، سيطوقون ما
بخلوا به يوم القيامة. قال السندى: ظاهر قوله (( ما بخلوا به)) أنه يجعل قدر الزكاة طوقا له، لأنه الذى بخل به.
١٨
1
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦- كتاب الزكاة
رواه البخارى.
١٧٩٠ - (٤) وعن أبى ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ما من رجل يكون له ابل أو
بقر أو غنم لا يؤدى حقها، الا أتى بها يوم القيامة أعظم ما يكون وأسمنه، قطأه بأخفافها ،
وظاهر الحديث أنه الكل. ويمكن أن يقال المراد فى القرآن ما بخلوا بزكاته وهو كل المال، والله تعالى أعلم بحقيقة
الحال . ثم لا تنافى بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة الآية - التوبة: ٣٤) إذ يمكن
أن يجعل بعض أنواع المال طوقا، وبعضها يحمى عليه فى نار جهنم، أو يعذب حينا بهذه الصفة وحينا بتلك
الصفة، والله أعلم - انتهى. وقال الحافظ: المراد بالمال (أى فى الحديث) الناض. ولا تنافى بين روايتى
أبى هريرة يعنى هذه الرواية التى نحن فى شرحها ، والرواية السابقة بلفظ: ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدى
منها حقها إلا اذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمى عليها فى نار جهنم فيكوى بها جنبه الج لاحتمال
اجتماع الأمرين معاً، فهذه الرواية توافق الآية التى ذكرها، وهى سيطوقون، والرواية السابقة توافق قوله تعالى:
﴿يوم يحمى عليها فى نار جهنم الآية - التوبة ٣٥)﴾ وقال العينى: فى الحديث ما يدل على قلب الأعيان، وذلك
فى قدرة الله تعالى بين لا ينكر. وفيه أن لفظ مالا بعمومه بتناول الذهب والفضة وغيرهما من الأموال الزكوية
(رواه البخارى) فى الزكاة والتفسير وترك الحيل، وأخرجه أيضا مالك والنسائى وابن حبان والبيهقى (ج ٤
ص ٨١) ولكن وقفه مالك على أبى هريرة ولم يرفعه. وهذا الحديث جعله أبو العباس الطرقى والذى قبله
حديثا واحدا ولا يخفى ما فيه. وذكره المنذرى فى الترغيب والترهيب، ثم قال رواه البخارى والنسائى ومسلم ،
وقدوهم فى نسبته لصحيح مسلم فإنه لم يروه بذلك ، وقد نقله ابن كثير فى التفسير عن البخارى ، وقال تفرد به
البخاری دون مسلم . وفى الباب عن ابن مسعود عند أحمد والترمذى والنسائى و ابن ماجه وابن خزيمة وسيأتى،
وعن جابر عند أحمد ومسلم والنسائى، وعن ابن عمر عند أحمد والنسائى ، وعن ثوبان عند البزار والطبرانى وابن
خزيمة وابن حبان .
١٧٩٠ - قوله (ما من رجل يكون له أبل أو بقر أو غنم) أو التقسيم (لا يؤدى حقها) هذا لفظ
البخارى. وفى رواية مسلم: لا يؤدى زكاتها (إلا أتى بها) بضم الهمزة على صيغة المجهول (أعظم ما تكون)
بالتانيث. ((وأعظم)) بالنصب على الحال ((وما)) مصدرية (وأسمنه) عطف على المنصوب السابق، والضمير راجع
الى لفظ ما (تطأه بأخفافها) أى تدوسه ذوات الأخفاف بأرجلها، وهذا راجع الابل، لأن الحق مخصوص
بها، كما أن الظلف مخصوص بالبقر والغنم والظباء والحافز يختص بالفرس والبغل والحمار، والقدم للآدمى
١٩
مرعاة المفاتيح ج ٦
٦ - كتاب الزكاة
وقنطحه بقرونها، كلما جازت أخراما ردت عليه أولها، حتى يقضى بين الناس. متفق عليه.
١٧٩١ - (٥) وعن جرير بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أتاكم
المصدق، فليصدر عنكم وهو عنكم راض.
(تنطعه) بكسر الطاء وتفتح أى تضربه ذوات القرون (بقرونها) فالضمير فى كل قسم عائد على بعض الجملة لا على
الكل، والخف للابل، والقرن البقر والتنم، كما أن الظلف لهما، وقيل: قوله ((تنطحه بقرونها، راجع للبقر
(كلما جازت) بالجيم والزاى أى مرت (ردت) بضم الراء مبنيا للفعول أى أعيدت (عليه) أى على الرجل يعنى
فهو معاقب بذلك (حتى يقضى بين الناس) أى الى أن يفرغ الحساب (متفق عليه) واللفظ للبخارى، وأخرجه
أيضا أحمد والترمذى والنسائي وابن ماجه والبيهقى ( ج ٤ ص ٩٧) وغيرهم.
١٧٩١ - قوله (إذا أتاكم المصدق) بكسر الدال المشددة مع تخفيف الصاد أى آخذ الصدقة ، وهو
الساعى العامل وأما المصدق بتشديد الصاد فهو دافع الصدقة أى معطيها، وهو رب المال (فليصدر عنكم) بضم
الدال أى يرجع (وهو عنكم راض) الجملة حال. وفى رواية الترمذى والبيهقى: فلا يفارقنكم إلا عن رضى. وفى
رواية ابن ماجه: لا يرجع المصدق الا عن رضا، قال الطيبي: ذكر المسبب وأراد السبب، لأنه أمر العامل، وفى
الحقيقة امر المزكى. والمعنى تلقوه بالترحيب وأداء زكاة أموالكم تامة ليرجع عنكم راضيا، وإنما عدل الى هذه
الصفة مبالغة فى استرضاء المصدق وان ظلم كما سيجتى - انتهى . وقال البيهقى فى سننه (ج ٤ ص ١٣٧): قال
الشافعى، يعنى والله أعلم أن يوفوه طائعين ولا يلووه لا أن يعطوه لا أن يعطوه من أموالهم ما ليس عليهم فيهذا
بأمرم ويأمر المصدق. قال البيهقى: وهذا الذى قاله الشافعى محتمل ، لولا ما فى رواية أبى داود من الزيادة، وهى
قالوا يا رسول اللّه وأن ظلونا، قال: أرضوا مصدقيكم وإن ظلتم، ففى هذا كالدلالة على أنه رأى الصبر على
تعديهم - انتهى. قال عياض: فيه الحض على طاعة الأمراء وترك مخالفتهم، وكل ذلك حض على الألفة واجتماع
الكلمة التى جعلها الله سبحانه وتعالى أصلا لصلاح الكافة وعمارة ونظام أمر الدنيا والآخرة. وقال النووى :
مقصود الحديث الوصاة بالسعادة وطاعة ولاة الأمور وملاطفتهم وجمع كلمة المسلمين وإصلاح ذات البين ،
وهذا كله مالم يطلب جورا، فاذا طلب جورا فلا موافقة له ولا طاعة لقوله ◌َ فّم فى حديث أنس فى صحيح البخارى:
فمن سألها على وجهها فظيعطها ومن سئل فوقها فلا يعط - انتهى. وقال السندى: أى لا يرجع عامل الصدقة إلا
عن رضى بأن تلقوه بالترحيب وتودوا اليه الزكاة طائعين، ولم يرد أن تعطوه الزائد على الواجب لحديث : من
سال فوقها فلا یعطی أی فوق الواجب. وقيل: لا یعطی أصلا لأنه الغزل بالجور ۔ انتهى . وسيأتى رواية
٢٠