Indexed OCR Text
Pages 381-400
مرعاة المفاتيح ج ٥ ٥ - كتاب الجنائز ٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها عن نافع أن عبد الله بن عمر كان لا يقرأ فى الصلاة على الجنازة. وفيه أنه معارض بعمل غيره من الصحابة. ويمكن أن يكون المراد لا يقرأ أى شيئا من القرآن إلا فاتحة الكتاب وأيضا هو ففى يقدم عليه الاثبات، وأيضا قول الصحابي لا يكون حجة بالاتفاق إذا نفاه السنة، وبأن صلاة الجنازة مشابهة للطواف فى أنها لا ركوع فيها ولا سجود فلا تفتقر للقراءة. وفيه أنه قياس فى مقابلة النص، علا أنه قد أطلق عليها لفظ الصلاة فيكون لها حكم الصلاة فى القراءة وغيرها إلا ما خص، وأيضا اتفقوا على أنها تفتقر إلى التكبير والقيام والفية والتسليم واستقبال القبلة والطهارة نشبهها بالصلاة أبين وأقوى منه بالطواف. واستدل الحنفية كما فى البدائع وغيره بما روى أحمد عن ابن مسعود قال: لم يوقت لنا فى الصلاة على الميت قراءة ولا قول. وفيه أنه إنما قال لميوقت أى لم يقدر ولا يدل هذا على ففى أصل القراءة، وقد روى عنه أنه قرأ على جنازة بفاتحة الكتاب، ثم إنه لا يعارض ما روى من الأحاديث المرفوعة فى القراءة، لأنه ففى فيقدم عليه الاثبات، وبأنها لما لم تقرأ بعد التكبيرة الثانية دل على أنها لا تقرأ فيما قبلها، لأن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة، ولما لم يتشهد فى آخرها دل على أنه لا قراءة فيها، ذكره الطحاوى. وفيه أن هذا الاستدلال ليس بشىء، لأنه قياس فى مقابلة النص فلا يلتفت. اليه، وبأنها شرعت للدعاء، ومقدمة الدعاء الحمد والثناء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لا القراءة وفيه ما تقدم آنفاً أنه تعليل فى مقابلة النص فهو مردود، علا أن فاتحة الكتاب مشتملة على الحمد والثناء، فينبغى أن يكون افتتاح صلاة الجنازة بالفاتحة أولى وأحسن، فلا وجه لا فكارها والمنع عنها. وقوله لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب يتناول با.طلاقه صلاة الجنازة، فيكون لها فى القراءة حكم الصلوات الأخر إلا ماخص منها. وأجاب الحنفية عن حديث ابن عباس وما فى معناه بأن قراءة الفاتحة فى الصلاة على الميت كانت بنية الدعاء والثناء لا بنية القراءة والتلاوة. قال الطحاوى: من قرأها من الصحابة يحتمل أن يكون على وجه الدعاء لا التلاوة. وفيه أن هذا ادعاء محض لا دليل عليه واحتمال ناشىء من غير دليل، فلا يلتفت اليه. والحق والصواب أن قراءة الفاتحة فى صلاة الجنازة واجبة، كما ذهب اليه الشافعى وأحمد وإسحاق وغيرهم، لأنهم أجمعوا على أنها صلاة ، وقد ثبت حديث لاصلاة، إلا بفاتحة الكتاب، فهى داخلة تحت العموم، وإخراجها منه يحتاج إلى دليل، ولأنها صلاة يجب. فيها القيام فوجبت فيها القراءة كسائر الصلوات، ولأنه ورد الأمر بقراءتها صريحا ، فقد روى ابن ماجه باسناد فيه ضعف يسير عن أم شريك قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب، وروى الطبرانى فى الكبير من حديث أم عفيف قالت: أمرنا رسول اللّه تَّم أن نقرأ على ميتنا بفاتحة الكتاب. قال الهيثمى: وفيه عبد المنعم أبو سعيد وهو ضعيف - إنتهنى. والأمر من أدلة الوجوب. وروى الطبرانى فى ٣٨١ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٥ - كتاب الجنائز ٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها الكبير أيضا من حديث أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله وسلّم: إذا صليتم على الجنازة فاقرؤا بفاتحة الكتاب . قال الهيثمى: وفيه معلى بن حمران ولم أجد من ذكره، وبقية رجاله موثقون وفى بعضهم كلام ، هذا وقد صنف حسن الشرنبلالى من متأخرى الحنفية فى هذه المسئلة رسالة سماها« النظم المنتطاب لحكم القراءة فى صلاة الجنازة بأم الكتاب، وحقق فيها أن القراءة أولى من ترك القراءة، ولا دليل على الكراهة، وهو الذى اختاره الشيخ عبد الحى اللكهنوى فى تصانيفه كعمدة الرعاية والتعليق الممجد وإمام الكلام، ثم إنه استدل بحديث ابن عباس على الجهر بالقراءة فى الصلاة على الجنازة: لأنه يدل على أنه جهر بها حتى سمع ذلك من صلى معه. وأصرح من ذلك ما ذكرنا من رواية النسائى بلفظ صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر حتى أسمعنا، فذا فرغ أخذت بيده فسألته، فقال: سنة وحق . وفى رواية أخرى له أيضا: صليت خلف ابن عباس على جنازة فسمعته يقرأ فاتحة الكتاب الخ ويدل على الجهر بالدعاء حديث عوف بن مالك الآتى ، فان الظاهر أنه حفظ الدعاء المذكور لما جهر به النبى صلى الله عليه وسلم فى الصلاة على الجنازة. وأصرح منه حديث وائلة فى الفصل الثانى. واختلف العلماء فى ذلك، فذهب بعضهم إلى أنه يستحب الجهر بالقراءة والدعاء فيها. واستدلوا بالروايات التى ذكر ناها آنفا. وذهب الجمهور إلى أنه لا يندب الجهر بل يندب الاسرار. قال ابن قدامة: ويسر القراءة والدعاء فى صلاة الجنازة، لا نعلم بين أهل العلم فيه خلافا - إنتهى. واستدلوا. لذلك بما ذكرنا من حديث أبي أمامة قال: السنة فى الصلاة على الجنازة أن يقرأ فى التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة . الحديث أخرجه النسائي، ومن طريقه ابن حزم فى المحلى (ج٥ ص١٢٩). قال النووى فى شرح المهذب: رواه النسائی باسناد على شرط الصحیحین، وقال أبو أمامة هذا صحابی ۔ انتهى. وبما روى الشافعى فى الأم( ج ١ ص ٢٣٩) (والبيهقى ج٤ ص٣٩ من طريقه) عن مطرف بن مازن عن معمر عن الزهرى قال: أخبرنى أبو أمامة ابن سهل أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ◌َ ◌ّ أن السنة فى الصلاة على الجنازة أن يكبر الامام ، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا فى نفسه ـ الحديث. وضعفت هذه الرواية بمطرف، لكن قواما البيهقى بما رواه فى المعرفة والسنن من طريق عبيد الله بن أبى زياد الرصافى عن الزهرى بمعنى رواية مطرف، وبما روى الحاكم (ج ١ ص ٣٥٩)، والبيهقى من طريقه (ج.٤ ص ٤٢) عن شرحبيل بن سعد قال حضرت عبد الله بن عباس صلى على جنازة بالأبواء فكبر ثم قرأ بأم القرآن رافعا صوته بها، صلى على النبى مرثية ، ثم قال اللهم عبدك وابن عبدك - الحديث. وفى آخره ثم انصرف، فقال يا أيها الناس! إنى لم أقرأ علناً (أى جهراً) إلا لتعلموا أنها سنة. قال الحافظ فى الفتح: وشرحبيل مختلف فى توثيقه ـ انتهى. وأخرج ابن الجارود فى المنتقى من طريق زيد ابن طلحة التيمى قال: سمعت ابن عباس قرأ على جنازة فاتحة الكتاب وسورة وجهر بالقراءة، وقال: إنما جهرت ٣٨٢ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٥ - كتاب الجنائز ٥ - باب المشئ بالجنازة والصلاة عليها رواه البخارى. ١٦٦٩ - (١٠) وعن عوف بن مالك، قال: صلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على جنازة تحفظت من دعاءه وهو يقول: اللهم اغفر له وارحمه، وعافه، واعف عنه، لأعلكم أنها سنة. وذهب بعضهم إلى أنه يخير بين الجهر والاسرار. وقال بعض أصحاب الشافعى: إنه يجهر بالليل كالليلية ويسر بالنهار. قال شيخنا فى شرح الترمذى قول ابن عباس: إنما جهرت لتعلموا أنها سنة، يدل على أن جهره كان للتعليم أى لا لبيان أن الجهر بالقراءة سنة، قال وأما قول بعض أصحاب الشافعى يجهر بالليل كالليلية فلم أقف على رواية تدل على هذا - انتهى. وهذا يدل على أن الشيخ مال إلى قول الجمهور أن الاسرار بالقراءة مندوب هذا ورواية ابن عباس عند النسائى بلفظ: فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة تدل على مشروعية قراءة سورة مع الفاتحة فى صلاة الجنازة . قال الشوكانى: لا محيص عن المصير إلى ذلك ، لأنها زيادة خارجة من مخرج صحيح. قلت: ويدل عليه أيضا ما ذكره ابن حزم فى المحلى (ج ٥ ص ١٢٩) معلقا عن محمد بن عمرو ابن عطاء أن المسور بن مخرمة صلى على الجنازة ، فقرأ فى التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة قصيرة رفع بها صوته فلما فرغ قال: لا أجهل أن تكون هذه الصلاة عجماء ولكن أردت أن أعلمكم أن فيها قراءة (رواه البخارى) وأخرجه أيضا الترمذى وأبو داود والنسائى والشافعى وابن حبان والحاكم والبيهقى وابن الجارود. ١٦٦٩ - قوله (حفظت من دعاءه وهو يقول) وفى رواية لمسلم: سمعت النبي عزوالم وصلى على جنازة يقول. وفى رواية النسائى: سمعت رسول اللّه ◌َ الله يصلى على ميت فسمعت فى دعاءه وهو يقول. قال الشوكانى: جميع ذلك يدل على أن النبى ◌َ ◌ّ جهر بالدعاء، وهو خلاف ما صرح به جماعة من استحباب الاسرار بالدعاء وقد قيل إن جهره صلى الله عليه وسلم بالدعاء لقصد تعليمهم، قال والظاهر أن الجهر والاسرار بالدعاء جائزان - انتهى. وتأول النووى قوله حفظت من دعاءه أى علمنيه بعد الصلاة حفظته - انتهى. ويرد هذا التأويل قوله فى رواية أخرى: سمعته صلى على جنازة يقول. قال الشوكانى: ليس فى هذا الحديث تعيين الموضع الذى يقال فيه هذا الدعاء وغيره من الأدعية المأثورة فيقوله المصلى على الجنازة بعد أى تكبيرة أراد - انتهى. وإلى مشروعية الدعاء بعد كل تكبيرة ذهب المالكية وعند الحنابلة والشافعية والحنفية الدعاء بعد التكبيرة الثالثة (اللهم اغفر له) بمحو السيئات (وارحمه) بقبول الطاعات. وقال ابن حجر: تأكيد أو أعم (وعافه) أمر من المعاناة، والهاء ضمير. وقيل: للسكت، والمعنى خلصه من المكروهات. وقال الطبى: أى سلمه من العذاب والبلايا (واعف عنه) أى عما وقع منه من التقصيرات. وقال ابن حجر: عافه أى سلمه من كل موذ واعف عنه تأ كيداً وأخص أى سلمه من خطر ٣٨٣ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٥ - كتاب الجنائز ٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، وفقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأملا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه ، الذنوب (وأكرم نزله) بضمتين وقد يسكن الزاى أى أحسن نصيبه من الجنة وهو فى الأصل قرى الضيف يعنى ما بعد ويقدم للضيف من طعام وشراب، والمراد هنا الأجر والثواب والرحمة والمغفرة (ووسع) بكسر السين المشددة (مدخله) بفتح الميم أى موضع دخوله الذى يدخل فيه، وهو قبره. قال ميرك: بفتح الميم، كذا فى المسموع من أفواه المشائخ، والمضبوط فى أصل سماعنا، وضبط الشيخ الجزرى فى مفتاح الحصن: بضم الميم ، وكلاهما صحيح بحسب المعنى - انتهى. لأن معناه مكان الدخول أو الادخال وانما اختار الشيخ الضم، لأن الجمهور من القراء قرؤا بالضم فى قوله تعالى: ﴿وندخلكم مدخلا كريما - النساء: ٣١) وانفرد الامام نافع بالفتح والضم أيضاً بحسب المعنى أنسب، لأن دخوله ليس بنفسه بل بادخال غيره (واغسله) بهمزة وصل أى اغسل ذنوبه (بالماء والثلج والبرد) بفتحتين وهو حب الغمام أى طهره من الذنوب والمعاصى أنواع الرحمة، كما أن هذه الأشياء أنواع المطهرات من الوسخ والدنس، فالغرض منه تعميم أنواع الرحمة والمغفرة فى مقابلة أصناف المعصية والغفلة (وفقه) بتشديد القاف المكسورة أمر من التنقية بمعنى التطهير، والهاء ضمير لايت أو للسكت (من الخطايا كما نقيت) وفى رواية لمسلم: ينقى (الثوب الأبيض من الدنس) بفتحتين، الوسخ آشميه للعقول بالمحسوس ، وهو تأكيد لما قبله أراد به المبالغة فى التطهير من الخطايا والذنوب (وأبدله) أمر من الابدال أى عوضه (داراً) أى من القصور أو من سعة القبور (خيراً من داره) أى فى الدنيا الفانية (وأهلا خيراً من أهله) يشمل الزوجة والخدم (وزوجا خيراً من زوجه) هذا من عطف الخاص على العام. وقيل المراد بالأهل الخدم خاصة. قال القارى: (زوجا) أى زوجة من الحور العين، أو من نساء الدنيا فى الجنة (خيراً من زوجه) أى من الحور العين ، ونساء الدنيا أيضا، فلا يشكل أن نساء الدنيا يكن فى الجنة أفضل من الحور لصلاتهن وصيامهن ، كما ورد فى الحديث. وأما قول ابن حجر: ((وخيراً)، ليست على بابها من كونها أفعل تفضيل إذ لاخيرية فى الدنيا بالنسبة للآخرة ، فليس على بابه إذ الكلام فى النسبة الحقيقية لا فى النسبة الاضافية. قال تعالى: ﴿والآخرة خير وأبقى - الأعلى: ١٧) وقال: ﴿والآخرة خير لمن اتقى - النساء: ٧٧) - انتهى. قال السيوطى: قال طائفة من الفقهاء هذا خاص بالرجل ، ولا يقال فى الصلاة على المرءة أبدلها زوجا خيراً من زوجها لجواز أن تكون لزوجها فى الجنة، فان المرأة لا يمكن الاشتراك فيها والرجل يقبل ذلك، كذا ذكر السندى فى حاشية النسائى. وقال الشامى: المراد بالابدال فى الأهل والزوجة ابدال الأوصاف لاالذوات لقوله (ألحقنا بهم ذريتهم -الطور: ٢١) ٣٨٤ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٥ - كتاب الجنائز ٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار. وفى رواية: وقه فتنة القبر وعذاب الغار، قال حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت. رواه مسلم. ١٦٧٠ - (١١) وعن أبى سلمة بن عبد الرحمن، أن عائشة لما توفى سعد بن أبى وقاص قالت: ادخلوا به المسجد حتى أصلى عليه، ولخبر الطبرانى وغيره : أن نساء الجنة من نساء الدنيا أفضل من الحور العين، وفيمن لازوجة له على تقديرها له أن لو كانت، ولأنه صح الخبر بأن المرأة لآخر أزواجها أى إذا مات، وهى فى عصمته. وفى حديث رواه جمع، لكنه ضعيف المرأة منا ربما يكون لها زوجان فى الدنيا فتموت ويموتان ويدخلان الجنة لأيهما هى قال لأحسنهما خلقا كان عندها فى الدنيا وتمامه فى تحفة ابن حجر المكى - انتهى. (وادخله الجنة) أى ابتداء (وأعذه) أمر من الاعاذة أى أجره وخلصه (وفى رواية وقه) بهاء الضمير أو السكت أمر من وقى يق أى أحفظه (فتنة القبر) أى التحير فى جواب الملكين المؤدى إلى عذاب القبر (قال) أى عوف ( أنا) تأكيد للضمير المتصل (ذلك الميت) بالنصب على الخبرية أى لدعاء رسول اللّه ◌َوّم على ذلك الميت (رواه مسلم) وأخرجه أيضا النسائى، وابن ماجه والبيهقى، وابن أبى شيبة، وأخرجه الترمذى مختصراً، ونقل عن البخارى أنه قال: أصح شىء فى هذا الباب هذا الحديث . ١٦٧٠ - قوله (لما توفى سعد بن أبى وقاص) أى فى قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة سنة (٥٥) على المشهور، وحمل إلى المدينة على أعناق الرجال ليدفن بالبقيع ، وذلك فى خلافة معاوية وعلى المدينة مروان (ادخلوا به المسجد) قال الباجى: أنما أمرت بذلك لامتناعها هى وسائر أزواج النبي عَ له من الخروج مع الناس إلى جنازته لكرامية خروجهن إلى الجنائز (حتى أصلى عليه) فيه دليل على جواز صلاة النساء على الجنائز. قال الباجى : وهذا الذى يقتضيه مذهب مالك . وقال الشافعى: لا يصلى النساء على الجنائز، والدليل على صحة ذلك أن هذه صلاة يصح أن يفعلها الرجال ، فصح أن يفعلها النساء كصلاة الجمعة. وهل يجوز أن يفعلها النساء دون الرجال؟ قال ابن القاسم وأشهب: يجوز ذلك وإن اختلفا فى صفتهما - انتهى. وقال ابن قدامة: يصلى النساء جماعة امامتهن فى وسطهن. نص عليه أحمد ، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعى: يصلين مفردات لا يسبق بعضهن بعضاً وإن صلين جماعة جاز، ولنا أنهن من أهل الجماعة فيصلين جماعة كالرجال، وما ذكروه من كونهن منفردات لا يسبق بعضهن بعضاً تحكم لايصار إليه إلا بنص أو اجماع، وقد صلى أزواج النبي تَبَثّ على سعد بن أبى وقاص - انتهى. قلت: ويدل على صلاه النساء مع الرجال جماعة ما رواه الحاكم: أن أبا طلحة دعا رسول الله موضع إلى عمير بن ٣٨٥ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٥ - كتاب الجنائز ٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها فأنكر ذلك عليها، فقالت : والله لقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنى بيضاء فى المسجد : سهيل واخيه . أبي طلحة حين توفى فأتاهم رسول الله ب فصلى عليه فى منزلهم فتقدم رسول اللّه مَفله وكان أبو طلحة وراءه وأم سليم وراء أبي طلحة ولم يكن معهم غيرهم. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ، وسنة غربية فى اباحة صلاة النساء على الجنائز، ووافقه الذهبي (فأنكر ذلك) أى ادخاله فى المسجد (عليها) أى على عائشة. وفى رواية لمسلم: لما توفى سعد بن أبى وقاص أرسل أزواج النبي ◌َّةٍ أن يمروا بحنازته فى المسجد فيصلين عليه ففعلوا فوقف به على حجر هن يصلين عليه . ثم أخرج به من باب الجنائز الذى كان إلى المقاعد فبلغهن أن الناس عابوا ذلك وقالوا ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد فبلغ ذلك عائشة فقالت ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به عابوا علينا أن يمر بجنازة فى المسجد الخ (والله لقد صلى رسول اللّه مَ ه على ابنى بيضاء) لقب للأم واسمها دعد بفتح الدال وسكون العين المهملتين بنت الجحدم الفهرية (فى المسجد) وفى رواية لمسلم: فى جوف المسجد (سهيل) بالتصغير (وأخيه) سهل. وقيل: صفوان: وأعلم أن المعروفين ببنى البيضاء ثلاثة إخوة: سهل وسهيل، وصفوان. وأمهم البيضاء اسمها دعد، والبيضاء وصف، وأبوثم وهب بن ربيعة القرشى الفهرى. كان سهل ممن قام فى نقض الصحيفة التى كتبتها قريش على بنى هاشم. قال أبو حاتم: كان ممن أظهر اسلامه بمكة . وقال ابن عبد البر: أسلم سهل بمكة، وأخفى اسلامه فأخرجته قريش معهم إلى بدر، فأسر يومئذ مع المشركين، فشهد له عبد الله بن مسعود أنه رأه بمكة يصلى خلى عنه وماتٍ بالمدينة، وبها مات أخوه سهيل، وصلى عليهما رسول الله وَث فى المسجد، فيما رواه ابن أبى فديك عن الضحاك بن عثمان عن أبي النضر عن أبى سلمة عن عائشة قالت: والله ما صلى رسول اللّه ◌َوّ على ابنى بيضاء الا فى المسجد سهل وسهيل. وزعم الواقدى أن سهل بن بيضاء مات بعد النبى ◌َّةٍ. وأما سهيل فكان قديم الإسلام هاجر إلى الحبشة ثم قدم على رسول اللّه ◌َؤلم بمكة فأقام معه حتى هاجر وهاجر سهيل لجمع الهجرتين جميعاً ثم شهد بدرا والمشاهد كلها ومات بالمدينة فى حياة النبي مؤلّه بعد رجوعه من تبوك سنة تسع ولا عقب له. وأما صفوان فقد شهد بدرا مع رسول اللّه مَ فيه ، وقتل يومئذ بجدر شهيدا قتله طعيمة بن عدى فيما قاله ابن اسحاق وموسى بن عقبة وابن سعد وأبو حاتم، وجزم ابن حبان بأنه مات سنة (٣٠) وقيل فى شهررمضان سنة (٣٨) وبه جزم الحاكم أبو أحمد تبعاً للواقدى. واختلف فى المراد بالأخ المذكور فى الحديث فقيل سهل جزم به ابن عبد البر، وقيل صفوان .. قال أبو نعيم: اسم أخى سهيل صفوان، ووثم من سماه سهلا، ولم يزد مالك فى روايته على ذكر سهيل والحديث يدل على جواز إدخال الميت فى المسجد والصلاة عليه ٣٨٦ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٥ - كتاب الجنائز ٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها رواه مسلم . ١٦٧١ - (١٢) وعن سمرة بن جندب، قال: صليت وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة ماتت فى نفاسها، فقام وسطها . فيه، وبه قال الشافعى، وأحمد، واسحاق، والجمهور خلافا لمالك فى المشهور عنه وأبى حنيفة وأجاب بعض من كره ذلك عن الحديث بأن الأمر استقر على ترك ذلك لأن الذين أنكروا على عائشة كانوا من الصحابة ورد بأن عائشة لما أنكرت ذلك الانكارسلموا لها فدل على أنها حفظت ما نسوه وأن الأمر استقر على الجواز، ويدل على ذلك الصلاة على أبى بكر وعمر فى المسجد ، كما تقدم، قاله الشوكانى. وقال السندى فى حاشية النسائى: الحديث ظاهر فى الجواز فى المسجد نعم كانت عادته صلى الله عليه وسلم خارج المسجد فالأقرب أن يقال الأولى أن تكون خارج المسجد مع الجواز فيه والله تعالى أعلم - انتهى. وقد تقدم بسط الكلام فيه شرح حديث قصة النجاشى (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد، ومالك، والترمذى، وأبو داود ، والنسائى، وابن ماجه، والبيهقى ، والطحاوى . ١٦٧١ - قوله (صليت وراء رسول اللّه ◌َفمه على امرأة) هى أم كعب الأنصارية، كما فى مسلم (ماتت فى نفاسها) بكسر النون أى حين ولادتها. وقال القسطلانى: ((فى)) هنا للتعليل، كما فى قوله عزفلم إن امرأة دخلت النار فى مرة أى ماتت بسبب نفاسها ( فقام) أى وقف الصلاة (وسطها ) أى حذاء وسطها، وهو بسكون السين وفتحها بمعنى فلذا جوز الوجهان ، وقد فرق بعضهم بينهما، قاله السندى. وقال الطبى: الوسط بالسكون يقال فيما كان متفرق الأجزاء كالناس والدواب وغير ذلك وما كان متصل الأجزاء كالدار والرأس فهو بالفتح. وقيل: كل منهما يقع موقع الآخر، وكأنه أشبه. وقال صاحب المغرب: الوسط بالفتح كالمركز الدائرة وبالسكون داخل الدائرة، وقيل: كل ما يصلح فيه بين فبالفتح وما لا فبالسكون - انتهى. وقال القسطلانى: من سكن السين جعله ظرفا ومن فتح جعله اسماً ، والمراد على الوجهين معميزتها وكون هذه المرأة فى نفاسها وصف غير معتبر وانما هو حكاية أمر وقع، وأما كونها امرأة فالظاهر أنه معتبر، كما يدل عليه حديث أنس الآتى فى آخر الفصل الثانى والحديث فيه دليل على أن السنة أن يقوم الامام، وكذا المنفرد فى صلاة الجنازة حذاء وسط المرأة أى عند عجميزتها. قال الأمير اليمانى: وهذا مندوب، وأما الواجب فانما هو استقبال جزء من الميت رجلا أو امرأة، واختلف العلماء فى حكم الاستقبال فى حق الرجل والمرأة فقال أبو حنيفة فى المشهور عنه إنهما سواء فيقوم الامام بحذاء صدرهما وقال مالك: يقوم حذاء الرأس منهما ونقل عنه أن يقوم من الرجل عند وسطه ٣٨٧ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٥ - كتاب الجنائز ٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها متفق عليه . ١٦٧٢ - (١٣) وعن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبر دفن ليلا، ومن المرأة عند منكبيها وقال أحمد كما فى المغنى والخطابى: يقوم من المرأة حذاء وسطها ومن الرجل حذاء صدره . وحكى الترمذى عن أحمد: أنه ذهب إلى أنه يقوم من المرأة عند وسطها ومن الرجل عند رأسه ، كما هو مقتضى حديث أنس آخر حديث الفصل الثانى وهو مذهب الشافعى واسحاق وأبى يوسف وهو الحق لما يدل عليه حديث سمرة وحديث أنس الآتى، وهو رواية عن أبى حنيفة. قال فى الهداية: وعن أبى حنيفة أنه يقوم من الرجل بحذاء رأسه ومن المرأة بحذاء وسطها، لأن أنساً فعل ذلك وقال هو السنة - انتهى. ورجح الطحاوى قول أبى حنيفة هذا على قوله المشهور حيث قال فى شرح الآثار. قال أبو جعفر: القول الأول أحب الينا لما قد شده الآثار التى روينا عن رسول اللّه ◌َؤالله - انتهى. وقال بعضهم يقوم حذاء رأس الرجل وثدى المرأة، واستدل بفعل على وقال بعضهم يستقبل صدر المرأة وبينه وبين السرة من الرجل. قال الشوكانى بعد ذكر هذه الأقوال: وقد عرفت أن الأدلة دلت على ما ذهب اليه الشافعى، وأن ما عداه لا مستند له من المرفوع إلا مجرد الخطأ فى الاستدلال أو التعويل على محض الرأى أو ترجيح ما فعله الصحابي على ما فعله النبي موفّ وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل نعم لا ينتهض مجرد الفعل دليلا للوجوب، ولكن النزاع فيما هو الأولى والأحسن، ولا أحسن من الكيفية التى فعلها المصطفى مؤلّل ـ انتهى كلام الشوكانى. قلت: وأجاب الحنفية عن حديث أنس وسمرة: بأنه لاينافى كون الصدر وسطا بل الصدر وسط البدن باعتبار توسط الأعضاء إذ فوقه يداه ورأسه وتحته بطنه ويخذاه، أو يأول فيقال يحتمل أنه وقف بحذاء صدر كل واحد منهما إلا أنه مال فى أحد الموضعين إلى الرأس وفى الآخر إلى العجز أى العورة ، فظن الراوى أنه فرق بين الأمرين لتقارب المحلين، كذا قال ابن الهمام فى شرح الهداية ، والكاسانى فى البدائع: ولا أدرى أى شىء الجأم الى هذا التأويل، وتكلف الجواب والتمحل مع أنه لم يرد حديث مرفوع صحيح أو ضعيف يوافق مذهبهم بأن يدل على عدم الفرق بين الرجل والمرأة والقيام بحذاء صدرهما بل ورد ما يخالفهم، ولذلك قال شيخنا فى شرح الترمذى بعد ذكر كلام ابن الحمام: هذا مما لا يلتفت اليه بعد ما ثبت أنه مؤثر كان يقوم حذاء رأس الرجل وحذاء عجيزة - انتهى (متفق عليه) وأخرجه أحمد، والترمذى وأبو داود، والنسائى، وابن ماجه ، والبيهقى. ١٦٧٢ - قوله (مر بقبر دفن) بضم الدال وكسر الفاء (ليلا) نصب على الظرفية أی دفن صاحبه فيه ليلا، فهو من قيل ذكر المحل وارادة الحال. قيل: اسم صاحب القبر طلحة بن البراء بن عمير البلوى، حليف الأنصار، ٣٨٨ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٥- كتاب الجنائز ٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها فقال: متى دفن هذا؟ قالوا: البارحة، قال: أفلا آذنتمونى؟ قالوا: دفناه فى ظلمة الليل فكرهنا أن نوقظك ، فقام فصففنا خلفه، فصلى عليه . روى قصته أبو داود والبيهقى مختصراً من حديث حصين بن وحوح، وقد تقدم (متى دفن) بصيغة المجهول (هذا) الميت (البارحة) أى دفن الليلة الماضية (أفلا آذتمونى) بمد الهمزة أى أدفنتموه فلا اعلتمونى بموته حين مات (فكرهنا أن نوقظك) أى ننبهك من النوم (فصففنا) بفائين (فصلى عليه) أى على قبره صبيحة دفنه، وفيه جواز الدفن بالليل، لأن النبي ◌َّ اطلع على ذلك ولم ينكره، بل أنكر عليهم عدم اعلامهم بأمره. وبدل عليه أيضا حديث ابن عباس عند الترمذى: إن النبي واللّه دخل قبراً ليلا فأسرج له سراج فأخذه من قبل القبلة - الحديث. وحديث جابر عند أبى داود والحاكم قال: رأى ناس ناراً فى المقبرة فأتوها فإذا رسول اللّه مَ ◌ّه فى القبر وإذا هو يقول ناولونى صاحبكم ـ الحديث. وحديث أبى ذر عند ابن أبى شيبة قال : كان رجل يطوف بالبيت يقول أوه اوه قال أبو ذر فرجت ذات ليلة فاذا النبى معَ لته فى المقابر يدفن ذلك الرجل ومعه مصباح، ذكره العينى . وحديث أبى أمامة بن سهل عند مالك والبيهقى وابن عبد البر فى دفن المسكينة ليلا. وحديث أبى سعيد عند ابن ماجه وغير ذلك من الأحاديث: وقد دفن النبى مَ فّه ليلا، كما رواه أحمد عن عائشة، ودفن أبو بكر وعمر ليلا، ودفن على فاطمة ليلا، وبهذا قال مالك والشافعى وأحمد فى الأصح المشهور عنه، وأبو حنيفة واسحاق والجمهور، وكرهه قتادة والحسن البصرى وسعيد بن المسيب وأحمد فى رواية. وقال ابن حزم : لا يجوز أن يدفن أحد ليلا إلا عن ضرورة، وكل من دفن ليلا منه، بَ لّم ومن أزواجه وأصحابه فإنما ذلك لضرورة أوجبت ذلك من خوف زحام أو خوف الحر على من حضر، وحر المدينة شديداً، وخوف تغير أو غير ذلك مما يبيح الدفن ليلا لا يحل لأحد أن يظن بهم خلاف ذلك. واستدل هؤلاء بحديث جابر عند أحمد ومسلم وأبى داود: إن النبي ◌َّ خطب يوما فذكر رجلا من أصحابه قبض فكفن فى كفن غير طائل وقبر ليلا فزجر النبى حو ◌ّه أن يقبر الرجل ليلا حتى يصلى عليه إلا أن يضطر انسان إلى ذلك وقال النبي ◌َ ◌ّ إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه، وأجاب الجمهور عنه بأن النهى ليس لأجل كراهة الدفن ليلا بل لأنهم كانوا يفعلون ذلك بالليل الرداءة الكفن واساءته، كما يدل عليه أول الحديث وآخره وقال الطحاوى: أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهى عن الدفن ليلا أن يصلى على جميع المسلمين لما يكون لهم فى ذلك من الفضل ، يعنى فيستحب تأخير دفنه إلى الصباح أن رجى بتأخير صلاة من ترجى بركته. وقيل: يحتمل أن يكون نهى عن ذلك أولا ثم رخص. وقيل: المنهى عنه الدفن قبل الصلاة، وتعقب بأن الدفن قبل الصلاة منهى عنه مطلقا سواء كان بالليل أو بالنهار. والظاهر أن النهى ٣٨٩ مرعاة المفاتيح ج. ٥ ٥ - كتاب الجنائز ٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها عن الدفن بالليل ولو بعد الصلاة، ففى رواية ابن ماجه من حديث جابر مرفوعا: لا تدفنوا موتاكم بالليل إلا أن تضطروا. وفى الحديث أيضا دليل على صحة الصلاة على القبر بعد دفن الميت سواءا صلى عليه قبل الدفن أم لا. وبه قال أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّم وغيرهم، روى ذلك عن أبى موسى وابن عمر وعائشة وعلى وابن مسعود وأنس وسعيد بن المسيب وقتادة، واليه ذهب الأوزاعى والشافعى وأحمد وإسحاق وابن وهب وداود وسائر أصحاب الحديث ، ويدل لهم أيضا أحاديث من بين صحاح وحسان وردت فى الباب عن جماعة من الصحابة ، أشار اليها الحافظ فى التلخيص (ص ١٦٢) وساق أكثرها بأسانيدها ابن عبد البر فى التمهيد. وقال النخعى والثورى ومالك وأبو حنيفة: لا تعاد الصلاة على الميت إلا للولى إذا كان غائبا ولا يصلى على القبر إلا كذلك ، وعنهم إن دفن قبل أن يصلى عليه شرع الصلاة عليه وإلا فلا، وأحاديث الباب ترد عليهم مطلقا .وقد اعتذر عنها مالك بأنه ليس عمل أهل المدينة عليها ، ولا يخفى ما فيه، وأجاب غيره بأن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم واحتجوا لهذا بقوله وَالله فى حديث أبى هريرة عند مسلم: إن هذه القبور مملوءة ظلبة على أهلها وأن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم قالوا صلاته بر المه كانت لتنوير القبر وذا لا يوجد فى صلاة غيره فلا يكون الصلاة على القبر مشروعا وأجاب ابن حبان عن ذلك بأن فى ترك انكاره م فضل على من صلى معه على القبر بيان جواز ذلك لغيره وأنه ليس من خصائصه وتعقب بأن الذى يقع بالتبعية لا ينتهض دليلا للاصالة ومن جملة ما أجاب به الجمهور عن قوله: إن هذه القبور ملوءة ظلمة الخ أنه مدرج، كما سيأتى. قلت: واستدل بعضهم للخصوصية بقوله ولتله فى حديث يزيد بن ثابت عند أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان والبيهقى: إن صلاقى له رحمة . قال السندى: قد أخذ منه الخصوص من ادعى ذلك، وهذه دلالة غير قوية . وقال الشوكانى : إن الاختصاص لا يثبت إلا بدليل، ومجرد كون الله ينور القبور بصلاته وَ الله على أهلها لا ينفى مشروعية الصلاة على القبر لغيره لا سيما بعد قوله مفتى : صلوا كما رأيتمونى أصلى. وقال ابن حزم: ليس فى الكلام المذكور دليل على أنه خصوص له، وإنما فى هذا الكلام بركة صلاته صلى الله عليه وسلم وفضيلتها على صلاة غيره فقط، وليس فيه نهى غيره عن الصلاة على القبر أصلا، بل قد قال الله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة - الأحزاب: ٢١﴾ انتهى. قال الشوكانى: وهذا باعتبار من كان قد صلى عليه قبل الدفن، وأما من لم يصل عليه ففرض الصلاة عليه الثابت بالأدلة واجماع الأمة باق وجعل الدفن مسقطا لهذا الفرض محتاج إلى دليل - انتهى. هذا واختلف فى المدة التى تشرع فيها الصلاة على القبر فقال أحمد واسحاق وأصحاب الشافعى: إلى شهر . قال أحمد: أكثر ما سمعنا أن النبى يَو ◌ّه صلى على قبر أم سعد بن عبادة بعد شهر. وقيل: يصلى عليه ما لم يبل ٣٩٠ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٥- كتاب الجنائز ٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها متفق عليه . ١٦٧٣ - (١٤) وعن أبى هريرة، أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد، أو شاب، ففقدما رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنها، أو عنه، فقالوا: مات، قال: أفلا كنتم آذتتمونى؟ قال: فكأنهم صغروا أمرها، أو أمره، جسده. وقال أبو حنيفة: يصلى عليه الولى إلى ثلاث ولا يصلى عليه غيره بحال . وقيل: يصلى عليه أبداً، واختاره ابن عقيل من الحنابلة، لأن النبي ◌َ ◌ّ صلى على شهداء أحد بعد ثمان سنين، ولأن المراد من الصلاة عليه الدعاء، وهو جائز فى كل وقت. قال الأمير اليمانى: وهو الحق إذ لا دليل على التحديد بمدة - انتهى. ومال شيخنا إلى ترجيح قول أحمد، ومن وافقه، فقال: الظاهر الاقتصار على المدة التى ثبتت عن رسول اللّه ◌َ اللّه. وأما القياس على مطلق الدعاء وتجويزه فى كل وقت ففيه نظر، كما لا يخفى ـ انتهى. (متفق عليه) أخرجه البخارى بألفاظ هذا أحدها، أورده فى باب صفوف الصبيان مع الرجال على الجنائز، وأخرجه أيضاً ابن ماجه، وأخرجه مسلم، والترمذى، والنسائى، والدار قطنى، والبيهقى مختصراً . ١٦٧٣ - قوله (أن امرأة سوداء) سماها البيهقى فى روايته من حديث ابن بريدة عن أبيه: أم محجن ( كانت تقم المسجد) بضم القاف وتشديد الميم أى تكنسه وتطهره من القمامة أى الكناسة. وفى بعض الطرق: كانت تلقط الخرق والعيدان من المسجد (أو شاب) أى كان يقم ورفعه على أنه عطف على محل اسم أن. وفى صحيح مسلم: أو شابا أى بالنصب منونا عطفا على امرأة، وكذا نقله الجزرى فى جامع الأصول (ج ٧ ص ١٥٤) وقد رواه ابن خزيمة من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة. فقال: امرأة سوداء من غير شك، وبه جزم أبو الشيخ فى كتاب الصلاة، له بسند مرسل. قال القسطلانى: فالشك منا من ثابت على الراجح، وسماها فى رواية البيهقى: أم محجن (ففقدها) أو ففقده أى لم يرها حاضرة فى المسجد (فسأل) أى النبى صلى الله عليه وسلم الناس (عنها أو عنه) على الشك (فقالوا) أى بعضهم، وفى حديث بريدة المتقدم: أن الذى باشر جواب النبى حروفّ منهم هو أبو بكر الصديق رضى الله عنه (مات) أو ماتت (قال) أى النبى صلى الله عليه وسلم (أفلا كنتم آذنتمونى) أى أخبر تمونى بموته أو بموتها لأصلى عليه أو عليها (قال) أى أبو هريرة حكاية عما وقع منهم فى جواب قوله أفلا الخ (فكأنهم) أى المخاطبين (صغروا) أى حقروا (أمرها أو أمره) أى وعظموا أمر النبي ◌َويقوم بتكليفه للصلاة عليه، ولابن خزيمة: قالوا مات من الليل فكرهنا أن نوقظك ، وكذا فى ٣٩١ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٥ - كتاب الجنائز ٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها فقال: دلونى على قبره، فدلوه فصلى عليها، ثم قال: إن هذه القبور ملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلانى عليهم. متفق عليه. ولفظه لمسلم. ١٦٧٤ - (١٥) وعن كريب مولى ابن عباس، عن عبد الله بن عباس، أنه مات له ابن بقديد أو بعسفان، فقال: يا کریب! انظر ما اجتمع له من الناس، حديث بريدة، ووقع فى رواية للبخارى: فحقروا شأنه. قال القسطلانى: لا ينافى ما سبق من التعليل بأنهم كرهوا أن يوقظوه عليه الصلاة والسلام فى الظلمة خوف المشقة إذ لا تنافى بين التعليلين (فقال) النبى حَو ◌ّم (دلونى) بضم الدال أمر من الدلالة (على قبره) أو قبرها (فدلوه) بفتح الدال وضم اللام المشددة (فصلى عليها) أو عليه يعنى على قبرها فيه رد على الحنفية والمالكية حيث منعوا الصلاة على القبر (إن هذه القبور) قال ابن الملك المشار اليها القبور التى يمكن أن يصلى عليها النبى مواقع (ظلمة) بالنصب على التمييز (على أهلها وإن الله ينورها لهم بصلاتى عليهم) قال الطيبي: وهو كأسلوب الحكيم أى ليس النظر فى الصلاة على الميت إلى حقارته ورفعة شأنه، بل هى بمنزلة الشفاعة يعنى فلا تختص بميت دون ميت (متفق عليه) وأخرجه أيضا أبو داود وابن ماجه والبيهقى كلهم من رواية حماد بن زيد عن ثابت البنانى عن أبي رافع عن أبى هريرة (ولفظه لمسلم) أخرجه من طريق أبى كامل الجحدرى عن حماد بن زيد اعلم أن جملة إن هذه القبور إلى آخر الحديث من افراد مسلم وليس للبخارى. قال الحافظ: إنما لم يخرج البخارى هذه الزيادة لأنها مدرجة فى هذا الاسناد ، وهى من مراسيل ثابت بين ذلك غير واحد من أصحاب حماد بن زيد ، وقد أوضحت ذلك بدلاتله فى كتاب بيان المدرج. قال البيهقى: الذى يغلب على القلب أن تكون هذه الزيادة فى غير رواية أبي رافع عن أبى هريرة ، فإما أن تكون عن ثابت عن النبي ◌َّ مرسلة، كما رواه أحمد بن عبدة، ومن تابعه أو عن ثابت عن أنس، كما رواه خالد بن خداش، وقد رواه غير حماد عن ثابت عن أبى رافع فلم يذكرها - انتهى. قال الحافظ: ووقع فى مسند أبي داود الطيالسى عن حماد بن زيدٍ وأبى عامر الخزاز كلاهما عن ثابت بهذه الزيادة ، وفى الحديث فضل تنظيف المسجد ، والسؤال عن الخادم والصديق إذا غاب، وفيه المكافاة بالدعاء والترغيب فى شهود جنائز أهل الخير وندب الصلاة على الميت الحضر عند قبره لمن لم يصل عليه والاعلام بالموت. ١٦٧٤ - قوله (وعن كريب) بالتصغير (أنه مات له) أى لعبد الله (بقديد) بالتصغير موضع قريب مصفان (أو بعسفان) بسم العين شك من الراوى (ما اجتمع له) ما موصولة بينها (من الناس) ويمكن أن يكون ٠ ٣٩٢ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٥ - كتاب الجنائز ٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها قال: خرجت فاذا ناس قد اجتمعوا له، فأخبرته، فقال: تقول هم أربعون؟ قال: نعم، قال: أخرجوه، فانى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا الا شفعهم الله فيه. رواه مسلم. ١٦٧٥ - (١٦) وعن عائشة، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ما من ميت تصلى عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة، كلهم يشفعون له، الا شفعوا فيه. ما بمعنى من (فأخبرته) أى بهم أو باجتماعهم (فقال) أى ابن عباس (تقول) بالخطاب أى تظن. وفى رواية أحمد . قال: يقول أى قال كريب يقول لى أبن عباس (هم أربعون قال) أى كريب (نعم) وظاهر الكلام أن يقول ((قلت)) ففيه تجريد، وذكره الجزرى فى جامع الأصول (ج ٧ ص ١٦١) بلفظ: قال قلت نعم. وفى رواية ابن ماجه فقال ويحك كم تراهم أربعين قلت لا بل هم أكثر ( قال ) أى ابن عباس (أخرجوه) أى الميت (فيقوم) أى للصلاة (على جنازته أربعون رجلا) أى فيصلون عليه ويدعون له (لا يشركون بالله شيئا) وفى رواية ابن ماجه: ما من أربعين من مؤمن يشفعون لمؤمن (إلا شفعهم الله) بتشديد الفاء أى قبل شفاعتهم ( فيه) أى فى حق ذلك الميت (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد (ج١ ص ٢٧٧) وابن ماجه، وأخرج أبو داود والبيهقى من طريقه المسند منه فقط . ١٦٧٥ - قوله (ما من ميت) أى مسلم (تصلى عليه أمة) أى جماعة (من المسلمين) وفى رواية الترمذى والنسائى: لا يموت أحد من المسلمين فيصلى عليه أمة من المسلمين (يبلغون) أى فى العدد (مائة كلهم يشفون له) بسكون الشين وفتح الفاء أى يدعون له (إلا شفعوا) بتشديد الفاء على بناء المفعول أى قبلت شفاعتهم ( فيه ) أى فى حقه ، وفى الحديث استحباب تكثير جماعة الجنازة ويطلب بلوغهم إلى هذا العدد الذى يكون من موجبات الفوز وقد قيد ذلك بأمرين: الأول أن يكونوا شافعين فيه أى مخلصين له الدعاء سائلين له المغفرة. الثانى أن يكونوا مسلمين ليس فيهم من يشرك بالله شيئا، كما فى حديث ابن عباس المتقدم، ويأتى حديث مالك بن هبيرة بلفظ : من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب. ولا اختلاف فى هذه الأحاديث الثلاثة . قال القاضى : قيل هذه الأحاديث خرجت أجوبة لسائلين سألوا عن ذلك فأجاب كل واحد عن سؤاله. قال النووى: ويحتمل أن يكون النبى صلى الله عليه وسلم أخبر بقبول شفاعة مائة فأخبر به ثم بقبول شفاعة أربعين ثم ثلاثة صفوف وإن قل عددهم فأخبر به، قال: ويحتمل أيضا أن يقال هذا مفهوم عدد ولا يحتج به جماهير الأصوليين فلا يلزم من. ٣٩٣ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٥ - كتاب الجنائز ٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها رواه مسلم . ١٦٧٦ - (١٧) وعن أنس، قال: مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرا، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: وجبت، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا، الاخبار عن قبول شفاعة مائة منع قبول ما دون ذلك. وكذا فى الأربعين مع ثلاثة صفوف، وحيتشذ كل الأحاديث معمول بها، وتحصل الشفاعة بأقل الأمرين من ثلاثة صفوف وأربعين ـ انتهى كلام النووى . وقال التوربشتى فى شرح المصابيح: لا تضاد بين حديث عائشة وحديث ابن عباس، لأن السبيل فى أمثال هذا الحديث إن الأقل من العددين متأخر لأن الله تعالى إذا وعد المغفرة لمعنى واحد لم يكن من سنته أن ينقص من الفضل الموعود بعد ذلك بل يزيد عليه فضلا وتكرما على عباده جعلنا حديث ابن عباس فى أربعين متأخراً عن حديث عائشة فى المائة المعنى الذى ذكرنا - انتهى. (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد والترمذى والنسائى والبيهقى، وروى ابن ماجه بمعناه عن أبى هريرة، ومسلم عن أنس، والطبرانى فى الكبير عن ابن عمر، وفيه مبشر بن أبى المليح، قال الهيشى : لم أجد من ذكره . ١٦٧٦ - قوله (مروا) أى الصحابة، وفى رواية مر بضم الميم على البناء للمفعول (فأثنوا عليها) أى ذكروها بأوصاف حميدة فقوله خيراً تأكيد أو دفع لما يتوهم من على (خيراً ) صفة لمصدر محذوف فأقيمت مقامه قنصبت أى ثناء حسنا أو هو منصوب بنزع الخافض أى أثنوا عليها بخير. وفى رواية الحاكم: فقالوا كان يحب الله ورسوله ويعمل بطاعة الله ويسعى فيها وقال فى التي أثنوا عليها شراً فقالوا كان يبغض الله ورسوله ويعمل بمعصية الله ويسعى فيها، ففيه تفسير ما أبهم من الخير والشر فى رواية الشيخين (وجبت) أى ثبتت له الجنة (ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شراً) قال الطبى: استعمال الثناء فى الشر مشاكلة أو تهكم - انتهى. قال القارى: ويمكن أن يكون أثنوا فى الموضعين بمعنى وصفوا، فيحتاج حينئذ إلى القيد، ففى القاموس الثناء وصف بمدح أوضم أو خاص بالمدح - انتهى. وانما مكنوا من الثناء بالشرمع الحديث الصحيح فى البخارى فى النهى عن سب الأموات لأن النهى عن سبهم انما هو فى حق غير المنافقين والكفار وغير المتظاهر بالفسق أو البدعة فأما هولاء فلا يحرم ذكرهم بالشر للتحذير من طريقتهم ومن الاقتداء بآثارهم والتخلق بأخلاقهم، وهذا الحديث محمول على أن الذى أثنوا عليه شراً كان مشهوراً بنفاق أو نحوه، قاله النووى. قال الحافظ: يرشد إلى ذلك مارواه أحمد من حديث أبي قتادة باسناد صحيح أنه يَ اللّه لم يصل على الذى أثنوا عليه شراً وضلى على الآخر - انتهى. وقيل النهى عن سب الأموات محمول على ما بعد الدفن والجواز على ما قبله ليتعظ به من يسمعه من فساق الأحياء، وقيل : يحتمل أن ٣٩٤ مرعاة المفاتيح ج . ٥ - كتاب الجنائز ٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها فقال: وجبت، فقال عمر: ما وجبت؟ فقال: هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا فوجيت له النار، أنتم شهداء الله فى الأرض. يكون حديث أنس، وما فى معناه قبل ورود النهى العام. وقيل: إن هذا كان على معنى الشهادة والمنهى عنه هو على معنى السب وما كان على جهة الشهادة وقصد التحذير لا يسمى سبا فى اللغة (فقال النبى مُؤم وجبت ) أى حقت له النار (فقال عمر ما وجبت) أى ما المراد بقولك وجبت فى الموضعين أراد التصريح بما يعلم من قيام الفرينة (هذا أننيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة وهذا) أى الآخر (أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار) قال الحافظ: المراد بالوجوب الثبوت إذ هو فى صحة الوقوع كالشىء الواجب، والأصل أنه لا يجب على اللّه شىء بل الثواب فضله والعقاب عدله لا يسئل عما يفعل، وفى رواية مسلم : من أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة ، وهو أبين فى العموم من رواية البخارى، وفيه رد على من زعم أن ذلك خاص بالميتين المذكورين لغيب اطلع الله نبيه عليه وإنما هو خبر عن حكم أعلمه الله به (أنتم شهداء الله فى الأرض) قيل: الخطاب مخصوص بالصحابة ، لأنهم كانوا ينطقون بالحكمة بخلاف من بعدهم. وقيل: بل المراد هم ومن كانوا على صفتهم من الايمان وقيل: الصواب أن ذلك يختص بالثقات والمتقين. ونقل الطيبى عن بعض شراح المصابيح: أنه قال ليس معنى قوله «أنتم شهداء الله)) أن ما يقول الصحابة والمؤمنون فى حق شخص يكون كذلك، لأن من يستحق الجنة لا يصير من أهل النار بقولهم ((ولا من يستحق النار)) يصير من أهل الجنة بقولهم، بل معناه أن الذى أثنوا عليه خيرارأوا منه الصلاح والخيرات فى حياته، والخيرات والصلاح علامة كون الرجل من أهل الجنة، والذى أثنوا عليه شرا رأوا منه الشر والفساد والشر والفساد من علامة النار، فترجى الجنة لمن شهد له بالخير، ويخاف النار لمن شهد له بالشر وتعقبه الطبى بأن قوله ((وجبت)) بعد ثناء الصحابة حكم عقب وصفا مناسبا، وهو يشعر بالعلية، وكذا الوصف بقوله أنتم شهداء الله فى الأرض، لأن الاضافة للتشريف وأنهم بمكان ومنزلة عالية عند الله وهو أيضا كالتزكية من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته واظهار عدالتهم بعد أداء شهادتهم لصاحب الجنازة، فينبغى أن يكون لها أثر ونفع فى حقه وأن الله تعالى يقبل شهادتهم ويصدق ظنونهم فى حق المثنى عليه كرامة لهم وتفضلا عليهم كمالدعاء والشفاعة فيوجب لهم الجنة والنار على سبيل الوعد والوعيد ، لأن وعده حق لابد من وقوعه فهو كالواجب إذ لا أثر للعمل ولا الشهادة فى الوجوب وإلى معنى الحديث يرمز قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا - البقرة: ١٤٣) أى جعلناكم عدولا خيار الشهود لتشهدوا على غيركم ويكون الرسول رقيبا عليكم ومزكيا لكم ويبين عدالتكم. وقال النووى: قيل ٣٩٥ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٥ - كتاب الجنائز ٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها متفق عليه . وفى رواية: المؤمنون شهداء الله فى الأرض. ١٦٧٧ - (١٨) وعن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة، قلنا: وثلاثة؟ قال: وثلاثة، قلنا: واثنان؟ قال: واثنان، ثم لم نسأله عن الواحد. رواه البخارى. هذا مخصوص بمن أثنى عليه أهل الفضل وكان ثناءه لهم مطابقا لأفعاله فهو من أهل الجنة فإن كان غير مطابق فلا وكذا عكسه قال والصحيح أنه على عمومه واطلاقه، وإن كل مسلم مات فألهم الله الناس أو معظمهم الثناء عليه كان ذلك دليلا على أنه من أهل الجنة سواء كانت أفعاله تقتضى ذلك أم لا إذ العقوبة غير واجبة بل هو فى خطر المشيئة فإذا ألهم الله الناس الثناء عليه استدللنا بذلك على أنه تعالى قد شاء المغفرة له، وبهذا تظهر فائدة الثناء وإلا فاذا كانت أفعاله مقتضية للجنة لم يكن للثناء فائدة. وقد أثبت النبى صلى الله عليه وسلم له فائدة - انتهى. قال الحافظ : وهذا فى جانب الخير واضح، ويؤيده ما رواه أحمد وابن حبان والحاكم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس مرفوعا: ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة من جيرانه الأدنين أنهم لا يعلمون منه إلا خيرا قال، الله تعالى: قد قبلت قولكم وغفرت له مالا تعلمون. وأما جانب الشر فظاهر الأحاديث أنه كذلك، لكن انما يقع ذلك فى حق من غلب شره على خيره، وقد وقع فى رواية النضر بن أنس عن أبيه عند الحاكم فى آخر الحديث: إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بنى آدم بما فى المرأ من الخير والشر - انتهى. (متفق عليه) واللفظ للبخارى فى الجنائز، وأخرجه أيضا أحمد، والترمذى، والنسائى، وابن ماجه، والبيهقى وأخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائى، وابن ماجه عن أبى هريرة بنحوه (وفى رواية) أى البخارى فى الشهادات (المؤمنون) اللام الجنس (شهداء الله فى الأرض) الاضافة تشريفية ومشعرة بأنهم عند الله بمنزلة فی قبول شهادتهم . ١٦٧٧ - قوله (أيما مسلم شهد له أربعة) من المسلمين وظاهره العموم، كما اختاره النووى ( بخير) أى أثنوا عليه بجميل (أدخله الله الجنة) بفضله تصديقا لظن المؤمنين فى حقه ( قلنا) أى عمر وغيره (وثلاثة) أى وما حكم ثلاثة ( قال ) أى الفی صلى الله عليه وسلم (وثلاثة) أى وكذلك ثلاثة ، وقيل: هو وما قبله عطف تلقين (ثم لم نسأله عن الواحد) قيل: الحكمة فى الاقتصار على الاثنين. لأنهما نصاب الشهادة غالبا. وقال الزين بن المنير: انما لم يسأل عمر عن الواحد استبعادًا منه أن يكتفى فى مثل هذا المقام العظيم بأقل من النصاب (رواه البخارى) فى الجنائز والشهادات من طريق عبد الله بن بريدة عن أبى الأسود الديلى التابعى الكبير المشهور ٣٩٦ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٥ - كتاب الجنائز ٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها ١٦٧٨ - (١٩) وعن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا الأموات فانهم قد أفضوا إلى ما قدموا. رواه البخارى. ١٦٧٩ - (٢٠) وعن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلی احد فی نوب واحد ، عن عمر. قال الحافظ: لم أره من رواية عبد الله بن بريدة عن أبى الأسود إلا معنعنا، وقد حكى الدار قطنى فى كتاب التتبع عن على بن المدينى أن ابن بريدة أنما يروى عن يحيى بن يعمر عن أبى الأسود ولم يقل فى هذا الحديث سمعت أبا الأسود. قال الحافظ وابن بريدة: ولد فى عهد عمر فقد أدرك أبا الأسود بلا ريب لكن البخارى لا يكتفى بالمعاصرة فلعله أخرجه شاهداً واكتفى للأصل بحديث أنس الذى قبله والله أعلم - انتهى. والحديث أخرجه أيضا أحمد ، والترمذى، والنسائى، والبيهقى. ١٦٧٨ - قوله (لا تسبوا الأموات) ظاهره النهى عن سب الأموات على العموم، وقد خصص هذا العموم بما تقدم فى حديث أنس أنه قال صلى الله عليه وسلم عند ثنائهم بالخير والشر وجبت أنتم شهداء الله فى الأرض ولم ينكر عليهم ولم ينههم عن الثناء بالشر بل أقرهم على ذلك. وقيل: إن اللام فى الأموات عهدية، والمراد بهم المسلمون. وقد ذكرنا توجيهات أخرى فى شرح حديث أنس. قال الشوكانى والوجه تبقية الحديث على عمومه الا ماخصه دليل كالثناء على الميت بالشر (على جهة الشهادة ) وجرح المجروحين من الرواة أحياء وأمواتا لاجماع العلماء على جواز ذلك وذكر مساوى الكفار والفساق للتحذير منهم والتنفير عنهم (فانهم قد ، أفضوا) بفتح الهمزة والضاد أى وصلوا (إلى ما قدموا) من التقديم أى لأنفسهم من الأعمال والمراد جزاءها أى فلا ينفع سبهم فيهم، كما ينفع سب الحى فى النهى والزجر حتى لا يقع فى الهلاك نعم قد يتضمن سبهم مصلحة الحى ، كما إذا كان لتحذيره عن طريقهم مثلا فيجوز لذلك كما تقدم (رواه البخارى) فى الجنائز، وفى الرقاق ، وأخرجه أيضا أحمد ، والنسائى، والبيهقى. ١٦٧٩ - قوله ( کان يجمع بين الرجلین من قتلی أحد) جمل قتيل أی شهداء غزوة أحد (فى ثوب. واحد) أى من الكفن للضرورة، ولا يلزم منه تلاقى بشرتهما إذ يمكن حيلولتهما بنحو إذخر، ويحتمل أن الثوب كان طويلا فقطعه بينهما نصفين وكفن كل واحد على حياله، ويؤيد الأول بل يعينه قول جابر فى تمام الحديث عند البخارى، فکفن أبی وعی فی نمرة واحدة وقال المظهر فى شرح المصابيح قوله : فی ثوب واحد ، أى فى قبر واحد إذ لا يجوز تجريدهما فى ثوب واحد بحيث تتلاقى بشرتاهما. قال السندى: نقله عنه غير واحد وأقروه عليه ٣٩٧ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٥ - كتاب الجنائز ٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها ثم يقول: أيهم أكثر أخذا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه فى اللحد، وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة ، وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصل عليهم، ١ لكن النظر فى الحديث يرده ، بقى أنه ما معنى ذلك ، والشهيد يدفن بثيابه التى كانت عليه ، فكان هذا فيمن قطع نو به ولم يبق على بدنه أو بقى منه قليل لكثرة الجروح، وعلى تقدير بقاء شىء من الثوب السابق فلا اشكال، لكونه فاصلا عن ملاقاة البشرة ، وأيضاً قد اعتذر بعضهم عنه بالضرورة. وقال بعضهم: جمعهما فى ثوب واحد هو أن يقطع الثوب الواحد بينهما - انتهى. (أيهم أكثر أخذاً للقرآن) بالنصب على التمييز فى أخذاً. وفى رواية الترمذى: حفظاً للقرآن (فاذا أشير له) أى للنى رؤيته (إلى أحدهما قدمه) أى ذلك الأحد (فى اللحد) بفتح اللام وسكون الحاء، أى الشق فى عرض القبر جانب القبلة سمى لحدا، لأنه شق يعمل فى ناحية من القبر مائلا عن وسطه قدرما يوضع الميت فى جهة القبلة والالحادلغة الميل وفيه دليل على جواز تكفين الرجلين فى ثوب واحد لأجل الضرورة وفيه جمع الرجلين فصاعدا فى لحد لأجل الضرورة، ففي رواية عبد الرزاق : كان يدفن الرجلين والثلاثة فى قبر واحد. وروى أصحاب السنن عن هشام بن عامر الأنصارى قال: جاءت الأنصار إلى رسول اللّه ◌َو ◌ّه يوم أحد فقالوا أصابنا قرح وجهد فقال احفروا وأوسعوا واجعلوا الرجلين والثلاثة فى قبر. صححه الترمذى، ومثله المرأتان والثلاث. وفيه أنه يقدم الأكثر أخذاً للقرآن على غيره لفضيلة القرآن ، كنظيره فى الامامة فى الحياة ويقاس عليه سائر جهات الفضل إذا جمعوا فى اللحد (وقال) أى التى مرتبات (أنا شهيد على هؤلاء ) كلمة على فى مثله تحمل على معنى اللام أى أنا شفيع لهؤلاء وأشهد لهم بأنهم بذلوا أرواحهم وتركوا حياتهم لله تعالى وفيه تشريف لهم وتعظيم والا فالأمر معلوم عنده تعالى (ولم يصل عليهم) قال الحافظ فى الفتح: هو مضبوط فى روايتنا بفتح اللام، وهو اللائق بقوله بعد ذلك ((ولم يغسلوا)) وسيأتى من وجهآخر بلفظ: ولم يصل عليهم ولم يغسلهم وهذه بكسر اللام والمعنى ولم يفعل ذلك بنفسه ولا بأمره - انتهى. وفيه دليل على أنه لا يصلى على الشهيد المقتول فى معركة الكفار، ويدل عليه أيضاً ما روى أحمد والترمذى وحسنه، وأبو داود والدارقطنى والحاكم عن أنس: إن شهداء أحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم ولم يصل عليهم - انتهى. وفى ذلك خلاف بين العلماء معروف فتقال مالك والشافعى واسحاق وأحمد فى المشهور عنه: بمنع الصلاة عليه عملا بحديثى جابر وأنس. وقال الثورى وأبو حنيفة: يجب الصلاة عليه كسائر الأموات عملا بعموم أدلة الصلاة على الميت ، وبأحاديث رويت فى الصلاة على قتلى أحد حمزة وغيره من الشهداء، وقد سردها الزيلعى فى نصب الراية، والحافظ فى التلخيص، وبعضها حسن وبما روى البخارى وغيره عن عقبة بن عامر: أنه صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد، وبما روى أبو داود، ٣٩٨ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٥ - كتاب الجنائز ٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها وسكت عنه هو والمنذرى عن أبى سلام عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: طلب رجل من المسلمين رجلا من جهينة فضربه فأخطأه وأصاب نفسه بالسيف فابتدره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدوه قد مات فلفه رسول اللّه ◌َوالم بثيابه ودمائه وصلى عليه انتهى - مختصراً. وبما روى النسائى والطحاوى والحاكم والبيهقى عن شداد بن الهاد الليثى الصحابى: أن رجلا من الأعراب جاء إلى النبي نَّ فآمن به واتبعه الحديث، وفيه أنه استشهد فصلى عليه النبي مؤلّ وذهب أحمد فى رواية إلى أن الصلاة عليه مستحبة، قال ابن قدامة: صرح بذلك أى بالاستحباب فى رواية المروذى فقال الصلاة عليه أجود وإن لم يصلوا عليه أجرأ - انتهى. وقال ابن حزم: إن صلى على الشهيد لحسن وإن لم يصل عليه حسن واستدل بحديثى جابر وعقبة وقال ليس يجوز أن يترك أحد الأثرين المذكورين للآخر، بل كلاهما حق مباح، وليس هذا مكان نسخ، لأن استعمالهما معاممكن فى أحوال مختلفة وأجاب الحنفية عن حديثى جابر و أنس: بأن النفى محمول على نفى الصلاة منفرداً، ولكنه كان يصلى على تسعة تسعة أو عشرة عشرة وحمزة معهم، كما تدل عليه الروايات، أو المعنى أنه لم يصل على أحد كصلاته على حمزة حيث صلى عليه مراراً لمزيد الرحمة والرأفة والبركة وصلى على غيره مرة ثم أعاد الصلاة عليهم بأن صلى عليهم بعد ثمان سنين صلاته على الميت وكان توديعاً لهم وقال بعضهم: إنه لم يصل عليهم يوم أحد أى حال الوقعة ، وعليه يحمل رواية جابر وأنس : ثم صلى عليهم قبيل وفاته، استدراكاً لما فاته كما يشهد له حديث عقبة بن عامر عند البخاري وغيره: أنه صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين ، كالمودع للاحياء والأموات قالوا ترك الصلاة عليهم يوم أحد لاشتغاله عنهم قلة فراغه لذلك وكان يوماً صعباً على المسلمين فعذروا بترك الصلاة عليهم يومئذ قالوا وتجوز الصلاة على القبر ما لم يتفسخ الميت والشهداء لا يتفسخون ولا يحصل لهم تغير فالصلاة عليهم لا تمتنع أى وقت كان وأجابوا أيضاً بأن أحاديث الصلاة مثبتة والاثبات مقدم على النفى. وأجاب الشافعية عن حديث عقبة بن عامر بأن المراد بالصلاة فيه الدعاء والاستغفار كقوله وصل عليهم لا الصلاة على الميت المعهودة . قال النووي: المراد بالصلاة هنا الدعاء، وأما كونه مثل الذى على الميت ، فمعناه أنه دعالهم بمثل الدعاء الذى كانت عادته أن يدعوبه الموتى، والتشبيه لا يقتضى التسوية من كل وجه فقوله ((صلاته على الميت)) لا يمنع من حمل الصلاة على الدعاء والاستغفار. قال الأمير اليمانى ويؤيد كونه دعا لهم عدم الجمعية بأصحابه إذ لو كانت صلاة الجنازة المعهودة لأشعر أصحابه وصلاها جماعة، كما فعل فى صلاته على النجاشى فان الجماعة أفضل قطعا وأهل أحد أولى الناس بالأفضل ولأنه لم يرو عنه أنه صلى على قبر فرادى. وقال فى فيض البارى ( ج ٢ ص ٤٧٨) بعد ذكر تأويل النووى ٣٩٩ مرعاة المفاتيح ج ٥ ٥ - كتاب الجنائز ٥ - باب المشى بالجنازة والصلاة عليها المذكور، ورد عليه العينى فقال: إنه ليس بتأويل بل تحريف فان المفعول المطلق للتشبيه فقوله ((صلاته على الميت)) صريح فى أنه صلى عليهم ، كما يصلى على الجنائز. أقول والصواب، كما قاله النووى. فانى تتبعت الروايات فتبين أن صلاته تلك كانت فى السنة التى مات فيها وكانت فى المسجد النبوى واليه يشير لفظ البخارى: ثم انصرف إلى المنبر وأين كان المنبر فى أحد فروجه صلى اللّه عليه وسلم فى تلك الواقعة انما هو فى المسجد لا إلى أحد، وانما أراد بذلك أن يدعو لهم قبيل خروجه من الدنيا أيضا لمزيد فضلهم قال وسها من زعم أن خروجه كان إلى أحد فانه بثلاثة أميال من المدينة - انتهى. وأجابوا عن أحاديث الصلاة على قتلى أحد مع حمزة بأن كلها مدخولة لا يخلو واحد منها عن كلام. قال المجد بن تيمية فى المنتقى: وقد رويت الصلاة عليهم بأسانيد لا تثبت - انتهى. وقد أعلى الشافعى بعض روايات الصلاة على قتلى أحد، وعلى حمزة بأنه متدافع، قال فى كتاب الأم (ج١ ص ٣٣٧) كيف يستقيم أنه عليه السلام صلى على حمزة سبعين صلاة إذا كان يونى بتسعة وحمزة عاشرهم وشهداء أحد انما كانوا اثنين وسبعين شهيداً فإذا صلى عليهم عشرة عشرة فالصلاة أنما تكون سبع صلوات أو ثمانيا فمن أين جاءت سبعون صلاة وأجيب عنه بأن المراد صلى على سبعين نفسا وحمزة معهم كلهم فكأنه صلى عليه سبعين صلاة وأجاب الزيلعى وابن التركانى عنه بوجه آخر ثم قال الشافعى: وإن كان عنى سبعين تكبيرة فتحز وهم نزعم أن التكبير على الجنائز أربع فهى إذا كانت تسع صلوات تكون ستا وثلاثين تكبيرة فمن أين جاءمت أربع وثلاثون وأجاب بعض الحنفية عنه بأنه إن كان مراد الامام الشافعى أن الأمر استقر على أربع تكبيرات فى الجنائز فسلم وهذا لا يرد التأويل لأنه ثبت أنه عليه السلام كبر على الجنائز ثلاثًا و أربعا وخمسا وأكثر من ذلك، وفى جنازة حمزة كبر تسعا. كمارواه الطحاوى (ص ٢٩٠) من حديث عبد الله بن الزبير والطبرانى فى الكبير والأوسط من حديث ابن عباس. قال الهيشمى: وأسناده حسن وإن أراد أنه عليه السلام لم يكبر على جنازة أكثر من أربع تكبيرات قط وإنه وإننا متفقان على هذا فهذا ليس بصحيح - انتهى. وأجاب البيهقى عن حديث شداد بن الهاد بأنه يحتمل أن يكون الأعرابى بقى حيا حتى انقضت الحرب ثم مات فصلى عليه رسول اللّه ◌َوَّه والذين لم يصل عليهم بأحد ماتوا قبل انقضاء الحرب - انتهى. ولا يخفى ما فيه فانه احتمال غير ناشئ عن دليل فلا يلتفت اليه وأجاب بعضهم بأنه مرسل لأن شداد بن الهاد تابعى وفيه أن شداداً هذا صحابى معروف شهيد الخندق وما بعدها فالحديث موصول وأما حديث أبى سلام الذى استدل به للصلاة على الشهيد ، فقال الشوكانى: لم أقف المانعين من الصلاة على جواب عليه، وهو من أدلة المثبتين لأنه قتل فى المعركة بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماه شهيداً وصلى عليه - انتهى. والقول الراجح عندى ما حكى عن أحمد: أن الصلاة على الشهيد مسحبة غير واجبة إن صلى عليه كان ٤٠٠