Indexed OCR Text

Pages 321-340

مر عاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت
صلى الله عليك وعلى جسد كنت أمرينه، فينطلق به إلى ربه، ثم يقول: إنطلقوا به إلى آخر
الأجل. قال: وإن الكافر إذا خرجت روحه، قال حماد: وذكر من نتها وذكر لعنا، ويقول أهل السماء:
روح خبيثة بانت من قبل الأرض، فيقال: إنطلقوا به إلى آخر الأجل. قال أبو هريرة: فرد
رسول الله صلى الله عليه وسلم ريطة كانت عليه على أنقه هكذا. رواه مسلم.
١٦٤٤ - (١٥) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم: إذا حضر المؤمن.
أى من جهتها صفة ثانية (صلى الله عليك) أى أنزل الرحمة عليك، والخطاب للروح. قال الطيبي: فى عليك التفات
من الغيبة فى قوله جاءت إلى الخطاب، وفائدته مزيد اختصاص لها بالصلاة عليها (وعلى جسد كنت تعمرينه) بضم
الميم. قال الطيبي: استعارة شبه تدبيرها الجسد بالعمل الصالح بعمارة من يتولى مدينة ويعمرها بالعدل والإحسان
(فينطلق به) على بناء المفعول (الى ربه) وفى حديث براء الآتى إلى السماء السابعة (ثم يقول) أى الرب سبحانه
(انطلقوا به) أى الآن أى ليكون مستقرا فى الجنة أو عندها (إلى آخر الأجل) قال القارى: المراد بالأجل هنا
مدة البرزخ ، يعنى اذهبوا به إلى المكان الذى أعد له إلى وقت القيامة. قال الطيبي: يعلم من هذا أن لكل أحد
أجلين أولا وآخرا ويشهد له قوله تعالى: ﴿ثم قضى أجلا وأجل مسمى - الأنعام: ٢) عنده أى أجل الموت
وأجل القيامة. وقال القاضى: المراد هنا إنطلقوا بروح المؤمن إلى سدرة المنتهى، وفى روح الكافر انطلقوا بروح
الكافر الى سجين فهى منتهى الأجل، ويحتمل أن المراد إلى انقضاء الدنيا (وذكر من نتنها) بسكون التاء (وذكر لعناً)
أى مع النتن فان البعد من لوازم الفتن (روح خيئة جاءت) أى قاربت السماء (فيقال انطلقوا به) قال الطبى:
ذكرههنا يقال وفى الأول يقول رعاية لحسن الأدب حيث نسب الرحمة الى الله سبحانه ولم ينسب اليه الغضب
كما فى قوله تعالى: ﴿أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم - الفاتحة: ٧ ) (فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم ريطة)
أى طرف ريطة وهى بفتح الراء واسكان الياء التحقية كل ملاءة على طاقة واحدة ليست لفقتين، وقيل : كل توب
رقيق ( كانت عليه) أى على بطنه عليه الصلاة والسلام (على أنفه) متعلق برد. قال الطيبي: رد رسول الله صلى الله
عليه وسلم الريطة على الأنف لما كوشف بروح الكافر وشم من نتن ريح روحه كما أنه غطى رأسه حين مر بالحجر
لما شاهد من عذاب أهلها ، وقيل: رد عليه السلام الريطة على أنفه ليرى أصحابه كيف تنقى الملائكة نتن ريح تلك
الروح بوضع شىء على الأنف لئلا تتضرر بذلك (هكذا) أى كفعلى هذا وكان أبو هريرة وضع ثوبه على أنفه.
بكيفية خاصة صدرت منه عليه الصلاة والسلام (رواه مسلم) قبيل كتاب الفتن.
١٦٤٤ - قوله (إذا حضر المؤمن) على بناء المفعول أى حضره الموت. وفى رواية الحاكم: إذا احتضر
٣٢١

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت
أقت ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: أخرجى راضية مرضيا عنك، إلى روح الله وريحان،
ورب غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك، حتى إنه ليناوله بعضهم بعضا حتى يأتوا به أبواب
السماء، فيقولون: ما أطيب هذه الربح التى جاءتكم من الأرض! فيأتون به أرواح المؤمنين، فلهم
أشد فرحا به من أحدكم بغايبه يقدم عليه، فيسألونه: ماذا فعل فلان؟ فيقولون: دعوه،
وفى رواية ابن حبان: إذا قبض (أتت) وفى النسائى: أنته ( ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء ) ولعل روحه تلف فيها
وترفع إلى السماء والكفن الدنيوى يصحب الجسد الصورى، قاله القارى. وفى رواية أبى حاتم: أن المؤمن إذا
حضره الموت حضرته ملائكة الرحمة فإذا قبض جعلت روحه فى حريرة بيضاء فينطلق بها إلى باب السماء (أخرجى)
الخطاب للنفس فيستقيم هذا الخطاب مع عموم المؤمن للذكروالأنثى (راضية) عن الله سابقا وبثواب الله لاحقا
(مرضيا عنك) أى أولا وآخراً. وفى بعض النسخ: مرضية عنك، كما فى النسائى (إلى روح اللّه) بفتح الراء
أى رحمته أوراحة منه (وريمان) أى رزق أو مشموم (كأطيب ريح المسك) حال أى حال كونه مثل أطيب ريح
المسك. وقيل: صفة مصدر محذوف أى خروجا كخروج أطيب ريح المسك، يعنى تخرج خروجا مثل ريح مسك
بفتق فأرتها وهو قد فاق سائر أرواح المسك (حتى أنه) أى روح المؤمن (ليناوله بعضهم بعضا) أى بتداولونه
ويصعدون به من يد إلى يد تكريما وتعظماوتبركا وتشريفا لا كسلا وتعبا (حتى يأتوا به) وفى رواية الحاكم: يشمونه
حتى يأتوا به (أبواب السماء) أى بابا بعد باب. وفى النسائى والمستدرك: باب السماء، وهو منصوب بنزع الخافض
أى إلى أن يأتوا به، وهو غاية الناولة (فيقولون) أى بعض الملائكة لبعض ملائكة السماء على جهة التعجب من
غاية عظمة طيبه (فيأتون به) وفى رواية الحاكم: فكلما أتوا سماء قالوا ذلك حتى يأتوا به ( أرواح المؤمنين)
منصوب بنزع الخافض أى إلى مقر أرواحهم فى عليين (لهم ) الضمير المؤمنين أو لأرواحهم (أشد فرحا) قال
الطيبي: اللام المفتوحة لام الابتداء مؤكدة نحو قوله تعالى: ﴿لهو خير الصابرين - النحل: ١٢٦ ) وهم مبتدأ
وأشد خبره؛ ولا يبعد أن تكون اللام جارة، والتقدير لهم فرح هو أشد فرحا على توصيف الفرح بكونه فرحا
على الجاز. فيكون الفرح فرحا على سبيل المبالغة. قلت: ويؤيد الأول رواية الحاكم بلفظ: فلهم أفرح به (به)
أى بقدومه (من أحدكم) أى من فرح أحدكم (بغائيه يقدم عليه) أى حال قدومه (فيسألونه) أى بعض أرواح
المؤمنين (ماذا فعل فلان) على بناء الفاعل، والمراد ما شأنه وحاله (ماذا فعل فلان) تأكيد أو المراد شخص
آخر، وهو الأظهر (فيقولون) أى بعض أخر من الأرواح (دعوه) أى أتركوه، زاد فى رواية الحاكم: حتى
٣٢٢

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت
فانه كان فى غم الدنيا. فيقول: قد مات، أما أتاكم؟ فيقولون: قد ذهب به إلى أمه الهاوية. وإن
الكافر إذا احتضر أنته ملائكة العذاب بمسح، فيقولون: أخرجى ساخطة مسخوطا عليك إلى عذاب .
الله عزوجل. فتخرج كانتن ريح جيفة، حتى يأتون به إلى باب الأرض، فيقولون: ما أنتن هذه
الربح، حتى يأتون به أرواح الكفار. رواه أحمد، والنسائى .
١٦٤٥ - (١٦) وعن البراء بن عازب، قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فى جنازة رجل
من الأنصار، فانتهينا إلى القبر، ولما يلحد،
يستريح. قال الطيبى: أى يقول بعضهم لبعض دعو القادم فإنه حديث عهد بتعب الدنيا ( فانه ) أى الشأن.
(كان ) أى القادم (فى غم الدنيا) أى إلى الآن ما استراح من همها (فيقول) أى القادم فى جواب السؤال
(قدمات) أى فلان المسئول (أما أتاكم) أى أما جاءكم (فيقولون) وفى رواية الحاكم: فإذا قال لهم أما أتاكم فانه
قد مات قال فيقولون أى أرواح المؤمنين (قد ذهب به) على بناء المفعول (إلى أمه الهاوية) أى أنه لم يلحق بنا
فقد ذهب به إلى النار ، والهاوية من أسماء النار كأنها النار العميقة تهوى أهل النار فيها مهوى بعيداً ، وهى بدل
أو عطف بيان، وتسمية النار إما باعتبار أنها ماوى صاحبها كالأم ماوى الولد ومفزعه، ومنه قوله تعالى:
﴿فَأَمه حاوية - القارعة: ٩﴾ (إذا احتضر) بصيغة المجهول (يمسح) بكسر الميم البلاس. وقال النووى: هو
ثوب من الشعر غليظ معروف (أخرجى) أى إلى غضب الله (ساخطة) أى كارهة غير راضية عن اللّه حيا وميتا
(مسخوطا) أى مغضوبا (إلى عذاب الله) متعلق بأخرجى (حتى يأتون به) باثبات النون ورفعه على حكاية الحال
الماضية على حد وزلزلوا حتى يقول الرسول فى قراءة نافع بالرفع أى حتى أتوا به (إلى باب الأرض) فيرد إلى
أسفل السافلين (فيقولون) أى ملائكة الأرض (حتى يأتون به) وفى رواية الحاكم كلما أتوا على أرض قالوا
ذلك حتى يأتوا به فيتعين أن يكون حتى غاية لقولهم ذلك (أرواح الكفار) ومحلها سجين ، وهو موضع فى مقر
جهنم (رواه أحمد) (ج٤ ص٢٨٧ - ٢٨٨ (والنسائى) فى الجنائز، وأخرجه أيضا البزار، وأبو حاتم،
وابن حبان فى صحيحيهما، والحاكم (ج ١ ص ٣٥٢ - ٣٥٣) وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.
١٦٤٥ - قوله ( خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فى جنازة رجل من الأنصار) أي إلى البقيع
( فانتهينا إلى القبر) أى وصلنا اليه (ولما يلحد) من الخد أو ◌َّد كمنع على بناء المفعول أو الفاعل أى الحفار،
٣٢٣

مرعاة المفاتيح ج .
٥ - كتاب الجنائز
٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت
فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله، كان على رؤسنا الطير، وفى يده عود ينكت
به فى الأرض، فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر، مرتين أو ثلاثا، ثم قال: إن
العبد المؤمن إذا كان فى انقطاع من الدنيا، واقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض
الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحوط من حنوط الجنة، حتى
يجلسوا منه مد البصر، ثم يجىء ملك الموت عليه السلام، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها
النفس الطيبة: أخرجى إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من السقاء،
يقال ألحد الميت ولحده أى دفنه وألحد اللحد ولحده أى حفره وألحد لليت ولحد له حفر له لحداً، ولما بمعنى لم،
وفيه توقع، فدل على نفى اللحد فيما مضى وعلى توقعه فيما يستقبل، والجملة حال أى وصلنا إلى القبر حال كون الميت
لم يحفر اللحد له بعد (جلس رسول اللّه ◌َفَّى) فى انتظار أن يحفر اللحد (وجلسنا حوله كأن) بتشديد النون.
وفى رواية: وكأن (على رؤسنا الطير) بالنصب على أنه اسم كأن، وهذا كناية عن غاية السكون أى لا يتحرك منا
أحد ولا يتكلم توقيرا لمجلسه عَلَّة، والمعنى جلسنا ساكنين متأديين فى حضرته متواضعين بحيث يكاد يقعد الطير على
رؤسنا والطير لا يكاد يقعد إلا على شىء لا تحرك له وكانوا رضى الله عنهم يراعون أوقاته فأحياناً يتكلمون عنده
ويضحكون وأحيانا يتأدبون ولا يتحركون. قال الجزرى: وصفهم بالسكون والوقار وأنهم لم يكن فيهم طيش
ولا خفة لأن الطير لا تكاد تقع إلا على شىء ساكن (وفى يده عود ينكت) بضم الكاف (به فى الأرض) أى
يؤثر بطرف العود الأرض فعل المتفكر المهموم ، ذكره الطيبى . يقال نكت الأرض بقضيب أى ضربها به حال
التفكر فأثر فيها، ويسمى المعنى الدقيق الذى أخرج بدقة نظر وامعان فكر نكتة لأن من عادة المتفكر أن
ينكت (مرتين أو ثلاثا) ظرف لقال و أو الشك من الراوى (فى انقطاع من الدنيا) أى ادبار منها (وإقبال من
الآخرة) أى اتصال بها (كأن وجوههم الشمس) أى وجه كل واحد منهم كالشمس (وحنوط) بفتح الحاء. قال
الطيبى: الحنوط ما يخلط من الطيب لأ كفان الموتى وأجسادهم (حتى يجلسوا منه مد البصر) أى قريبا منه
( الطيبة) وفى رواية الحاكم وابن منده: المطمئنة (اخرجى إلى مغفرة من الله ورضوان) أى ليس أمامك إلا
المغفرة والرضوان، وفيه بشارة دفع العذاب وكمال الثواب ( قال ) أى النبى صلى الله عليه وسلم (فتخرج)
أى روحه ( تسيل ) حال (كما تسيل القطرة) أى كسيلان القطرة فى السهولة (من السقاء) بكسر السين أى القربة
وفى المسند: من فى السقاء، والمقصود بيان أن الروح تخرج من البدن بسهولة. قال القارى: لا منافاة بين اضطراب.
٣٢٤

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت
فيأخذما، فإذا أخذها، لم يدعوها فى يده طرفة عين حتى يأخذوما، فيجعلوها فى ذلك الكفن، وفى
ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها
فلا يمرون - يعنى بها - على ملاً من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان
بأحسن أسمائه التى كانوا يسمونه بها فى الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له،
فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوما إلى السماء التى تليها، حتى ينتهى به إلى السماء السابعة،
الجسد وسهولة خروج الروح بل قد يكون الأول سببا للثانى كما أن رياضة النفس وتضعيف البدن عند الصوفية
موجب لقوة الروح على العبادة والمعرفة . وقال ابن حجر: ولا ينافى ذلك ما مر أن المؤمن يشدد عليه عند النزع
دون غيره، لأن محله فيما قبل خروج الروح، واعترض عليه القارى بأن حالة النزع هو وقت خروج الروح فبين
كلاميه تناقض - انتهى. فتأمل. (فيأخذها) أى ملك الموت (لم يدعوها) بفتح الدال أى لم يتركوها (فى يد.
طرفة عين) أدبا معه أو إشتياقا اليها. قال الطيبى: فيه إشارة إلى أن ملك الموت إذا قبض روح العبد سلها إلى
أعوانه الذين معهم كفن من أكفان الجنة - انتهى. والطرفة بفتح الطاء وسكون الراء المرة من طرف أى يك بلله
زدن يقال طَرَفَ بصره أو طرف بعينه يَطِرِف طرفا أى أطبق أحد جفنيه على الآخر (ويخرج منها) أى من
الروح ريح أو شىء (كأطيب نفحة مسك) أى مثل أطيبها فالكاف مثلية. قال الطيبى: صفة موصوف محذوف
هو فاعل يخرج منها رائحة كأطيب نفحة مسك - انتهى. والنفحة المرة من نفح الطيب أى انتشرت رائحته ونفحة
الطيب رائحته (فيصعدون) أى أعوان ملك الموت أو ملائكة الرحمة منهم أو من غيرهم ( يعنى بها) هذا كلام
الصحابى أو الراوى على ملاً أى جمع عظيم (من الملائكة) أى الذين بين السماء والأرض (إلا قالوا) أى الملا"
(ما هذا الروح) بفتح الراء أى الريح وضمها (فيقولون) أى ملائكة الرحمة (فلان بن فلان) أى روحه أو روحه
(بأحسن أسماءه) أى ألقابه وأوصافه (التى كانوا) أى أهل الدنيا (يسمونه) أى يذكرونه (بها) أى بتلك الأسماء
(حتى) أى لا يزال الملائكة يسألون ويجابون كذلك (حتى ينتهوا بها) أى بتلك الروح (فيستفتحون له) الضمير
الروح فانه يذكر ويؤنث ( فيفتح) بالتذكير والجار نائب الفاعل (له) قال ابن حجر: أفرد الضمير، لأنه
المقصود بالاستفتاح، ثم جمع اشارة إلى أنهم لايفارقونه بل يستمرون معه (فيشيعه) من التشبيع، وهو الخروج
مع أحد لتوديعه أو لتبليغه منزله يعنى يستقبله ويصحبه بعد دخوله فى السماء (حتى ينتهى به) بصيغة المجهول والجار
٣٢٥

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت
فيقول الله عزوجل: اكتبوا كتاب عبدى فى عليين، وأعيدوه إلى الأرض فانى منها خلقتهم، وفيها
أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى. قال: فتعاد روحه فى جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه،
فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربى الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: دينى الاسلام. فيقولان
له: ما هذا الرجل الذى بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولان له:
وما عليك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت. فينادى مناد من السماء: أن صدق عبدى،
نائب الفاعل (اكتبوا) أى أثبتوا ( كتاب عبدى) الاضافة للتشريف، ولذا قال فى الكافر اكتبوا كتابه أى
اجعلوا كتابة عبدى بكتابة اسمه (فى عليين) أى فى دفتر المؤمنين وديوان المقربين، والظاهر أنه اسم موضع فى السماء
السابعة، فيه كتاب الأبرار فالمراد بكتاب العبد صحيفة أعماله. وقال الأبهرى: أى فى كتاب عبدى، يعنى أنه
فى عليين أو فى عوال أو غرف من الجنة مآ لا. قال ابن حجر فى فتاواه: أرواح المؤمنين فى عليين، وأرواح
الكفار فی السجین ، ولکل روح پجسدها اتصال معنوی لا یشبه الاتصال فى الحياة الدنيا بل أشبه شئ به حال
النائم وإن كان هو أشد من حال النائم اتصالا، قال: وإذا نقل الميت من قبر إلى قبر فالاتصال المذكور مستمر
وكذا لوتفرقت الأجزاء - انتهى مختصراً. (وأعيدوه) الآن (إلى الأرض) أى إلى جسده الذى دفن فى الأرض
(فانى منها خلفتهم) أى أجساد بنى آدم (وفيها أعيدم) أى أجسادهم وأرواحهم (فتعاد روحه فى جسده)
ظاهر الحديث أن عود الروح إلى جميع أجزاء بدنه فلا التفات إلى ما قيل إن العود إنما يكون إلى البعض أو إلى
النصف فانه محتاج إلى النقل الصحيح (فيأتيه ملكان) أى المنكر والنكير لكن فى صورة مبشر وبشیر. وفى بعض
الأحاديث جاء سوال ملك ولا تعارض فى ذلك بل الكل صحيح المعنى فإن هذا الاختلاف بالنسبة إلى الأشخاص
(ما هذا الرجل الذى بعث فيكم) أى أرسل اليكم يعنون ممداً صلى الله عليه وسلم وعبر بذلك امتحانا لئلا يتلقن
تعظيمه من عبارة القائل والاشارة لما فى الذهن فانه لم يرد حديث صحيح ولا ضعيف فى أنه يكشف اليت حتى
يرى النبي ◌ُّ فلا التفات إلى قول القبوريين ومن شاكلهم بأن رسول اللّه ◌َع يشهد بذاته فى الخارج
فى قبر كل ميت عند سؤال الملكين (وما عليك) أى ما سبب علك برسالته ومن أين علمت ذلك وما حجتك
على رسالته (فآمنت به) أى بالكتاب أو بالرسول أو بما فيه وعلمت جميع ما ذكرت من معانيه (وصدقت) أى
قصديقا قلبيا وما اكتفيت بالايمان اللسانى أو هو تأكيد (أن صدق عبدى) أن تفسيرية لأن فى النداء معنى القول
٣٢٦٠

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت
أفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وأفتحوا له بابا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها،
فيفسح له فى قبره مد بصره، قال: ويأتيه رجل حسن الوجه ، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول:
أبشر بالذى يسرك، هذا يومك الذى كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجىء بالخير.
فيقول: أنا عملك الصالح. فيقول: رب أقم الساعة: حتى أرجع إلى أهلى ومالى. قال: وإن العبد
الكافر إذا كان فى انقطاع من الدنيا، واقبال من الآخرة، نزل اليه من السماء ملائكة سود الوجوه،
وقيل مصدرية (فأفرشوه) بقطع الهمزة أى أعطوه فراشا أو أفرشوا له فراشا، فالهمزة لتأكيد التعدية ، فتى
القاموس: أفرش فلانا بساطا بسطه له كفرشه فرشا وفرشه تفريشا (من الجنة) أى من فرشها (وألبسوه) بقطع
الهمزة أى أكسوه (من الجنة) أى من ثيابها (وافتحوا له) أى لأجله (بابا) أى من القبر (إلى الجنة) أى
جهتها (من روحها) بفتح الراء أى من نسيمها (وطيبها) أى رائحتها (فيفسح) بالتخفيف أى يوسع له
(فى قبره مد بصره) أى منتهى بصره، وهو مختلف باختلاف البصر (ويأتيه) أى المؤمن (رجل) وفى رواية
الحاكم: ويتمثل له رجل (أبشر بالذى يسرك) أى بما يحملك مسروراً (فيقول) أى المؤمن (له من أنت) قال
الطيبى: لما سره بالبشارة قال له إنى لا أعرفك من أنت حتى أجازيك بالثناء والمدح، ثم قال وقوله من. أنت
متضمن معنى المدح مجملا أى بمعونة المقام، وقرينة الحال ثم قال: والفاء فى (فوجهك) لتعقيب البيان بالمجمل على.
عكس قول الشقى للملك من أنت (الوجه) أى وجهك هو الكامل فى الحسن والجمال والنهاية فى الكمال وحق لمثل
هذا الوجه أن يجىء بالخير ويبشر بمثل هذه البشارة وقوله (يجىء بالخير) جملة استئنافية، وقيل الموصول مقدر
أى وجهك الوجه الذى يجىء بالخير (فيقول) أى المصور بصورة الرجل (فيقول رب أقم الساعة رب أقم الساعة)
التكرار للالحاح فى الدعاء ( حتى أرجع إلى أهلى ) أى من الحوار العين والخدم (ومالى) من القصور والبساتين
وغيرهما مما يطلق عليه اسم المال، وقيل المراد بالأهل أقاربه من المؤمنين وبمالى ما يشمل الحور والقصور. قال
حيرك : طلب اقامة القيامة لكى يصل إلى ما أعد له من الثواب والدرجات، ويؤيده ما ذكر فى الكافر حكاية
عنه: رب لا تقم الساعة لكى يهرب به عما يعد له من العقاب. وقال الطيبى: لعله عبارة عن طلب احياء، لكى
يرجع إلى الدنیا ویزید فى العمل الصالح والانفاق فى سبيل الله حتى يزيد ثوابا ويرفع فى درجاته یعنی لکنه لما
على أن ليس الاحياء بعد الموت إلا بالبعث يوم القيامة طلب قيام الساعة كناية عن الاحياء، وقيل: يحتمل أن
يكون قول المؤمن فى القبر حتى أرجع إلى أهلى ومالى لفرط سروره وغاية فرحه ويكون تمنيه الرجوع إلى أهله
٣٢٧
٠٩٠

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت
معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجىء ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه، فيقول:
أيتها النفس الخبيثة! اخرجى إلى سخط من الله، قال: فتفرق فى جسده، فينتزعها كما بنوع السفود
من الصوف المبلول، فيأخذما، فإذا أخذما لم يدعوما فى يده طرفة عين، حتى يجعلوما فى تلك
المسوح، ويخرج منها كأمن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على
ملا من الملائكة، إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسماء، التى كان
يسمى بها فى الدنيا، حتى ينتهى به إلى السماء الدنيا، فيستفح له، فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله صلى
الله عليه وسلم: لا تفتح لهم أبواب السماء
ليخبرهم بذلك كما يقول ويتمنى المسافر الذى حصل له التنعم فى بلد الغربة (معهم المسوح) بضم الميم جمع المسح
بكسرها وهو البلاس واللباس الخشن (إلى سخط من اللّه) أى آثار غضب الله من أنواع عقابه، وفى المسند إلى
سخط من الله وغضب، وكذا عند الحاكم (متفرق) بحذف إحدى التائين أى الروح (فى جسده) أى تنتشر فى
أعماق البدن فزعا وكراهة للخروج إلى ما يسخن عينه من العذاب الأليم ، كما أن روح المؤمن تخرج وتسيل ،
كما تسيل القطرة من السقاء فرحا إلى ما تقربه عينه من الكرامة (فينتزعها) أى ملك الموت يستخرج روحه بعنف
وشدة ومعالجة ( كما ينزع) بالبناء للمجهول، وفى المسند كما ينتزع (السفود) كتنور الحديدة التى يشوى عليها
اللحم، وفى رواية لأحمد: السفود الكثير الشعب ( من الصوف المبلول ) قال الليبى: شبه نزع روح الكافر
من أقصى عروقه بحيث يصحبه العروق، كما قال فى الرواية الأخرى وتنزع نفسه مع العروق بنزع السفود وهو
الحديدة التى يشوى بها اللحم فيبقى معها بقية من المحروق فيستصحب عند الجذب شيئا من ذلك الصوف مع قوة
وشدة وبعكسه شبه خروج روح المؤمن من جسده بترشح الماء وسيلانه من القربة المملوءة ماء مع سهولة
ولطف (لم يدعوها فى يده طرفة عين) أى مبادرة إلى الأمر (ويخرج منها) أن من روح الكافر (فيسعدون بها).
افتضاحا لها واظهاراً لرداءتها (بأقبح أسماءه) أى يذكرونه بأشنع أوصافه ( التى كان يسمى) أى ذلك الكافر
(بها ) أى بتلك الأسماء (ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم) أى استشهاداً على ما ذكر من عدم الفتح للكافر
قوله تعالى: ﴿ إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها - الأعراف: ٤٠،٣٦) (لا تفتح) بالتأنيث مع التشديد
قراءة الجمهور (لحم ) أى لأرواحهم (أبواب السماء) أى شىء منها، وقيل: المعنى لا تفتح أبواب السماء
٣٢٨

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت
ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل فى سم الخياط، فيقول الله عزوجل: اكتبوا كتابه فى سجين، فى
الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحا، ثم قرأ: ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير
أو تهوى به الريح فى مكان سحيق، فتعاد روحه فى جسده، ويأتيه ملكان، فيجلسانه فيقولان له:
الأدعيتهم إذا دعوا، قاله مجاهد، والنخعى. وقيل: لأعمالهم أى لا تقبل بل ترد عليهم فيضرب بها فى وجوحهم
قال العلامة الشوكانى فى فتح القدير ( ج٢ ص١٩٥) ولا مانع من حمل الآية على مايعم الأرواح والدعاء والأعمال
ولا ينافيه ورود ما ورد من أنها لا تفتح أبواب السماء لواحد من هذه ، فإن ذلك لا يدل على عدم فتحها لغيره ما
.يدخل تحت عموم الآية (ولا يدخلون الجنة حتى يلج) أى يدخل من الولوج وهو الدخول بشدة ولذلك يقال
هو الدخول فى ضيق فهو أخص من مطلق الدخول ( الجمل ) هو الذكر من الابل، ولا يقال البعير جمل إلا
إذا بزل أى دخل فى السنة التاسعة، وقيل: انما يسمى جملا إذا أربع أى بلغ أربع سنين (فى سم الخياط) السم
مثلث السين لغة لكن السبعة على الفتح، وقرىء شاذاً بالكسر والضم وهو الثقب اللطيف الضيق والخياط الآلة
التى يخاط بها كالمخيط فعال ومفعل كازار ومنزر ولحاف وملحف والمراد به الابرة فى هذه الآية، وخص الجمل
بالذكر من بين سائر الحيوانات، لأنه أكبر من سائر الحيوانات جسما عند العرب، ويضرب به المثل عندهم فى كبر
الذات وعظم الجرم وخص سم الخياط لكونه غاية فى الضيق وأضيق المنافذ ودخول الجمل مع عظم جسمه فى ثقب
الابرة الضيق غير ممكن فكذا ما توقف عليه (فى سجين) قيل هو كتاب جامع الأعمال الشياطين والكفرة،
وقيل هو مكان فى أسفل الأرض السابعة وهو محل ابليس وجنوده (فى الأرض) حال لازمة أو بدل باعادة
الجار بدل كل من بعض (السفلى) أى السابعة، وفيه اشارة إلى محل جهنم، وهو الأشهر من خلاف فيه (فتطرح
روحه طرحا) أى ترمى رميا شديداً (ومن يشرك بالله فكأنما خر) أى سقط (من السماء) إلى الأرض (فتخطفه)
بفتح الطاء المخففة (الطير) أى تسلب لحمه وتقطعه بمخاليها وتذهب به (أو تهوى به الريح) أى تقذفه وترمى به.
قال القارى: أو التنويع أو التخيير فى التمثيل (فى مكان سحيق) أى بعيد لا يصل اليه أحد بحال. قال الزمخشرى:
يجوز فى هذا التشبيه أن يكون من المركب والمفرق فان كان تشبيها من كبا فكأنه قال من أشرك بالله فقد أملك
نفسه أهلاكا ليس بعده هلاك بأن صور حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير متفرقا موزعا فى
حواصلها أو عصفت به الريح حتى هوت به فى بعض الأماكن البعيدة وإن كان مفرقا فقد شبه الايمان فى علوه
بالسماء والذى ترك الايمان وأشرك بالله بالساقط من السماء والأهواء المردية بالطير المختطفة والشيطان الموقع فى
الضلال بالريح التى تهوى بما عصفت به فى بعض المهاوى المتلفة - انتهى. قال الطيبي: أو تهوى به الريح أى عصفت
٣٢٩

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت
من ربك؟ فيقول: ماه ماه، لا أدرى. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ماه هاء، لا أدرى. فيقولان
له: ما هذا الرجل الذى بعث فيكم؟ فيقول: هاه ماء، لا أدرى. فينادى منادى من السماء: أن
كذب فأفرشوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرما وسمومها، ويضيق عليه قبره
حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر
بالذى يسومك، هذا يومك الذى كنت توعد. فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجىء بالشر. فيقول:
أنا عملك الخبيث. فيقول: رب لا تقم الساعة. وفى رواية نحوه، وزاد فيه: اذا خرج روحه
صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك فى السماء، وفتحت له أبواب السماء، ليس
من أهل باب الا وهم يدعون الله
به أى هوت به فى بعض المطارح البعيدة، وهذا استشهاد مجرد لقوله صلى الله عليه وسلم فى سجين فى الأرض السفلى
فتطرح روحه طرحا لا أنه بيان لحال الكافر حينئذ لأنه شبه فى الآية من يشرك بالله بالساقط من السماء والأهو.
التى توزع أفكاره بالطير المختطفة والشيطان الذى يغوبه ويطرح به فى وادى الضلالة بالريح الذى هو يهوى بما عصف
به فى بعض المهاوى المتلفة (هاه هاه) بسكون الهاء الأخير فيهما كلمة يقولها المبهوت المتحير فى الجواب من الدهشة
والخوف (أن كذب) أى كذب هذا الكافر فى النفى الدراية عنه مطلقا بل عرف الله وأشرك به وتبين الدين
وما تدين به وظهرت رسالة التى بالمعجزات عنده وما أطاعه (فأفرشوه من النار) زاد فى رواية أبى داود
والحاكم: وألبسوه من النار (فيأتيه من حرما) أى يأتيه بعض حرها فى قبره، وأما تمامه ففى الآخرة قال تعالى:
( ولعذاب الآخرة أشد وأبقى - طه: ١٢٧﴾ (وسمومها) بفتح السين، وهى الريح الحارة (ويضيق) بصيغة
المجهول من التضييق (حتى تختلف فيه) أى فى قبره وفى بدنه (أضلاعه) أى عظام جنبه بأن يدخل عظام الجنب
الأيمن فى عظام الأيسر وعظام الجنب الأيسر فى الأيمن من شدة التضييق. وأما ضغطة القبر المؤمن فانما هى ضمة
للأرض كمعانقة الأم المشتاقة لولدها (يسوءك) أى يحزنك (فوجهك الوجه) أى الكامل فى القبح (أنا عملك
الخبيث) أى المركب من خبث عقائدك وأعمالك وأخلاقك فالمعانى تتجسد وتتصور فى قوالب المبانى
(وفى رواية) أى لأحد (نحوه) أى معنى ما ذكر من الألفاظ (وزاد) أى الراوى ( فيه ) أى فى نحوه فى بيان
حال المؤمن (إذا خرج روحه) أى روح المؤمن (وكل ملك فى السماء) أريد بها الجنس (ليس من أهل باب)
٣٣٠

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت
أن يعرج بروحه من قبلهم ، وتنزع نفسه - يعنى الكافر - مع العروق، فيلعنه كل ملك بين السماء
والارض، وكل ملك فى السماء، وتغلق أبواب السماء ليس من أهل باب الا وهم يدعون الله أن
لا یعرج روحه من قبلهم. رواه أحمد.
أى من أبواب كل سماء (أن يعرج بروحه) بالبناء للفعول أى يعرج الملائكة به (من قبلهم) بكسر القاف وفتح
الباء أى من جهتهم وقال صلى الله عليه وسلم فى ذكر حال الكافر (وتنزع) بصيغة المجهول (نفسه) أى روحه
(يعنى الكافر) تفسير من المؤلف (مع العروق) اشارة إلى كرامة خروجه وشدة الجذب فىنزع روحه (وتغلق)
أى دونه (أبواب السماء) أى جميعها (ليس من أهل باب) أى من أبواب سماء الدنيا (أن لا يعرج روحه)
بالتذكير وبصيغة المجهول ويصح أن يكون للفاعل أى أن لا يصعد روحه . وفى المسند: أن لا تعرج روحه أى
بالتأنيث (من قبلهم) كرامة لظاهره وباطنه، والحديث فص فى أن الروح تعاد إلى الميت فى قبره وقت السؤال،
وهو مذهب جميع أهل السنة من سائر الطوائف. قال ابن تيمية: الأحاديث الصحيحة المتواترة تدل على عود
الروح إلى البدن وقت السؤال وسؤال البدن بلا روح ، قول قاله طائفة وأنكره الجمهور ، وقابلهم آخرون ،
فقالوا السؤال الروح بلا بدن ، وهذا قاله ابن مرة، وابن حزم ، وكلاهما غلط ، والأحاديث الصحيحة ترده.
وارجع للتفصيل إلى كتاب الروح لابن القيم (رواه أحمد) الرواية الأولى فى (ص٢٨٧ - ٢٨٨) والثانية فى
(ج ٢ ص ٢٩٥ - ٢٩٦) وكلناهما من رواية المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء بن عازب، وأخرجه من
هذا الطريق أبو داود فى السنة، وسكت عنه، والحاكم (ج١ ص ٣٧ - ٣٨ - ٣٩) وصححه ووافقه الذهبي،
وأبو عوانة وصححه، والبيهقى وقال: حديث صحيح الإسناد، وأخرجه أبو داود أيضا والنسائى وابن ماجه
كلهم فى الجنائز من طريق المنهال مختصراً أى إلى قوله جلسنا حوله ، وأخرجه ابن مندة مطولا فى كتاب الروح
والنفس من طريق عيسى بن المسيب عن عدى بن ثابت عن البراء، ومن طريق خصيف الجزرى عن مجاهد عن
البراء. وقالی السیوطی بعد ذكر الحديث من رواية أحمد: ورواه أبو داود فى سنته ، والحاكم فى مستدركه، وابن
أبى شيبة فى مصنفه، وأبو داود الطيالسى وعبد بن حميد فى مسنديهما، وهناد بن السرى فى الزهد ، وابن جرير
وابن أبى حاتم وغيره من طرق صحيحة - أنتهى. ونسبه على المتقى فى الكنز (ج ٨ ص ٩٤) إلى ابن خزيمة
والضياء أيضا. وقال المنذرى فى الترغيب بعد ذكر الحديث من رواية أحمد ما لفظه: هذا الحديث حديث حسن
رواته محتج بهم فى الصحيح، وهو مشهور بالمنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء، كذا قال أبو موسى الأصبهافى
والمنهال روى له البخارى حديثا واحداً. وقال ابن معين والعجلى: المنهال ثقة. وقال أحمد: تركه شعبة على عمد.
٣٣١

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت
١٦٤٦ - (١٧) وعن عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه، قال: لما حضرت كمبا الوفاء أنته
أم بشر بنت البراء بن معرور،
قال عبد الرحمن بن أبى حاتم: لأنه سمع من داره صوت قراءة بالتطريب. وقال عبد الله بن أحمد سمعت أبى
يقول: أبو بشر أحب إلى من المنهال. وزاذان ثقة مشهور ألانه بعضهم، وروى له مسلم حديثين فى صحيحه،
ورواه البيهقى من طريق المنهال بنحو رواية أحمد، ثم قال: وهذا حديث صحيح الإسناد، وقد رواه عيسى بن
المسيب عن عدى بن ثابت عن البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن القيم فى كتاب الروح (ص ٧٥)
هذا حديث ثابت مشهور مستفيض صححه جماعة من الحفاظ ، ولا نعلم أحداً من أئمة الحديث طعن فيه ، بل رووه
فى كتبهم وتلقوه بالقبول وجعلوه أصلا من أصول الدين فى عذاب القبر ونعيمه ومسائلة منكر ونكير وقبض
الأرواح وصعودها إلی بین یدی الله ثم رجوعها إلى القبر، قال ورواه عن البراء غير زاذان، ورواه عنه هدى
بن ثابت ومجاهد بن جهر ومحمد بن عقبة وغيرهم، وقد جمع الدارقطتى طرقه فى مصنف مفرد، وزاذان من الثقات
وروى له مسلم فى صحيحه، ثم ذكر توثيقه عن ابن معين والعجلى وابن عدى ، قال والمنهال أحد الثقات العدول ،
ثم ذكر توثيقه عن ابن معين والعجلى، قال وأعظم ما قيل فيه: إنه سمع من بيته صوت غناء، وهذا لا يوجب
القدح فى روايته وإطراح حديثه - انتهى .
١٦٤٦ - قوله (وعن عبد الرحمن بن كعب) أى ابن مالك الأنصارى السلمى أبو الخطاب المدنى ، ثقة من
كبار التابعين، ويقال ولد فى عهد النبي صلى الله عليه وسلم، مات فى خلافة سليمان بن عبد الملك (عن أبيه) أى كعب
ابن مالك الأنصارى السلمى الصحابى المشهور الشاعر، وهو أحد الثلاثة الذين خلفوا. قال السندى فى حاشية ابن
ماجه: قوله عن عبد الرحمن بن كعب عن أبيه هكذا فى النسخ التى رأيت، والظاهر أن قوله عن أبيه زيد ،
والحديث من قول عبد الرحمن نفسه، فانه شاهده ورواه لا أنه أخذه عن أبيه، وهو الأوفق باللفظ ، لكن إمكان
الأخذ موجود، فيمكن أن عبد الرحمن ما كان حاضراً ثم سمعه من أبيه قبل موته ثم مات. وأما لفظ لما حضرت
كعبا الوفاة فأمره سهل - انتهى. ( قال) أى عبد الرحمن ( أتته) أى كعبا ( أم بشر) بكسر الباء، ويقال لها
أم مبشرأيضا. قيل: اسمها خليدة ولم يصح. قال الحافظ: والذى ظهرلى بعد البحث أن خليدة والدة بشر بن البراء
ابن معرور (بنت البراء بن معرور) الأنصارية محابية روت عن النبي ◌ُ ◌ّه، وروى عنها عبد الله بن كعب
ابن مالك وماهد وعبد الرحمن بن كعب بن مالك. وأما أبوها فهو البراء بن معرور بن صخر الأنصارى السلمى
الخزرجى أبو بشر كان من النفر الذين بايعوا البيعة الأولى بالعقبة، وهو أول من بايع وأول من استقبل الكمية
حيا وميتا، وهو أول من أوصى بثلث ماله، وهو أحد النقباء مات فى صفر قبل قدوم النبى مَّع المدينة بشهر، فلا
٣٣٢

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت
فقالت: يا أبا عبد الرحمن! إن لقيت فلانا فافراً عليه منى السلام. فقال: غفر الله لك يا أم بشر!
نحن أشغل من ذلك، فقالت: يا أبا عبد الرحمن! أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
إن أرواح المؤمنين فى طير
قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أتى قبره فى أصحابه فكبر عليه وصلى وقد أمر البراء أهله عند موته أن
يوجهوه إلى الكعبة فوجه قبره اليها. ومعرور بفتح الميم وسكون العين المهملة وضم الراء الأولى (يا أبا عبد الرحمن)
كنية كعب (إن لقيت) أى بعد موتك (فلانا) أى روحه قيل تعنى أباها البراء، ففي رواية للطبرانى فى الكبير:
إن لقيت أبى فاقرأ منى السلام، وذكرها الهيشمى فى مجمع الزوائد (ج٢ ص ٣٢٩). وقيل: المراد به ولدها مبشر
ففى رواية لأحمد (ج ٢ ص ٤٥٥) قالت أم مبشر للمكعب بن مالك وهو شاك اقرأ على ابنى السلام تعنى مبشراً،
فقال بغفر الله لك يا أم مبشر - الحديث. وقيل: المراد ولدها بشر، فقد أخرج ابن أبى الدنيا فى كتاب القبور عن
أبى لبيبة الأشهلى قال: لما مات بشر بن البراء بن معرور وجدت أمه وجداً شديداً فقالت: يا رسول الله ! لايزال
الهالك يهلك من بنى سلمة فهل تتعارف الموتى؟ فأرسل إلى بشر بالسلام قال نعم والذى نفسى بيده إنهم يتعارفون
كما يتعارف الطير فى رؤس الأشجار، وكان لا يهلك هالك من بنى سلمة إلا جاءته أم بشر. فقالت. يا فلان عليك
السلام فيقول وعليك، فتقول أقرأ على بشر منى السلام ( نحن أشغل) أى بأعمالنا وجزاءها ( من ذلك ) أى
مما تقولين من تعارف الموتى وإبلاغ سلام الأحياء إياهم ( أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ) أى.
لست ممن يشغل عن ذلك، بل أنت ممن ورد فيهم هذه الكرامة، وقولها فهو ذلك أى الفضل والكرامة التى ترجى
لك ذاك، فتكون أنت فى غاية السرور والحبور لا مشغولا ومخذولا، كذا فى اللعات. وقال الطبى: هذا جواب
عن اعتذاره بقوله: نحن أشغل أى لست ممن يشغل عما كافتك، بل أنت ممن قال فيه رسول الله صلى الله عليه
وسلم كيت وكيت ( إن أرواح المؤمنين) ظاهر هذا السوق العموم، فيتناول كل مؤمن شهيداً كان
أم غير شهيد، واليه ذهب ابن القيم وابن كثير، فقالا أرواح المؤمنين كلهم فى الجنة شهداء كانوا أو غير
شهداء إذا لم يحبسهم عن الجنة كبيرة ولا دين، وتلقاهم ربهم بالعفو عنهم والرحمة لهم، لأن هذا الحديث وكذا
الحديث الآتى لم يخص فيهما شهيداً من غير شهيد. وقيل: المراد بالمؤمنين الشهداء خاصة دون غيرهم لما فى رواية
أحمد (ج ٦ ص ٣٨٦) والترمذى من طريق عمرو بن دينار عن الزهرى عن ابن كعب بن مالك عن أبيه مرفوعا
أن أرواح الشهداء الخ، وهذا اختاره ابن القرطبى وابن عبد البر، فقالا الكرامة المذكورة فى الحديث خاصة
بالشهداء دون غيرهم، لأن القرآن والسنة إنما يدلان على ذلك ، فالروايات المطلقة تحمل على المقيدة (فى طير) جمع
٣٣٣

مرعاة المفاتيح ج .
٥ - كتاب الجنائز
٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت
خضر
1
طائر، ويطلق على الوحد ( خضر ) بضم فسكون جمع أخضر أى تدخل فى أجواف طير وأبدانها ، ففي رواية
للطبر انى: أن أرواح المؤمنین فی أجواف طير خضر ، ذكرها الهيثمی ، وليس ذلك حبسا للا رواح وتسجنا
لجواز أن يقدر الله تعالى فى تلك الأجواف من السرور والنعيم ما تجده فى الفضاء الواسع يعنى أنها تجد فيها من
النعيم ما لا يوجد فى الفضاء أو تكون الطيور وأجوافها بمنزلة المراكب للأرواح ترتع وتسرح بها فى الجنة وتتنعم
أو تكون الطيور للأرواح كالهوادج للجالسين فيها والله اعلم. وقيل: المعنى أن الأرواح تجعل فى صور طير أى
أن الروح نفسها تتشكل وتتمثل بأمر الله طائرا كتمثل الملك بشرا. قال السيوطى فى حاشية أبي داود: إذا فسرنا
الحديث أن الروح يتشكل طيراً فالأشبه أن ذلك فى القدرة على الطيران فقط لا فى صورة الخلقة، لأن شكل الانسان
أفضل الأشكال - انتهى. قال السندى: هذا إذا كان الروح الانسانى له شكل فى نفسه ويكون على شكل الانسان
وأما إذا كان ر نفسه لا شكل له، بل يكون مجرداً أو أراد الله تعالى أن يتشكل ذلك المجرد لحكمة ما فلا يبعد أن
يتشكل من أول الأمر على شكل الطائر - انتهى. قلت : اختلفت ألفاظ الرواية فى أن الروح والنسمة تكون
طيراً أو تكون فى جوف طير كما اختلفت فى أن هذه الكرامة للشهداء خاصة أو لجميع المؤمنين شهداء كانوا أم غير
الشهداء، وقد تقدم شىء من الكلام على الاختلاف الثانى. وأما الاختلاف الأول فرجح القرطبى وابن عبد البر
والقاضى عياض رواية من روى أن الروح والنسمة طير أو كطير أو فى صورة طير، وأنكروا رواية فى أجواف
طير ويحواصل طير، لأنها حينئذ تكون محصورة مضيقا عليها. ورد بأن رواية فى أجواف طير فى صحيح مسلم
فلا يمكن إنكارها والتأويل محتمل كما تقدم. وذهب آخرون إلى الجمع والتوفيق. قال ابن القيم فى كتاب الروح
(ص ١٥٧): إن الله سبحانه جعل أرواح الشهداء فى أجواف طير خضر فانهم لما بذلوا أنفسهم الله حتى أتلفها
.أعدام فيه أعاضهم منها فى البرزخ أبدانا خيراً منها تكون فيها إلى يوم القيامة، ويكون نعيمها بواسطة تلك الأبدان
أكمل من نعيم الأرواح المجردة عنها، ولهذا كانت نسمة المؤمن فى صورة طير أو كطير ونسمة الشهيد فى جوف
طير. وتأمل لفظ الحديثين ، فانه قال (أى فى حديث كعب الآتى) نسمة المؤمن طير، فهذا يعم الشهيد وغيره، ثم
خص الشهيد بأن قال هى فى جوف طير، ومعلوم أنها إذا كانت فى جوف طير صدق عليها أنها طير - انتهى . قال
ابن كثير. فى هذا الحديث: إن روح المؤمن تكون على شكل طير فى الجنة، وأما أرواح الشهداء ففى حواصل طير
خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوى إلى قناديل من ذهب فى ظل العرش ، كما رواه أحمد عن ابن عباس
مرفوعا، فهى كالرا كب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فانها تطير بأنفسها فهو بشرى لكل مؤمن بأن روحه
تكون فى الجنة أيضا وتسرح فيها وتأكل من ثمارها، كذا فى شرح الموطأ الزرقانى. ومال القارى إلى الجمع بوجه
٠
٣٣٤

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت
تعلق بشجر الجنة؟ قال: بلى، قالت: فهو ذلك. رواه ابن ماجه، والبيهقى فى كتاب البعث والنشور.
آخر حيث قال فى أجواف طير خضر أى فى صورة طير كما تقول رأيت ملكا فى صورة انسان - انتهى. وحاصله
أن مؤدى رواية فى أجواف طير هو كون الروح أو النسمة فى صورة طير فكأنه أرجع هذه الرواية إلى رواية
النسمة طير أو كطير أو فى صورة طير (تعلق) بفتح المثناة فوق وسكون المهملة وضم اللام أى ترعى من أعالى شجر
الجنة، قاله المنذرى. وقال الجزرى: أى تأكل وهو فى الأصل للابل إذا أكلت العضاه، يقال علقت تعلق علوقا
فنقل إلى الطير - انتهى. وقال ابن عبد البر: يروى بفتح اللام وهو الأكثر ويروى بضم اللام والمعنى واحد وهو
الأكل والرعى . وقيل بفتح اللام أى يتعلق ويتشبث بها ويقع عليها تكرمة للؤمن وثوابا له، وبضم اللام بمعنى
يشيب منها العلقة من الطعام (بشجر الجنة) وفى رواية لأحمد والطبرانى فى شجر الجنة. قيل: الظاهر أن يقال تعلق
شجر الجنة أو من شجر الجنة، كما وقع فى رواية لأحمد من ثمر الجنة. وفى الترمذى: من ثمر الجنة أو شجر الجنة.
قيل: الباء زائدة. وقيل: تعديته بالباء تفيد الاتصال، لعله كنى به عن الأكل، لأنها إذا اتصلت بشجر الجنة
وتشبئت بها أكلت من ثمرها وأرادت أم بشر بذلك أنهم أحياء فيمكن إرسال السلام اليهم (فهو ذلك) وفى بعض
النسخ: فهو ذاك، كما فى ابن ماجه. قال القارى: وقد تعلق بهذا الحديث وأمثاله بعض القائلين بالتناسخ وانتقال
الأرواح وتنعيمها فى الصور الحسان المرفهة وتعذيبها فى الصور القبيحة ، وزعموا أن هذا هو الثواب والعقاب،
وهذا باطل مردود لا يطابق ما جاءت به الشرائع من إثبات الحشر والنشر والجنة والنار، ولهذا قال فى الحديث
الآتى حتى يرجعه اللّه إلى جسده، وفى بعض حواشى شرح العقائد: اعلم أن التناسخ عند أهله هو رد الأرواح إلى
الأبدان الأخر فى هذا العالم (أى عالم الدنيا يعنى بالتوالد والتناسل) لا فى الآخرة ، إذهم ينكرون الآخرة والجنة
والنار ولذا كفروا - انتهى. قال شيخنا فى شرح الترمذى على بطلان التناسخ دلائل كثيرة واضحة فى الكتاب
والسنة: منها قوله تعالى: ﴿حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون، لعلى أعمل صالحا فيما تركت كلا، إنها كلمة
هو قائلها ومن وراءثم برزخ إلى يوم يبعثون - المؤمنون: ١٠٠﴾ (رواه ابن ماجه) فى الجنائز من طريق محمد بن
اسحاق عن الحارث بن فضيل عن الزهرى عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه ، وأخرجه الطبرانى فى الكبير
وفيه أيضا محمد بن اسحاق. قال الهيشمى: وهو مدلس وبقية رجاله رجال الصحيح - انتهى. وأخرجه أحمد
والترمذى من طريق عمرو بن دينار عن الزهرى عن أبن كعب بن مالك عن أبيه مختصراً بدون القصة ، ورواه
أحمد من طريق معمر عن الزهرى عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: قالت أم مبشر لكعب بن مالك وهو
شاك: اقرأ على ابنى السلام تعنى مبشراً، فقال يغفر الله لك يا أم مبشر - الحديث. وذكره الهيشمى فى مجمع الزوائد
باختلاف يسير، وعزاه الطبرانى فى الكبير ، وقال: رجاله رجال الصحيح. قلت: واختلف فى سماع الزهرى عن
عبد الرحمن بن كعب بن مالك. وسيأتى الكلام فيه فى تخريج الحديث الذى بعدها هذا.
٣٣٥

من عاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت
١٦٤٧ - (١٨) وعنه، عن أبيه، أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنما
قسمة المؤمن طير تعلق فى شجر الجنة، حتى يرجعه اللّه فى جسده يوم يبعثه. رواه مالك، والنسائى
والبيهتقی فی کتاب البعث والنشور.
١٦٤٧ - قوله (وعنه) أى عن عبد الرحمن (عن أبيه) أى كعب بن مالك (إنما نسمة المؤمن) بفتح
النون والسين المهملة أى روحه. قال النووي: النسمة يطلق على ذات الانسان جسما وروحا وعلى الروح مفردة ،
وهو المراد مهنا لقوله: حتى يرجعه الله فى جسده. وبنحو ذلك قال ابن عبد البر. وقال الخليل بن أحمد: النسمة
الانسان، قال والنسمة الروح والنسيما هبوب الريح - انتهى. والمراد روح المؤمن الشهيد، كما جاء فى بعض
روايات الحديث أرواح كل مؤمن شهيداً كان أو غير شهيد (طير) وفى رواية: طائر. وظاهره أن الروح يتشكل
ويتمثل بأمر الله تعالى طائراً كتمثل الملك بشراً. ويحتمل أن المراد أن الروح يدخل فى بدن طائر كما يدل عليه
رواية بأجواف طير وفى طير ( تعلق) بالتأنيث وفى الموطأ يعلق أى بالتذكير، وكذا عند أحمد من طريق مالك
عن الزهرى أى ترعى وتسرح (حتى يرجعه اللّه) أى يرده (فى جسده يوم يبعثه) أى يوم القيامة (رواه مالك)
فى الجنائز عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصارى أنه أخبره أن أباه كعب بن مالك كان
يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الخ (والنسائى) فى الجنائز، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٣ ص ٤٥٥)
وابن ماجه فى الزهد كلهم من طريق مالك عن الزهرى عن عبد الرحمن بن كعب أنه أخبره أن أباه كعب بن
مالك الخ قال ابن عبد البر: فى رواية مالك هذه بيان سماع الزهرى لهذا الحديث من عبد الرحمن بن كعب بن مالك،
وكذلك رواه يونس عن الزهرى قال سمت عبد الرحمن بن كعب بن مالك يحدث عن أبيه. وكذلك رواه الأوزاعى
عن الزهرى حدثنى عبد الرحمن بن كعب. وقد أعل محمد بن يحيى الذهلى هذا الحديث بأن شعیب بن أبى حمزة.
ومحمد بن أخى الزهرى وصالح بن كيسان زووه عن الزهرى عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن
جده كعب فيكون منقطعا، وقال صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن عبد الرحمن أنه بلغه أن كعب بن مالك كان
يحدث، قال الذهلى وهذا المحفوظ عندنا. وخالفه فى هذا غيره من الحفاظ فحكموا لمـالك والأوزاعى. قال ابن
عبد البر: فاتفق مالك ويونس والأوزاعى والحارث بن فضيل على رواية هذا الحديث عن الزهرى عن
عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه ، قال ابن عبد البر ولا وجه عندى لما قاله الذهلى من ذلك ولا دليل
عليه، واتفاق مالك ويونس والأوزاعى ومحمد بن اسحاق أولى بالصواب، والنفس إلى قولهم وروايتهم أسكن،
وهم من الحفظ والاتقان بحيث لا يقاس بهم من خالفهم فى هذا الحديث - انتهى. قات: ورواية شعيب عند أحمد
(ج ٣ ص ٤٥٦) وفيها تصريح بسماع الزهرى عن عبد الرحمن بن كعب قال أحمد حدثنا أبو اليمان قال أنبأنا
٣٣٦

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٤ - باب غسل الميت وتكفينه
١٦٤٨ - (١٩) وعن محمد بن المنكدر، قال: دخلت على جابر بن عبد الله، وهو يموت، فقلت:
اقرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام. رواه ابن ماجه.
4
(٤) باب غسل الميت وتكفين
شعيب عن الزهرى قال أنا عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن كعب بن مالك الأنصارى كان يحدث أن النبى مؤ لّه قال
الخ والظاهر عندى أن الزهرى سمع هذا الحديث من عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه كعب، كما قال مالك
ومن معه، وسمع أيضا من ابن أخيه عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن جده كعب بن مالك، كما قال
صالح بن كيسان، ودعوى كون هذه الرواية منقطعة مخدوشة. قال الحافظ: وقع فى جهاد صحيح البخارى تصريحه
بالسماع من جده - انتهى. وبرواية مالك ومن معه يرد ما قال أحمد بن صالح إنه لم يسمع الزهرى من عبد الرحمن.
ابن كعب شيئا، إنما روى عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب. وأما تأويل رواية مالك ومن وافقه بأن
عبد الرحمن المذكور فيها هو عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك ونسب فى رواية مالك إلى جده
فبعيد جدا .
١٦٤٨ - قوله (وعن محمد بن المنكدر) ثقة فاضل من أوساط التابعين. قال المؤلف: من مشاهير
التابعين جمع بين العلم والزهد والعبادة مات سنة ثلاثين ومائة أو بعدها (دخلت على جابر بن عبد الله) بن حرام
الأنصارى صحابى ابن صحابى غزا تسع عشرة غزوة (وهو يموت) أى فى سياق الموت ونزعه (اقرأ على رسول
الله يفضّ السلام رواه ابن ماجه) فى الجنائز قال فى الزوائد: إسناده صميح ورجاله ثقات إلا أنه موقوف ـ انتهى
وروى البخارى فى تأريخه من طريق أم سلمة بنت معقل عن جدتها خلدة بنت عبد الله بن أنيس قالت: جاءت أم
البنين بنت أبى قتادة بعد موت أبيها بنصف شهر إلى عبد الله بن أنيس وهو مريض، فقالت يا عم اقرأ أبى منى
السلام . ذكره الحافظ فى الاصابة فى ترجمة عبد الله بن أنيس الجهنى، وفى هذا وفی حدیث محمد بن المنكدرو حديث
عبد الرحمن بن كعب دليل على جواز ارسال السلام إلى الأموات، لكنها موقوفة ولم أجد حديثا مرفوعا صريحا
صحيحا أو ضعيفاً يدل على ذلك.
( باب غسل الميت وتكفينه) أى بيان أحكامهما وآدابهما. واعلم أنه اختلف فى حكم غسل الميت، فذهب
الجمهور إلى أنه فرض كفاية على الأحياء. واختلفت المالكية فى ذلك، فقال بعضهم بالوجوب كالجمهور، وذهب.
بعضهم إلى أنه سنة على الكفاية ، حكى ذلك الخلاف ابن رشد فى البداية، والحافظ فى الفتح، والدسوقى وغيرهم.
قال الحافظ : قد نقل النووى الاجماع على أن غسل الميت فرض كفاية وهو ذهول شديد، فإن الخلاف مشهور
عند المالكية حتى أن القرطبى رجح فى شرح مسلم أنه سنة، ولكن الجمهور على وجوبه، وقد رد ابن العربى على
٣٣٧

ـرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٤ - باب غسل الميت وتكفينه
ـة ( الفصل الأول )
١٦٤٩ - (١) عن أم عطية، قالت:
من لم يقل بذلك، وقد توارد به القول والعمل وغسل الطاهر المطهر فكيف بمن سواه - انتهى. واستدل
للوجوب بقوله صلى الله عليه وسلم فى المحرم: اغسلوه، وبقوله فى حديث أم عطية اغسلنها كما سيأتى. قلت:
غسل الأموات ثابت فى هذه الشريعة ثبوتا قطعيا ولم يسمع فى أيام النبوة أنه مات ميت غير شهيد فترك غسله ،
بل هذه الشريعة فى غسل الأموات ثابتة من لدن أبينا آدم عليه الصلاة والسلام ، فقد روى الحاكم فى المستدرك
(ج ٢ ص ٥٤٥) من طريق ثابت البنانى عن الحسن عن عتى بن ضمرة السعدى عن أبي بن كعب عن النبى :
قال: لما توفى آدم غسلته الملائكة بالماء وترا وألحدوا له، وقالوا هذه سنة آدم فى ولده. قال الحاكم: هذا حديث
صحيح الاسناد ووافقه الذهبي، وأخرجه عبد الله بن أحمد فى زوائد المسند (ج ٥ ص ١٣٦) مطولا من طريق
حميد عن الحسن عن عتى عن أبي بن كعب موقوفا عليه، ورواه البيهقى (ج٣ ص ٤٠٤) مرفوعا من طريق خارجة
ابن مصعب (وهو متروك) عن يونس بن عبيد عن الحسن عن عتى عن أبى وموقوفا من طريق هشيم عن يونس.
واختلف فى أن غسل الميت تعبد أو للنظافة، فالمشهور عند الجمهور أنه غسل تعبدى فيشترط فيه ما يشترط فى
بقية الأغسال الواجبة والمندوبة. وقال ابن شعبان وغيره من المالكية: إنه للتنظيف فيجزئى بالماء المضاف كماء
الورد ونحوه وقال محمد بن شجاع البلخى: سبب وجوب الغسل هو الحدث، لأن الموت لا يخلو عن سابقة
حدث لوجود استرعاء المفاصل وزوال العقل وهو القياس فى الحى، لأن الانسان لا ينجس لكرامته، وإنما اقتصر
فى الحى على الأعضاء للحرج لكثرة تكرر سبب الحدث، فلما لم يلزم سبب الحرج فى الميت عاد الأصل، قال وليس غسله
للتطهير أى لازالة نجاسة تحل بالموت، فان الآدمى لا ينجس بالموت بتشرب الدم المسفوح فى أجزاء، كرامة له
لأنه لو تنجس لما حکم بطهار ته بالغسل کسائر الحیوانات التی حکم بنجاستها بالموت، وقد روى عن ابن عباس
أنه قال المسلم لا ينجس حيا ولاميتا. وقال عامة مشائخ الحنفية: إن غسله للتطهير من النجاسة، قالوا إن
بالموت يتنجس الميت لما فيه من الدم المسفوح كما يتنجس سائر الحيوانات التى لها دم مسفوح إلا أنه إذا غسل
يحكم بطهارته كرامة له فكانت الكرامة عندهم فى الحكم بالطهارة عند وجود السبب المطهر فى الجملة . والراجح
عندنا أن غسله أنما هو للتعبد وأنه لا ينجس بالموت كما قال ابن عباس، والله اعلم.
١٦٤٩ - قوله (عن أم عطية) اسمها نسيبة بنت كعب الأنصارية وكانت تغسل الميتات، وقد شهدت
غسل ابنة رسول اللّه مَثيم وحكت ذلك فأتقنت، وحديثها أصل فى غسل الميت، ومدار حديثها على محمد وحفصة
٣٣٨

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٤ - باب غسل الميت وتكفينه
دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نغسل ابنته ، فقال: اغسلتها ثلاثا أو خمسا
ابن سيرين ، وحفظت منها حفصة ما لم يحفظ محمد بن سيرين. قال ابن المنذر: ليس فى أحاديث الغسل لليت أعلى
من حديث أم عطية وعليه عول الأئمة (دخل علينا) أى معشر النسائى (ونحن نغسل ابنته) لم تقع فى شئ من
روايات البخارى ابنته هذه مسماة. والمشهور أنها زينب زوج أبي العاص بن الربيع والدة أمامة التى تقدم ذكرها
فى باب ما لا يجوز من العمل فى الصلاة وما يباح منه، وزينب أكبر بنات النبي محمد له، وكانت وفاتها فى أول سنة
ثمان، وقد وردت مسماة فى هذا عند مسلم من طريق عاصم الأحول عن حفصة عن أم عطية قالت لما ماتت زينب
بنت رسول اللّه ◌َيُّ قال رسول الله والم اغسلنها الخ. وقيل: إنها أم كلثوم زوج عثمان، كما فى ابن ماجه من
رواية أبى بكر بن أبى شيبة عن عبد الوهاب الثقفى عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أم عطية قالت: دخل علينا
ونحن نغسل ابنته أم كلثوم. قال الحافظ: هذا الاسناد على شرط الشيخين ، وكما وقع فى المبهمات لابن بشكوال
من طريق الأوزاعى عن محمد بن سيرين عن أم عطية قالت : كنت فيمن غسل أم كلثوم - الحديث، وكما وقع فى
الذربة الطاهرة للدولابي من طريق أبى الرجال عن عمرة أن أم عطية كانت من غسل أم كلثوم ابنة التى تَ فّ . قال
الحافظ : فيمكن ترجيح ذلك مجيئه من طرق متعددة وفيه أنه وقع فى رواية للبخارى قول ابن سيرين: ولا أدرى
أى بناته، وهذا يدل على أن تسميتها فى رواية ابن ماجه وابن بشكوال من دون ابن سيرين، وأن أيوب لم يسمع
تسميتها من حفصة بنت سيرين ولا ينافى هذا تسمية الآخر لها بزينب ، لأنه علم ما لم يعلمه أيوب، وقد صرح عاصم
فى روايته عن حفصة عند مسلم أنها زينب. وأما رواية الدولاني فلا يلزم منها أن تكون البنت فى حديث الباب
أم كلثوم، لأن أم عطية كانت غاسلة الميتات، كما جزم به ابن عبد البر، فيمكن أن تكون حضرت لهما جميعا
(اغسلنها) أمر لأم عطية ومن معها من النساء. قال ابن بزيزة: استدل به على وجوب غسل الميت. قال ابن دقيق
العيد : لكن قوله ثلاثا ليس للوجوب على المشهور من مذاهب العلماء، فيتوقف الاستدلال به على تجويز إرادة
المعنيين المختلفين بلفظ واحد ، لأن قوله ثلاثا غير مستقل بنفسه، فلا بد أن يكون داخلا تحت صيغة الأمر فيراد
يلفظ الأمر الوجوب بالنسبة إلى أصل الغسل والندب بالنسبة إلى الايتار - انتهى. فمن جوز ذلك كالشافعية جوز
الاستدلال بهذا الأمر على الوجوب، ومن لم يجوزه حمل الأمر على التدب لهذه القرينة. واستدل على الوجوب
بدليل آخر كما سبق (ثلاثا أو خمسا) وفى رواية للنسائى اغسلنها وتراً ثلاثا أوخمسا و((أو)) هنا للترتيب لا للتخيير.
قال النووى: المراد اغسلنها وتراً وليكن ثلاثا فإن احتجن إلى زيادة خمسا. وحاصله أن الايتار مطلوب والثلاث
مستحبة ، فان حصل الانقاء بها لم يشرع ما فوقها، والأزيد وتراً حتى يحصل الانقاء، والواجب من ذلك مرة
واحدة عامة للبدن ـ انتهى . وقال ابن العربى: فى قوله أو خمسا إشارة إلى أن المشروع هو الايتار، لأنه نقلهن
/
٣٣٩

مرعاة المفاتيح ج ٥
٥ - كتاب الجنائز
٤ - باب غسل الميت وتكفينه
أو أكثر من ذلك ، إن رأيتن ذلك بماء وسدر،
من الثلاث إلى الخمس وسكت عن الأربع (أو أكثر من ذلك) أى من الخمس بكسر الكاف ، لأنه خطاب لمؤنث.
ويدل الحديث على أنه لا تحديد فى غسل الميت ، بل المطلوب التنظيف ، لكن لابد من مراعاة الايتار، فقد وقع فى
رواية للشيخين كما سيأتى ثلاثا أو خمسا أو سبعاً ، وفى رواية لهما ولأبى داود والنسانى أو سبعاً أو أكثر من ذلك،
وهذا ظاهر فى شرعية الزيادة على السبع إن احتيج إلى ذلك (إن رأيتن ذلك) بكسر الكاف خطاب لأم عطية،
فإنها كانت رئيستهن لخصت بالخطاب وعممن فى قوله رأيتن. قال الطيبي: رأيت من الرأى أى إن احتجتن إلى
أكثرمن ثلاث أوخمس للانقاء لا للتشهى فافعلته. وفيه دليل على التفويض إلى اجتهاد الغاسل، ويكون ذلك بحسب
الحاجة لا التشهى. قال ابن المنذر: أنما فوض الرأى اليهن بالشرط المذكور وهو الايتار (بماء وسدر) بكسر
السين شجر النبق، والتق حمله وثمره. والمراد فى الحديث ورق السدر، قيل الحكمة فيه أنه يقلع الأوساخ وينقى
البشرة وينعمها ويشد العصب. قال ابن التين: قوله: بماء و.ر هو السنة فى ذلك، والخطمى مثله، فإن عدم فما
يقوم مقامه كالأشنان والنطرون. قال الزين: قوله: بماء وسدر متعلق بقوله اغسلنها، وظاهره أن السدر يخلط
فى كل مرة من مرات الغسل وهو مشعر بأن غسل الميت للتنظيف لا للتطهير، لأن الماء المضاف (أى الماء المقيد
وهو الذى خالطه طاهر كالأشنان والصابون والزعفران والباقلاء فغير احدى صفاته طعمه أو لونه أو ريحه وبقى
رقيقا كالماء المطلق) لا يتطهر به (أى عند الأئمة الثلاثة خلافا للحنفية). قال الحافظ: وقد بمنع كون الماء
يصير مضافا بذلك لاحتمال أن لايغير السدر وصف الماء بأن يمعك (أى يداك) بالسدر ثم يغسل بالماء فى كل
مرة، فان لفظ الخبر لا يأبى ذلك وقال القرطبى: يجعل السدر فى ماء ويخضخض إلى أن تخرج رغوته ويدلك به
جسده، ثم يصب عليه الماء القراح فهذه غسلة. وقيل. تطرح ورقات السدر فى الماء أى لئلا يمازج الماء فيتغير
وصفه المطلق. وحكى عن أحمد أنه أنكر ذلك، وقال يغسل فى كل مرة بالماء والسدر. قال ابن قدامة: هذا
المنصوص عن أحمد. قال صالح: قال أبى: الميت يغسل بماء وسدر ثلاث غسلات. قلت: فيبقى عليه فقال أى
شىء يكون هو أنقى له. وذكر عن عطاء أن ابن جريج قال له إنه يبقى عليه السدر إذا غسل به كل مرة، فقال
عطاء هو طهور. قال ابن قدامة. قول أحمد هذا دال على أن تغيير الماء بالسدرلا يخرجه عن طهوريته. وقيل
الغسلة الأولى تكون بالماء وحده وفى الثانية تكون بماء وسدر، لأن الغسل أولا هو الفرض، فوجب أن يكون بالماء
وحده وما بعد ذلك فانما هو على وجه التنظيف والتطبيب فلا يضره ما خالطه ما يزيد فى تنظيفه. وقيل: يغسل
أولا بالماء والسدر ثم بالماء وحده ، لأن فرض الغسل إنما يجب أن يكون بعد المبالغة فى تنظيفه. وقيل غير ذلك
ولا يخفى أن هذه التأويلات كلها مخالفة لظاهر قوله اغسلتها ثلاثا أو خمسا أو سبعاً أو أكثر من ذلك بماء وسدر
٣٤٠