Indexed OCR Text
Pages 281-300
1
مرعاة المفاتيح ج٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٥ - باب الوتر
قالت: كان يقرأ فى الأولى بـ (سبح اسم ربك الأعلى) وفى الثانية بـ (قل يا أيها الكافرون)
وفى الثالثة بـ ﴿قل هو الله أحد) والمعوذتين. رواه الترمذى، وأبو داود.
شىء من القرآن يقرأ فى وتره؟ (كان يقرأ فى الأولى) أى من الثلاث بـ (سبح اسم ربك الأعلى) أى بعد الفاتحة
(وفى الثالثة) فيه إشارة إلى أن الثلاث بسلام واحد. قال الزيلمى فى نصب الراية (ج٢ ص ١١٩) ظاهر الحديث
أن الثالثة متصلة غير منفصلة، وإلا لقال: وفى ركعة الوتر أو الركعة المفردة أو نحو ذلك. ولكن يعكر عليه فى
لفظه الدار قطنى (ص١٧٢) والطحاوى (ص ١٦٨) والحاكم (ج ٢ ص ٣٠٥) والبيهقى (ح ٣ ص ٣٧)
عن عائشة أيضا أن النبى رؤيته كان يقرأ فى الركعتين اللتين يوتر بعدهما بـ {سبح اسم ربك الأعلىَ) وشقل يا
أيها الكافرونَ﴾ ويقرأ فى الوتر بـ شرقل هو الله أحد﴾ و﴿قل أعوذ برب الفلقَ - وعقل أعوذ برب الناس)) -
انتهى. وقال الحافظ فى الدراية بعد ذكر هذه الرواية: وهو يرد استدلال الطحاوى بأنه لوكان مفصولا لقال:
وركعة الوتر أو الركعة المفردة أو نحو ذلك - انتهى. وقال الحاكم فى المستدرك بعد روايته . وسعيد بن عفير
(يعنى الذى روى عن يحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة) إمام أهل مصر بلا مدافعة، وقد أتى
بالحديث مفسرا مصلحا دالا على أن الركعة التى هى الوتر ثانية غير الركعتين اللتين قبلهما - انتهى. أى فيحمل
ما أجمله غيره كسعيد بن الحكم بن أبى مريم وغيره على هذا المفصل (والمعوذتين) بكسر الواو، وتفتح. وفى
الحديث دليل على مشروعية قراءة ثلاث سور الاخلاص والمعوذتين فى الركعة الثالثة من الوتر، لكن اختار أكثر
أهل العلم قراءة الإخلاص فقط، لأن حديث عائشة فيه كلام ، وحديث أبي بن كعب وابن عباس بإسقاط
المعوذتين أصح. وقال ابن الجوزى: أنكر أحمد وابن معين زيادة المعوذتين (رواه الترمذى وأبوداود) وأخرجه
أيضا أحمد وابن ماجه والبيهقى (ج ٣ ص ٣٨) وسكت عنه أبو داود وحسنه الترمذى، لكن قال شيخنا فى
شرح الترمذى: فى كونه حسنا نظر، فان عبد العزيز بن جريج لم يسمع من عائشة (كما قال العجلى وابن حبان
والدار قطنى)، وأيضا فيه ◌ُخُصَيف، وهو قد خلط بآخره، ولا يدرى أن محمد بن سلمة رواه عنه قبل الاختلاط
أو بعده، والله أعلم، فعم يعتضد برواية عمرة عن عائشة التى أشار اليها الترمذى يعنى التى تقدم لفظها فى كلام
الزيلعى. وقال العلامة أحمد شاكر فى تعليقه على التزمذى متعقبا على كلام الشيخ ما لفظه: وليس هذا بشىء. أما
خصيف فإنه ثقة. تكلم بعضهم فى حفظه ، كما سبق، وعبد العزيز بن جريج قديم، لأن ابنه عبد الملك مات فى أول
عشر ذي الحجة سنة ١٥٠ عن ٧٦ سنة فكأنه ولد سنة ٧٤، بل قال بعضهم إنه جاز المائة ، فكأنه ولد حول
سنة ٥٠، وعائشة ماتت سنة ٥٨ فأبوه عبد العزيز أدرك عائشة يقينا. ثم قد تأيد الحديث برواية عمرة عن عائشة
التى أشار اليها الترمذى. وحديثها رواه الحاكم فى المستدرك (ج١ ص ٣٠٥) من طريق سعيد بن عفير وسعيد بن
أبي مريم عن يحيى بن أيوب عن عمرة، وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. ويحيى بن
٢٨١
%.
منعاة المفاتيح ج٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٥- باب الوتر
١٢٧٨ - (١٧) ورواه النسائي عن عبد الرحمن بن أبزى .
١٢٧٩ - (١٨) ورواه أحمد عن أبي بن كعب.
١٢٨٠ - (١٩) والدارمى عن ابن عباس،
أيوب الغافقي ثقة حافظ، ولاحجة لمن تكلم فيه، ورواه أيضا ابن حبان والدار قطنى والطحاوى فيما حكاه
الحافظ فى التلخيص - انتهى. قلت: ويؤيده أيضا ما روى الطبرانى فى الأوسط عن أبى هريرة بزيادة المعوذتين،
وفيه المقدام بن داود، وهو ضعيف، وما روى ابن السكن من حديث عبد الله بن سرجس بإسناد غريب، كما فى
التلخيص. فالظاهر أن حديث عائشة حسن شواهده. وأما من جهة سنده ففى كونه حسنا كلام لما تقدم أن فيه
خصيفا وهو سىء الحفظ، وقد خلط بآخره. والله أعلم.
١٢٧٨ - (ورواه النسائي) وكذا أحمد (ج٣ ص ٤٠٦، ٤٠٧) قال الحافظ فى التلخيص (ص ١١٨):
وإسناده حسن (عن عبد الرحمن بن أبزى) بفتح الهمزة وسكون الموحدة بعدها زاى مقصور، الخزاعى مولاهم،
مختلف فى صحبته ، فذكره ابن حبان فى ثقات التابعين. وقال البخارى: له صحبة . وذكره غير واحد فى الصحابة .
وقال أبو حاتم: أدرك النبى مُؤَّم وصلى خلفه. وقال ابن عبد البر: استعمله على رضى الله عنه على خراسان. وذكره
ابن سعد فيمن مات رسول اللّه عَّه، وهم أحداث الأسنان. ومن جزم بأن له صحبة خليفة بن خياط
والترمذى ويعقوب بن سفيان وأبو عروبة والدارقطنى والبرقى وبق بن مخلد وغيرهم، كذا فى تهذيب التهذيب.
وقال فى التقريب: إنه صحابى صغير ، وكان فى عهد عمر رجلا وكان على خراسان لعلى - انتهى. قلت: ويدل على
كونه صحابيا أنه روى ابن سعد والطحاوى وأبو داود وأحمد من حديثه أنه صلى مع النبي محدثة . وفى رواية:
خلف النبي ◌َّ، فالراجح أنه صحابى. وقد اختلفوا هل هذا الحديث من روايته عن النبى مَّةٍ، أو من روايته
عن أبى بن كعب عن النبى مَّ؟ قال الترمذى: روى عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبي بن كعب ، ويروى أيضا
عن عبد الرحمن بن أبزى عن النبي مَّع، هكذا روى بعضهم فلم يذكر عن أبى، وذكر بعضهم عن عبد الرحمن
ابن أبزى عن أبى - انتهى. والظاهر أن له فى القراءة فى الوتر روايتين: إحداهما روايته عن أبي بن كعب عن
النبى ◌َوثة. وثانيتهما روايته عن النبى تَّ من غير واسطة، وقد قال العراقى: كلاهما عند النسائى باسناد صحيح،
كما فى النيل .
١٢٧٩ - (ورواه أحمد عن أبي بن كعب) وأخرجه أيضا أبو داود والنسائي وابن ماجه والطحاوى
وابن حبان والحاكم والبيهقى. وزاد النسائى فى رواية: ولا يسلم إلا فى آخرهن .
١٢٨٠ - (والدارمى عن ابن عباس) وأخرجه أيضا أحمد والترمذى والنسائي وابن ماجه والطحاوى
٢٨٢
١
١
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٥ - باب الوتر
ولم يذكرا والمعوذتين .
١٢٨١ - (٢٠) وعن الحسن بن على، قال: علنى رسول اللّه ميل كلمات أقولهن فى قنوت الوتر:
والبيهقى (ج٣ ص ٣٨) (ولم يذكرا) أى أحمد والدارمى أو أبي بن كعب وابن عباس (والمعوذتين) وتقدم أن
حديث أبى وابن عباس بإسقاط المعوذتين أصح، ولذلك اختاره أكثر أهل العلم .
١٢٨١ - قوله (وعن الحسن بن على) بن أبى طالب الهاشمى سبط رسول الله عز ◌ٍّ، وريحانته من الدنيا ،
وأحد سيدى شباب أهل الجنة أمير المؤمنين أبو محمد ولد فى النصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة ،وهو أصح
ما قيل فى ولادته، ومات سنة ٤٩، وهو ابن سبع وأربعين. وقيل مات سنة ٥٠. وقيل بعدها، ودفن بالبقيع،
ويقال إنه مات مسموماً، وقد صحب النبى معَّ وحفظ عنه. قال الخزرجى: له ثلاثة عشر حديثا. وقال البرقى:
جاء عنه نحو من عشرة أحاديث، روى عنه ابنه الحسن وأبو هريرة وعائشة أم المؤمنين وجماعة كثيرة . ولما
قتل أبوه على بن أبى طالب بالكوفة بايعه الناس على الموت أكثر من أربعين ألفاً، ثم كره سفك الدماء، فسلم
الأمر إلى معاوية بن أبى سفيان وانخلع ، وبايعه فى النصف من جمادى الأولى سنة ٤١، فكانت ولايته سبعة أشهر
وأحد عشر يوماً، ويقال أربعة أشهر. ومناقبه وفضائله كثيرة جدا (أقولهن) أى أدعو بهن (فى قنوت الوتر)
وفى رواية: فى الوتر . والقنوت يطلق على معان، والمراد به مهنا الدعاء فى صلاة الوتر فى محل مخصوص من
القيام. قال السندى فى حاشية النسائى: الظاهر أن المراد على أن أقولهن فى الوتر بتقدير أن، أو باستعمال
الفعل موضع المصدر مجازاً، ثم جعله بدلا من كلمات، إذ يستبعد أنه علمه الكلمات مطلقا ، ثم هو من نفسه
وضعهن فى الوتر. ويحتمل أن قوله أقولهن صفة كلمات، كما هو الظاهر، لكن يؤخذ منه أنه علمه أن يقول تلك
الكلمات فى الوتر، لا أنه عليه نفس تلك الكلمات مطلقا - انتهى. قلت: ويؤيد ذلك ما وقع فى بعض روايات
أحمد: وعلمه أن يقول فى الوتر، وما فى رواية للنسائى: على رسول اللّه ربيع هؤلاء الكلمات فى الوتر، وما
. فى رواية ابن الجارود: عليه هذه الكلمات ليقول فى قنوت الوتر. ثم ظاهر الحديث الا طلاق فى جميع السنة ،
كما هو مذهب الحنفية والحنابلة وهو وجه الشافعية، والمشهور من مذهبهم تخصيص القنوت فى الوتر بالنصف
الأخير من رمضان، وهو رواية عن مالك والمشهور المعتمد عند المالكية نفى القنوت فى الوتر جملة، وهى رواية
ابن القاسم ، قال فى المدونة: لا يقنت فى رمضان لا فى أوله ولا فى آخره ولا فى غير رمضان ولا فى الوتر
أصلا - انتهى. والراجح عندنا: هو أن القنوت فى الوتر مستحب فى جميع السنة، لأنه ذكر يشرع فى الوتر
فيشرع فى جميع السنة كسائر الأذكار ، ولا طلاق لفظ الوتر فى هذا الحديث . واليه ذهب ابن مسعود وغيره من
٢٨٣
مرعاة المفاتيح ج٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٥ - باب الوتر
اللهم احدنى فيمن هديت، وعافى فيمن عافيت، وتولنى فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وفتى
شر ما قضيت، فإنك تقضى ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت.
أصحاب النبي تَّثَّ. قال السندى: ثم قد أطلق الوتر فيشمل الوتر طول السنة ، فصار الحديث دليلا قويا لمن
يقول بالقنوت فى الوتر طول السنة - انتهى. (اللهم اهدنى) أى ثبتنى على الهداية، أو زدنى من أسباب الهداية
(فيمن هديت) أى فى جملة من هديتهم، أو هديته من الأنبياء والأولياء، كما قال سليمان وأدخلنى برحمتك فى
عبادك الصالحين . وقال ابن الملك : أى اجعلى من هديتهم إلى الصراط المستقيم. وقال الطيبي: أى اجعل لى نصيبا
وافرا من الاهتداء معدوداً فى زمرة المهتدين من الأنبياء والأولياء وقيل: ((فى)، فيه وفيما بعده بمعنى مع قال تعالى
﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم - ٤: ٦٩﴾ (وعافنى) أمر من المعاناة التى هى دفع السوء (وتولى)
أى تول أمرى وأصلحه (فيمن توليت) أمورهم ولا تكلنى إلى نفسى. وقال المظهر: أمر مخاطب من تولى إذا أحب
عبدا وقام بحفظه وحفظ أموره (وبارك) أى أكثر الخير (لى) أى لمنفعتى (فيما أعطيت) أى فيما أعطيتنى من
العمر والمال والعلوم والأعمال. وقال الطيبى: أى أوقع البركة فيما أعطيتنى من خير الدارين (وقنى) أى أحفظى
(شر ما قضيت) أى شر ما قضيته أى قدرته لى، أو شر قضاءك. قيل: سؤال الوقاية وطلب الحفظ عما قضاه الله
وقدره للعبد مما يسود، إنما هو باعتبار ظاهر الأسباب والآلات التى يرتبط بها وقوع المقضيات ويجرى فيها
المحو والإثبات فيا لا يزال ( فإنك) وفى رواية: إنك بغير فاء (تقضى) أى تقدر أو تحكم بكل ما أردت
(ولا يقضى عليك) بصيغة المجهول، أى لا يقع حكم أحد عليك ، فلا معقب لحكمك ولا يجب عليك شىء إلا
ما أوجبته عليك بمقتضى وعدك ( إنه ) أى الشأن. وفى بعض الروايات: وإنه بزيادة الواو (لا يذل) بفتح
فكسر، أى لا يصير ذليلا (من واليت) الموالاة ضد المعاداة. وهذا فى مقابلة لا يعز من عاديت، كما جاء فى
بعض الروايات . قال ابن حجر: أى لا يذل من واليت من عبادك فى الآخرة أو مطلقا وإن ابتلى بما ابتلى به ،
وسلط عليه من أهانه وآذله باعتبار الظاهر، لأن ذلك غاية الرفعة والعزة عند الله وعند أولياءه، ولا عبرة إلا
بهم. ومن ثم وقع للأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الامتحانات العجيبة ما هو مشهور. وزاد البيهقى، وكذا
الطبرانى من عدة طرق. ولا يعز من عاديت، أى لا يعز فى الآخرة أو مطلقا وإن أعطى من نعيم الدنيا وملكها
ما أعطى، لكونه لم يمثل أو أمرك، ولم يجتنب نواهيك (تباركت) أى تكاثر خيرك فى الدارين (ربنا) بالنصب
أى يا ربنا (وتعاليت) أى ارتفع عظمتك وظهر قهرك وقدرتك على من فى الكونين. وقال ابن الملك: أى
ارتفعت عن مشابهة كل شىء. وزاد النسائى فى رواية: وصلى الله على النبى. قال النووى فى شرح المهذب: إنها
٢٨٤
١
١
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٥ - باب الوتر
رواه الترمذى، وأبو داود، والنسائى، وابن ماجه، والدارمى.
زيادة بسند صحيح أو حسن. وتعقبه الحافظ بأنه منقطع، فإن عبد الله بن على، وهو ابن الحسين بن على ، لم يلحق
الحسن بن على - انتهى. ورواه ابن أبي عاصم وزاد: ونستغفرك ونتوب إليك. وقال القارى فى شرح الحصن :
وفى رواية ابن حبان زيادة : نستغفرك ونتوب إليك، وهو موجود فى أصل الأصيل - انتهى. والظاهر أن هذه
الزيادة قبل زيادة الصلاة على ما يفهم من الحصن. والحديث يدل على مشروعية القنوت بهذا الدعاء،
وهو مختار الشافعية والحنابلة ، واختار الحنفية القنوت فى الوتربسورة الخلع وسورة الحقد أى اللهم إنا نستعينك ،
ونستغفرك، ونؤمن بك، وتخضع لك وتخلع ، ونترك من يكفرك اللهم إياك نعبد ، ولك فصلى ونسجد ، واليك
فسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخاف عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق. أخرجه أبو داود فى المراسيل
والبيهقى فى السنن (ج ٢ ص ٢١٠) عن خالد بن أبى عمرأن مرفوعا مرسلا، وأخرجه ابن أبى شيبة موقوفا على
ابن مسعود، وابن السنى موقوفا على ابن عمر، وأخرجه محمد بن نصر والطحاوى والبيهقى فى السنن عن عمر بن
الخطاب. قال الحنفية: هما سورتان من القرآن فى مصحف أبى، كما ذكر السيوطى فى الدر المنثور ، وابن
قدامة فى المغنى (ج ٢ ص ١٥٣) قلت: الأولى عندى أن يدعو فى الوتر بالقنوت المروى فى حديث الحسن
ابن على ، لأنه حديث صحيح أو حسن مرفوع متصل، ولو قرأ ما هو مختار الحنفية جاز من غير شك، ومن
لا يحسن شيئا من ذلك يدعو بما يحفظ من الدعاء الماثور، أو يستغفر من ذنوبه ويكرر ذلك (رواه الترمذى)
وحسنه، وقال: لا نعرف عن النبى وَّ فى القنوت فى الوتر شيئا أحسن من هذا (وأبو داود) الخ وأخرجه أيضا
أحمد (ج ١ ص ١٩٩ و ٢٠٠) وابن الجارود (ص ١٤٢) ومحمد بن قصر المروزى والحاكم فى المستدرك (ج٣
ص ١٧٢) والبيهقى (ج ٢ ص ٢٠٩ و ٤٩٨) وإسحاق بن راهويه والبزار وأبو داود الطيالسى (ص ١٦٣)
وابن حبان وابن خزيمة والدار قطنى وأبو يعلى والطبرانى فى الكبير ، وسعيد بن منصور فى سفنه. وقد أطال الكلام
عليه الحافظ فى التلخيص (ص ٩٤ و ٩٥) وأخرجه ابن حزم فى المحلى (ج٤ ص ١٤٧) من طريق أبي داود وضعفه
حيث قال بعد روايته: وهذا الأثر وإن لم يكن مما يحتج بمثله فلم نجد فيه عن رسول الله عزّ غيره ، وقد قال
أحمد: ضعيف الحديث أحب إلينا من الرأى - انتهى. ونقل الحافظ فى تهذيب التهذيب (ج ٣ ص ٢٥٦)
كلام ابن حزم هذا، ولم يتعقبه بشىء ، وضعفه أيضاً ابن حبان، كما قال الشوكانى فى النيل ، وقال فى تحفة الذاكرين
(ص ١٢٨) قد ضعفه بعض الحفاظ، وصححه آخرون. وأقل أحواله إذا لم يكن صحيحا أن يكون حسنا - انتهى.
قلت : الحق أن هذا الحديث لا ينحط عن درجة الحسن ، بل هو صحيح، ولا حجة لمن ضعفه، وقد رجح أيضا
صحته العلامة أحمد شاكر فى تعليقه على المحلى (ج ٤ ص ١٤٧، ١٤٨) تنبيه حديث الحسن هذا رواه الحاكم
٢٨٥
١
مرعاة المفاتيح ج٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٥ - باب الوتر
(ج ٣ ص ١٧٢) والبيهقى (ج٣ ص ٣٩) من طريق أبى بكر بن شيبة الحزامى عن ابن أبى قديك عن اسماعيل
ابن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن الحسن بن على، قال :
علنى رسول اللّه ◌َبّم فى وترى إذا رفعت رأسى ولم يبق إلا السجود، اللهم اهدنى فيمن هديت إلى آخره. قال
البيهقى: تفرد بهذا الفظ أبو بكر بن شيبة الحزامى. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين إلا أن إسماعيل بن
ابراهيم خالفه، محمد بن جعفر بن أبى کثیر فی اسناده، ثم أخرجه عن محمد بن جعفر بن أبى كثير عن موسى بن
عقبة عن أبى إسحاق عن بريد بن أبى مريم به بسند السنن ومتنه وسكت عنه. قال الحافظ فى الدراية: هو (أى
طريق محمد بن جعفر) الصواب - انتهى. وقال فى التلخيص ( ص ٩٤) ينبغى أن يتأمل قوله فى هذا الطريق إذا
رفعت رأسى ولم يبق إلا السجود، فقد رأيت فى الجزء الثانى من فوائد أبى بكر أحمد بن الحسين بن مهران
الأصبهافى تخريج الحاكم له، قال: ثنا محمد بن يونس المقرى، قال: ثنا الفضل بن محمد البيهقى ثنا أبو بكر بن شيبة
المدنى الحزامى ثنا ابن أبى فديك عن اسماعيل بن ابراهيم بن عقبة بسنده. ولفظه: علمنى رسول الله مؤفيه أن
أقول فى الوتر قبل الركوع فذكره - انتهى. وهذا كله يدل على أن رواية الحاكم بلفظ: إذا رفعت رأسى ولم يبق
إلا السجود ، ليست بمحفوظة عند الحافظ والبيهقى، ولذلك لم يعتمد عليها البيهقى فى محل قنوت الوتر بعد الركوع،
بل اعتمد على قياس قنوت الوتر على قنوت الصبح. ومال الشوكانى إلى تقويتها حيث قال بعد ذكر كلام البيهقى:
وقد روى عنه أى عن أبى بكر بن شيبة الحزامى البخارى فى صحيحه. وذكره ابن حبان فى الثقات ، فلا يضر
تفرده. وقواها أيضاً الشيخ أحمد محمد شاكر حيث قال فى تعليقه على المحلى (ج ٤ ص ١٤٨) بعد ذكر الاختلاف
فى السند على موسى بن عقبة: ويظهر أن موسى روى عن هؤلاء الثلاثة ( أى على بن عبد الله عند النسائى وهشام
ابن عروة عند الحاكم وأبى اسحاق عند الحاكم وغيره) وابن أخيه اسماعيل بن ابراهيم بن عقبة ثقة. روى له
البخارى . وبهذه الطرق كلها ظهر أن الحديث صحيح - انتهى. وعندى فى كون رواية الحاكم المذكورة محفوظة
تأمل، ولا يطمئن قلبى بما ذكره الشوكانى والشيخ أحمد شاكر لتقويتها. وأبو بكر بن شيبة وإن روى عنه البخارى
لكن لم يحتج به، كما صرح به الحافظ فى مقدمة الفتح. واعلم أنه أختلف فى أن القنوت فى الوتر قبل الركوع
أو بعده، فاختار الخفية الأول، والشافعى وأحمد وإسحاق بن راهويه الثانى، واستدل لهم بما روى محمد بن
قصر عن أنس أن رسول اللّه مَّ كان يقنت بعد الركعة وأبو بكر وعمر حتى كان عثمان، فقنت قبل الركعة
ليدرك الناس. قال العراقى: إسناده جيد. وبما ذكرنا من حديث الحسن بن على برواية الحاكم بلفظ: إذا رفعت
رأسى ولم يبق إلا السجود، وقد عرفت حالها ، واستدل لهم أيضاً بآثار بعض الصحابة ، وبالقياس على قنوت
صلاة الصبح بعد الركوع. واستدل الحنفية بما روى البخارى (ج ١ ص ١٣٦) من طريق عاصم الأحول
٢٨٦
:
١
١
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٥- باب الوتر
١٢٨٢ - (٢١) وعن أبي بن كعب، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا سلم فى الوقر
قال: سبحان الملك القدوس، رواه أبو داود،
عن أنس أن القنوت قبل الركوع ، ذكره الحافظ فى التلخيص (ص ٩٤)، وبما روى النسائى وابن ماجه والبيهقى
(ج ٣ ص ٤٠،٣٩) عن أبي بن كعب أن رسول الله مزوفضّ كان يوتر، فيقنت قبل الركوع. لفظ ابن ماجه.
وللنسائى: كان يوتر بثلاث يقرأ فى الأولى {سبح اسم ربك الأعلى)، وفى الثانية ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ ،
وفى الثالثة (قل هو الله أحد)) ويقنت قبل الركوع. وذكره أبو داود معلقا مختصرا، وضعف ذكر القنوت
فيه ، وتبعه البيهقى حيث حكى كلامه ولم يتعقب عليه. وقد أجاب عنه ابن التركمانى فى الجوهر النقي، وحقق كون
ذكر القنوت فيه محفوظاً. وهذا هو الصواب عندى. حديث أبى بذكر القنوت صحيح أو حسن حجة . قال
الشوكانى: وضعف أبو داود ذكر القنوت فيه أى فى حديث أبى، ولكنه ثابت عند النسائى وابن ماجه من
حديثه: أن النبى مُؤثّ كان يقنت قبل الركوع. واستدل لهم أيضاً بما روى ابن أبى شيبة والدار قطنى (ص ١٧٥)
والبيهقى (ج٣ ص٤١) عن ابن مسعود أن النبى مَّ قنت فى الوترقبل الركوع. وفيه أبان بن عياش وهو متروك،
قاله الدار قطنى. ويما روى الخطيب فى كتاب القنوت عن ابن مسعود أيضا بنحوه. قال الحافظ فى الدراية:
حديث ضعيف، وبما روى أبو نعيم فى الحلية عن عطاء بن مسلم عن العلاء ابن المسيب عن حبيب بن أبى ثابت
عن ابن عباس. قال: أوتر النبي مَّم بثلاث، فقنت فيها قبل الركوع. قال أبو نعيم: غريب من حديث حبيب،
والعلاء تفرد به عطاء بن مسلم. وقال البيهقى: تفرد به عطاء وهو ضعيف . وبما روى الطبرانى فى الأوسط عن
ابن عمر أن النبى مَثّ كان يوتر بثلاث ركعات، ويجعل القنوت قبل الركوع. قال الحافظ فى الدراية (ص ١١٥):
إسناده ضعيف. وبما روى ابن أبى شيبة عن علقمة أن ابن مسعود وأصحاب النبي مرثية كانوا يقنتون فى الوتر
قبل الركوع. قال الحافظ فى الدراية (ص ١١٥): إسناده حسن. قلت : يجوز القنوت فى الوتر قبل الركوع
وبعده . والأولى عندى أن يكون قبل الركوع لكثرة الأحاديث فى ذلك، وبعضها جيد الإسناد ، ولا حاجة
إلى قياس قنوت الوتر على قنوت الصبح مع وجود الأحاديث المروية فى الوتر من الطرق المصرحة بكون القنوت
فيه قبل الركوع، وكيف يقاس الوتر على الصبح وليس بينهما معنى مؤثر يجمع به بينهما. وسيأتى شىء من الكلام
فيه فى باب القنوت .
١٢٨٢ - قوله (إذا سلم فى الوتر) أى فى آخره (قال سبحان الملك القدوس) أى البالغ أقصى النزاهة
عن كل وصف ، ليس فيه غاية الكمال المطلق. قال الطيبي: هو الطاهر المنزه عن العيوب والنقائص، وفعول
بالضم من أبنية المبالغة. فيه مشروعية هذا التسبيح بعد الفراغ من الوتر (رواه أبو داود) ومن طريقه البيهقى
٢٨٧
1
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٥ - باب الوتر
والنسائى ، وزاد ثلاث مرات يطيل.
١٢٨٣ - (٢٢) وفى رواية للنسائى، عن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، قال: كان يقول إذا سلم:
سبحان الملك القدوس ثلاثا، ويرفع صوته بالثالثة.
(ج ٣ ص ٤٢٠٤١) (والنسائى) واللفظ لأبي داود، وهو حديث مختصر. ولفظ النسائى: أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم كان يوتر بثلاث ركعات، كان يقرأ فى الأولى بـ (سبح اسم ربك الأعلى) وفى الثانية بـ ﴿ قل
يا أيها الكافرون﴾ وفى الثالثة بـ ﴿قل هو الله أحد﴾ ويقنت قبل الركوع، فإذا فرغ قال عند فراغه. سبحان
الملك القدوس ثلاث مرات، يطيل فى آخرهن. والحديث أخرجه أيضا أحمد وابن أبى شيبة والدار قطنى، وإسناده
صحيح (وزاد) أى النسائى فى روايته ( ثلاث مرات يطيل) أى فى آخرمن. والمعنى يمد فى المرة الثالثة صوته.
وزاد الدار قطنى (ص ١٧٤) والبيهقى (ج ٣ ص ٤٠) فى روايتهما: رب الملائكة والروح .
١٢٨٣ - قوله (وفى رواية للنسائى عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه) هذا خطأ، والصواب عن ابن
عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه، هكذا وقع فى مسند أحمد والنسائى، ولأن أبرى الخزاعى والدعبد الرحمن لم يرو
عنه إلا حديث واحد، وهو غير هذا الحديث. قال ابن السكن: ذكره البخارى فى الواحدان ، روى عنه حديث
واحد، إسناده صالح فذكره. وقال ابن مندة وأبو نعيم وابن الأثير: لا تصح لأبزى رؤية ولا رواية.
وقال الذهبي فى التجريد: أبزى والد عبد الرحمن خزاعى، لا يصح له صحبة إلا من طريق ضعيفة. و ابنه أى
عبد الرحمن صحابى ـ انتهى. وابن عبد الرحمن بن أبزى هو سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى الخزاعى مولاهم
الكوفى تابعى ، وثقه النسائى وابن حبان . وقال أحمد: هو حسن الحديث، روى عن أبيه وابن عباس وواثلة
(قال كان) أى النبى صلى الله عليه وسلم (ويرفع صوته بالثالثة) أى فى المرتبة الثالثة. وأخرجه أيضا الطحاوى
وأحمد (ج ٣ ص ٤٠٦، ٤٠٧) وعبد بن حميد والبيهقى (ج٣ ص ٤١) وإسناده صحيح. قال العراقى : حديث
أبي بن كعب وعبد الرحمن بن أبزى كلاهما عند النسائى باسناد صحيح. والحديث فيه سنية الجهر بهذا الذكر
فى المرة الثالثة، وهكذا فى كل ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم الجهر فيه، نعم الاسرار أفضل حيث لم ينقل عنه
الجهر فيه. قال المظهر: هذا يدل على جواز الذكر يرفع الصوت، بل على الاستحباب إذا اجتنب الرياء
إظهارا للدين، وتعليما للسامعين، وإيقاظا لهم من رقدة الغفلة، وإيصالا لبركة الذكر إلى مقدار ما يبلغ
الصوت اليه من الحيوان والشجر والحجر والمدر، وطلبا لاقتداء الغير بالخير، وليشهد له كل رطب ويابس
سمع صوته .
٢٨٨
١
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٥ - باب الوتر
١٢٨٤ - (٢٣) وعن على، قال: إن النبي مَّ كان يقول فى آخر وتره: اللهم إنى أعوذ برضاك
من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على
نفسك. رواه أبو داود، والترمذى، والنسائى، وابن ماجه.
الفصل الثالث ):
١٢٨٥ - (٢٤) عن ابن عباس، قيل له: هل لك فى أمير المؤمنين معاوية
سيس
١٢٨٤ - قوله (كان يقول فى آخر وتره) أى بعد السلام منه، كما فى رواية. ففى الحديث بيان الذكر
المشروع بعد الفراغ من صلاة الوتر. قال ميرك: وفى إحدى روايات النسائى كان يقول ذلك إذا فرغ من صلاته
وتبوأ مضجعه، ذكره القارى وكذا قال ابن القيم فى زاد المعاد (ج ١ ص ٨٩) والشوكانى فى تحفة الذاكرين
(ص ١٢٩) وهذا يرد ما قال السندى فى حاشية النسائى: يحتمل أنه كان يقول فى آخر القيام ، فصار هو من
القنوت، كما هو مقتضى كلام المصنف (النسائى) ويحتمل أنه كان يقول فى قعود التشهد - انتهى. وكأنه
لم يقف على رواية النسائى التى ذكرها ميرك وابن القيم والشوكانى، وأملها فى السنن الكبرى. وقد تقدم فى
باب السجود من حديث عائشة أنه قال ذلك فى السجود. قال ابن القيم: فلعله قاله فى الصلاة وبعدها (لا أحصى
ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) وفى رواية النسائى التى ذكرها ميرك وغيره: لا أحصى ثناء عليك وهو
ولو حرصت، ولكن أنت كما أثنيت على نفسك. وقد قدمنا شرح ألفاظ الحديث فى باب السجود
(رواه أبو داود) فى باب القنوت فى الوتر من الصلاة (والترمذى) فى باب دعاء الوتر من أبواب الدعوات
وحسنه (والنسائى) فى باب الدعاء فى الوتر من الصلاة (وابن ماجه) فى باب ما جاء فى القنوت فى الوتر.
وأخرجه أيضا أحمد والحاكم (ج١ ص ٣٠٦) وصححه، والبيهقى (ج ٣ ص ٤٢) والطبرانى فى الأوسط وابن.
أبى شيبة مقيدا بالوتر. قال الشوكانى: وأخرجه الدارمى وابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان، وليس فيه
ذكر الوتر .
١٢٨٥ - قوله (عن ابن عباس قيل له) وفى البخارى عن ابن أبي مليكة قيل لابن عباس الخ ولا أدرى
ما وجه تغيير هذا السياق مع كون ابن أبي مليكة قد شهد القصة، وهو الراوى لها ، والقائل هو كريب مولى ابن
عباس . وقيل: على بن عبد الله بن عباس (هل لك) أى جواب أو إفتاء (فى أمير المؤمنين معاوية) أى فى فعله .
وقال الطيبي: يقال هل لك فى كذا ، وهل لك إلى كذا؟ أى هل ترغب فيه، وهل ترغب اليه؟ فالاستفهام فى
٢٫٨٩
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٥ - باب الوتر
ما أوتز إلا بواحدة ؟ قال: أصاب إنه فقيه. وفى رواية: قال ابن أبي مليكة: أوتر معاوية بعد العشاء
بركعة، وعنده مولى لابن عباس، فأتى ابن عباس فأخبره. فقال: دعه فاته قد محب التى زَّ}.
الحديث بمعنى الانكار أى هل لك رغبة فى معاوية وهو مرتكب هذا المنكر. ومن ثم أجاب دعه، فإنه قد صحب
النبي ◌َّثين، فلا يفعل إلا ما رأه منه، وهو فقيه أصاب فى اجتهاده - انتهى. وقال الشيخ عبد الحق: أى هل لك
رغبة وميل ومحبة لمعاوية مع صدور أمر غير مشروع منه؟ (ما أوتر) وفى رواية: فإنه ما أوتر (إلا بواحدة)
أى اكتفى بركعة واحدة فردة بعد صلاة العشاء من غير أن يقدم عليها شفعا. هذا هو الظاهر. قال الشيخ عبدالحق
ظاهره أن هذا القائل لم يكن يعلم بمشروعية الايتار بركعة واحدة ( قال ) أى ابن عباس ( أصاب) أى فعل
الحق وأتى بالصواب ( إنه فقيه ) أى عالم بالشريعة مجتهد ، فيمكن أن يكون الذى فعله قد استنبطه من موارد
السنة (وفى رواية قال ابن أبي مليكة) بضم الميم، صغرا، هو عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة بن عبد الله
ابن جدعان . يقال: اسم أبي مليكة زهير التيمى القرشى، من مشاهير ثقات التابعين وعلماءهم. قال الحافظ: أدرك ثلاثين
من أصحاب النبي ◌َّثّ ثقة فقيه من أوساط التابعين. وقال ابن حبان فى الثقات: رأى ثمانين من الصحابة روى عن
العبادلة الأربعة وغيرهم، وكان قاضيالابن الزبير على الطائف، مات سنة (١١٧)، وقيل (١١٨) (أو ترمعاوية بعد)
صلاة (العشاء بركعة) واحدة (وعنده مولى لابن عباس) هو كريب روى ذلك محمد بن نصر المروزى فى كتاب
الوترله من طريق ابن عيينة عن عبيد الله بن أبى يزيد عن كريب، وأخرج من طريق على بن عبد الله بن عباس، قال:
بت مع أبى عند معاوية، فرأيته أوتربر كمة، فذكرت ذلك لأبى. فقال يابنى هو أعلم (فأتى) أى. ولاه كريب (فأخبره)
بذلك ( فقال ) ابن عباس ( دعه) وفى البخارى: فأتى ابن عباس فقال دعه أى ليس عنده لفظ فأخبره. قال
الحافظ: قوله: ((فقال دعه)) فيه حذف يدل عليه السياق، تقديره فأتى ابن عباس، فحكى له ذلك، فقال له
دعه أى أترك القول فى معاوية والافكار عليه. ونقله الجزرى فى جامع الأصول (ج٧ ص ٣٥) عن البخارى بذكر
لفظ: فأخبره، وكذا رواه البيهقى (ج ٣ ص ٢٧) (فإنه) عارف بالفقه عالم بالشريعة، لأنه (قد صحب النبى
صلى الله عليه وسلم) وتعلم منه، أى فلم يفعل شيئا إلا بمستند. وقال الطبيبى: أى فلا يفعل إلا مارآه. وفى فعل
معاوية واستصواب ابن عباس له دليل على مشروعية الايتار بركعة واحدة ، وأنه لا يجب تقدم نقل قبلها . وقد
ورد فيه عدة أحاديث ، كما سبق. وفعله أيضاً كثير من الصحابة: منهم سعد بن أبى وقاص، أخرجه البخارى فى
الدعوات ، والبيهقى فى المعرفة والطحاوى. ومنهم عثمان بن عفان، أخرجه الطحاوى والدار قطنى ومحمد بن نصر
المروزى، ومنهم عمربن الخطاب، أخرجه البيهقى فى المعرفة وفى السنن، ومنهم أبو الدرداء وفضالة بن عبيد ومعاذ
ابن جبل ، أخرجه الطحاوى، ومنهم أبو أمامة . أخرجه الدار قطنى. وفى كل ذلك رد على من لم يقل بمشروعية
٢٩٠
١
٠
١
م
.
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٥ - باب الوتر
رواه البخارى .
١٢٨٦ - (٢٥) وعن بريدة، قال: سمعت رسول اللّه ◌َي يقول: الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا
الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا، الوتر حق، فمن لم يوتر فليس معا. رواه أبو داود.
الايتار بركعة ، أوقال بوجوب تقدم الشفع عليها. قال الحافظ : ولا التفات إلى قول ابن التين: إن الوتر بركعة.
لم يقل به الفقهاء، لأن الذى نفاه قول الأكثر، وثبت فيه عدة أحاديث، نعم الأفضل أن يتقدمها شفع، وأقله
ركعتان. وأختلف أيهما الأفضل، وصلهما بها أو فصلهما. وذهب الكوفيون إلى شرطية وصلهما، وأن الوتر
بركعة لا تجزئ ـ انتهى. وقد تقدم الكلام فى ذلك مفصلا (رواه البخارى) فى ذكر معاوية من أبواب المناقب.
١٢٨٦ - قوله (الوتر حق) أى ثابت فى الشرع ومؤكد (فمن لم يوتر فليس منا) أى ليس على سنقنا
وطريقتنا. قال الطبي: ((من)) فيه اتصالية، كما فى قوله تعالى: ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض-٦٧:٩)
وقوله عليه السلام: فإنى لست منك ولست منى. والمعنى فمن لم يوتر فليس بمتصل بنا وبهدينا وبطريقتنا، أى إنه
ثابت فى الشرع وسنة مؤكدة، والتكريرلمزيد تقرير حقيقته وإثباته - انتهى. واستدل به الحنفية على وجوب
الوتر بناء على أن الحق هو الواجب الثابت على الذمة. ويؤيد ذلك كونه مقرونا بالوعيد على تاركه. وأجيب عنه
بأن الحق بمعنى الثابت فى الشرع كما تقدم فى كلام الطبى. ومعنى ليس منا أى ليس من سنتنا وعلى طريقتنا، أو المراد
من لم يوتررغبة عن السنة فليس منا . فالحديث محمول على تأكد السنية للوترجمعابينه وبين الأحاديث الدالة على عدم
الوجوب. وقال الحافظ فى الفتح: يحتاج من احتج به على الوجوب إلى أن يثبت أن لفظ حق بمعنى واجب فى
عرف الشارع، وأن لفظ واجب بمعنى ما ثبت من طريق الآحاد - انتهى. (رواه أبو داود) قال الحافظ فى
الدراية وبلوغ المرام بسند لين، وسكت عنه أبو داود . وقال الحافظ فى الفتح: فى سنده أبو المنيب، وفيه ضعف
وقال المنذرى: فى إسناده عبيد الله بن عبد الله أبو المنيب العتكى المروزى، وقد وثقه أن معين. وقال أبو حاتم
الرازى: صالح الحديث. وتكلم فيه البخارى والنسائى وغيرهما - انتهى. قلت: أراد بغيرهما ابن حبان والعقيلى،
فإنها أيضاً لكلما فيه. وأخرجه الحاكم (ج١ ص ٣٠٦) والبيهقى (ج ٢ ص ٤٧٠) ولم يكررا لفظه. قال الحاكم:
حديث صحيح، وأبو المنيب ثقة. وقال الذهبى فى التلخيص: قلت: قال البخارى: عنده منا كير - انتهى. وقال
الحاكم أبو أحمد ليس بالقوى عندهم. وقال البيهقى: لا يحتج به. وهذا كله يدل على أن فيه ضعفا، ولذلك لين الحافظ سند
حديثه، وقد أصاب. وللحديث شاهد ضعيف أخرجه أحمد ( ج٣ ص ٤٤٣) من طريق خليل بن مرة عن معاوية
ابن قرة عن أبى هريرة مرفوعا بلفظ: من لم يوترفليس منا، وهو منقطع، لأن معاوية بن قرة لم يسمع من أبى هريرة
شيئاً ولالقيه. قاله أحمد. والخليل بن مرة ضعفه يحي والنسائى. وقال البخارى: منكر الحديث.
٢٩١
مرعاة المفاتيح ج٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٥- باب الوتر
١٢٨٧ - (٢٦) وعن أبى سعيد، قال: قال رسول اللّه عنه: من نام عن الوتر أو نسيه فليصل ،
إذا ذكر وإذا استيقط. رواه الترمذى، وأبو داود، وابن ماجه .
١٢٨٨ - (٢٧) وعن مالك، بلغه أن رجلا سأل ابن عمر عن الور: أ واجب هو؟ فقال عبد الله:
قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوقر المسلمون، فجعل الرجل يردد عليه، وعبد الله يقول:
أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوتر المسلمون.
١٢٨٧ - قوله (من نام عن الوتر) أى عن أداءه (أو نسيه) فلم يصله (فليصل) أى قضاء (إذا ذكر)
راجع إلى النسيان (وإذا استيقظ) راجع إلى النوم، فالواو بمعنى أو، والترتيب مفوض إلى رأى السامع. وفيه
دليل على مشروعية قضاء الوتر إذا فات. وأما ماروى ابن خزيمة فى صحيحه، والحاكم (ج١ ص ٣٠١، ٣٠٢)
والبيهقى (ج ٢ ص ٤٧٨ ) من طريق قتادة عن أبى نضرة عن أبى سعيد مرفوعا: من أدركه الصبح ولم يوتر
فلا وتر له، فمحمول على التعمد أو على أنه لا يقع أداء جمعا بين الحديثين، لا أنه لا يجوز له القضاء. وقد تقدم
الكلام فى ذلك مفصلا ( رواه الترمذى وأبو داود وابن ماجه) واللفظ للترمذى. ولفظ ابن ماجه: فليصل إذا
أصبح أو ذكره. وفى سندهما عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف . و أخرجه أبو داود من طريق أخرى
صحيحة بلفظ: من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره، ولم يقل إذا أصبح. قال العراقى : سنده صحيح .
وأخرجه أيضا الحاكم وصححه والدارقطنى والبيهقى كما سبق فى تخريج حديث زيد بن أسلم .
١٢٨٨ - قوله (وعن مالك) بن أنس، إمام دار الهجرة، صاحب المذهب المشهور (بلغه) وفى الموطأ:
أنه بلغه. وقد تقدم قول ابن البر أن جميع ما فى الموطأ من قول مالك: بلغنى، ومن قوله: عن الثقة عندى مما
لم يسنده كله مسند من غير طريق مالك إلا أربعة أحاديث، فذكرها، وهذا البلاغ ليس منها، فيكون مسندا.
وسيأتى ذكر من وصله وأسنده (أ واجب هو) أى أو هو سنة؟ (فقال عبد الله) بن عمر فى جوابه (قد أو تر
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوتر المسلمون) قال القارى: اكتفى ابن عمر بالدليل عن المدلول، فكأنه قال:
إنه واجب بدليل مواظبته عليه الصلاة والسلام وإجماع أهل الاسلام - انتهى. قلت: المواظبة إنما يكون دليلا
على الوجوب حيث لم يرو ما يصرفها إلى الندب، وههنا قد صح ما يدل على عدم وجوب الوتر. والظاهر أن
ابن عمر نبه بهذا الجواب على أن الوتر سنة معمول بها وطريقة مسلوكة. ولوكان واجبا عنده لأفصح للرجل
بوجوبه ( فجعل الرجل يردد عليه ) أى يكرر السوال ، ويطلب الجواب الصريح (وعبد الله) يردد عليه جوابه
السابق ( ويقول) فى كل مرة (أو تر رسول اللّه عَ}، وأوتر المسلمون) قال الباجى: يحتمل أن عبد الله بن عمر.
٢٩٢
١
:
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٥ - باب الوتر
رواه فى الموطأ
١
قد علم أنه غير واجب، ولم ير الرجل لهذا المقدار من العلم، وكان يخبره بما هو يحتاج اليه من أنه صلى الله
عليه وسلم أوتر، وأوتر المسلمون بعده، وطوى عنه ما لا يحتاج هو اليه. ويحتمل أن ابن عمر لم يتبين له حكم
ما سأل عنه ، فأجاب بما كان، وترك ما أشكل عليه - انتهى. وقال العطي: وتلخيص الجواب أن لا أقطع بالقول
بوجوبه ولا بعدم وجوبه، لأنى إذا نظرت إلى أنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضى الله عنهم
واظبوا عليه ذهبت إلى الوجوب، وإذا فتشت نصا دالا عليه نكصت عنه، أى رجعت وأحجمت. قلت:
لا شك أنه لم يرو حديث صحيح صريح فى وجوب الوتر ، بل قد ثبت وصح ما يدل على استحبابه. وهو قرينة
واضحة على أن الوتر سنة لا واجب، نعم هو سنة مؤكدة أوكد من سائر السنن، وعلى أن مواظبته مزيفة والصحابة
بعده على الوتر كالمواظبة على بعض السنن المؤكدة الأخر (رواه) أى مالك (فى الموطأ) بالهمز وقيل بالألف.
وسبق الاعتراض على هذا التعبير فتذكر. وهذا الحديث أخرجه أحمد موصولا (ج ٢ ص ٢٩) قال: حدثنا معاذ
حدثنا ابنعون عن مسلم مولى لعبد القيس - قال معاذ: كان شعبة يقول القرى - قال: قال رجل لابن عمر أ رأيت
الوتر أسنة هو؟ قال ما سنة أوتر رسول الله مرثية وأوتر المسلمون بعده. قال لا أسنة هو. قال مه، أتعقل
أوتر رسول اللّه مَّم وأوتر المسلمون. قال الشيخ أحمد شاكر فى شرح المسند (ج ٧ ص ٣٦) إسناده صحيح،
مسلم مولى عبد القيس هو مسلم بن مخراق القرى، وهو مولى بنى قرة حى من عبد القيس، كما ذكره البخارى فى
الكبير. تابعى ثقة، وثقه النسائى والعجلى وغيرهما. وهذا الحديث رواه مالك فى الموطأ بنحوه لاغا غير متصل
فذكره ، ثم قال: والظاهر لى أن الحفاظ القدماء لم يجدوا وصل هذا البلاغ، فذكره ابن عبد البر فى التقصى رقم
(٨٠٨) ولم يذكر شيئا فى وصله، وكذلك صنع السيوطى فى شرح الموطأ، وكذلك الزرقانى فى شرحه (ج ١
٢٣٢) وها هوذا موصول فى المسند. وقد ذكره الحافظ المروزى فى كتاب الوتر (ص ١١٤) ولكنه ذكره
معلقا عن مسلم القرى كرواية المسند هنا، ولم يذكر اسناده إلى مسلم القرى - انتهى. وأخرجه أحمد فى (ج ٢
ص ٥٨) مختصرا قال: حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن عمر بن محمد عن نافع سأل رجل ابن عمر عن الوتر أواجب
هو ؟ فقال أوتر رسول اللّه مَّة والمسلمون. قال الشارح: إسناده صحيح، سفيان هو الثورى عمر بن
محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب المدنى نزيل عسقلان، ثقة، وثقه أحمد وابن معين والعجلى وأبو داود
وغيرهم ، قال وهذا الحديث مختصرا لحديث الذى رواه مالك فى الموطأ بلاغا عن ابن عمر، ولم يذكر المتقدمون
ممن كتبوا على الموطأ طريق وصله. وقد مضى نحوه ،وصولا من طريق مسلم القرى عن ابن عمر، ولكن
السؤال هناك ((أ سنة هو، وما هنا أ واجب هو؟ وهذا اللفظ يوافق السؤال فى رواية مالك، فقد وجدنا
وصل هذا البلاغ من طريقين صحيحين فى المسند والحمد لله - انتهى.
٢٩٣
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٥ - باب الوتر
١٢٨٩ - (٢٨) وعن على، قال: كان رسول اللّه مَثّ بوتر بثلاث، يقرأ فيهن بتسع سور من
المفصل، يقرأ فى كل ركعة بثلاث سور آخرمن ﴿قل هو الله أحد) رواه الترمذى.
١٢٩٠ - (٢٩) وعن نافع، قال: كنت مع ابن عمر بمكة، والسماء مغيمة،
١٢٨٩ - قوله (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث) أى بثلاث ركعات (يقرأ فيهن
بتسع سور من المفصل) أى من قصاره، كما سيأتى (آخرمن) أى آخر السور (قل هو الله أحد) الحديث
أخرجه أيضا أحمد ولفظه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بتسع سور من المفصل يقرأ فى الركعة الأولى
﴿ألها كم التكاثر﴾ و﴿إنا أنزلناه فى ليلة القدر) و(إذا زلزلت الأرض) وفى الركعة الثانية (والعصر)
و﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ و﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ وفى الركعة الثالثة (قل يا أيها الكافرون﴾ و﴿ تبت
يدا أبي لهب﴾ و﴿قل هو الله أحد﴾ - انتهى. والحديث يدل على مشروعية قراءة هذه السور فى الوتر،
لكنه حديث ضعيف، كما ستعرف. وروى محمد بن نصر عن سعيد بن جبير قال لما أمر عمر بن الخطاب أبى بن
كعب أن يقوم بالناس فى رمضان كان يوتربهم فيقرأ فى الركعة الأولى (إنا أنزلناه فى ليلة القدر) وفى الثانية
بـ (قل يا أيها الكافرون) وفى الثالثة بـ (قل هو الله أحد) قلت: والمختار عندى أن يقرأ فى الوتر بـ (سبح
اسم ربك الأعلى﴾ و﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و﴿قل هو الله أحد﴾ لما صح ذلك عن أبي بن كعب،
وابن عباس مرفوعا، وهو الذى اختاره أكثر أهل العلم، كما سبق، ولو زاد المعوذتين فى الثالثة أو قرأ
بما ورد فى حديث على أو بما روى عن عمر من فعله أحيانا لم يكن فيه بأس (رواه الترمذى) من طريق أبى بكر
ابن عياش عن أبى اسحاق عن الحارث عن على، وأخرجه أحمد (ج ١ ص٨٩) ومحمد بن نصر من طريق اسرائيل
عن أبى أسحاق، وأخرجه أيضا أحمد بن ابراهيم الدورقى فى مسند على له، كما فى التلخيص (ص ١١٨).
١٢٩٠ - قوله (وعن نافع) مولى عبد الله بن عمر (كنت مع ابن عمر) ذات ليلة (مكة) وفى بعض
نسخ الموطأ: بطريق مكة ( والسماء مغيمة) أى مغطاة بالغيم يعنى محيط بها السحاب، كذا وقع فى أكثر النسخ
الموجودة عندنا بتقديم الياء على الميم الثانية من التغيم أو الاغامة، وكذا وقع فى جامع الأصول (ج ٧ ص ٤٢)
وهكذا وقع فى نسخ الموطأ. قال الشيخ سلام الله فى المحلى شرح الموطأ على زنة المفعول أو الفاعل من التغيم
أو بكسر الغين وسكون الياء من الاغامة. قال عياض: كذا ضبطناه فى الموطأ عن شيوخنا وكله صحيح - انتهى.
وفى أصل القارى الذى أخذه فى شرح المشكاة مُقيميّة بتقديم الميم الثانية على الياء. قال القارى: كذا فى النسخ
المصححة بضم الميم الأولى وكسر الثانية، وفى نسخة مخيّمَة بكسر الياء المشددة، وقيل بفتحها. وفى نسخة بضم
٢٩٤
مرعاة المفاتيح ج٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٥ - باب الوتر
فخشى الصبح، فأوتر بواحدة، ثم انكشف، فرأى أن عليه ليلا، فشفع بواحدة، ثم صلى ركعتين
ركعتين، فلما خشى الصبح أوتر بواحدة. رواه مالك.
الميم وكسر الياء ◌ُقْيمَةٌ وقيل بكسر الغين أى مُغِيْمَة وفى نسخةُ مفَمَاةً مشددة ومخففة، وفى نسخة كمرضية
ومآل الكل إلى معنى واحد. قال الطيبي: أى مغطاة بالغيم. وقال الجزرى فى النهاية: يقال غامت السماء وأغامت
وتغيمت كله بمعنى - انتهى. زاد فى الصحاح والقاموس: وأغيمت وتغيمت تغيما، وقال ابن حجر: يقال غيمت الشىء
إذا غطيته وأغرى وغمى ، وغمى بتشديد الميم وتخفيفها الكل بمعنى ـ انتهى. وفى التاج؛ التغيير والاغامة الدخول
فى الغيم والاغماء تستر الشىء على الشخص ويعدى بعلى والتغمية التغطية. قال شجاع: فعلى هذه الأقوال يجوز لغة
مغيمة بكسر الياء والتشديد من التفعيل من الأجوف ومغمية من الناقص الثلاثى على وزن مرمية ومغماة اسم مفعول
من التغمية أو الاغماء - انتهى. ووقع فى الموطأ للامام محمد متغيمة من التغير (نخشى) عبد الله بن عمر (الصبح)
أى طلوع الفجر فيفوت وتره (فأوتر بواحدة) أى بركعة فردة من غير أن يضمها إلى شفع قبلها (ثم انكشف)
وفى الموطأثم انكشف الغيم أى ارتفع السحاب (فرأى أن عليه ليلا) أى باق عليه والفجر لم يطلع بعد (فشفع) وتره
(بواحدة) قال الباجى: يحتمل أنه لم يسلم من الواحدة فشفعها بأخرى على رأى من قال لا يحتاج فى نية أول
الصلاة إلى اعتبار عدد الركعات ولا اعتبار وتر وشفع، ويحتمل أنه سلم - انتهى. والثانى هو الظاهر بل هو
المتعين ، لأن ابن عمر قائل بنقض الوتر، فقد روى أحمد فى مسنده عن ابن عمر أنه كان إذا سئل عن الوتر قال
أما أنا فلو أوترت قبل أن أنام ثم أردت أن أصلى بالليل شفعت بواحدة ما مضى من وترى ثم صليت مثنى مثنى
فإذا قضيت صلاتى أوترت بواحدة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نجعل آخر صلاة الليل الوتر.
قلت: وما فعله ابن عمر من نقض الوتر هو رأى منه واجتهاد، وليس عنده فى هذا رواية عن النبي صلى الله عليه
وسلم، كما روى ذلك محمد بن نصر عنه، ولا دليل على ذلك فى الأمر يجعل الوتر آخر صلاة الليل، فإنه ليس
الايجاب بل هو الندب، كما تقدم. وارجع إلى كتاب الوتر لمحمد بن نصر (ص١٢٧، ١٢٨) (ثم صلى) بعد
ذلك (ركعتين ركعتين) للتهجد (فدا خشى الصبح) بعد ذلك (أوتر بواحدة) روى مثله عن على وعثمان وابن
مسعود وأسامة وعروة ومكحول وعمرو بن ميمون، وهذه مسئلة يعرفها أهل العلم بنقض الوتر وخالف فى ذلك
جماعة منهم أبو بكر كان يوتر قبل أن ينام ثم أن قام صلى ولم يعد الوتر ، وروى مثله عن أبى هريرة وعمار وعائشة
وكانت تقول أوتر أن فى ليلة أفكارا لذلك، وهو قول مالك والشافعى وأحمد وأبى حنيفة والأوزاعى وأبي ثور
وغيرهم، وقد تقدم شىء من الكلام فى هذه المسئلة فى شرح حديث: اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا (رواه مالك)
لم أقف على من أخرجه غيره .
٢٩٥
=
مرعاة المفاتيح ج٤
٤- كتاب الصلاة
٣٥- باب الوتر
١٢٩١ - (٣٠) وعن عائشة، أن رسول اللّه عَزفى كان يصلى جالسا، فيقرأ وهو جالس، فاذا بقى
من قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية، قام وقرأ وهو قائم، ثم ركع، ثم سجد، ثم يفعل
فى الركعة الثانية مثل ذلك .
١٢٩١ - قوله (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان) أى فى آخر حياته لما أسن وكبر ، ففي رواية
قالت ما رأيت النبى معَ ◌ّم يقرأ فى شىء من صلاة الليل جالسا حتى إذا كبر قرأ جالسا فاذا بقى عليه من السورة
ثلاثون أو أربعون آية قام - الحديث. قال الحافظ: بينت حفصة أن ذلك كان قبل موته بعام (يصلى) أى
النوافل فى الليل (جالسا) حال (فيقرأ) فيها القرآن بقدر ما يشاء (فاذا بقى من قراءته) أى مما أراد من قراءته،
وفيه اشارة إلى أن الذى كان يقرأه قبل أن يقوم أكثر، لأن البقية تطلق فى الغالب على الأقل (قدر ما يكون
ثلاثين أو أربعين آية) ١ كتفى بهذا التمييز عن تمييز الأول و أو قيل للشك من الراوى، وقيل للتنويع باعتبار
اختلاف الأوقات (قام وقرأ) هذه الآيات (وهو قائم ثم ركع) فيه دليل على أن من لم يطق أن يقوم فى جميع
صلاته جاز له أن يقوم فيما أمكنه منه. قال الباجى : ولا خلاف فعله فى جواز ذلك فى النافلة ، وفيه أيضا دليل
على أن الأفضل أن يقوم فيقرأ شيئا ثم يركع ليكون موافقا للسنة ولو لم يقرأ ولكنه استوى قائما ثم ركع جاز
(ثم يفعل فى الركعة الثانية مثل ذلك) المذكور من قراءته أولا جالسا ثم قائما، والحديث يدل على جواز الركوع
من قيام لمن قرأ قاعدا. وقد روى عن عائشة أيضا أن النبى مؤقتة كان يصلى ليلا طويلاقائما وليلا طويلا
قاعدا، وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم وإذا قرأ قاعدا ركع وسجد وهو قاعد. أخرجه الجماعة
الا البخارى، وهذا يظاهره يخالف حديثها الأول، لأنه يدل على أن المشروع لمن قرأ قائما أن يركع ويسجد من قيام
ومن قرأ قاعدا أن يركع ويسجد من قعود. وفى بعض طرق هذا الحديث عند مسلم فاذا افتح الصلاة قاتماركع قائما
وإذا افتح الصلاة قاعدا ركع قاعدا وهذا يدل على أن من افتتح النافلة قاعداً يركع قاعداً أوقاتما يركع قائما ويجمع
بين هذه الروايات بأنه كان يفعل كلا من ذلك بحسب النشاط وعدمه. وقال العراقى: فيحمل على أنه كان يفعل مرة
كذا، ومرة كذا فكان مرة يفتح قاعداً ويتم قراءتهقاعداً ويركع قاعداً، وكان مرة يفتتح قاعدا ويقرأ بعض قراءته
قاعداً وبعضها قائما ويركع قائما، فان لفظ كان لا يقتضى المداومة. قال الشوكانى والحديث يدل على أنه يجوز فعل
بعض الصلاة من قعود، وبعضها من قيام وبعض الركمة من قعود ، وبعضها من قيام قال العراقى : وهو كذلك
سواء قام ثم قعد أو قعد ثم قام، وهو قول جمهور العلماء کأبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد واسحاق ، وحكاه
النووى عن عامة العلماء، وحكى عن بعض السلف منعه. قال: وهو غلط، وحكى القاضى عياض عن أبى يوسف
٢٩٦
١
مرعاة المفاتيح ج٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٥ - باب الوتر
رواه مسلم.
١٢٩٢ - (٣١) وعن أم سامة، أن النبى مؤثر كان يصلى بعد الوتر ركعتين. رواه الترمذى، وزاد
ابن ماجه: خفيفتين وهو جالس.
١٢٩٣ - (٣٢) وعن عائشة، رضى الله عنها، قالت: كان رسول اللّه مَ ثّل بوتر بواحدة، ثم يركع
ركعتين يقرأ فيهما وهو جالس، فإذا أراد أن يركع. قام فركع. رواه ابن ماجه.
ومحمد فى آخرين كراهة القعود بعد القيام، ومنع أشهب من المالكية الجلوس بعد أن ينوى القيام ، وجوزه أبن
القاسم والجمهور - انتهى. (رواه مسلم) بل أخرجه الجماعة، وله ألفاظ هذا أحدها، قال القارى: ولا يظهر وجه
مناسبته للباب اللهم الا ان يقال أن الحديث ساكت عن الركعة الثالثة أو ذكر هذا الشفع، لأنه مقدمة الوتر
أو يحمل هذا الشفع على ما بعد الوتر فكان حقه أن يذكره فى آخر الباب - انتهى.
١٢٩٢ - قوله (وعن أم سلمة) أم المؤمنين (كان يصلى بعد الوتر ركعتين) أى جالسا كما سيأتى
(رواه الترمذى) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٦ ص ٢٩٨، ٢٩٩) والدارقطنى (ص ١٧٧) ومحمد بن نصر والبيهقى
(ج ٣ ص ٣٢) كلهم من حديث ميمون بن موسى المرئى عن الحسن عن أمه عن أم سلمة (وزاد ابن ماجه
خفيفتين وهو جالس) وزاده أيضا الدار قطنى ومحمد بن نصر، والحديث لم يحكم الترمذى عليه بشىء، وصححه
الدار قطنى فى سننه ثبت ذلك فى رواية محمد بن عبد الملك بن بشران عنه وليس فى رواية أبى طاهر محمد بن أحمد
ابن عبد الرحيم عن الدارقطنى تصحيح له ، قاله العراقى. قلت: فى سنده ميمون بن موسى المرئى، وهو صدوق،
لكنه مدلسن، وروى عن الحسن بالعنعنة. قال أحمد كان يداس لا يقول حدثنا الحسن ما أرى به بأسا. وقال
الفلاس: صدوق لكنه يداس ، وقال النسائى وأبو أحمد الحاكم ليس بالقوى. وقال أبو داود : ليس به بأس.
وقال البيهقى : میمون هذا بصری، ولا بأس به، إلا أنه كان يداس، قاله أحمد بن حنبل وغيره ، وروى عن
زكريا بن حكيم عن الحسن ، وخالفهما هشام، فرواه عن الحسن عن سعد بن هشام عن عائشة. قال البخارى:
وهذا أصح.
١٢٩٣ - قوله (يوتر بواحدة) أى بركعة واحدة فردة (ثم يركع) أى يصلى (ركعتين هو جالس فاذا
أراد أن يركع قام فركع) قال ابن حجر: لا ينافى ما قبله لأنه كان تارة يصليهما فى جلوس من غير قيام، وتارة
يقوم عند ارادة الركوع - انتهى. (رواه ابن ماجه) وكذا البيهقى (ج ٣ ص٣٣) كلاهما من طريق الأوزاعى
٢٩٧
مرعاة المفاتيح ج ٤
٤ - كتاب الصلاة
٣٥ - باب الوتر
١٢٩٤ - (٣٣) وعن ثوبان، عن النبى صلى الله عليه وسلم، قال: إن هذا السهر جهد وثقل،
فاذا أوتر أحدكم فايركع ركعتين، فإن قام من الليل، وإلا كانتا له. رواه الدارمى.
عن يحيى بن أبي كثير عن أبى سلمة عن عائشة، قال فى الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات - انتهى. قلت:
أصل الحديث عند مسلم من طريق هشام عن يحيى بن أبي كثير عن أبى سلمة عن عائشة قالت: سألت عائشة عن
صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كان يعلى ثلاث عشرة ركعة يصلى ثمان ركعات ثم يوتر ثم يصلى
ركعتين وهو جالس فإذا أراد أن يركع قام فركع - الحديث.
١٢٩٤ - قوله (إن هذا السهر ) أى الذى تسهرونه فى طاعة الله. والسهر بفتحتين عدم النوم ، وروى
الدارقطنى والبيهقى (ج ٣ ص ٣٣) بلفظ: أن هذا السفر أى بالفاء بدل الهاء، وكذا ذكره الهيشمى فى مجمع
الزوائد (ج ٢ ص ٢٤٦) نقلا عن معجم الطبرانى، وكتب على هامش سنن الدارمى، طبعة الهند، هذه العبارة
وعليها علامة النسخة « ويقال هذا السفر وأنا أقول السهر، والظاهر أنها مقولة الدارمى، ويؤيد لفظ السفر كون.
القصة وقعت فى حالة السفر ، فقی رواية الدار قطنى و البيهقى والطبرانى عن ثوبان ، قال: کنا مع رسول الله ڑٹے
فى سفر فقال إن السفر جهد وثقل الخ (جهد) بالفتح وبالضم أيضا المشقة (وثقل) بكسر المثلثة وسكون القاف
وفتحها أى شاق ، وثقيل على النفوس البشرية بحكم العادة الطبيعية (فإذا أوتر أحدكم) أى قبل النوم فى أول الليل
لعدم الوثوق بالاستيقاظ فى آخر الليل (فليركع) أى فليصل (ركعتين) قال البيهقى : يحتمل أن يكون المراد به
ركعتان بعد الوتر، ويحتمل أن يكون أراد، فإذا أراد أن يوتر فليركع ركعتين قبل الوتر (فان قام من الليل) وصلى
فيه فيها أى أتى بالخصلة الحميدة ويكون نورا على نور (وإلا) أى وإن لم يقم أى من الليل لغلبة النوم له (كانتا) أى
الركعتان (له ) أى كافيتين له من قيام الليل، والمعنى من قام بعد الركمتين وصلى التهجد. فهو الأفضل وإن لم يقم
ولم يصل كانتا مجزئتين عن أصل ثواب التهجد فى السفر، لأن الحديث كان فى حالة السفر، كما تقدم . قال ابن
حجر: هذا لا ينافى خبرا جعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا، أما لأن أوتر هنا بمعنى أراد أى إذا أراد أن يوتر
فليركع ركعتين فليوتر أى بواحدة أو بثلاث فيكون الركعتان قبل الوتر نافلة قائمة مقام التهجد، أو لأن الأمر
بالركعتين هنا لبيان الجواز نظير ما مر من تأويل فعله صلى الله عليه وسلم لهما بعد الوتر بذلك، وهذا الأخير
هو الذى فهمه الدارمى والدارة علنى حيث أورداء فى باب الركعتين بعد الوتر. وقال القارى: والأخير غير
صحيح إذ لم يعرف ورود الأمر لبيان الجواز فيتعين التأويل الأول - انتهى. (رواه الدارمى) بسند جيد،
وأخرجه أيضا الطحاوى والدارقطنى (ص ١٧٧) والطبرانى فى الكبير والأوسط والبيهقى (ج ٣ ص ٣٣) وفى
سند الثلاثة عبد الله بن صالح أبو صالح كاتب الليث بن سعد، وفيه كلام.
٢٩٨
-------- -------- <<<
١
١
١
:
!
من عاة المفاتيح ج٤
٤- كتاب الصلاة
٣٦ - باب القنوت
١٢٩٥ - (٣٤) وعن أبى أمامة: أن النبى ◌َّثم كان يصليهما بعد الوتر وهو جالس، يقرأ فيهما،
﴿إذا زلولت) و (قل يا أيها الكافرون). رواه أحمد.
(٣٦) باب القنوت
١٢٩٥ - قوله (إن النبي ◌ُؤثّ كان) أى أحيانا (يصليهما) أى الركعتين (يقرأ فيها) أى فى الركعتين
(إذا زلزلت) فى الأولى (وقل يا أيها الكافرون) فى الثانية (رواه أحمد) (ج ٥ ص ٢٦٠) قال الهيشمى: رجاله
ثقات، وأخرجه أيضا الطحاوى والبيهقى (ج ٣ ص ٣٣) والطبرانى فى الكبير ومحمد بن أصر المروزى فى كتاب
الوتر ، وروى الدار قطنى والبيهقى نحوه من حديث أنس .
(باب القفوت) القنوت ورد فى معان كثيرة ، ذكر ابن العربى فى شرح الترمذى: أن له عشرة معان ،
اقامتهيا اقراره بالعبودية
دعاء خشوع والعبادة طاعة
وقد نظمها فى البيتين :
كذاك دوام الطاعة الرابح النية
سكوت صلاة والقيام وطوله
والمراد هنا الدعاء فى الصلاة فى محل مخصوص من القيام وأعلم أن هنا عدة مسائل
خلافية: احداها أنه يقنت فى الوتر أم لا. والثانية أنه إذا ققت فى الوتر يقنت قبل الركوع أو بعده. والثالثة أن
القنوت في الوتر فى جميع السنة أو فى النصف الأخير من رمضان . والرابعة ألفاظ قنوت الوتر، وقد سبق الكلام
فى هذه المسائل، وتعيين ما هو الراجح فى ذلك، وسيأتى شىء من الكلام فى الثانية والثالثة. وأما مسئلة التكبير
عند إرادة القفوت فى الوتر ورفع اليدين عند تكبير القنوت فيه كرفعهما عند التحريمة، كما يفعله الحنفية فلم يصح
فيهما عن النبى مَّةٍ شىء نعم ورد فيهما آثار عن بعض الصحابة، فقد ذكر محمد بن نصر المروزى فى كتاب الوتر
عن عمر وعلى وابن مسعود والبراء أنهم كبروا عند القنوت فى الوتر قبل الركوع. قال شيخنا فى شرح الترمذى:
لم أقف على حديث مرفوع فى التكبير للقنوت ولم أقف على أسانيد هذه الآثار. وأما رفع اليدين فى قنوت الوتر
: أى كرفعهما عند التحريمة، فلم أقف على حديث مرفوع فيه أيضا، نعم جاء فيه عن ابن مسعود من فعله، فذكره
نقلا عن جزء رفع اليدين البخارى، وعن كتاب الوتر الروزى، وذكر أيضاً فى ذلك آثارا عن عمر وأبى هريرة
وأبى قلابة ومكحول عن كتاب المروزى ، ثم قال وفى الاستدلال بها على رفع اليدين فى قنوت الوتر كرفعهما
عند التحريمة نظر إذ ليس فيها ما يدل على هذا بل الظاهر منها ثبوت رفع اليدين كرفهما فى الدعاء فإن القنوت
دعاء - انتهى. قلت: الأمر كما قال الشيخ فليس فى هذه الآثار دلالة على مطلوبهم بل هى ظاهرة فى رفع اليدين
فى القنوت حال الدعاء، كما يرفع الداعى فيجوز أن ترفع اليدان حال الدعاء فى قنوت الوتر عملا بتلك الآثار كما
٢٩٩
مرعاة المفاتيح ج
٤- كتاب الصلاة
٣٦ - باب القنوت
ترفعان فى قنوت النازلة فى غير الوتر لثبوته عن النبى معَّثته، كما سيأتى. قال شيخ مشاتخنا الشيخ حسين بن محسن
الأنصارى فى مجموعة فتاواه (ص ١٦٠): قد ثبت الرفع من فعله مريم فى قنوت غير الوتر، فالوتر مثله لعدم
الفارق بين القلوتين إذهما دعاءان، ولهذا قال أبو يوسف أنه يرفعهما فى قنوت الوتر إلى صدره ويجعل بطونهما
إلى السماء، واختاره الطحاوى والكرخى. قال الشامى: والظاهر أنه يبقيهما كذلك إلى تمام الدعاء على هذه
الرواية - انتهى. قال: والحاصل أن رفع اليدين فى قنوت الوتر (كرفع الداعى) ثبت من فعل ابن مسعود وعمر
وأنس وأبى هريرة، كما ذكره الحافظ فى التلخيص، وكفى بهم أسوة وثبت من فعل النبي مته فى غير الوتر - انتهى.
والمسئلة الخامسة هل يشرع القنوت فى غير الوتر من غير سبب أو لا يشرع، فذهب جماعة، ومنهم أبو حنيفة وأحمد
إلى عدم مشروعيته قالوا لا يسن القنوت من غير سبب فى صلاة الصبح، ولا فى غيرها من الصلوات سوى الوتر،
وذهب جماعة ومنهم مالك والشافعى إلى أنه يسن القنوت فى صلاة الصبح فى جميع الزمان ، وهذا يدل على
أنهم اتفقوا على ترك القنوت فى أربع صلوات من غير سبب، وهى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، واختلفوا
فى صلاة الصبح فقال مالك والشافعى باستمرار شرعيته فى الصبح، وذهب أحمد وأبو حنيفة إلى عدم شرعيته وأنه
مختص بالنوازل واحتج المثبتون بما روى الدارقطنى (ص ١١٨) وعبد الرزاق وأحمد (ج ٣ ص ١٦٢)
وأبو نعيم والطحاوى (ج ١ ص ١٤٣) والبيهقى فى المعرفة وفى السنن (ج ٢ ص ٢٠١) والحاكم وصححه من
حديث أنس قال: ما زال رسول اللّه مَّ يقفت فى الفجر حتى فارق الدنيا وأجاب النافون بأنه لوصح لكان
قاطعا للنزاع ، ولكنه من طريق أبى جعفر الرازى، وثقه غير واحد، ولينه جماعة. قال: فيه عبد الله بن أحمد ، عن
أبيه والنسائى والعجلى: ليس بالقوى. وقال ابن المدينى: أنه يخلط . وقال أبو زرعة: يهم كثيرا . وقال ابن خراش
والفلاس: صدوق سىء الحفظ. وقال ابن معين: ثقة لكنه يخطىء. وقال الدورى: ثقة ولكنه يغلط. وقال الساجى:
صدوق ليس بمتقن . وقال ابن القيم: هو صاحب مناكير لا يحتج بما انفرد به أحد من أهل الحديث البتة . وقال
ابن حبان: كان ينفرد عن المشاهير بالمنا كير. وقال ابن الجوزى فى التحقيق، وفى العلل المتناهية: هذا حديث لايصح،
ثم ذكر الكلام فى أبى جعفر الرازى. وقال صاحب التنقيح: وإن صح فهو محمول على أنه ما زال يقنت فى
النوازل أو على أنه ما زال يطول فى الصلاة فإن القنوت لفظ مشترك بين الطاعة والقيام والخشوع والسكوت وغير
ذلك. وقال ابن القيم: ولوصح لم يكن فيه دليل على هذا القنوت المعين البتة فإنه ليس فيه أن القنوت هذا الدعاء فان
القنوت يطلق على القيام والسكوت ودوام العبادة والدعاء والتسبيح والخضوع، وحمل قول أنس على اطالة القيام
بعد الركوع، وأجاب عن تخصيصه بالفجر بأنه وقع بحسب سؤال السائل فاته إنما سأل أنا عن قنوت الفجر فأجابه
١
٣٠٠