Indexed OCR Text
Pages 201-220
مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤ - كتاب الصلاة ٣٢ - باب ما يقول إذا قام من الليل ولقاءك حق، وقولك حتى، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق ومحمد حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لى انتهى. وقال القارى: فإن قلت لم عرف الحق فى الأوليين ونكر فى البواقى؟ قلت : المعرف بلام الجنس ، والنكرة المسافة بينهما قريبة بل صرحوا بأن مؤداهما واحد لا فرق بينهما إلا بأن فى المعرفة إشارة إلى أن الماهية التى دخل عليها اللام معلومة السامع، وفى النكرة لا اشارة اليها وإن لم تكن إلا معلومة. وفى صحيح مسلم : قولك الحق بالتعريف أيضا. وقال الخطابى: عرفهما للحصر، وذكر ما قاله الطبى - انتهى. (ولقاء ك حق) أى المصير إلى الآخرة. وقيل: رؤيتك فى الدار الآخرة حيث لا مانع. وقيل: لقاء جزاء ك لأهل السعادة والشقاوة، وهو وما ذكر بعده داخل تحت الوعد، لكن الوعد مصدر، وماذكر بعده هو الموعود به، ويحتمل أن يكون من الخاص بعد العام كما أن ذكر القول بعد الوعد من العام بعد الخاص، وقد يراد باللقاء الموت لكونه وسيلة إلى اللقاء، وأبطله النووى (وقولك حق) أى مدلوله ثابت. وقد تقدم أن فى رواية مسلم وقولك الحق بالتعريف (والجنة حق والنار حق) أى كل منهما موجود (ومحمد حق) خص محمدا مَّم من بين النبيين بالذكر تعظيما له، وعطفه عليهم ايذانا بالتغاير، وأنه فائق عليهم بأوصاف مختصة به ، فان تغاير الوصف ينزل منزلة تغاير الذات، ثم حكم عليه استقلالا بأنه حق وجوده عن ذاته كأنه غيره وأوجب عليه الايمان به وتصديقه مبالغة فى إثبات نبوته كما فى التشهد. وقال السندى: قوله محمد حق التأخير للتواضع وهو أنسب بمقام الدعاء وذكره على الافراد لذلك وليتوسل بكونه نبيا حقا إلى إجابة الدعاء . وقيل: هو من عطف الخاص على العام تعظيما له ومقام الدعاء يأبى ذلك - انتهى . (والساعة حق) أى يوم القيامة. وأصل الساعة الجزء القليل من اليوم أو الليلة ثم استعير للوقت الذى تقام فيه القيامة يريد أنها ساعة حقيقة يحدث فيها أمر عظيم. واطلاق اسم الحق على ما ذكر من الأمور معناه أنه لابد من كونها، وأنها مما يجب أن يصدق بها. وتكرار لفظ حق المبالغة فى التأكيد (لك أسلمت) أى انقدت وخضعت (وبك آمنت) أى صدقت (وعليك توكلت) أى فوضت الأمر اليك تاركا للنظر فى الأسباب العادية (وإليك أنبت) أى رجعت اليك مقبلا بقلبي اليك. قيل: التوبة والإنابة كلاهما بمعنى الرجوع، ومقام الإنابة أعلى وأرفع (وبك خاصمت) أى بما أعطيتنى من البراهين وبما لقنتنى من الحجج خاصمت من خاصمنى من أعداءك أو بتأثيدك ونصرتك قاتلت (واليك حاكمت) أى رفعت أمرى اليك. والمحاكمة رفع الأمر إلى القاضى. قال الحافظ: أى كل من جحد الحق حاكمته اليك وجعلتك الحكم بينى وبينه لاغير مما كانت تحاكم اليه الجاهلية وغيرهم من كاهن ونحوه فلا أرضى إلا يحكمك ولا أعتمد غيره. وقدم مجموع صلات هذه الأفعال عليها اشعارا بالتخصيص وافادة للحصر. وقال السندى: الظاهر أن تقديم الجار للقصر بالنظر إلى سائر ما عبد من دون الله تعالى (فاغفر لى) قال ٢٠١ مرعاة المفاتيح ج٤ ٤ - كتاب الصلاة ٣٢ - باب ما يقول إذا قام من الليل ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به منى، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، ولا إله غيرك . متفق عليه. ١٢١٩ - (٢) وعن عائشة، قالت: كان النبى رَ ج إذا قام من الليل افتتح صلاته فقال: اللهم رب جبرئيل ذلك مع كونه مغفوراً له إما على سبيل التواضع والهضم لنفسه أجلالا وتعظيما لربه أو على سبيل التعليم لأمته لتقتدى به (ما قدمت) أى قبل هذا الوقت (وما أخرت) أى وما سأفعل أو ما فعلت وما تركت (وما أسررت وما أعلنت) أى أخفيت وأظهرت أو ماحدثت به نفسى وما تحرك به لسانى (وما أنت أعلم به منى) هذا من ذكر العام بعد الخاص (أنت المقدم وأنت المؤخر) قال المهلب: أشار بذلك إلى نفسه، لأنه المقدم فى البعث فى الآخرة والمؤخر فى البعث فى الدنيا . وقال عياض: قيل معناه المنزل للأشياء منازلها يقدم مايشاء ويؤخر ما يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء، وجعل عباده بعضهم فوق بعض درجات. وقيل: هو بمعنى الأول والآخر إذ كل متقدم على متقدم فهو قبله وكل مؤخر على متأخر فهو بعده، ويكون المقدم والمؤخر بمعنى الهادى والمضل قدم من شاء لطاعته لكرامته وأخر من شاء بقضاء، لشقاوته ـ انتهى. قال الكرمانى: هذا الحديث من جوامع الكلم ، لأن لفظ القيم اشارة إلى أن وجود الجواهر وقوامها منه، وبالنور إلى أن الأعراض أيضاً منه، وبالملك إلى أنه حاكم عليها ايجادا واعداما يفعل ما يشاء كل ذلك من نعم الله تعالى على عباده، فلهذا قرن كلا منها بالحمد وخصص الحمد به، ثم قوله : أنت الحق اشارة إلى أنه المبدئى للفعل والقول ونحوه إلى المعاش والساعة ، ونحوها اشارة إلى المعاد ، وفيه الاشارة إلى النبوة وإلى الجزاء ثواباً وعقاباً، ووجوب الاسلام والايمان والتوكل والإنابة والتضرع إلى الله تعالى والخضوع له - انتهى. وفيه زيادة معرفة النبى مث بعظمة ربه وعظيم قدرته ومواظبته فى الليل على الذكر والدعاء والاعتراف له بحقوقه والاقرار بصدق وعده ووعيده وغير ذلك وفيه استحباب تقديم الثناء على المسئلة عند كل مطلوب اقتداء به وَفي (لا إله إلا أنت ولا إله غيرك) قال القارى: وفى نسخة ((أو)) بدل الواو. قال ميرك: كذا فى البخارى بلفظ: ((أو)) - انتهى (متفق عليه) واللفظ للبخارى فى باب التهجد بالليل إلا قوله: ( وما أنت أعلم به منى، فانه أخرج الحديث بهذه الزيادة فى التوحيد، وزاد فى الدعوات : أنت إلهى لا إله غيرك. والحديث أخرجه أيضاً مالك فى الصلاة، والترمذى فى الدعوات ، وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقى فى الصلاة . ١٢١٩ - قوله (افتح صلاته) أى التهجد (اللهم رب جبر ئيل) منصوب على أنه منادى بتقدير حرف النداء، أو بدل من ((اللهم)، لا وصف له، لأن لحوق الميم المشددة مانع من التوصيف عند سيبويه، نعم جوز ٠ ٢٠٢ . مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤- كتاب الصلاة ٣٢ - باب ما يقول اذا قام من الليل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. رواه مسلم . الزجاج التوصيف أيضاً. قال القارى: قيل لا يجوز نصب ((رب)) على الصفة، لأن الميم المشددة بمنزلة الأصوات، فلا يوصف بما اتصل به، فالتقدير يا رب جيرتيل. قال الزجاج: هذا قول سيبويه. وعندى: أنه صفة فكما لا تمتنع الصفة مع یاء لا تمتنع مع الميم . قال أبو علی : قول سییویہ عندی أصح، لأنه ليس فى الأسماء الموصوفة شىء على حد اللهم، ولذلك خالف سائر الأسماء، ودخل فى حيز ما لا يوصف نحو حيهل فانهما صارا بمنزلة صوت مضموم إلى اسم، فلم يوصف، ذكره الطيبي (جبرئيل) بالهمزة، وكذا وقع فى جامع الترمذى والنسائى وابن ماجه بالهمز. قال ابن ماجه: قال عبد الرحمن بن عمر (يعنى شيخه) أحفظوه جبرئيل مهموزة، فانه كذا عن النبى مَّة - انتهى. وفى بعض نسخ المشكاة : جبريل أى بغير الهمزة، وكذا وقع فى نسخ مسلم و أبى داود، وفى المصابيح والسنن البيهقى وجامع الأصول (وميكائيل وإسرافيل) تخصيص هؤلاء الثلاثة بالاضاضة مع أنه تعالى رب كل شىء لتشريفهم وتفضيلهم على غيرهم، والمقام مقام وصفه تعالى بالملك والبقاء والايجاد . وهذه الصفات لا تعلق لها بعزرائيل فلم يتعرض له بالذكر مع كونه أحد الملائكة العظام. قال النووي: قال العلماء خصهم بالذكر وإن كان الله تعالى رب كل المخلوقات، كما تقرر فى القرآن والسنة من نظائره من الاضافة إلى كل عظيم المرتبة وكبير الشأن دون ما يستحقر ويستصغر، فيقال له تعالى: رب السماوات» ورب الأرض، رب العرش الكريم، ورب الملائكة، والروح، رب المشرقين، ورب المغربين، رب الناس، ملك الناس، إله الناس، رب العالمين. فكل ذلك وشبه وصف له سبحانه بدلائل العظمة وعظيم القدرة والملك ولم يستعمل ذلك فيما يحتقر ويستصغر فلا يقال رب الحشرات وخالق القردة والخازير. وشبه ذلك على الأفراد وانما يقال عالق المخلوقات، وخالق كل شىء. وحينئذ تدخل هذه فى العموم - انتهى. (فاطر السماوات والأرض) أى مبدعهما ومخترعهما (عالم الغيب والشهادة) أى بما غاب وظهر عند غيره ... (أنت تحكم بين عبادك) يوم القيامة بالتمييز بين الحق والمبطل بالثواب والعقاب (فيما كانوا فيه يختلفون) أى من أمر الدين (إهدنى) أى زدنى مدى أو ثبتى، فليس المطلوب تحصيل الحاصل (لما أختلف) على بناء المفعول (فيه) أى الذى أختلف فيه عند مجىء الأنبياء، وهو الطريق المستقيم الذى دعوا اليه، فاختلفوا فيه (من الحق) بان ((لما، (بإذنك) أى بتوفيقك وتيسيرك ( انك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم) جملة استثنائية متضمنة للتعليل (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً الترمذى فى الدعوات وأبوداود والنسائى وابن ماجه فى الصلاة وابن حبان والبيهقى (ج٣ ص ٥) ٢٠٣ مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤ - كتاب الصلاة ٣٢ - باب ما يقول اذا قام من الليل ١٢٢٠ - (٣) وعن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول اللّه مثل: من تعار من الليل فقال: لا اله الا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وسبحان الله، والحمد لله، ولا اله الا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: رب اغفرلى، أو قال: ثم دعا، أستجيب له، ١٢٢٠ - قوله (من تعار) بفتح المثناة الفوقية والعين المهملة وبعد الألف راء مشددة، أى انتبه واستيقظ من النوم (من الليل) أى فى الليل. قال التوربشتى: أن تعار يتعار يستعمل فى انتباه معه صوت يقال تعار الرجل إذا هب من نومه مع صوت، وأرى استعمال هذا اللفظ فى هذا الموضع دون الهبوب والانتباه والاستيقاظ وما فى معناه لزيادة معنى، وهو أنه أراد أن يخير بأن من هب من نومه ذاكرالله تعالى مع الهبوب فيسأل الله خيرا أعطاه إياه فأوجز فى اللفظ وأعرض فى المعنى وأتى من جوامع الكلم التى أوتيها بقوله تعار ليدل على المعنيين وأراه مثل قوله تعالى: ﴿يخرون للأذقان سجدا - ١٧: ١٠٧) فان معنى خر سقط سقوطاً يسمع منه خرير، ففى استعمال الخرور فى هذا الموضع تنبيه على اجتماع الأمرين السقوط وحصول الصوت منهم بالتسبيح، وكذلك فى قوله تعار تنبيه على الجمع بين الانتباه والذكر، وانما يوجد ذلك عند من تعود الذكر فاستأنس به وغلب عليه حتى صار حديث نفسه فى نومه ويقظته ــ انتهى. وقال ابن التين: ظاهر الحديث أن معنى تعار استيقظ، لأنه قال من تعار فقال فعطف القول على التعار - انتهى. قال الحافظ: يحتمل أن تكون الفاء تفسيرية لما صوت به المستيقظ، لأنه قد يصوت بغير ذكر، خص الفضل المذكور لمن صوت بما ذكر من ذكر الله تعالى وهذا هو السرفى اختيار تعار دون استيقظ وانتبه (له الملك وله الحمد) زاد أبو نعيم فى الحلية: يحي ويميت (وسبحان الله والحمد لله) كذا وقع بتقديم التسبيح على الحمد فى جميع النسخ موافقاً لما فى المصابيح، وكذا وقع عند الترمذى وأبي داود وابن ماجه، ووقع فى البخارى بتقديم الحمد على التسبيح ، وكذا نقله الجزرى (ج . ص٧٩) قال الحافظ: لم تختلف الروايات فى البخارى على تقديم الحمد على التسبيح، لكن عند الاسماعيلى بالعكس، والظاهر أنه من تصرف الرواة، لأن الواو لا تستلزم الترتيب - انتهى. (ولا حول ولا قوة إلا بالله) زاد النسائى وابن ماجه وابن السنى: العلى العظيم (ثم قال رب اغفرلى) قال القارى: وفى نسخة اللهم اغفرلى. قلت: وهكذا وقع فى جامع الأصول (أو قال ثم دعا) فى البخارى ثم قال اللهم اغفرلى أو دعا. قال الحافظ: ((أو)) للشك، ويحتمل أن تكون للتنويع، ويؤيد الأول ما عند الاسماعيلى بلفظ: ثم قال رب اغفرلى غفر له أو قال فدعا. أستجيب له شك الوليد (راوى الحديث) واقتصر النسائى على الشق الأول (أستجيب له) قال ابن الملك ٢٠٤ ١ ١ : مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤ - كتاب الصلاة ٣٢ - باب ما يقول اذا قام من الليل فإن توضأ وصلى قبلت صلاته. رواه البخارى. ( الفصل الثانى ) ١٢٢١ - (٤) عن عائشة، رضى الله عنها، قالت: كان رسول اللّه ◌َيَّ إذا استيقظ من الليل قال: لا إله إلا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك لذنى، وأسألك رحمتك، اللهم زدنى علما، ولا تزغ قلبى بعد إذ هديتى، وهب لى من لدنك المراد بها الاستجابة اليقينية، لأن الاحتمالية ثابتة فى غير هذا الدعاء. وقال بعض أهل العلم: استجابة الدعاء فى هذا الموطن، وكذا مقبولية الصلاة فيه أرجى منهما فى غيره (فإن توضأ وصلى) قال الطيبي: الفاء للعطف على دعا أو على قوله : قال لا إله إلا الله. والأول أظهر. وقال القارى: الظاهر هو الثانى (قبلت صلاته) قال ابن الملك: وهذه المقبولية اليقينية على الصلاة المتعقبة على الدعوة الحقيقية كما قبلها. قال ابن بطال: وعد الله على لسان نبيه أن من استيقظ من نومه لهجا لسانه بتوحيد ربه ولاذعان له بالملك والاعتراف بنعمة يحمده عليها وينزهه عما لا يليق به بتسبيحه والخضوع له بالتكبير والتسليم له بالعجز عن القدرة إلا بعونه أنه إذا دعاه أجابه وإذا صلى قبلت صلاته، فينبغى لمن بلغه هذا الحديث أن يغتنم العمل به ويخلص نيته لربه سبحانه وتعالى (رواه البخارى) وأخرجه أيضاً الترمذى فى الدعوات وأبو داود فى الأدب والنسائى فى اليوم والليلة وابن ماجه فى الدعاء والبيهقى (ج ٣ ص ٥). ١٢٢١ - قوله (إذا استيقظ من الليل) أى انتبه من نومه (وبحمدك) لم أجد هذا اللفظ فى نسخ أبى داود، ولا فى المصابيح، نعم نقله الجزرى فى جامع الأصول (ج ٥ ص ٧٨) والظاهر أن المصنف ذكره تبعا للجزرى، والله أعلم (أستغفرك لذنى) أراد تعليم أمته أو تعظيم ربه وجلالته، أو سمى ترك الأفضل لضرورة بيان الجواز أو غير ذلك ذنبا على مقتضى كمال طاعته (اللهم زدنى علما) التفكير التفخيم (ولا تزغ قلبى) أى لا تجعل قلبى ماتلا عن الحق إلى الباطل ، من أزاغ أى أمال عن الحق إلى الباطل وزاغ عن الطريق عدل عنه . قال الطيبي: أى لا تبلنى ببلاء يزيغ فيه قلبى (بعد إذ هديتنى) أى أرشدتنى إلى الحق وأقمتنى عليه بل ثبتنى عليه ((وبعد)) منصوب بلا تزغ على الظرف و((إذه فى محل الجر باضافة بعد اليه خارج عن الظرفية أى بعد وقت هدايتك إيانا. وقيل: إنها بمعنى أن (وهب لى من لدنك) متعلق بهب، ولدن ظرف، وهى لأول غاية زمان أومكان أو غيرهما من الذوات نحو من لدن زيد، فليست مرادفة لعند ، بل قد تكون بمعناها، وأكثر ما تضاف إلى . المفردات ، وقد تضاف إلى أن وصلتها لأنها فى تأويل المفرد، وقد تضاف إلى الجملة الاسمية أو الفعلية ((ومن . ٢٠٥ مرعاة المفاتيح ج٤ ٤ - كتاب الصلاة ٣٢ - باب ما يقول إذا قام من الليل رحمة إنك أنت الوهاب. رواه أبو داود. ١٢٢٢ - (٥) وعن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله : ما من مسلم يبيت على ذكر طاهرا فيتعار من الليل، فيسأل الله خيرا الا أعطاء الله إياه. رواه أحمد وأبو داود. ١٢٢٣ - (٦) وعن شريق الهوزنى، قال: دخلت على عائشة فسألتها: بم كان رسول اللّه مَثّ يفتتح اذا هب من الليل؟ فقالت: سألتنى عن شىء ما سألنى عنه أحد قبلك، كان إذا هب من الليل كبر عشرا، وحمد الله لابتداء الغاية أى أعطنى رحمة كائنة من عندك فضلا وكرما منك (رحمة) التنكير للتعظيم أى رحمة عظيمة واسعة تزلغنى اليك وأفوز بها عندك أو توفيقا للثبات على الايمان والحق (إنك أنت الوهاب) أى لكل مسئول تعليل للسؤال أو لاعطاء المسئول. قال ابن الملك: وهذا تعليم للأمة ليعلموا أن لا يجوز لهم الأمن من مكر الله وزوال نعمته ( رواه أبو داود) فى الأدب. وأخرجه أيضاً النسائى وابن حبان والحاكم وصححه، وابن مردويه وابن السنى فى عمل اليوم والليله . ١٢٢٢ - قوله (يبيت) أى يرقد فى الليل (على ذكر) من الأذكار المستحبة عند النوم، أو مطلق الأذكار حال كونه (طاهرا) أى متوضأ (فيتعار) بتشديد الراء أى يستيقظ من النوم (فيسأل الله خيرا) كذا فى جميع النسخ، وكذا فى المصابيح. ولفظ أحمد: فيسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة . وفى رواية له : خيراً من خير الدنيا والآخرة. وفى أخرى له أيضاً، ولأبى داود: خيراً من الدنيا والآخرة. ولابن ماجه: فسأل الله شيئا من أمر الدنيا أو من أمر الآخرة (رواه أحمد) (ج ٥ ص ٢٣٥، ٢٤١، ٢٤٤) (وأبو داود) فى الأدب وسكت عليه هو والمنذرى. وأخرجه أيضاً النسائى فى اليوم والليلة وابن ماجه فى الدعاء ، وفى الباب عن ابن عمر وابن عباس وأبي أمامة ، ذكر أحاديثهم المنذرى فى باب الترغيب فى أن ينام الانسان طاهراً. ١٢٢٣ - قوله (وعن شريق) بفتح الشين المعجمة وكسر الراء المهملة بعدها قاف (الهوزنى) بفتح الهاء والزأى نسبة إلى هوزن بن عوف حى من اليمن، وشريق هذا تابعى حمصى. قال فى التقريب: مقبول. وذكره ابن حبان فى الثقات (بم كان) أى بأى شىء كان (يفتح) أى يبتدأ من الأذكار (إذا هب) أى استيقظ (من الليل) قال الطبى: أى من نوم الليل والاضافة بمعنى فى (فقالت سألتنى عن شىء ما سألنى عنه أحد قبلك) كأنها رضى الله عنها حمدت السائل على سؤاله (كبر عشراً) أى قال الله أكبر عشر مرات (وحمد الله) أى ٢٠٦ ١ ١ مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤ - كتاب الصلاة ٣٢ - باب ما يقول إذا قام من الليل عشرا، وقال: سبحان الله وبحمده عشرا، وقال: سبحان الملك القدوس عشرا، واستغفر الله عشرا، وملل اللّه عشرا، ثم قال: اللهم إنى أعوذبك من ضيق الدنيا وضيق يوم القيامة عشرا، ثم يفتح الصلاة. رواه أبو داود. ( الفصل الثالث )! ١٢٢٤ - (٧) عن أبى سعيد، قال: كان رسول اللّه ورية، إذا قام من الليل كبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا اله غيرك، ثم يقول: الله أكبر كبيرا، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم قال الحمد لله (عشراً) أى عشرمرات (سبحان الملك القدوس) أى المنزه عن كل عيب وآفة (واستغفر الله عشراً) اعترافا بالتقصير وتعليما للأمة (وهلل اللّه) أى قال لا إله إلا الله (من ضيق الدنيا) أى مكارهها التى يضيق بها الصدر ويزيغ القلب. وقال القارى: أى شدائدها، لأن من به مشقة من مرض أو دين أو ظلم صارت الأرض عليه بعينه ضيقة (وضيق يوم القيامة) أى شدائد أحوالها وسكرات أموالها (عشراً) فصار المجموع سبعين المعبر عنه بالكثرة (ثم يفتتح الصلاة) أى صلاة التهجد (رواه أبو داود) فى الأدب ، وسكت عنه. وقال المنذرى: وأخرجه النسائى، وفى سنده بقية بن الوليد، وفيه مقال ـ انتهى. قلت: بقية هذا صدوق كثير التدليس، لكن قد صرح بالتحديث فى روايته عند ابن السنى (ص ٢٤٤) وروى أبو داود والنسائي وابن ماجه كلهم فى الصلاة عن عاصم بن حميد قال: سألت عائشة بأى شىء كان يفتح رسول اللّه مزيثم قيام الليل فقالت لقد سألتنى عن شىء ما سألنى عنه أحد قبلك كان إذا قام كبر عشراً وحمد الله عشراً وسبح عشراً وهلل عشراً واستغفر عشراً وقال اللهم اغفرلى واهدنى وارزقنى وعافى ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة . ١٢٢٤ - قوله (عن أبى سعيد) أى الخدرى (إذا قام من الليل) أى لصلاة التهجد (كير) للتحريمة (ثم يقول) قال الطيبي: قوله كبر ثم يقول فى المواضع الثلاث بالمضارع عطفا على الماضى للدلالة على استحضار تلك المقالات فى ذهن السامع، و ثم تتراخى الاخبار، ويجوز أن تكون لتراخى الأقوال فى ساعات الليل (سبحانك اللهم وبحمدك) أى أنزهك تنزيها مقرونا بحمدك (وتبارك اسمك) أى تكاثر خيره فضلا عن مسماه (وتعالى جدك) أى ارتفع عظمتك فوق كل عظمة تتصور أو تعالى غناك عن أن يحتاج لأحد (ثم يقول الله أكبر) بالسكون ويضم ، قاله القارى (كبيرا) حال مؤكدة. وقيل: منصوب على القطع من اسم الله. وقيل: باضمار ٢٠٧ مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤ - كتاب الصلاة ٣٢ - باب ما يقول إذا قام من الليل من همزه ونفخه ونفثه. رواه الترمذى، وأبو داود، والنساقى، وزاد أبو داود بعد قوله: غيرك: ثم يقول لا اله اللّه ثلاثا: وفى آخر الحديث. ثم يقرأ. أكبر. وقيل: صفة لمحذوف أى تكبيرا كبيراً (من همزه) بدل اشتمال أى من نخزه يعنى وسوسته واغواءه ، وفسر أيضاً بالجنون (ونفخه) أى كبره وعجبه (ونفئه) أى سحره أو شعره، وكل من الثلاثة بفتح فسكون، وقد تقدم الكلام فى معانيها بالبسط فى باب ما يقرأ بعد التكبير (رواه الترمذى وأبو داود والنسائى) قال ابن حجر والحاكم وابن حبان فى صحيحه - انتهى. وأخرجه أيضاً أحمد (ج ٣ ص ٥٠) والبيهقى (ج ٢ ص ٣٤) مطولا وابن ماجه مختصراً (وزاد أبو داود بعد قوله غيرك ثم يقول لا إله إلا اللّه ثلاثا) أى ثلاث مرات، وزاد أيضا لفظ ثلاثا بعد قوله الله أكبر كبيراً (وفى آخر الحديث) أى بعد الاستعاذة (ثم يقرأ) أى يشرع فى قراءة الفاتحة. والحديث أخرجوه كلهم من طريق جعفر بن سليمان الُضيَعى عن على بن على الرفاعى عن أبى المتوكل الناجى عن أبى سعيد، وقد تكلم فيه أبو داود والترمذى وصرح أحمد بعدم صحته. أما أبو داود فقال هذا الحديث يقولون (أى المحدثون) هو عن على بن على عن الحسن مرسلا، الوهم من جعفر (يعنى وهم جعفر بن سليمان، فرواه موصولا عن على بن على عن أبى المتوكل عن أبى سعيد، وإنما هو عن على عن الحسن البصرى مرسل) وأما الترمذى فقال حديث أبى سعيد أشهر حديث فى هذا الباب ، وقال: أيضا: وقد تكلم فى اسناد حديث أبى سعيد كان يحي بن سعيد يتكلم فى على بن على. وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث ــ انتهى: قلت: الظاهر أن هذا الحديث صحيح لاحجة لمن تكلم فيه، وجعفر بن سليمان المذكور ثقة، وثقه ابن معين وابن المدينى وابن سعد. وقال أحمد: لا بأس به. وقال أبو أحمد: حسن الحديث معروف بالتشيع، وهو عندى ممن يجب أن يقبل حديثه. وقال ابن شاهين فى المختلف: فيهم أنما تكلم فيه لعلة المذهب وما رأيت من طعن فى حديثه إلا ابن عمار بقوله جعفر بن سليمان ضعيف. وقال البزار: لم نسمع أحدا يطعن عليه فى الحديث ولا فى خطأ فيه أنما ذكرت عنه شيعيته. وأما حديثه فمستقيم. وقال ابن حبان: كان من الثقات فى الروايات غير أنه كان ينتحل الميل إلى أهل البيت ولم يكن بداعية إلى مذهبه وليس بين أهل الحديث من أتمتنا خلاف أن الصدوق المتقن إذا كانت فيه بدعة ولم يكن يدعو إليها الاحتجاج بخيره جائز - انتهى. وأما على بن على الرفاعى اليشكرى فهو أيضا ثقة، وثقه وكيع وابن معين و أبو زرعة و ابن عمار. وقال أحمد وأبو بكر البزار والنسائى: ليس به بأس. وقال شعبة اذهبوا بنا إلى سيدنا وابن سيدنا على بن على الرفاعى. وقال الآجرى: أثنى عليه أبو داود. وقال الفضل بن دكين وعفان: كان يشبه النبى مَّة. وأما أحمد بن حنبل فقال: لا يصح هذا الحديث، كما تقدم، ولم يبين وجه عدم صحته . ٢٠٨ مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤- كتاب الصلاة ٣٣ - باب التحريض على قيام الليل ١٢٢٥ - (٨) وعن ربيعة بن كعب الأسلمى، قال: كنت أبيت عند حجرة التى عَّ فكنت أسمعه إذا قام من الليل يقول: سبحان رب العالمين الهوى، ثم يقول: سبحان الله وبحمده الهوى.رواه النسانى. وللترمذى نحوه، وقال: هذا حديث حسن صحيح. (٣٣) باب التحريض على قيام الليل (الفصل الأول). ١٢٢٦ - (١) عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعقد الشيطان ١٢٢٥ - قوله (عن ربيعة بن كعب) بن مالك (الأسلمى) صحابى من أهل الصفة خدم الذى مرّةٍ ، فروى أحمد (ج ٤ ص ٥٩) عن نعيم بن محمر عن ربيعة قال: كنت أخدم رسول اللّه مَّ وأقوم له فى حوائجه نهارى أجمع حتى يصلى رسول اللّه ◌َفّ العشاء الآخرة فأجلس بيابه إذا دخل بيته أقول لعلها أن تحدث لرسول اللّه ◌َبّ حاجة الخ (كنت أبيت) وفى رواية لأحمد: كنت أنام (عند حجرة النبى مَّم) أى عند باب حجرة فيها النبي ◌ُّم (فكنت أسمعه) بصيغة المتكلم والضمير المنصوب للنبى معَّ (إذا قام من الليل) يصلى (يقول سبحان رب العالمين الهوى) بفتح الهاء وكسر الواء ونصب الياء المشددة. قال فى النهاية: الحين الطويل من الزمان. وقيل: هو مختص بالليل ، فإن قلت ما الفرق بين قوله هو يا منكراً فى حديث حميد بن عبد الرحمن فى الفصل الثالث من باب صلاة الليل وبين الهوى ههنا معرفا ؟ قلت: التعريف لاستغراق الحين الطويل بالذكر بحيث لا يفتر عنه فى بعضه ، والتنكير لا يفيده نصاً كما تقول قام زيد اليوم أى كله أو يوماً أى بعضه، ومنه قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا - ١٧: ١﴾ أى بعضاً من الليل، قاله الطيبى (ثم يقول سبحان الله ويحمده الهوى) وفى رواية لأحمد: فكنت أسمعه إذا قام من الليل يصلى الحمد لله رب العالمين الهوى قال ثم يقول سبحان الله العظيم وبحمده الهوى. وفى رواية له أيضا: كنت أبيت عند باب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطيه وضوءه فأسمعه بعد هوى من الليل يقول سمع الله لمن حمده، وأسمعه بعد هوى من الليل يقول الحمد لله رب العالمين (رواه النسانى) أى بهذا اللفظ فى باب ذكر ما يستفتح به القيام من كتاب قيام الليل (والتر مذى نحوه) أى بمعناه أخرجه فى باب الدعاء اذا انتبه من الليل من أبواب الدعوات، وأخرجه أيضاً أحمد (ج ٤ ص ٥٧ ، ٥٨) وابن ماجه فى باب ما يدعو به إذا انتبه من الليل من أبواب الدعاء والبيهقى (ج ٢ ص ٤٨٦). (باب التحريض) أى الترغيب والتحثيث (على قيام الليل ) أى صلاة التهجد . ١٢٢٦ - قوله (يعقد) بكسر القاف أى يشد ويربط (الشيطان) المراد به الجنس ، ويكون فاعل ذلك ٢٠٩ مرعاة المفاتيح ج٤ ٤- كتاب الصلاة ٣٣ - باب التحريض على قيام الليل على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة: عليك لبل طويل فارقد، القرين أو غيره من أعوان الشيطان، ويحتمل أن يراد به رأس الشياطين وهو ابليس، وتجوز نسبة ذلك اليه، لكونه الآمر لأعوانه بذلك الداعى البه (على قافية رأس أحدكم) أى مؤخره، وقفاه وقافية كل شىء آخره، ومنه قافية الشعر، لأنه آخره. وظاهر قوله ((أحدكم، التعميم فى المخاطبين، ومن فى معناهم، ويمكن أن يخص منه من ورد فى حقه أنه يحفظ من الشيطان كالأنبياء ومن بتناوله قوله: إن عبادى ليس لك عليهم سلطان ، وكمن قرأ آية الكرسى عند نومه لطرد الشيطان فقد ثبت أنه يحفظ من الشيطان حتى يصبح (إذا هو نام) أى حين نام. قال الحافظ: كذا للأكثر، وللحموى والمستعلى إذا هو نائم بوزن فاعل، والأول أصوب، وهو الذى فى الموطأ - انتهى. وقيل: بل الظاهر أن رواية المستعلى أصوب، لأنها جملة اسمية والخبر فيها اسم (ثلاث عقد) كلام اضافى منصوب، لأنه مفعول، والعقد بضم العين وفتح القاف جمع عقدة بسكون القاف والتقيد بالثلاث. إما للتأكيد أو لأنه يريد أن يقطعه عن ثلاثة أشياء الذكر والوضوء والصلاة، فكأنه منع من كل واحدة منها بعقدة عقدها على مؤخر رأسه وكان تخصيص القفا بذلك، ولكونه محل الواهمة ومحل تصرفها وهو أطوع القوى للشيطان وأسرع اجابة لدعوته (على كل عقدة) متعلق بيضرب، وللمستعلى: على مكان كل عقدة، والكشمهينى: عند مكان كل عقدة. وقوله : يضرب أى بيده على العقدة تأكيدا و أحكاما لها قائلا عليك ليل طويل. وقيل: معناه يلقى الشيطان فى نفس النائم هذا القول ويُسَوّله واقعا ومستوليا على كل عقدة يعقدها من ضرب الشبكة على الطائر ألقاها عليه. وقيل ومعناه يحجب الحس عن النائم حتى لا يستيقظ، ومنه قوله تعالى: ﴿وضربنا على آذانهم - ١٨: ١١) أى حجبنا الحس أن يلج فى آذانهم فينتبحوا. وفى حديث أبى سعيد: ما ينام أحد الا ضرب على سماخه بجرير معقود. أخرجه المخلص فى فوائده. والسماخ بكسر السين المهملة وآخره معجمة، ويقال بالصاد المهملة يدل السين (عليك ليل طويل فارقد) أى يضرب على كل عقدة فاعلا عليك ليل طويل الخ فالجملة مفعول للقول المحذوف)، وارتفاع ليل بالابتداء وعليك حبره مقدماً أى باق عليك ليل طويل، ويجوز أن يكون ارتفاع ليل بفعل محذوف أى بقى عليك ليل طويل، وعلى هذا كان الفاء فى قوله ((فارقد)) رابطة شرط مقدر أى وإذا كان كذلك فارقد ولا تعجل بالقيام ففى الوقت متسع. وقيل: قوله عليك اغراء أى عليك بالنوم امامك ليل طويل، فالكلام جملتان والثانية مستأنفة كالتعليل للجملة الأولى. وفى رواية مسلم: عليك ليلا طويلا. قال عياض رواية الأكثرين عن مسلم بالنصب على الاغراء. قال القرطبي: الرفع أولى من جهة المعنى، لأنه الأمكن فى الغرور من حيث أنه يخبره عن طول الليل ثم يأمره بالرقاد بقوله ((فارقد)، وإذا نصب على الاغراء لم يكن فيه الا الأمر بملازمة طول الرقاد ، وحينئذيكون قوله ((فارقد)) ضائعا ومقصود الشيطان بذلك تسويفه بالقيام والالباس عليه وقد اختلف فى هذا العقد: فقيل هو على الحقيقة وأنه كما يعقد الساحر من يسحره وأكثر من يفعله النساء تأخذ إحداهن ٢١٠ مرعاة المفاتيح ج٤ ٤ - كتاب الصلاة ٣٣ - باب التحريض على قيام الليل فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، الخيط فتعقد منه عقدة وتتكلم عليها بالكلمات السحرية فيتأثر المسحور عند ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿ومن شر النفائات فى العقد - ١١٣: ٤) وعلى هذا فالمعقود شىء عند قافية الرأس لا قافية الرأس نفسها، وهل العقد فى شعر الرأس أو فى غيره ؟ الأقرب الثانى إذ ليس لكل أحد شعر، ويؤيده رواية ابن ماجه بلفظ: يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم بالليل بحبل فيه ثلاث عقد، ولأحمد اذا نام أحدكم عقد على رأسه بحرير،. ولا بن خزيمة وابن حبان من حديث جابر: مامن ذكر ولا أنثى الا على رأسه جرير معقود حين يرقد - الحديث. والجرير بفتح الجيم هو الحبل وقيل هو على المجاز كأنه شبه فعل الشيطان بالنائم من منعه من الذكر والصلاة بفعل الساحر بالمسحور بجامع المنع من التصرف فلما كان الساحر يمنع بعقده ذلك تصرف من يحاول عقده كان هذا مثله من الشيطان للنائم الذى لا يقوم من نومه إلى ما يحب من ذكر الله والصلاة وقيل المراد به عقد القلب وتصميمه على الشىء كأنه يوسوس له، بأنه بقى من الليل قطعة طويلة فيتأخر عن القيام، وانحلال العقد كناية عن علمه بكذبه فيما وسوس به وقيل العقد كناية عن تثبيط الشيطان وتعويقه للنائم من قيام الليل بالقول المذكور ، ومنه عقدت فلانا عن امرأته أى منعته عنها، أو عن تثقيله عليه النوم واطالته، كأنه قد سد عليه سدا وعقد عليه عقدا. قال البيضاوى: عقد الشيطان على قافيته استعارة عن تسويل الشيطان وتحبيبه النوم اليه والدعة والاستراحة ، يعنى أن الشيطان يحبب اليه النوم ويزين له الدعة والاستراحة ويسول كلما انتبه أنه لم يستوف حظه من النوم فيوثقه عن القيام إلى العبادة ويبطئه بتلك التسويلات عن النهوض اليها (فان استيقظ) أى من نوم الغفلة (فذكر الله) بأى ذكر كان لكن المأثور أفضل. قال الحافظ: لا يتعين للذكر شىء مخصوص لا يجزئى غيره بل كل ما صدق عليه ذكر الله أجزأ ويدخل فيه تلاوة القرآن وقراءة الحديث النبوى والاشتغال بالعلم الشرعى ، وأولى ما يذكر به ما تقدم فى الباب الذى قبله من حديث عبادة بن الصامت (انحلت) أى انفتحت (عقدة) واحدة من الثلاث (فان توضأ) خص الوضوء بالذكر، لأنه الغالب والا فالجنب لا تنحل عقدته إلا بالاغتسال والتيمم يقوم مقام الوضوء والغسل ويجزئى عنهما لمن ساغ له ذلك، ولا شك أن فى معاناة الوضوء عونا كبيراً على طرد النوم لا يظهر مثله فى التيمم (انحلت عقدة) أخرى ثانية (فإن صلى) أى النافلة ولو ركعتين. قال العراقى فى شرح الترمذى: السرفى استفتاح الصلاة بركعتين خفيفتين المبادرة إلى حل عقد الشيطان وبناء على أن الحل لا يتم إلا بتمام الصلاة . قال الحافظ: وهو واضح، وقد وقع عند ابن خزيمة عن أبى هريرة فى آخر الحديث: خلوا عقد الشيطان ولو بركعتين. وفعله ◌َّ مع كونه محفوظا ومنزها عن عقد الشيطان تعليما للأمة وارشادا لهم إلى ما يحفظهم من الشيطان (انحلت عقدة) كذا فى جميع النسخ الموجودة عندنا بلفظ الافراد، وكذا وقع فى المصابيح. قال الحافظ فى الفتح قوله: انحلت عقده بلفظ الجمع بغير اختلاف فى البخارى، ووقع لبعض رواة الموطأ بالافراد - انتهى. قال ٢١١ مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤ - كتاب الصلاة ٣٣ - باب التحريض على قيام الليل فأصبح نشيطا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس، كلان. القارى: فينبغى أن يكون فى المشكاة بلفظ الجمع لقوله فى آخره متفق عليه، لكن فى جميع النسخ الحاضرة بلفظ الافراد ، ذكره ميرك ـ انتهى. قلت: قد وقع فى نسخ البخارى الموجودة الحاضرة عندنا من طبعات الهند ومصر انحلت عقدة أى بالافراد . وقال القسطلانى قوله: عقده ضبطها فى اليونينية بلفظ الجمع والافراد، كما ترى. قال ابن قرقول فى مطالعه كعياض فى مشارقه لاخلاف فى الأولى، والثانية أنه بالافراد، وأختلف فى الثالثة فقط فوقع فى الموطأ لاين وضاح على الجمع ، وكذا ضبطناه فى البخارى، وكلاهما يعنى الجمع والافراد صحيح والجمع أوجه. لاسيما وقد جاء فى رواية مسلم فى الأولى عقدة، وفى الثانية عقد تان، وفى الثالثة العقد - انتهى. قال الحافظ: ويؤيد الافراد رواية أحمد بلفظ: فان ذكر الله انحلت عقدة واحدة وإن قام فتوضأ أطلقت الثانية، فإن صلى أطلقت الثالثة، وكأنه محمول على الغالب، وهو من ينام مضطجعا فيحتاج إلى الوضوء إذا انتبه، فيكون لكل فعل عقدة يحلها ، ويؤيد الأول أى الجمع ما فى بدء الخلق عند البخارى بلفظ: عقده كلها . ولمسلم: انحلت العقد وظاهر رواية الجمع أن العقد تنحل كلها بالصلاة خاصة، وهو كذلك فى حق من لم يحتج إلى الطهارة كمن نام متمكنا غير متكث مثلا ثم انتبه فصلى من قبل أن يذكر أو يتطهر فان الصلاة بجزئه فى حل العقد كلها ، لأنها تستلزم الطهارة وتتضمن الذكر، وعلى هذا فيكون معنى قوله: فإذا صلى انحلت عقده كلها ، إن كان المراد به من لا يحتاج إلى الوضوء، فظاهر على ما قررناه، وإن كان من يحتاج اليه، فالمعنى انحلت بكل عقده أو انحلت عقده كلها بانحلال الأخيرة التى بها يتم انحلال العقد - انتهى. (فأصبح) أى دخل فى الصباح أو صار (نشيطا) أى لسروره بما وفقه الله له من الطاعة وبما وعده من الثواب وما زال عنه من عقد الشيطان (طيب النفس) لما بارك الله له فى نفسه من هذا التصرف الحسن، كذا قيل. قال الحافظ: والظاهر أن فى صلاة الليل سراً فى طيب النفس وإن لم يستحضر المصلى شيئا مما ذكر (وإلا) أى وإن لم يفعل كذلك بل ترك الذكر والوضوء والصلاة (أصبح خبيث النفس) أى محزون القلب كثير الهم. قيل: هذا الحديث يعارض قوله مؤفيه: لا يقولن أحدكم خبئت نفسى. قال ابن عبد البر: وليس كذلك، لأن النهى إنما ورد عن اضافة المرأ ذلك إلى نفسه كرامة لتلك الكلمة ، وهذا الحديث وقع ذما لفعله ولكل من الحديثین وجه. وقال الباجی : ليس بین الحديثين اختلاف: لأنه نهى عن اضافة ذلك إلى النفس لكون الخبث بمعنى فساد الدين ووصف بعض الأفعال بذلك تحذيراً منها وتتغيراً. قال الحافظ: تقرير الاشكال أنه مَّ نهى عن اضافة ذلك إلى النفس فكل ما نهى المؤمن أن يضيفه إلى نفسه نهى أن يضيفه إلى أخيه المؤمن وقد وصف مَّ هذا المرء بهذه الصفة، فيلزم جواز وصفنا له يذلك لمحل التأسى، ويحصل الانفصال فيما يظهر بأن النهى محمول على ما إذا لم يكن هناك حامل على الوصف بذلك كالتنفير ... والتحذير - انتهى. ( كسلان) لبقاء أثر تثبيط الشيطان ولشؤم تفريطه وظفر الشيطان ٢١٢ مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤ - كتاب الصلاة ٣٣ - باب التحريض على قيام الليل متفق عليه . ١٢٢٧ - (٢) وعن المغيرة، قال: قام النبي عَث حتى تورمت قدماء، فقيل له: لم تصنع مذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا. به بتفويته الحظ الأوفر من قيام الليل، فلا يكاد يخف عليه صلاة ولا غيرها من القربات والطاعات . وكسلان غير منصرف للوصف، وزيادة الألف والنون مذكر كسلى، ومقتضى قوله وإلا أصبح أنه إن لم يجمع الأمور الثلاثة دخل تحت من يصبح خبيثا كسلان وإن أتى ببعضها، لكن يختلف ذلك بالقوة والخفة، فمن ذكر الله مثلا كان فى ذلك أخف من لم يذكر أصلا. وهذا الذم مختص بمن لم يقم إلى الصلاة وضيعها ، أما من كانت له عادة فغلبته عينه، فقد ثبت أن الله يكتب له أجر صلاته ونومه عليه صدقة، ذكره ابن عبد البر (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد ومالك وأبو داود والنسائى وابن ماجه والبيهقى (ج ٢ ص ٥١ وج ٣ ص ١٥) وغيرهم. ١٢٢٧ - قوله (قام النبي مَّة) أى فى صلاة الليل. وقال ابن حجر: أى صلى ليلا طويلا. وقيل: التقدير قام بصلاة الليل على وجه الاطالة والادامة (حتى تورمت) بتشديد الراء أى انتفخت من طول القيام (قدماء) مرفوع، لأنه فاعل تورمت. وفى رواية البخارى: كان يصلى حتى ترم أو تنتفخ قدماه. وفى أخرى له : إن كان ليقوم ليصلى حتى ترم قدماه أو ساقاه. وفى حديث عائشة عند البخارى: كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه. وفى حديث أبى هريرة عند النسائى: حتى تزلع ، يعنى تشقق قدماء. ولا اختلاف بين هذه الروايات فإنه إذا حصل الورم أو الانتفاخ حصل الزلع والتشقق (فقيل له) لم يبين القائل من هو. وفى حديث عائشة فقالت عائشة لم تصنع هذا يا رسول اللّه الخ (لم تصنع هذا) لم أجد هذه الجملة فى رواية المغيرة عند أحد من خرج حديثه، فهم هى فى حديث عائشة، كما تقدم. وفى رواية لمسلم من حديث المغيرة أتكلف هذا، والمعنى أتلزم نفسك بهذه الكلفة والمشقة. وفى حديث أبى هريرة عند البزار: أتفعل هذا وقد جاءك من الله أن غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. قيل: الاستفهام للتعجب (وقد غفر لك) بصيغة المجهول. وفى البخارى: قد غفر الله لك (ما تقدم من ذنبك وما تأخر) أى جميع ما فرط منك مما يصح أن تعاتب عليه. قيل: هو محمول على ترك الأولى، وسمى ذنبا لعظم قدره حرَّ، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين. قيل: المراد لو وقع منك ذنب لكان مغفورا ولا يلزم من فرض ذلك وقوعه، والله أعلم (أفلا أكون عبداً شكورا) تقديره أ أترك عبادة ربى لما غفرلى، فلا أكون شاكراً على نعمة المغفرة وغيرها مما لا تعد ولا تحصى من خير الدارين والعبادة لا تحصر فى مغفرة الذنوب، بل إنما وجبت شكرا لنعم المولى تعالى. قال الطيبي: الفاء مسبب عن محذوف أى أ أترك قيامى وتهجدى ! ٢١٣ مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤ - كتاب الصلاة ٣٣ - باب التحريض على قيام الليل متفق عليه . ١٢٢٨ - (٣) وعن ابن مسعود، قال: ذكر عند النبى مُثم رجل، فقيل له: مازال نائما حتى أصبح، ما قام الى الصلاة، لما غفرلى، فلا أكون عبداً شكورا، يعنى أن غفران الله إياى سبب، لأن أقوم وأتهجد شكراً له فكيف أتركه أى كيف لا أشكره وقد أنعم على، وخصنى بخير الدارين، فان الشكور من أبنية المبالغة يقتضى بنعمة خطيرة، وتخصيص العبد بالذكر مشعر بغاية الاكرام والقرب من الله تعالى، ومن ثم وصفه به فى مقام الاسراء، ولأن العبودية تقتضى صحة النسبة وليست إلا بالعبادة، والعبادة عين الشكر. وقال القرطبى: ظن من سأله عن سبب تحمله المشقة فى العبادة، أنه انما يعبد الله خوفا من الذنوب وطلبا للغفرة والرحمة فمن تحقق أنه غفر له لا يحتاج إلى ذلك فأفادهم أن ههنا طريقا آخر للعبادة وهو الشكر على المغفرة وايصال النعمة لمن لا يستحق عليه فيها شيئا فيتعين كثرة الشكر على ذلك، والشكر الاعتراف بالنعمة والقيام بالخدمة، فمن كثر ذلك منه سمى شكوراً، ومن ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وقليل من عبادي الشكور - ٣٤: ١٣) قال ابن بطال فى هذا الحديث أخذ الانسان على نفسه بالشدة فى العبادة وإن أضر ذلك ببدنه، لأنه مَّ إذا فعل ذلك مع علمه بما سبق له فكيف بمن لم يعلم بذلك فضلا عمن لم يأمن أنه استحق النار - انتهى. قال الحافظ: ومحل ذلك إذا لم يفض إلى الملال، لأن حال النبى مرَّ كانت أكمل الأحوال فكان لا يمل من عبادة ربه وإن أضر ذلك بيدنه، بل صح أنه قال: وجعلت قرة عينى فى الصلاة، كما أخرجه النسائى من حديث أنس، فأما غيره مَث فإذا خشى الملل لا ينبغى له أن يكره نفسه وعليه يحمل قوله مَ ثّ خذوا من الأعمال ما قطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا. وفى الحديث مشروعية الصلاة للشكر، وفيه أن الشكر يكون بالعمل كما يكون باللسان، كما قال الله تعالى: ﴿اعملوا آل داود شكراً - ١٣:٣٤} (متفق عليه) واللفظ للبخارى فى تفسير سورة الفتح إلا قوله ((لم تصنع، هذا فانه ليس عند البخارى بل ولا عند غيره من مخرجى هذا الحديث . وأخرجه مسلم فى أواخر الكتاب فى باب اكثار الأعمال والاجتهاد فى العبادة والترمذى والنسائى وابن ماجه فى الصلاة . ١٢٢٨ - قوله (ذكر) بضم الذال على بناء المفعول (رجل) قال الحافظ: لم أقف على اسمه ، لكن أخرج سعيد بن منصور عن عبد الرحمن بن يزيد النخعى عن ابن مسعود ما يؤخذ منه أنه هو ولفظه بعد سياق الحديث بنحوه وأيم الله لقد بال فى أذن صاحبكم ليلة يعنى نفسه (فقيل) أى قال رجل من الحاضرين (له) ليس هذا اللفظ فى الصحيحين ولا فى المصابيح ولا فى جامع الأصول (ج ٧ ص ٤٦) (ما زال) أى الرجل المذكور (نائماً حتى أصبح) وفى رواية للبخارى: ذكر رجل نام ليلة حتى أصبح (ماقام إلى الصلاة) اللام للجنس، ويحتمل ٢١٤ ١ أ أ : مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤ - كتاب الصلاة ٣٣ - باب التحريض على قيام الليل قال: ذلك رجل بال الشيطان فى أذنه، أو قال: فى أذنيه. متفق عليه. العهدويرادبه صلاة الليل أو المكتوبة أى العشاء أو الصبح ويدل لكون المراد المكتوبة قول سفيان فيما أخرجه ابن حبان فى صحيحه هذا عندنا نام عن الفريضة ، وظاهر صنيع مسلم والنسائي وابن ماجه يدل على كون المرادصلاة الليل. قال الطبي: يحتمل أن يكون أصبح تامة وما قام فى محل النصب حالا من الفاعل أى أصبح وحاله أنه غير قائم إلى الصلاة، ويحتمل أن تكون ناقصة وما قام خيرها، ويحتمل أن تكون ما قام جملة مستانفة مُبتيّة للجملة الأولى أو مؤكدة مقررة لها (قال) صلى الله عليه وسلم (ذلك رجل) وفى الصحيحين: ذاك رجل. وكذا نقله الجزرى (بال الشيطان فى أذنه) بالافراد للجنس، وهو بضم الهمزة والذال وسكونها (أو قال فى أذنيه) بالتثنية المبالغة وأو للشك من الراوى، وهى رواية جرير عن منصور عن أبى وائل عن ابن مسعود. وفى رواية أبى الأحوص عن منصور، عند البخارى: بال فى أذنه أى بالافراد فقط. وأختلف فى بول الشيطان فقيل هو على حقيقته. قال القرطبي وغيره: لا مانع من ذلك اذ لا احالة فيه، لأنه ثبت أن الشيطان يأكل ويشرب ويضرط وينكح فلا مانع من أن يبول. وقد يتأول بتأويلات مناسبة: منها أنه تمثيل شبه تناقل نومه واغفاله عن الصلاة وعدم سماعه صوت المؤذن وعدم انتباهه بصياح الديك ونحوه بحال من وقع البول فى أذنه فتقل سمعه وأفسدحه والبول ضارمفسد، قاله الخطابى. قال الحافظ: والعرب تكنى عن الفساد بالبول. قال الراجز: بال سهيل فى الفضيخ ففسد. وكنى بذلك عن طلوعه، لأنه وقت افساد الفضيخ فعبر عنه بالبول. ومنها أن المراد أن الشيطان ملاً سمعه بالأباطيل وبأحاديث اللغو فأحدث ذلك فى أذنه وقرا عن استماعه دعوة الحق ، قاله التور بشتى. ومنها أنه كناية عن استهانة الشيطان والاستخفاف والازدراء به، يعنى أن الشيطان استولى عليه واستخف به حتى اتخذه كالكنيف المعد للبول أذ من عادة المستخف بالشىء غاية الاستخفاف أن يبول عليه. ومنها أنه كناية عن سد الشيطان أذن الذى ينام عن الصلاة حتى لا يسمع الذكر. ومنها أنه استعارة عن تحكمه فيه وجعله مسخرا ومطيعاً ومنقادا للشيطان يقبل ما يأمره من ترك الصلاة وغيرها. قال الطيبي: خص الأذن بالذكر والعين أنسب بالنوم إشارة إلى ثقل النوم، فإن المسامع هى موارد الانتباه بالأصوات ونداء حى على الصلاة. قال الله تعالى: ﴿ فضربنا على آذانهم فى الكهف - ١٨: ١١) أى أتمناهم انامة ثقيلة لا تنبههم فيها الأصوات، وخص البول من الأخبثين، لأنه مع خبائته أسهل مدخلا فى تجاويف الخروق وأوسع نفوذا فى العروق فيورث الكسل فى جميع الأعضاء (متفق عليه) أخرجه البخارى فى التهجد من طريق أبي الأحوص. وفى صفة إبليس من بدأ الخلق من طريق جرير. وأخرجه مسلم من طريق جرير فقط ، والسياق المذكور إلى قوله ما قام إلى الصلاة لأبى الأحوص وما بعده من رواية جرير. والحديث أخرجه أيضاً النسائى وابن ماجه وابن حبان والبيهقى (ج ٣ ص ١٥). ٢١٥ مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤ - كتاب الصلاة ٣٣ - باب التحريض على قيام الليل ١٢٢٩ - (٤) وعن أم سلمة، قالت: استيقظ رسول اللّه وَفى ليلة نزعا، يقول: سبحان الله! ماذا أنزل الليلة من الخزائن؟! وماذا أنزل من الفتن ؟! من يوقظ صواحب الحجرات - يريد أزواجه - لکی پصلین ؟ رب کاسیة فی الدنیا ١٢٢٩ - قوله (عن أم سلة) أم المؤمنين (استيقظ) أى تيقظ فالسين ليست هنا للطلب، أى انتبه من الوم (ليلة) أى من لياليها (فزعا) بكسر الزاى حال أى خائفا مضطر با ما شاهده (يقول) حال أيضاً (سبحان الله) وفى رواية: فقال سبحان الله. وفى أخرى: استيقظ من الليل وهو يقول لا إله إلا الله. وقوله: سبحان الله بالنصب على المصدرية بفعل لازم الحذف ، قاله تعجبا واستعظاما، والعرب قد تستعمله فى مقام التعجب والتعظيم وقوله (ماذا أنزل الليلة) كالتقرير والبيان، لأن ما استفهامية متضمنة لمعنى التعجب والتعظيم. وأنزل بضم الهمزة وكسر الزاى، والليلة بالنصب على الظرفية. وهذه رواية أبى ذرعن الكشمهينى. وفى رواية غيره: ما ذا أنزل الله بإظهار الفاعل (من الخزائن وماذا أنزل من الفتن) عبر عن الرحمة بالخزائن كقوله تعالى: ﴿خزائن رحمة ربك - ٩:٣٨)، وقوله: ﴿خزائن رحمة ربى - ١٧: ١٠٠) وعبر عن العذاب بالفتن، لأنها أسباب مؤدية إلى العذاب، وجمعهما لسعتهما وكثرتهما، واستعمل الجاز فى الإنزال، والمراد إعلام الملائكة بالأمر المقدور، وكأنه ر رأى فى المنام أنه سيقع بعده فتن، وتفتح لهم الخزائن، أو أوحى الله تعالى اليه ذلك قبل النوم، فعبر عنه بالإنزال، وهو من المعجزات، فقد فتحت خزائن فارس والروم وغيرهما كما أخبر عليه السلام، ووقعت الفتن بعده كما هو المشهور (من يوقظ) أى من ينتدب فيوقظ. قال ابن الملك: استفهام أى هل أحد يوقظ . قال الحافظ: أراد بقوله : من يوقظ بعض خدمه، كما قال يوم الخندق: من يأتينى بخبر القوم ؟ وأراد أصحابه، لكن هناك عرف الذى انتدب، وهنا لم يذكر (صواحب الحجرات) كلام إضافى مفعول لقوله يوقظ . وصواحب جمع صاحبة . والحجرات بضم الحاء المهملة وفتح الجيم. قال القسلانى: والذى فى اليونينية بضم الجيم أيضا جمع حجرة، وهى منازل أزواج النبي ◌َّة (يريد أزواجه) أى يعنى رَّم بصواحب الحجرات أزواجه الطاهرات (لكى يصلين) ويستعذن ما أراه الله من الفتن النازلة كى يوافقن المرجو فيه الإجابة. وفى رواية : -تی يصلين، وإنما خصهن بالايقاظ، لأنهن الحاضرات حينئذ، أو من باب ابدأ بنفسك ثم بمن تعول. وهذا يدل على أن المراد بالإيقاظ: الايقاظ لصلاة الليل، لا لمجرد الاخبار بما أنزل، لأنه لوكان لمجرد الاخبار لكان يمكن تأخيره إلى النهار ، لأنه لا يفوت. وبهذا ظهرت مطابقة الحديث للباب، وأن فيه التحريض على صلاة الليل. ويؤخذ منه أنها ليست بواجبة، لأنه ترك إلزامهن بذلك، وقد ترجم البخارى لهذا الحديث باب تحريض النبى مؤلّ. على قيام الليل من غير إيجاب (رب كاسية) وفى رواية: ((غرب)) بزيادة فاء فى أوله. وفى رواية: «يا رب كاسية)) ٢١٦ ١ i مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤ - كتاب الصلاة ٣٣ - باب التحريض على قيام الليل عارية فى الآخرة. رواه البخارى . ١٢٣٠ - (٥) وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ينزل ربنا بزيادة حرف النداء فى أوله أى يا قوم أو يا سامعين، فالمنادى فيه محذوف. وفى رواية: ((كم)) من كاسية فى الدنيا عارية يوم القيامة، وهى تدل على أن رب ههنا للتكثير، لأن معنى كم الخبرية التكثير بلا خلاف، ولأنه ليس مراده أن ذلك قليل ، بل المتصف بذلك من النساء كثير (عارية) بتخفيف الياء . قال الحافظ : وهى مجرورة فى أكثر الروايات على النعت. قال السهيلى: إنه الأحسن عند سيبويه، لأن رب عنده حرف جر يلزم صدر الكلام، قال ويجوز الرفع على إضمار مبتدأ، والجملة فى موضع النعت أى هى عارية ، والفعل الذى تتعلق به رب محذوف، أى رب كاسية هى عارية عرفتها - انتهى. واختار الكسائى أن تكون رب اسما مبتدأ، والمرفوع خبرها. وأختلف فى المراد بقوله: كاسية وعارية على أوجه: أحدها رب امرأة أو نسمة أو نفس كاسية فى الدنيا بالثياب لوجود الغنى، عارية فى الآخرة من الثواب لعدم العمل فى الدنيا. ثانيها كماسية بالثياب، لكنها رقيقة لا تمنع إدراك البشرة شفافة لا تستر العورة، عارية فى الآخرة جزاء على ذلك أى معاقبة فى الآخرة بفضيحة التعرى ، فقيه نهى عن لبس ما يشف من الثياب. ثالثها كاسية من نعم الله، عارية من الشكر الذى تظهر ثمرته فى الآخرة بالثواب. رابعها كاسية جسدها، لكنها تشد به خمارها من ورائها، فيدو صدرها، فتصير عارية، فتعاقب فى الآخرة . خامسها كاسية من خلمة التزوج بالرجل الصالح، عارية فى الآخرة من العمل، فلا ينفعها صلاح زوجها، كما قال تعالى: ﴿ فلا أنساب بينهم - ٢٣: ١٠١)) قال الطيبي: قوله: «رب كاسية، كالبيان لموجب استيقاظ الأزواج للصلاة أى لا ينبغى لهن أن يتغافلن عن العبادة، ويعتمدن على كونهن أهالى رسول اللّه عليه، كماسيات خلعة نسبة أزواجه، متشرفات فى الدنيا بها، فهى عاريات فى الآخرة، إذ لا أنساب فيها، وهذا وإن ورد فى أمهات المؤمنين، لكن الحكم عام لهن ولغيرهن، فإن العبرة بعموم اللفظ، لا لخصوص السبب والمورد. قال ابن بطال: فى هذا الحديث أن المفتوح فى الخزائن تنشأ عنه فتنة المال بأن يتنافس فيه فيقع القتال بسببه، وأن يبخل به فيمنع الحق أو يبطر صاحبه فيسرف، فأراد مفتّ تحذير أزواجه من ذلك كله وكذا غير هن من بلغه ذلك. وفى الحديث الندب إلى الدعاء والتضرع عند نزول الفتنة، ولاسيما فى الليل لرجاء وقت الاجابة فتكشف أو يسلم الداعى أو من دعا له. وفيه جواز قول سبحان الله عند التعجب وندبية ذكر الله بعد الاستيقاظ، وإيقاظ الرجل أهله بالليل للعبادة لاسيما عند آية تحدث (رواه البخارى) فى مواضع بألفاظ متقاربة، واللفظ المذكور له فى الفتن. وأخرجه أيضاً أحمد (ج ٦ ص ٢٩٧) ومالك فى كتاب الجامح من الموطأ مرسلا ، والترمذى فى الفتن. ١٢٣٠ - قوله (ينزل ربنا) أى نزولا يليق بحنابه المقدس. والحاصل أن التفويض والتسليم أسلم، ٢١٧ مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤ - كتاب الصلاة ٣٣ - باب التحريض على قيام الليل والقدر الذى قصد إفهامه معلوم، وهو أن الثلث الأخير وقت استجابة وعموم رحمة ووفور مغفرة ، فينبغى الطالب الخير أن يدركه ولا يفوته ، فعلى الإنسان أن يقتصر على هذا القدر، ولا يتجاوز عنه، إذ لا يتعلق بأزيد منه غرض ، قاله السندى. واعلم أنه أختلف فى ضبط قوله: ((ينزل، فقيل بضم الياء من الإنزال. قال أبو بكر بن فَوّرك: ضبط لنا بعض أهل النقل هذا الخبر عن النبى مُؤْم بضم الياء من ينزل يعنى من الإنزال، وذكر أنه ضبط عمن سمع منه من الثقات الضابطين . وكذا قال القرطبى: قد قيده بعض الناس بذلك ● فيكون معديا إلى مفعول محذوف أى ينزل الله ملكا، قال ويقويه ما رواه النسائى من حديث الأغر عن أبى سعيد وأبي هريرة بلفظ : أن الله يمهل حتى يمضى شطر الليل ثم يأمر مناديا يقول هل من داع فيستجاب له - الحديث. وصححه عبد الحق. وفى حديث عثمان بن أبي العاص عند أحمد: ينادى مناد هل من داع يستجاب له - الحديث . وعلى هذا فلا إشكال فى الحديث. وأما على ما هو المشهور فى ضبطه، وهو فتح الياء من النزول، فالحديث مشكل ، لأن النزول انتقال الجسم من فوق إلى تحت والله تعالى منزه عن ذلك. ويؤيد هذا الضبط رواية مسلم بلفظ يتنزل ربنا بزيادة ناء بعد ياء المضارعة، وعلى هذا فالحديث من المتشابهات. والعلماء فيه على قسمين: الأول المفوضة أجروه على ما ورد مؤمنين به على طريق الإجمال ، منزهين الله تعالى عن الكيفية والتشبيه ، وهم جمهور السلف، ونقله البيهقى وغيره عن الأئمة الأربعة والسفيانين والحمادين والأوزاعى والليث وابن المبارك والزهرى ومكحول وغيرهم. والثانى المؤلمة فأولوه بتأويلين: أحدهما أن معنى ينزل ربنا ينزل أمره لبعض ملائكته أو ينزل ملكه بأمره، حذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه. والثانى أنه استعارة، ومعناه الإقبال على الداعى بالاجابة واللطف والرحمة وقبول المعذرة، كما هو ديدن الملوك الكرماء والسادة الرحماء إذا نزلوا بقرب قوم محتاجين ملهوفين فقراء مستضعفين. قال البيضاوى: لما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع أعلى إلى ما هو أخفض منه، فالمراد وفور رحمته أى ينتقل من مقتضى صفات الجلال التى تقتضى الأزفة من الأرذال وقهر الأعداء والانتقام من العصاة إلى مقتضى صفات الإكرام التى تقتضى الرأفة والرحمة والعفو - انتهى. هذا، وقد أفرط بعضهم فى التأويل حتى كاد أن يخرج إلى نوع من التحريف، وحمله بعضهم على ظاهره وحقيقته، وهم المشبهة تعالى الله عن قولهم، وأنكر بعضهم صحة الأحاديث الواردة فى ذلك جملة، وهم الخوارج والمعتزلة، وهو مكابرة . والعجب أنهم أَ وّاوا ما فى القرآن من نحو ذلك، وأنكروا ما فى الحديث إما جهلا وإما عنادا. قلت: الحق عندنا هو قول جمهور السلف، فتؤمن بما ورد فى الكتاب والسنة الصحيحة على طريق الاجمال، ونتزه الله سبحانه وتعالى عن الكيف والشبه بخلقه، ونذهب إلى ما وسع سلفنا الصالح من السكوت عن التأويل، ونقول ما قال البيهقى وأسلها الايمان بلا كيف ٢١٨ ١ : . مرعاة المفاتيح ج ٤ ٤ - كتاب الصلاة ٦ ٣٣ - باب التحريض على قيام الليل تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، والسكوت عن المراد، إلا أن يرد ذلك عن الصادق فيصار اليه ، فقله الحافظ فى الفتح، وقال ومن الدليل على ذلك اتفاقهم على أن التأويل المعين غير واجب ، حينئذ التفويض أسلم هذا، وقد أطال الكلام فى مسئلة النزول وأشباهها من أحاديث الصفات الأئمة المتقدمون كشيخ الاسلام والمسلمين الامام ابن تيمية وتلميذيه الامام ابن القيم والحافظ الذهبي وغيرهم، فعليك أن ترجع إلى ما ألفوا فى ذلك من الكتب (تبارك وتعالى) جملتان معترضتان بين الفعل وظرفه وهو قوله ( كل ليلة) أى فى وقت خاص (إلى السماء الدنيا) وفى حديث أبى الخطاب: رجل من أصحاب النبي ◌ُّ أن الله يهبط من السماء العليا إلى السماء الدنيا - الحديث. أخرجه عبد الله بن أحمد فى كتاب السنة بإسناده (حين يبقى ثلث) بضم لام وسكونه ( الليل) بالجر (الآخر) بكسر الخاء المعجمة. وضم الراء المهملة صفة ثلث، وتخصيصه بالليل وبالثلث الأخير منه، لأنه وقت التهجد وغفلة الناس عمن يتعرض لنفحات رحمة الله تعالى، وعند ذلك تكون النية خالصة، والرغبة إلى اللّه وافرة. وذلك مظنة القبول والإجابة، ولكن اختلف الروايات فى تعيين الوقت على ستة أقوال: الأولى هى التى ههنا، وهى حين يبقى ثلث الليل الآخر. قال الترمذى: هذا أصح الروايات فى ذلك. وقال العراقى: أصحها ما صححه الترمذى. وقال الحافظ ؛ ويقوى ذلك أن الروايات المخالفة له اختلف فيها على رواتها. والثانية حين يمضى الثلث الأول، وهى عند الترمذى ومسلم . والثالثة حين يبقى نصف الليل الآخر. وفى لفظ: إذا كان شطر الليل. وفى آخر إذا مضى شطر الليل. الرابعة ينزل الله تعالى شطر الليل أو ثلث الليل الآخر على الشك أو التنويع. الخامسة إذا مضى نصف الليل أو ثلث الليل أى الأول. وفى لفظ: إذا ذهب ثلث الليل أو نصفه. والسادسة الإطلاق ولا تعارض بين رواية من عين الوقت ومن لم يعين ، كما هو ظاهر جلى، فالروايات المطلقة تحمل على المقيدة. وأما من عين الوقت ، واختلفت ظواهر رواياتهم، فقد صار بعض العلماء إلى الترجيح كالترمذى على ما تقدم إلا أنه عبر بالأصح، فلا يقتضى تضعيف غير تلك الرواية . وأما القاضى عياض فعبر فى الترجيح بالصحيح، فاقتضى ضعف الرواية الأخرى، ورده النووى بأن مسلما رواها فى صحيحه بإسناد لا يطعن فيه عن صحابيين فكيف يضعفها ، وإذا أمكن الجمع ولو على وجه فلا يصار إلى التضعيف. قال النووي: ويحتمل أن يكون النبى مرفتم أعلم بأحد الأمرين فى وقت فأخبر به، ثم أعلم بالآخر فى وقت آخر فأعلم به، وسمع أبو هريرة الخبرين جميعا فنقلهما ، واسمع أبو سعيد الخدرى خبر الثلث الأول فقط فأخبر به - انتهى. وقال الحافظ: أما الرواية التى بأو، فان كانت أو للشك فالمجزوم به مقدم على المشكوك فيه، وإن كانت للتردد بين حالين فيجمع بين الروايات بأن ذلك يقع بحسب اختلاف الأحوال لكون أوقات الليل تختلف فى الزمان وفى الآفاق باختلاف تقدم دخول الليل عند قوم ، وتأخره عند قوم. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون النزول يقع فى الثلث الأول ، والقول يقع فى النصف وفى الثلث الثانى. وقيل: يحمل على أن ذلك يقع فى ٢١٩ مرعاة المفاتيح ج٤ ٤ - كتاب الصلاة ٣٣ - باب التحريض على قيام الليل يقول: من يدعونى فأستجيب له؟ من يسألنى فأعطيه؟ من يستغفرفى فأغفر له ؟. متفق عليه. جميع الأوقات التى وردت بها الأخبار، ويحمل على أن النبي ◌َّم أعلم بأحد الأمور فى وقت فأخبر به ثم أعلم به فى وقت آخر فأخبر به، فنقل الصحابة ذلك عنه - انتهى كلام الحافظ. وقال القارى: لاتنافى بين الروايات، لأنه يحتمل أن يكون النزول فى بعض الليالى هكذا وفى بعضها هكذا، كذا قاله ابن حبان . وقال ابن حجر: ويحتمل أن يتكرر النزول عند الثلث الأول والنصف والثلث الأخير، واختص بزيادة الفضل لحثه على الاستغفار بالأسحار، ولا تفاق الصحيحين على روايته - انتهى. (من يدعونى فاستجيب له) بالنصب على جواب الاستفهام، وبالرفع على تقدير مبتدأ ، أى فأنا استجيب له، وكذلك حكم فأعطيه فأغفر له. وقال الشيخ أحمد محمد شاكر فى تعليقه على الترمذى (ج ٢ ص ٣٠٨): ضبطت هى وما بعدها فى النسخة اليونينية من البخارى (ج ٢ ص ٥٣) بالنصب فقط ، ولكن قال الحافظ فى الفتح: بالنصب على جواب الاستفهام، وبالرفع على الاستئناف. وكذا قوله فأعطيه وأغفر له. وقد قرئى بهما فى قوله تعالى: (من ذا الذى يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له - ٢: ٢٤٥) . الآية وليست السين فى قوله تعالى: فاستجيب للطلب بل استجيب بمعنى أجيب (من يسألنى فأعطيه) بفتح الياء وضم الهاء وبسكون الياء وكسر الهاء (من يستغفرنى فأغفر له) قيل: الثلاثة المذكورة، وهى الدعاء والسوال والاستغفار، بمعنى واحد وإن اختلف اللفظ، يعنى أن المقصود واحد، واختلاف العبارات لتحقيق القضية وتأكيدها. وقيل: الفرق بين الثلاثة أن المطلوب إما الدفع المضار أو جلب المسار، والثانى إمادينى وإما دنيوى، ففى الاستغفار إشارة إلى الأول، وفى السوال إشارة إلى الثانى، وفى الدعاء إشارة إلى الثالث. وزاد فى رواية عند النسائى: هل من تائب فأتوب عليه؟ وزاد فى رواية عنده أيضاً: من ذا الذى يسترزقنى فأرزقه؟، من ذا الذى يستكشف الضر فأ كشفه عنه. وزاد فى رواية: ألاسقيم يستشفى فيشفى؟ ومعانيها داخلة فى ما تقدم (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد ومالك والترمذى فى الصلاة، وفى الدعوات، وأبو داود فى الصلاة، والنسائى فى النعوت، وفى اليوم والليلة، وابن ماجه فى الصلاة ، والبيهقى (ج ٣ ص ٢). وفى الباب عن على بن أبى طالب وأبى سعيد ورفاعة الجهنى وجبير بن مطعم وابن مسعود وأبى الدرداء وعثمان بن أبي العاص وجابر بن عبد الله وعبادة بن الصامت وعقبة بن عامر وعمرو ابن عبسة وأبى الخطاب وأبى بكر الصديق وأنس بن مالك وأبى موسى الأشعرى ومعاذ بن جبل وأبي ثعلبة الخشنى وعائشة وابن عباس ونواس بن سمعان وأم سلمة وجد عبد الحميد بن سلمة، سرد أسماءهم العينى فى شرح البخارى (ج ٧ ص ١٩٧، ١٩٨) مع تخريج أحاديثهم، وإنما أشرت إلى كثرة الروايات فى ذلك، لأن بعض الناس يستنكفون عن مثل هذا وينكرون صحة الأحاديث الواردة فى هذا الباب لقلة فهمهم وكثرة جهلهم أو لعنادهم ، كما تقدم عن الخوارج والمعتزلة، وذكر ابن حبان فى كتاب السنة عن أبى زرعة قال: هذه الأحاديث المتواترة عن رسول اللّه وَثّ أن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا. قد رواه عدة من أصحاب رسول اللّه مؤثّه، ٢٢٠ i : : ١ ١